Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
أمر الحديبية
والأول أُشهر.
وكان الصلح على وضع الحرب، بحيث يأمن الناس فيها، ويكف بعضهم
عن بعض.
وأن لا يدخل البيت إلا العام القابل ثلاثة أيام.
ولا يدخلوها إلا بجلبان السلاح، وهو القراب بما فيه.
والجلبان - بضم الجيم وسكون اللام - شبه الجراب يوضع فيه السيف
مغمودًا. ورواه القتيبي: بضم الجيم واللام وتشديد الباء، وقال: هو أوعية السلاح بما
فیھا.
وفي بعض الروايات: لا يدخلها إلا بجلبان السلاح: السيف والقوس.
وإنما اشترطوا ذلك ليكون علمًا وإمارة للسلم،
الذهبي فقال: بل ضعيف فإِن عاصمًا أحد رجاله ضعفوه (والأول أشهر) بل هو المعتمد
الصحيح، وهذا مع ضعف إِسناده منكر مخالف للصحيح كما مر عن الحافظ مع زيادة.
واختلف العلماء في المدة التي تجوز المهادنة فيها مع المشركين، فقال الشافعي
والجمهور لا تجاوز عشر سنين لهذا الحديث لأن منع الصلح هو الأصل لآية القتال، فورد
الحديث بعشر فالزيادة على أصل المنع، وقيل تجوز الزيادة، وقيل لا تجاوز أربع سنين وقيل
ثلاثًا وقیل سنتین.
(وكان الصلح على وضع الحرب بحيث يأمن الناس فيها،) أي مدة الصلح (ويكف
بعضهم عن بعض) القتال ونهب الأموال، (وأن لا يدخل البيت إلا العام القابل) ويقيم (ثلاثة
أيام، ولا يدخلوها إلا بجلبان السلاح، وهو) أي السلاح (القراب بما فيه والجلبان بضم الجيم
وسكون اللام) وخفة الموحدة، فألف فنون (شبه الجراب يوضع فيه السيف مغمودًا).
(ورواه القتيبي) بضم القاف، وفتح الفوقية، عبد اللّه بن مسلم بن قتيبة أبي محمد الدينوري
مؤلف غريب الحديث وأدب الكاتب وغيره نسبة إلى جده قتيبة المذكور، فالصواب حذف الياء
قبل الموحدة لوجوب حذفها في النسبة إلى فعيلة بالضم كجهينة وقريظة، فيقال: جهني وقرظي
(يضم الجيم و) ضم (اللام وتشديد الباء) الموحدة، (وقال هو أوعية السلاح بما فيها، وفي بعض
الروايات، ولا يدخلها إِلاَّ بجلبان السلاح السيف والقوس،) بدل من السلاح، وفي نسخة
والسيف بواو عطف التفسير، (وإنما اشترطوا ذلك ليكون علمًا وإمارة للسلم، إِذ كان دخولهم

٢٢٢
أمر الحديبية
إذ كان دخولهم صلحاً.
وقال مكي بن أبي طالب القيرواني في تفسيره:
وبعث عليه الصلاة والسلام بالكتاب إليهم مع عثمان بن عفان
صلحًا،) فهو أبلغ في الدلالة على أنهم غير محاربين، (وقال مكي) بميم وكاف ونسخة علي من
أوهام النساخ (ابن أبي طالب) حموش بفتح المهملة وشد الميم المضمومة، وسكون الواو فشين
معجمة ابن محمد بن مختار (القيرواني) أبو محمد القيسي، الملكي، الفقيه، الأديب المقري،
أخذ بالقيروان عن ابن أبي زيد والقابسي، ورحل وحج وأخذ عن جميع بالمشرق كإِبراهيم
المروزي وابن فارس، ودخل قرطبة فنوه بمكانه القاضي ابن ذكوان فأجلسه في الجامع فعلا ذكره
ونشر علمه ورحل إليه الناس من كل قطر.
وروى عنه ابن عتاب وحاتم بن محمد وابن سهل وغيرهم، وصنف كثيرًا في علوم القرءان
وغيره ومات صدر محرم سنة سبع وثلاثين وأربعمائة (في تفسيره) وهو في عشرة أجزاء، (وبعث
عليه الصلاة والسلام بالكتاب إِلیھم) لیس المراد کتاب الصلح، کما یوهمه سياق المصنف،
بل هذا كتاب أرسله لأشراف قريش كما أخرجه البيهقي، والحاكم في الإِكليل عن عروة،
وابن إِسحق من وجه آخر وابن سعد والوقادي، قالوا: ما محصله لما نزل عَّه الحديبية أحب أن
يبعث إلى قريش يعلمهم أنه إنما قدم معتمرًا، فبعث خراشٍ بن أمية الخزاعي على جمله
عليه السلام، فعقره عكرمة بن أبي جهل وأرادوا قتله، فمنعه الأحابيش، فأتاه مَِّ وأخبره فدعا
عمر فاعتذر بأنه يخافهم على نفسه لما عرفوه من عداوته وغلظته عليهم ولا عشيرة له بمكة، ودله
على عثمن لعزته عليهم وعشيرته فدعاه وكتب كتابًا بعثه (مع عثمن بن عفان) وأمره أن يبشر
المستضعفين بمكة بالفتح قريبًا، وأن اللّه سيظهر دينه، فتوجه عثمن فوجد قريشًا ببلدح قد اتفقوا
على منعهم من مكة، فأجاره أبان بن سعيد بن العاصي وحمله على فرسه، وركب هو وراءه وقال
له شعرًا:
أقبل وأدبر ولا تخف أحدًا بنو سعيد أعزة الحرم
فانطلق حتى أتى أبا سفين وعظماء قريش، فبلغهم رسالة النبي مَّه وقرأ عليهم الكتاب
واحدًا واحدًا فما أجابوا، وصمموا أنه لا يدخلها هذا العام، وقالوا لعثمن: إِن شئت أن تطوف
فطف، فقال: ما كنت لأَفعل حتى يطوف رسول اللَّه عَ له، وقد قال المسلمون: هنيئًا لعثمن
خلص إلى البيت فطاف به دوننا، فقال عَ لِّ: إِن ظني به أن لا يطوف حتى نطوف معًا، وبشر
عثمن المستضعفين، ولما تم كتاب الصلح وهم ينتظرون نفاذ ذلك وإمضاءه رمى رجل من أحد
الفريقين رجلاً من الفريق الآخر، فكانت معاركة بالنبل والحجارة، فارتهن كل فريق من عندهم،

٢٢٣
أمر الحديبية
وأمسك سهيل بن عمرو عنده، وأمسك المشركون عثمن فغضب المسلمون.
وقال مغلطاي: فأحتبسته قريش عندها. فبلغ النبي عَِّ أن عثمن قد قتل،
فدعا الناس إلى بيعة الرضوان تحت الشجرة على الموت، وقيل على أن لا يفروا،
انتھی.
(وأمسك) عليه السلام (سهيل بن عمرو عنده)، كما في مغازي أبي الأسود عن عروة وابن عائذ
عن ابن عباس، وابن عقبة، عن الزهري، وقد نقله عن صاحب العيون. فالاعتراض على المصنف
بأن الذي في ابن سيد الناس والشامي صريح في أنه إنما أمسك الذين جاءوا له مع مكرز، والإثني
عشر الذين أسرهم بعد ذلك وهم فلم يقع ذلك في العيون، وما في الشامية مما يوهم ذلك، إنما
تبع فيه الواقدي ولا يعادل ما قاله هؤلاء الثقات على أنه لم ينف أنه أمسك سهيلاً عنده، بل صح
أنه أطلق الذين جاءوا مع مكرز كلهم، ففي مسلم عن سلمة جاء عمي برجل يقال له مكرز في
ناس من المشركين، فقال ◌َله: (دعوهم يكون لهم بدء الفجور وثنياه) فعفا عنهم، وأنزل اللّه
وهو الذي كف الآية، (وأمسك المشركون عثمن) في عشرة دخلوا مكة بإِذنه عليه السلام في
أمان عثمن أو سرًّا (فغضب المسلمون، وقال مغلطاي) ملخصًا لكلام ابن إسحق، (فاحتبسته) أي
عثمن (قريش عندها، فبلغ النبي عَّله أن عشمن قد قتل،) فقال: لا نبرح حتى نناجز القوم، (فدعا
الناس إِلى بيعة الرضوان) سميت بذلك لقوله تعالى ﴿لقد رضي اللَّه عن المؤمنين إِذ يبايعونك
.(تحت الشجرة)﴾ سمرة أو أم غيلان كان عَّ نازلاً تحتها يستظل بها، فبايعوه (على الموت،)
کما قاله سلمة بن الأکوع عند البخاري، والترمذي والنسائي، وروی الشیخان عن عبد الله بن زيد
لا أبايع على هذا أي الموت أحدًا بعد رسول اللَّه عَادٍ، (وقيل) لم يبايعهم على الموت، بل
(على أن لا يفروا،) قاله جابر بن عبد الله، ورواه مسلم عن معقل بن يسار (انتهى).
وفي الصحيح أن نافعًا سئل أبايعهم على الموت، قال لا بايعهم على الصبر. وجمع
الترمذي بأن بعضًا بايع على الموت وبعضًا على أن لا يفروا، واستدل لكل منهما بقوله: ﴿لقد
رضي اللَّه عن المؤمنين﴾ الآية، لأن المبايعة وقعت مطلقة فيها، وقد أخبر سلمة وهو ممن بايع
أنه بايع على الموت فدل على أنه المراد، وقال ابن المثير قوله ﴿فعلم ما في قلوبهم، فأنزل
السكينة عليهم﴾ والسكينة الطمأنينة في موقف الحرب يدل على أنهم أضمروا في قلوبهم أن
لا يفروا فأعانهم على ذلك.
قال الحافظ: على أنه لا منافاة فالمراد بالمبایعة على الموت أن لا یفروا ولو ماتوا، وليس
المراد أن يقع الموت، ولا بدّ وهو الذي أنكره نافع وعدل إِلى قوله بايعهم على الصبر، أي على
الثبات وعدم الفرار سواء أفضى بهم ذلك إلى الموت أم لا.

٢٢٤
أمر الحديبية
وقال في محل آخر، وحاصل الجمع أن من أطلق أنها على الموت أراد لازمها؛ لأَنه إِذا
بایع على أن لا يفر لزم من ذلك أن يثبت، والذي يثبت أما أن يغلب وإما أن يؤسر والذي يؤسر،
إما أن يقتل وإما أن يموت، ولما كان الموت لا يؤمن في مثل ذلك أطلق الراوي، وحاصله أن
أحدهما حكى صورة البيعة، والآخر حكى ما تؤول إليه.
وفي الصحيح عن ابن عمر والمسيب بن حزن والد سعيد أن الشجرة أخفيت، والحكمة
في ذلك أن لا يحصل افتتان بها لما وقع تحتها من الخبر، فلو بقيت لما أمن تعظيم الجهال لها
حتى ربما اعتقدوا أن لها قوة نفع وضر كما نشاهده الآن فيما دونها.
وإلى ذلك أشار ابن عمر بقوله كانت رحمة من اللَّه، أي كان إخفاؤها رحمة من الله،
ويحتمل أن معناه كانت الشجرة موضع رحمة اللَّه ومحل رضوانه لنزول الرضا عن المؤمنين
عندها، لكن إِنكار سعيد بن المسيب على من زعم أنه يعرفها معتمدًا على قول أبيه أنهم لم
يعرفوها في العام المقبل، لا يدل على رفع معرفتها أصلاً، لما في البخاري عن جابر، لو كنت
أبصر اليوم لأريتكم مكان الشجرة، فهذا يدل على أنه كان يعرفها بعينها، لأنها كانت قطعت قبل
مقالته، كما روى ابن سعد بإسناد صحيح عن نافع: أن عمر بلغه أن قومًا يأتون الشجرة، فيصلون
عندها، فتوعدهم ثم أمر بقطعها فقطعت.
انتهى من الفتح وكان أول من بايع أبو سنان الأسدي، وهو وهب أو عارم أو عبد الله بن
مصحن أخو عكاشة.
أخرج الطبراني عن ابن عمر لما دعا عَّه الناس إلى البيعة كان أول من انتهى إليه
أبو سنان، فقال: إِبسط يدك أبايعك فقال عَّةِ: ((علام تبايعني)؟، قال: على ما في نفسي، قال:
(وما في نفسك))؟، قال: أضرب بسيفي حتى يظهرك اللَّه، أو أقتل فبايعه وبايعه الناس على بيعة
أبي سنان.
وكذا رواه ابن منده عن زربن حبيش، والبيهقي عن الشعبي وصححه أبو عمر قائلاً أنه
الأكثر والأشهر، وقيل ابنه سنان، لأَن أباه مات في حصار بني قريظة قبل اليوم.
قاله الواقدي، وضعفه بعض الحفاظ وقيل ابن عمر. قال ابن عبد البر ولا يصح. وفي
صحیح مسلم ان سلمة بن الأکوع أول من بايع.
قال البرهان: والجمع ممكن وكلهم بايع مرة إلا ابن عمر، فبايع مرتين مرة قبل أبيه ومرة
بعده، كما في الصحيح، وإلا سلمة بن الأكوع، فبايع مرتين، كما في البخاري، وثلاثًا كما في
مسلم.

٢٢٥
أمر الحديبية
ووضع النبي عَّه شماله في يمينه وقال: هذه عن عثمن. وفي البخاري:
فقال ◌َِّ بيده اليمنى هذه يد عثمن، فضرب بها على يده اليسرى فقال هذه
لعثمن الحديث.
ولما سمع المشركون بهذه البيعة خافوا
قال ابن المنير: الحكمة في تكراره البيعة لسلمة أنه كان مقدامًا في الحرب، فأكد عليه
العقد احتياطًا.
قال الحافظ أو لأنه كان يقاتل قتال الفارس والراجل، فتعددت البيع بتعدد الصفة انتهى.
قال الشامي و کأنه لم يستحضر ما في مسلم من مبايعته ثلاثًا، ولو استحضره لوجهه
انتهى، وفيه شىء، فتوجيه ابن المنير يجري فيه، (ووضع النبي عَّ شماله في يمينه، وقال هذه،)
أي شماله (عن عثمن،) وهذا قد يشعر بأنه علم بأنه لم يقتل، فيكون معجزة.
ويؤيده ما جاء أنه لما بايع الناس قال: اللهم إِن عثمن في حاجتك وحاجة رسولك،
فضرب بإحدى يديه على الأخرى، فكانت يده لعثمن خيرًا من أيديهم لأنفسهم.
(وفي البخاري) في المناقب والمغازي عن ابن عمر أن رجلاً من أهل مصر سأله هل تعلم
أن عثمن فر يوم أحد، وتغيب عن بدر وعن بيعة الرضوان، قال: نعم. قال: اللَّه أكبر قال ابن عمر:
تعال أبین لك أما فراره یوم أخد فأشهد أن اللَّه عفا عنه، وغفر له، وأما تغيبه عن بدر، فكان تحته
بنت رسول اللَّه عَّهِ، وكانت مريضة، فقال عَله: إِن لك أجر رجل ممن شهد بدرًا وسهمه، وأما
تغيبه عن بيعة الرضوان، فلو كان أحد أعز ببطن مكة لبعثه مكانه، وكانت بيعة الرضوان بعدما
ذهب عثمن إِلى مكة، (فقال ◌َله: بيده اليمنى) من إِطلاق القول على الفعل، أي: مشيرًا بها
(هذه يد عثمن) أي: بدلها (فضرب بها على يده اليسرى، فقال: هذه لعثمن) أي عنه ولا ريب
أن یده عګ لعثمن خیر من یدہ لنفسه کما ثبت ذلك عن عثمن نفسه.
روى البزار بإسناد جيد أنه عاتب عبد الرحمن بن عوف، فقال له لم ترفع صوتك عليّ؛
فذكر الأمور الثلاثة وأجابه عثمن بمثل ما أجاب به ابن عمر، قال عثمن: في هذه فشمال
رسول اللَّهِ مَُّ خير لي من بميني (الحديث) بقيته فقال له ابن عمر: إِذهب بها الآن معك.
(ولما سمع المشركون بهذه البيعة خافوا) وألقى اللَّه في قلوبهم الرعب، فأذعنوا إِلى
الصلح وقال سهيل: ما كان من حيس أصحابك وقتالك لم يكن من رأى ذوي رأينا كنا له
كارهين حين بلغنا ولم نعلم به وكان من سفهائنا، فابعث إلينا بأصحابنا الذين أسرت، فقال: إني
غير مرسلهم حتى ترسلوا أصحابي، فقالوا: أنصفتنا فبعث سهيل ومن معه إلى قريش فأذعتوا

٢٢٦
أمر الحديبية
وبعثوا عثمن وجماعة من المسلمين.
وفي هذه البيعة قوله تعالى: ﴿إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله
فوق أيديهم﴾ [الفتح/١٠] وقوله تعالى: ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين﴾ [الفتح/
١٨].
وحلق الناس مع النبي صَّهِ،
(وبعثوا عثمن وجماعة من المسلمين.) قال الشامي عشرة: كرزبن جابر وعبد الله بن سهيل،
وعبد الله بن حذافة، وأبو الروم بن عمير العبدري، وعياش بن أبي ربيعة، وهشام بن العاصي،
وحاطب بن عمرو، وعمير بن وهب الجمحي وحاطب بن أبي بلتعة وعبد الله بن أمية وكانوا
دخلوا مكة بإِذنه عليه السلام، قيل في جوار عثمن، وقيل سرًّا (وحلق الناس مع النبي عَليه) بعد
توقفهم.
ففي البخاري في الشروط، فلما فرغ من الكتاب قال تَّةٍ لأصحابه قوموا فانحروا، ثم
احلقوا روؤسكم فوالله ما قام رجل منهم حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد
دخل على أم سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس.
وفي رواية ابن إسحق فقال لها ألا ترين إلى الناس إني أمرتهم بالأمر فلا يفعلونه فقالت: يا
رسول اللَّه لا تلمهم فإنهم قد دخلهم أمر عظيم مما أدخلت على نفسك من المشقة في أمر
الصلح ورجوعهم بغير فتح.
وفي رواية أبي المليح فاشتد ذلك عليه فدخل على أم سلمة، فقال: هلك المسلمون
مرتهم أن يحلقوا وينحروا، فلم يفعلوا قال فجلا اللَّه عنهم يومئذٍ بأم سلمة انتهى، فقالت: يا نبي
اللَّه أتحب ذلك أخرج ثم لا تكلم منهم أحدًا كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك،
فخرج فلم يكلم منهم أحدًا حتى نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا
وجعل بعضهم يحلق بعضًا حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا.
قال ابن إسحق بلغني أن الذي حلقه يومئذٍ خراش بمعجمتين ابن أمية بن الفضل الخزاعي
وكانت البدن سبعين.
حدثني عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس كان فيها جمل لأبي جهل في
رأسه برة من فضة ليغيط به المشركين، وكان غنمه منه في بدر، وحلق رجال يومئذٍ وقصر
آخرون فقال ◌َّ: يرحم اللَّه المحلقين قالوا: والمقصرين؟، قال: يرحم اللَّه المحلقين قالوا:
والمقصرين؟، قال: والمقصرين قالوا: لم ظاهرت الترحم للمحلقين دون المقصرين. قال: لم
یشکوا.

٢٢٧
أمر الحديبية
ونحروا هداياهم بالحديبية، قال مغلطاي: وأرسل الله ريحًا حملت شعورهم فألقتها
في الحرم.
رواه ابن إسحق أيضًا عن ابن عباس قيل كان توقف الصحابة رضي الله عنهم بعد الأمر
لاحتمال أنه للندب أو لرجاء نزول الوحي بإبطال الصلح أو تخصيصه بالإذن لهم في دخول مكة
العام لإتمام نسكهم، وساغ ذلك لهم لأنه زمان وقوع النسخ، ويحتمل أن صورة الحال أبهتتهم،
فاستغرقوا في الفكرِ لما لحقهم من الذل عند نفوسهم مع ظهور قوتهم واعتقادهم القدرة قضاء
نسكهم بالغلبة أو لأن الأمر المطلق لا يقتضي الفور.
ويحتمل مجموع هذه الأمور لمجموعهم أو فهموا أنه عَّ أمرهم بالتحلل أخذًا بالرخصة
في حقهم، وأنه هو يستمر على الإِحرام أخذًا بالعزيمة في حق نفسه فأشارت عليه أم سلمة
بالتحلل لينفي هذا الاحتمال وعرف صوابه ففعله، فلما رأوه بادروا إِلى فعل ما أمرهم به، إِذ لم
يبق غاية ينتظرونها ونظيره ما وقع لهم في غزوة الفتح من أمره لهم بالفطر في رمضان، فأبوا حتى
شرب فشربوا وفيه فضل المشورة، ومشاورة المرأة الفاضلة وفضل أم سلمة ووفر عقلها، حتى
قال إمام الحرمين: لا نعلم امرأة أشارت برأي فأصابت إِلا أم سلمة، واستدرك عليه بعضهم بنت
شعيب في أمر موسى انتهى من الفتح، (ونحروا هداياهم) أي من كان معه هدي منهم
(بالحديبية) وهي في الحرم في قول لملك، وبعضها في الحل وبعضها في الحرم في قول
الشافعي. وقال الماوردي هي في طرف الحل ولأبي الأسود، عن عروة أمر عَلَّه بالنحر.
قال ابن عباس لما صدت عن البیت حنت کما تحن إِلی أولادها، فنحر ﴾ بدنه حیث
جبسوه وهي الحديبية أي أكثرها، فلا ينافي ما رواه ابن سعد عن جابر أنه بعث من هديه بعشرين
بدنة لتنحر عنه عند المروة مع رجل من أسلم.
(قال مغلطاي وأرسل اللَّه ريحًا،) كما رواه ابن سعد من مرسل يعقوب بن مجمع
الأنصاري لما صد عَّه وأصحابه وحلقوا بالحديبية ونحروا بعث اللَّه ريحًا عاصفًا (حملت
شعورهم فألقتها في الحرم) جبًا لهم في صدهم عن البيت، وقد زاد أبو عمر فاستبشروا بقبول
عمرتهم.
ولعل المراد غير شعره عليه السلام، فلا ينافي ما جاء أن خراشًا لما حلقه رمى شعره على
شجرة إِلى جنبه من سمرة خضراء، فجعل الناس يأخذونه من فوقها، وأخذت أم عمارة طاقات من
شعره فكانت تغسلها للمريض وتسقيه فيبرأ، ويحتمل أنهم أخذوا أكثره، وألقت الريح باقيه في
الجرم.
وفي الصحيح عن جابر قال لنا عَّه يوم الحديبية: أنتم خير أهل الأرض وأخرج مسلم
وغيره عن جابر مرفوعًا لا يدخل النار من شهد بدرًا والحديبية.

٢٢٨
أمر الحديبية
وأقام عليه الصلاة والسلام بالحديبية بضعة عشر يومًا، وقيل عشرين يومًا،
ثم قفل وفي نفوس بعضهم شىء، فأنزل الله تعالى سورة الفتح يسليهم بها
ويذكرهم نعمه، فقال تعالى: ﴿إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا﴾ [الفتح /١].
قال ابن عباس وأنس والبراء بن عازب: الفتح هنا فتح الحديبية، ووقوع
وروى أحمد بإسناد حسن عن أبي سعد الخدري، قال: لما كنا بالحديبية. قال عَّ:
لا توقدوا نارًا بليل فلما كان بعد ذلك، قال: أوقدوا واصطنعوا فإِنه لا يدرك قوم بعدكم صاعكم
ولا مد کم.
وروى مسلم من حديث أم مبشر سمعت النبي عَّةٍ يقول: لا يدخل النار أحد من
أصحاب الشجرة وتمسك به من فضل عليًا على عثمن لأنه كان ممن خوطب بذلك وبايع
وعثمن بمكة، ولا حجة فيه لأنه عَّه بايع عن عثمن فاستوى معهم ولم يقصدٍ تفضيل بعضهم
على بعض، واحتج به على موت الخضر لأنه لو كان حيّا مع أنه نبي بالأدلة الواضحة لزم
تفضيل غير النبيٍ على النبي وهو باطل، وأجاب من قال بحياته باحتمال حضوره معهم أو لم
يكن على وجه الأرض أو كان في البحر والثاني ساقط، وأما ابن التين فاستدلٍ به على أنه ليس
بنبي وأنه دخل في عموم من فضل عَّ أهل الشجرة عليه ورده الحافظ بالأدلة الواضحة على
ثبوت نبوة الخضر، وأما قولهم العشرة المبشرة بالجنة فلورود النص عليهم بأسمائهم في حديث
واحد، وقد قال أبو عمر ليس في الغزوات ما يعدل بدرًا أو يقرب منها إلا الحديبية حيث كانت
بيعة الرضوان.
لكن قال غيره الراجح تقديم أحد بالحديبية وإنها التي تلي غزوة بدر في الفضل، (وأقام
عليه الصلاة والسلام بالحديبية بضعة عشر يومًا وقيل عشرين يومًا) حكاهما الواقدي،
وابن سعد بإبهام البضع.
وفي الشامي عنهما تسعة عشر يومًا، وذكر ابن عائد أنه أقام في غزوته هذه شهرًا ونصفًا،
(ثم قفل وفي نفوسهم بعض شىء) من عدم الفتح الذي كانوا لا يشكون فيه، (فأنزل اللَّه تعالى
سورة الفتح) بين مكة والمدينة، کما في حديث ابن إسحق، أي بضجنان، کما عند ابن سعد
بفتح الضاد المعجمة، وسكون الجيم ونونين بيتهما ألف جيل على بريد من مكة (يسليهم بها
ويذكرهم لعمه، فقال تعالى:) وفي الموطأ وأخرجه البخاري من طريقه عن عمر مرفوعًا، لقد
أنزلت عليّ الليلة سورة لهي أحب مما طلعت عليه الشمس، ثم قرأ: ﴿إنا فتحنا لك فتحا
مبنينًا﴾) الفتح الظفر بالبلدعنوة أو صلحًا بحرب أو بغيره، لأنه مغلق ما لم يظفر به فإذا ظفر به
فقد فتح، ثم اختلف فيه (قال ابن عباس، وأنس والبراء بن عازب الفتح هنا فتح الحديبية

٢٢٩
أمر الحديبية
الصلح بعد أن كان المنافقون يظنون أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم
أبدًا، أي حسبوا أنهم لا يرجعون بل يقتلون كلهم.
وأما قوله تعالى: ﴿وأثابهم فتحًا قريبًا﴾ [الفتح/١٨] فالمراد فتح خيبر على
الصحيح، لأنها هي التي وقعت فيها المغانم الكثيرة للمسلمين.
وقد روى أحمد وأبو داود والحاكم من حديث مجمع بن جارية قال:
شهدنا الحديبية،
ووقوع الصلح).
قال الحافظ فإِن الفتح في اللغة فتح المغلق والصلح كان مغلقًا حتى فتحه اللّه وكان من
أسباب فتحه صد المسلمين عن البيت، فكانت الصورة الظاهرة ضيمًا للمسلمين والباطنة عزًا
لهم، فإِن الناس للأمن الذي وقع فيهم اختلط بعضهم ببعض من غير نكير، وأسمع المسلمون
المشركين القرءان وناظروهم على الإسلام جهرة آمنين، وكانوا قبل ذلك لا يتكلمون عندهم
بذلك إِلا خفية، فظهر من كان يخفي إِسلامه، فذل المشركون من حيث أرادوا العزة، وقهروا من
حيث أرادوا الغلبة، (بعد أن كان المنافقون يظنون أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم
أبدًا،) كما أخبر اللَّه، (أي حسبوا أنهم لا يرجعون، بل يقتلون كلهم،) وقيل: هو فتح مكة فنزلت
مرجعه من الحديبية عدة له بفتحها، أو أتى به ماضيًا لتحقق وقوعه وفيه من الفخامة والدلالة
على علو شأن المخبر به ما لا يخفى.
وقيل المعنى قضينا لك قضاءً بينًا على أهل مكة أن تدخلها أنت وأصحابك قابلاً من
الفتاحة وهي الحكومة.
وفي الصحيح عن البراء تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتحًا ونحن نعد الفتح بيعة
الرضوان قال الحافظ: يعني أنا فتحنا لك فتحا مبينا، وقد وقع فيه اختلاف قديم والتحقيق أنه
يختلف باختلاف المراد من الآيات، فالمراد بقوله تعالى إنا فتحنا لك فتحا مبينا، فتح الحديبية
لما ترتب على الصلح من الأمن ورفع الحرب، وتمكن من كان يخشى الدخول في الإِسلام
والوصول إِلى المدينة منه، وتتابع الأنساب إلى أن كمل الفتح.
قال: (وأما قوله تعالى ﴿وأثابهم فتحًا قريبًا﴾ فالمراد به فتح خيبر على الصحيح لأنها
هي التي وقعت فيها المغانم الكثيرة للمسلمين،) وقد قال اللَّه تعالى ﴿مغانم كثيرة
تأخذونها﴾، (وقد روى أحمد، وأبو داود والحاكم من حديث مجمع) بضم الميم وفتح الجيم
وشد الميم الثانية المكسورة (بن جارية) الجيم والراء، والياء ابن عامر الأنصاري الأوسي المدني
الصحابي، المتوفى في خلافة مطوية، روى له الترمذي، وأبو داود، وابن ماجه (قال: شهدنا

٢٣٠
أمر الحديبية
فلما انصرفنا وجدنا رسول الله عَّ له واقفًا عند كراع الغميم، وقد جمع الناس وقرأ
عليهم: ﴿إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا﴾ الآية فقال رجل: يا رسول الله، أو فتح هو؟
قال أي والذي نفسي بيده إنه لفتح.
وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن الشعبي إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا
الآية صلح الحديبية،
الحديبية) سفرًا وإقامة وصلحًا، ولا أدري ما وجه القصر عليه، (فلما انصرفنا منها وجدنا
رسول اللَّه عَِّ واقفًا عند كراع الغميم) بفتح المعجمة، وكسر الميم على الصواب المشهور
عمد أهل الحديث واللغة والتواريخ والسير وغيرهم كما قال النووي.
وحكى ابن قرقول ضم الغين وفتح الميم وادٍ أمام عسفان (وقد جمع الناس) دعاهم من
أماكن متفرقة وأحضرهم عنده (وقرأ عليهم ﴿إِنا فتحنا لك فتحًا مبينًا﴾ الآية. فقال رجل یا
رسول اللَّه أو فتح هو؟ قال: أي والذي نفسي بيده أنه لفتح.) وعند ابن سعد فلما نزل بها
جبريل. قال: نهنيك يا رسول اللَّه فلما هنا جبريل هنأه الناس.
وروى موسى بن عقبة في حديثه عن الزهري وأخرجه البيهقي عن عروة، قال: أقبل
النبي عَّ له راجعاً فقال رجل من أصحابه: ما هذا بفتح لقد صددنا عن البيت وصد هدينا ورد
عَّه رجلين من المؤمنين أخرجا إِليه فبلغه ذلك عَّه، فقال: بئس الكلام بل هو أعظم الفتح قد
رضي المشركون أن يدفعوكم بالراح عن بلادهم ويسألوكم القضية ويرغبون إليكم في الأمان،
ولقد رأوا منكم ما كرهوا وأظفركم اللَّه عليهم وردكم سالمين مأجورين فهو أعظم الفتوح. أنسيتم
يوم أحد إِذ تصعدون ولا تلوون على أحد وأنا أدعوكم في أخراكم أنسيتم يوم الأحزاب إِذ
جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم، وإِذا زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله
الظنونا؟، فقال المسلمون وصدق اللَّه ورسوله هو أعظم الفتوح واللَّه يا نبي اللَّه ما فكرنا فيما
فكرت فيه، ولأَنت أعلم باللَّه وبأمره منا.
(وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن الشعبي) في قوله ﴿إنا فتحنا لك فتحًا
مبينًا﴾ الآية) قال: (صلح الحديبية) الذي قال فيه الزهري، لم يكن في الإسلام فتح قبله أعظم
منه، إنما كان القتال حيث التقى الناس، فلما كانت الهدنة ووضع الحرب وأمن الناس كلهم
بعضهم بعضًا والتقوا وتفاوضوا في الحديث والمنازعة لم يكلم أحد بالإِسلام يعقل شيئًا في تلك
المدة لا دخل فيه، ولقد دخل في تينك السنتين مثل من كان دخل في الإِسلام، قيل ذلك أو
أکثر.
قال ابن هشام ويدل عليه أنه عَد خرج في الحديبية في ألف وأربعمائة، ثم خرج بعد

٢٣١
أمر الحديبية
وغفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وتبايعوا بيعة الرضوان وأطعموا نخيل خيبر،
وظهرت الروم على فارس، وفرح المسلمون بنصر الله.
وأما قوله تعالى: ﴿إِذا جاء نصر الله والفتح﴾ [النصر /١] وقوله تعَّله: لا
هجرة بعد الفتح ففتح مكة باتفاق.
قال الحافظ ابن حجر: فبهذا يرتفع الإشكال وتجتمع الأقوال والله أعلم.
ثم رجع رسول الله عَّهُ إلى المدينة.
سنتین إِلی فتح مكة في عشرة آلاف انتهى.
ومما ظهر من مصلحة الصلح غير ما ذكره الزهري؛ أنه كان مقدمة بين يدي الفتح
الأعظم الذي دخل الناس عقبه في دين الله أفواجًا، فكانت قصة الحديبية مقدمة للفتح فسميت
فتحًا، إِذٍ مقدمة الظهور ظهور، (وغفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر) كناية عن العصمة أي
عصمة، أي حال بينه وبين الذنوب فلا يأتيها، لأن الغفر الستر وهو إِما بين العبد والذنب، وهو
اللائق بالأنبياء وإما بين الذنب وعقوبته وهو اللائق بأممهم، وهذا قول في غاية الحسن. ويأتي إِن
شاء اللّه تعالى بسط ذلك في محله، وقد أخرج أحمد والشيخان والترمذي والحاكم عن أنس
قال: أنزلت على النبي عَّه ليغفر لك اللَّه ما تقدم من ذنبك وما تأخر مرجعه من الحديبية،
فقال عَّه: لقد نزلت عليّ آية أحب إليّ مما على الأرض، ثم قرأها عليهم، فقالوا: هنيئًا لك يا
رسول اللَّه لقد بين اللَّه ماذا يفعل بك فماذا يفعل بنا فنزلت ﴿ليدخل المؤمنين والمؤمنات﴾ حتى
بلغ فوزًا عظيمًا (وتبايعوا بيعة الرضوان، واطعموا نخيل خيبر، وظهرت الروم) وهم أهل
كتاب (على فارس) وهم مجوس يعبدون الأوثان، أي غلبوهم لما التقوا بعدما غلبت فارس الروم
وفرح بذلك کفار مکة. وقالوا للمسلمین: نحن نغلیکم کما غلبوهم فإِنکم کالروم أهل كتاب
ونحن كفار نعبد الأوثان. (وفرح المؤمنون بنصر اللَّه) الروم على فارس كما أشير إليه في قوله
تعالى ﴿ألم غلبت الروم﴾ الآية، ففسر الشعبي الفتح المبين بهذه المذكورات، ولا ينافي هذا أن
غنائم خيبر أريدت بقوله: ﴿وأثابهم فتحًا قريبًا﴾ لأنه لا مانع من إرادتها بكل من الآيتين، فتكون
مستعملة في الحاصل وقت النزول وهو الصلح وفيما لم يحصل بعد وهو غنائم خيبر.
(وأما قوله تعالى: ﴿إِذا جاء نصر اللّه والفتح﴾، وقوله عَ له: ((لا هجرة بعد الفتح ففتح
مكة) باتفاق) في الآية.
والحديث (قال الحافظ ابن حجر فيهذا يرتفع الإشكال) في المراد بالفتح في هذه
المواضع (وتجتمع الأقوال) لأَن المراد بالفتح مختلف (واللَّه أعلم) بمراده، (ثم رجع
رسول اللّه عَّ إِلى المدينة) بعد نزول سورة الفتح وجمعه الصحابة وقراءتها عليهم بكراع

٢٣٢
أمر الحديبية
وفي هذه السنة كسفت الشمس.
وظاهر أوس بن الصامت من امرأته خولة بنت ثعلبة.
الغميم فليس مكررًا مع قوله قبل، ثم قفل لأن المراد به سار من الحديبية.
(وفي هذه السنة كسفت الشمس) سنة ست بالحديبية، وكسفت أيضًا بالمدينة يوم مات
السيد إبراهيم وفي وقت موته خلاف حكاه المصنف في شرح الحديث تبعًا للفتح، وسيأتي في
المقصد الثاني، فتوهمٍ بعضهم أنها إنما كسفت مرة اختلف في وقتها وساق كلام المصنف في
شرح البخاري، وهم لأن إِباهیم لم يكن ولد سنة الحديبية، بل لم تكن أمه أهديت للمصطفى،
لأَن بعثه للملوك إنما كان بعد العود منها في غرة لمحرم سنة سبع كما يأتي.
(وظاهر أوس بن الصامت) الأنصاري الخزرجي البدري وشهد المشاهد أخو عبادة، ووقع
لبعض الرواة تسمية المظاهر عبادة.
قال ابن عبد البر وهو وهم.
قال ابن حبان: مات أيام عثمن وله خمس وثمانون سنة (من امرأته خولة) ويقال لها خويلة
بالتصغير، ويقال اسمها جميلة وفي اسم أبيها خلاف والأكثر أنها (بنت ثعلبة) بن أصرم الأنصارية
الخزرجية، ويقال لملك أو حكيم أو دلعج أو خويلد بالتصغير وآخره دال مهملة أو الصامت.
روى الإمام أحمد عنها قالت: في واللَّه وفي أوس بن الصامت أنزلى اللَّه عزّ وجلّ صدر
سورة المجادلة. كنت عنده وكان شيخًا كبيرًا قد ساء خلقه، وضجر فدخل عليّ يومًا، فراجعته
في شىء فغضب وقال: أنت عليّ كظهر أمي، ثم خرج فجلس في نادي قومه ساعة ثم دخل
عليَّ، فإذا هو يريدني فقلت: كلا والذي نفسي بيده لا تخلص إليّ، وقد قلت ما قلت حتى
يحكم اللَّه ورسوله فينا، فواثبني فامتنعت منه، فغلبته بما تغلب المرأة الشيخ الضعيف، فألقيته
عني، ثم خرجت حتى جئت رسول الله پێ، فجلست بین یدیه فذكرت له ما لقيت منه،
فجعلت أشكو إِلى اللَّه ما ألقى من سوء خلقه، فجعل عَّله يقول: يا خويلة ابن عمك شيخ كبير
فاتقي اللَّه فيه قالت: فوالله ما برحت حتى نزل في القرءان فتغشى رسول اللَّه عَّ ما كان
يتغشاه، ثم سرى عنه فقال: يا خويلة قد أنزل اللَّه فيك وفي صاحبك، ثم قرأ علي قد سمع اللَّه
قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إِلى اللَّه إلى قوله والكافرين عذاب أليم، فقال عَ له: مريه
فليعتق رقبة، فقلت: يا رسول الله ما عنده ما يعتق قال: فليصم شهرين متتابعين، فقلت: واللَّه أنه
لشيخ كبير ما به طاقة قال: فليطعم ستين مسكينًا وسقا من تمر، فقلت: ما ذاك عنده. فقال :
فإنا سنعيتك بفرق من تمر فقلت: يا رسول اللَّه وأنا سأعينه بفرق آخر، قال: قد أصبت وأحسنت
فاذهبي فتصدقي عنه ثم استوصي بابن عمك خيرًا. قالت قد فعلت.

٢٣٣
أمر الحديبية
وفي هذه السنة أيضًا استسقى في رمضان ومطر الناس، فقال النبي عـ
أصبح الناس مؤمنًا بالله وكافرًا بالكواكب.
وأخرج الحاكم وصححه عن عائشة. قالت: تبارك الذي وسع سمعه كل شىء إِني لأسمع
كلام خولة بنت ثعلبة ويخفى عليّ بعضه وهي تقول: يا رسول اللّه أكل شبابي، ونثرت له بطني
حتى إذا كبرت سني، وانقطع ولدي ظاهر مني اللهم إني أشكو إليك، فما برحت حتى نزل
جبريل بهؤلاء الآيات ﴿قد سمع اللَّه قول التي تجادلك في زوجها﴾ وهو أوس بن الصامت.
قال ابن عبد البرّ: رويناه من وجوه عن عمر أنه خرج ومعه الناس فمر بعجوز فاستوقفته،
فوقف فجعل يحدثها وتحدثه، فقال رجل: يا أمير المؤمنين حبست الناس على هذه العجوز.
قال: ويلك تدري من هي؟، هذه امرأة سمع اللَّه شكواها من فوق سبع سموات، هذه خولة بنت
ثعلبة التي أنزل اللَّه فيها قد سمع اللّه. واللّه لو حبستني إِلى الليل ما فارقتها إِلاَّ للصلاة، ثم أرجع
إلیھا.
وعن قتادة خرج عمر من المسجد، فإِذا بامرأة برزت على ظهر الطريق فسلم عليها فردت
عليه، وقالت: هيها يا عمر عهدتك وأنت تسمى عميرًا في سوق عكاظ فلم تذهب الأيام حتى
سميت عمر، ثم لم تذهب الأيام حتى سميت أمير المؤمنين فاتقِ اللَّه في الرعية واعلم أنه من
خاف اللَّه قرب عليه البعيد ومن خاف الموت خشي الفوت، فقال الجارود العبدي: لقد أكثرت
على أمير المؤمنين، فقال عمر: دعها أما تعرفها؟، هذه التي سمع اللَّه قولها من فوق سبع
سموات، فعمر واللَّه أحق أن يسمع لها.
(وفي هذه السنة أيضًا استسقي في رمضان) قبل الحديبية (ومطر الناس، فقال
النبى معَة: أصبح الناس) قسمين (مؤمنًا باللّه وكافرًا بالكواكب،) ومؤمنًا بالكواكب وكافرًا باللّه،
وقد قال هذا الحديث عن ربه عزّ وجلّ بالحديبية.
أخرج الشيخان عن زيد بن خالد الجهني: خرجنا مع رسول اللَّه عَّ عام الحديبية فأصابنا
مطر ذات ليلة فصلى لنا الصبح، ثم أقبل علينا بوجهه فقال: أتدرون ماذا قال ربكم؟، قلنا: اللَّه
ورسوله أعلم، فقال: قال اللّه أصبح من عبادي مؤمن بي، وكافر بي، فأما من قال مطرنا برحمة
اللَّه وبرزق اللَّه وبفضل الله فهو مؤمن بي كافر بالكواكب وأما من قال مطرنا بنوء، كذا فهو
مؤمن بالکواکب کافر بي.
قال في الفتح: يحتمل أن المراد كفر الشرك بقرينة مقابلته بالإيمان. ولأحمد عن مطوية
الليثي مرفوعًا يكون الناس مجدبين فينزل اللَّه عليهم رزقًا من رزقه فيصبحون مشركين يقولون
مظرنا بنوء كذا. ويحتلم أن المراد كفر النعمة ويرشد إليه رواية فأما من حمدني على سقياي

٢٣٤
أمر الحديبية
قال مغلطاي: وجزم الدمياطي في سيرته: بأن تحريم الخمر كان في سنة
الحديبية.
وذكر ابن إسحق: أنه كان في وقعة بني النضير، وهي بعد أحد، وذلك سنة
أربعة على الراجح.
وفيه نظر: لأن أنسّا كان الساقي يوم حرمت، وأنه لما سمع المنادي
بتحريمها بادر فأراقها، فلو كان ذلك سنة أربع، لكان أنس يصغر عن ذلك.
وقال النسائي والبيهقي بسند صحيح
وأثنى عليّ فذاك آمن بي ولمسلم عن أبي هريرة مرفوعًا.
قالَ اللَّه ما أنعمت على عبادي من نعمة إِلا أصبح فريق منهم بها كافرين، وعلى الأَول
حمله كثير من العلماء أعلاهم الشافعي، قال: في الأم: من قال مطرنا بنوء كذا على ما كان
بعض أهل الشرك يعنون من إضافة المطر إلى أنه أمطر نوء كذا فذلك كفر، كما قال عَّاقوى: لأن
النوء وقت، وهو مخلوق لا يملك لنفسه ولا لغيره شيئًا، ومن قاله على معنى مطرنا في وقت كذا
فلا يكون كفرًا وغيره أحب إليّ منه، يعني حسمًا للمادة وعلى هذا يحمل إِطلاق الحديث.
وللنسائي عن أبي سعيد مطرنا بنوء المجدج بكسر الميم، ويقال: بضمها وفتح الدال
وحاء مهملتين، وهو نجم أحمر منير وفيه طرح الإِمام المسألة على أصحابه، وإن كانت لا تدرك
إِلا بدقة نظر، ويؤخذ منه أن للولي المتمكن من النظر في الإشارات أن يأخذ منها عبارات ينسبها
إلى الله تعالى. كذا قال بعض شيوخنا وكأنه أخذه من استفهامه أصحابه عما قال ربهم، وحمل
الاستفهام على حقيقته لكونهم فهموا خلاف ذلك، ولذا لم يجيبوا إلا بتفويض الأمر إِلى الله
ورسوله: (قال مغلطاي وجزم الدمياطي في سيرته بأن تحريم الخمر كان في سنة الحديبية.)
(وذكرٍ ابن إسحق أنه كان في وقعة بني النضير وهي بعد أحد وذلك سنة أربع على الراجح
وفيه نظر، لأن أنسًا كان الساقي يوم حرمت،) كما ثبت في الصحيحين عنه أني لقائم أسقي أبا
طلحة وفلانًا وفلانًا في مسلم وأبا دجانة وسهيل بن بيضاء وأبا عبيدة، وأبي بن كعب، ومعاذ بن
جبل، وأبا أيوب إذ جاء رجل فقال: وهل بلغكم الخبر؟، قالوا: وماذا قال حرمت الخمر قالوا:
أهرق هذه القلال يا أنس. قال: فما سألوا عنها ولا راجعوها بعد خبر الرجل (وأنه لما سمع
المنادي) قال الحافظ: لم أرَ التصريح باسمه (بتحريمها بادر، فأراقها) بأمر الصحابة الذين كان
يسقيهم، (فلو كان ذلك سنة أربع لكان أنس يصغر عن ذلك،) وهذا النظر عجيب من مثل
مغلطاي، فقد ثبت أنه خدم المصطفى لما قدم المدينة وهو ابن عشر سنين، فمن عمره أربع
عشرة سنة كيف يصغر عن ذلك، (وقال:) أي روى (النسائي، والبيهقي بسند صحيح عن

٢٣٥
أمر الحديبية
عن ابن عباس: إنما نزل تحريم الخمر في قبيلتين من الأنصار شربوا، فلما ثمل
القوم عبث بعضهم ببعض، فلما أن صحوا جعل الرجل يرى في وجهه ورأسه الأثر
فيقول: صنع هذا أخي فلان - وكانوا أخوة ليس في قلوبهم ضغائن - فيقول: والله
لو كان بي رحيمًا ما صنع بيّ هذا، حتى وقعت الضغائن في قولبهم، فأنزل الله
تعالى هذه الآية ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر﴾إلى ﴿منتهون﴾. فقال
ناس من المتكلفين: هي رجس، وهي في بطن فلان وفلان وقد قتل يوم أحد،
فأنزل الله تعالى: ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما
طعموا﴾
ابن عباس إِنما نزل تحريم الخمر في قبيلتين من) قبائل (الأنصار شربوا، فلما ثمل) بكسر الميم
(القوم) قال الجوهري: ثمل الرجل بالكسر إذا أخذ فيه الشراب فهو ثمل، أي نشوان (عبث
بعضهم ببعض) لعب بكسر الباء، وفتحها خلط، كما في القاموس ويصحان هنا أي فعل بعضهم
ببعض ما لا فائدة فيه. وخلطوا على بعضهم (فلما أن صحوا) من السكر (جعل الرجل يرى في
وجهه ورأسه الأثر، فيقول صنع) بي (هذا أخي فلان، وكانوا أخوة.) أقارب وأصدقاء. قال:
بعض جمع النسب أخوة والصديق أخوان، فكأنه نزلهم لشدة الوصلة بينهم منزلة أخوة النسب،
فسماهم أخوة، وربما يشير إِليه قوله: (ليس في قلوبهم ضغائن،) جمع ضغينة أي حقد، كما في
النهاية (فيقول واللَّه لو كان بي) روؤنًا، كما في حديث ابن عباس عند من عزاه لهما قبل قوله
(رحيمًا ما صنع بي هذا حتى وقعت الضغائن في قلوبهم، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية: ﴿يا أيها
الذين آمنوا إنما الخمر، والميسر﴾ [المائدة: ٩٠] إلى قوله: ﴿فهل أنتم منتهون﴾ [المائدة:
٩١].
زاد في رواية أحمد عن أبي هريرة، فقالوا: انتهينا ربنا وأخرج مسلم وأحمد عن سعد بن
أبي وقاص، قال: صنع رجل من الأنصار طعامًا فدعانا فشربنا الخمر قبل أن تحرم حتی سکرنا
فتفاخرنا إلى أن قال: فنزلت إلى قوله فهل أنتم منتهون، ولا تنافي (فقال ناس من المتكلفين)
المبالغين في البحث الحاملين له مع المشقة (هي رجس وهي في بطن فلان،) كحمزة رضي اللَّه
عنه، (وقد قتل يوم أحد) قبل تحريمها فهل عليه مؤاخذة هذا على أن قائله من المسلمين.
لكن في الفتح روى البزار من حديث جابر أن الذين قالوا ذلك كانوا من اليهود، وفي
رواية أحمد عن أبي هريرة فقال: الناس يا رسول اللَّه ناس قتلوا في سبيل اللَّه، وماتوا على
فراشهم، وكانوا يشربون الخمر، ويأكلون الميسر وقد جعله اللَّه رجسًا من عمل الشيطان (فأنزل
اللَّه تعالى: ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا﴾،) أكلوا من

٢٣٦
أمر الحديبية
إلى ﴿المحسنين﴾.
وآية تحريم الخمر نزلت في عام الفتح قبل الفتح.
الخمر والميسر قبل التحريم (إلى) قوله: والله يحب (﴿المحسنين)) بمعنى أنه يثيبهم، وفي
ختم الكلام به إِشعار بأن من فعل ذلك من المحسنين وأنه يستجلب المحبة الإلهية، (وآية
تحريم الخمر) التحريم المؤبد المطلق وهي ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر﴾، إلى قوله ﴿فهل
أنتم منتهون﴾، فالإضافة للعهد الذكرى كأنه قال: وهذه الآية (نزلت في عام الفتح قبل الفتح)
سنة ثمان.
كما قال الحافظ أنه الذي يظهر لما روى أحمد عن ابن عباس كان لرسول اللَّه عَ ل.
صديق من ثقيف أودوس فلقيه يوم الفتح براوية خمر يهديها إِليه، فقال: يا فلان أما علمت أن
اللَّه حرمها فأقبل الرجل على غلامه فقال: بعها. فقال: إِن الذي حرم شربها حرم بيعها.
وأخرج مسلم نحوه لكن ليس فيه تعيين الوقت.
وروى أحمد عن نافع بن كيسان الثقفي عن أبيه أنه كان يتجر في الخمر وأنه أقبل من
الشام، فقال: يا رسول اللَّه إني جئتك بشراب جيد، فقال: يا كيسان إِنها حرمت بعدك. قال:
فأبيعها. قال: إِنها قد حرمت وحرم ثمنها.
وروى أحمد، وأبو يعلى عن تميم الداري أنه كان يهدي لرسول اللَّه عَّ كل عام راوية
خمر، فلما كان عام حرمت جاء براويته فقال: أشعرت أنها قد حرمت بعدك؟، قال: أفلا أبيعها
وأنتفع بحقها فنهاه، ويستفاد من حدیث کیسان تسمية المبهم في حديث ابن عباس ومن حديث
تميم تأييدًا لوقت المذكور، فإِن إِسلام تميم كان بعد الفتح.
وروى أصحاب السنن عن عمر أنه قال: اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا فنزلت ﴿قل
فيهما. إِثم كبير﴾ [البقرة: ٢١٩]، فقرئت عليه فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزلت
﴿ لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ [النساء: ٤٣]، فقرئت عليه، فقال: اللهم بين لنا في الخمر
١: ١٢ شافيًا، فنزلت آية المائدة إلى قوله ﴿منتهون﴾. قال عمر: انتهينا وصححه علي بن المديني،
والترمذي انتهى.
وبحديث عمر هذا قد يجمع بين هذه الأقوال الثلاثة التي ذكرها المصنف في وقت
تحريمها وهي سنة أربع أو ست أو ثمان باحتمال أن كل مرة كانت في سنة منها وقد مر له في
حمراء الأسد عن مغلطاي أنها حرمت في شوال سنة ثلاث.
قال الحافظ: وزعم الواقدي أنه عقب قول حمزة إنما أنتم عبيد لأبي يعني سنة اثنتين.
وحديث جابر يرد عليه يعني قوله اصطبح ناس الخمر يوم أحد فقتلوا من يومهم جميعًا شهداء.

٢٣٧
أمر الحديبية
والخمر في الأصل مصدر خمره: إذا ستره، سمي به عصير العنب إذا اشتد
وغلا كأنه يخمر العقل، كما سمى مسكرًا لأنه يسكره، أي يحجره.
وهي حرام مطلقًا، وكذا كل ما أسكر عند أكثر العلماء. وقال أبو حنيفة :.
نقيع الزبيب والتمر إذا طبخ حتى ذهب ثلثاه ثم اشتد حل شربه ما دون السكر
انتھی.
وأما الحشيشة وتسمى القنب الهندي والحيدرية والقلندرية فلم يتكلم فيها
الأئمة الأربعة ولا غيرهم من علماء السلف، لأنها لم تكن في زمنهم، وإنما ظهرت
في أواخر المائة السادسة وأول السابعة.
واختلف هل هي مسكرة فيجب فيها الحد، أو مفسدة للعقل فيجب
التعزير،
أخرجه البخاري في مواضع (والخمر في الأصل مصدر خمره إِذا ستره سمي به عصير
العنب إِذا اشتد وغلاً) بفتح الغين عطف تفسير، يقال للشىء إِذا زادٍ وارتفع قد غلاء (كأنه يخمر)
بضم الياء وشد الميم يغطى ويستر (العقل، كما سمي مسكرًا؛ لأنه يسكره) بضم فسكون من
الإِسكار)، (أي يحجره) بضم الجيم والراء المهملة، أي يمنعه من الإدراك (وهي حرام مطلقًا).
أسكرت أم لا قلت: أم لا (وكذا كل ما أسكر) أي ما شأنه الإِسكار أسكر بالفعل أم لا فلا تنافي
بين ما أفاده قوله كذا من التعميم.
وقوله أسكر (عند أكثر العلماء) لقول عمر على المنبر أنه نزل تحريم الخمر وهي من
خمسة من العنب والتمر، والعسل والحنطة والشعير، والخمر ما خامر العقل. أخرجه الشيخان
وغيرهما.
(وقال أبو حنيفة نقيع الزبيب، والتمر إذا طبخ حتى ذهب ثلثاه ثم اشتد حل شربه ما
دون السكر،) أي حل شرب القدر الذي لا يسكر، وهو ضعيف المدرك جدًا بحيث قال لملك
والشافعي: يجد الحنفي إذا شربه (انتهى).
(وأما الحشيشة وتسمى القنب الهندي) بضم القاف وكسرها والنون المشددة، كما في
القاموس قال الهيتمي: لم أره بغير مصر يزرع في البساتين (والحيدرية والقليدرية، فلم يتكلم
فيها الأئمة الأربعة ولا غيرهم من علماء السلف لأنها لم تكن في زمنهم وإنما ظهرت في أواخر
المائة السادسة، و) تزايدت وكثرت في (أول السابعة) حين ظهرت دولة التتار، (واختلف هل هي
مسكرة فيجب فيها الحد، أو مفسدة للعقل فيجب التعزير،) وهو الصحيح عند الشافعية

٢٣٨
أمر الحديبية
والذي أجمع عليه الأطباء أنها مسكرة، وبه جزم الفقهاء وصرح به أبو إسحق
الشيرازي في كتاب التذكرة في الخلاف، والنووي في شرح المهذب، ولا نعرف
فيه خلافًا عندنا.
ونقل عن ابن تيمية أنه قال: الصحيح أنها مسكرة كالشراب، فإن أكلتها
ينشون عنها ولذلك يتناولونها بخلاف البنج فإنه لا ينشي ولا يشتهي.
قال الزركشي: ولم أر من خالف في ذلك إلا القرافي في قواعده فقال:
نص العلماء بالنبات أنها مسكرة، والذي يظهر لي أنها مفسدة .. في كلام تعقبه
الزركشي يطول ذكره.
وقد تضافرت الأدلة على حرمتها: ففي صحيح مسلم كل مسكر حرام وقد
قال تعالى: ﴿ويحرم عليهم الخبائث﴾ وأي خبيث أعظم مما
والملكية إِن استعمل ما أفسد العقل.
(والذي أجمع عليه الأطباء أنها مسكرة، وبه جزم الفقهاء) أي كثير منهم (وصرح به
أبو إسحق الشيرازي) بكسر المعجمة آخره زاي نسبة إلى شيراز قصبة فارس (في كتاب التذكرة
في الخلاف، والنووي في شرح المهذب) قائلاً (ولا نعرف فيه خلافًا عندنا ونقل عن
من تيمية) الحنبلي (أنه قال الصحيح أنها مسكرة كالشراب، فإِن أكلتها ينشون عنها) بفتح الشين
وإِسكان الواو، أي يسكرون منها، (ولذلك يتناولونها بخلاف البنج) بفتح الموحدة وسكون
النون، وجيم بنت مخبط للعقل مجبن مسكن لأوجاع الأورام والبثور ووجع الآذان وأخبثه الأسود،
ثم الأحمر، وأسلمه الأبيض، كما في القاموس، (فإِنه لا ينشي ولا يشتهي) وكذا قال العلامة ولي
اللَّه، المتوفي من الملكية قال: لأنا رأينا من يتعاطاها يبيع أمواله لأجلها، فلولا أن لهم فيها طربًا
لما فعلوا ذلك. يبين ذلك إنا لا نجد أحدًا يبيع داره ليأكل بها سيكرانا (قال الزركشي: ولم أُرّ
من خالف في ذلك إلا القرافي في قواعده) التي سماها الفروق، (فقال: نص العلماء بالنبات)
أي: بأحواله نفعًا وضررًا عليّ (إنها مسكرة والذي يظهر لي أنها مفسدة).
وبين ذلك القراني بما منه لأني لم أرَهم يميلون إلى القتال والنصرة، بل عليهم الذلة
والمسكنة، وربما عرض لهم البكاء (في كلام تعقبه الزركشي يطول ذكره وقد تضافرت الأدلة
على حرمتها، ففي صحيح مسلم) مرفوعًا (كل مسكر حرام) تقول به لكن لا نسلم إِنها مسكرة
فلم تدخل فيه، وقد قال تعالى: ﴿ويحرم عليهم الخبائث﴾ وأي خبيث أعظم مما

٢٣٩
أمر الحديبية
يفسد العقول التي اتفقت الملل والشرائع على إيجاب حفظها. ولا ريب أن تناول
الحشيشة يظهر به أثر التغير في انتظام العقل والقول المستمد كماله من نور العقل.
وقد روى أبو داود - بإسناد حسن- عن ديلم الحميري قال: سألت رسول الله عَ ليه
فقلت: يا رسول الله، إنا بأرض باردة نعالج فيها عملاً شديدًا وإنا نتخذ شرابًا من
هذا القمح نتقوى به على أعمالنا وعلى برد بلادنا، قال: فهل يسكر؟ قلت: نعم،
قال: فاجتنبوه، قلت: فإن الناس غير تاركيه، قال: فإن لم يتركوه فقاتلوهم.
وهذا منه عَّالله تنبيه على العلة التي لأجلها حرم المزر فوجب أن كل شىء
عمل عمله يجب تحريمه، ولا شك أن الحشيشة تعمل ذلك وفوقه.
يفسد العقول التي اتفقت الملل والشرائع) جمع شريعة، وهي مع الملة ما صدقهما واحد (على
إيجاب حفظها ولا ريب) شك (أن تناول الحشيشة يظهر به أثر التغير في انتظام العقل والقول
المستمد كماله من نور العقل،) وهذا غاية ما ينتج حرمة تناول ما يفسد العقل منها لا ما
لا یفسده كما هو الصحيح.
(وقد روى أبو داود بإسناد حسن عن ديلم الحميري) الجيشاني، بفتح الجيم فتحتية
فمعجمة نسبه ابن يونس، فقال ابن هوشع ابن أبي جناب بن مسعود، ووصل نسبه إِلی جیشان،
وقال: كان أول وافد على النبي عَّله من اليمن أرسله معاذ، ثم شهد فتح مصر ونزلها، وروى عنه
أبو الخير مرثد ووقع لجمع من أكابر الحفاظ فيه تخبيط تكفل برده في الإصابة، وقال في
التقريب أخطأ من زعم أنه أبو وهب الجيشاني.
(قال سألت رسول اللَّه عَِّ فقلت: يا رسول اللَّه إنا بأرض باردة، نعالج فيها عملاً
شديدًا، وإِنا نتخذ شرابًا من هذا القمح، نتقوى به على أعمالنا وعلى برد بلادنا. قال: فهل
يسكر؟، قلت: نعم قال: فاجتنبوه. قلتِ: فإِن الناس غير تاركيه. قال: فإِن لم يتركوه فقاتلوهم
وهذا منه عَّ تنبيه على العلة التي لأجلها حرم المزر) بكسر الميم، وسكون الزاي وبالراء نبيذ
الذرة والشعير كما في القاموس.
ومفاد هذا أنه كان تحريم المزر معلومًا للسائل قبل السؤال وأنه أشار الحديث إِلى أن علته
إِسكاره فيقاس عليه كل ما شاركه في العلة، (فوجب أن كل شىء عمل عمله يجب تحريمه،
ولا شك أن الحشيشة تعمل ذلك وفوقه) فيحرم تعاطي ما عمل ذلك منها لا مطلق التعاطي، كما
هو مختاره.

٢٤٠
أمر الحديبية
وروى أحمد في مسنده وأبو داود في سننه عن أم سلمة قالت: نهى
رسول الله پے عن كل مسكر ومفتر.
قال العلماء: المفتر كل ما يورث الفتور والخدر في الأطراف. وهذا
الحديث أدل دليل على تحريم الحشيشة وغيرها من المخدرات، فإنها إن لم
تكن، مسكرة كانت مفترة مخدرة ولذلك يكثر النوم من متعاطيها، وتثقل رؤوسهم
بواسطة تبخيرها في الدماغ.
واختلف هل يحرم تعاطي اليسير الذي لا يسكر؟
فقال النووي في شرح المهذب إنه لا يحرم أكل القليل الذي لا يسكر من
الحشيش، بخلاف الخمر، حيث حرم قليلها الذي لا يسكر. والفرق أن الحشيش
طاهر والخمر نجس فلا يجوز شرب قليله للنجاسة.
وتعقبه الزركشي بأنه صح في يالحديث: ما أسكره كثيره فقليله حرام، ...
(وروى أحمد في مسنده وأبو داود في سننه عن أم سلمة، قالت: نهى رسول اللَّه ◌ِ ﴾.
عن كل مسكر ومفتر).
(قال العلماء: المفتر كل ما يورث الفتور) وهو الانكسار والضعف (والخدر) بفتح الخاء،
والدال المهملة الاسترخاء (في الأطراف) فلا يطيق الحركة فهو من عطف الأخص على الأعم
(وهذا الحديث أدل دليل على تحريم الحشيشة وغيرها من المخدرات، فإِنها إن لم تكن
مسكرة كانت مفترة مخدرة، ولذلك يكثر النوم من متعاطيها، وتثقل رؤوسهم بواسطة تبخيرها في
الدماغ،) أي إِيصالها البخار له.
والمعنى أنه ينفصل منها بخار يصعد إلى الدماغ، فتثل الرؤوس منه، (واختلف هل يحرم
تعاطي اليسير الذي لا يسكر، فقال النووي في شرح المهذب أنه لا يحرم أكل القليل الذي
لا يسكر من الحشيش) وهذا هو الصحيح المعتمد عند الشافعية والملكية (بخلاف الخمر
حيث حرم قليلها الذي لا يسكر، والفرق أن الحشيش طاهر والخمر نجس فلا يجوز شرب
قليله للنجاسة).
(وتعقبه الزركشي بأنه صح في الحديث ما أسكر كثيره فقليله حرام).
يعني والنووي قد قال في نفس شرح المهذب إِنها مسكرة بلا خلاف نعلمه عندهم، كما
مر قريبًا فكيف يقول ذلك، ويجوز أكل القليل مع نص الحديث على حرمة قليل المسكر،