Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ غزوة الخندق وهي الأحزاب وقال رجال ممن معه: يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا، وقال أوس بن قيظى: يا رسول الله، إن بيوتنا عورة من العدو، فائذن لنا فنرجع إلى ديارنا، فإنها خارج المدينة. وأقبل نوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزومي على فرس له ليوثبه فوقع في الخندق .فقتله الله. وكبر ذلك على المشركين، فأرسلوا إلى رسول الله عَّله إنا نعطيكم الدية على أن تدفعوه إلينا فندفنه، فرد إليهم النبي عَّ له: إنه خبيث خبيث الدية، فلعنه الله وأخرج جويبر عن ابن عباس قال: أنزلت هذه الآية في معتب بن قشير الأنصاري، هو صاحب هذه المقالة، وقيل: عبد اللَّه بن أبي وأصحابه. قال ابن هشام: وأخبرني من أَثق به من أهل العلم أن معتبًا لم يكن من المنافقين، واحتج بأنه كان من أهل بدر (الآيات،) وهذا إخبار إجمالي عما نزل بسبب ظهور النفاق، فصله بقوله: (وقال رجال ممن معه: يا أهل يثرب لا مقام لكم) بضم الميم وفتحها، أي: لا إِقامة ولا مكان، (فارجعوا) إِلى منازلكم بالمدينة. (وقال أوس بن قيظى) بتحتية وظاء معجمة، الأنصاري الأَوسي، يقال: إنه منافق تمسكًا بهذه القصة ونحوها، لكن ذكره في الإصابة في القسم الأول، وقال: شهد أحدًا هو وابناه عرابة وعبد اللَّه، ويقال كان منافقًا، وإنه القائل: إِن بيوتنا عورة، انتهى. وابنه عرابة في صحبته خلاف، و کان سيدًا وفيه يقول شماخ: إذا ما راية رفعت لمجد تلقاها عرابة باليمين (يا رسول اللَّه إِن بيوتنا عورة) غير حصينة، نخشى عليها (من العدوّ،) قال ابن إسحق، وذلك عن ملاً من رجال قومه، (فائذن لنا فنرجع إلى ديارنا فإِنها خارج المدينة،) قال تعالى: ﴿وما هي بعورة إِن يريدون إِلا فرارًا﴾ [الأحزاب: ١٣]. قال ابن عائذ: بياء وذال معجمة، محمد الحافظ صاحب المغازي، (وأقبل نوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزومي) يريد قتل النبي صَّة، كما عند أبي نعيم (على فرس له ليوثبه الخندق، فوقع في الخندق). زاد في رواية أبي نعيم: فاندقت عنقه، (فقتله اللَّه وكبر،) عظم (ذلك على المشركين، فأرسلوا إِلى رسول اللَّه عَّ إِنا نعطيكم الدية). قال ابن هشام: بلغني عن الزهري أنهم أعطوا في جسده عشرة آلاف درهم، (على أن تدفعوه إلينا، فندفته، فرد إليهم النبي عَّه) جواب قولهم ذلك بقوله: (إنه خبيث) لموته كافرًا محاربًا للَّه ورسوله، (خبيث الدية) لعدم حلها، إِذ لا دية في مثل هذه الصورة، (فلعنه الله ٤٢ غزوة الخندق وهي الأحزاب ولعن ديته، ولا نمنعكم أن تدفنون ولا أرب لنا في ديته. قال ابن إسحق: وأقام عليه الصلاة والسلام والمسلمون وعدوهم يحاصرهم، ولم يكن بينهم قتال إلا مراماة بالنبل، لكن كان عمرو بن عبدود العامري اقتحم هو ونفر معه خيولهم من ناحية ضيقة من الخندق، حتى كانوا بالسبخة، فبارزه علي فقتله، ولعن ديته، ولا نمتعكم أن تدفئوه ولا أرب) بفتح الهمزة والراء وبالموحدة، أي: حاجة، (لنا في دیته. (وقال ابن إسحق: وأَقام عليه الصلاة والسلام والمسلمون) على الخندق، (وعدوهم يحاصرهم، ولم يكن بينهم قتال،) إِلاَّ أنهم لا يدعون الطلائع بالليل يطمعون في الغارة، قاله ابن سعد، (إلا مراماة بالنبل لكن كان عمرو بن عبدود العامري،) وهو ابن تسعين سنة، قاله ابن سعد، (اقتحم هو ونفر معه،) هم: عكرمة وهبيرة بن أبي وهب المخزوميان وضرار بن الخطاب، كما في ابن إسحق، (خيولهم) بالرفع بدل من الفاعل فهو المقصود بالنسبة، ومعناه اقتحمت بإكراههم إياها، أو بالنصب واقتحم بمعنى أقحم مجاز (من ناحية ضيقة من الخندق حتى كانوا بالسبخة) بمهملة فموحدة فمعجمة مفتوحات، واحدة السباخ، ويقال أرض سبخة بالكسر ذات سباخ وهو أنسب بالمصنف، أي حتى صاروا بالأرض السبخة بين الخندق وسلع، (فبارزه علي) بعدما نادى عمرو ثلاثًا من يبارز؟، وفي كل مرة يقول علي: أنا له يا نبي الله، فيقول: ((اجلس، إِنه عمرو))، فقال علي في الثالثة: وإِن كان عمرًا فأعطاه عَلُه سيفه وعممه، وقال: ((اللهم أعنه عليه))، فدعاه إِلى الإِسلام أو الرجوع عن الحرب، فأبى إلا البراز فضحك، وقال: ما كنت أظن أحدًا يرومني على هذه الخصلة فمن أنت، قال: علي بن أبي طالب، قال: يا ابن أخي من أعمامك من هو أسن منك، فإِني أكره أن أهريق دمك، فقال علي: لكني واللَّه لا أكره أن أهریق دمك، فغضب عمرو، فنزل عن فرسه وعقرها وسلّ سيفه؛ كأنه شعلة نار، ثم أقبل نحوه عليّ مغضبًا، فاستقبله علي بدرقته، ودنا أحدهما من الآخر، وثارت بينهما غبرة، فضربه عمرو فأتقاها بدرقته، فانقدت وأثبت فيها السيف وضربه علي فوق عاتقه (فقتله،) وقيل: طعنه في نرقوته حتى أخرجها من مراقه، فسقط ثم أقبل نحوه عَِّ وهو متهال، فقال له عمر بن الخطاب: هلا سلبته درعه فإنه ليس في العرب درع خير منها، فقال: إِنه حين ضربته استقبلني بسوأته فاستحییت. قال الحاكم: سمعت الأصم، قال: سمعت العطاردي، قال: سمعت الحافظ يحيى بن آدم يقول: ما شبهت قتل علي عمرًا إِلاَّ بقوله تعالى: ﴿فهزموهم بإِذن اللَّه وقتل داود جالوت﴾ [البقرة: ٢٥١]. ٤٣ غزوة الخندق وهي الأحزاب وبرز نوفل بن عبد الله بن المغيرة فقتله الزبير وقيل قتله علي، ورجعت بقية الخيول مهزومة. ورمي سعد بن معاذ بسهم فقطع منه الأكحل - وهو بفتح الهمزة والمهملة بينهما كاف ساكنة - عرق في وسط الذراع. قال الخليل: هو عرق الحياة يقال إن في كل عضو منه شعبة فهو في اليد الأكحل وفي الظهر الأبهر وفي الفخذ النساء (وبرز نوفل بن عبد الله بن المغيرة) المخزومي، (فقتله الزبير بن العوام بالسيف، حتى شقه اثنتين، وقطع سرجه حتى خلص إلى كاهل الفرس، فقيل: ما رأينا مثل سيفك، قال: ما هو السيف، ولكنها الساعد، (وقيل: قتله علي) هكذا عزاه في الفتح لابن إِسحق، فتبعه المصنف ولم يذكر ذلك ابن هشام في روايته عن البكائي عنه، فلعله في رواية غيره ثم هو معارض لما قدمه المصنف عن ابن عائذ من أنه اقتحم الخندق، فوقع فيه فقتل، وهو الذي ذكره ابن هشام عن زياد عن ابن إسحق، ومثله في رواية أبي نعيم، وعليه اقتصر اليعمري. وقد روى ابن أبي شيبة من مرسل عكرمة، أن رجلاً من المشركين قال يوم الخندق: من یبارز؟، فقال﴾: ((قم یا زہیر)، فقالت أمه صفية: واحدي یا رسول الله، فقال: (قم یا زبیر)، فقام فقتله، ثم جاء بسلبه إِلى النبي عَّ فنفله إِياه. وذكر ابن جرير، أن نوفلاً لما تورط في الخندق، رماه الناس بالحجارة، فجعل يقول قتلة أحسن من هذه يا معشر العرب، فنزل إليه علي فقتله، وفي الجمع بين الثلاثة عشر. (ورجعت بقية الخيول مهزومة،) قال ابن هشام: وألقى عكرمة رمحه يومئذ، وهو منهزم عن عمرو فعيره حسان بأبيات، فلما رجعوا إلى أبي سفين قال: هذا يوم لم يكن لنا فيه شىء فارجعوا، وكان شعار الصحابة يوم الخندق وبني قريظة حم لا ينصرون، (ورمي سعد بن معاذ بسهم، فقطع منه الأكحل، وهو بفتح الهمزة و) الحاء (المهملة بينهما كاف ساكنة، عرق في وسط الذراع). (قال الخليل) ابن أحمد الأزدي الفراهيدي، أبو عبد الرحمن البصري اللغوي، صاحب العروض والنحو، العالم العابد الصدوق في الحديث. مات بعد الستين ومائة، وقيل: سنة سبعين أو بعدها. أخرجٍ له ابن ماجه في التفسير، (هو عرق الحياة يقال: إِن في كل عضو منه شعبة، فهو في اليد الأكحل). وفي القاموس: هو عرق في اليد، أو هو عرق الحياة، ولا تقلٍ عرق الأكحل، (وفي الظهر الأبهر) بفتح الهمزة والهاء بينهما موحدة ساكنة، وفي القاموس: الأبهر الظهر، وعرق فيه ووتد العنق والأكحل، (وفي الفخذ النسا) بفتح النون مقصور، كما قال الأصمعي: عرق من الورك إِلى ٤٤ غزوة الخندق وهى الأحزاب إذا قطع لم يرقا الدم. وكان الذي رمي سعدًا، ابن العرقة، أحد بني عامر بن لؤي، قال: خذها وأنا ابن العرقة، فقال سعد: عرق الله وجهك في النار. ثم قال: اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئًا فأبقني لها، فإنه لا قوم أحب إلي أن أجاهدهم من قوم آذوا رسولك وكذبوه. الکعب. قال أبو زيد: يثنی نسوان ونسیان والجمع أَنساء. قال ابن السكيت: هو عرق النسا، وقال الأصمعي: هو النسا، ولا تقل عرق النسا. قال الزجاج: لأَن الشىء لا يضاف إِلى بعضه. (إذا قطع لم يرقأ الدم) بالهمز، أي: لم ينقطع، ونسخة لم يرق تحريف، فالذي في اللغة إنه مهموز، لكن وجهها شيخنا في التقرير؛ بأن الهمزة أبدلت ألفًا قبل الجازم، فلما دخل حذفت الأَلف كالحركة، (وكان الذي رمى سعدًا هو ابن العرقة) بفتح العين المهملة وكسر الراء، وهي أمه واسمها قلابة بنت سعيد بن سعد بن سهم، تكنى أم فاطمة، سميت العرقة لطيب ريحها، وهي جدة خديجة أم أبيها، وهو حبان بن عبد مناف بن منقذ بن عمرو بن هصیص بن عامر بن لؤي، کذا قال السهيلي. وقال ابن الكلبي: هي أم عبد مناف جد أبيه، وهو عنده حبان ابن أبي قيس ابن علقمة بن عبد مناف. قال في التبصير: وحبان، بكسر الحاء المهملة وفتح الموحدة مثقلة، وصحفه موسى بن عقبة، فقال جبار، بجيم وموحدة وراء، والأول أصح قاله الأمير، يعني ابن ماكولا (أحد بني عامر بن لؤي،) ولذا يقال له العامري، (قال: خذها وأنا ابن العرقة، فقال سعد،) ويقال النبي عـ (شرق) بعين مهملة (الله وجهك في النار، ثم قال: اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئًا، بفني لها، فإنه لا قوم أحب إليَّ أن أجاهدهم من قوم آذوا رسولك وكذبوه،) وأخرجوه وإِن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم، فاجعلها لي شهادة ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة، هذا بقية قوله عند ابن إِسحق ونحوه في الصحيح، وقد استجاب الله له، فلم يقم لقريش حرب بعدها، ومن مات حتى حكم في بني قريظة كما يأتي. قال ابن إسحق: وحدثني من لا أتهم عن عبد الله بن كعب بن لملك، أنه كان يقول: ما أُصاب سعدًا يومئذ إلاّ أبو أسامة الجشني حلیف بني مخزوم. ٤٥ غزوة الخندق وهي الأحزاب وأقام عليه الصلاة والسلام وأصحابه بضع عشرة ليلة. فمشى نعيم بن مسعود الأشجعي - وهو مخف إسلامه - فثبط قومًا عن قوم وأوقع بينهم شرًا لقوله عليه الصلاة والسلام: إن الحرب خدعة وقال ابن هشام: ويقال الذي رماه خفاجة بن عاصم بن حبان، والله أعلم. (وأقام عليه الصلاة والسلام وأصحابه) في حصار الكفار على الخندق، ولم يكن بينهم قتال إِلاَّ مراماة بالنبل والحجارة (بضع عشرة ليلة). وذكر موسى بن عقبة أَن مدة الحصار عشرون يومًّا، نقله الفتح. وفي العيون: بضع وعشرون ليلة قريب من شهر. وفي الهدى: إِنه شهر. (فمشى نعيم بن مسعود) بن عامر بن أنيف، بنون وفاء مصغر (الأشجعي،) الصحابي، المشهور، المتوفى أول خلافة علي، خرج له أبو داود، (وهو مخف إِسلامه، فثبط قومًا،) وهم بنو قريظة (عن قوم،) وهم قريش ومن معهم، (وأوقع بينهم شرًا،) كراهية من كل فريق للآخر لا حربًا، وإِنما فعل ذلك (لقوله عليه الصلاة والسلام) له لما أتاه قائلاً: إني أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي فمرني بما شئت، فقال عَّه: ((خذل عنا ف(إن الحرب خدعة). قال الحافظ: بفتح المعجمة، وبضمها مع سكون الدال المهملة فيها، وبضم أوله وفتح ثانيه صيغة مبالغة، كهمزة لمزة. قال النووي: اتفقوا على أن الأولى أفصح، حتى قال ثعلب: بلغنا أنها لغة النبي عَّے، وبذلك جزم أبو ذر الهروي والقزار، والثانية ضبطت كذلك في رواية الأصيلي. قال أبو بكر بن طلحة: أراد ثعلب أنه عَّ الله كان يستعملها كثيرًا لو جازه لفظها ولكونها تعطي معنى للشیئین الآخرین. قال: ويعطي معناها أيضًا الأمر باستعمال الحيلة مهما أمكن، ولو مرة؛ فكانت مع اختصارها كثيرة المعنى إِذ المعنى أنهاٍ تخدع أهلها من وصف الفاعل باسم المصدر، أو أنها وصف للمفعول، كهذا الدرهم ضرب الأمير، أي: مضروبه. وقال الخطابي: إنها المرة الواحدة، يعني أنه إذا خدع مرة واحدة لم تقل عثرته، ومعنى الضم مع السكون أنها تخدع الرجال، أي هي محل الخداع، وموضعه ومع فتح الدال، أي تمديهم الظفر، ولا تفي لهم، كالضحكة إِذا كان يضحك بالناس، وقيل: الحكمة في الإِتيان بالتاء، الدلالة على الوحدة، فإِن الخداع أن كان من المسلمين، فكأنه حضهم على ذلك، ولو مرة واحدة، وإِن كان من الكفار، فكأنه حذرهم من مكرهم، ولو وقع مرة واحدة، فلا ينبغي ٤٦ غزوة الخندق وهي الأحزاب فاختلفت كلمتهم. التهاون بهم، لما ينشأ عنه من المفسدة ولو قل. وحكى المنذري لغة رابعة بالفتح فيهما، قال: وهو جمع خادع، أي أن أهلها بهذه الصفة، فكأنه قال أهل الحرب خدعة. وحكى مكي، ومحمد بن عبد الواحد لغة خامسة كسر أَوله مع الإسكان، وأصل الخدع أَبطأَن أمر وإظهار خلافه، وفيه التحريض على أخذ الحذر في الحرب والندب إِلى خداع الكفار، وإِن من لم يتيقظ لذلك لم يأمن أن ينعكس الأمر عليه. قال النووي: اتفقوا على جواز خداع الكفار في الحرب، كيفما أمكن إلا أن يكون فيه نقض عهد أو أمان فلا يجوز. قال ابن العربي: ويقع الخداع بالتعريض وبالكمين ونحو ذلك، وفي الحديث الإِشارة إِلى استعمال الرأي في الحرب، بل الاحتياج إليه آكد من الشجاعة، ولذا اقتصر على ما يشير إِليه بهذا الحديث، وهو كقوله: الحج عرفة. قال ابن المنير: معنى الحرب خدعة، أن الحرب الجيدة لصاحبها، الكاملة في مقصودها إنما هي المخادعة، لا المواجهة، وذلك لخطر المواجهة، وحصول الظفر مع المخادعة بغير خطر. وذكر الواقدي أن أول ما قال عَّة الحرب خدعة في غزوة الخندق انتهى من الفتح، وهو صريح في أن الرواية إنما هي بالثلاثة، الأولى لتصريحه بلغة رابعة لغة خامسة، وتبعه المصنف. وفي القاموس: أنه روى أيضًا بكسر الخاء، وسكون الدال، ويوافقه قول السيوطي في التوشيح بفتح الخاء وضمها، وكسرها وسكون الدال، أمر باستعمال الحيلة فيه ما أمكن. (فاختلفت كلمتهم،) وذلك أن نعيمًا أتاه عَّهِ فقال: إني أسلمت وإِن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت، فقال: ((إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا إِن استطعت، فإن الحرب خدعة)، فخرج حتى أتى بني قريظة، وكان لهم نديمًا، فقال: قد عرفتم ودي وإياكم، وخاصة ما بيني وبينكم، قالوا: صدقت لست عندنا بمتهم، فقال لهم: إِن قريشًا وغطفان ليسوا كأنتم، البلد بلدكم به أموالكم، وأبناؤكم، ونساؤكم لا تقدرون أن تحوّلوا منه إِلى غيره، وأنهم جاءوا لحرب محمد وأصحابه، وقد ظاهرتموهم عليه وبلدهم وأموالهم ونساؤهم بغيره، فإن رأوا نهزة أصابوها، وإِن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم، وخلوا بينكم وبينه ببلدكم، ولا طاقة لكم به إِن خلا بكم، فلا تقاتلوا معهم حتى تأخذوا منهم رهنًا من أشرافهم، يكونون بأيديكم ثقة لكم على أن تقاتلوا معهم محمدًا حتى تناجزوه، فقالوا: لقد أشرت بالرأي، ثم أتى قريشًا، فقال لأبي سفين ومن معه: قد عرفتم ودي لكم وفراقي محمدًا، وإنه قد بلغني أمر رأيت حقًّا على أن أبلغكموه نصحًا لكم، ٤٧ غزوة الخندق وهي الأحزاب وروى الحاكم عن حذيفة قال: لقد رأيتنا ليلة الأحزاب فاكتموه عني، قالوا: نفعل، قال: إِن يهود ندموا على ما صنعوا، وأرسلوا إِلى محمد إنا قد ندمنا على ما فعلنا، أيرضيك أن نأخذ من أشراف قريش وغطفان رجالاً تضرب أعناقهم، ثم نكون معك على من بقي منهم حتى نستأصلهم، فأرسل إليهم نعم، فإِن بعثت إليكم يهود يلتمسون منكم رهنًا، فلا تدفعوا إليهم رجلاً واحدًا، ثم أتى غطفان فقال: إنكم أصلي وعشيرتي وأحب الناس إِليّ، ولا أراكم تتهموني، قالوا: صدقت ما أنت عندنا بمتهم، قال: فاكتموا عني، قالوا: نفعل، فقال لهم مثل ما لقريش، وكان من صنع اللَّه لرسوله أن أبا سفين ورؤوس غطفان أرسلوا إِلى بني قريظة عكرمة في نفر من القبيلتين، فقالوا: إِنا لسنا بدار مقام وقد هلك الخف والحافر، فأعدوا للقتال حتى نناجز محمدًا ونفرغ مما بيننا وبينه، فأرسلوا إليهم أن اليوم يوم السبت لا نعمل فيه شيئًا، وكان قد أحدث فيه بعضنا حدثًا، فأصابه ما لم يخف عليكم، ولسنا مع ذلك بمقاتلين معكم حتى تعطونا رهنًا من رجالكم يكونون بأيدينا ثقة لنا حتى نناجز محمدًا، فإِنا نخشى إن اشتد عليكم القتال، أن ترجعوا إِلى بلادكم وتتركونا والرجل في بلادنا ولا طاقة لنا به، فقالت قريش وغطفان: واللَّه إِن الذي حدثكم نعيم به لحق، فأرسلوا إليهم إِنا والله لا ندفع إِليكم رجلاً واحدًا، فإِن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا، فقالت قريظة: إِن الذي ذكر لكم نعيم لحقٍ، فأرسلوا إليهم إِنا واللّه لا نقاتل معكم حتى تعطونا رهنًا، فأبوا عليهم وخذل اللَّه بينهم، وبعث اللَّه عليهم الريح في ليال شديدة البرد، فأكفأت قدورهم وطرحت أبنيتهم، ذكره ابن إسحق في رواية ابن هشام عن البكائي عنه، ولخصه الحافظ في الفتح بأوجز عبارة، وقال بعده ما لفظه. قال ابن إسحق: حدثني يزيد بن رومان، عن عروة عن عائشة: أُن نعيمًا كان رجلاً نمویًا، وأن النبي عَُّ قال له: إِن اليهود قد بعثت إِليَّ، إِن كان يرضيك أنا نأخذ من قريش وغطفان رهنًا نبعثهم إِليك فتقتلهم فعلنا، فرجع نعيم مسرعًا إلى قومه فأخبرهم، فقالوا: والله ما كذب محمد عليهم وإِنهم لأهل غدر، وكذا قال لقريش، فكان ذلك سبب خذلانهم ورحيلهم انتهى. (وروى الحاكم عن حذيفة) بن اليمان الصحابي ابنِ الصحابي، (قال: لقد رأيتنا ليلة الأحزاب،) أي: الليلة التي اشتد علينا الأمر فيها من ليالي الأحزاب، وهي الليلة التي كانت بعد المحاصرة الشديدة، وذلك كما ذكر ابن سعد وغيره، أنه لما طال المقام على قريش، وقتل عمرو، وانهزم من معه اتعدوا أن يفدوا جميعًا، ولا يتخلف منهم أحد، فباتوا يعبون أصحابهم، ثم وافوا الخندق قبل طلوع الشمس وعبى عَّ أصحابه، وجمعهم على القتال، ووعدهم النصر إِن صبروا، والمشر کون قد جمعوا المسلمین في مثل الحصن من کتائبهم، فأحدقوا بکل وجه من الخندق، ووجهوا على خيمته عَلّم كتيبة عظيمة غليظة فيها خالد بن الوليد، فقاتلوهم يومهم ٤٨ غزوة الخندق وهي الأحزاب وأبو سفين ومن معه من فوقنا، وقريظة أسفل منا نخافهم على ذرارينا، وما أتت علينا ليلة أشد ظلمة ولا ريحًا منها، فجعل المنافقون يستأذنون ويقولون بيوتنا عورة، فمر بي النبي عٍَّ وأنا جاث على ركبتي ذلك إِلى هوى من الليل ما يقدر عَّةٍ، ولا أحد من المسلمين أن ينزلوا من مواضعهم، ولا على صلاة ظهر ولا عصر ولا مغرب ولا عشاء، فجعل الصحابة يقولون: ما صلينا، فيقول مَّله: ((ما صليت)، حتى كشفهم اللّه، فرجعوا متفرقين، ورجع كل فريق إلى منزله، وأقام أسيد بن حضير في مائتين على شفير الخندق فكرت خيل المشركين، وعليها خالد يطلبون غرة فناوشوهم ساعة، فزرق وحشي بن حرب الطفيل بن النعمان، وقيل: فيه الطفيل بن ملك بن النعمان من بني سلمة بمزراقه، فقتله وانكشفوا وسار عَّه إِلى قبته، فأمر بلالاً فأذن، وأقام فصلى الظهر، ثم أقام لكل صلاة إقامة فصلوا ما فاتهم، وقال: شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ اللَّه أجوافهم وقبورهم نارًا، ولم يكن بعد قتال حتى انصرفوا، لكنهم لا يدعون الطلائع بالليل يطمعون في الغارة، (وأبو سفين ومن معه من فوقنا) أي: من فوق الوادي من قبل المشرق، (وقريظة أسفل منا) من بطن الوادي من قبل المغرب، وهذا خلاف ما مر عن ابن عباس أن الذين من فوقهم غطفان، ومن أسفل منهم قريش، رواه ابن مردويه، وبه جزم البغوي وغيره، وزادوا وانضم إلى غطفان بنو قريظة والنضير، ويحتمل الجمع بأن قريشًا كانت تأتي تارة من فوق وغطفان من أسفل، وتارة على العكس من ذلك، ثم لعل معنى كون قريظة مع المشركين، أي: في جهتهم منحازين في جانب لأنفسهم ممتنعين من الزحف معهم عليه عَّه، فلا ينافي أيضًا حديث نعيم من امتناعهم من القتال، وفيه بعد لأن ظاهر حديث نعيم أنهم لم يخرجوا من ديارهم، فلعل معنى قوله وقريظة أسفل منا وهم في ديارهم، ويؤيده أو يعينه قوله: (نخافهم على ذرارينا وما أنت علينا ليلة أشد ظلمة ولا ريحًا منها،) لا ينافي هذا قوله في بقية ذا الحديث، فإِذا الريح فيه، أي: عسكر المشركين لا يجاوز شبرًا؛ لأن شدة هذه بالنسبة للعادة، والآتية هي التي هتكت قبابهم وأطفأت نيرانهم، (فجعل المنافقون يستأذنون) النبي، (ويقولون: بيوتنا عورة،) أي: غير حصينة. وفي رواية البيهقي: فما يستأذن أحد منهم إِلاَّ أذن له فيتسللون. وفي رواية له أيضًا: أن رجلاً قال لحذيفة: أدر کتم رسول اللّه مێ ولم ندر كه، قال: يا ابن أخي والله لا تدري لو أدركته كيف تكون، لقد رأيتنا ليلة الخندق في ليلة باردة مطيرة، فقال عَّه: ((من يذهب فيعلم لنا علم القوم، جعله اللَّه رفيق إِبراهيم يوم القيامة، فوالله ما قام أحد))، فقال الثانية: ((جعله اللَّه رفيقي))، فلم يقم أحد، فقال أبو بكر: ابعث حذيفة، (فمر بي النبي عَد، وأنا جاث على ركبتي) من شدة البرد والجوع والخوف، ولابن إسحق: فدعاني فلم ٤٩ غزوة الخندق وهي الأحزاب فقال: اذهب فائتني بخبر القوم ولم يبق معه إلا ثلاثمائة قال ودعا لي، فأذهب الله عز وجل عني القر والفزع، فدخلت عسكرهم فإذا الريح فيه لا تجاوز شبرًا، فلما رجعت رأيت فوارس في طريقي فقالوا: أخبر صاحبك أن الله كفاه القوم. وفي رواية: أن حذيفة لما أرسله عليه الصلاة والسلام ليأتيه بالخبر سمع أبا سفين يقول: يكن لي بد من القيام، (فقال: اذهب فائتني بخبر القوم،) وعند البيهقي: فقلت: أخشى أن أؤسر، قال: ((إنك لن تؤسر))، (ولم يبق معه إلا ثلاثمائة) لا يفهم منه أن من عداهم وهم ألفان وسبعمائة منافقون. وقد قال تعالى: ﴿ويستأذن فريق منهم النبي﴾ [الأحزاب: ١٣]. قال ابن عباس: الفريق بنو حارثة، قال غيره: وبنو سلمة، أي: منافقوهم، لأَنهمٍ خصوا بالذكر لتعللهم بالباطل، وإنما هو وسيلة للفرار، كما قال تعالى: ﴿وما هي بعورة﴾ [الأحزاب: ١٣]، إِن يريدون إلا فراراً. وأما المؤمنون فإنما رجعوا لألم البرد والجوع الشديدين، أو الخوف الحقيقي على بيوتهم، أو لفهمهم عدم التغليظ في ذهاب من يذهب، فكشفوا حال بیوتهم ثم رجعوا. (قال: ودعا لي،) وفي رواية أبي نعيم عن حذيفة، فقال: اللهم احفظه من بين يديه، ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوقه ومن تحته، وعند ابن عقبة وابن عائذ فقال: قم حفظك اللَّه من أمامك ومن خلفك وعن يمينك وعن شمالك حتى ترجع إلينا، فقمت مستبشرًا بدعائه فما شق عليّ شىء مما كان، (فأذهب الله عز وجل عني القر) بضم القاف والبرد، (والفزع) الخوف. زاد في رواية أبي نعيم: فوالله ما خلق اللَّه تعالى قرًا ولا فزعًا في جوفي إِلا خرج، فما وجدت منه شيئًا، فمضيت كأنما أمشي في حمام، فلما وليت دعاني، فقال: ((يا حذيفة لا تحدث في القوم شيئًا حتى تأتيني))، (فدخلت عسكرهم). قال في رواية ابن إسحق: والريح وجنود اللَّه تفعل بهم ما تفعل لا تقر لهم قدرًا ولا نارًا ولا بناء، (فإِذا الريح فيه لا تجاوز) عسكرهم (شبرًا، فلما رجعت رأيت فوارس) نحو عشرين (في طريقي) حين انتصف بي الطريق، أو نحو ذلك معتمين، (فقالوا:) وفي رواية فارسين، فقالا: (أخبر صاحبك أن اللَّه قد كفاه القوم) بالريح والجنود. (وفي رواية) لابن إسحق: (أن حذيفة لما أرسله عليه الصلاة والسلام ليأتيه بالخبر سمع أبا سفين يقول،) ولفظه: حدثني يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي قال: قال رجل من أهل الكوفة لحذيفة: أرأيتم رسول اللَّه عَّه وصحبتموه، قال: نعم، قال: فكيف كنتم تصنعون، قال: والله لقد كنا نجهد، قال: واللّه لو أدركنا ما تركناه يمشي على الأرض ولحملناه ٥٠ غزوة الخندق وهي الأحزاب يا معشر قريش، إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام، ولقد هلك الخف والكراع، واختلفنا وبنو قريظة، ولقينا من هذا الريح ما ترون فارتحلوا فإني مرتحل ووثب على جمله فما حل عقال يده إلا وهو قائم. ووقع في البخاري أنه عليه الصلاة والسلام قال يوم الأحزاب: على أعناقنا، فقال حذيفة: والله لقد رأيتني بالخندق وصلى عَّله هو يأمن الليل، ثم التفت إلينا فقال: ((من رجل يقوم فينظر ما فعل القوم، ثم يرجع بشرط له الرجعة، أسأل الله أن يكون رفيقي في الجنة))، فما قام رجل من شدة الخوف، وشدة الجوع وشدة البرد، فلما لم يقم أحد، دعاني فلم يكن لي بد من القيام، فقال: ((يا حذيفة اذهب فادخل في القوم، فانظر ماذا يفعلون، ولا تحدثن شيئًا حتى تأتينا))، فذهبت فدخلت فيهم، والريح وجنود اللَّه تفعل بهم ما تفعل، لا تقر لهم قدرًا ولا نارًا ولا بناء. فقال أبو سفین: لينظر امرؤ من جليسه. فأخذت بيد الرجل الذي كان إِلى جنبي، فقلت: من أنت؟، قال: فلان بن فلان، ثم قال أبو سفين: (يا معشر قريش إِلكم والله ما أصبحتم بدار مقام،) أي: بمحل يصلح للإقامة فيه، (ولقد هلك الخف والكراع) بضم الكاف، وخفة الراء وبالعين المهملة، اسم لجمع الخيل، كما في الشامية، (واختلفنا وبنو قريظة) حيث امتنعوا من القتال معنا، وفيه عطف الظاهر على ضمير الرفع المتصل بلا فاصل، وهو جائز على قلة، لكن لفظ الرواية عند ابن إسحق: وأخلفتنا بنو قريظة، وبلغنا عنهم الذي نكره، (ولقينا من هذا الريح ما ترون،) ما يطمئن لنا قدر، ولا تقوم لنا نار، ولا يستمسك لنا بناء، (فارتحلوا فإني مرتحل، ووثب على جمله، فما حل عقال يده،) أي: الجمل، (إلا وهو قائمٍ). ولفظ الرواية في ابن إسحق: ثم قام إلى جمله وهو معقول، فجلس عليه، ثم ضربه فوثب به على ثلاث، فوالله ما أطلق عقاله إلا وهو قائم، ولولا عهد رسول اللَّه عَّةٍ إِليَّ، أن لا تحدث شيئًا حتى تأتيني، ثم شئت لقتلته بسهم، فرجعت إِلى رسول اللَّه عَظله، وهو قائم يصلي في مرط لبعض نسائه، فلما رآني أدخلني إِلى رجليه وطرح عليّ طرف المرط، ثم ركع وسجد وإِني لفيه، فلما سلم أخبرته الخبر وسمعت غطفان بما صنعت قريش، فرجعوا إلى بلادهم هذا بقية رواية ابن إسحق. (ووقع في البخاري)،) في الجهاد، وفي المغازي، وكذا فِي مسلم، والترمذي، والنسائي وابن ماجه كلهم عن جابر؛ (أنه عليه الصلاة والسلام قال يوم الأحزاب،) وفي رواية النسائي عن ٥١ غزوة الخندق وهي الأحزاب من يأتينا بخبر القوم. فقال الزبير: أنا، فقال: من يأتينا بخبر القوم، فقال الزبير: أنا، فقال: من يأتينا بخبر القوم؟ قالها ثلاثًا. وقد اشكل ذكر الزبير في هذه القصة. فقال ابن الملقن: وقع هنا أن الزبير هو الذي ذهب والمشهور أنه حذيفة بن اليمان. قال الحافظ بن حجر: وهذا الحصر مردود، فإن القصة التي ذهب لكشفها غير القصة التي ذهب حذيفة لكشفها، فقصة الزبير كانت لكشف خبر بني قريظة هل نقضوا العهد بينهم وبين المسلمين، ووافقوا قريشًا على محاربة المسلمين؟ وقصة حذيفة كانت لما اشتد الحصار على المسلمين بالخندق، وتمالات عليهم الطوائف، ثم وقع بين الأحزاب الاختلاف، وحذرت كل طائفة من الأخرى، وأرسل الله عليهم الريح واشتد البرد تلك الليلة، فانتدب عليه الصلاة والسلام من يأتيه بخبر جابر؛ أنه قال: يوم بني قريظة، (من يأتيني بخبر القوم) بين الواقدي، أن المراد بهم بنو قريظة، وبه يسقط الإِشكال الآتي، (فقال الزبير: أنا) آتيك بخبرهم، (ثم قال: من يأتينا بخبر القوم؟، فقال الزبير: أنا، ثم قال: من يأتينا بخبر القوم؟،) فقال الزبير: أنا ثم قال: إِن لكل نبي حواريًا، وإِن جواري الزبير هذا بقية الحديث في البخاري وغيره، وقوله (قالها ثلاثًا) من المصنف ضبطًا للحديث لئلا تسقط واحدة، وهي رواية المغازي، وأما الجهاد فقالها مرتين. (وقد أشكل ذكر الزبير في هذه القصة، فقال ابن الملقن: وقع هنا أن الزبير هو الذي ذهب) لكشفها، (والمشهور) كما قال شيخنا أبو الفتح اليعمري؛ (أنه حذيفة بن اليمان،) كما رويناه من طريق ابن إِسجق وغيره. (قال الحافظ ابن حجر: وهذا الحصر مردود؛ فإِن القصة التي ذهب) الزبير (لكشفها غير القصة التي ذهب حذيفة لكشفها،) فتوهمها ابن الملقن وشيخه واحدة وليس كذلك، (فقصة الزبير كانت لكشف خبر بني قريظة، هل نقضوا العهد بينهم وبين المسلمين، ووافقوا قريشًا على محاربة المسلمين،) وهي التي رواها جابر في الصحيحين وغيرهما. (وقصة حذيفة كانت لما اشتد الحصار على المسلمين بالخندق، وتمالأت عليهم الطوائف، ثم وقع بين الأحزاب الاختلاف، وحذرت كل طائفة من الأخرى، وأرسل اللَّه عليهم الريح، واشتد البرد تلك الليلة فانتدب،) أي: دعا (عليه الصلاة والسلام من يأتيه بخبر ٥٢ غزوة الخندق وهي الأحزاب قريش فانتدب له حذيفة بعد تكراره طلب ذلك، وقصته في ذلك مشهورة لما دخل بين قريش في الليل وعرف قصتهم. قريش، فانتدب له حذيفة بعد تكراره طلب ذلك،) وهو الذي رواه ابن إسحق وغيره، فتوهم اليعمري وتلميذه القصتين واحدة، فقضى بأن المشهور رواية ابن إِسحق وغيره؛ أنه حذيفة على رواية الصحيحين، وغيرهما أنه الزبير مع أنك قد علمت من هذا البيان الشافي؛ أنهما قصتان وهو واضح جداً، ولم يظهر لي قول شيخنا لا يظهر منه رد قول ابن الملقن، فالمفهوم منه أنه إنما أنكر أن الذاهب لقريش هو الزبير، ولم يدع أنه لم يذهب في غزوة الخندق بأمره عَّ البتة انتهى. فإِن وجه الرد عليه ليس من دعواه ذلك، حتى يقال إنه لم يدعه، بل من توهمه أن حديث الصحيح في بعثه لقريشٍ، مع أنه إنما كان لبني قريظة، كما بينه الواقدي، بل روى النسائي عن جابر نفسه لما اشتد الأمر يوم بني قريظة قال له: ((من يأتيني بخبرهم»، فلم يذهب أحد، فذهب الزبير فجاء بخيرهِم، ثم اشتد الأمر أيضًا، فقال: ((من يأتينا بخبرهم))؟، فلم يذهب أحد، فذهب الزبير، ثم اشتد الأمر أيضًا، فقال: (من يأتينا بخبرهم)؟، فلم يذهب أحد، فذهب الزبير. ففيه أنه ذهب لقريظة ثلاث مرات، وقول بعضهم: لا مانع أنه أرسل الزبير لقريظة مرة أُخرى للبحث عن حال قريش فاسد، فالمانع موجود وهو مجيء الرواية عن جابر نفسه، أن ذهاب الزبير لبني قريظة. والروايات يفسر بعضها بعضًا، وتجويز أنه عَِّ عدل عن إرسال الزبير؛ لأن له حدة وشدة، لا يملك معها نفسه أن يحدث بالقوم، ما نهى عنه حذيفة، فاختار إرساله لذلك، وأن بهذا يرد كلام الحافظ، هذا الذي نقله المصنف خطأ صريح أوقعه في حق الحواري أحد العشرة، حاشاه من هذا الهذیان؛ فإنه لا يفعل ما نهاه عنه لو وقع. (وقصته،) أي: حذيفة (في ذلك مشهورة لما دخل بين قريش في الليل، وعرف قصتهم،) فعند أبي نعيم والبيهقي وغيرهما عنه قال: لما دخلت بينهم نظرت في ضوء نار توقد، وإذا رجل أدهم ضخم يقول بيده على النار، ويمسح خاصرته وحوله عصبة، قد تفرق عنه الأحزاب، وهو يقول الرحيل، ولم أعرف أبا سفين قبل ذلك، فانتزعت سهمًا من كنانتي أبيض الريش لأَضعه في كبد القوس لأرميه في ضوء النار، فذكرت قوله عَّله: ((لا تحدثن في القوم شيئًا حتی تأتيني)، فأمسکت ورددت سهمي، فلما جلست فیھم أحس أبو سفین أنه قد دخل فیھم من غيرهم، فقال: «ليأخذ كل رجل منکم بید جلیسه)، فضربت بيدي على يد الذي عن يميني، فأخذت بيده فقلت: من أنت؟، قال: معوية بن أبي سفين، ثم ضربت بيدي على يد الذي عن شمالي فقلت: من أنت؟، قال: عمرو بن العاصي، فعلت ذلك خشية أن يفطن بي، فبدرتهم ٥٣ غزوة الخندق وهي الأحزاب وفي البخاري من حديث عبد الله بن أبي أوفى قال: دعا رسول الله عَ ليه على الأحزاب فقال: اللهم منزل الكتاب سريع الحساب بالمسألة ثم تلبثت فيهم هنيهة، فأتيت قريشًا وبني كنانة وقيساً، وقلت: ما أمرني به عََّةِ بقوله أدخل حتى تدخل بين ظهراني القوم، فأتيت قريشًا، فقلت: يا معشر قريش، إنما يريد الناس إِذا كان غدًا أن يقال أين قريش، أين قادة الناس، أين رؤوس الناس، فيقدمونكم فتصلوا القتال، فيكون القتل فيكم، ثم انت بني كنانة فقل إِذا كان غدًا فيقال: أين رماة الحذف فيقدمونكم فتصلوا القتال فيكون القتل فيكم ثم ائت قيشًا فقل: يا معشر قيس إنما يريد الناس إِذا كان غدًا أن يقولوا أين قيس، أين أحلاس، الخيل أين الفرسان، فيقدمونكم، فتصلوا القتال، فيكون القتل فيكم الحدیث. وذكر في بقيته ارتحالهم وغلبة الريح عليهم، وأنه عاد إِلى النبي عَّ ولقيه الفوارس في نحو نصف الطريق، فلما وصل عاد له البرد ووجده عَّه يصلي، فأومأ إليه بيده فدنا منه، فسدل عليه من فضل شملته، قال: فأخبرته الخبر وإني تركتهم يترحلون، فلم أزل نائمًا حتى الصبح، فلما أصبحت، قال عَِّ: ((قم يا نومان)). (وفي البخاري) في الجهاد، والمغازي، والتوحيد والدعوات، ومسلم في المغازي، والترمذي وابن ماجه في الجهاد والنسائي في السير كلهم (من حديث) الصحابي ابن الصحابي (عبد الله بن أبي أوفى) بفتح الهمزة والفاء بينهما واو ساكنة، كما ضبطه الكرماني وغيره، واسمه علقمة بن خالد بن الحرث الأسلمي، شهد عبد اللَّه الحديبية، وعمر دهرًا، ومات سنة سبع وثمانين، وهو آخر من مات بالكوفة من الصحابة. (قال: دعا رسول اللّه بِّل على الأحزاب). وفي رواية أحمد وابن سعد عن جابر؛ أنه عَّ أتى مسجد الأحزاب يوم الاثنين، ويوم الثلاثاء، ويوم الأربعاء بين الظهر والعصر، فوضع رداءه، فقام فرفع يديه يدعو عليهم، فرأينا البشر في وجهه. وفي رواية أبي نعيم: انتظر حتى زالت الشمس، ثم قام، فقال: يا أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدوّ، واسألوا اللَّه العافية، فإِن لقيتم العدوّ فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف، ثم دعا (فقال: اللهم،) أي: يا أللّه، يا (منزل الكتاب) القرءان. قال الطيبي: لعل تخصيص هذا الوصف بهذا المقام تلويح إلى معنى الانتصار في قوله تعالى: ﴿ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون﴾ [الصف: ٩]، وأمثال ذلك يا (سريع الحساب). قال الكرماني: إما أن يريد به سريع حسابه، بمجيء وقته، وإما أنه سريع في الحساب، ٥٤ غزوة الخندق وهي الأحزاب اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم. وروى أحمد عن أبي سعيد قال: قلنا يوم الخندق يا رسول الله هل من شىء نقوله فقد بلغت القلوب الحناجر فقال: نعم، اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا. قال: فضرب الله وجوه أعدائنا بالريح فهزمهم بالريح. (إهزم الأحزاب،) بزاي: أكسرهم، وبدد شملهم، (اللهم اهزمهم وزلزلهم،) فلا يثبتوا عند اللقاء، بل تطيش عقولهم، وترعد أقدامهم، وقد استجاب اللَّه لرسوله، فأرسل عليهم ريحًا وجنودًا، فهزمهم حتى قال طليحة بن خويلد الأسدي: أما محمد فقد بدأكم بالسحرة فالنجاء النجاء، فانهزموا من غير قتال. وخص الدعاء عليهم بالهزيمة والزلزلة دون الهلاك؛ لأن في الهزيمة سلامة نفوسهم، وقد يكون ذلك رجاء أن يتوبوا من الشرك ويدخلوا في الإِسلام والإهلاك مفوت لهذا المقصد الصحیح. (وروى أحمد عن أبي سعيد،) سعد بن لملك بن سنان الخدري، الصحابي، ابن الصحابي، (قال: قلنا يوم الخندق: يا رسول اللَّه هل من شىء نقوله، فقد بلغت القلوب الحناجر) جمع حنجرة، وهي مجرى النفس. قال قتادة: شخصت مكانها، فلولا أنه ضاق الحلقوم عنها لخرجت، رواه ابن أبي حاتم، وقد قيل: إِذا انتفخت الرئة من شدة الفزع والغضب، أو الغم الشديد ربت، وارتفع القلب بارتفاعها إِلى رأس الحنجرة، وقيل: هو تمثيل عن شدة الخوف، وعليه السهيلي. قال في الروض فيه: أن التكلم بالمجاز مبالغة حتى إذا فهمه المخاطب، فإن القلب لو انتقل إلى الحنجرة لمات صاحبه، فخالهم فيما بلغهم من الخوف وضيق الصدر، كمثل المنخلع قلبه من موضعه، ومثله جدارًا يريد أن ينقض، أي: مثله كمثل من يريد الفعل، وبهم به فهو من مجاز التشبيه، وقيل: هو على حذف مضاف، تقديره بلغ وجيف القلوب الحناجر انتهى، (فقال: نعم،) قولوا: (اللهم استر عوراتنا)، أي: خللنا، أي عيوبنا، وتقصيرنا وما يسوءها إظهاره، (وآمن) بمد الهمزة وكسر المهم مخففة، ويجوز القصر والتثقيلٍ، (روعاتنا) خوفنا وفزعنا من الروع بالفتح الفزع، وفيه من أنواع البديع جناس القلب، وإيقاع الأمن على الروع مجاز من إِطلاق اسم المحل، وهو القلب على الحال فيه وهو الروع، وبهذا وافق قوله تعالى: ﴿وَآمنهمٍ من خوف﴾ [قريش: ٤]، وقوله: ﴿وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا﴾ [النور: ٥٥]، حيث أوقع الأمن على الذوات. (قال: فضرب اللَّه وجوه أعدائنا بالريح، فهزمهم بالريح،) وكفى اللَّه المؤمنين القتال، فانصرف الكفار خائبين خائفين، حتى أن عمرو بن العاصي، وخالد بن الوليد أقاما في مائتي ٥٥ غزوة الخندق وهي الأحزاب وفي (ينبوع الحياة) لابن ظفر: قيل إنه عَّ له دعا فقال: يا صريخ المكروبين يا مجيب المضطرین اکشف همي وغمي و کربي فإنك ترى ما نزل بي وبأصحابي. فأتاه جبريل فيشره بأن الله سبحانه يرسل عليهم ريحًا وجنودًا، فأعلم أصحابه ورفع يديه قائلاً: شكرًا شكرًا، وهبت ريح الصبا ليلاً فقلعت الأوتاد وألقت عليهم الأبنية وكفت القدور فارس، ساقه عسكر المشركين رداً لهم، مخافة الطلب، کما ذكره ابن سعد. (وفي ينبوع الحياة) اسم تفسير القرءان العظيم (لابن ظفر) بفتح الظاء المعجمة والفاء بعدها راء، كما ضبطه ابن خلكان، ونسب إلى جده لشهرته به، وإلا فهو محمد بن محمد بن ظفر أحد الفضلاء صاحب التصانيف الصقلى، ولد بها، ونشأ بمكة، وتنقل في البلاد، وسكن آخر وقته بحماة، وكان فقيرًا جدًا حتى قيل: إنه زوج بنته بغير كفؤ للحاجة، فخرج الزوج بها من حلب، وباعها (قيل: إِنه عَُّ دعا فقال: يا صريخ) بخاء معجمة، أي: يا مغيث (المكروبين،) ويطلق على المستغيث أيضًا، كما في القاموس، وليس مرادًا هنا (يا مجيب المضطرين) المكروبين الذين مسهم الضر، كما قال: أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء، (اكشف همي وغمي وكربي، فإنك ترى ما نزل بي وبأصحابي، فأتاه جبريل، فبشره بأن اللَّه سبحانه وتعالى يرسل عليهم ريحًا وجنودًا، فأعلم أصحابه) بذلك ليزول خوفهم، (ورفع يديه قائلاً) أشكرك (شكرًا شكرًا،) أي: شكرًا بعد شكر على ما أوليتني من نعمائك (وهبت ريح الصبا) بفتح الصاد المهملة وخفة الموحدة، وهي الشرقية، ويقال لها القبول لأنها تقابل الشمال، وهي الريح العقيم التي لا خير فيها (ليلاً). روى ابن مردويه والبزار وغيرهما برجال الصحيح، عن ابن عباس قال: لما كانت ليلة الأحزاب قالت الصبا للشمال: اذهبي بنا ننصر رسول اللَّه عَّه، فقالت: إِن الحرائر لا تهب بالليل، فغضب اللَّه عليها، فجعلها عقيمًا، وأرسل الصبا، فأطفأت نيرانهم، وقطعت أطنابهم، فقال ێے: «نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور). وروى الشيخان والنسائي عنه مرفوعًا: نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور بفتح الدال، الريح الغربية، ومن لطيف المناسبة، كون القبول نصرت أهل القبول، والدبور أهلكت أهل الأدبار (فقلعت الأوتاد)) وأطفأت النيران، (وألقت عليهم الأبنية،) أي: الأُخبية، (وكفت) قلبت (القدور) على أفواهها. · قال مجاهد: سلط اللّه عليهم، الريح فكفتٍ قدورهم، ونزعت خيامهم حتى أظعنتهم، رواه البيهقي فهذا صريح في أنه من الربح، ومثله في الأنوار والنهر. ٥٦ غزوة الخندق وهي الأحزاب وسفت عليهم التراب ورمتهم بالحصى، وسمعوا في أرجاء معسكرهم التكبير وقعقعة السلاح فارتحلوا هرابًا في ليلتهم وتركوا ما استثقلوه من متاعهم. قال: فذلك قوله تعالى: ﴿فأرسلنا عليهم ريحًا وجنودًا لم تروها﴾ [الأحزاب/٩]. وفي البخاري عن علي رضي الله عنه أن رسول الله عَ لّه قال يوم الخندق: . ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارًا، کما شغلونا وزاد: وبعث اللَّه مع الصبا ملائكة تسدد الريح، وتفعل نحو فعلها انتهى. (وسفت عليهم التراب) في وجوههم، (ورمتهم بالحصا وسمعوا في أرجاء معسكرهم،) أي: جوانبه، (التكبير وقعقعة السلاح) من الملائكة (فارتحلوا هرابًا) بضم الهاء والتشديد، جمع هارب، أي: هاربين، (في ليلتهم وتركوا ما استثقلوه من متاعهم) فغنمه المسلمون مع عشرين بعيرًا أرسلها أبو سفين لحيي فحملها له شعيرًا وتمرًا وتبنّا، فلقيها جماعة من المسلمين فأخذوها وانصرفوا بها إِليه عَـ فتوسعوا بها وأكلوه حتى نفد ونحروا منها أبعرة، وبقي منها ما بقي حتى دخلوا به المدينة، فلما رجع ضرار بن الخطاب أخبرهم الخبر، فقال أبو سفين: إِن حييًا لمشؤوم قطع بنا ما نجد، ما نحمل علیه إذا رجعنا، أخرجه الواقدي پإِسناد له مرسل. (قال: فذلك قوله تعالى: ﴿فأرسلنا عليهم ريحًا﴾ [الأحزاب: ٩]، صبًا باردة في ليلة شاتية، (﴿وجنودًا﴾) ملائكة قيل: كانوا ألفًا. وروى ابن سعد عن ابن المسيب قال: أتى جبريل يومئذ، ومعه الريح فقال عَّله حين رأى جبريل: (ألا أبشروا)) ثلاثًا، (﴿لم تروها﴾،) قذفت في قلوبهم الرعب والفشل، وفي قلوب المؤمنين القوة والأمل، وقيل: إنما أرسلت لتزجر خيل العدو وإبلهم، فقطعوا ثلاثة أيام في يوم واحد، ذكره ابن دحية. قال مجاهد: ولم تقاتل الملائكة يومئذ. قال البلاذري: بل غشيتهم تطمس أبصارهم فانصرفوا، ورد اللَّه الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرًا وكفى الله المؤمنين القتال. (وفي البخاري) في الجهاد، والمغازي، والتفسير والدعوات، ومسلم وأبي داود والنسائي في الصلاة، والترمذي في التفسير، (عن علي رضي اللَّه عنه؛ أن رسول اللَّه عَظ ليل. قال يوم) وقعة (الخندق). قال الحافظ: وفي الجهاد يوم الأحزاب، وهو بالمعنى (ملّ اللَّه بيوتهم،) أي: الكفار أحياء، (وقبورهم) أمواتًا (نارًا،) والجملة خبرية لفظًا، إنشائية معنى أي: اللهم املاً، ففيه كما قال الحافظ جواز الدعاء على المشركين بمثل ذلك (كما شغلونا). وفي رواية المستملي: لما شغلونا بزيادة لام وهو خطأ، قاله الفتح، والكاف للتعليل بمعنى ٥٧ غزوة الخندق وهي الاحزاب عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس ومقتضى هذا أنه استمر اشتغاله بقتال المشركين حتى غابت الشمس. ويعارضه ما في صحيح مسلم عن ابن مسعود أنه قال: حبس المشركون رسول الله عَّةٍ عن صلاة العصر حتى احمرت الشمس أو اصفرت، فقال رسول الله عَّه: شغلونا عن الصلاة الوسطى. الحديث. ومقتضى هذا أنه لم يخرج الوقت بالكلية. قال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد، الحبس انتهى إلى ذلك الوقت، أي الحمرة أو الصفرة، ولم تقع الصلاة إلا بعد المغرب انتهى. وفي البخاري عن عمر بن الخطاب: اللام، وما مصدرية نحو كما هداكم، أي: لشغلهم إِيانا (عن) صلاة (الصلاة الوسطى) أي: عن إيقاعها. زاد مسلم: صلاة العصر، (حتى غابت الشمس،) زاد مسلم: ثم صليناها بين المغرب والعشاء، (ومقتضى هذا) صراحة (أنه استمر اشتغاله بقتال المشركين،) أي: المراماة بينهم بالنبل والحجارة، (حتى غابت الشمس، ويعارضه ما في صحيح مسلم عن ابن مسعود، أنه قال: حبس) منع (المشركون رسول اللَّه عَ ل عن صلاة العصر حتى احمرت الشمس، أو اصفرت») أي: قاربت الغروب، (فقال رسول اللَّه عَ ل: شغلونا عن الصلاة الوسطى، الحديث. ومقتضى هذا) صراحة أيضًا؛ (أنه لم يخرج الوقت بالكلية). (قال الشيخ تقي الدين) أبو الفتح محمد بن علي بن وهب بن مطيع القشيري المنفلوطي، العلامة الفقيه الحافظ، صاحب التصانيف (ابن دقيق العيد). قال السخاوي، الملقب بذلك جده وهب لخروجه يومًا من قوص، وعليه طيلسان أبيض وثوب أبيض، فقال بدوي: كأن قماش هذا يشبه دقيق العيد، يعني في البياض، فلزمه ذلك (الحبس انتهى إلى ذلك الوقت، أي: الحمرة، أو الصفرة) كما هو لفظ ابن مسعود، (ولم تقع الصلاة إِلاَّ بعد المغرب،) کما صرح به علي، و کأنه حصل لهم عذر، كخوف عود الكفار لهم، (انتهى) كلام تقي الدين وهو جمع بين الحديثين. (وفي البخاري) في المواقيت، وصلاة الخوف والمغازي، ومسلم، والترمذي والنسائي في الصلاة عن جابر أن عمر جاء، وأما قوله (عن عمر بن الخطاب،) ففيه تسمح من المصنف، لم ٥٨ غزوة الخندق وهي الأحزاب أنه جاء يوم الخندق بعد ما غابت الشمس وجعل يسب كفار قريش قال: یا رسول الله، ما کدت أصلي حتی کادت الشمس أن تغرب تنبيه يرد أنه راوي الحديث؛ لأنه خلاف الواقع في البخاري وغيره، فإنما مراده عن قصة عمر، فقد قال الحافظ: اتفق الرواة على أن هذا الحديث من رواية جابر، عن النبي عَّةٍ إِلا حجاج بن نصير، فرواه عن علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن جابر، عن عمر، فجعله من مسند عمر، تفرد بذلك حجاج، وهو ضعيف انتهى. (أنه جاء يوم الخندق بعدما غابت،) وفي لفظ: غربت (الشمس و). في رواية للبخاري أيضًا: بعدما أفطر الصائم، والمعنى واحد. (جعل) بلا فاء في المغازي من البخاري، وله في المواقيت بإثباتها، فجعل (يسب كفار قريش،) لأنهم السبب في تأخيرهم الصلاة عن وقتها، إما المختار كما وقع لعمر، وإما مطلقًا كما وقع لغيره. (قال: يا رسول اللَّه ما كدت.) قال المصنف: بكسر الكاف وقد تضم، (أصلي حتى كادت الشمس أن تغرب). قال اليعمري: كاد من أفعال المقاربة، فمعناه أنه صلى العصر قرب غروب الشمس، لأَن نفي الصلاة يقتضي إثباتها، وإثبات الغروب يقتضي نفيه، فيحصل من ذلك لعمر ثبوت الصلاة، ولم يثبت الغروب. وقال الكرماني: لا يلزم منه وقوع الصلاة في وقت العصر، بل يلزم منه أن لا تقع الصلاة؛ لأنه يقتضي أن کیدودته کانت عند کیدودتها. قال: وحاصله عرفًا ما صليت حتى غربت انتهى، وفيه نظر، فإِن كاد إِذا أثبتت نفت، وإِذا نفت أثبتت، ولا يخفى ثقل تعبيره بكيدودة، ثم قوله: أن تغرب بحذف، أن عند البخاري في المواقيت، وثبوتها له في المغازي، ومثله في مسلم. قال اليعمري: وهو من تصرف الرواة، والراجح أن كاد لا تقترن بأن بخلاف عسى، فالراجح اقترانها وهل تسع الرواية بالمعنى مثل هذا أو لا، الظاهر الجواز لأن المقصود الإخبار عن صلاته العصر كيف وقعت، لا الإخبار أن عمر تكلم بالراجحة، أو المرجوحة، فإن قيل: الظاهر أن عمر كان معه عَّ فكيف اختص بإدراك العصر قبل الغروب دونهم، فالجواب يحتمل أنه كان متوضئًا، فبادر فصلى، ثم جاءه عليه السلام في حال تهيئه للصلاة، فأعلمه، فقام هو وأصحابه إلى الوضوء انتهى ملخصًا من الفتح. (تنبيه:) ما سقته من لفظ المتن هو ما في نسخة صحيحة، وهو الصواب المذكور في صحيح البخاري، وما في أكثر النسخ من قوله، عن عمر؛ أنه جاء بعدما كادت الشمس تغرب، فهو مع كونه خلاف ما في البخاري من الاختصار المخل، لإِيهامه أن مجيء عمر للمصطفى ٥٩ غزوة الخندق وهي الأحزاب فقال عَّله: والله ما صليتها، فنزلنا مع النبي عَّه بطحان، فتوضأ للصلاة وتوضأنا، لها فصلى العصر بعدما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب. وقد يكون ذلك للاشتغال بأسباب الصلاة أو غيرها، ومقتضى هذه الرواية المشهورة أنه لم يفت غير العصر. وفي الموطأ: الظهر والعصر. قبل الغروب، وهو خلاف تصريحه بأنه جاء بعدما غربت الشمس، ويوهم أيضًا أن عمر لم يصل العصر قبل الغروب، مع أن الحديث كالنص في أنه صلاها قبل الغروب كما علم، (فقال عَّهِ: واللَّه ما صليتها،) فيه جواز اليمين من غير استحلاف، إذا اقتضته مصلحة من زيادة طمأنينة أو نفي توهم، وفيه ما كان عليه عَّه من مكارم الأخلاق، وحسن التأني مع أصحابه وتألفهم، (فنزلنا مع النبي عَّه بطحان). قال الحافظ: بضم أوله وسكون ثانيه، واد بالمدينة، وقيل: بفتح أوله وكسر ثانيه، حكاه أبو عبيد البكري، ونسب عياض الأول للمحدثين، والثاني للغويين، وحكى الفتح مع السكون أيضًا. (فتوضأ للصلاة، وتوضأنا لها فصلى،) زاد الإِسماعيلي: بناء (العصر بعدما غربت الشمس،) ففيه قضاء الفائتة جماعة، وبه قال الأكثر إِلا الليث، مع إجازته صلاة الجمعة جماعة إِذا فاتت، (ثم صلى بعدها المغرب) ووقع عند أحمد، أنه عَّهِ صلى المغرب يوم الأحزاب، فلما سلم قال: ((هل علم رجل مسلم أني صليت العصر)؟، قالوا: لا يا رسول اللَّه، فصلى العصر، ثم صلى المغرب. قال الحافظ: وفي صحته نظر، لمخالفته لحديث الصحيحين، هذا ويمكن الجمع بينهما بتكلف. قال: واختلف في سبب تأخير الصلاة ذلك اليوم، فقيل: النسيان، واستبعد وقوعه من الجميع، وقيل: شغلهم إياهم، فلم يتمكنوا من ذلك وهو أقرب لا سيما، ولأحمد والنسائي عن أبي سعيد، أن ذلك كان قبل أن ينزل اللَّه في صلاة الخوف، فرجالاً أو ركبانًا، (وقد يكون ذلك،) أي: التأخير عن إيقاعها قبل الغروب (للاشتغال بأسباب الصلاة أو غيرها،) كخوف عود العدو قبل الغروب، (ومقتضى هذه الرواية المشهورة) في الصحيحين وغيرهما، عن جابر وعلي؛ (أنه لم يفت غير العصر). (وفي الموطأ) من طريق أخرى؛ أنه فاتهم (الظهر والعصر). ٦٠ غزوة الخندق وهي الأحزاب وفي الترمذي عن ابن مسعود أن المشركين شغلوا رسول الله طَةٍ عن أربع صلوات يوم الخندق. وقال: ليس بإسناده بأس إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من عبد الله، فمال ابن العربي إلى الترجيح فقال: الصحيح أن التي اشتغل عنها عَّه. واحدة وهي العصر. وقال النووي: طريق الجمع بين هذه الروايات، أن وقعة الخندق بقيت أيامًا فكان هذا في بعض الأيام وهذا في بعضها. قال: وأما تأخيره عليه الصلاة والسلام صلاة العصر حتى غربت الشمس فكان قبل نزول صلاة الخوف. وفي حديث أبي سعيد عند أحمد والنسائي: الظهر والعصر والمغرب، وأنهم صلوا بعد هوی من الليل. (وفي الترمذي) والنسائي (عن ابن مسعود: أن المشركين شغلوا رسول اللَّهُمَّلُ، عن أربع صلوات يوم الخندق٤) حتى ذهب من الليل ما شاء اللَّه. قال الحافظ: وفي قوله: أربع، تجوز لأن العشاء لم تكن فاتت. (وقالٍ) الترمذي: (ليس بإسناده بأس إِلا أن أبا عبيدة) ابن عبد الله بن مسعود مشهور بكنيته، والأشهر أنه لا اسم له غيرها، ويقال اسمه عامر كوفي ثقة، مات بعد سنة ثمانين، (لم يسمع من) أبيه (عبد اللَّه) بن مسعود، فهو منقطع، وفي التقريب الراجح أنه لا يصح سماعه من أبيه، (فمال ابن العربي إلى الترجيح، فقال: الصحيح أن التي اشتغل عنها عَّه واحدة وهي العصر). قال الحافظ: ويؤيده حديث علي في مسلم: شغلونا عن الصلاة الوسطى، صلاة العصر. (وقال النووي: طريق الجمع بين هذه الروايات، أن وقعة الخندق بقيت أيامًا فكان هذا،) . أي: شغلهم عن العصر أو الظهر والعصر، (في بعض الأيام، وهذا،) أي: تأخير أربع صلوات، (في بعضها). قال الحافظ: ويقربه أن روايتي أبي سعيد وابن مسعود ليس فيهما تعرض لقصة عمر، بل فيهما أن قضاءه للصلاة وقع بعد خروج وقت المغرب، وأما حديث جابر ففيها أن ذلك كان عقب غروب الشمس. (قال) النووي: (وأما تأخيره عليه الصلاة والسلام للعصر حتى غربت الشمس، فكان قبل نزول) قوله تعالی: ﴿فرجالاً أُو ر کبانا﴾، (صلاة الخوف،» کما مر من حديث أبي سعيد، وقد صلى صلاة الخوف في ذات الرقاع، وهي قبل الخندق عند جماعة.