Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ غزوة الخندق وهي الأحزاب أن نفرًا من يهود خرجوا حتى قدموا على قريش بمكة وقالوا: إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله، فاجتمعوا لذلك واتعدوا له. ثم خرج أولئك اليهود حتى جاؤوا غطفان من قيس عيلان، فدعوهم إلى حربه عليه الصلاة والسلام، وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأن قريشًا قد بايعوهم على ذلك واجتمعوا معهم. فخرجت قريش وقائدها أبو سفين بن حرب، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن كلها مرسلة، (أن نفرًا من يهود) منهم سلام بن مشكم وابن أبي الحقيق وحيي وكنانة النضيريون وهوذة بن قيس وأبو عمار الوائليان، (خرجوا) من خيبر (حتى قدموا على قريش مكة، وقالوا: إِنا سنكون معکم علیه حتى نستأصله). قال في رواية ابن إسحق: فقالت لهم قريش: إِنكم أَهل الكتاب الأول، والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد أفديننا خير أم دينه، قالوا: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه، فأنزل اللَّه تعالى فيهم: (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت﴾، إلى قوله: ﴿وكفى بجهنم سعيرًا﴾ فسر ذلك قريشًا ونشطوا لما دعوهم إليه، (فاجتمعوا لذلك واتعدوا له،) أي: تواعدوا على وقت يخرجون فيه، وفي نسخة: واستعدوا له، والأَوّل هو الرواية في ابن إسحق، والمناسب لقوله، (ثم خرج أولئك اليهود حتى جاؤوا غطفان) من قيس عيلان) بعين مهملة. قال الجوهري: وليس في العرب عيلان غيره، وهو في الأصل اسم فرسه، ويقال هو لقب مضر؛ لأنه يقال قيس بن عيلان، (فدعوهم إِلى حربه عليه الصلاة والسلام وأخبروهم أنهم سیکونون معهم عليه). قال الواقدي: وجعلوا لهم خيبر سنة إِن هم نصروهم، (وأن قريشًا قد تابعوهم على ذلك، واجتمعوا معهم فخرجت قريش) في أربعة آلاف، وعقدوا اللواء في دار الندوة، وحمله عثمن بن أبي طلحة، (وقائدها أبو سفين بن حرب) المسلم في الفتح، وقادوا معهم ثلاثمائة فرس وألفًا وخمسمائة بعير ولاقتهم بنو سليم بمر الظهران في سبعمائة يقودهم سفين بن عبد شمس حليف حرب بن أمية، وخرجت معهم بنو أسد يقودهم طليحة بن خويلد الأسدي، قاله ابن سعد، وأسلم طليحة بعد ذلك. (وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن) بن حذيفة بن بدر الفزاري، (في فزارة) قبيلته، ٢٢ غزوة الخندق وهي الأحزاب في فزارة، والحرث بن عوف المري في مرة. وكان عدتهم - فيما ذكره ابن إسحق - عشرة آلاف. والمسلمون ثلاثة آلاف وقيل غير ذلك. وكانوا ألفًا. قال في الروض: سمى عيينه لشتر، كان بعينيه واسمه حذيفة، وهو الذي قال فيه (الأحمق المطاع))؛ لأنه كان يتبعه عشرة آلاف قناة. وقال فيه أيضًا: إِن شر الناس من ودعه الناس اتقاء شره. وفي رواية: إني أداريه لأني أَخشى أن يفسد عليَّ خلقًا كثيرًا، وفيه بيان معنى الشر الذي أتقى منه، ودخل عليه عَّ له بغير إذن، فقال له: ((أين الإِذن))، قال: ما استأذنت على مضري قبلك، وقال: ((ما هذه الحميراء معك))؟ قال: عائشة بنت أبي بكر، فقال: ((طلقها))، وأنزل لك عن أم البنين في أمور كثيرة من جفائه أسلم، ثم ارتد وآمن بطليحة حتى تنبأ، وأخذ أسيرًا، فأتى به للصديق، فمن عليه، ولم يزل مظهرًا للإِسلام على جفوته وعنجهيته ولوثة أعرابيته حتى مات. قال الشاعر: وإني على ما كان من عنجهيتي ولوثة أعرابيتي لأديب انتھی. (والحرث بن عوف المري) بضم الميم وشد الراء، أسلم بعد تبوك في وفد قومه بني مرة، وكانوا ثلاثة عشر رجلاً رأسهم الحرث أحد الفرسان المشهورين (في) بني (مرة) وكانوا أربعمائة. زاد ابن سعد: وخرجت أشجع، وهم أربعمائة يقودهم مسعود بن رخيلة، بضم الراء وفتح الخاء، وأسلم بعد وخرج معهم غيرهم. قال: وقد روى الزهري: أن الحرث بن عوف رجع ببني مرة، فلم يشهد الخندق منهم أحد، وكذلك روت بنو مرة والأول أثبت انتهى. (وكان عدتهم فيما ذكره ابن إِسحق) بأسانيدهِ، وابن سعد (عشرة آلاف). قال ابن سعد: وكانوا ثلاثة عساكر، وعاج الأمر إِلى أَبي سفين، قالا أيضًا: (والمسلمون ثلاثة آلاف). قال الشامي: وهو الصحيح المشهور، (وقيل غير ذلك). قال في الفتح: وقيل: كان المشركون أربعة آلاف، والمسلمون نحو الألف. ونقل ابن القيم في الهدى عن ابن إسحق أن المسلمين كانوا سبعمائة. قال: وهذا غلط ٢٣ غزوة الخندق وهي الأحزاب وذكر ابن سعد أنه كان مع المسلمين ستة وثلاثون فرسًا. ولما سمع رسول الله عَّله بالأحزاب، ما أجمعوا عليه من الأمر، ضرب على المسلمين الخندق، فعمل فيه عليه الصلاة والسلام ترغيبًا للمسلمين في الأجر، وعمل معه المسلمون، فدأب ودأبوا. وأبطأ على رسول الله عَّله وعلى المسلمين في عملهم ذلك ناس من المنافقين، وجعلوا يورون بالضعف عن العمل، من خروجه یوم أحد. قال الشامي: ولا دليل في قول جابر في قصة الطعام، وكانوا ألفًا لأنه أراد الآكلين فقط لا عدة من حضر الخندق انتهى. وقيل: كان المشركون خمسة عشر ألفًا، كذا حكاه في النهر. قال ابنا سعد وهشام: واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم. (وذكر ابن سعد أَنه كان مع المسلمين ستة وثلاثون فرسًا، ولما سمع رسول اللَّه عزِّ بالأحزاب وما أجمعوا عليه من الأمر،) الذي زعموه، وهو استئصال المسلمين (ضرب على المسلمين الخندق،) أي: جعل على كل عشرة أربعين ذراعًا كما مر، وكان الخندق بسطة أو نحوها، (فعمل فيه عليه الصلاة والسلام) بنفسه (ترغيبًا للمسلمين في الأجر، وعمل معه المسلمون فدأب ودأبوا،) جدوا وتعبوا، حتى كان سلمان يعمل عمل عشرة رجال حتى عانه قيس بن صعصعة، أي: أصابه بالعين فلبط، بضم اللام وكسر الموحدة وطاء مهملة، أي: صرع فجأة من عين، أو علة وهو ملتو، فقال ◌َ له: ((مروه فليتوضأ وليغتسل به سلمان وليكفىء الإِناء خلفه))، ففعل، فكأنما حل من عقال. وعند الطبراني: وتنافس المهاجرون والأنصار في سلمان، وكان رجلاً قويًّا، فقال المهاجرون: سلمان منا، وقالت الأنصار: سلمان منا. فقال عَّ: ((سلمان منا أهل البيت» بنصب أهل على الاختصاص، أو على إِضمارٍ أعني وأما الخفض على البدل فلم يجزه سيبويه من ضمير المتكلم، ولا من ضمير المخاطب، لأنه في غاية البيان، وأجازه الأخفش، قاله السهيلي. (وأبطأ على رسول اللَّه عَّ وعلى المسلمين في عملهم ذلك))) أي: تأخر عن العمل معهم، (ناس من المنافقين)) وهذا كالاستثناء من دأب ودأبوا، كأَنّه قال: إِلاَّ المنافقين وإنما أخرجوا لأَنهم مسلمون ظاهرًا، (وجعلوا يورون بالضعف عن العمل،) أي: يخفون مقصودهم من خذلان المسلمين بإظهار الضعف. ففي القاموس وراه تورية أخفاه كواراه أو يتعللون به سماه تورية، لإظهارهم خلاف ٢٤ غزوة الخندق وهي الأحزاب وفي البخاري: عن سهل بن سعد قال: كنا مع النبي عَّ في الخندق، وهم يحفرون ونحن ننقل التراب على أكتادنا، فقال رسول الله عَ ليه: اللهم لا عيش إلا عیش الآخرة، فاغفر للمهاجرين والأنصار. والأكتاد: ۔ بالمثناة الفوقية۔۔ جمع کتد۔ بفتح أوله و کسر المثناة۔ وهو ما بين الكاهل إلى الظهر، وفي بعض نسخ البخاري: أكبادنا بالموحدة، وهي موجه على أن المراد به مما يلي الكبد من الجنب. قصدهم من عدم إِعانة المسلمين وخذلانهم، وأبرزوه في صورة الضعف، لكن حيث صح المعنى اللغوي بالحقيقة، فلا معدل عنه للمجاز. (وفي البخاري) ثاني حديث في هذا الباب، (عن سهل ابن سعد) الساعدي (قال: كنا مع النبي ◌َ ﴾. في الخندق وهم يحفرون) بكسر الفاء (ونحن ننقل التراب على أكتادنا) بالتاء والباء. وفي حديث أنس: على متونهم كما عند البخاري. قال الحافظ: ووهم ابن التین فعزا هذه اللفظة لحديث سهل. (فقال رسول اللَّه عٍَّ: اللهم لا عيش) دائم (إلاَّ عيش الآخرة). قال الداودي: إنما قال ابن رواحة: لا هم إِن العيش بلا ألف ولام، فأورده بعض الرواة على المعنى. قال الحافظ: وحمله على ذلك ظنه أنه یصیر بالألف واللام غير موزون، ولیس کذلك بل يكون دخله الجزم، ومن صورة زيادة شىء من حروف المعاني في أوَّل الجزء، (فاغفر للمهاجرين والأنصار، ) وفي حديث أنس بعده: فاغفر للأنصار والمهاجرة. قال الحافظ: وكلاهما غير موزون، ولعله عَّله تعمد ذلك، ولعل أصله فاغفر للأَنصار والمهاجرة بتسهيل همزة الأنصار، وباللام في المهاجرة، وفي الرواية الأخرى فبارك بدل فاغفزه (والأكتاد بالمثناة الفوقية، جمع كتد، بفتح أوله وكسر المثناة). زاد المصباح وفتحها (ما بين الكاهل) كصاحب الحارك، أو مقدم أعلى الظهر مما يلي العنق وهو الثلث الأعلى، وفيه ست فقرات، أو ما بين الكتفين، أو موصل العنق في الصلب، كما - في القاموس (إلى الظهر). وقال ابن السكيت: الكئد مجتمع الكتفين، وحاصل المعنى أنهم كانوا يحملون على أكتافهم وأعالي ظهورهم، (وفي بعض نسخ البخاري: أكبادنا بموحدة، وهو موجه على أن المراد به ما يلي الكبد من الجنب) لاستحالة الحقيقة. ٢٥ غزوة الخندق وهي الأحزاب وفي البخاري أيضًا: عن أنس: فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غداة باردة، فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم، فلما رأى ما بهم من النصب والجوع قال: اللهم إن العيش عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة فقالوا مجیبین له: نحن الذين بايعوا محمدًا على الجهاد ما بقينا أبدًا قال ابن بطال: وقوله اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، هو من قول ابن رواحة تمثل به عليه الصلاة والسلام. (وفي البخاري أيضًا) ثالث حديث في الباب عن حميد، (عن أنس:) خرج رسول اللّه مَّ إِلى الخندق، (فإِذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غداة باردة، فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم). قال الحافظ: أي: أنهم عملوا فيه بأنفسهم لاحتياجهم إِلى ذلك لا مجرد الرغبة في الأَجر، (فلما رأى ما بهم من النصب) بفتح النون والصاد التعب (والجوع). (قال:) وفي رواية أبي الوقت فقال: والأولى أولى، لأن جواب لما لا يقترن بالفاء (مَّم») وفي هذا كما قال الفتح بيان سبب قوله: (اللهم إِن العيش) المعتبر الدائم (عيش الآخرة) لا عيش الدنيا لكدورته، وكونه مع المنغصات التي لا تتناهى، ثم بعد هو فإِن وإن طال قل متاع الدنيا قليل، هكذا رواية أنس في الصحيح كما سقته. ومرت رواية سهل لا عيش إِلاّ عيش الآخرة، وما يقع في نسخ من جعله كذلك في خبر أنس مخالف للبخاري. (فاغفر للأنصار والمهاجرة) بكسر الجيم وسكون الهاء، (فقالوا:) أي الطائفتان حال كونهم، (مجيبين له نحن الذين بايعوا) صفة الذين لا صفة نحن، قاله الفتح (محمدًا على الجهاد). وفي رواية عبد العزيز، عن أنس عند البخاري على الإِسلام بدل الجهاد، والأول أَثبت، قاله الحافظ. (ما بقينا أبدًا. قال ابن بطال وقوله: اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، هو من قول ابن رواحة) عبد اللَّه الصحابي الشهير (تمثل به عليه الصلاة والسلام،) قال: ولو لم يكن من لفظه لم يكن بذلك شاعرًا، قال: وإِنما يسمى شاعرًا من قصده، وعلم السبب والوتد، وجميع معايبه من الزحاف ونحو ذلك، قال الحافظ كذا، قال: وعلم الوتد الخ، إنما تلقوه من العروض التي اخترع ترتيبها الخليل بن أحمد وقد كان من شعراء الجاهلية والمخضرمين والطبقة الأولى والثانية من شعراء الإِسلام قبل أن يضعه الخليل، كما قال أبو العتاهية: أنا أقدم من العروض، يعني أنه نظم ٢٦ غزوة الخندق وهي الأحزاب وعند الحرث بن أبي أسامة من مرسل طاوس زيادة في آخر الرجز: والعن عضلاً والقارة هم كلفونا ننقل الحجارة وفي البخاري من حديث البراء قال: لما كان يوم الأحزاب، وخندق رسول الله عَّ له رأيته ينقل من تراب الخندق حتى وارى عني الغبار جلدة بطنه، الشعر قبل وضعه. وقال أبو عبد اللَّه بن الحجاج الكاتب: قد كان شعر الورى قديمًا من قبل أن يخلق الخليل انتھی. (وعند الحرث) بن محمد (بن أبي أسامة) داهر الحافظ المشهور، (من مرسل طاوس) بن كيسان اليماني الفارسي تابعي ثقة، فقيه، كثير الحديث. يقال اسمه ذكوان وطاوس لقب. مات سنة ست ومائة، وقيل بعدها (زيادة في آخر) هذا (الرجز) هي: والعن عضلاً والقاره هم كلفونا ننقل الحجارة قال الحافظ: والأَول غير موزون أيضًا، ولعله والعن الهي عضلاً والقارة. وفي رواية عبد العزيز عن أنس عند البخاري: وينقلون التراب على متونهم وهم يقولون: نحن الذين بايعوا محمدًا على الإِسلام ما بقينا أبدا يقول عَّه وهو يجيبهم: اللهم لا خير إِلاَّ خير الآخرة، فبارك في الأَنصار والمهاجره. قال الحافظ: ولا أثر التقديم والتأخير فيه، لأنه يحمل على أنه كان يقول إِذا قالوا ويقولون إِذا قال، يعني يجيبونه تارة ويجيبهم أخرى، قال: وفيه أن في إنشاد الشعر تنشيطًا في العمل، وبذلك جرت عادتهم في الحرب، وأكثر ما يستعملون في ذلك الرجز. (وفي البخاري) من طريقين ذكر المصنف الثانية (من حديث البراء) بن عازب، (قال: لما كان يوم الأحزاب وخندق معَّ رأيته ينقل من تراب الخندق حتى وارى،) أخفى، (عني الغبار،) لتراكمه، (جلدة بطنه). وفي الطريق الأولى حتى أغمر أو اغبر بطنه بالشك، وغين معجمة فيهما، فإِما بالموحدة فواضح، وإِما بالمیم. فقال الخطابي: إِن كانت محفوظة فمعناها وارى التراب جلدة بطنه، أي: فبطنه بالنصب، ومنه غمار الناس وهو جمعهم إِذا تكاثف، ودخل بعضهم في بعض. قال: وروي اعفر بمهملة وفاء، والعفر بالتحريك التراب. ٢٧ غزوة الخندق وهي الأحزاب وكان كثير الشعر، فسمعته يرتجز بكلمات ابن رواحة، وهو ينقل التراب ويقول: اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا إن الأولى قد رغبوا علينا قال عياض: وقع للأكثر بمهملة وفاء وبمعجمة وموحدة، فمنهم من ضبطه بنصب بطنه، ومنهم من ضبطه برفعها. وعند النسفي حتى غبر بطنه، أو أغبر بمعجمة فيهما وموحدة. ولِأَبي ذر وأبي زيد: حتى أغمر. قال: ولا وجه لها إلاَّ أن تكون بمعنى ستر، كما في الرواية الأخرى حتى وارى عني التراب جلدة بطنه. قال: وأوجه هذه الروايات اغبر بمعجمة وموحدة، ورفع بطنه. (وكان كثير الشعر) بفتحتین، أي: شعر بطنه، وفي حديث أم سلمة عند أحمد بسند صحيح كان عليّ يعاطيهم اللبن يوم الخندق، وقد اغبر شعر صدره، وظاهره أنه كان كثير شعر الصدر، وليس كذلك فإن في صفته عَد أنه كان دقيق المسربة، أي: الشعر، الذي في الصدر إلى البطن، فيمكن أن يجمع بأنه كان مع دقته كثيرًا، أي لم يكن منتشرًا بل كان مستطيلاً، واللّه أعلم انتهى كله من الفتح. (فسمعته يرتجز بكلمات ابن رواحة وهو ينقل التراب ويقول: اللهم،) وفي الطريق الأولى واللّه، ( لولا أنت ما اهتدينا) وعلى الطريق الأولى وهو موزون، وأما الثانية فقال الزركشي: صوابه في الوزن لا هم، أو تاللَّه لولا أنت، وقال الدماميني: هذا عجيب، فإِنه عَّ هو المتمثل بهذا الكلام والوزن لا يجري على لسانه الشريف غالبًا. قلت: إِنما قال صوابه في الوزن، ولا عجب في ذلك أصلاً. (ولا تصدقنا.) ولفظ أبي يعلى: اللهم لولا أنت، وقال بدل تصدقنا صمنا كذا في الشامية، ومراده أنه ذكره بإحدى روايتي الصحيح في أوله، وأبدل تصدقنا بصمنا كما هو ظاهر جدًا، إلا أنه انفرد عن البخاري بلفظ: اللهم لولا أنت، كما توهم فإِنه فاسد لثبوتها في البخاري، (ولا صلينا فأنزلن) بنون التوكيد الخفيفة (سكينة) بالتنكير، أي: وقارًا، (علينا) هكذا رواية البخاري في المغازي من الطريقين، وله في الجهاد: فأنزل السكينة علينا، وللحموي والمستملي: فأنزل سكينة، وللكشميهني كما هنا، (وثبّت) قوِّ (الأقدام إِن لاقينا) العدو (إِن الأولى) هو من الألفاظ الموصولات، لا من أسماء الإشارة جمعًا للمذكر، (قد رغبوا) بغين معجمة، العدو (علينا،) أي: على قتالنا. قال الحافظ: كذا السرخسي، والكشميهني، وأبي الوقت، والأُصيلي، وابن عساكر وللباقين قد بغوا كالأولى، لكن الأصيلي ضبطها بالعين المهملة الثقيلة والموحدة، وضبطها في ٢٨ غزوة الخندق وهي الأحزاب إذا أرادوا فتنة أبينا قال: ويمد بها صوته ... وفي رواية له أيضًا: إن الأولى بغوا علينا إذا أرادوا فتنة أبينا وفي حديث سليلمن التيمي عن أبي عثمن النهدي أنه معَّ له حين ضرب في الخندق قال: بسم الإله وبه بدينا ولو عبدنا غيره شقينا حبذا ربا و. المطالع بالغين المعجمة، وكذا ضبطت في رواية أبي الوقت لكن بزاي أوله، والمشهور ما في المطالع انتهى، وعلى خلاف المشهور، وهو الإهمال فتشديد رعبوا للمبالغة، أي: رعبوا المسلمين بتحزبهم علينا، فلا حاجة إِلى أنه ضمنه معنى جمعوا، فعداه بعلى مع أنه يتعدى بنفسه وبالهمزة، (إذا أرادوا فتنة أبينا) بالموحدة، الفرار، كما رجحه عياض وبالفوقية: أي جئنا وأقدمنا على عدونا، وتتمة حديث البراء من هذا الطريق لفظها (قال:) ثم يمد صوته بآخرها. قال المصنف كالحافظ، أي بقوله: أبينا، ولفظه في الطريق الأولى ورفع صوته أبينا أبينا، وكان المصنف ذكر حاصل معنى الروايتين بقوله: (ويمد بها صوته،) أي: باللفظة الأخيرة لا بالجميع. (وفي رواية له) للبخاري (أيضًا) في الطريق الأولى: (إن الأولى بغوا علينا، إِذا أرادوا فتنة أبينا). قال الحافظ: ليس بموزون وتحريره إِن الذين قد بغوا علينا، فذكر الراوي الأولى بمعنى الذين وحذف قد وزعم ابن التين أن المحذوف هم وقد والأصل أن الأولى هم قد بغوا علينا وهو يتزن بما قال لكن لم يتعين، وذكر بعض الرواة في مسلم أبوا بدل بغوا، ومعناه صحيح، أي أبوا أن يدخلوا في ديننا. (وفي حديث) الحرث بن أبي أسامة من طريق (سليمان) بن طرخان (التيمي) أبي المعتمر البصري، نزل في التيم فنسب إليهم الثقة العابد، المتوفى سنة ثلاث وأربعين ومائة، وهو ابن سبع وتسعين سنة. روى له الجميع (عن أبي عثمن) عبد الرحمن ابن مل، بميم مثلثة ولام ثقيلة (النهدي) بفتح النون وسكون الهاء، ثقة عابد مخضرم، مات سنة خمس وتسعين، وقيل بعدها، وعاش مائة وثلاثین سنة، وقيل: أکثر. روى له الستة وهو مرسل، وقد أخرجه البيهقي موصولاً عن سلمان (أنه عَّ حين ضرب في الخندق قال: بسم الإله وبه بدينا) لا بحولنا وقوتنا، (ولو عبدنا غيره شقينا، حبذا وبًا) هو ٢٩ غزوة الخندق وهي الأحزاب حبذا دينا قال في النهاية: يقال بديت بالشىء- بكسر الدال - أي بدأت به، فلما خفف الهمزة كسر الدال، فانقلبت الهمزة ياء، وليس هو من بنات الياء. انتهى. وقد وقع في حفر الخندق آيات من أعلام نبوته عليه الصلاة والسلام. منها ما في الصحاح عن جابر قال: إنا يوم الخندق نحفر فعرضت كدية شديدة - وهي بضم الكاف وتقديم الدال المهملة على التحتية، وهي القطعة الصلبة - (وحبذا دينًا) ديننا، وهذا غير موزون، ويتزن بإِسكان باء حبذا، الثانية لكن الذي في الفتح عن رواية النهدي هذه حبذا ربًا حبذا دينًا بإسقاط ذا الثانية وهذا موزون. (قال في النهاية يقال: بديت بالشىء بكسر الدال، أي: بدأت به، فلما خفف الهمز كسر الدال فانقلبت الهمزة ياء، وليس هو من بنات الياء،) أي: ليست فيه أصلية، (انتهى). قال شيخنا: يرد عليه أَن الدال مكسورة قبل التخفيف، إِذ الظاهر من قوله بديت أَن كسره أصلي غايته أن مكسور الدال بمعنى مفتوحها، اللهم إِلاَّ أَن يقال المراد إِن مكسور الدال أصله الفتح فقلبت الهمزة ياء، ثم كسرت الدال لمناسبة الياء، (وقد وقع في حفر الخندق آيات). علامات؛ (من أعلام) جمع علم، وهو العلامة وجمعها علامات فكأنه قال وقع علامات هي بعض علامات (نبوته عليه الصلاة والسلام،) وتفنن فعبر أولاً بالآيات، وثانياً بإِعلام (منها ما في الصحاح) البخاري وغيره. (عن جابر قال: إِنا) بتشديد النون (يوم الخندق،) ظرف لقوله: (نحفر،) أي: كنا في وقت حفرنا مشغولین به. وفي رواية الإسماعيلي: كنا مع رسول اللَّه عَّه يوم الخندق نحفر (فعرضت») أي: ظهرت، (كديةٍ شديدة، وهي بضم الكاف وتقديم الدال المهملة على التحتية، وهي القطعة الصلبة) من الأرض لا يعمل فيها المعول، وبهذه الرواية صدر المصنف في شرح البخاري، وعزاها الحافظ لرواية الإسماعيلي، وأحمد وصدر بقوله كيدة كذا لأبي ذر بفتح الكاف وسكون التحتية، قيل: هي القطعة الشديدة الصلبة من الأرض. وقال عياض: كأن المراد أنها واحدة الكيد، كأنهم أرادوا أن الكيد وهو الحيلة أعجزهم، فلجأوا إلى النبي عَّه، وللأَصيلي عن الجرجاني كندة بالنون. وعند ابن السكن: كتدة بفوقية. قال عیاض: لا أعرف لهما معنى انتهى. وحكى الأنصاري كبدة بفتح الكاف، وسكون الموحدة انتهى فهي خمسة. ٣٠ غزوة الخندق وهي الأحزاب فجاؤوا النبي عَّ فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق، فقام وبطنه معصوب بحجر، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقًا فأخذ النبي عَِّ المعول فضرب فعاد کثیبًا أهيل أو أهیم. كذا بالشك من الراوي، وفي رواية الإسماعيلي باللام من غير شك، وفي شرح المصنف عن الفتح: أن رواية الجرجاني بفتح الكاف والموحدة، أي: قطعة صلبة من الأرض لكن الذي في الفتح كما رأيت بالنون، (فجاؤُوا للنبي عَلَّهِ، فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق). وفي رواية الإسماعيلي فقال: رشوها بالماء، فرشوها، (فقام وبطنه معصوب بحجر،) زاد في رواية من الجوع، ولأحمد أصابهم جهد شديد حتى ربط عَ له على بطنه حجرًا من الجوع. قال الحافظ: وفائدة ربطه على البطن أنها تضمر من الجوع، فيخشى على انحناء الصلب بواسطة ذلك، فإِذا وضع فوقها الحجر وشد عليها العصابة استقام الظهر. وٍقال الكرماني: لعله لتسكين حرارة الجوع بيرد الحجر، أو لأنها حجارة رقاق قدر البطن تشد الأمعاء، لئلا يتحلل شىء مما في البطن، فلا يحصل ضعف زائد بسبب التحلل، (ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقًا) بفتح الذال المعجمة، أي: شيئًا. قال الحافظ: وهي جملة معترضة أوردها لبيان السبب في ربطه عبد الحجر على بطنه .. وزاد الإسماعيلي: ولا نطعم شيئًا، ولا نقدر عليه انتھی. قال شيخنا: أو لبيان اجتهاد الصحابة ومبالغتهم في امتثال أمره، وإن كانوا على غاية من الجهد وتوطئة لصنع جابر للطعام. (فأخذ النبي عَِّ المعول) بكسر الميم، وسكون المهملة، وفتح الواو بعدها لام، أي: المسحاة. وفي رواية أحمد: فأخذ المعول، أو المسحاة بالشك، أي في اللفظ الذي قاله وإِن اتحدا معنى (فضرب) في رواية الإسماعيلي، ثم سمى ثلاثًا، ثم ضرب (فعاد) المضروب (كثيبًا) بمثلثة، أي: رملاً (أهيل) بفتح الهمزة والتحتية بينهما هاء ساكنة آخره لام. وعند ابن إِسلحق بلاغًا عن جابر أنه دعا بإِناء من ماء فتفل فيه، ثم دعا بما شاء اللَّه أن يدعو، ثم نضح ذلك الماء على تلك الكدية، فيقول من حضرها: والذي بعثه بالحق لانهالت حتى عادت مثل الكثيب، لا ترد فاسًا ولا مسحاة، (أو أهيم) بالميم بدل اللام، (كذا بالشك من الراوي،) ولم يعينه الحافظ ولا غيره. (وفي رواية الإسماعيلي باللام من غير شك)، كما في الفتح. قال: وكذا عند يونس. ٣١ غزوة الخندق وهي الأحزاب والمعنى: أنه صار رملاً يسيل ولا يتماسك. وأهيم: بمعنى أهيل. وقد قيل في قوله تعالى: ﴿فشاربون شرب الهيم﴾ [الواقعة/٥٥]. المراد: الرمال التي لا يرويها الماء. وقد وقع عند أحمد والنسائي في هذه القصة زيادة بإسناد حسن من حديث البراء قال: لما كان حين أمرنا رسول الله عَّه بحفر الخندق، عرضت لنا في بعض الخندق صخرة لا تأخذ فيها المعاول، وفي رواية أحمد كثيبًا يهال، (والمعنى أنه صار رملاً يسيل، ولا يتماسك) قال اللَّه تعالى: ﴿وكانت الجبال كثيبًا مهيلاً﴾ الآية، أي: رملاً سائلاً، (و) أما (أهيم) بالميم، فقال عياض: ضبطها بعضهم بالمثلثة، وبعضهم بالمثناة، وهي (بمعنى أهيل) باللام، ووقع للمصنف في شرح البخاري أن رواية الإِسماعيلي بالميم، فكأنه سبق قلم، فما بعد هذا البيان من الحافظ بيان، (وقد قيل في قوله تعالى ﴿فشاربون شرب الهيم﴾، المراد الرمال التي لا يرويها الماء،) أي: لا يظهر أثره فيها لكثرتها شبه ظهور الماء، بزوال العطش الذي هو الري، واستعير له اسمه، ثم اشتق منه الفعل على أنه جمع هيام بالفتح كسحاب، فخفف بنقل حركة الياء إلى الهاء بعد سلب حركتها، أو حذفت ضمتها بلا نقل، ثم قلبت كسرة لتسلم الياء، فصار هيم كما أشار إليه البيضاوي، وصدر بأن المراد الإِبل التي بها الهيام، أي بضم الهاء وهو داء يشبه الاستسقاء جمع أهيم وهيماء. قال ذو الرمة: فأصبحت كالهيماء لا الماء مبرد صداها ولا يقضي عليها هيامها اهـ. وما أفاده من اختلاف مفرده بالمعنيين قد ينافي ما يشعر المصنف من أن أهيم يجمع على هيم، فلا يختص بالإِبل اللهم إِلَّ أن يكون إِذا وصف به الكثيب جمع على هيم، ولا يطلق إِلا هيم على الرمل بل الهيام، وإِذا جمع قيل هيم، (وقد وقع عند أحمد والنسائي في هذه القصة زيادة بإسناد حسن من حديث البراء) بن عازب (قال: لما كان) تامة وفاعلها (حين) بالبناء على الفتح لإضافته إلى الجملة الماضوية في قوله: (أمرنا رسول اللّه عَه) وهو الأكثر لإضافته إِلى مبنى، ويجوز فيه الإِعراب أو كان ناقصة، أي: عملنا في الخندق حاصلاً حين أمرنا (بحفر الخندق،) وجواب لما هو قوله: (غرضت لنا في بعض الخندق صخرة لا تأخذ فيها المعاول) جمع معول، وهو الفأس العظيمة التي ينقر بها قوي الصخر، كما في الجوهري. وقول شيخنا ٣٢ غزوة الخندق وهي الأحزاب فاشتكينا ذلك لرسول الله عَ ليه، فجاء وأخذ المعول فقال: بسم الله، ثم ضرب ضربة فنشر ثلثها، وقال: الله أكبر، أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر الساعة، ثم ضرب الثانية فقطع ثلثًا آخر، فقال: الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض الآن، ثم ضرب الثالثة وقال بسم الله فقطع بقية الحجر، فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني الساعة. جوابها محذوف، أي: لما كان زمن أمره بالحفر حفرنا، لأَن نسخته فعرضت بالفاء لكن الثابت في النسخ الصحيحة، وهو الذي رأيته في الفتح في نسختين صحيحتين عرضت بدون فاء، فهي الجواب على أنه قد يقترن بالفاء جواب لما، فلا حاجة للتقدير، (فاشتكينا ذلك للنبي عَله، فجاء وأخذ المعول) من سلمان، (فقال: بسم اللَّه، ثم ضربه فنشر) بشين معجمة قطع، والذي في الفتح فكسر (ثلثها،) بالمعول. وفي رواية: فخرج نور أضاء ما بين لابتي المدينة، (وقال: اللّه أكبر أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر الساعة) من مكاني، (ثم ضرب الثانية فقطع ثلثا آخر). زاد في رواية: فبرقت برقة من جهة فارس أضاء ما بين لابتيها، (فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن) مدائن كسرى (الأبيض،) لعل المراد به قصر كسرى المعد له (الآن). وفي رواية: والله إني لأبصر قصور الحيرة، ومدائن كسرى؛ كأنها أنياب الكلاب من مكاني هذا، وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها فأبشروا بالنصر، فسر المسلمون، (ثم ضرب الثالثة وقال: بسم الله، فقطع بقية الحجر). زاد في رواية فخرج نور من قبل اليمن فأضاء ما بين لابتي المدينة حتى كان مصباحًا في جوف ليل مظلم، (فقال: اللَّه أكبر أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني الساعة،) وهذا الحديث الحسن لا يعارضه رواية ابن إِسحق بلفظ عن سلمان فذكره، وفيه أما الأولى فإِن اللَّه فتح بها على اليمن، والثانية الشام والمغرب، والثالثة المشرق فارس؛ لأنه منقطع، فلا يعارض المسند المرفوع الحسن، ومن ثم لم يلتفت الحافظ لرواية ابن إسحق وإِن تبعه عليها اليعمري وغيره، بل اقتصر على هذا الحديث وأيده؛ بأن طرقه تعددت بقوله عقبه، وللطبراني من حديث عبد الله بن عمر ونحوه، وأخرجه البيهقي مطولاً من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده. وفي رواية: خط عَّله الخندق لكل عشرة أناس عشرة أذرع، وفيه فمرت بنا صخرة بيضاء ٣٣ غزوة الخندق وهي الأحزاب ومن أعلام نبوته ما ثبت في الصحيح من حديث جابر من تكثير الطعام والقليل يوم حفر الخندق، كما سيأتي إن شاء الله تعالى مستوفى في مقصد المعجزات مع غيره. وقد وقع عند موسى بن عقبة أنهم أقاموا في عمل الخندق قريبًا من عشرين ليلة. وعند الواقدي: أربعًا وعشرين. وفي الروضة للنووي: خمسة عشر يومًا. وفي الهدي النبوي لابن القيم: أقاموا شهرًا. كسرت معاويلنا، فأردنا أن نعدل عنها ثم قلنا حتى نشاور رسول اللَّه عَ لله، فأرسلنا إِليه سلمان، وفيه فضرب ضربة صدع الصخرة، وبرق منها برقة، فكبر وكبر المسلمون، وفيه رأيناك تكبر فكبرنا بتكبيرك قال: إِن البرقة الأولى أضاءت لها قصور الشام فأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليهم، وفي آخره ففرح المسلمون واستبشروا، وأخرجه الطبراني عن عبد الله بن عمرو بن العاصي بنحوه انتهى. قال ابن إسحق: وحدثني من لا أتهم عن أبي هريرة، أنه كان يقول حين فتحت هذه الأمصار في زمان عمر وعثمن افتحوا ما بدا لكم، والذي نفس أبي هريرة بيده ما افتتحتم من مدينة، ولا تفتحونها إِلى يوم القيامة إِلاَّ وقد أعطى اللّه محمدًاعَّ له مفاتيحها قبل ذلك. (ومن أعلام نبوته تمَّ ما ثبت في الصحيح من حديث جابر) المتقدم أوله في حديث الكلية (من تكثير الطعام القليل،) وهو صاع من شعير وعنز صغير (يوم حفر الخندق،) فجاء بالقوم وهم ألف، فبصق في العجين والبرمة. قال جابر: فأقسم بالله لقد أكلوا حتى تركوه، وإِن برمتنا كما هي، وإِن عجيننا ليخبز كما هو، (كما سيأتي إن شاء اللَّه تعالى، مستوفى في مقصد المعجزات مع غيره). ومنها خبر الحفنة من التمر التي جاءت بها ابنة بشير بن سعد، أخت النعمان لأبيها وخالها ابن رواحة ليتغديا به، فقال لها عَّه: ((هاتيه فصبته في كفيه))، فما ملأهما، ثم أمر بثوب فبسط له، ثم قال الإِنسان: اصرخ في أهل الخندق، أن هلموا إلى الغداء، فاجتمعوا عليه فجعلوا يأكلون، وجعل يزيد حتى صدروا عنه؛ وإنه ليسقط من أطراف الثوب رواه ابن إِسحق، (وقد وقع عند موسى بن عقبة أنهم أقاموا في عمل الخندق،) أي: مدة حفره، (قريبًا من عشرين ليلة، وعند الواقدي: أربعًا وعشرين) وعند ابن سعد: ستة أيام. قال السمهودي وهو المعروف. (وفي الروضة للنووي: خمسة عشر يومًا، وفي الهدي النبوي لابن القيم: أقاموا شهرًا،) ٣٤ غزوة الخندق وهي الأحزاب ولما فرغ رسول الله عَّله من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع السيول في عشرة آلاف من أحابيشهم ومن تبعهم من بني كنانة وتهامة. ونزل عيينة بن حصن في غطفان ومن تبعهم من أهل نجد إلى جانب أحد. كذا قاله المصنف تبعًا للفتح حرفًا بحرف، ورد ذلك الشريف السمهوري، بأن الذي في الروضة، والهدى ومغازي ابن عقبة؛ إنما هو في مدة الحصار، لا في عمل الخندق، ثم استدرك على الرد بأن ابن سيد الناس بعد نقله عن ابن سعد؛ أنه كمل في ستة أيام. قال وغيره يقول بضع عشرة ليلة، وقيل: أربعًا وعشرين انتهى، ولست بواثق من هذا التعقب؛ فإِن الحافظ نقل أوّلاً عن ابن عقبة، أن مدة الحصار عشرون يومًا، ثم بعد قليل ذكر هذا الخلاف في مدة الحفر، وتوهیم مثله بمجرد نسخ قد يكون سقط منها أحد الموضعين، لا ينبغي فإنه لا يجازف في النقل. قال ابن إسحق: (ولما فرغ رسول اللَّه عَّ من) حفر (الخندق، أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع) بضم الميم الأولى، وسكون الجيم، وفتح الفوقية والميم الثانية، أي: الموضع الذي تجتمع فيه (السيول) جمع سيل، كما في القاموس وغيره، ويجمع أيضًا على أسيال. وفي ابن إسحق على أسيال من رومة بين الجرف وزغابة. قال السهيلي: بزاي مفتوحة وغين منقوطة، وقيل: بضم الراء وعين مهملة اسم موضع، ذكرهما البكري، مقدمًا الثاني. وحكي عن الطبري، أنه قال في هذا الحديث: بين الجرف والغابة، واختار هذه الرواية، وقال: لأن زغابة لا تعرف وإلا عرف عندي رواية الغين المنقوطة لحديث: ألا تعجبون لهذا الأَعربي، أهدى إليَّ ناقتي أعرفها بعينها ذهبت مني يوم زغابة، وقد كافأته بست فيسخط انتهى، وتحققت ووجدت جملة قريش، ومن معهم (في عشرة آلاف) منهم، و (من أحابيشهم) فهو ظرف لمقدر لا لقريش، وإلا لاقتضى أنهم ليسوا من العشرة والجار والمجرور عطف على محذوف مع حذف العاطف، حتىٍ لا يقتضي ذلك أيضًا، مع أن الجميع عند ابن إسحق الذي هذا كلامه عشرة آلاف فقط، ثم الأحابيش الحلفاء من التحبيش التجميع لتجمعهم على أنهم يد واحدة، أو لتحالفهم بذنبة حبشي جبل بأسفل مكة، أو واديها كما مر في أحد، (ومن تبعهم من بني كنانة وأهل تهامة، ونزل عيينة بن حصن في) على بابها، أو بمعنى مع (غطفان، ومن تبعهم من أهل نجد). قال ابن إسحق: بذنب نقمي، (إلى جانب أحد) ونقمي بفتح النون، والقاف وفتح الميم مقصور. ٣٥ غزوة الخندق وهى الأحزاب وخرج رسول الله عَية ومن معه من المسلمين حتى جعلوا أظهرهم إلى سلع، وكانوا ثلاثة آلاف رجل. فضرب هنالك عسكره، والخندق بينه وبين القوم. وكان لواء المهاجرين بيد زيد بن حارثة، ولواء الأنصار بيد سعد بن عبادة. وكان عَِّ يبعث الحرس إلى المدينة خوفًا على الذراري من بني قريظة. قال ابن إسحق: وخرج عدو الله حيي بن أخطب حتى أتى كعب بن أسد القرظي صاحب عقد بني قريظة وعهدهم، وكان وادع رسول الله عَّةٍ على قومه وعاقده، فأغلق كعب دونه باب حصنه، وأبى أن يفتح له، وقال ويحك يا حيي، إنك امرؤ مشؤوم، وإني قد عاهدت محمدًا فلست بناقض ما بيني وبينه، فإني لم أر منه وفاء وصدقًا. فقال: ويحك افتح لي، ولم يزل به حتى فتح له، قال الصغاني: موضع من أعراض المدينة ذكره البرهان. (وخرج رسول اللَّه عَّةٍ، ومن معه من المسلمين، حتى جعلوا ظهورهم إِلى سلع) بفتح السين المهملة، وسكون اللام وبالعين المهملة، جبل بالمدينة (وكانوا ثلاثة آلاف رجل). قال الشافعي: ووهم من قال كانوا سبعمائة، (فضرب هنالك عسكره والخندق بينه وبين القوم). قال ابن هشام: واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، (وكان) كما ذكر ابن سعد (لواء المهاجرين بيد زيد بن حارثة، ولواء الأنصار بيد سعد بن عبادة، وكان عَّ ببعث الحرس إِلى المدينة). قال ابن سعد: كان يبعث سلمة بن أسلم في مائتي رجل، وزيد بن حارثة في ثلاثمائة رجل يحرسون المدينة، ويظهرون التكبير (خوفًا على الذراري من بني قريظة،) زاد غيره فإذا أَصبحوا أَمنوا. (قال ابن إسحق: وخرج عدوّ اللّه حيي بن أخطب،) فسار (حتى أتى كعب بن أسد القرظي، صاحب عقد بني قريظة وعهدهم،) تفسيري، (وكان وادع) صالح (رسول اللَّه عَّ. على قومه، وعاقده، فأغلق كعب دونه باب حصنه، وأبى أن يفتح له، وقال) بعدما ناداه حيي: ويحك يا كعب، (ويحك يا حيي،) كلمة ترحم وتوجع، والمراد أمره بالانصراف عنه؛ كأنه قال: اذهب عنّي (إِنك امرؤ مشؤوم، وإني قد عاهدت محمدًا، فلست بناقض ما بيني وبينه، فإني لم أر منه إِلاَّ وفاءً وصدقًا، فقال: ويحك افتح لي،) أكلمك، قال: ما أنا بفاعل، (ولم يزل به حتى فتح له،) وذلك أنه نسبه إلى البخل بالطعام، فقال: واللَّه إِن أغلقت دوني إلاَّ تخوّفًا على ٣٦ غزوة الخندق وهي الأحزاب فقال: ويلك يا كعب، جئتك بعز الدهر، جئتك بقريش حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال، ومن دونه غطفان وقد عاهدوني على أن لا يبرحوا حتى نستأصل محمدًا ومن معه، ولم يزل به حتى نقض عهده، وبرىء مما كان بينه وبين رسول الله ◌ُ وعن عبد الله بن الزبير قال: كنت يوم الأحزاب أنا وعمر بن أبي سلمة مع النساء في اطم حسان، جشيشتك أن آكل معك منها، ففتح له (فقال: ويلك،) كلمة تقال لمن وقع في هلاك يستحقه، والمعنى وقعت في الهلاك إِن لم توافقني، (يا كعبٍ جنتك بعز الدهر،) أي: بسبب عز مدته وبينه بقوله، (جنتك بقريش حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال،) جمع سيل، (ومن دونه،) أي: منزل قريش (غطفان، وقد عاهدوني على أن لا يبرحوا، حتى نستأصل محمدًا ومن معه،) فقال له کعب: جئتني والله بذل الدهر، وبجهام قد هراق ماءه یرعد، ویبرق وليس فيه شىء، ويحك يا حيي دعني وما أنا عليه؛ فإني لم أر من محمدًا إِلاَّ صدقًا ووفاء، (ولم يزل به) يفتله في الذروة والغارب. قال في الروض: هو مثل أَصله البعير، يستصعب عليك، فتأخذ القراد من ذروته، وغارب سنامه فيجد لذة، فيأنس عند ذلك، فضرب مثلاً في المراوضة. قال الحطيئة: لعمرك ما قراد بني بغيض إذا نزع القراد بمستطاع (حتى نقض عهده، وبرىء مما كان بينه وبين رسول اللَّه عَّالآلة(ب) وأعطاه عهدًا على أنه إِن رجعت قريش وغطفان، ولم يصيبوا محمدًا أن أدخل معك في حصنك يصيبني ما أصابك. (وعن عبد الله بن الزبير) الصحابي أمير المؤمنين ابنٍ الصحابي الحواري (قال: كنت يوم الأحزاب أنا وعمر) بضم العين (ابن أبي سلمة) بن عبد الأسد القرشي المخزومي الصحابي ابن الصحابي ربيبه علّله أمه أم سلمة (مع النساء) يعني نسوة النبي عَّله، (في أطم) بضمتين حصن مبني بالحجارة (حسان) بن ثابت أضيف إليه لكونه فيه مع النساء، وهذا لفظ مسلم، وله في رواية في الأَطم الذي فيه النسوة. قال ابن الكلبي: كان حسان لسنًا شجاعًا، فأصابته علة أحدثت فيه الجبن؛ فكان لا ينظر إِلی قتال ولا یشهده. وأخرج ابن إسحق من مرسل يحيى بن عباد، عن أبيه، والطبراني برجال الصحيح من مرسل عروة، وأبو يعلى، والبزار بإسناد حسن عن الزبير بن العوام قال: لما خرج رسول اللَّه عَلَّه ٣٧ غزوة الخندق وهي الأحزاب فنظرت فإذا الزبير على فرسه يختلف إلى بني قريظة مرتين أو ثلاثًا، فلما رجعت قلت يا أبت رأيتك تختلف، قال: أرأيتني يا بني قلت: نعم. إلى الخندق جعل نساءه وعمته صفية في حصن، ومعهم حسان فأقبل عشرة من اليهود، فجعلوا يرمون الحصن، ودنا أحدهم إلى بابه، وجعل يطيف به. قالت صفية: وقد حاربت قريظة، وليس بيننا وبينهم أحد يدفع عنا، والنبي مَّه. والمسلمون في نحور عدوّهم لا يستطيعون أن ينصرفوا عنهم، فقلت: يا حسان إن هذا اليهودي، كما ترى ولا آمنه أن يدل على عوراتنا، فأنزل إليه فأقتله، قال: يغفر الله لك يا بنت عبد المطلب، والله لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا، ولو كان فيَّ لخرجت مع رسول اللَّه، قالت: فلما لم أر عنده شيئًا أخذت عمودًا، ثم نزلت فضربته به ضربة شدخت رأسه، حتى قتلته، ورجعت فقلت: يا حسان اسلبه؛ فإنه لم يمنعني من سلبه، إلا أنه رجل قال ما لي بسلبه من حاجة، فقلت: خذ الرأس وارم به إلى اليهود، قال: ما ذاك فيَّ، قالت: فأخذت الرأس فرميت به على اليهود، فقالوا: قد علمنا أن محمدًا لم يترك أهله خلوا ليس معهم أحد فتفرقوا. زاد أبو يعلى، فأخبر بذلك عَّه، فضرب لها بسهم كالرجال، أي من غنائم قريظة. قال في الروض: محمل هذا الحديث على أن حسان كان جبانًا شديد الجبن، وأنكره بعض العلماء منهم ابن عبد البر في الدرر؛ لأنه حدیث منقطع الإِسناد، ولو صح لهجی به حسان، فإنه كان يهاجي الشعراء كطرار وابن الزهراء، وكانوا يناقضونه، ويردون عليه، فما عيره أحد منهم بجبن، ولا وسمه به، فدل ذلك على ضعف حديث ابن إسحق، وإِن صح فالأولى أنه كان معتلاً ذلك اليوم بعلة تمنعه شهود القتال انتهى. وإنما كان أولى لأن ابن إسحق لم ينفرد به، بل جاء بسند حسن متصل، كما علم فاعتضد حديثه، وقد قال ابن السراج: سكوت الشعراء عن تعبيره بذلك من أعلام النبوة، لأنه شاعره ے، وفي مسلم وكان، أي عمر، يطأطىء لي مرة فأنظر، وأطأطىء له مرة، فينظر فكنت أعرف أبي إِذا مر على فرسه في السلاح، (فنظرت فإذا الزبير على فرسه يختلف إلى بني قريظة،) أي: يذهب ويجيء، (مرتین أو ثلاثًا). قال المصنف بالشك، كذا بإثبات مرتين أو ثلاثًا في كل ما وقفت عليه من الأصول، وعزاه الحافظ ابن حجر، وتبعه العيني لرواية الإسماعيلي من طريق أبي أسامة، لا يقال مراد الحافظ زيادة لك عند الإسماعيلي على رواية البخاري بعد قوله يختلف، لأنه ذكر ذلك عقب قوله إلى بني قريظة، (فلما رجعت) من أطم حسان إلى منزلنا، (قلت: يا أبت رأيتك تختلف،) تجيء وتذهب إلى بني قريظة، (قال) مستفهمًا بالهمز استفهام تقرير: (أُرأيتني يا بني؟، قلت: ٣٨ غزوة الخندق وهي الأحزاب قال: كان رسول الله عَّ له قال: من يأت بني قريظة فيأتيني بخبرهم فانطلقت، فلما رجعت جمع لي رسول الله عَّه أبويه في الفداء فقال: فداك أبي وأمي. أخرجه الشيخان والترمذي وقال: حديث حسن. · وفي رواية أصحاب المغازي: فلما انتهى الخبر إلى رسول الله عَّ له بعث سعد بن معاذ وسعد بن عبادة ومعهما ابن رواحة وخوات ابن جبير ليعرفوا الخبر، نعم) رأيتك، (قال: كان رسول اللَّه عَلّه قال: من يأت بني قريظة، فيأتيني بخبرهم) بتحتية ساكنة بعد الفوقية، ولأبي ذر عن الكشميهني، فيأتني بحذفها، (فانطلقت) إليهم، (فلما رجعت) بخبرهم (جمع لي رسول اللَّه عٍَّ بين أَبويه في الفداء،) تعظيمًا لي وإعلاء لقدري، فإِن الإنسان لا يفدي إِلاّ من يعظمه فيبذل له نفسه، (فقال: فداك أبي وأمي) لا يعارضه قول على ما جمع رسول اللَّه عَّلِ أبويه لغير سعد بن لملك، لأَن مراده بقيد يوم أحد أو تفدية خاصة كما مر. قال الحافظ: وفي هذا الحديث صحة سماع الصغير، وأنه لا يتوقف على أَربع، أَو خمس، لأَن ابن الزبير كان ابن سنتين وأشهر، أو ثلاث وأشهر بحسب الاختلاف في وقت مولده. وفي تاريخ الخندق فإِن قلنا: إنه ولد في أول سنة الهجرة، والخندق سنة خمس فيكون ابن أربع وأشهر، وإِن عجلنا إحداهما وأخرنا الأخرى فيكون ابن ثلاث سنين وأَشهر، (أخرجه الشيخان والترمذي، وقال: حديث حسن) من رواية هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد اللَّه بن الزبير. قال الحافظ: وبین مسلم أن في هذه الرواية أدراجًا، فساقه من رواية علي بن مسھر إِلى قوله إِلى بني قريظة. ثم قال: قال هشام: وأخبرني عبد اللَّه بن عروة عن عبد الله بن الزبير، قال فذكرت ذلك لأبي، الخ الحديث، ثم ساقه من طريق أبي أسامة عن هشام، فساق الحديث نحوه، ولم يذكر عبد الله بن عروة، ولكن أَدرج القصة في حديث هشام عن أبيه، ويؤيده أَن النسائي أَخرج القصة الأخيرة من طريق عبدة عن هشام، عن أخيه عبد اللَّه بن عروة، عن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، والله أعلم. (وفي رواية أصحاب المغازي فلما التهى الخبر)، أي: خبر نقض قريظة العهد، (إلي رسول اللَّه عَ لي بعث سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، ومعهما ابن رواحة وخوات) بفتح الخاء المعجمة، وشد الواو فألف ففوقية (ابن جبير) الأنصاري الأوسي، شهد بدرًا والمشاهد كلها. زاد الواقدي وأسيد بن الحضير (ليعرفوا الخبر). ٣٩ غزوة الخندق وهي الأحزاب فوجدوهم على أخبث ما بلغه عنهم، قالوا من رسول الله وتبرؤوا من عقده وعهده، ثم أقبل السعدان ومن معهما على رسول الله عَّه وقالوا: عضل والقارة، أي: كغدرهما بأصحاب الربيع. فعظم عند ذلك البلاء، واشتد الخوف، فأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم، حتى ظن المؤمنون کل ظن. وعند ابن إسحق فقال: انطلقوا لتنظروا أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا؟، فإِن كان حقًا فالحنوا إِليَّ لحنًا أعرفه، ولا تفتوا في أعضاد الناس، وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا فاجهروا به للناس. قال في الروض: اللحن العدول بالكلام على الوجه المعروف عند الناس إِلىَّ وجه لا يعرفه إِلاَّ صاحبه، كما أن اللحن الذي هو الخطأ عدول على الصواب المعروف، وتقتوا بضم الفاء وشد الفوقية. قال في الروضِ: أي تكسروا من قوتهم وتوهنوهم وضرب العضد مثلاً، وقال في أعضاد ولم يقل أعضاء، لأنه كناية عن الرعب الداخل في القلب، ولم يرد كسرًا حقيقيًا، ولا العضد الذي هو العضو، وإنما هو عبارة عما يدخل في القلب من الوهن، وهو من أفصح الكلام، فخرجوا حتى أتوهم، (فوجدوهم على أخبث ما بلغه عنهم، قالوا من رسول اللَّه) فتكلموا فيه بما لا يليق، وقالوا من رسول اللَّه، (وتبرؤا من عقده وعهده،) فقالوا: لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد، (ثم أقبل السعدان، ومن معهما على رسول اللَّه عَّم) فلحنوا له كما أمرهم، (وقالوا: عضل والقارة أي:) غدروا، (كغدرهما بأصحاب الربيع) خبيب وأصحابه، فقال عَّه: ((اللَّه أكبر، أبشروا یا معشر المسلمين))، كذا في ابن إسحق، ثم رواية أصحاب المغازي هذه لا تنافي رواية الصحيح التي قبلها أنه أرسل الجميع دفعة، أو بعد إرسال الزبير لاحتمال أن يرجعوا إلى العهد بعد نقضه حياء من حلفائهم؛ لأنهم كانوا حلفاء الأُوس، وقد أرسل إليهم سيدهم فغلبت عليهم الشقوة، وليس لك أن تقول أو لاحتمال أن الزبير علم من غيرهم نقض العهد، فاكتفى به، لأنه ظن سوء بمثل الزبير تأباه مروءته وشجاعته، (فعظم عند ذلك البلاء واشتد الخوف، فأتاهم عدؤهم من فوقهم) من أعلى الوادي من قبل المشرق بنو غطفان، (ومن أسفل منهم،) من أسفل الوادي من قبل المغرب قريش. وعند ابن مردويه عن ابن عباس: إِذ جاءوكم من فوقكم. قال عيينة بن حصن: ومن أسفل منکم أبو سفین بن حرب، (حتى ظن المؤمنون كل ظن) كما قال تعالى: ﴿وتظنون بالله الظنونا﴾ [الأحزاب: ١٠] أي: المختلفة بالنصر ٤٠ غزوة الخندق وهي الأحزاب ونجم النفاق من بعض المنافقين، وأنزل الله تعالى: ﴿وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورًا﴾ الآيات [الأحزاب/ ١٢]. واليأس، وقال تعالى: ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم﴾ [البقرة: ٢١٤]. قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة قال: نزلت هذه الآية في يوم الأحزاب. أصاب النبي عٹ﴾ يومئذ وأصحابه بلاء وحصر. وعند الواقدي فقال ◌َّ: الله أكبر أبشروا بنصر الله وعونه إِني لأَرجو أن أطوف بالبيت العتيق وآخذ المفتاح، وليهلكن كسرى وقيصر ولننفقن أموالهما في سبيل اللَّه، يقول ذلك حين رأى ما بالمسلمين من الکرب. وذكر ابن إسحق ما حاصله فأراد عَّله أن يعطي عيينة بن حصن ومن معه ثلث ثمار المدينة على أن يرجعوا، فمنعه السعدان وقالا: كنا نحن وهم على الشرك لا يطمعون أن يأكلوا منا تمرة إِلا بقرى أو بيع، أفحين أكرمنا اللَّه بالإِسلام، وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا بهذا من حاجة، واللَّه ما نعطيهم إِلاَّ السيف حتى يحكم اللَّه، فقال عٍَّ: أنت وذاك. وروى البزار والطبراني عن أبي هريرة: أتى الحرث إِلى النبي معَّهِ فقال: يا محمد ناصفنا تمر المدينة وإلا ملأتها عليك خيلاً ورجالاً، فقال: حتى أستأمر السعود سعد بن عبادة، وسعد بن معاذ، وسعد بن الربيع، وسعد بن خيثمة، وسعد بن مسعود؛ فكلمهم فقالوا: لا والله ما أعطينا الدنية في أنفسنا في الجاهلية، فكيف وقد جاء اللَّه بالإِسلام، فأخبر الحرث فقال: غدرت يا محمد، كذا في هذا الحديث، وسعد بن الربيع وقد تقدم أنه استشهد بأحد ولا خلف لاحتمال أن إتيان الحرث بسبب ذلك قبل أحد إِذ ليس في الحديث أنه أتى يوم الخندق. (ونجم) بفتح النون والجيم والميم، ظهر (النفاق من بعض المنافقين،) كذا عند ابن إسحق، وينافيه ظاهر قوله تعالى: ﴿وإذ يقول المنافقون﴾ [الأحزاب: ١٢] إلا أن يكون الذين أظهروه بعضهم ولم ينكره باقيهم ولا ضعاف القلوب من المؤمنين، فنسب القول إِلى جميعهم . . (وأنزل اللَّه تعالى: ﴿وإِذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض﴾﴾ [الأحزاب: ١٢] ضعف اعتقاد (﴿ما وعدنا اللَّه ورسوله﴾ [الأحزاب: ١٢]) من الظفر وإعلاء الدين (﴿إِلا غرورًا﴾) [الأحزاب: ١٢]، وعدًا باطلاً. ذكر ابن إسحق أن قائله معتب بن قشير. قال: كان محمد يرى أن تأكل من كنوز كسرى وقيصر وأحدنا لا يأمن أن يذهب إِلى الغائط.