Indexed OCR Text
Pages 461-480
٤٦١ غزوة أحد انتھی. وهذا موافق لمذهبنا. لكن قال العلامة البساطي من المالكية: هذا القائل إن كان يخالف في أصل المسألة، أعني حكم الساب، فله وجه، وإن وافق على أن الساب لا تقبل توبته فمشكل انتهى. وقد كان في قصة أحد، وما أصيب به المسلمون من الفوائد والحكم الربانية أشياء عظيمة: منها: تعريف المسلمين سوء عاقبة المعصية وشؤم ارتكاب النهي، لما وقع من ترك الرماة موقفهم الذي أمرهم رسول الله عَّ ر أن لا يبرحوا منه. ثابت ما يزول يرمى عن قوسه ينادي إلى عباد اللَّه، ولم يبال بأن تسمع الأعادي صوته (انتهى) كلام ابن المرابط وهو ضعيف، وإِن مشى عليه صاحب المختصر؛ لأنه خلاف قول لملك وأصحابه، ولذا عقب صاحب الشفاء كلامه بقول القروي مذهب لملك وأصحابه أن من قال فيه ما فيه نقص قتل دون استتابة. (و) لذا قال المصنف: (هذا موافق لمذهبنا،) أي: الشافعية، أن سب الرسول ردة. (لكن قال العلامة) شيخ الإِسلام (البساطي) قاضي القضاة الملكية بمصر شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمن، ولد سنة ستين وسبعمائة، وبرز في الفنون ودرس بالشيخونية وغيرها، وصنف تصانيف، ومات في رمضان سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة (من الملكية) في شرح المختصر، (هذا القائل إن كان يخالف) الملكية (في أصل المسألة، أعني حكم السباب،) بمعنى السب، أي: الشتم، من أنه يقتل حدًا وإِن تاب، ويقول بمذهب الشافعية من قبول توبته مطلقًا، (فله وجه) لأنه خرج عن مذهبه لغيره، (وإِن وافق على أن الساب لا تقبل توبته) بالنسبة إِلى أحكام الدنيا، بمعنى أنها لا تفيده في نفي قتله، لأنه حد كالزنا والشرب، (فمشكل) لمخالفته، نص لملك وأصحابه، (انتهى، وقد كان في قصة أحد) كما نقله في الفتح عن العلماء: (وما أصيب به المسلمون من الفوائد والحكم الربانية أشياء عظيمة منها تعريف المسلمين سوء عاقبة المعصية وشؤم ارتكاب النهيء) أي: المنهي عنه، (لما وقع من ترك الرماة موقفهم الذي أمرهم رسول اللَّه عَّ. أن لا يبرحوا منه،) وإِلى هذا أشار سبحانه وتعالى بقوله: ﴿ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونھم بإِذنه﴾ [آل عمران: ١٥٢] الآية، إِلى قوله: ﴿واللَّه ذو فضل على المؤمنين﴾ [آل عمران: ١٥٢] الآية. أخرج الطبري عن السدي وغيره: أن المراد بالوعد قوله عَ ◌ّه للرماة: ((إِنكم ستظهرون ٤٦٢ غزوة أحد ومنها: أن عادة الرسل أن تبتلى ثم تكون لهم العاقبة، والحكمة في ذلك أن لو انتصروا دائمًا لدخل في المسلمين من ليس منهم ولم يتميز الصادق من غيره ولو انكسروا دائمًا لم يحصل المقصود من البعثة، فاقتضت الحكمة الجمع بين الأمرين ليتميز الصادق من الكاذب. وذلك أن نفاق المنافقين كان مخفيًا عن المسلمين فلما جرت هذه القصة وأظهر أهل النفاق ما أظهروه من الفعل والقول عاد التلويح تصريحًا، وعرف المسلمون أن لهم عدوًا في دورهم فاستعدوا لهم وتحرزوا منهم. ومنها: عليهم فلا تبرحوا من مكانكم حتى آمركم)). وعن قتادة ومجاهد: تحسونهم، أي: تقتلونهم. وقال البخاري وابن هشام: تستأصلونهم قتلاً، وهو من كلام أبي عبيدة. قال جرير: تحسهم السيوف كما تسامى حريق النار في الأجم الحصيد قال ابن مسعود: ما كنت أرى أحدًا من أصحاب النبي عَّه يريد الدنيا حتى نزلت هذه الآية: يوم أحد ﴿منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة﴾ [آل عمران: ١٥٢] الآية، رواه السدي، وقد يرد عليه قوله تعالى: ﴿تريدون عرض الدنيا﴾ [الأنفال: ٦٧] الآية، فإِنها نزلت في شأن بدر وهي قبل هذه. (ومنها: أن عادة الرسل أن تبتلي، وتكون لهم العاقبة؛) كما قاله هرقل لأبي سفين. (والحكمة في ذلك، أن لو انتصروا دائمًا، لدخل في المسلمين من ليس منهم ولم يتميز الصادق من غيره،) كما قال تعالى: ﴿وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم، واللَّه عليم بذات الصدور﴾ [آل عمران: ١٥٤] الآية، ذكره ليدل على أن ابتلاءه لم يكن لأَنّه يخفى عليه ما في الصدور وغيرها، لأنه عالم بجميع المعلومات، وإِنما ابتلاهم لمحض الإلهية، أي: للاستصلاح. (ولو انكسروا دائمًا لم يحصل المقصود من البعثة، فاقتضت الحكمة الجمع بين الأمرين ليتميز الصادق من الكاذب،) كما قال تعالى: ﴿ما كان اللَّه ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب﴾ [آل عمران: ١٧٩] الآية، أي: المنافقين من المؤمنين، (وذلك أن نفاق المنافقين كان مخفيًا عن المسلمين،) أي: مستورًا، اسم مفعول من خفاء لا من خفي، فإِنه لازم ولا يأتي المفعول منه إِلاَّ بالصلة. (فلما جرت هذه القصة وأظهر أهل النفاق ما أظهروه من الفعل والقول،) كانخزالهم، وقولهم: لو نعلم قتالاً لأتبعناكم، (عاد التلويح تصريحًا،) أي: عاد ما كانوا يضمرونه ويتكلمون به فيما بينهم ويخفونه عن المسلمين مصرحًا ٤٦٣ غزوة أحد أن في تأخير النصر في بعض المواطن هضمًا للنفس وكسرًا لشماختها فلما ابتلى المسلمون صبروا وجزع المنافقون. ومنها: أن الله تعالى هيأ لعباده المؤمنين منازل في دار كرامته لا تبلغها أعمالهم، فقيض لهم أسباب الابتلاء والمحن ليصلوا إليها. ومنها: أن الشهادة من أعلى مراتب الأولياء فساقهم إليها. ومنها: أنه أراد هلاك أعدائه فقيض لهم الأسباب التي يستوجبون بها ذلك من كفرهم وبغيهم وطغيانهم في أذى أوليائه، فمحص ذنوب المؤمنین به، (وعرف المسلمون أن لهم عدوًّا في دورهم، فاستعدوا لهم وتحرزوا منهم، ومنها أن في تأخير النصر في بعض المواطن هضمًا للنفس، وكسرًا لشماختها،) تكبرها وتعاظمها، تفسير لهضمها، (فلما ابتلى المسلمون صبروا وجزع،) بكسر الزاي (المنافقون،) أي: لم يصبروا. (ومنها: أَن اللَّه تعالى هيأ لعباده المؤمنين منازل في دار كرامته،) الجنة، (لا تبلغها أعمالهم، فقيض لهم أسباب الابتلاء والمحن،) جمع محنة، مساو للابتلاء، (ليصلوا إِليها،) كما قال تعالى: ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم اللَّه الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين﴾ [آل عمران: ١٤٢]. قال ابن إسحق: أي: حسبتم أن تدخلوا الجنة فتصيبوا من ثوابي الكرامة، ولم أخبركم بالشدة، وأبتليكم بالمكاره، حتى أعلم أصدق ذلك منكم الإيمان بي والصبر على ما أصابكم فيّ. (ومنها: أن الشهادة عن أعلى مراتب الأولياء فساقهم إِليها،) إِكرامًا لهم حيث اتخذ منهم شهداء، وقد قال عَّهِ: ((والذي نفسي بيده لولا أن رجالاً من المؤمنين لا تطيب أنفسهم أن يتخلفوا عني ولا أجد ما أحملهم عليه ما تخلفت عن سرية تغزو في سبيل اللَّه، والذي نفسي بيده لوددت أن أقتل في سبيل اللَّه ثم أحيا، ثم أقتل ثم أحيا، ثم أقتل ثم أحيا، ثم أقتل))، رواه البخاري ومسلم وغيرهما. (ومنها: أنه أراد إِهلاك أعدائه، فقيض لهم الأسباب التي يستوجبون بها ذلك،) حيث اعتقدوا أنهم على شىء من ظفرهم الصورى بالمسلمين، فزادوا عتوًا وتجبرًا؛ وإلا فقد ألقى في قلوبهم الرعب (من كفرهم وبغيهم وطغيانهم في أذى أوليائه؛ فمحص ذنوب المؤمنين،) التمحيص التخليص من الشىء المعيب، وقيل: هو الابتلاء والاختيار. قال: رأيت فصيلاً كأن شيئًا ملففًا فكشفه التمحيص حتى بداليا ٤٦٤ غزوة حمراء الأسد ومحق بذلك الكافرين. [غزوة حمراء الأسد] وهي على ثمانية أميال من المدينة على يسار الطريق إذا أردت ذا الحليفة. وكانت صبيحة يوم الأحد لست عشرة، أو لثمان خلون من شوال على رأس اثنين وثلاثين شهرًا من الهجرة لطلب عدوهم بالأمس، (ومحق بذلك الكافرين،) كما قال تعالى: ﴿وليمحص اللَّه الذين آمنوا ويمحق الكافرين﴾ الآية، أي: يهلك الكافرين الذين حاربوا يوم أحد ولم يسلموا، لأنه تعالى لم يمحق كل كافر، بل بقي منهم كثير على كفرهم. والمعنى: إِن كانت الدولة على المؤمنين فللتمييز والاستشهاد والتمحيص، وإِن كانت على الكافرين فلمحقهم ومحو آثارهم. ومنها: أَن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، إِذا أصيبوا ببعض العوارض الدنيوية من الجراحات والآلام والأسقام تعظيمًا لأجرهم تأسى بهم أتباعهم في الصبر على المكاره والعاقبة للمتقين. قال ابن إسحق: أنزل اللَّه في شأن أحد ستين آية من آل عمران. وروى ابن أبي حاتم وأبو يعلى من طريق المسور بن مخرمة قال: قلت لعبد الرحمن بن عوف: أخبرني عن قصتكم يوم أحد؟ قال: اقرأ العشرين ومائة من آل عمران تجدها، وإِذا غدوت من أهلك تبوىء المؤمنين مقاعد للقتال إلى قوله: أمنة نعاسًا. قال: ألقى عليهم النوم، والله أعلم. غزوة حمراء الأسد بالحاء المهملة والمد. قال أبو عبيد البكري: تأنيث أحمر مضافة إِلى أسد، (وهي) أنثه لكونه اسمًا للبقعة أو نظرًا للفظ حمراء، وإلا ففي النور اسم مكان، والقاموس موضع، (على ثمانية أميال،) وقيل: عشرة كما في الخميس، (من المدينة عن يسار الطريق إِذا أردت) أيها الذاهب من المدينة (ذا الحليفة) تكون عن يسارك، (وكانت صبيحة يوم أحد) وهو يوم السبت، فهذه الغزوة يوم الأحد (لست عشرة ليلة مضت) عند ابن إسحق، (أو لثمان خلون) عند ابن سعد، (من شوال على رأس اثنين وثلاثين شهرًا من الهجرة). قال اليعمري: والخلاف عندهم كما سبق في أحد، (لطلب عدوهم،) مصدر مضاف لمفعوله، أي: الذين عادوهم (بالأمس،) أي: اليوم الذي قبل يوم خروجهم، لأنه كما ذكر الواقدي باتت وجوه الأنصار على بابه عَُّلِّ خوفًا من كرة العدو، فلما طلع الفجر وأذن بلال بالصلاة، جاء عبد اللَّه ابن عمرو المزني فأخبره عَّ أنه قد أقبل من أهله حتى إِذا كان بملل بميم ٤٦٥ غزوة حمراء الأسد ونادى مؤذن رسول الله عَّ أن لا يخرج معنا أحد إلا من حضر يومنا بالأمس، أي من شهد أحدًا. ولامين موضع قرب المدينة، إِذا قريش قد نزلوا فسمعهم يقولون: ما صنعتم شيئًا، أصبتم شوكة القوم وحدهم ثم تركتموهم ولم تبيدوهم، فقد بقي منهم رؤوس يجمعون لكم فارجعوا نستأصل من بقي، وصفوان بن أمية يأبى ذلك عليهم ويقول: لا تفعلوا، فإِن القوم قد حربوا، بمهملة وموحدة، أي: غضبوا، وأخاف أن يجتمع عليكم من تخلف من الخزرج، فارجعوا والدولة لكم فإِني لا آمن إِن رجعتم أن تكوّن الدولة عليكم. فقال عَ لّه: ((أرشدهم صفوان وما كان برشيد، والذي نفسي بيده لقد سومت لهم الحجارة ولو رجعوا لكانوا كأمس الذاهب))، ودعا عَ لَّه أبا بكر وعمر فذكر لهما ما أخبر به المزني، فقالا: يا رسول اللَّه اطلب العدو ولا يقحمون على الذرية، أي: يدخلون، فلما انصرف من صلاة الصبح ندب الناس، (وأذن مؤذن رسول اللَّه عَ لّ. قال البرهان: لا أعرفه، وفيه تقصير، فقد ذكر الواقدي أنه بلال أمره أن ينادي: أن رسول اللَّه عَّه يأمركم بطلب عدوكم و(أن لا يخرج معنا أحد إلا من خرج معنا أمس). زاد ابن إسحق: وكلمه جابر فقال: إِن أبي كان خلفني على أخوات لي سبع. وفي لفظ: تسع، وهو الصحيح. وقال: يا بني إنه لا ينبغي لي ولا لك أن تترك هذه النسوة لا رجل فيهن ولست بالذي أترك بالجهاد مع رسول اللَّه عَّه على نفسي فتخلف على إخواتك فتخلفت علیهن فأذن له ګ فخرج معه. وعند الواقدي: فوثب المسلمون إلى سلاحهم وما عولوا على دواء جراحهم وجرح من بني سلمة أربعون جريحًا بالطفيل بن النعمان ثلاثة عشر جرحًا، وبخراش بن الصمة عشر، وبقطبة بن عامر تسع، وبكعب بن ملك بضعة عشر. (أي: من شهد أحد) لعل حكمة ذلك وإِن كان خروج المتخلفين فيه زيادة في إِرهاب الأعداء وتقوية المسلمين، أنه أراد إِظهار الشدة للعدو فيعلمون من خروجهم مع كثرة جراحاتهم أنهم على غاية من القوة والرسوخ في الإِيمان وحب الرسول والزيادة في تعظيم من شهد أحد، أو أنه خاف اختلاط المنافقين بهم فيمنون عليه بعد بخروجهم معهم وهم مسلمون ظاهرًا، فلا يرد أنه کان یمنعهم دون المسلمین. وفي البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة لما انصرف عنه المشركون خاف أن يرجعوا، فقال: من يذهب في أثرهم، فانتدب منهم سبعون رجلاً فيهم أبو بكر والزبير. زاد الطبراني عن ابن عباس، وعمر وعثمن وعلي وعمار وطلحة وسعد وابن عوف وأبو عبيدة وحذيفة وابن مسعود. ٤٦٦ غزوة حمراء الأسد وإنما خرج عليه الصلاة والسلام مرهبًا للعدو، وليبلغهم أنه خرج في طلبهم ليظنوا به قوة، وأن الذي أصابهم لم يوهنهم عن عدوهم. قال الحافظ ابن كثير: هذا سياق غريب جدًا، فالمشهور عند أصحاب المغازي أن الذين خرجوا إلى حمراء الأسد كل من شهد أحدًا، وكانوا سبعمائة، قتل منهم سبعون، وبقي الباقون. قال الشامي: والظاهر أنه لا تخالف بين قولي عائشة وأصحاب المغازي؛ لأن معنى قولها: فانتدب منهم سبعون، أنهم سبقوا غيرهم، ثم تلاحق الباقون ولم ينبه على ذلك الحافظ في الفتح، انتھی. قال ابن هشام: واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم. قال ابن سعد: ودعا عَّ بلوائه وهو معقود لم يحل فدفعه إلى علي، ويقال: إِلى أبي بكر الصديق. (وإنما خرج عليه الصلاة والسلام مرهبًا.) قال البرهان: بكسر الهاء اسم فاعل، أي: مخيفًا (للعدو وليبلغهم أنه خرج في طلبهم،) عطف سبب على مسبب، أي: خرج ليبلغهم فيخافوا، وفي نسخة: حذف الواو وهو الذي في ابن إسحق، وكذا في العيون عنه، (ليظنوا به قوة وأن الذي أصابهم لم يوهنهم،) أي: لم يضعفهم، (عن عدوهم،) فهذا سبب الغزوة عند ابن إِسلحق، وعند موسى بن عقبة وغيره أن سببها ما بلغه من إرادة أبي سفين العود لاستئصال المسلمين، كذا جعله الشامي خلافًا، وانتقده شيخنا بأن مثل هذا لا يستلزم أن يكون خلافًا في السبب، بل يجوز أنه لما بلغه خبر أبي سفين خرج لإرهاب العدو حتى لا يرجعوا إلى المدينة. فذكر ابن عقبة السبب الحقيقي وهو بلوغ خبر أبي سفين وابن إسحق ما أراده علَّةٍ بعد بلوغ الخبر. وذكر ابن سعد أَنْه عَِّه ركب فرسه وهو مجروح، فبعث ثلاثة نفر من أسلم طليعة في آثار القوم، فلحق اثنان منهم القوم بحمراء الأسد ولهم زجل ويأتمرون بالرجوع وينهاهم صفوان، فبصروا بالرجلين فقتلوهما، ومضوا ومضى عَّه بأصحابه ودليله ثابت بن الضحاك بن ثعلبة بن الخزرج، حتى عسكر بحمراء الأسد، فوجد الرجلين فدفنهما بقبر واحد. وروى النسائي والطبراني بسند صحيح عن ابن عباس قال: لما رجع المشركون عن أحد قالوا: لا محمدًا قتلتم ولا الكواعب أردفتم، بئسما صنعتم ارجعوا، فسمع بذلك عنێ فندب المسلمين فانتدبوا حتى بلغ حمراء الأسد، أو بئر أبي عتبة، فأنزل الله عز وجل: ﴿الذين استجابوا الله والرسول﴾ [آل عمران: ١٧٢] الآية، وهذا قول أكثر المفسرين ورجحه ابن جرير. وقال مجاهد وعكرمة: نزلت في بدر الصغرى. قال ابن كثير: والصحيح الأول. ٤٦٧ غزوة حمراء الأسد وأقام عليه الصلاة والسلام بها الاثنين والثلاثاء والأربعاء، ثم رجع إلى المدينة يوم الجمعة وقد غاب خمسًا. وظفر عليه الصلاة والسلام في مخرجه ذلك بمعوية بن المغيرة بن أبي العاص فأمر بضرب عنقه صبرًا. (وأقام عليه الصلاة والسلام بها الاثنين والثلاثاء والأربعاء). قال ابن سعد: وكان المسلمون يوقدون تلك الليالي خمسمائة نار، حتى ترى من المكان البعيد، وذهب صوت معسكرهم ونيرانهم في كل وجه، فكبت اللّه بذلك عدوهم. وعند ابن إسحق: أَنه لقيه بحمراء الأسد معيد بن أبي معبد الخزاعي، فعزاه بمصاب أصحابه، وهو يومئذ مشرك، وأسلم بعد كما جزم به ابن عبد البر وابن الجوزي، ثم خرج حتى أتى أبا سفين وأصحابه وهم بالروحاء، وقد أجمعوا الرجعة وقالوا: أصبنا في أحد أصحاب محمد وقادتهم وأشرافهم، ثم نرجع قبل أن نستأصلهم لنكرن عليهم فلنفرغن منهم، فلما رأى أبو سفين معبدًا قال: ما وراءك؟ قال: محمد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط يتحرقون عليكم تحرقًا قد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم وندموا على ما صنعوا فيهم من الحنق عليكم شىء لم أر مثله قط، قال: ويلك ما تقول! قال: ما أرى أن ترتحل حتى ترى نواصي الخيل، قال: لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل بقيتهم، قال: فإني أنهاك عن ذلك، فثنى ذلك المشركين فرجعوا إلى مكة. وروى ابن جرير عن ابن عباس قال: إِن اللَّه قذف في قلب أبي سفين الرعب يوم أحد بعد الذي كان منه، فرجع إِلى مكة. فقال عَّهِ: ((إِن أبا سفين قد أصاب منكم طرفًا، وقذف اللَّه في قلبه الرعب)). (ثم رجع) عَّ بأصحابه بنعمة من اللَّه وفضل لم يمسسهم سوء (إلى المدينة يوم الجمعة،) لم يذكر ابن إسحق وأتباعه يوم الجمعة، فلعله عَّهِ خرج من حمراء الأسد يوم الخميس، وبات بالطريق لغرض ما ليلة الجمعة، ثم دخل يومها، (وقد غاب خمسًا،) كما جزم به البلاذري، (وظفر عليه الصلاة والسلام في مخرجه ذلك،) أي: رجوعه من حمراء الأسد قبل رجوعه إلى المدينة (بمعاوية بن المغيرة بن أبي العاص) بن أمية بن عبد شمس، وهو جد عبد الملك بن مروان أبو أمه عائشة، (فأمر بضرب عنقه صبرًا) بأَن أوثقه حتى أمر بقتله. قال ابن هشام: ويقال: إِن زيد بن حارثة وعمار بن ياسر قتلاه بعد حمراء الأسد، كان لجأ إِلى عثمن فاستأمن له رسول اللَّه عَُّّه، فأمنه على أنه إِن وجد بعد ثلاث قتل، فأقام بعد ثلاث ٤٦٨ غزوة حمراء الأسد قال الحافظ مغلطاي: وحرمت الخمر في شوال، ويقال سنة أربع. انتهى. قال أبو هريرة فيما رواه أحمد: حرمت الخمر ثلاث مرات: قدم رسول الله عَّلِ المدينة وهم يشربون الخمر، ويأكلون الميسر، وتوارى، فبعثهما عَِّ فقال: ((إِنكما ستجدانه بموضع كذا وكذا))، فوجداه فقتلاه، وبهذا عارض البرهان الأوّل. وجمع شيخنا بأنه لما توارى أرسل يطلبه، فظفر به زيد وعمار وأوثقاه وجاءا به إِلى النبي عَّه، فأمرهما بقتله وأنهما لما ظفرا به أوثقاه ثم قتلاه اكتفاء بإِشارته لهما بقتله، فيكون في قوله: ((أمر بضرب عنقه صبرًا)) تسمح. وفي سيرة ابن هشام: وأخذ عَّ أبا عزة، بعين مهملة، وزاي مشددة مفتوحة وتاء تأنيث، عمرو بن عبد اللَّه الجمحي، وكان أسره بيدر، ثم منّ عليه، فقال: يا رسول اللَّه أقلني، فقال: ((والله لا تمسح عارضيك بمكة تقول خدعت محمدًا مرتين، أضرب عنقه يا زبير))، فضرب عنقه. قال ابن هشام: وبلغني عن سعيد بن المسيب؛ أنه قال: قال عَّه: ((إن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، أضرب عنقه يا عاصم بن ثابت))، فضرب عنقه. (قال الحافظ مغلطاي: وحرمت الخمرة في شؤَّال) سنة ثلاث بعد وقعة أحد. ففي الصحيح عن جابر قال: اصطبح الخمر يوم أحد ناس، ثم قتلوا شهداء. زاد في رواية: وذلك قبل تحريمها، (ويقال: سنة أربع.) ذكره ابن إسحق وفيه نظر، لأن أنسًا كان الساقي يوم حرمت، فلما سمع النداء بتحريمها بادر فأراقها. فلو كان ذلك سنة أربع لكان أنس يصغر عن ذلك (انتهى) كلام مغلطاي بما زدته، كما نقله عنه المصنف في الحديبية، وفي نظره نظر، لأن أنسًا كان ابن أربع عشرة سنة، فليس يصغر عن ذلك على أن إِراقتها كان بأمر الصحابة له؛ كما في البخاري عنه. وجزم الدمياطي بأن تحريمها كان سنة الحديبية. (قال أبو هريرة فيما رواه أحمد: حرمت الخمر ثلاث مرات،) أي: نزل تحريمها في القرآن ثلاثًا، إِلاَّ أنها أحلت ثم حرمت، وهكذا فقد قال الإِمام الشافعي: ليس شىء أحل ثم حرم، ثم أحل ثم حرم إِلا المتعة. قال بعضهم: نسخت ثلاثًا، وقيل: أكثر. ويدل عليه اختلاف الروايات في وقت تحريمها، نقله الحافظ في تخريج الرافعي ومر في تحويل القبلة عن ابن العربي أنها كنكاح المتعة ولحوم الحمر الأهلية نسخت مرتين. وزاد أبو العباس العزفي، الوضوء مما مست النار، وأيًا كان فليس الخمر منها وبين المرات بقوله: (قدم رسول اللَّه عَّةِ المدينة وهم يشربون الخمر ويأكلون الميسر،) أي: يتناولون المال المتحصل من القمار، ويصرفونه في منافعهم، وخص الأكل لكثرة وقوعه وعمومه ٤٦٩ غزوة حمراء الأسد فسألوا رسول الله عَّه عنهما فأنزل الله ﴿يسألونك عن الخمر والميسر. قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس﴾ [البقرة/٢١٩] إلى آخر الآية. فقال الناس: ما حرم علينا، إنما قال: فيهما إثم كبير. وكانوا يشربون الخمر حتى كان يومًا من الأيام صلى رجل من المهاجرين أم أصحابه في المغرب خلط في قراءته، فأنزل الله آية أغلظ منها فيها ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون﴾ [النساء/ ٤٣]. والاحتياج إليه، (فسألوا رسول اللَّه ◌َّل عنهما) عن حكمهما أحلال أم حرام؟ (فأنزل اللَّه تعالى: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر﴾ [البقرة: ٢١٩] الآية، ما حكمهما؟ ﴿قل فيهما إِثم كبير﴾ [البقرة: ٢١٩] الآية، عظيم وفي قراءة بالمثلثة لما يحصل بسببهما من المخاصمة والمشائمة، وقول الفحش، ﴿ومنافع للناس﴾ باللذة والفرح في الخمر، وإصابة المال بلا كد في الميسر (إلى آخر الآية،) يعني وإثمهما أكبر من نفعهما، (فقال الناس: ما حرم علينا إنما قال فيهما إِثم كبير،) كأنهم فهموا أن المراد به ما يكون سببًا لفعل الحرام من تغيير العقل بالخمرة، وقيام النفوس بالقمار فهما مظنة للحرام، ولا يلزم منها التحريم، (وكانوا يشربون الخمر،) وفي إِقراره عٍَّ لهم دليل على أن المراد ما فهموه (حتى كان) وجد (يوم من الأيام،) وفي نسخة: يومًا بالنصب على الظرفية، أي: في يوم، وعلى التقديرين، فقوله (صلى رجل) في موضع المصدر لكن على النصب المصدر المؤوَّل اسم كان، وعلى الرفع فاعل لفعل مقدر، أي: حتى وجد يوم وقع فيه صلاة رجل (من المهاجرين) هو علي، وقيل: ابن عوف، على ما حكاه ابن كثير، (أُمَّ أصحابه في المغرب خلط في قراءته). روى أبو داود، والترمذي، وحسنه النسائي والحاكم عن علي قال: صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعامًا، فدعانا وسقانا من الخمر، فأخذت الخمر منا وحضرت الصلاة، فقدموني فقرأت: ﴿قل يا أيها الكافرون، لا أعبد ما تعبدون﴾ ونحن نعبد ما تعبدون، (فأنزل الله آية أغلظٌ منها فيها،) ولم تقع هذه الجملة في حديث علي إنما قال: فأنزل اللَّه: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة﴾ [النساء: ٤٣] الآية، أي: لا تصلوا ﴿وأنتم سكارى﴾ [النساء: ٤٣] الآية، من الخمر عند الأكثرين، لأن سبب نزولها صلاة جماعة حال السكر. وقال الضحاك: المراد من النوم، قاله البغوي. (﴿حتى تعلموا ما تقولون﴾ [النساء: ٤٣] الآية،) بأن تصحوا، وكان وجه الغلظ اشتمالها على النهي صريحًا؛ لكنه ليس عن شرب الخمر، ٤٧٠ غزوة حمراء الأسد وكان الناس يشربون ثم نزلت آية أغلظ منها ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر﴾ إلى قوله: ﴿فاجتنبوه لعلكم تفلحون﴾ [المائدة/٩٠] قال: انتهينا ربنا. والميسر: القمار وقيل غيره. وإنما هو عن الصلاة مع السكر خصوصًا، وقد فسر البيضاوي السكر بما يشمل غير الخمر من نحو نوم حتی ینتبهوا. وقال ابن كثير: يحتمل أن المراد التعريض بالنهي عن السكر بالكلية، لكونهم مأمورين بالصلاة في الخمسة أوقات من الليل والنهار، فلا يتمكن شارب الخمر من أدائها في أوقاتها دائمًا، انتهى. فكأنما قيل لهم حالِ الصحو، لا تسكروا لئلا يفوتكم به شىء من الصلاة. (وكان الناس يشربون،) لأنهم ما نهوا عنه، (ثم نزلت آية أغلظ من ذلك،) للأمر الصريح باجتنابها، (﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر﴾﴾ [المائدة: ٩٠] (الآية، إلى قوله: ﴿فاجتنبوه لعلكم تفلحون﴾﴾ [المائدة: ٩٠] الآية، وضمير اجتنبوه للرجس المعبر به عن هذه الأشياء، كما جزم به الجلال. وزاد البيضاوي: أو للتعاطي. قال: وأكد تحريمهما فصدر الجملة بإنما وقرنهما بالأَنصاب والأزلام، وسماها رجسًا، وجعلهما من عمل الشيطان تنبيهًا على أن الاشتغال بهما شر بحت أو غالب، وأمر باجتناب عينهما، وجعله سببًا يرجى منه الفلاح، ثم قرر ذلك بأن بين ما فيهما من المفاسد، فقال: ﴿إنما يريد الشيطان﴾ الآية. (قال: انتهينا ربنا،) كذا في النسخ. فقال الشارح قائله عمر، كما مر عن البيضاوي: والذي مر حديث آخر غير هذا، والذي في المسند لأحمد عن أبي هريرة، ثم نزلت آية أغلظ من ذلك: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر﴾ [المائدة: ٩٠] الآية، إِلى قوله: ﴿فهل أنتم منتهون﴾ [المائدة: ٩١] الآية، قالوا: انتهينا ربنا، فقال الناس: يا رسول اللَّه ناس قتلوا في سبيل الله، وماتوا على فراشهم، وكانوا يشربون الخمر، ويأكلون الميسر، وقد جعله اللَّه رجسًا من عمل الشيطان، فأنزل اللَّه: ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا﴾ [المائدة: ٩٣] الآية، إلى آخر الآية. (والميسر،) بكسر السين، وتضم وتفتح كما في القاموس، (القمار) بكسر القاف. قال البيضاوي: سمي به؛ لأنه أخذ مال الغير بيسر أو سلب يساره، أي: غناه، (وقيل غيره،) فقيل هو التردد، وقيل: اللعب بالقداح، وقيل: الجزور التي كانوا يتقامرون عليها، إِذا أرادوا أن ييسروا، اشتروا جزورًا نسيئة، ونحروه قبل أن ييسروا، وقسموه ثمانية وعشرين قسمًا، أو عشرة أقسام، فإِذا خرج واحد واحد باسم رجل رجل، ظهر فوز من خرج لهم ذوات الأنصباء، ٤٧١ سرية أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد وولد الحسن بن علي في هذه السنة. [سرية أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد] ثم سرية عبد الله بن عبد الأسد، هلال المحرم على رأس خمس وثلاثين شهرًا من الهجرة، إلى قطن - جبل بناحية فيد - وغرم من خرج لهم الغفل، كذا في القاموس، انتهى. (وولد الحسن بن علي في هذه السنة،) سنة ثلاث في منتصف رمضان. قال أبو عمر: هذا أصح ما قيل، وقيل: ولد لنصف شعبان سنة ثلاث، وقيل: ولد بعد أحد بسنة، وقيل: بسنتین، حكاها ابن الأثير. قال الواقدي: وحملت فاطمة بالحسين بعد مولد الحسن بخمسين ليلة، وكانت الداية أسماء بنت عميس وأم أيمن. وروى ابن منده عن سوادة الكندية، قالت: كنت فيمن شهد فاطمة حين ضربها المخاض، فجاء عَِّ فقال: ((كيف هي؟))، قلت: إِنها لتجهد، قال: ((فإِذا وضعت فلا تحدثي شيئًا))، فوضعت ابنًا، فسررته ووضعته في خرقة صفراء، فقال: ((ائتيني به))، فلففته في خرقة بيضاء، فتفل في فيه، وسقاه من ريقه، ودعا عليًا فقال: ((ما سميته؟))، قال جعفرًا، قال: ((لا، ولكنه الحسن)). وأخرج أحمد وأبو حاتم عن علي لما ولد الحسن سميته حربًا، فجاء عَّه فقال: ((أروني ابني ما سميتموه))، قلنا: سميناه حربًا، فقال: ((بل هو حسن))، فلما ولد الحسين الثالث سميته حربًا، فجاء عَّهِ فقال: ((أروني ابني ما سميتموه))، قلنا: حربًا، قال: ((بل هو حسين))، فلما ولد الثالث سميته حربًا فجاء عَّ﴾ فقال: ((أروني ابني ما سميتموه))، قلنا: حربًا، فقال: «بل هو محسن)). ثم سرية أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد بسين مهملة، ابن هلال بن عبد اللَّه بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي، (هلال المحرم على رأس خمسة وثلاثين شهرًا من الهجرة إلى قطن) بفتح القاف، والطاء المهملة وبالنون، (جبل بناحية فيد) بفتح الفاء وسكون التحتية، وبالدال المهملة. قال ابن سعد: ماء لبني أسد بن خزيمة، قال غيره: على يمينك إِذا فارقت الحجاز وأنت صادر من النقرة. وقال ابن إسحق: قطن ماء من مياه بني أسد بنجد بعث إِليه عَّهِ أبا سلمة في سرية، فقتل مسعود بن عروة، وما في القاموس: أن فيد قطعة بطريق مكة لا تفهم منه أن السرية إِليها، إِذ لم يقل هو ذلك، والذي ذكره أصحاب المغازي إنما هو ما ذكره، فإنما ذكر الشارح كلامه استطرادًا، ٤٧٢ سرية عبد الله بن أنيس ومعه مائة وخمسون رجلاً من الأنصار والمهاجرين، لطلب طليحة وسلمة ابني خويلد، فلم يجدهما، ووجد إبلاً وشاء فأغار عليهما ولم يلق كيدًا. [سرية عبد الله بن أنيس] (ومعه مائة وخمسون رجلاً من المهاجرين والأنصار،) منهم أبو عبيدة وسعد وأسيد بن حضير وأبو نائلة وأبو سبرة وعبد اللَّه بن سهل والأرقم، كذا في الخميس، (لطلب طليحة) بالتصغير وأسلم بعد ذلك، ثم ارتد بعد النبي عَّ وادعى النبوّة فقاتله خالد بن الوليد، فهزمه فهرب إلى الشام، ثم أسلم إِسلامًا صحيحًا، ولم يغمض عليه في إِسلامه بعد ذلك، وشهد القادسية ونهاوند مع المسلمين، وذكر له الواقدي وغيره مواقف عظيمة في الفتوح، ويقال: إنه استشهد بنهاوند سنة إحدى وعشرين، ووقع في الأم للشافعي أن عمر قتل طليحة وعيينة. قال في الإِصابة: وراجعت في ذلك جلال الدين البلقيني فاستغربه جدًا، ولعله قبل بالباء الموحدة، أي: قبل منهما الإِسلام، (وسلمة). قال البرهان: لا أعرف له إِسلامًا، وجزم الشامي بأنه لم يسلم. (ابني خويلد.) قال ابن سعد وغيره: وذلك أن الوليد بن زبير الطائي أخبره عّلّ؛ أنه مر على طليحة وسلمة وهما يدعوان قومهما ومن أطاعهما لحربه عّلّه، فنهاهم قيس بن الحرث، فلم ينتهوا، فدعا عَّلِ أبا سلمة وعقد له لواء، وقال: ((سر حتى تنزل أرض بني أسد بن خزيمة فأغر عليهم)، فخرج فأسرع السير حتى انتهى إلى أدنى قطن، فأغار على سرح لهم مع رعاء لهم مماليك ثلاثة، وأفلت سائرهم، فجاءوا جمعهم، وأخبروهم الخبر، فتفرقوا في كل وجه، (فلم يجدهما)؛ لأنهم خافوا، فهربوا عن منازلهم، (ووجد إِيلاً وشاء)، جمع شاة، (فأغار عليهما ولم يلق کیدًا)، أي: حربًا. وعند ابن سعد وغيره: وورد أبو سلمة الماء فعسكر به وفرق قومه ثلاث فرق، -فرقة قامت معه، وفرقتان أغارتا في ناحيتين شتى، فرجعتا إِليه سالمتين، وقد أصابتا نعمًا وشاء، فانحدر بهم أبو سلمة إلى المدينة. واخرح منه صفي رسول اللَّه عَّه عبدًا، وأعطى الطائي الدليل ما رضي به، ثم خمسها وقسم الباقي على أهل السرية، قيل: فبلغ سهم كل واحد سبع بعير، وأغنامًا، ومدة غيبته في تلك السرية عشرة أيام، واللَّه أعلم. ثم سرية عبد الله بن أنيس بضم أوّله، وفتح النون وسكون التحتية، ابن أسعد الجهني الأنصاري السلمي، وتردد المحب الطبري فيمن هو بعينه لا معنى له، لأنه الجهني وهو أشهر ذكرًا من الخمسة الذين ٤٧٣ سرية عبد الله بن أنيس ثم سرية عبد الله بن أنيس وحده، يوم الإثنين لخمس خلون من المحرم، على رأس خمسة وثلاثين شهرًا من الهجرة، إلى سفين بن خالد الهذلي بعرنة - وادي عرفة - لأنه بلغه عَّ أنه جمع الجموع لحربه. فلما وصل إليه قال له ممن الرجل؟ قال: من بني خزاعة، سمعت بجمعك لمحمد فجئتك لأكون معك، قال: آجلس. فمشى معه ساعة، ثم اغتره .... وافقوه في الاسم، واسم الأَب من الصحابة رضي اللَّه عنهم، ذكره الشامي. (ثم سرية عبد الله بن أنيس وحده) إِطلاق السرية على الواحد مجاز، (يوم الاثنين لخمس خلون من المحرّم على رأس خمسة وثلاثين شهرًا من الهجرة إِلى سفين بن خالد) بن نبيح بضم النون، وفتح الموحدة، وسكون التحتية وبالحاء المهملة (الهذلي،) ثم اللحياني، قاله ابن سعد، وتبعه اليعمري. وقال ابن إسحق: لقتل خالد بن سفين بن نبيح، وفي حياة الحيوان: لقتل خالد بن نبيح، وتبعه المصنف فيما مر فنسباه لجده على قول ابن إسحق. (بعرنة) بضم العين المهملة، وفتح الراء، والنون فتاء تأنيث، موضع بقرب عرفة موقف الحجيج، كذا في السبل، وقد ينافي قوله (وادي عرفة) لأن ظاهره أن عرفة، بعضه إلاّ أن يكون أضافها إِليها، لاتصالها بها، ففي النور: عرنة موضع عند الموقف بعرفات. وقال بعض مشايخ مشايخي قرية بوادي عرفة، (لأنه بلغه عٍَّ أنه جمع الجموع لحربه،) فقال لعبد اللَّه: ((ائته فاقتله))، فقلت: صفه لي حتى أعرفه، قال: ((إذا رأيته هبته وفرقت ووجدت له قشعريرة وذكرت الشيطان، وكنت لا أهاب الرجال))، فقلت: يا رسول اللَّه ما فرقت من شىء قط، فقال: ((آية ما بينك وبينه ذلك))، واستأذنته أن أقول، فقال: ((قل ما بدا لك)). وقال: انتسب لخزاعة، فأخذت سيفي ولم أزد عليه وخرجت أعتزي إِلى خزاعة، (فلما وصل إليه) بعرنة لقيته يمشي، ووراءه الأحابيش فهبته وعرفته بنعته عَّ فقلت: صدق اللَّه ورسوله، وقد دخل وقت العصر حين رأيته، فصليت وأنا أمشي أومى برأسي إيماء، فلما دنوت منه، (قال له: ممن الرجال؟ قال: من بني خزاعة، سمعت بجمعك لمحمد، فجئتك لأكون معك،) قال: أجل إني لفي الجمع له، فمشيت معه، وحدثته فاستحلى حديثي، وأنشدته وقلت عجبًا لما أحدث محمد من هذا الدين المحدث سرق الآباء وسفَّه أحلامهم، قال: إنه لم يلق أحدًا يشبهني، وهو يتوكأ على عصا، يهد الأرض، حتى انتهى إلى خبائه، وتفرق عنه أصحابه إلى منازل قريبة منه، وهم يطيفون به، فقال: هلم يا أخا خزاعة، فدنوت منه، (قال اجلس، فمشى معه ساعة) قبل الجلوس، أو المراد مشى معه في الكلام، (ثم اغتره) بغين معجمة، أي: ٤٧٤ بعث الرجيع وقتله، وأخذ رأسه، فكان يسير الليل ويتوارى النهار، حتى قدم المدينة، فقال له عليه الصلاة والسلام أفلح الوجه، قال: أفلح وجهك يا رسول الله، ووضع رأسه بين یدیه. وكانت غيبته ثمان عشرة ليلة، وقدم يوم السبت لسبع بقين من محرم. [بعث الرجيع] أخذه في غفلة، (وقتله) عند ابن سعد، فقال: اجلس، أي: في الخباء، فجلست معه حتى إِذا نام الناس اغتررته، وفي أكثر الروايات، وهي رواية ابن إسحق أنه قال: مشيت معه حتى إذا أمكنني حملت عليه السيف وقتلته، (وأخذ رأسه) قال: ثم أقبلت فصعدت جبلاً فدخلت غارًا وأقبل الطلب، وأنا مكتمن في الغار، وضربت العنكبوت على الغار، وأقبل رجل معه إدارة ضخمة، ونعلاه في يده، وكنت حافيًا، فوضع إِداوته ونعله، وجلس يبول قريبًا من فم الغار، ثم قال لأصحابه: ليس في الغار أحد، فانصرفوا راجعين، وخرجت فشربت ما في الإِداوة ولبست النعلين، (فكان يسير الليل، ويتوارى النهار،) خوفًا من الطلب، (حتى قدم المدينة) فوجده عَّه في المسجد، (فقال له عليه الصلاة والسلام: أفلح الوجه،) أي: فاز، (قال: أفلح وجهك يا رسول اللَّه،) هكذا رواية ابن سعد، وفيها من الأدب ما لا يخفى حيث لم يأت بالعطف المفيد للمشاركة، لأَن فلاحه عَّه لا يشاركه فيه أحد، وإِن شاركوه في أصل الفلاح. نعم في رواية: ووجهك بالواو فلعل إحداهما بالمعنى، أو تكررت بالعطف ودونه، (ووضع رأسه بين يديه،) وأخبرته خبري فدفع إِليَّ عصا وقال: «تخصر بها في الجنة فإِن المتخصرين في الجنة قليل»، فكانت العصا عنده، حتى إذا حضرته الوفاة، أوصى أن يدرجوها في أكفانه، ففعلوا والتخصر بفتح الفوقية، والخاء المعجمة وضم الصاد المهملة الاتكاء على قضيب ونحوه، (وكانت غيبته ثماني عشرة ليلة، وقدم يوم السبت لسبع بقين من المحرم). قال ابن عقبة: وزعموا أَنْه مَّ أخبر بموته قبل قدوم عبد الله بن أنيس. بعث الرجيع (ثم سرية عاصم بن ثابت) بن أبي الأقلح بالقاف، واللام والمهملة، قيس بن عصمة بن النعمان الأنصاري من سباقهم إلى الإسلام. روى الحسن بن سفين لما كانت ليلة العقبة، أو ليلة بدر، قال عَ له لمن معه: ((كيف تقاتلون))، فقام عاصم بن ثابت، فأخذ القوس والنبل، وقال: إِذا كان القوم قريبًا من مائتي ذراع، كان الرمي، وإِذا دنوا حتى تنالهم الرماح، كانت المداعبة حتى تقصف، فإِذا تقصفت وضعناها، ٤٧٥ بعث الرجيع ثم سرية عاصم بن ثابت، في صفر على رأس ستة وثلاثين شهرًا من الهجرة إلى الرجيع - بفتح الراء وكسر الجيم، اسم ماء لهذيل بين مكة وعسفان - بناحية الحجاز، وكانت الوقعة بالقرب منه فسميت به. وحديث عضل والقارة - بفتح الضاد المعجمة بعدها لام - بطن من بني الهون بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، ينسبون إلى عضل بن الديش، وأما .القارة، بالقاف وتخفيف الراء، بطن من الهون ينسبون إلى الديش المذكور، وقال ابن دريد: القارة: أكمة سوداء فيها حجارة، كأنهم نزلوا عندها فسموا بها. وقصة عضل والقارة كانت في بعث الرجيع، لا في سرية بئر معونة، وقد فصل بينهما ابن إسحق، فذكر بعث الرجيع في أواخر سنة وأخذنا السيوف وكانت المجالدة. فقال عَله: ((هكذا أنزلت الحرب من قاتل، فليقاتل كما يقاتل عاصم)). وشهد العقبة وبدرًا وأحدًا، (في صفر على رأس ستة وثلاثين شهرًا من الهجرة،) فتكون في السنة الرابعة، (إلى الرجيع، بفتح الراء، وكسر الجيم،) فتحتية ساكنة فعين مهملة. قال في الفتح: هو في الأصل اسم للروث سمي بذلك لاستحالته، والمراد هنا (اسم ماء لهذيل) بذال معجمة، (بين مكة وعسفان،) وبينهما مرحلتان (بناحية الحجاز، كانت الوقعة بالقرب منه) بالهداة، كما يأتي، (فسميت به، وحديث عضل) عطف على سرية، (والقارة) وعضل (بفتح) العين المهملة، والضاد (المعجمة بعدها لام، بطن من بني الهون،) بضم الهاء، وسكون الواو، وبالنون كما في الصحاح. (ابن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر، ينسبون إلى عضل بن الدیش،) بفتح الدال المهملة، وكسرها، ثم تحتية ساكنة ثم شين معجمة، كما قاله البرهان، وشيخه المجد في القاموس، ووقع في السبل بدال وسين مهملتين (ابن محكم، والقارة بالقاف، وتخفيف الراء) فتاء تأنيث، (بطن من الهون أيضًا، ينسبون إلى الديش المذكور). (وقال ابن دريد: القارة أكمة سوداء، فيها حجارة كأنهم نزلوا بها،) أي: عندها، (فسموا بها.) قال: ويضرب بهم المثل في إصابة الرمي. قال الشاعر: قد أنصف القارة من راماها (وقصة عضل والقارة كانت في،) أي: مع، (بعث الرجيع لا في سرية بئر معونة(،) كما قد يوهمه ترجمة البخاري، (وقد فصل) فرق (بينهما ابن إسحق فذكر بعث الرجيع في أواخر سنة ٤٧٦ بعث الرجيع ثلاث، وبئر معونة أوائل سنة أربع. وذكر الواقدي أن خبر بئر معونة وخبر أصحاب الرجيع جاءا إلى النبي عَّه في ليلة واحدة. وسياق ترجمة البخاري يوهم أن بعث الرجيع وبئر معونة شىء واحد، وليس كذلك، لأن بعث الرجيع كان سرية عاصم وخبيب وأصحابهما، وهي مع عضل والقارة. وبئر معونة كانت سرية القراء، وهي مع رعل وذكوان، وكأن البخاري أدمجها معها لقربها منها. ويدل على قربها منها ما في حديث أنس من تشريك النبي عليه بين بني لحيان وبين عصية وغيرهم في الدعاء عليهم. ولم يرد البخاري - رحمه الله - أنهما ثلاث،) وهذا قول ابن إسحق وما مر أنها في صفر قول ابن سعد فلا يورد عليه، (وبئر معونة في أوائل سنة أربع). (وذكر الواقدي أن خبر بئر معونة وخبر أصحاب الرجيع جاءا إِلى النبي عَّةٍ في ليلة واحدة،) فهذا يدل على أن البخاري أدمجها معها للقرب، والجائي بالخبر الوحي فسيأتي في المتن، فاستجاب اللَّه لعاصم، فأخبر رسوله خبرهم يوم أصيبوا، ويأتي في بئر معونة عن الحافظ، أن اللَّه أخبر بهم على لسان جبريل. (وسياق ترجمة البخاري) بقوله باب غزوة الرجيع، ورعل، وذكوان وبئر معونة، وحديث عضل، والقارة، وعاصم بن ثابت، وخبيب وأصحابه، (يوهم أن بعث الرجيع وبئر معونة شىء واحد، وليس كذلك لأن بعث الرجيع كانت سرية عاصم، وخبيب) بضم الخاء المعجمة وفتح الموحدة الأولى مصغرًا، (وأصحابهما وهي مع عضل، والقارة وبئر معونة كانت سرية القراء وهي مع رعل) بكسر فسكون (وذكوان) بذال معجمة، (وكأن البخاري أدمجها،) أدخلها، (معها لقربها منها، ويدل على قربها منها ما في حديث أنس) في الصحيح، (من تشريك النبي عدّله. بين بني لحيان) بكسر اللام وفتحها، (وبين عصية) بضم العين مصغرًا (وغيرهم،) كرعل وذكوان (في الدعاء عليهم) في قنوت الصبح شهرًا. ووجه الدلالة أن بعث الرجيع مع بني لحيان وبئر معونة كانت مع عصية ورعل وذكوان، وقد جمع بين الكل في الدعاء، وهنا قال الحافظ، وذكر الواقدي: أن خبر بئر معونة الخ، استدلالاً على القرب أيضًا، فما كان ينبغي للمصنف تقديمه، (ولم يرد البخاري رحمه اللَّه أنهما ٤٧٧ بعث الرجيع قصة واحدة، ولم يقل ذكر عضل والقارة عنده صريحًا. وإنما وقع ذلك عند ابن إسحق. فإنه بعد أن استوفى قصة أحد قال: ذكر يوم الرجيع: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال: قدم على رسول الله عَّه بعد أحد رهط من عضل والقارة فقالوا: يا رسول الله، إن فينا إسلامًا، فابعث معنا نفرًا من أصحابك يفقهوننا، فبعث معهم ستة من أصحابه وأمر عليه الصلاة والسلام على القوم مرثد بن أبي مرثد الغنوي. كذا في السيرة له - وفي الصحيح: وأمر عليهم عاصم بن ثابت، كما سيأتي، وهو قصة واحدة،) لأنه خلاف الواقع، فلا يحمل عليه وإن أوهمه كلامه، (ولم يقل ذكر عضل والقارة عنده صريحًا، وإِنما وقع ذلك عند ابن إسحق؛ فإِنه بعد أن استوفى قصة أحد قال ذكر يوم الرجيع: حدثني عاصم بن عمر) بضم العين (ابن قتادة) الأنصاري الظفري العلامة في المغازي (قال: قدم على رسول اللَّه عَِّ بعد أحد رهط من عضل والقارة) سبعة، كما في رواية الواقدي عن شيوخه، مشت بنو لحيان من هذيل بعد قتل سفين بن نبيح الهذلي إلى عضل والقارة، فجعلوا لهم إِبلاً على أن يكلموا رسول اللَّه عَّل أن يخرج إليهم نفرًا من أصحابه، فقدم سبعة نفر منهم مقرين بالإِسلام، (فقالوا: يا رسول اللَّه، إِن فينا إِسلامًا، فابعث معنا نفرًا من أصحابك يفقهوننا) في الدين، ويقرؤوننا القرءان، ويعلموننا شرائع الإِسلام. وفي الصحيح عن أبي هريرة بعث النبي ◌َّه سرية عينًا، وفي رواية: بعث عشرة عينًا يتجسسون له، وفي رواية أبي الأسود عن عروة: بعثهم عيونًا إلى مكة ليأتوه بخبر قريش، ويجمع بأنه لما أراد بعثهم عيونًا، وافق مجيء النفر في طلب من يفقههم، فبعثهم في الأمرين، (فبعث معهم ستة من أصحابه،) وسماهم ابن إسحق فقال: وهم: عاصم ومرثد وخبيب وزيد بن الدثنة وعبد الله بن طارق وخالد بن البكير، وجزم ابن سعد بأنهم كانوا عشرة، فزاد معتب بن عبيد، وكذا سمى موسى بن عقبة السبعة المذكورين، لكن قال: مغيث بن عوف. قال الحافظ: فلعل الثلاثة الآخرين كانوا أتباعًا فلم يحصل الاعتناء بتسميتهم. (وأمر عليه الصلاة والسلام على القوم مرثد) بفتح الميم، وسكون الراء، وفتح المثلثة وبالدال المهملة (ابن أبي مرثد) صحابي وأبوه صحابي واسمه كناز بنون ثقيلة ابن الحصين، وهما ممن شهد بدرًا (الغنوي) بفتح المعجمة والنون نسبة إِلى غني بن أعصر، (كذا في السيرة له) لابن إسحق. (وفي الصحيح) من حديث أبي هريرة: (وأمر عليهم عاصم بن ثابت، كما سيأتي وهو ٤٧٨ بعث الرجيع أصح - فخرجوا مع القوم حتى أتوا الرجيع - ماء لهذيل - غدروا بهم فاستصرخوا عليهم هذيلاً فلم يرع القوم، وهم في رحالهم، إلا الرجال بأيديهم السيوف، وقد غشوهم، فأخذوا أسيافهم ليقاتلوا القوم، فقالوا لهم: إنا والله لا نريد قتلكم، ولكنا نريد أن نصيب بكم شيئًا من أهل مكة، ولكم عهد الله وميثاقه أن لا نقتلكم، فأبوا، فأما مرثد وخالد وعاصم، فقالوا: والله لا نقبل من مشرك عهدًا وقاتلوا حتى قتلوا رضي الله عنهم. وفي البخاري: وأمر عليهم عاصم بن ثابت، حتى إذا كانوا بالهدأة - أصح،) كما قاله السهيلي وغيره. قال في الفتح: وجمع بعضهم بأن أمير السرية مرثد وأمير العشرة عاصم بناء على التعدد، ولم يرد البخاري أنهما قصة واحدة، (فخرجوا مع القوم حتى أتوا الرجيع ماء لهذيل) بن مدركة بن إلياس بن مضر (غدروا بهم فاستصرخوا،) أي: استغاثوا (عليهم هذيلاً،) ليعينوهم على قتلهم، (فلم يرع القوم،) أي: يبغتهم ويفجأهم أو يفزعهم، (وهم في رحالهم إِلاَّ الرجال بأيديهم السيوف وقد غشوهم) بضم الشين وهذا ظاهر، قاله البرهان، لأن فعله غشى كتعب، فإِذا أسند إلى واو الجماعة قيل: غشيوا كرضيوا، استثقلت الضمة على الياء فحذفت الضمة ثم الياء ثم قلبت كسرة الشين ضمة، لمناسبة الواو، (فأخذوا،) أي: عاصم ومن معه، (أسيافهم ليقاتلوا القوم، فقالوا لهم: إِنا واللَّه لا نريد قتلكم، ولكنا نريد أن نصيب بكم شيئًا من أهل مكة) بأن نسلمكم لهم ونأخذ بدلكم شيئًا منهم، لعلمهم أنه لا شىء أحب إليهم من أن يؤتوا بأحد من الصحابة يمثلون به ويقتلونه بمن قتل منهم ببدر وأحد، (ولكم عهد اللَّه وميثاقه أن لا نقتلكم فأبوا، فأما مرثد) بن أبي مرثد الغنوي حليف حمزة (وخالد) بن البكير بضم الموحدة وفتح الكاف الليثي حليف بني عدي من السابقين، وشهد بدرًا استشهد يومئذ، وهو ابن أربع وثلاثين سنة. ذكره ابن إسحق وغيره، (وعاصم) بن ثابت أخو بني عمرو بن عوف، (فقالوا: واللَّه لا نقبل من مشرك عهدًا، وقاتلوا حتى قتلوا رضي اللَّه عنهم) في الموضع الذي جاؤوهم فيه حتى استصرخ عليهم الآتي بهم إليه وقسيم، أما تركه المصنف استغناء بذكره بمعناه كما يأتي وهو ثابت في ابن إسحق، قال: وأما زيد وخبيب وابن طارق فلانوا ورقوا ورغبوا في الحياة. (وفي البخاري) في الجهاد وغزوة بدر، وهنا من طريق الزهري عن عمرو بن أبي سفين الثقفي عن أبي هريرة قال: بعث رسول اللَّه عَ لِ عشرة رهط سرية عينًا، (وأمر عليهم عاصم بن ثابت حتى إِذا كانوا بالهدأة) بفتح الهاء. ٤٧٩ بعث الرجيع بين عسفان ومكة - وذكروا لحي من هذيل يقال لهم بنو الحيان، فنفروا لهم بقريب من مائتي رجل. وعند بعضهم فتبعوهم بقريب من مائة رام. والجمع بينهما واضح، بأن تكون المائة الأخرى غير رماة. وفي رواية أبي معشر في مغازيه: فنزلوا بالرجيع سحرًا، فأكلوا تمر عجوة، فسقط نواه بالأرض، و کانوا یسیرون اللیل ویکمنون بالنهار، قال الحافظ: وسكون الدال بعدها همزة مفتوحة لأكثر الرواة. وللكشميهني بفتح الدال وتسهيل الهمزة. وعند ابن إسحق بالهدة بتشديد الدال بغير ألف موضع. (بين عسفان ومكة.) وعند ابن إسحق وهي على سبعة أميال من عسفان، (وذكروا) بضم المعجمة مبنيًا للمفعول (لحي من هذيل) بضم الهاء، وفتح المعجمة، وسكون التحتية وباللام (يقال لهم بنو الحيان) بكسر اللام، وقيل: بفتحها وسكون المهملة، ولحيان هو ابن هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر، وزعم الهمداني النسابة أن أصل بني لحيان من بقايا جرهم دخلوا في هذيل فنسبوا إليهم، قاله الحافظ. (فنفروا لهم بقريب من مائتي رجل،) هكذا عند البخاري في الجهاد من رواية شعيب عن الزهري بسنده، وزاد كلهم رام، (وعند بعضهم) أي: الرواة، وهو معمر عن الزهري في صحيح البخاري في هذا الباب، (فتبعوهم بقريب من مائة رام) بالنبل، ومثله عنده في غزوة بدر من رواية إبراهيم بن سعد عن الزهري، ولفظه: فنفروا لهم بقريب من مائة رجل رام، (والجمع بينهما واضح بأن تكون المائة الأخرى غير رماة،) ولم أقف على اسم أحد منهم هكذا قال الحافظ، وفيه وقفة. فإن لفظ رواية شعيب في الجهاد فنفروا لهم قريب من مائتي رجل كلهم رام، فاقتصوا آثارهم حتى وجدوا مأكلهم تمرًا تزودوه من المدينة فقالوا: هذا تمر يثرب. (وفي رواية أبي معشر) بفتح الميم، وسكون المهملة وفتح المعجمة نجيح بن عبد الرحمن السندي (في مغازيه، فنزلوا بالرجيع سحرًا فأكلوا تمرة عجوة) إضافة بيانية، أي: تمرًا مسمى بهذا الاسم، (فسقط نواه في الأرض، وكانوا يسيرون بالليل ويكمنون) بضم الميم وفتحها. قال في القاموس: كمن كنصر وسمع كمونًا استخفى، (بالنهار) وهذا واضح على أنهم كانوا عيونًا ليأتوه بخبر قريش، وكذا على أنهم ذهبوا ليفقهوا الآتين في طلب من يفقههم لأنهم قليل، إِذ غاية ما قيل في السرية عشرة، والآتين في طلبهم سبعة، ومثل هذا العدد في زمن المحاربة خصوصًا بعد أحد لا يأمنون على أنفسهم فیسیروا ظاهرین نهارًا، فلذا کانوا یکمنون به، ٤٨٠ بعث الرجيع فجاءت امرأة من هذيل ترعى غنمًا، فرأت النواءات وأنكرت صغرهن، وقالت هذا تمر يثرب فصاحت في قومها قد أتيتم، فجاؤوا في طلبهم، فوجدوهم قد كمنوا في الجبل، وتبعوا آثارهم حتى لحقوهم. وفي رواية إِبن سعد: فلم يرع القوم إلا الرجال بأيدهم السيوف قد غشوهم. فلما حس بهم عاصم وأصحابه لجأوا إلى فدفد- بفاءين مفتوحتين، ومهملتين، الأولى ساكنة - وهي الرابية المشرفة، فأحاط بهم القوم، فقالوا: لكم العهد والميثاق إن نزلتم إلينا أن لا نقتل منكم رجلاً، (فجاءت امرأة من هذيل ترعى غنمًا فرأت النواءات،) هذا جمع تصحيح لم يذكره القاموس والمصباح، فإِنهما قالا النوى جمع نواة، وجمع الجمع أنواء مثل سبب وأسباب، فالظاهر كما قال شيخنا إنه كان يقال: فلما رأت النوى بالقصر، أو الأنواء، (فأنكرت صغرهن وقالت: هذا تمر يثرب، فصاحت في قومها: قد أتيتم) بالبناء للمفعول من قبل العدوّ، (فجاءوا في طلبهم فوجدوهم قد كمنوا) بفتحتين وبفتح فكسر استخفوا، (في الجبل، واتبعوا آثارهم) حين أخبرتهم المرأة (حتى لحقوهم) بالجبل، والواو لا ترتب فلا يرد اقتضاؤه أن اقتفاء الأثر بعد وجدانهم کامنین بالجبل. ٠ (وفي رواية ابن سعد،) في حديث أبي هريرة هذا، (فلم يرع القوم إِلا الرجال بأيديهم السيوف قد غشوهم،) أعاده وإِن مر عن ابن إسحق لأن ذاك مرسل، وهذا مسند، ويقع سقوطه في نسخ وه خطأ لإِيهامه أن ما بعده رواية ابن سعد، مع أنه من جملة حديث البخاري ففيه عقب قوله: حتی لحقوهم، (فلما حس). قال المصنف: صوابه كما قال السفاقسي أحس رباعيًّا، أي: علم (بهم عاصم وأصحابه لجأوا) بفتح الجيم وكسرها آخره همزة، تحرزوا واعتصموا (إِلى فدفد بفاءين مفتوحتين و) دالين (مهملتين الأولى ساكنة وهي الرابية المشرفة). قال الحافظ: ووقع عند أبي داود إِلى قردد، بقاف وراء ودالين. قال ابن الأثير: هو الموضع المرتفع، ويقال: الأرض المستوية، والأوَّل أصح، (فأحاط بهم القوم فقالوا: لكم العهد والميثاق،) تفسيري، (إِن نزلتم إِلينا أن لا نقتل منكم رجلاً). وعند ابن سعد فقالوا لهم: إِنا واللَّه ما نريد قتالكم، إنما نريد أن نصيب بكم شيئًا من أهل مكة، وهي رواية ابن إِسحق المتقدمة.