Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠١ باب غزوة بدر الکبری قتلهم﴾ ثم قال: ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾ فأخبر أنه تعالى وحده هو الذي انفرد بإيصال الحصباء إلى أعينهم، ولم يكن برسوله عَّله، ولكن وجه الإشارة بالآية أنه سبحانه أقام أسبابًا تظهر للناس، فكان ما حصل من الهزيمة والقتال والنصر مضافًا إليه وبه ﴿وهو خير الناصرين﴾. قال ابن إسحق: وقاتل عكاشة بن محصن الأسدي يوم بدر بسيفه حتى انقطع في يده، فأتى رسول الله عَّه فأعطاه جذلاً فقال له: قاتل به، فهزه فعاد في يده سيفًا طويل القامة، شديد المتن، أبيض الحديد، فقاتل به حتى فتح الله على المسلمين، وكان ذلك السیف یسمی العون، قتلهم﴾﴾ [الأنفال: ١٧]، إذ هو الذي أهلكهم وأماتهم، وقيل: قتلهم بتمكينكم منهم، وقيل: بالملائكة الذين أمدّكم بهم، حكاهما القرطبي. ولم يقل إذا قتلتموهم، كما قال: إذ رميت لمشاركة الملائكة لهم في قتلهم بخلاف الرمي فلم يشاركه عَّالآ فيه أحد. (ثم قال: ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾ [الأنفال: ١٧]، فأخبر أنه تعالى وحده هو الذي تفرّد بإيصال الحصباء إلى أعينهم، ولم يكن برسوله عَّه ولكن وجه الإشارة بالآية أنه سبحانه وتعالى أقام أسبابًا تظهر للناس، فكان ما حصل من الهزيمة والقتل والنصر مضافاً إليه،) صلوات اللَّه عليه وحاصلاً بفعله، ولا يرجع الضمير للأسباب لتذكيره، وبه (﴿وهو خير الناصرين﴾) [آل عمران: ١٥٠] الآية، كما قال في الكتاب المبين. (قال) محمّد (بن إسحق) بن يسار إمام المغازي: (وقاتل عكاشة) بضم العين وشدّ الكاف وتخفف (ابن محصن) بكسر الميم وفتح الصاد، ابن حرثان بضمّ المهملة وسكون الراء ومثلثة، (الأسديّ) ممن يدخل الجنة بغير حساب؛ كما في الصحيحين. (يوم بدر بسيفه حتى انقطع في يده، فأتى رسول اللَّه عَظّ فأعطاه جذلاً) بكسر الجيم وفتحها وسكون الدال المعجمة واحد الأجذال وهي أصل الحطب، قال الشامي: والمراد هنا العرجون بضمّ المهملة أصل العذق بكسر العين الذي يفرج وينعطف ويقطع منه الشماريخ فيبقى على النخلة يابسًا، (فقال له: ((قاتل به))) يا عكاشة، فأخذه منه (فهزّه فعاد في يده سيفًا طويل القامة شديد المتن) أي: الظهر من إضافة الوصف إلى فاعله، أي: شديدًا متنه، أو المراد بالمتن هنا الذات تسمية للكل باسم جزئه، (أبيض الحديدة، فقاتل به حتى فتح اللّه على المسلمين، وكان ذلك السيف يسمّى العون) بفتح المهملة وإسكان الواو وبالنون، قاله البرهان وتبعه الشامي. ٣٠٢ باب غزوة بدر الكبرى ثم لم يزل عنده يشهد به المشاهد مع رسول الله عٍَّ حتى قتل وهو عنده. وجاءه عليه الصلاة والسلام يومئذٍ - فيما ذكره القاضي عياض عن ابن وهب- معاذ بن عمرو يحمل يده، ضربه عليها عكرمة، فبصق عليه الصلاة والسلام عليها فلصقت. قال ابن إسحق: ثم عاش بعد ذلك حتى كان زمان عثمن. (ثم لم يزل) السيف (عنده يشهد به المشاهد مع رسول اللَّه عَ لَّه حتى قتل وهو عنده) في قتال أهل الردّة زمن الصديق قتله طليحة بن خويلد الأسدي، وروى الواقدي: حدّثني أُسامة بن زيد الليثي عن داود بن الحصين عن رجال من بني عبد الأشهل، قالوا: انكسر سيف سلمة بن أسلم بن الحريس يوم بدر فبقي أعزل لا سلاح معه فأعطاه عَ له قضيبًا كان في يده من عراجين ابن طاب، فقال: اضرب به فإذا سيف جيد فلم يزل عنده حتى قتل يوم جسر أبي عبيد، ورواه البيهقي أيضًا الحريس بفتح المهملة وكسر الراء وسين مهملة، قاله البرهان محتجًا بقول الزبير: ليس في الأنصار حريش بمعجمة غير الحريش بن حجبي، وما سواه بالمهملة وضبطه الشامي بالمعجمة، وأعزل بفتح الهمزة وسكون المهملة فزاي، وابن طاب بمهملة فألف فموحدة نوع من تمر المدينة نسب إلى ابن طاب رجل من أهلها، وجسر أبي عبيد كان سنة أربع عشرة. (وجاءه عليه الصلاة والسلام يومئذ) أي: يوم بدر (فيما ذكره القاضي عياض عن) عبد اللَّه (بن وهب) بن مسلم الفهري مولاهم المصري الحافظ الإمام الزاهد من أجلّة الناس وثقاتهم ورجال الجميع، مات في شعبان سنة سبع وتسعين ومائة، (معاذ بن عمرو) قلّد في ذلك اليعمري وانتقده محشيه البرهان بأن الذي في الشفاء معوّذ بن عفراء، (يحمل يده ضربه عليها عكرمة) ابن أبي جهل أسلم بعد الفتح وقلّد في ذلك اليعمري أيضًا، وردّه محشيه بأن الذي في الشفاء أن القاطع لها أبو جهل، (فبصق عليه الصّلاة والسّلام) بالصّاد والزاي، أي: أخرج ريقه ورمى به (عليها فلصقت) بكسر الصاد وفيه علم من علم من أعلام النبوّة باهر، نعم روى ابن إسحق، ومن طريقه الحاكم عن ابن عباس، قال: قال معاذ بن عمرو بن الجموح أخو بني سلمة سمعتهم يقولون: وأبو جهل في مثل الحرجة أبو جهل يخلص إليه فجعلته من شأني فصمدت نحوه، فلما أمكني حملت عليه فضربته ضربة أطنت قدمه بنصف ساقه، قال: فوالله ما شبهتها حين طاحت إلا بالنواة تطيح من تحت مرضخه حين يضرب بها، قال: وضربني ابنه عكرمة على عاتقي فطرح يدي فتعلّقت بجلدة من جنبي وأجهضني القتال عنه، فلقد قاتلت عامّة يومي وإني لأسحبها خلفي، فلمّا آذتني وضعت عليها قدمي ثم تمطيت عليها حتى طرحتها. (قال ابن إسحق) في بقية ذا الحديث الذي ذكرته: (ثم عاش بعد ذلك حتى كان زمان عثمن) ٣٠٣ باب غزوة بدر الكبرى وعن عروة بن الزبير، عن عائشة رضي الله عنها: لما أمر عَّه بالقتلى أن يطرحوا في القليب، فطرحوا فيه، إلا ما كان من أمية بن خلف فإنه انتفخ في درعه فملأها، فألقوا عليه ما غيبه من التراب والحجارة. وإنما ألقوا في القليب ولم يدفنوا، لأنه عليه الصلاة والسلام كره أن يشق على أصحابه لكثرة جيف الكفار أن رضي اللَّه عنه ولم يذكر في حديثه هذا أنه أتى بها المصطفى فتوهّم اليعمري وتبعه المصنّف أن كلام القاضي فيه فوهما؛ لأنها قصة أخرى؛ كما علم. والحرجة بفتح المهملة والراء والجيم وتاء تأنيث: شجر ملتفّ؛ كالغيصة، قاله في النهاية، وفي حواشي أبي ذر: الشجرة الكبيرة الأغصان، وفي العين: الحرجة الغيضة أطنت قدمه أسرعت قطعها؛ مرضخه بضاد وخاء معجمتين؛ كما في النهاية وفي الصحاح أنه بحاء مهملة أيضًا، وأجهضني بجيم وهاء معجمة: شغلني، واشتدّ عليّ. (و) روى ابن إسحق: حدّثني يريد بن رومان (عن عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها) قالت: (لمَّا أمر عَّ بالقتلى) أي: بعظمائهم (أن يطرحوا في القليب) ففي الصحيح عن أنس عن أبي طلحة أن نبيّ اللَّه عَِّ أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلاً من صناديد قريش، فقدموا في طوى من إطواء بدر خبيث مخبث. وعند ابن عائذ: ببضعة وعشرين. قال الحافظ: ولا تنافي فالبضع يطلق على الأربع أيضًا، قال: ولم أقف على تسمية الأربع والعشرين جميعهم بل تسمية بعضهم، ويمكن إكمالهم ممن سرده ابن إسحق من قتلى الكفار ببدر بأن يقتصر على من كان یذکر بالرئاسة ولو تبعًا لأبيه. وفي حديث البراء في الصحيح أن قتلى بدر من الكفار سبعون، فكان المطروحين في القليب الرؤساء منهم، ثم من قريش وخصّوا بالمخاطبة الآتية لما تقدّم منهم من المعاندة وطرح باقي القتلى في أمكنة أخرى، وأفاد الواقدي أن هذا القليب كان حفره رجل من بني النار، فناسب أن يلقى فيه هؤلاء الكفّار. (فطرحوا فيه) بالفاء في جواب لما على رأي ابن لملك أو زائدة على رأي الجمال بن هشام، لكن الثابت عند ابن إسحق بدون فاء فهي زائدة من قلم المصنّف أو نساخه، (إلاَّ ما كان من أميّة بن خلف فإنه انتفخ في درعه فملأها) أي: الدرع لأنها مؤنّئة عند الأكثر، (فألقوا عليه ما غيّه من التراب والحجارة،) قال السهيلي رحمه اللَّه في الروض، (وإنما ألقوا في القليب؛) لأنه كان من سنّته عليه السّلام في مغازيه إذا مرّ بجيفة إنسان أمر بدفنه لا يسأل عنه مؤمنًا كان أو كافرًا؛ كذا وقع في السنن للدراقطني، فإلقاؤهم في القليب من هذا الباب. (ولم يدفنوا؛ لأنه عليه الصّلاة والسّلام كره أن يشقّ على أصحابه لكثرة جيف الكفار أن ٣٠٤ باب غزوة بدر الكبرى يأمرهم بدفنهم، فكان جرهم إلى القليب أيسر عليهم. وفي الطبراني عن أنس بن ملك قال: أنشأ عمر بن الخطاب يحدثنا عن أهل بدر فقال: إن رسول الله عَّه كان يرينا مصارع أهل بدر بالأمس من بدر، يقول: هذا مصرع فلان غدًا إن شاء الله، قال عمر: فوالذي بعثه بالحق ما أخطأوا الحدود التي حدها مدّ، حتى انتهى إليهم يأمرهم بدفنهم، فكان جرّهم إلى القليب أيسر عليهم،) قال: ووافق أن القليب حفره رجل من بني النار اسمه بدر، فكان فألاّ مقدّمًا لهم وهذا على أحد القولين في بدر، انتهى كلام السهيلي برمّته، ولا يردّ على قوله؛ لأنه كان من سنّته أن بدرًا أوّل مغازيه التي وقع فيها القتل، لجواز أن المراد أنها طريقته التي كان يحبّها في نفسه ويميّزها على غيرها، ففعل ما سهّل عليه في بدر ثم داوم على ما يحبّه في بقيّة مغازيه. (وفي الطبراني عن أنس بن مالك:) روى أحمد بسند صحيح عنه أنه سئل: هل شهدت بدرًا؟ فقال: وأين أغيب عن بدر. قال الحافظ في الفتح: وكأنه كان في خدمة النبيّ عَّ لما ثبت عنه أنه خدمه عشر سنين، وذلك يقتضي أن ابتداء خدمته له حين قدومه المدينة، فكأنه خرج معه إلى بدر أو مع عمّه زوج أُمّه أبي طلحة، وقال في الإصابة: إنما لم يذكروه في البدريين؛ لأنه لم يكن في سنّ من يقاتل. (قال: أنشا) بفتح أوّله وهمزة آخره، أي: أبتدأ (عمر بن الخطاب) رضي الله عنه (يحدثنا عن أهل بدر؛ فقال إن رسول اللَّه عٍَّ كان يرينا مصارع أهل بدر بالأمس من بدر) وهذا ظاهر في أنه كان ليلاً، وبه صرّح الحافظ، فقال: وقع هذا في الليلة التي التقوا في صبيحتها؛ كما مرّ، وإن في رواية أخبر بذلك قبل الواقعة بيوم أو أكثر. وفي أخرى: يوم الواقعة، وجمع ابن كثير بأنه لا مانع أن يخبر بذلك في الوقتين وعلى أنه أراهم ليلاً فيمكن أنه مراد رواية يوم الواقعة بإطلاق اليوم على ما يقرب منه الليل، ولا ينافيه قوله: (يقول هذا مصرع فلان) لجواز أن قوله ذلك ليلاً وحينئذٍ فقوله (غدًا) مستعمل في حقيقته(إن شاء اللّه) ويقع في أكثر النسخ. وفي الطبراني عن أنس بن لملك، قال: أنشا، فظاهره أن الحديث من مسند أنس وإنه شهد تحديث المصطفى بذلك، والذي في الطبراني إنما هو عن أنس عن عمر؛ كما سقناه، وكذا أخرجه مسلم بنحوه عنه عن عمر وتلك النسخ، فيها سقط، ويدلّ عليه قوله: (قال عمر: فوالذي بعثه بالحقّ، ما أخطأوا الحدود التي حدّها عٍَّ حتى انتهى إليهم) غاية لمحذوف، صرّح به في حديث أبي طلحة عند البخاري عقب قوله الذي قدمته قريبًا عنه: خبيث مخبث، وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال، فلمَّا كان بيدر اليوم الثالث أمر ٣٠٥ باب غزوة بدر الکبری فقال: يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان، هل وجدتم ما وعدكم الله ورسوله حقًّا؟! فإني وجدت ما وعدني الله حقًّا. وفي رواية فنادى: يا عتبة بن ربيعة ويا شيبة بن ربيعة، ويا أمية بن خلف، ويا أبا جهل بن هشام .. ، براحلته فشدّ عليها رحلها ثم مشى وتبعه أصحابه، فقالوا: ما نرى ينطلق إلا لبعض حاجته، حتى قام على شفة الركي فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم، (فقال: ((يا فلان بن فلان) جوّز في النور ضّ فلان وفتح ابن وفتحهما وضمّهما، قال: وذكر الثالث في التسهيل، انتهى. فضمّ الأوّل على الأصل وفتحه على الإتباع لفتحه ابن، واختاره البصريّون والمبرد لخفّته، وضمّهما قال الدماميني على التسهيل: رواه الأخفش عن بعض العرب، قال: وكأنّ قائله راعى أن التابع ينبغي أن يتأخّر عن المتبوع، ولم يراع أن الأصل الحامل على الإتباع قصد التخفيف. وفي التصريح حكى الأخفش: أن بعض العرب يضمّ الابن إتباعًا لضمّ المنادى نظير الحمد لله بضم اللام في تبديل حركة بأثقل منها للإتباع وفي كون ذلك من كلمتين، وفي تبعية الثاني للأوّل لكنه مخالف في كونه إتباع معرب لمبني، والحمد لله بالعكس. (ويا فلان بن فلان،) كناية عن علم مذكّر لعاقل، وأنثاه فلانة بزيادة تاء، وزادوا أل في علم ما لا يعقل فرقًا بينه وبين العاقل، لكن في الهمع: إنه وقع في الحديث بغير لام فيما لا يعقل. أخرج ابن حبان والبيهقي وأبو يعلى عن ابن عباس، قال: ماتت شاة لسودة، فقالت: يا رسول اللَّه فلانة تعني الشاة. (هل وجدتم ما وعدكم الله ورسوله حقًّا؟ فإني وجدت ما وعدني اللَّه حقًّا))) وفي رواية عن أنس: إن وقوفه على شفة الركى ومناداته لهم بذلك كان ليلاً، وشفة الركي طرف البئر. وللكشميهني: شفا يفتح المعجمة والفاء مقصور حرفه، والركي بفتح الراء وكسر الكاف وشدّ الياء: البئر أن تطوى والإطواء جمع طي، وهي البئر التي طويت وبنيت بالحجارة لتثبت ولا تنهار. قال الحافظ: ويجمع بأنها كانت مطوية فاستهدمت فعادت كالركي. (وفي رواية) أخرجها ابن إسحق وأحمد ومسلم وغيرهم، عن أنس: (فنادى: ((يا عتبة بن ربيعة، ويا شيبة بن ربيعة، ويا أُميّة بن خلف، ويا أبا جهل بن هشام)،) فسمّى أربعة من الأربعة والعشرين الذين ألقوا في القليب. قال الحافظ: ومن رؤساء قريش ممن يصح إلحاقه بمن سمّى عبيدة والعاصي والدا أبي أحيحة سعيد بن العاصي بن اميّة، وحنظلة بن أبي سفين، والوليد بن عتبة، والحرث بن عامر، وطعيمة بن عديّ وهؤلاء من بني عبد مناف. ومن سائر قريش: نوفل بن عبد، وزمعة وعقيل ابنا الأسود، والعاصي بن هشام أخو أبي جهل، وأبو قيس بن الوليد أخو ٣٠٦ باب غزوة بدر الكبرى وفي بعضه نظر، لأن أمية بن خلف لم يكن في القليب لأنه كان - كما تقدم. ضخمًا وانتفخ فألقوا عليه من الحجارة والتراب ما غيبه. لكن يجمع بينهما بأنه كان قريبًا من القليب فنودي فيمن نودي لكونه كان من جملة رؤسائهم. قال ابن إسحق: حدثني بعض أهل العلم أنه عليه الصلاة والسلام قال: يا أهل القليب، بئس العشيرة كنتم، كذبتموني وصدقني الناس. فقال عمر بن الخطاب: كيف تكلم أجسادًا لا أرواح فيها، خالد، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج السهمي، وعليّ بن أُميّة بن خلف، وعمرو بن عثمن عم طلحة أحد العشرة، ومسعود بن أبي أَميّة أخو أمّ سلمة، وقيس بن الفاكه بن المغيرة، والأسود بن عبد الأسد أخو أبي سلمة، وأبو العاصي بن قيس بن عدي السهميّ، وأميّة بن رفاعة؛ فهؤلاء عشرون تنضمّ إلى الأربعة فتكمل العدّة، انتهى. (وفي بعضه نظر؛ لأن أُميّة بن خلف لم يكن في القليب، لأنه كان كما تقدّم ضخمًا وانتفخ فألقوا عليه من الحجارة والتراب ما غيّبه،) وقد أخرج ذلك ابن إسحق حديث عائشة؛ كما مرّ. (ولكن) قال الحافظ في الفتح: (يجمع بينهما بأنه كان قريبًا من القليب فنودي فيمن نودي لكونه كان من جملة رؤسائهم،) وخصّت الرؤساء بالمخاطبة لما تقدّم منهم من المعاندة؛ كما مرّ عن الحافظ فتخصيصهم زيادة في إذلالهم. (قال ابن إسحق: حدّثني بعض أهل العلم أنه عليه الصّلاة والسّلام، قال: ((يا أهل القليب! بئس العشيرة) أنتم، فالمخصوص بالذم محذوف (كنتم) ولفظ ابن إسحق: بئس عشيرة النبيّ كنتم لنبيكم، (كذبتموني وصدّقني الناس،) وأخرجتموني وآواني الناس، وقاتلتموني ونصرني الناس، فجزاكم اللَّه عني من عصابة شًّا خوّنتموني أمينًا وكذّ بتموني صادقًا)، إلى هنا رواية ابن إسحق، وهو مرسل أو معضل. وذكر ابن القيّم في الهدى، أنه قال ذلك قبل أن يأمر بطرحهم في القليب، فإن كان مراده خصوص رواية ابن إسحق هذه فمحتمل، ولا يردّ قوله: ((يا أهل القليب))؛ لأنه سمّاهم أهله باعتبار الأوّل، وإلا فحديث أبي طلحة في الصحيح يردّ عليه فإنه صرّح بأنه أمر بطرحهم فلمَّا كان اليوم الثالث قام على شفا الركي فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: ((يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان! أيسرّكم أنكم أطعتم اللَّه ورسوله فإنّا قد وجدنا ما وعدنا ربّنا حقًّا، فهل وجدتم ما وعد ربّكم حقًّا))؟ قال - أي أبو طلحة -: فقال عمر: يا رسول اللَّه! ما تكلّم من أجسادًا لا أرواح لها، وفي بقيّة رواية الطبراني التي قدّمها المصنّف عن أنس، (فقال عمر بن الخطاب) مستفهمًا: (كيف تكلّم أجسادًا لا أرواح فيها؟) وفي رواية مسلم: فسمع عمر صوته، فقال: يا رسول اللَّه! ٣٠٧ باب غزوة بدر الکبری فقال: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، غير أنهم لا يستطيعون أن يردوا شيئًا. وتأولت عائشة رضي الله عنها ذلك فقالت: إنما أراد النبي عَّةِ: إنهم الآن ليعلمون أن الذي أقول لهم الحق. ثم قرأت ﴿إِنك لا تسمع الموتى) الآية، فقولها يدل على أنها كانت تنكر ذلك مطلقًا، لقولها: إنهم الآن ليعلمون. أتناديهم بعد ثلاث، وهل يسمعون؟ ويقول الله: ﴿إنك لا تسمع الموتى﴾ [النمل: ٨٠] الآية، (فقال) عَّه، زاد في رواية الصحيحين: ((والذي نفسي بيده، (ما أنتم بأسمع لما أقول منهم،) بل هم أسمع منهم)، قال الحافظ: بآذان رؤوسهم على قول الأكثر، أو بآذان قلوبهم، انتهى. وإن صدق النفي بالمساواة لغة، لكن خصّه الاستعمال بأنّ المنفي عنه الحكم أقوى في ثبوت مدلوله ممن فضل عليه، ويؤيّده رواية: ((ما أنتم بأنهم لقولي منهم))، ويؤيّد المساواة قوله عند الطبراني بسند صحيح من حديث ابن مسعود: «یسمعون کما تسمعون، ولکن لا یجیبون)، ((غير أنّهم لا يستطيعون أن يردّوا شيئًا)))) هذه رواية الطبراني، ولفظ رواية مسلم: ((لكن لا يستطيعون أن يجيبوا»، أي: لعدم الإذن لهم في إجابة أهل الدنيا؛ كقوله تعالى: ﴿هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم﴾ فيعتذرون هذا هو الأصل، فلا يقدح فيه ما اتّفق من كلام بعض الموتى لبعض الأحياء لاحتمال الآذان لذلك البعض، (وتأوّلت عائشة رضي اللَّه عنها ذلك، فقالت: إنما أراد النبيّ عَِّ أنهم الآن ليعلمون أن الذي أقول لهم) من استعمال المضارع بمعنى الماضي، أي: ليعلمون أن ما قلت لهم فيما مضى من التوحيد والإيمان وغيرهما هو (الحقّ، ثم قرأت) مستدلّة لما ذهب إليه: ((إنك لا تسمع الموتى) الآية،) وهذه عبارة اليعمري، والذي في الصحيحي عن عروة عن ابن عمر، قال: وقف النبيّ عٍَّ على قليب بدر، فقال: هل وجدتم ما وعد ربكم حقًّ ثم قال: إنهم الآن ليسمعون ما أقول، فذكر لعائشة فقالت: إنما قال النبيّ عَّه: (إنهم الآن ليعلمون أن الذي كنت أقول لهم هو الحق))، ثم قرأت ﴿إنك لا تسمع الموتى﴾ حتى قرأت الآية، (فقولها يدلّ على أنها كانت تنكر ذلك مطلقًا،) أي في حالة استقرارهم في النار وغيرها خلاف قول عروة في البخاري، تقول: أي عائشة حين تبوّؤًا مقاعدهم من النار، قال الحافظ: مراده أن يبيّن مراد عائشة فأشار إلى أن الإطلاق في إنك لا تسمع الموتى مقيد باستقرارهم في النار، وعلى هذا فلا معاوضة بين إنكار عائشة وإثبات ابن عمر لكن قولها يدلّ على أنها كانت تنكر ذلك مطلقاً؛ (لقولها) إن الحديث إنما هو بلفظ (إنهم الآن ليعلمون) وأن ابن عمر وهم في قوله: ليسمعون اهـ. فالمصنف أسقط من كلام الحافظ ما يبيّن الإطلاق فتحيّر شيخنا فيه، فقال: لعلّه في أهل القليب وغيرهم أولاً بحالهم ولا بأحيائهم في قبورهم وإنما يحيون بعد البعث، انتهى. قال ٣٠٨ باب غزوة بدر الکبری وقال قتادة: أحياهم الله تعالى توبيخًا وتصغيرًا، ونقمة وحسرة. وفيه رد على من أنكر أنهم يسمعون، كما روي عن عائشة رضي الله عنها. ومن الغريب، أن في المغازي - لابن إسحق - من رواية يونس بن بكير، بإسناد جيد عن عائشة حديثًا وفيه: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم. وأخرجه الإمام أحمد بإسناد حسن. فإن كان محفوظًا فكأنها رجعت عن الإنكار، لما ثبت عندها من رواية هؤلاء الصحابة، لكونها لم تشهد القصة. البيهقي: والعلم لا يمنع السماع والجواب عن الآية أنهم لا يسمعون وهم موتى، (و) لكن أحياهم حتى سمعوا كما (قال قتادة) بن دعامة فيما رواه البخاري عنه عقب حديث أبي طلحة السابق (أحياهم اللَّه تعالى) زاد الإسمعيلي: بأعيانهم، وأسقط المصنف من قول قتادة: حتى أسمعهم قوله عَّةٍ كما في البخاري قبل قوله: (توبيخًا وتصغيرًا،) قال الحافظ: الصغار الذّة والهوان (ونقمة) بكسر النون وسكون القاف كما في الناصرية، وفي حاشية اليونينية بفتح النون وكسر القاف، قاله المصنف. (وحسرة) وندمًا كما هو بقيّة قول قتادة في البخاري: أي لأجل التوبيخ فالمنصوبات للتعليل، (وفيه) أي قول قتادة هذا (ردّ على من أنكر أنهم يسمعون) لأنه أثبت سماعهم غايته أنه بعد الإحياء؛ (كما روي عن عائشة رضي اللَّه عنها) إنكار ذلك، وفي التعبير بروي شىء لأنه في الضعيف وهذا ثابت عنها في الصحيح، ولذا عبّر الحافظ بلفظ كما جاء عن عائشة، (ومن الغريب) أي خلاف المشهور عنها (أن في المغازي لابن إسحق رواية يونس بن بكير بإسناد جيّد)) أي مقبول كما قال السيوطي وللقبول يطلقون جيّدًا (عن عائشة رضي اللَّه عنها حديثاً) مثل حديث أبي طلحة السابق كما في الفتح، (وفيه: ((ما أنتم بأسمع لما أقول منهم)). (وأخرجه الإمام أحمد) عنها (بإسناد حسن فإن كان) ذلك (محفوظًا) عن عائشة، (فكأنها رجعت عن الإنكار لما ثبت عندها من رواية هؤلاء الصحابة) الذين رووا القصة وهم فصحاء عارفون بمواقع الكلام كيف وهم عمرو بن مسعود وعبد اللَّه بن سيلان بكسر المهملة وسكون التحتية أخرج أحاديثهم الطبراني وأبو طلحة وابن عمر أخرجهما البخاري وغيره؛ (لكونها لم تشهد القصة) وهؤلاء شهدوها إلا ابن عمر وابن سيلان، فأمَّا ابن عمر فاستصغر يوم بدر كما في الصحيح. وأمَّا ابن سيلان فلم يذكر فيمن شهدوها فأرسلا ذلك عن غيرهما ومرسل الصحابي حكمه الوصل وهو حج كما تقرّر وهذا كما هو ظاهر إنما هو على رواية الصحيح عن عائشة أن ٣٠٩ باب غزوة بدر الکبری وقال الإسلمعيلي: كان عند عائشة رضي الله عنها من الفهم والذكاء وكثرة الرواية والغوص على غوامض العلم ما لا مزيد عليه، لكن لا سبيل إلى رد رواية الثقة إلا بنص مثله، يدل على نسخه أو تخصيصه أو استحالته، فكيف والجمع بين الذي أنكرته وأثبته غيرها ممكن، لأن قوله تعالى: ﴿إِنك لا تسمع الموتى﴾ لا ينافي قوله عَّهِ إنهم الآن يسمعون، لأن الإسماع هو إبلاغ الصوت من المسمع في أذن السامع، فالله تعالى هو الذي أسمعهم بأن أبلغهم صوت النبي عَّهُ بذلك. وأما جوابها بأنه إنما قال: إنهم ليعلمون، فإن كانت سمعت ذلك فلا ينافي رواية يسمعون بل يؤيدها. المصطفى إنما قال: ((إنهم الآن ليعلمون))، أمَّا على ما قدّمه المصنف أنها تأوّلت إنما أراد النبيّ الخ، فلا يتأتّى هذا فإن نفي الإرادة لا ينافي أنه قاله بل التأويل فرع الثبوت، اللَّهمّ إلاَّ أن يكون المراد أنها رجعت عن إنكارها بقاء اللفظ على ظاهره، وأن تأويله واجب وأبقته على ظاهره والمحوج لهذا التعشّف عدول المصنف عن رواية الصحيح عنها إلى عبارة اليعمري كما مرّ، ثم أفتى بكلام الحافظ في شرح الصحيح. (وقال الإسمعيلي: كان عند عائشة رضي اللَّه عنها من الفهم والذكاء) سرعة الفطنة؛ كما في القاموس (وكثرة الرواية والغوص على غوامض العلم ما لا مزيد عليه) أتى بذلك تأدًّا وتمهيدًا للاستدراك لئلاّ يتوهّم غبي منه أنه لم يعرف مقامها، (لكن لا سبيل) طريق (إلى ردّ رواية الثقة إلا بنصّ مثله) في كونه رواية عن الثقة أيضًا (يدلّ على نسخه أو تخصيصه) ويصار لهما بالرواية (أو استحالته) عطف على بنصّ أو على نسخه والأول أقرب وتدرك بالعقل والثلاثة منتفي هنا، (فكيف) يصار إلى إنكارها مع انتفاء الثلاثة، (والجمع بين الذي أنكرته وأثبته غيرها ممكن؛) وذلك (لأن قوله تعالى: ﴿إِنك لا تسمع الموتى﴾ لا ينافي قوله عَ ◌ّ: ((إنهم الآن يسمعون لأن الإسماع هو إبلاغ الصوت من المسمع في أذن السامع، فاللَّه تعالى هو الذي أسمعهم بأن أبلغهم صوت النبيّ عَّهِ بذلك،) ولم يسمعهم المصطفى فحصل التوفيق بين الآية والحديث. (وأمَّا جوابها بأنه إنما قال: ((إنهم ليعلمون))، فإن كانت) بنته على فهمها الآية فقد علمت أن لا تنافي، وإن كانت (سمعت ذلك) من النبيّ عٍَّ بعد ذلك أو من غيره لأنا لم تشهد القصّة، (فلا تنافي رواية: ((يسمعون))،) إذ العلم لا يمنع السماع (بل تؤيّدها؛) لأن علم المخاطب في العادة إنما يكون بما يسمعه. ٣١٠ باب غزوة بدر الكبرى وقال السهيلي ما محصله: إن في نفس الخبر ما يدل على خرق العادة بذلك لنبيه معَّ ◌ُله لقول الصحابة له: أتخاطب أقوامًا قد جيفوا؟! فأجابهم بما أجابهم. قال: وإذا جاز أن يكونوا في تلك الحالة عالمين جاز أن يكونوا سامعين، وذلك إما بآذان رؤوسهم إذا قلنا إن الروح تعاد إلى الجسد، أو إلى بعضه عند المسألة، وهو قول أكثر أهل السنة، وإما بآذان القلب أو الروح على مذهب من يقول بتوجه السؤال على الروح من غير رجوع إلى الجسد أو بعضه. (وقال السهيلي ما محصّله: أن في نفس الخبر ما يدلّ على خرق العادة بذلك) من اللَّه (لنبيّه عَّ لقول الصحابة له) كما رواه مسلم في حديث أنس عن عمر: (أتخاطب أقوامًا قد جيفوا) بفتح الجيم وشدّ الياء، أي صاروا جيفًا منتنين كما تفيده النهاية وغيرها وضبطه شيخنا في النسخ الصحيحة خلاف ما في بعضها من ضبطه بالبناء للمجهول، فإنه أمر بالضرب عليه وأثبت فتح الجيم كما قلنا (فأجابهم بما أجابهم) أجمله ليأتي على كل الروايات فيما أجابهم به، وإلى هنا ما تصرّف فيه على السهيلي، ولذا احتاج أن يقول ما محصّله: ولفظه في الروض: عائشة لم تحضر وغيرها ممن أحضر أحفظ للفظة معَّه، وقد قالوا له: يا رسول اللَّه! أتخاطب أقوامًا قد جيفوا؟ فقال: ((ما أنتم بأسمع لما أقول منهم))، و(قال) السهيلي تلو هذا ما لفظه: (وإذا جاز أن يكونوا في تلك الحالة عالمين) كما أثبتته عائشة (جاز أن يكونوا سامعين) كما أثبته عمر وابنه وأبو طلحة وغيرهم إذ لا فرق وأيضًا فالعلم لا يمنع السماع كما قال البيهقي، (وذلك إما بآذان رؤوسهم) على قول الأكثر، وأما بآذان قلوبهم هذا ما نقله الحافظ عن محصل كلام السهيلي وتبعه المصنف في الشرح والشامي ولم ينقلوا ما زاده هنا عنه بقوله: (إذا قلنا أن الروح تعاد إلى الجسد) كلّه (أو إلى بعضه عند المسألة وهو قول أكثر أهل السنّة. وأمَّا بآذان القلب أو الروح على مذهب من يقول بتوجّه السؤال على الروح من غير رجوع إلى الجسد أو بعضه،) ولعلّهم حذفوه من كلامه لإشكاله لأنه إذا قيل: لا تعاد الروح لشىء من الجسد لزم أن لا يكون السماع بإذن القلب، فالمناسب أن يقول: أما بآذان رؤوسهم أو قلوبهم إذا قلنا ... الخ، اللَّهمّ إلاَّ أن يكون لم يرد بالقلوب الشكل الصنوبري بل الأحوال القائمة به فيحصل بها الإدراك كما قال غير واحد في معنى القلب. وفي الفتح قال السهيلي: وقد تمسك بهذا الحديث من قال السؤال يتوجه على الروح والبدن وردّه من قال: إنما يتوجّه على الروح فقط بأن الأسماع لأذن الرأس لا لأذن القلب، فلم يبقَ فيه حجة. قلت: إذا كان الذي وقع حينئذ من خوارق العادة للنبيّ عَّه لم يحسن التمسّك به في مسألة السؤال أصلاً، انتهى. ٣١١ باب غزوة بدر الكبرى قال: وقد روي عن عاشة رضي الله عنها أنها احتجت بقوله تعالى: ﴿وما أنت بمسمع من في القبور إن أنت إلا نذير﴾ [فاطر/٢٢] وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي﴾ [الزخرف/٤٠] أي إن الله هو الذي يهدي ويوفق ويوصل الموعظة إلى آذان القلوب لا أنت. وجعل الكفار أمواتًا وصمًا على جهة التشبيه بالأموات وهم أحياء وبالصم، فالله هو الذي يسمعهم على الحقيقة إذا شار، لا نبيه ولا أحد، فإذًا لا تعلق بالآية من وجهين: أحدهما: أنها إنما نزلت في دعاء الكفار إلى الإيمان. والثاني: أنه إنما نفى عن نبيه أن يكون هو المسمع لهم، وصدق الله فإنه لا يسمعهم إذا شاء إلا هو، يفعل ما يشاء وهو على كل شىء قدير. (قال) السهيلي: (وقد روي عن عائشة رضي الله عنها أنها احتجت بقوله تعالى: ﴿وما أنت بمسمع من في القبور إن أنت إلا نذير﴾،) وفي الصحيح أنها احتجّت أيضًا بقوله: ﴿إنك لا تسمع الموتى﴾، (و)لا حجة فيه؛ لأن (هذه الآية كقوله تعالى: ﴿أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي﴾، أي أن اللَّه هو الذي يهدي ويوفق ويوصل الموعظة إلى آذان القلوب لا أنت،) وإن أوصلتها إلى آذان الرؤوس، (وجعل الكفار أمواتًا) في (إنك لا تسمع الموتى﴾ صريحًا، و﴿أنت بمسمع من في القبور﴾ استلزامًا (وصمًا) في ﴿أفأنت تسمع الصم﴾، (على جهة التشبيه بالأموات وهم أحياء، وبالصمّ فاللَّه هو الذي يسمعهم على الحقيقة إذا شار لا نبيّه ولا أحد، فإذا لا تعلّق بالآية من وجهين، أحدهما: أنها إنما أنزلت) أي: وردت (في دعاء الكفّار إلى الإيمان) فهو مجاز (والثاني) لو حملت على الحقيقة لم يكن فيها معارضة وذلك (أنه إنما نفى عن نبيّه أن يكون هو المسمع لهم وصدق اللَّه فإنه لا يسمعهم إذا شاء إلا هو يفعل ما يشاء وهو على كل شىء قدير،) إلى هنا انتهى كلام السهيلي؛ كما يعلم من رؤية روضه لا كما زعمه من قال الفصل بأي في قوله: أي إن اللَّه .. الخ، مشعر بأنه ليس من كلامه بل هو كلّه كلامه، وأتى بأي ليفسّر المراد بالآية، وهذا ظاهر جدًا، يعني: فحمل الحديث على أنه أسمعهم كلام نبيّه عَِّ لا ينافي الآية. وفي فتح الباري اختلف أهل التأويل في المراد بالموتى وبمن في القبور، فحملته عائشة على الحقيقة وجعلته أصلاً احتاجت معه إلى تأويل الحديث، وهذا قول الأكثر. وقيل: هو مجاز والمراد بالموتى وبمن في القبور: الكفّار، شيّهوا بالموتى وهم أحياء، والمعنى: من هم في حال ٣١٢ باب غزوة بدر الكبرى ولقد أحسن العلامة بن جابر حيث قال: كواكب في أفق الكواكب تنجلي بدا يوم بدر وهو كالبدر حوله فلم تغن أعداد العدو المخذل وجبريل في جند الملائِكِ دونه رمى بالحصى في أوجه القوم رمية فشردهم مثل النعام بمجهل الموتى أو في حال من سكنوا القبور، وعلى هذا لا يبقى في الآية دليل على ما نفته عائشة، واللَّه أعلم. (ولقد أحسن العلاّمة) أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عليّ (بن جابر) فنسبه لجدّ أبيه لاشتهاره به الأندلسي الأعمى صاحب شرح الألفية الشهير بالأعمى والبصير، (حيث قال: بدا) ظهر عَّ (يوم بدر، وهو كالبدر) الواو للحال (حوله، كواكب) رجال كالكواكب في الظهور والإشراق تشبيه بليغ بحذف الأداة أو استعارة (في أفق) بسكون الفاء على إحدى اللغتين للوزن، أي: في ناحية (الكواكب) أو فيما يظهر من نواحي الفلك التي هي مطلع الكواكب ومظهرها، أو في مهب الرياح. ففي القاموس: الأفق بضمة وبضمّتين الناحية جمعه آفاق أو ما ظهر من نواحي الفلك، أو هي مهب الجنوب والشمال والدبور والصبا، انتهى. وفي نسخ المواكب بميم، وكذا أنشده الشامي، وقال: جمع موكب، أي: بكسر الكاف وهو جماعة ركاب يسيرون برفق وهم أيضًا القوم الركاب للزينة والتنزّه، (تنجلي) تظهر وتتميّز عن غيرها (وجبريل في جند) أعوان وأنصار (الملائك) من إضافة الأعمّ إلى الأخصّ: أي: جندهم الملائك جمع ملك ويجمع أيضًا على ملائكة، (دونه) أي: أمامه عَّهِ، وفرع على ما أثبته له ولصحبه من كثرة الملائك المناصرين له قوله: (فلم تغن) بالفوقية (أعداد) بفتح الهمزة جمع عدد، أي: كثرة (العدق) أي: الأعداء. ففي القاموس: العدوّ ضدّ الصديق للواحد والجمع، ويحتمل قراءة يغن بتحتية وكسر همزة إعداد مصدر أعدّ الشىء هيّأه، أي: لم تعنٍ تهيئة العدوّ والسلاح وغيره شيئًا (المخذل) اسم مفعول من خذله تخديلاً إذا حمله على الفشل وترك القتال؛ كما في المصباح، يعني: إن شدّة المسلمين وقوّتهم في أعينهم حملتهم على ذلك حتى انهزموا وتمكن المسلمون من قتلهم وأسرهم، (رمى بالحصى في أوجه القوم رمية، فشرّدهم) طردهم وبدّد جمعهم، وفي حديث عمر عند الطبراني: لما كان يوم بدر وانهزمت قريش نظرت إلى رسول اللَّه عَّله في آثارهم مصلتًا بالسيف، يقول: ﴿سيهزم الجمع ويولّون الدبر﴾ ﴿ورماهم فوسعتهم الرمية وملأت أعینھم﴾ - [البقرة: ٤٥] الآية، حتى إن الرجل ليقتل وهو يقذى عينيه وفاه (مثل النعام) حال كونه (بمجهل) بفتح الميم والهاء بينهما جيم ساكنة، قال القاموس: أرض مجهل كمقعد لا يهتدى فيها ولا يثنى ٣١٣ باب غزوة بدر الکبری وجاد لهم بالمشرفي فسلموا فجادله بالنفس كل مجندل حديثهم في ذلك اليوم من علي عبيدة سل عنهم وحمزة واستمع فذاق الوليد الموت ليس له ولي هم عتبوا بالسيف عتبة إذ غدا وشيبة لما شاب خوفًا تبادرت إليه العوالي بالخضاب المعجل وجال أبو جهل. ولا یجمع، انتھی. وأمَّا قوله: إنا لنصفح عن مجاهل قومنا، فمعناه زلاتهم الحاملة لنا على الجهل وهو جمع مجهل ما يحمل على الجهل وزعم ابن سيدة أنه اسم للأرض ورد بأنه لا يصح إذ لا يتأتى الصفح عن الأراضي إلاّ بتعسف. وفي نسخة المجفل بشدّ الفاء، أي: المبالغ في طرده وله ما يهتدي إليه، وفي أخرى بمجفل بفاء ساكنة دون أل، أي: بمحلّ يطرد منه والأولى أبلغ في المقام، (وجادلهم) من المجادلة خاصمهم وضاربهم، أو من الجود تهكمًا، أي: سمح لهم (بالمشرفي) بفتح الميم والراء: السيف نسبة لمشارف بالفاء، وهي كما في الصحاح وغيره: قرية من أرض العرب تدنو من الريف (فسلموا، فجاد) سمح (له بالنفس) وسلم فيها قهرًا عليه، (كل مجندل) مصروع مطروح على الأرض، ولم يقل متجدل للوزن. وفي نسخ: كل مجدل بشد الدال، وهي أولى. ففي المصباح: جدلته تجديلاً ألقيته إلى الجدالة وطعنه فجدله، (عبيدة) بضمّ أوّله ابن الحرث المطلبي، (سلَّ عنهم و) سلّ (حمزة) الهاشميّ (واستمع، حديثهم في ذلك اليوم من عليّ) بن أبي طالب، وخصّهم لأنهم الذين برزوا لعتبة وشيبة والوليد الذين طلبوا المبارزة وأظهروا من أنفسهم الشدّة، وخصّ عليًّا بالاستماع منه؛ لأنه عاش وروى الحديث بعد موت النبيّ عَّ بخلاف عبيدة، فاستشهد يومئذ، وحمزة ثاني عام، وزعم أنه على القدر وهو المصطفى خلاف الظاهر المتبادر بل يأباه قوله: (هم عتبوا) بفوقية مخفّفًا ومشدّدًا للمبالغة، أي: ضربوا (بالسيف عتبة) بن ربيعة وهو مجاز عن اللّوم أو مضمّن معنى القطع، (إذ غدا) أتى مبادرًا لطب البراز (فذاق) هو وابنه (الوليد الموت ليس له ولي) ناصر (وشيبه لما شاب) رأسه ولحيته (خوفًا) من الخوف، كناية عن الحزن الذي أصابه بحيث حصل منه الشيب في غير أوان، (تبادرت، إليه العوالي) جمع عالية، وهي السنان من القنا (بالخضاب المعجل) المنساق سريعًا، والمعنى: أنهم أسالوا دمه بالرماح فشبّهه بخضاب الحنّاء، واستعار له اسمه تهكّمًا، (وجال) دار في مكان الحرب يظهر شدّته، (أبو جهل) ، فكان يقول في جولاته: ما تنقم الحرب العوان مني بازل عامين حديث سنّي ٣١٤ باب غزوة بدر الكبرى فحقق جهله غداة تردى بالردى عن تذلل وأضحى قليبًا في القليب وقومه يؤمونه فيه إلى شر منهل وجاءهم خير الأنام موبخًا ففتح من أسماعهم كل مقفل ولكنهم لا يهتدون لمقول وأخبر ما أنتم بأسمع منهم سلا عنهم يوم السلا إذا تضاحكوا فعاد بكاء عاجلاً لم يؤجل ألم يعلموا علم اليقين بصدقه ولكنهم لا يرجعون لمعقل كما مرّ. (فحقّق جهله،) فعمل بمقتضاه فقتله اللّه شرّ قتلة، (غداة) حين (تردّى بالردى) الهلاك شبهه بالرداء فأثبت له ما هو من لوازمه، فقال: تردّى، أي: تسربل (عن تذلّل) هوان وحقارة (وأضحى قليبًا) أي: صار ملقى (في القليب) حين جرّ وطرح فيه (وقومه، يؤمونه) يقصدونه (فيه) ويسيرون به (إلى شرّ منهل) مورد وهو عين ماء ترده الإبل في المراعي عبّر به عن النار التي وردوها تهكّمًا واستهزاء، (وجاءهم خير الأنام) عَّة. (موبّخًا،) لائمًا لهم حيث وقف وناداهم بأسمائهم وأسماء آبائهم، وقال: ((يا أهل القليب! بئس عشيرة النبيّ كنتم لنبيّكم))، إلى آخر ما مرّ. (ففتح من أسماعهم كل مقفل) مغلق من قولهم أقفلته إقفالاً فهو مقفل، يعني: أنهم كانوا في غفلة وإعراض لما عليها من الختم المانع من حلول الحقّ فيها وأزيل بعد الموت، فعلموا الحق عيانًا؛ كما أرشد لذلك عَّه قوله: ((فهل وجدتم ما وعد ربكم حقًّا))، فوصل خطابه إلى أسماعهم على أكمل حالات السماع. (وأخبر) عليه السلام من سأله مستفهمًا كيف تكلّم أجسادًا لا أرواح فيها، بقوله: (ما أنتم بأسمع) لما أقول (منهم،) بل هم أسمع أو مساوون، على ما مرّ، (ولكنّهم لا يهتدون لمقول) كمنبر، أي: لقول الجواب إذ هو إشارة لقوله عليه السلام: «غير أنهم لا يستطيعون أن يردّوا شيقاء، (سلا عه) فعل أى مت عل عادة الشعراء من فرض اثنين يخاطبونها (يوم) وضع (السلا) بفتح المهملة مقصور: وعاء جنين البهيمة بين كتني لية وهو ساجد في صلاته عند الكعبة بإشارة عدوّ اللَّه أبي جهل (إذ مضاحكوا بى عال بعضهم عى بيض من الضحك، وثبت عليه السلام ساجدًا حتى ألقته عنه فاطمة الزهراء (فاد) ضحكهم (بكاء عاجلاً لم يؤجز) بيركة دعائه : ((اللهم عليك بقريش)) ثلاث مرات وغيره ذلك، وقد مر شرح القصّة مبسوطًا في أوائل المبعث، (ألم يعلموا) استفهام تقريري، أي: قد علموا الآن (علم اليقين) ما يتيقّن (بصدقه، ولكنهم لا يرجعون) لا يتمكّنون من الرجوع، (لمعقل) ملجأ يخلّصهم مما أصابهم، والمعنى: قد علموا صدقه فيما مضى علم اليقين بما شاهدوه من الآيات البينات الشاهدات ٣١٥ باب غزوة بدر الکبری فيا خير خلق الله جاهك ملجئي وحبك ذخري في الحساب وموثلي عليك صلاة يشكل الآل عرفها وأصحابك الأخيار أهل التفضل وحكى العلامة بن مرزوق أن ابن عمر رضي الله عنهما مر مرة ببدر فإذا رجل يعذب ويئن، فلما اجتاز به ناداه: يا عبد الله، قال ابن عمر، فلا أدري أعرف اسمي أم كما يقول الرجل لمن يجهل اسمه يا عبد الله، فالتفت إليه، فقال: اسقني، فأردت أن أفعل، فقال الأسود الموكل بتعذيبه: لا تفعل يا عبد الله، فإن هذا من المشركين الذين قتلهم رسول الله عَّه بيدر. ورواه الطبراني في الأوسط. بصدقه؛ كما في شعر أبي طالب: لقد علموا أن ابننا لا مكذّب يقينًا ولا يعزى لقول الأباطل ولكنهم لم يرعووا وفعلوا ما فعلوا لعدم رجوعهم لملجأ يهتدون بما، وإنّما اتّبعوا الفخر والكبر. (فيا خير خلق اللَّه جاهك ملجئي، وحبك ذخري) بضم الذال اعتمادى (في) يوم (الحساب وموثلى) مرجعى (عليك صلاة يشمل الآل عرفها) رائحتها الذكيّة، (و) يشمل (أصحابك الأخيار أهل التفضّل) بالنفس والمال. (وحكى العلاّمة) محمّد بن محمّد (بن مرزوق) التلمساني المتوفي في ربيع الأول سنة إحدى وثمانين وسبعمائة بمصر، ودفن بين ابن القسم وأشهب مرّ بعض ترجمته أوائل الكتاب، (أن ابن عمر) عبد اللّه (رضي اللَّه عنهما مر مرة ببدر فإذا رجل يعذب ويئنّ) من وجع العذاب (فلمَّا اجتاز به ناداه: يا عبد اللَّه! قال ابن عمر: فلا أدري أعرف اسمي أم كما يقول الرجل لمن يجهل اسمه يا عبد اللَّه))) على عادة العرب نظرًا إلى المعنى الحقيقي؛ لأن الجميع عبيد اللَّه، (فالتفت إليه، فقال: اسقني فأردت أن أفعل) أي: اسقيه، (فقال: الأسود) ولم يقل الملك (الموكل بتعذيبه) لاحتمال أنه لم يعلم بأنه ملك؛ لأنه إنما رأى شخصًا فيجوز أنه عبد سلّط عليه أو حيوان على صورته أو علم إنه ملك، ولكن عبّر بالأسود تفظيعًا له، (لا تفعل) لا تسقه (فإن هذا من المشركين الذين قتلهم رسول اللّه عَّ ببدر) هو أبو جهل، فإن هذا الذي حكاه ابن مرزوق قد رواه الطبراني وابن أبي الدنيا وابن منده وغيرهم، عن ابن عمر قال: بينما أنا سائر بجنبات بدر إذ خرج رجل من حفرة في عنقه سلسله فناداني: ((يا عبد اللَّه! اسقني))، فلا أدري أعرف اسمي أو دعاني بدعاية العرب، وخرج رجل من تلك الحفرة في يده سوط، فناداني: يا عبد اللَّه، لا تسقه فإنه كافر، ثم ضربه بالسوط فعاد إلى حفرته؛ فأتيت النبيّ عَُِّّ مسرعًا فأخبرته بذلك، فقال لي: ((قد رأيته))؟ قلت: نعم، قال: ((ذاك عدوّ اللَّه أبو جهل، وذاك عذابه إلى يوم القيامة)). ٣١٦ باب غزوة بدر الكبرى قال: ومن آيات بدر الباقية، ما كنت أسمعه من غير واحد من الحجاج أنهم إذا اجتازوا بذلك الموضع يسمعون هيئة الطبل طبل ملوك الوقت، ويرون أن ذلك لنصر أهل الإيمان، قال: وربما أنكرت ذلك، وربما تأولته بأنه الموضع لعله صلب فتستجيب فيه حوافر الدواب، وكان يقال لي: إنه دهس رمل غير صلب، وغالب ما يسير هناك الإبل وأخفافها لا تصوت في الأرض الصلبة، فكيف بالرمال؟ قال ثم لما منَّ الله عليه بالوصول إلى ذلك الموضع المشرف، نزلت عن الراحلة أمشي وبيدي عود طويل من شجر السعدان المسمى بأم غيلان، وروى ابن أبي الدنيا عن الشعبي: أن رجلاً قال للنبيّ عَ له: إني مررت ببدر فرأيت رجلاً يخرج من الأرض فيضربه رجل بمقمعة معه حتى يغيب في الأرض ثم يخرج، فيفعل به مثل ذلك ففعل ذلك مرارًا، فقال عَّه: ((ذاك أبو جهل بن هشام يعذّب إلى يوم القيامة))، كذلك والرجل الذي أبهمه الشعبي، الظاهر أنه ابن عمر ويحتمل أنه غيره فيكون الرائي لأبي جهل تعدّد. (قال) أي: ابن مرزوق في شرح البردة: (ومن آيات بدر) أضافها إليها لترتّبها على غزوتها فهي لأدنى ملابسة (الباقية) على مدى الأزمان، وبه صرح الإمام المرجاني، فقال: وضربت طبل خانة النصر ببدر فهي تضرب إلى يوم القيامة، ونقله الشريف في تاريخيه وأقرّه، والشامي وأقرّه (ما كنت أسمعه من غير واحد من الحجاج أنهم إذا اجتازوا بذلك الموضع) أي: بدر، (يسمعون هيئة الطبل طبل ملوك الوقت ويرود) يعتقدون (أن ذلك لنصر أهل الإيمان، قال: وربما أنكرت ذلك وربما تأولته بأن الموضع صلب) بضمّ فسكون، أي: شديد لا سهولة فيه (فتستجيب) تجيب (فيه حوافر الدواب) أي: تقابل بصوت يشبه تصويتها في الأرض وهو الصدى الذي يجيب بمثل الصوت في الجبال وغيرها، (وكان يقال لي: إنه دهس) بمهملتين: سهل ليس برمل ولا تراب ولا طين؛ كما في الصحاح والقاموس. زاد في نسخة: (رمل) أي: أنه للينه يشبه المكان الذي به الرمل أو استعمل دهس في مجرّد كون الأرض لينة لا تقتضي سماع الصوت، فقال: رمل (غير صلب) صفة كاشفة، (وغالب ما يسير هناك الإبل وأخفافها لا تصوت في الأرض الصلبة فكيف بالرمال) فانتفى تأويلك (قال: ثم لما منّ اللَّه عليَّ بالوصول إلى ذلك الموضع المشرق) المضيء (نزلت عن الراحلة أمشي وبيدي عود طويل من شجر السعدان) بفتح المهملة، قال في القاموس: نبت من أفضل مراعي الإبل ومنه مرعى ولا كالسعدان وله شوك يشبه حلمة الثدي (المسمّى بِأُمّ غيلان) بكسر المعجمة ولعلّه عند العوام فلا ينافي ما رأيت عن القاموس، وفيه أيضًا: وأمّ غيلان من شجر ٣١٧ باب غزوة بدر الکبری وقد نسيت ذلك الخبر كنت أسمع، فما راعني وأنا أسير في الهاجرة إلا واحد من عبيد الأعراب الجمالين يقول: أتسمعون الطبل، فأخذتني - لما سمعت كلامه - قشعريرة بينة وتذكرت ما كنت أُخبرت به، وكان في الجو بعض ريح، فسمعت صوت الطبل، وأنا دهش مما أصابني من الفرح أو الهيبة، أو ما الله أعلم به، فشككت، وقلت: لعل الريح سكنت في هذا العود الذي في يدي أوجدت مثل هذا الصوت، وأنا حريص على طلب التحقيق لهذه الآية العظيمة، فألقيت العود من يدي، وجلست على الأرض، أو وثبت قائمًا، أو فعلت جميع ذلك، فسمعت صوت الطبل سماعًا محققًا، أو صوتًا لا أشك فيه أنه صوت طبل، وذلك من ناحية اليمين ونحن سائرون إلى مكة المشرفة، ثم نزلنا إلى بدر، فظللت أسمع ذلك الصوت يومي أجمع، المرة بعد المرة. قال: ولقد أخبرت أن ذلك الصوت لا يسمعه جميع الناس انتهى. السمر، (وقد نسيت ذلك الخبر الذي كنت أسمع فما راعني وأنا أسير في الهاجرة) شدّة الحرّ (إلاَّ واحد) فاعل راعني؛ لأن الاستثناء مفرغ (من عبيد الأعراب الجمالين،) وفي نسخة: إلا وواحد، بواوين لكن الفاعل لا يقترن بالواو فإن صحت ففيه حذف، أي: إلا أمر عرض لي وواحد، فالعطف تفسيري أو خبر مبتدأ محذوف، أي: وهو واحد أو مبتدأ أخبره (يقول: أتسمعون الطبل فأخذتني لمًّا) حين (سمعت) أو اللام للتعليل، أي: لسماعي (كلامه قشعريرة) بضمّ القاف وفتح الشين (بينّة) قوية لا تلبس بغيرها (وتذكرت ما كنت أخبرت به وكان في الجو بعض ريح، فسمعت صوت الطبل وأنا دهش) متحيّر (مما أصابني من الفرح أو الهيبة، أو ما اللَّه أعلم به) يعني حصل له حالة لم يتحقّق ما هي حتى يعبّر عنها، (فشككت وقلت لعلّ الريح سكنت في هذا العود الذي في يدي أوجدت مثل هذا الصوت، وأنا حريص على طلب التحقيق لهذه الآية العظيمة، فألقيت العود من يدي وجلست على الأرض، أو وثبت قائمًا أو فعلت جميع ذلك) شكّ فيما حصل له حين أخبر، (فسمعت صوت الطبل سماعًا محقّقًا أو صوتًا لا أشك فيه أنه صوت طبل وذلك من ناحية اليمن ونحن سائرون إلى مكّة المشرفة ثم نزلنا بدر إلى فظللت) بكسر اللام الأولى وإسكان الثالثة، (أسمع ذلك الصوت يومي أجمع) بالنصب تأكيد ليومي، (المرّة بعد المرّة) بالنصب على الحال، أي: متتابعًا جميع يومه من ابتداء سماعه من الهاجرة فاستعمل اليوم في بقيّته مجازًا، (قال: ولقد أخبرت أن ذلك الصوت لا يسمعه جميع الناس، انتهى) كلام ابن مرزوق. قال صاحب الخميس: ولمّا نزلت بدرًا سنة ستّ وثلاثين وتسعمائة، وصلّيت الفجر يوم ٣١٨ باب غزوة بدر الكبرى وروى الطبراني من حديث أبي اليسر، أنه أسر العباس، وقيل للعباس - وكان جسيمًا - كيف أسرك أبو اليسر وهو دميم، ولو شئت لجعلته في كفك، فقال: ما هو إلا أن لقيته فظهر في عيني كالخدمة - الأربعاء أوائل شعبان، وأقمنا يومًا، ابتكرت نحوذ لك الصوت يجيء من كثيب ضخم طويل مرتفع كالجبل شمالي بدر، فطلعت أعلاه وتتابع الناس لسماعه، وكانوا زهاء مائةً من رجال ونساء، فما سمعت شيئًا؛ فنزلت أسفله فسمعت من سفح الكثيب صوتًا كهيئة الطبل الكبير سماعًا محقّقًا بلا شكّ مرارًا متعدّدة وسمعه الناس كلّهم؛ كما سمعت، وكان الصوت يجيء تارة من تحتنا ثم ينقطع، وتارة من خلفنا ثم ينقطع، وتارة قدّامنا، وتارة من شمالنا، فسمعناه سماعًا محقّقًا و کان الوقت صحوا رائفًا لا ريح فیه، انتهى. ولما ذكر ما أراد من الغزوة، شرع في ذكر الأسارى، فقال: (وروى الطبراني) والبزار (من حديث أبي اليسر) بفتح التحتية والسين المهملة وبالراء كعب بن عمرو الأنصاري السلمي بفتحتين مشهور باسمه وكنيته، شهد العقبة وبدرًا والمشاهد، ومات سنة خمس وخمسين بالمدينة. وقول ابن إسحق كان آخر من مات من الصحابة كأنه يعني أهل بدر؛ كما في الإصابة. (أنه أسر العباس) بن عبد المطّلب رضي الله عنه. أخرج ابن إسحق عن ابن عباس: أنه عَّه قال: (إني عرفت أن رجالاً من بني هاشم وغيرهم قد أخرجوا كرهًا لا حاجة لهم بقتالنا فمن لقى منكم أحدًا من بني هاشم فلا يقتله، ومن لقى أبا البختري فلا يقتله ومن لقى العباس بن عبد المطّلب فلا يقتله، فإنما خرج مستكرهًا)). فقال أبو حذيفة بن عتبة: أنقتل آباءنا وإخواننا وعشيرتنا ونترك العباس، واللَّه لئن لقيته لألجمتّه السيف فبلغه عَّهِ، فقال لعمر: ((يا أبا حفص))، قال عمر: واللهِ إنّه لأوّل يوم كناني فيه بأبي حفص أيضرب وجه عمّ رسول اللَّه بالسيف، فقال عمر: يا رسول اللّه! دعني فلا ضرب عنقه بالسيف، فوالله لقد نافق فكان أبو حذيفة يقول: ما أنا بآمن من تلك الكلمة التي قلتها يومئذ، ولا أزال منها خائفًا إلاَّ أن تكفرها عني الشهادة، فاستشهد يوم اليمامة رضي الله عنه. (وقيل للعباس وكان جسيمًا) جميلاً وسيمًا أبيض له ضفيرتان معتدلاً، وقيل: طويلاً والقائل ابنه. ففي رواية الطبراني وأبي نعيم عن ابن عباس، قال: قلت لأبي (كيف أسرك أبو اليسر وهو دميم،) بدال مهملة قبيح المنظر صغير الجسم، (ولو شئت) أن تجعله في كفّك، (لجعلته في كفّك) فالمفعول محذوف دلّ عليه الجواب. وفي رواية البزار: ولو أخذته بكفك لوسعته، (فقال:) زاد البزار: يا بني، لا تقل ذلك، (ما هو إلا أن لقيته فظهر في عيني) بالتثنية أو الإفراد مرادًا به الجنس، (كالخدمة،) وفي رواية ٣١٩ باب غزوة بدر الكبرى وهي بالخاء المعجمة - جبل من جبال مكة، قاله في القاموس. ولما ولي عمر بن الخطاب رضي الله عنه وثاق الأسرى شد وثاق العباس، فسمعه النبي عليه وهو يئن فلم يأخذه النوم، فبلغ الأنصار، فأطلقوا العباس، فكأن الأنصار فهموا رضى رسول الله عَّهِ بفك وثاقه، وسألوه أبي نعيم: لقيني وهو في عيني أعظم من الخدمة، وهذا قاله جوابًا لسائله: كيف أُسرك مع صغره وضعفه عنك جدًا، وفي السياق إشعار بأنه بعد معرفة أبي اليسر؛ لأن السائل له ابنه ولم يشهد بدرًا فلا تعارض بينه وبين ما في مسند أحمد في حديث طويل عن عليّ، فجاء رجل من الأنصار بالعباس أسيرًا، فقال العباس: إن هذا واللَّه ما أسرني، لقد أسرني رجل أجلح من أحسن الناس وجهًا على فرسٍ أبلق ما أراه في القوم، فقال الأنصاري: أنا أسرته يا رسول اللَّه، فقال (اسكت فقد أيدك اللَّه بملك كريم))؛ لأن هذا قاله أوّل ما رأى أبا اليسر بصورة خلقته، فنفى أن يكون أسره لأنه إنما رأى وقت الأسر الصورة التي وصفها في الملك، وفي أبي اليسر كالخندمة، ولذا قال له المصطفى عٍَّ: ((اسكت)) إلى آخره، إشارة إلى أنه لم يستقل بأسره، وقوله: أنا أسرته ردّ لإنكار أسره من أصله، فلا يعارض ما جاء أنه عَّ سأله كيف أسرته، فقال: ((قد أعانني اللّه عليه بملك كريم)). (وهي) أي: الخدمة (بالخاء المعجمة) المفتوحة والنون الساكنة والدال المهملة المفتوحة فميم فتاء تأنيث (جبل من جبال مكة) شرفها الله تعالى، (قاله في القاموس) والعيون وغيرهما، ويقع في نسخ من جبال تهامة بدل مكّة وهو وإن صح في نفسه؛ لأن مكة بعض تهامة غير صحيح للعزو فالذي في القاموس مكة لا تهامة، (ولما ولي عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه) كما روى ابن عائذ في المغازي من طريق مرسل أن عمر لما ولّى (وثاق) بالفتح والكسر: ما يوثق ويشدّ به، (الأسرى شدّ وثاق العباس) رجاء إسلامه وإلا فقد علم تغيّظ المصطفى ممن قال: لألجمتّه السيف، (فسمعه النبيّ عَلّه وهو يئنّ فلم يأخذه النوم فبلغ الأنصار) يحتمل من عمر (فأطلقوا العباس) كما جاء عن ابن عمر: لما كان يوم بدر جيء بالأسرى وفيهم العباس وعدّته الأنصار أن يقتلوه فبلغ رجل النبيّ عَّه، فقال: لم أتم الليلة من أجل عمّي العباس، وقد زعست الأنصار أنهم قاتلوه، قال عمر: أنآتيهم، قال: نعم، فأتاهم فقال: أرسلوا العباس، فقالوا: والله لا نرسله، فقال عمر: فإن كان لرسول اللَّه رضًا، قالوا: فإن كان لرسول اللَّه رضًا فخذه، فأخذه عمر فلما صارٍ في يده، قال له: يا عباس، أسلم فواللَّه لأن تسلم أحبّ إليّ من أن يسلم الخطاب، وما ذاك إلاَّ لَا رأيت رسول اللَّه عَلَّم يعجبه إسلامك، (فكأن الأنصار فهموا) بقرائن أو من تصريح عمر (رضا رسول اللَّه عَّ بفكّ وثاقه) ففكّوه، (وسألوه) أي: سأل بعض الأنصار ٣٢٠ باب غزوة بدر الکبری أن يتركوا له الفداء طلبًا لتمام رضاه فلم يجبهم. وفي حديث أنس عند الإمام أحمد: استشار عليه الصلاة والسلام الناس في الأسرى يوم بدر فقال: إن الله قد أمكنكم منهم، فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله، اضرب أعناقهم، المصطفى، والمذكور في الفتح عقب رواية ابن عائذ لفظه، فكان الأنصار لما فهموا رضا رسول اللَّهُ عَُّ بفكّ وثاقه سألوه، (أن يترك له الفداء طلبًا لتمام رضاه فلم يجبهم) كما أخرجه البخاري من حديث ابن شهاب: حدثنا أنس بن لملك أن رجالاً من الأنصار استأذنوا رسول اللَّه عَّهِ، فقالوا: ائذن لنا فلنترك لابن أختنا عباس فداءه، قال: والله لا تذرون منه درهمًا، قال الحافظ: وأم العباس ليست من الأنصار بل جدّته أُمّ عبد المطّلب هي الأنصارية فسموها أُخًا لكونها منهم، وعلى العباس ابنها لأنها جدّته وهي سلمى بنت عمر والخزرجيّة، قال: وإنما لم يجبهم؛ لأنه خشي أن يكون فيه محاباة لكونه عمّه لا لكونه قريبهم من النساء، وفيه أيضًا إشارة إلى أن القريب لا ينبغي له أن يتظاهر بما يؤذي قريبه، وإن كان في الباطن يكره ما يؤذيه، ففي ترك قبول ما تبرع له الأنصار به من الفداء تأديب لمن يقع منه مثل ذلك، انتهى. أو للتسوية بينهم حتى لا يبقى في نفوس أصحابه الذين لهم أقارب أسرى شىء بسبب مسامحته وأخذ الفداء منهم. (وفي حديث أنس عند الإمام أحمد استشار عليه الصّلاة والسّلام الناس في الأسرى يوم بدر،) أي: زمنه (فقال: إن الله قد أمكنكم) وفي نسخة: مكنكم وهما بمعنى (منهم) أسقط من رواية أحمد عن أنس: وإنما هم إخوانكم بالأمس، (فقام عمر) ظاهره أنه تكلّم قبل أبي بكر، وفي حديث عمر عند مسلم إن أبا بكر تكلّم قبل عمر، ولفظه: استشار النبيّ عَّ أبا بكر وعمر وعليّ، فقال أبو بكر: يا نبيّ اللَّه، هؤلاء بنو العمّ والعشيرة والإخوان، وإنى أرى أن تأخذ منهم الفدية، فيكون ما أخذناه منهم قوة لنا على الكفار، وعسى الله أن يهديهم فيكونوا لنا عضدًا، فقال: ما ترى يا عمر؟ قال: والله ما أرى ما رأى أبو بكر ... الحديث مطوّلاً. وأخرجه بنحوه أحمد والترمذي وغيرهما، عن ابن مسعود وابن مردويه عن ابن عباس. ويمكن الجمع بأنه عَّهِ استثار الناس عمومًا وخصوصًا. فلمَّا خصّ تكلم أبو بكر قبل عمر، ولمّا عمّ، بادر عمر في الجواب على عادته في الشدة في دين اللَّه تعالى، (فقال: يا رسول اللَّه، اضرب أعناقهم) أمر أو مضارع ويؤيّد الأوّل رواية مسلم والجماعة بلفظ: ما أرى ما رأى أبو بكر، ولكن أرى أن تمكنني من فلان قريب لعمر فاضرب عنه، وتمكّن عليًّا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من فلان أخيه فيضرب عنقه حتى يعلم اللَّه أنه ليس في قلوبنا مودّة للمشركين،