Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
باب غزوة بدر الکبری
فإن قلت: كيف جعل أبو بكر يأمره عليه السلام بالكف عن الإجتهاد في
الدعاء ويقوي رجاءه ويثبته، ومقام الرسول عَ لّم هو المقام الأحمد، ويقينه فوق
يقين كل أحد؟
أجاب السهيلي نقلاً عن شيخه: بأن الصديق في تلك الساعة كان في مقام
الرجاء، والنبي عَّه في مقام الخوف، لأن الله تعالى أن يفعل ما يشاء، فخاف أن
لا يعبد الله في الأرض، فخوفه ذلك عبادة انتهى.
وقال الخطابي: لا يتوهم أحد أن أبا بكر كان أوثق بربه من النبي عَّدٍ في
تلك الحالة، بل الحامل للنبي عَِّ على ذلك شفقته على أصحابه وتقوية قلوبهم،
فبالغ في التوجه والدعاء والابتهال لتسكن نفوسهم عند ذلك لأنهم كانوا يعلمون
أن وسيلته مستجابة، فلما قال له أبو بكر ما قال، كف عن ذلك وعلم أن استجيب
له لما وجد أبا بكر في نفسه من القوة
(فإن قلت: كيف جعل) أي: شرّع (أبو بكر يأمره عليه السّلام) يسأله أو يلتمس منه على
التسوية بين الأمر والدعاء والالتماس (بالكفّ عن الاجتهاد في الدعاء، ويقوّي رجاءه ويثبته،
ومقام الرسول عَّ هو المقام الأحمد) الذي لا يصل إليه أحد، ومقام الصدّيق رضي الله عنه
دونه بمراحل، فإنّه بعد النبيّين، ومقام النبيّ عَّه فوق الجميع. (ويقينه فوق يقين كل أحد، أجاب
السهيلي نقلاً عن شيخه) القاضي أبي بكر بن العربي الحافظ: (بأن الصدّيق في تلك الساعة
كان في مقام الرجاء) ثقة بوعد الله نبيّه (والنبيّ عَّه في مقام الخوف،) قال القاضي أبو بكر:
وكلا المقامين سواء في الفضل.
قال السهيلي: لا يريد، يعني شيخه، أن النبيّ عَّةٍ والصدّيق سواء، ولكن الخوف والرجاء
مقامان لا بدّ للإيمان منهما، فكان الصدّيق في مقام الرجاء والنبيّ عَّهِ في مقام الخوف من اللَّه؛
(لأن اللَّه تعالى أن يفعل ما شاء فخاف أن لا يعبد اللَّه في الأرض) بعدها (فخوفه ذلك عبادة،
انتهى.) ولا ريب أن خوفه أعلى من رجاء أبي بكر، (وقال الخطابي: لا يتوهّم) لفظه، لا يجوز
أن يتوهّم (أحد أن أبا بكر كان أوثق بربّه من النبيّ عَّله في تلك الحالة بل الحامل للنبيّ عَليه
على ذلك شفقته على أصحابه وتقوية قلوبهم، فبالغ في التوجّه) بأن أقبل بجملته على اللَّه
باطنًا، (والدعاء) الطلب باللسان (والابتهال) التضرّع والإخلاص في الدعاء، (لتسكن نفوسهم عند
ذلك؛ لأنهم كانوا يعلمون أن وسيلته مستجابة، فلما قال له أبو بكر ما قال كفّ عن ذلك)
الاجتهاد في الدعاء، (وعلم أنه استجيب له لما) حين (وجد أبا بكر في نفسه من القوّة

٢٨٢
باب غزوة بدر الكبرى
والطمأنينة، فلهذا عقبه بقوله: سيهزم الجمع ويولون الدبر.
وقال غيره: وكان النبي عَّه في تلك الحالة في مقام الخوف، وهو أكمل
حالات الصلاة، وجاز عنده أن لا يقع النصر يومئذ، لأن وعده بالنصر لم يكن
معينًا لتلك الواقعة، وإنما كان مجملاً. هذا هو الذي يظهر من بادىء الرأي.
وإنما قال عليه الصلاة والسلام: اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام
فلا تعبد بعد اليوم لأنه علم أنه خاتم النبيين، فلو هلك هو ومن معه حينئذٍ، لا
ببعث أحد ممن يدعو إلى الإيمان.
والطمأنينة). اللتين هما علامة بحسب العادة الربّانية مع المصطفى وصحبه على عدم ضررهم
وحصول مطلوبهم، (فلهذا أعقبه بقوله: ﴿سيهزم الجمع﴾﴾ [القمر: ٤٥]،) الذين قالوا: نحن
جميع منتصر، (﴿ويولّون الدبر﴾) [القمر: ٤٥] الآية،) قال في الفتح: وزلّ من لا علم عنده ممن
ينسب إلى الصوفية في هذا الموضع زللاً شديدًا، فلا يلتفت إليه، ولعلّ الخطابي أشار إليه.
(وقال غيره: وكان النبيّ ◌َّ في تلك الحالة في مقام الخوف، وهو أكمل حالات
الصّلاة) الدعاء أو الشرعية، فإنّ وقوعها في الخوف أعلى الأحوال والدرجات، (وجاز عنده) عليه
السلام (أن لا يقع النصر يومئذ؛ لأن وعده بالنصر لم يكن معيّنًا لتلك الواقعة، وإنما كان مجملاً)
فبفرض تأخّره مدّة لا ينافي أنّه أعطاه ما وعده به، (هذا هو الذي يظهر من بادىء الرأي) وهذا
غير جواب السهيلي؛ لأن محلظه تجويز أن النصر لا يقع يومئذ ويتأخّر مدة، وملحظ جواب
السهيلي أنه خاف أن لا يعبد اللَّه في الأرض، ويأتي ما قاله النووي عن العلماء.
وذهب قُسم بن ثابت في معنى الحديث إلى غير هذا، فقال: إنما قال ذلك الصدّيق رقّة
عليه مّ لما رأى من نصبه في الدعاء والتضرّع حتى سقط الرداء عن منكبيه، فقال له بعض
هذا: يا رسول اللَّه! أي: لم تتعب نفسك هذا التعب واللَّه قد وعدك بالنصر، وكان رقيق القلب
شديد الإشفاق عليه عَّ الله، (وإنما قال عليه الصلاة والسلام: ((اللّهمّ إن تهلك هذه العصابة من
أهل الإسلام) ساقه هنا بلفظ مسلم وفيما مرّ بمعناه، (فلا تعبد بعد اليوم لأنه علم أنه خاتم
النبيّين فلو هلك هو ومن معه) أفاد أن العصابة هو وأصحابه لا هم فقط؛ لجواز أنه يدعو غيرهم
أفيؤمنون ويعبدون، (لا يبعث أحد ممن يدعو إلى الإيمان) وذلك مستلزم عادة لعدم الإيمان، وإن
كان اللَّه قادرًا على أن الناس يعبدونه بغير واسطة رسول تتعلّق إرادته بعبادتهم؛ كما قال: ﴿إنما
قولنا لشىء﴾ [النحل: ٤٠] الآية.

٢٨٣
باب غزوة بدر الکبری
وأما شدة اجتهاده عليه الصلاة والسلام ونصبه في الدعاء، فإنه رأى
الملائكة تنصب في القتال وجبريل على ثناياه الغبار وأنصار الله يخوضون غمرات
الموت. والجهاد على ضربين جهاد بالسيف وجهاد بالدعاء، ومن سنة الإمام أن
يكون وراء الجند لا يقاتل معه، فكان الكل في جد واجتهاد، ولم يكن ليريح
نفسه من أحد الجدين وأنصارِ الله وملائكته يجتهدون، ولا ليؤثر الدعة وحزب الله
مع أعدائه یجتلدون. انتهى.
وفي صحيح مسلم عن ابن عباس قال عمر بن الخطاب: لما كان يوم بدر
ونظر رسول الله عٍَّ إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلاً
دخل العريش فاستقبل القبلة ومد يديه، وجعل يهتف
(وأمَّا شدّة اجتهاده عليه الصّلاة والسّلام ونصبه ) بفتحتين: تعبه، (في الدعاء، فإنّه) كما
قال السهيلي (رأى الملائكة تنصب) بفتح الصّاد، (في القتال وجبريل على ثناياه الغبار وأنصار
اللَّه يخوضون) يقتحمون (غمرات الموت) شدائده (والجهاد على ضربين جهاد بالسيف،
وجهاد بالدعاء. ومن سنّة الإمام) عادته وطريقته (أن يكون وراء الجند) خلف الجيش، (لا يقاتل
معه، فكان الكلّ في جدّ) بكسر الجيم (واجتهاد) عطف تفسير، (ولم يكن) مريدًا (ليريح نفسه
من أحد الجدين وأنصار اللَّه وملائكته يجتهدون) جملة حالية، (ولا ليؤثر الدعة) الراحة،
(وحزب الله) المؤمنون (مع أعدائه يجتلدون، انتهى) كلام السهيلي.
(وفي صحيح مسلم) وسنن أبي داود والترمذي (عن ابن عباس، قال:) حدّثني (عمر بن
الخطاب،) قال: (لمَّا كان يوم بدر ونظر رسول اللَّه عَّ إلى المشركين وهم ألف) هذا أولى
بالصواب لصحته وكونه عن عمرو، وافقه عليه ابن مسعود وهما بدريّان، ومرّ قول ابن عقبة وابن
عائذ أنهم تسعمائة وخمسون مقاتلاً وأنه يمكن الجمع بأن الخمسين باقي الألف غير مقاتلين،
وهذا خير من تأويل الحديث بأنه في نظر الرائي؛ لأن فيه ردّ الحديث الصحيح المسند عمّن
حضر الواقعة إلى كلام أهل السير بلا إِسناد على أن الرائي إنما كان يراهم قليلاً؛ كما في القرءان
وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلاً، (وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلاً) بفوقية فسين
مهملة، ونسخة وبضعة عشر بموحدة فضاد تحريف من النساخ للعزّ، ولمسلم: فإن بضعة رواية
البخاري عن البراء.
أمَّا رواية مسلم عن عمر فتسعة بفوقية وسين، وكذا نقله عنه اليعمري والحافظ جامعًا بأنه
ضمّ إلى الثلاثمائة والثلاثة عشر من لم يؤذن له في القتال، (دخل العريش، فاستقبل القبلة ومدّ
يديه وجعل يهتف) بفتح أوّله وكسر الفوقية، قال النووي: أي يصيح ويستغيث بالدعاء، وفيه

٢٨٤
باب غزوة بدر الكبرى
بربه: اللهم أنجر لي ما وعدتني ... فما زال يهتف بربه مادًا يديه حتى سقط رداؤه
عن منكبيه، فأخذ أبو بكر رداءه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه وقال: يا
نبي الله كذاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك. فأنزل الله تعالى: ﴿إِذ
تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني
استحباب استقبال القبلة ورفع اليدين في الدعاء، وأنه لا بأس برفع الصوت فيه، (بربّه) بقول:
رافعًا صوته، (اللّهمّ أنجز) بفتح الهمزة (لي ما وعدتني) أسقط من رواية مسلم: ((اللَّهمّ آتني
ما وعدتني، اللَّهمّ إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض))، (فما زال يهتف
بربّه مادًّا يديه،) أسقط من الرواية مستقبل القبلة، (حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأخذ أبو بكر
رداءه فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه، وقال: يا نبيّ اللَّه كذاك) بالذال المعجمة، بمعنى:
كفاك. قال قُسم بن ثابت: كذاك يراد بها الإغراء والأمر بالكفّ عن الفعل، وهو المراد هنا. ومنه
قول جرير:
تقول وقد ترامحت المطايا كذاك القول إن عليك عينا
أي: حسبك من القول، فاتركه. قال الحافظ: وأخطأ من زعم أنه تصحيف وأن الأصل
كفاك، اهـ.
وقال النووي: قوله كذاك بالذال. ولبعضهم، أي الرواة: كفاك بالفاء. وفي البخاري:
حسبك، وكلّه بمعنى (مناشدتك) بالنصب على الأشهر بما فيه من معنى الفعل من الكفّ وبالرفع
فاعل به، قاله عياض ثم النووي. (ربّك) بالنصب، قال السهيلي: أتى بالمفاعلة والربّ لا ينشد
عبده؛ لأنها مناجاة للربّ، ومحاولة لأمر يريده. وفي البخاري: فأخذ أبو بكر بيده، فقال: حسبك
قد ألححت على ربّك، (فإنه سينجز لك ما وعدك،) من النصر، قال النووي: قال العلماء: إنما
فعل عَِّ هذه المناشدة ليراه أصحابه بتلك الحال يتقوّى قلوبهم بدعائه وتضرّعه مع أن الدعاء
عبادة، وقد كان اللَّه وعده إحدى الطائفتين، إما العير وإمَّا الجيش، والعير قد ذهبت فكان على
ثقة من حصول الأخرى، ولكن سأل تعجيل ذلك من غير أذى يلحق المسلمين.
(فأنزل اللَّه تعالى: ﴿إِذ تستغيثون ربكم)) تطلبون منه الغوث بالنصر عليهم بدل من إذ
يعدكم أو متعلّق بقوله: ليحقّ الحقّ، أو على إضمار اذكر، وجمع وإن كان الدعاء من المصطفى
وحده للتعظيم، أو لأنه يعمّ الجميع فكأنهم مشاركون له، أو لأن الصحابة كانوا يستغيثون أيضًا،
كما روى أنهم لمّا علموا أن لا محيص من القتال، قالوا: أي رب، انصرنا على عدوّك، أغثنا
يا غيّاث المستغيثين، (﴿فاستجاب لكم أنى﴾) [الأنفال: ٩] الآية، قال البيضاوي: أي بأني
فحذف الجار وسلّط عليه الفعل، وقرأ أبو عمرو بالكسر على إرادة القول، أو إجراء استيجاب

٢٨٥
باب غزوة بدر الکبری
ممدكم﴾ مرسل إليكم مددًا لكم ﴿بألف من الملائكة مردفين﴾ أي متتابعين
بعضهم في أثر بعض. وعلى قراءة فتح الدال معناه: أردف الله عز وجل المسلمين
وجاءهم بهم مددًا.
وفي الآية الأخرى ﴿بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين﴾ [آل عمران/١٢٤]
فقيل معناه: إن الألف أردفهم بثلاثة آلاف. فكان الأكثر مددًا للأقل، وكان الألف
مردفين بمن وراءهم. والألف هم الذي قاتلوا مع المؤمنين، وهم الذين قال لهم:
﴿فتبتوا الذين آمنوا﴾ وكانوا في صور الرجال،
مجرى، قال: لأن الاستجابة من القول. (﴿ممدكم﴾) [الأنفال: ٩]، أي: (مرسل إليكم مددًا
لكم ﴿بألف من الملائكة مردفين﴾ بكسر الدال اسم فاعل حال من الملائكة، (أي: متتابعين بعضهم
في أثر) حكى تثليث الهمزة؛ كما في النور. (بعض) من أردفته إذا جئت بعده أو متّبعين أنفسهم
المؤمنين من أردفته إياه فردفه، (وعلى قراءة فتح الدّال) وهي قراءة نافع ويعقوب اسم مفعول
(معناه: أردف اللَّه عزّ وجلّ المسلمين،) بألف من الملائكة (وجاءهم بهم مددًا) وهو حال من
مفعول من يمدّكم أو من الملائكة، والمعنى: أنهم مردفون بملائكة تعقبهم وتنضمّ إليهم، قال
النحاس ومكيّ وغيرهما: وقراءة كسر الدال أولى؛ لأن أهل التأويل عليها ولأن عليه أكثر القرّاء،
ولأن فيها معنى الفتح، قاله القرطبي.
(وفي الآية الأخرى) في آل عمران: ﴿ألن يكفيكم أن يمدّكم ربّكم (بثلاثة آلاف من
الملائكة منزلين﴾ [آل عمران: ١٢٤])، قرأ جعفر بن محمد وعاصم الجحدري بألف بضم اللام
جمع ألف، كأفلس جمع فلس، فلا خلاف بين الآيتين. وعلى القراءة المشهور بالإفراد، (فقيل
في معناه:) جمعًا بينهما، (إن الألف أردفهم بثلاثة آلاف، فكان الأكثر مددًا للأقل، وكان الألف
مردفين) بفتح الدال (بمن وراءهم) والمعنى أن الثلاثة آلاف قوّت الألف وزادتهم، (والألف هم
الذين قاتلوا مع المؤمنين) والباقون كانوا عددًا ومددًا، فاتّفقت الآيتان.
وقيل في الجمع أيضًا: أن الألف كانوا على المقدمة أو الساقة أو هم وجوههم وأعيانهم،
(وهم الذين قال لهم: ﴿فثبتوا الذين آمنوا﴾) [الأنفال: ١٢]، بالبشارة وتكثير سوادهم أو بمحاربة
أعدائهم فيكون قوله: ﴿سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب﴾ [الأنفال: ١٢]، كالتفسير؛ لقوله:
﴿إني معكم﴾ [المائدة: ١٢، هود: ٩٣]، وفيه دليل على أنهم قاتلوا (وكانوا في صور الرجال)
فكان الملك يمشي أمام الصف في صورة رجل، ويقول: أبشروا فإن اللّه ناصركم عليهم، ويظنّ

٢٨٦
باب غزوة بدر الكبرى
ويقولون للمؤمنين: اثبتوا فإن عدوكم قليل وإن الله معكم.
وقال الربيع بن أنس: أمد الله المسلمين بألف ثم صاروا ثلاثة آلاف ثم
صاروا خمسة آلاف.
وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة: أمد الله المؤمنين يوم بدر بخمسة
آلاف.
وعن عامر الشعبي: أن المسلمين بلغهم يوم بدر أن كرز بن جابر الفهري
يمد المشركين فشق عليهم، فأنزل الله: ﴿ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة
آلاف من الملائكة منزلين﴾
المسلمون أنه منهم، ذكره القرطبي.
(ويقولون للذين آمنوا اثبتوا،) وعلّلوا ذلك بقولهم: (فإن عدوّكم قليل،) باعتبار ما انضمّ
إليهم من الملائكة، أو بخذلان اللّه لهم حتى قلّوا في المعنى، وإن كثروا في العدد أو قليل في
نظركم؛ كما قال: وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلاً، حتى قال ابن مسعود لمن بجنبه:
أتراهم سبعين، فقال: أراهم مائة، (وإن اللَّه معكم)) بالنصر والمعونة، وقد رأى المشركون
الملائكة لتضعف قلوبهم وتنكسر؛ كما في عدّة أخبار.
(وقال الربيع بن أنس) البكري أو الحنفي البصري نزيل خراسان، صدوق له أو هام ورمى
بالتشيّع مات سنة أربعين ومائة، وقيل: قبل الأربعين. (أمدّ اللَّه المسلمين بألف) أو لا وهو الذي
في الأنفال، (ثم صاروا ثلاثة آلاف ثم) لما صبروا واتّقوا (صاروا خمسة آلاف؛) كما قال تعالى:
﴿إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف﴾ [آل عمران: ١٢٥]،
الآية قال في فتح الباري: كان الربيع جمع بذلك بين آيتي آل عمران والأنفال.
(وقال سعيد بن أبي عروبة) مهران اليشكري مولاهم البصري مما رواه ابن أبي حاتم عنه،
(عن قتادة) بن دعامة الأكمه المفسّر المشهور: (أمدّ اللَّه المؤمنين يوم بدر بخمسة آلاف) من
الملائكة، وهذا موافق للربيع.
(و)روى ابن أبي حاتم بسند صحيح، (عن عامر الشعبي) التابعي: (أن المسلمين بلغهم
يوم بدر أن كرز) بضم الكاف وسكون الراء وزاي، (ابن جابر الفهري) صحب بعد واستشهد في
الفتح؛ كما مرّ (يمدّ) بضم الياء وكسر الميم من الإمداد، أي: يعين (المشركين فشقّ عليهم،
فأنزل اللَّه تعالى: ﴿ألن يكفيكم أن يمدّكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين﴾ [آل عمران:
١٢٤] الآية، إنكار أن لا يكفيهم ذلك، وإنما جيء بلن إشعارًا بأنهم كانوا كالآيسين من

٢٨٧
باب غزوة بدر الكبرى
إلى قوله: ﴿مسومين﴾ [آل عمران: ١٢٥]، قال: فبلغت كرر الهزيمة فلم يمد
المشركين، ولم تمد المسلمون بالخمسة.
وعن ابن عباس: جاء إبليس يوم بدر في جند من الشياطين، في صورة
سراقة بن لملك بن جعشم، فقال الشيطان للمشركين: لا غالب لكم اليوم من الناس
وإني جار لكم، فلما أقبل جبريل عليه السلام والملائكة كانت يده في يد رجل
النصر لضعفهم وقلّتهم وقوّة العدوّ وكثرتهم؛ كذا في الأنوار.
قال شيخنا: وكان وجه الإشعار أنه لما أدخل همزة الاستفهام الإنكاري على النفي
للكفاية في المستقبل أفاد أنهم كانوا لا يرجونه ولا يأملونه، (إلى قوله: مسوّمين،) معلمين من
التسويم وهو إظهار سيماء الشىء، وقيل: مرسلين من التسويم بمعنى الأسامة. وقرأ ابن كثير ونافع
وأبو عمرو وعاصم ويعقوب بکسر الواو.
(قال) الشعبي: (فبلغت كرز الهزيمة) للمشركين (فلم يمدّ المشركين ولم تمدّ المسلمون
بالخمسة) وإنما أُمدّوا بالألف ثم بالثلاثة، وما ذكره من أن هذه الآية في قصّة بدر، قال الحافظ:
هو قول الأكثر، فهي متعلّقة بقوله: ﴿ولقد نصركم اللَّه ببدر﴾ [آل عمران: ١٢٣] الآية، وبه جزم
الداودي، وعليه عمل البخاري، وأنكره ابن التين فذهل. وقيل: متعلّقة بقوله: ﴿وإذ غدوت من
أهلك﴾ [آل عمران: ١٢١] الآية، فهي في غزوة أحد؛ وهو قول عكرمة وطائفة. وقد لمّح
البخاري للاختلاف في النزول فذكر قوله تعالى: ﴿وإذ غدوت من أهلك﴾، و کذا ﴿لیس لك من
الأمر شىء﴾ [آل عمران: ١٢٨] الآية، في أحمد، وذكر له غدا ذلك في بدر، وهو المعتمد.
انتھی.
(و)روى البيهقي وغيره (عن ابن عباس،) قال: (جاء إبليس يوم بدر في جند من الشياطين
في صورة سراقة بن مالك بن جعشم) بضمّ الجيم وسكون المهملة وضمّ المعجمة على
المشهور، وحكي فتحها، تقدّم في الهجرة وكان جنده في صورة رجال من بني مدلج، وذلك
كما عند ابن إسحق أن قريشًا لما فرغوا من جهازهم وأجمعوا السير ذكروا ما بينهم وبين بني
بكر بن عبد مناة بن كنانة من الحرب، فقالوا: إنا نخشى أن نؤتى من خلفنا، فتبدّى لهم إبليس
في صورة سراقة بن ملك الكناني المدلجي، وكان من أشراف بني كنانة، (فقال الشيطان
للمشركين: لا غالب لكم اليوم من الناس، وإني جار) مجير (لكم.) وفي رواية ابن إسحق: وأنا
جار لكم من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشىء تكرهونه، فخرجوا سراعًا، (فلما أقبل جبريل
عليه السّلام والملائكة) إلى إبليس؛ كما في رواية البيهقي، ورآه إبليس (كانت يده في يد رجل

٢٨٨
باب غزوة بدر الکبری
من المشركين فانتزع يده ثم نكص علي عقيبه، فقال الرجل: يا سراقة أتزعم أنك
لنا جار؟ فقال إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب.
وروي أن جبريل نزل في خمسمائة وميكائيل في خمسمائة في صورة
الرجال على خيل بلق، عليهم ثياب بيض، وعلى رؤوسهم
من المشركين) هو عمير بن وهب أو الحرث بن هشام، ذكرهما ابن إسحق، وأسلم كل منهما
بعد ذلك وصحب، (فانتزع يده ثم نكص على عقبيه) أي: رجع بلغة سليم، قال:
ليس النكوص على الإدبار مكرمة إن المكارم إدبار على الأسل
وقال:
وما نفع المستأخرين نكوصهم ولا ضرّ أهل السابقات التقدم
وليس هنا قهقرى بل هو فرار، كما قال إذا سمع الأذان أدبروا له ضراط، قاله القرطبي.
قال في رواية البيهقي: ثم ولّى هاربًا هو وشيعته، (فقال الرجل: يا سراقة أنزعم أنك لنا
جار) وقد خذلتنا وانهزمت لتكون سببًا في هزيمتنا، (فقال: إني أرى ما لا ترون) من مجيء
الملائكة لنصر المسلمين ولا ينافيه أن المشركين رأوا الملائكة لأنهم رأوهم في صورة الرجال
فظنّوهم رجالاً، وإبليس عرف أنهم ملائكة، أو رأى جملتهم والمشركون بعضهم أو غير ذلك،
(إني أخاف اللَّه) قال الحسن: خاف أن يكون يوم بدر اليوم الذي أنظر إليه إذ رأى فيه ما لم يرَ
قبله، وقال قتادة: كذب ما به من خوف ولكن علم أنّه لا قوّة له، فأوردهم وأسلمهم، وهذه عادته
لمطيعه، وقيل غير ذلك. (واللَّه شديد العقاب) قال البيضاوي: ويجوز أنه من كلامه وأنه
مستأنف، وفي ذلك يقول حسّان:
سرنا وساروا إلى بدر لحينهم لو يعلمون يقين العلم ما ساروا
دلاهمو بغرور ثم أسلمهم إن الخبيث لمن والاه غزّار
وحمل الآية على تصوّره بصفة سراقة، هو مذهب الجمهور. وقيل: المراد الوسوسة،
وقوله: إني جار لكم مقالة نفسانيّة، وقال عَّهِ: ((ما رأى الشيطان يومًا هو أصغر ولا أحقر ولا
أدحر ولا أغيظ منه في يوم عرفة))، وما ذلك إلا لما يرى من تنزّل الرحمة وتجاوز اللَّه عزّ وجلّ
عن الذنوب العظام، إلاّ ما رأى يوم بدر. قيل: وما رأى يوم بدر يا رسول اللَّه؟ قال: ((أما إنه رأى
جبريل والملائكة))، رواه لملك في الموطأ.
(وروي أن جبريل نزل في خمسمائة وميكائيل في خمسمائة في صورة الرجال،) لا
ينافي هذا أن كلاًّ نزل في ألف؛ كما رواه ابن سعد وغيره، كما مرّ؛ لجواز أنه أردف كلِّ
بخمسمائة أو الخمسمائة بقيد كونهم (على خيل بلق عليهم ثياب بيض وعلى رؤوسهم

٢٨٩
باب غزوة بدر الکبری
عمائم بيض، قد أرخوا أطرافها بين أكتافهم.
وقال ابن عباس رضي الله عنه: كانت سيما الملائكة يوم بدر عمائم بيض،
ويوم حنين: عمائم خضر.
وعن علي: كانت سيما الملائكة يوم بدر الصوف الأبيض، وكانت سيماهم
أيضًا في نواصي خيلهم. رواه ابن أبي حاتم.
وروى ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما يرفعه، في قوله تعالى:
﴿مسومين﴾قال: معلمين، وكانت سيما الملائكة يوم بدر عمائم سود ويوم حنين
عمائم خضر.
وروى ابن أبي حاتم عن الزبير: أن الملائكة نزلت وعليهم عمائم صفر.
عمائم بيض) من نور؛ كما في الرواية: (قد أرخوا أطرافها بين أكتافهم) ففي كونها من نور
إشارة إلى أن ذلك بالنظر لما تصوّروا به إذ لم يكن عليهم شىء من العمائم المعروفة عليهم
الصّلاة والسّلام، (وقال ابن عباس رضي الله عنهما: كانت سيما.) خبر مقدم، أي: علامات
(الملائكة يوم بدر عمائم) اسم كان (بيض) صفته (ويوم حنين عمائم خضر،) رواه ابن إسحق
والطبراني وفي إسناده عمار بن أبي لملك ضعّفه الأزدي، (وعن عليّ: كانت سيما الملائكة يوم
بدر الصّوف الأبيض،) أي: النور المرئي للناظر، مثل الصوف الأبيض إذ الملائكة أجسام نورانيّة
لا يليق بها الملابس الجسمانيّة، (وكانت سيماهم أيضًا في نواصي خيلهم) وأذناها؛ كما هو
بقية الرواية عند من عزا له، بقوله: (رواه ابن أبي حاتم) عبد الرحمن بن محمد بن إدريس بن
المنذر التميمي الحنظلي الرازي الحافظ ابن الحافظ.
(وروى ابن مردويه) بسند فيه عبد القدّوس بن حبيب وهو متروك، (عن ابن عباس رضي
الله عنهما يرفعه) لفظة استعملها المحدثون بدل قال عَّة (في) تفسير (قوله تعالى: ﴿مسومين﴾،
قال: ((معلمين)،) بضمّ الميم وسكون العين اسم مفعول من أعلم الفارس جعل لنفسه علامة
الشجعان، أو بفتح العين وشدّ اللام من علم، أو اللام مخفّفة من علم كنصر وضرب: وسم.
(وكانت سيماء الملائكة يوم بدر عمائم سود) أي: بعضهم، فلا يخالف ما قبله لا ما بعده إشارة
للمسلمين بالسؤدد والنصر، وأنهم يسودون عدوّهم بالقتل والأسر، كما لبس عَ له العمامة السوداء
يوم فتح مكّة، (ويوم حنين عمائم خضر،) موافق لما قبله.
(وروى ابن أبي حاتم، عن الزبير) بن العوام البدري الحواريٍ (أن الملائكة نزلت) يوم
بدر (وعليهم عمائم صفر) ورواه ابن جرير بإسناد حسن عن أبي أسيد الساعديّ وهو بدريّ،

٢٩٠
باب غزوة بدر الكبرى
قيل: ولم تقاتل الملائكة غير يوم بدر، وكانوا يكونون فيما سواه عددًا
ومددًا، وبذلك صرح العماد بن كثير في تفسيره فقال: المعروف من قتال الملائكة
إنما كان يوم بدر، ثم روى عن ابن عباس قال: لم تقاتل الملائكة إلا يوم بدر.
وقال ابن مرزوق: ولم تكن تقاتل في غيرها بل يحضرون خاصة على
المختار من الأقوال عند بعضهم.
وفي نهاية البيان في تفسير التباين عند تفسير قوله تعالى: ﴿ويوم حنين﴾
وهل قاتلت
ولفظه: خرجت الملائكة يوم بدر في عمائم صفر قد طرحوها بين أكتافهم، وذلك إظهار
الإمارات السرور للمسلمين، وإن هذا الحرب الذي هم فيه إنما هو فرح ينالهم لا ترح، وفي
الأصفر من التفريح والسرور ما يشهد به قوله تعالى: ﴿تسرّ الناظرين﴾ [البقرة: ٦٩] الآية، ولذا
قيل: من لبس نعلاً صفراء لم يزل في سرور ما دام لابسها، ورفعه كذب؛ كما قال أبو حاتم،
فعلم من هذه الروايات أن عمائمهم اختلفت ألوانها. لكن قال السيوطي: الذي صحّ من الروايات
في العمائم أنها صفر مرخاة بين الأكتاف، ورواية البيض والسود ضعيفة؛ ثم هذا كلّه مع ما يأتي
يردّ قول عكرمة ومن وافقه أن نزول الملائكة في غزوة أحد، ويؤيّد قول الأكثرين وهو المعتمد؛
كما مرّ عن الحافظ أنه في بدر. وقد قال البخاري في صحيحه باب شهود الملائكة بدرًا، وقال
مسلم في الصحيح باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر.
وفي مسند إسحق بن راهويه عن جبير بن مطعم: رأيت قبل هزيمة القوم ببدر مثل البجاد
الأسود أقبل من السماء كالنمل، فلم أشكّ أنها الملائكة، فلم يكن إلاَّ هزيمة القوم والأخبار
طافحة بقتالهم يوم بدر، وهو ظاهر القرءان.
حتى (قيل: ولم تقاتل الملائكة غير يوم بدر، وكانوا يكونون فيما سواه عددًا) بضم
العين جمع عدّة كغرف وغرفة، (ومددًا) لا يضربون (وبذلك) بل وبترجيحه (صرّح العماد بن
كثير في تفسيره، فقال: المعروف من قتال الملائكة) على العموم (إنما كان يوم بدر، ثم روى)
بإسناده (عن ابن عباس، قال: لم تقاتل الملائكة إلاَّ يوم بدر) وهذا حجّة على من زعم أنهم لم
يقاتلوا فيها. (وقال ابن مرزوق: ولم تكن تقاتل في غيرها، بل يحضرون خاصّة على المختار
من الأقوال) الثلاثة (عند بعضهم) التي هي قاتلت فيها دون غيرها قاتلت فيها، وفي غيرها لم
تقاتل فيها ولا في غيرها، وإنما يكثرون السواد ويثبتون المؤمنين وإلا فملك واحد يكفي في
إهلاك أهل الدنيا، وهذه شبهة يدفعها ما يأتي عن السبكي.
(وفي نهاية البيان في تفسير التباين عند تفسير قوله تعالى، ﴿ويوم حنين﴾، وهل قاتلت

٢٩١
باب غزوة بدر الکبری
الملائكة أم لا؟ فيه قولان: أحدهما - وهو قول الجمهور - إنها لم تقاتل، انتهى.
وهذا يرده حديث مسلم في صحيحه عن سعد بن أبي وقاص أنه رأى عن
يمين رسول الله عَّه وعن شماله يوم أحد رجلين عليهما ثياب بيض ما رأيتهما قبل
ولا بعد - يعني جبريل وميكئيل عليهما الصلاة والسلام - يقاتلان كأشد القتال.
قال النووي: فيه بيان إكرامه عَِّ بإنزال الملائكة تقاتل معه، وبيان أن
قتالهم لم يختص بيوم بدر. قال: وهذا هو الصواب خلافًا لمن زعم اختصاصه،
فهذا صريح في الرد عليه. قال وفيه أن رؤية الملائكة لا تختص بالأنبياء عليهم
الصلاة والسلام بل يراهم الصحابة والأولياء. انتهى.
قال ابن الأنباري: وكانت الملائكة
الملائكة) يوم حنين (أم لا؟ فيه قولان، أحدهما، وهو قول الجمهور: إنها لم تقاتل) لأن اللَّه إنما
قال: ﴿وأنزل جنودًا لم تروها﴾ [التوبة: ٢٦] الآية، ولا دلالة فيه على قتال، (انتهى. وهذا) أي:
القول بأنها لم تقاتل إلا ببدر (يردّه حديث مسلم في صحيحه) في المناقب لا المغازي، (عن
سعد بن أبي وقاص أنه رأى عن يمين رسول اللَّه عَّل وعن شماله يوم أحد رجلين) ملكين في
صفة رجلين، (عليهما ثياب بيض ما رأيتهما قبل ولا بعد،) وفي رواية الطيالسي: لم أرَهما قبل
ذلك اليوم ولا بعده، (يعني جبريل وميكائيل عليهما الصّلاة والسّلام يقاتلان كأشدّ القتال)
الكاف زائدة أو للتشبيه، أي: كأشدّ قتال بني آدم، وإنما عزاه لمسلم فقط مع أن البخاري أخرجه
أيضًا لزيادة مسلم: يعني جبريل وميكائيل.
(قال النووي: فيه) من الفوائد (بيان إكرامه عَّه بإنزال الملائكة تقاتل معه وبيان أن
قتالهم لم يختصّ بيوم بدر، قال:) النووي (وهذا هو الصواب خلافًا لمن زعم اختصاصه) أي:
يوم بدر بقتال الملائكة، (فهذا) الحديث (صريح في الردّ عليه) ولا صراحة فيه، وقد أجاب عنه
البيهقي وغيره، بما حاصله: إن قتال الملائكة ببدر كان عامّا عن جميع القوم، وأما في أُحد فإنهما
ملكان وقتالهما عن النبيّ عَ لِ دون غيره، على أنه لا يلزم من ذلك قتالهما بل يجوز أنهما كانا
يدفعان عنه ما يرمى به من نحو السهام، وعبّر عن ذلك بالقتال مجازًا. (قال) النوويّ: (وفيه)
أيضًا (أن رؤية الملائكة لا تختصّ بالأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام بل يراهم الصحابة والأولياء)
ولكن غير صورهم الأصليّة، (انتهى.) وقد يعلمون بأنهم ملائكة وقد لا يعلمون؛ كما في
حديث: ولا يعرفه منّا أحد، وقال عَّهِ: «هذا جبريل جاء يعلّمكم دينكم)).
(قال ابن الأنباري:) بفتح الهمزة وسكون النون نسبة إلى الأنبار بالعراق، (وكانت الملائكة

٢٩٢
باب غزوة بدر الكبرى
لا تعلم كيف تقتل الآدميون، فعلمهم الله تعالى بقوله: ﴿فاضربوا فوق
الأعناق﴾ أي الرؤوس ﴿واضربوا منهم كل بنان﴾ قال ابن عطية: كل مفصل.
قال السهيلي: جاء في التفسير أنه ما وقعت ضربة يوم بدر إلا في رأس أو
مفصل، وكانوا يعرفون قتلى الملائكة ممن قتلوه بآثار سود في الأعناق والبنان.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: حدثني رجل من بني غفار قال:
أقبلت أنا وابن عم لي حتى صعدنا على جبل يشرف على بدر - ونحن مشر كان -
لا تعلم كيف تقتل) بالبناء للمفعول. (الآدميّون فعلّمهم اللَّه تعالى بقوله: ﴿فاضربوا فوق
الأعناق﴾) [الأنفال: ١٢] الآية، (أي: الرؤوس) فالتعبير بالأعناق مجاز، فإنها الوصلة بين الرأس
والجسد والضرب على الرأس أبلغ؛ لأن أدنى شىء يؤثر في الدماغ، وهذا قول عكرمة ويوافقه
قول ابن عباس: كل هام وجمجمة. وقال الضحاك وعطيّة والأخفش: فوق زائدة، وخطّأهم
محمّد بن يزيد؛ لأن فوق تفيد معنى، فلا تجوز زيادتها، ولكن المعنى أنه أبيح لهم ضرب
الوجوه وما قرب منها. (﴿واضربوا منهم كل بنان﴾، قال ابن عطية) أي: (كل مفصل) وهو قول
الضحاك. قال الزجّاج: واحده بنانة، وهي هنا الأصابع وغيرها من الأعضاء.
قال ابن فارس: البنان الأصابع، ويقال: الأطراف، وقيل: المراد بالبنان في الآية أطراف
الأصابع من اليدين والرجلين؛ لأن ضربهما يعطل المضروب عن القتال بخلاف سائر الأعضاء،
ويؤيّد الأوّل قوله: (قال السهيلي: جاء في التفسير أنه ما وقعت ضربة يوم بدر إلاَّ في رأس أو
مفصل، وكانوا) كما رواه يونس بن بكير في زيادات المغازي والبيهقي عن الربيع بن أنس، قال:
كان الناس (يعرفون قتلى) جمع قتيل (الملائكة ممن قتلوه بآثار سود في الأعناق والبنان) مثل
سمة النار قد احترق؛ كما هو بقية الرواية، ولعلّه الغالب أو أريد بالسواد ما خالف اللون المعتاد
فيهم، وإلا ففي مسلم في بقية الحديث الذي قدّمه عنه المصنّف، قال أبو زميل: فحدّثني ابن
عباس، قال: بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتدّ في أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع
ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول: اقدم حيزوم، فنظر إلى المشرك أمامه فخرّ مستلقيًا
فنظر إليه، فإذا هو قد خطم أنفه وشقّ وجهه كضربة السوط، فاخضرّ ذلك أجمع، فجاء
الأنصاري فحدّث بذلك رسول اللَّه عَّه، فقال: ((صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة)).
(وعن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: حدّثني رجل من بني غفار) قال البرهان:
لا أعرف اسمه وهو مذكور في الصحابة. (قال: أقبلت أنا وابن عمّ لي حتى صعدنا) أي: علونا،
يقال: صعد وأصعد بمعنى؛ كما في المطالع. (على جبل يشرف على بدر، ونحن مشر كان)

٢٩٣
باب غزوة بدر الكبرى
ننظر الوقعة على من تكن الدبرة، فننهب مع من ينهب، فبينما نحن في الجبل إذ
دنت منا سحابة فيها حمحمة الخيل فسمعت قائلاً يقول: أقدم حيزوم، فأما ابن
عمي فانكشف قناع قلبه فمات مكانه في الحال. وأما أنا فكدت أهلك ثم
تماسکت. رواه البيهقي وأبو نعيم.
والدبرة: بفتح الموحدة وفي نسخه - بسكون الموحدة - الهزيمة في القتال.
وحيزوم: اسم فرس جبريل. قاله في القاموس.
أي: كافران، قال البرهان: ورأيت في نسخة من سيرة ابن هشام مشتركان بزيادة تاء وصحح
علیها، انتهى.
فإن صحت فترد لما هنا، أي: مشتركان في الكفر وفي كوننا (ننظر الوقعة على من تكن
الدبرة) بفتح الدال المهملة الهزيمة، (فننهب مع من ينهب؛ فبينا نحن في الجبل إذ دنت سحابة
فيها حمحمة) بحاء ين مهملتين بعد كل ميم: صوت (الخيل) دون الصهيل، (فسمعت قائلاً
يقول: أقدم) بهمزة قطع مفتوحة وكسر الدال من الإقدام، كما رجّحه ابن الأثير وصوّبه
الجوهري، وقال النووي: إنه الصحيح المشهور، أو بهمزة وصل مضمومة وضمّ الدال المهملة من
التقدم، وقدّمه ابن قرقول أو بكسر الهمزة وفتح الدال، واقتصر عليه في البارع، قال أبو ذرّ: كلمة
يزجر بها الخيل، (حيزوم) بحذف حرف النداء، أي: يا حيزوم، بحاء مهملة مفتوحة فتحنية
ساكنة فزاي مضمومة فميم فيعول من الحزم، وتطلق أيضًا على الصدر.
قال الشاميّ: فيجوز أنه سمّي به لأنه صدر خيل الملائكة ومتقدم عليها، انتهى. ورواه
العذري بالنون بدل الميم، قال عياض: والصواب الأوّل، وهو المعروف لسائر الرواة والمحفوظ.
(فأمَّا ابن عمّي فانكشف قناع قلبه) بكسر القاف وتخفيف النون وعين مهملة: غشاؤه تشبيهًا
بقناع المرأة، (فمات مكانه وأمَّا أنا فكدت أهلك ثم تماسكت) مثله في العيون، وفي السبل: ثم
انتعشت بعد ذلك، (رواه البيهقي وأبو نعيم) وابن إسحق، (والدبرة بفتح الموحدة وفي نسخة
بسكون الموحدة). وفي النور: بإسكان الموحدة ويجوز فتحها. وفي السبل بفتحتين وتسكن.
(الهزيمة في القتال) وفي تذكرة القرطبي: الدبرة ويروى الدابرة والمعنى متقارب. قال
الأزهري: الدابرة الدولة تدول على الأعداء، والدبرة النصر والظفر، يقال لمن الدبرة، أي: الدولة.
وعنيّ من الدبرّة، أي: الهزيمة، انتهى.
(وحيزوم اسم فرس جبريل، قاله في القاموس) تبعًا لجمع، وردّه الشامي بما رواه البيهقي
عن خارجة بن إبراهيم عن أبيه: أن رسول اللَّه عَّم قال لجبريل: ((من القائل يوم بدر من الملائكة:

٢٩٤
باب غزوة بدر الكبرى
وروى أبو أمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه قال: لقد رأيتنا يوم بدر، وإن
أحدنا يشير بسيفه إلى المشرك فيقع رأسه عن جسده قبل أن يصل إليه السيف.
رواه الحاكم وصححه والبيهقي وأبو نعيم.
قال الشيخ تقي الدين السبكي: سئلت عن الحكمة في قتال الملائكة مع
النبي عَّ. مع أن جبريل عليه السلام قادر على أن يدفع الكفار بريشة من جناحه.
أقدم حيزوم؟ فقال جبريل: ما كل أهل السماء أعرف))، وجوابه أن قائله غير جبريل خاطب به
فرس جبريل، فلا ينافيه قوله: ما كل ... الخ، على أن ذا الحديث دالّ لمن قال إنها فرس جبريل؛
لقوله: (من القائل))؟، ولم يقل: وما حيزوم. قال البرهان: ولجبريل فرس أخرى ويحتمل أن
أحدهما اسم والآخر لقب الحياة، وهي التي قبض من أثرها السامري فألقاها في العجل الذي
صاغه، فكان له خوار.
(وروى أبو أمامة) أسعد، وقيل: سعد (بن سهل بن حنيف) الأنصاري المعروف بكنيته
المعدود في الصحابة؛ لأن له رؤية ولمٍ يسمع مِن النبيّ عَّهِ، فإنه ولد قبل وفاته بعامين، وأتى به
النبيّ عَدّ فحتّكه وسمّاه باسم جدّه لأمّه أبي أمامة أسعد بن زرارة وكتّاه وبارك عليه، مات سنة
مائة وله اثنتان وتسعون سنة، روى له الجميع، (عن أبيه) سهل بن حنيف بضمّ المهملة وفتح
النون وسكون التحتيّة وبالفاء، ابن واهب الأنصاري الأوسي شهد المشاهد كلّها، وثبت يوم أحد
وبايع يومئذ على الموت، استخلفه عليّ على البصرة بعد الجمل، ثم شهد معه صفّين، ومات
في خلافته سنة ثمان وثلاثين وصلّى عليه وصحّ أنه كبر عليه خمسًا، وفي رواية: سنًّا، وقال: إنه
شهد بدرًا، (قال: لقد رأيتنا يوم بدر وإِن أحدنا يشير بسيفه إلى المشرك فيقع رأسه عن جسده
قبل أن يصل إليه السيف،) وما ذاك إلاّ من الملائكة ففيه حجّة على من أنكره.
(رواه الحاكم وصححه و)تلميذه (البيهقي وأبو نعيم) أحمد بن عبد الله. وروى ابن
إسحق عن أبي واقد المازني، قال: إني لأُتبع رجلاً من المشركين يوم بدر لأضربه إذ وقع رأسه
قبل أن يصل إليه سيفي، فعرفت أنه قتله غيري، لكن قال ابن عساكر: في سنده من لا يعرف،
وهذه القصة إنما كانت لأبي واقد يوم اليرموك والصحيح قول الزهري عن سنان الديلي أن أبا
واقد إنما أسلم عام الفتح، وقال أبو عمر: لا يثبت أنه شهد بدرًا؛ وكذا قال أبو نعيم.
(قال الشيخ تقيّ الدين) عليّ بن عبد الكافي (السبكي: سئلت عن الحكمة في قتال
الملائكة مع النبيّ ◌َّله، مع أن جبريل عليه السّلام قادر على أن يدفع الكفّار) بأجمعهم (بريشة
من جناحه؟) كما روي أنه رفع مدائن قوم لوط، وهي أربع مدائن في كل مدينة أربعمائة ألف

٢٩٥
باب غزوة بدر الکبری
فقلت: ذلك لإرادة أن يكون الفعل للنبي عَّةٍ وأصحابه، وتكون الملائكة
مددًا على عادة مدد الجيوش، رعاية لصورة الأسباب وسنتها التي أجراها الله في
عباده، والله فاعل الجميع انتهى.
ولما التقى الجمعان، تناول عَّ كفّا من الحصباء، فرمى به في وجوههم
وقال: شاهت الوجوه. فلم يبق مشرك إلا دخل في عينيه ومنخريه منها شىء فانهزموا
مقاتل من الأرض السفلى على قوادم جناحه حتى سمع أهل السماء نباح كلابها وأصوات بنيها
ودجاجها وقلبها، (فقلت:) في الجواب فعل (ذلك لإرادة أن يكون الفعل للنبيّ عَّهِ ولأصحابه
وتكون الملائكة مددًا على عادة مدد الجيوش رعاية لصورة الأسباب وسنّتها التي أجراها اللَّه
في عباده واللَّه فاعل الجميع، انتهى.) وذكر ابن هشام أن شعار الملائكة كان يوم بدر: أحد
أحد، (ولما التقى الجمعان) بعد ما مرّ من الصلاة والابتهال النبويّ، وقتال عليّ ورجوعه يجد
المصطفى ساجدًا، وتزاحف الناس ونزول الملائكة، وقول أبي جهل؛ كما عند ابن إسحق: اللَّهمّ
أيّنا كان أقطع للرحم وأتانا بما لا يعرف فاحنه الغداة، فكان هو المستفتح على نفسه.
(تناول ◌َّ كفًّا) أي: ملء كفّ بأمر جبريل؛ كما جاء عن ابن عباس (من الحصبات)
بالمدّ صغار الحصى. وفي رواية: ثلاث حصيات، كما يأتي. وروى ابن جرير وابن أبي حاتم
والطبراني عن حكيم بن حزام: سمعنا صوتًا من السماء يوم بدر وقع من السماء كأنه صوت
حصاة وقعت في طست، ورمى رسول اللَّه عَّه بتلك الحصاة فانهزمنا، فذلك قوله تعالى: ﴿وما
رميت﴾ [الأنفال: ١٧] الآية، الآية. وعن جابر: سمعت صوت حصيات وقعت من السماء يوم
بدر كأنهنّ وقعن في طست.
وعن ابن عباس: أنه عٌَّ قال لعليّ: ((ناولني قبضة من الحصباء»، وعنه أيضًا: أن جبريل
قال له: خذ قبضة من تراب، والجمع بينها سهل بأن تكون الحصيات نزلت من السماء، وبعض
عبّر عنها بحصاة، وبعض بحصيات بحسب ما تخيّله ثم تفتّتت، فقال له جبريل: خذها، فقال
لعليّ: ((ناولني قبضة من الحصباء»، فناوله (فرمى به))) أي: بما تناوله فلذا ذكر الضمير؛ لأنه لو
أراد الكفّ لأنّثه لأنها مؤنّثة، (في وجوههم، وقال: ((شاهت الوجوه))) أي: قبحت خبر بمعنى
الدعاء أى: اللَّهِمْ قبح وجوههم، ويحتمل أنه خبر؛ لأن جبريل لمَّا أمره برميهم بالحصباء ت -قْو،
ذلك، (فلم يبقَ مشرك إلا دخل في عينيه ومنخريه) وفمه كما في رواية: والمنخر بفتح الميم
والخاء وكسرهما وضمّهما، وكمجلس وعصفور الأنف؛ كما في القاموس وغيره.
(منها شىء، فانهزموا) قال ابن عقبة وغيره: فكانت تلك الحصباء عظيمًا شأنها صار

٢٩٦
باب غزوة بدر الكبرى
وقتل الله من قتل من صناديد قريش،
المشرك لا يدري أين يتوجّه، يعالج التراب ينزعه من عينيه، فصاروا يقتلونهم ويأسرونهم. (فقتل
اللَّه من قتل) أُسند إليه تعالى لكونه الخالق له والمميت حقيقة، وإن نسب الضرب للعبد. (من
صناديد قريش) أشرافهم وشجعانهم فمنهم أُميّة بن خلف أسره عبد الرحمن بن عوف، وأراد
استبقائه لصداقة كانت بينهما فنظره بلال، فنادى: يا أنصار اللَّه! رأس الكفر أمية بن خلف،
لا نجوت إن نجا؛ فهبروه أسيافهم. وذكر الواقدي أن الذي تولّى قتله خبيب، بمعجمة وموحدة
مصغر، بن أساف بكسر الهمزة وخفّة المهملة وفاء، الأنصاري. وقال ابن إسحق: رجل من بني
مازن من الأنصار.
وفي المستدرك: أن رفاعة بن رافع طعنه بالسيف. وقال ابن هشام: اشترك في قتله معاذ بن
عفراء، وخارجة بن زيد، وخبيب بن أساف، ويقال: قتله بلال، والجمع: أن الكل اشتركوا فيه،
وكان أُميّة قد عذّبٍ بلالاً بمكّة في المستضعفين فجعلٍ اللَّه قتله على يده وفجعه قبل قتله يومئذ
بقتل ابنه عليّ بن أمية قتله عمّار بن ياسر حتى صاح أُميّة صيحة لم يسمع مثلها، قيل: وهنّأ
الصدیق بلالاً بقوله:
هنيئًا زادك الرحمن فضلاً فقد أدركت ثأرك يا بلال
ومنهم: عدوّ اللَّه أبو جهل، قال ابن إسحق: أقبل يرتجز، ويقول:
ما تنقم الحرب العوان مني بازل عامين حديث سـنّـي
لمثل هذا ولدتني أُمّي
فأذاقه اللَّه الهوان بأن قتله حفزًا في زعمه وجعل ذلك حسرة عليه، حتى قال: لو غير أّار
قتلني، بشدّة الكاف، أي: زراع، يعني أن الأنصار أصحاب زرع فأشار إلى تنقيص من قتله منهم،
والمعنى: لو كان الذي قتلني غير أكّار لكان أحبّ إليّ وأعظم لشأني، ولم يكن على نقص في
ذلك.
وروى البخاري وغيره عن عبد الرحمن بن عوف، قال: إني لفي الصفّ يوم بدر إذ التفتّ
فإذا عن يميني وعن يساري فتيان حديثا السنّ إذ قال لي أحدهما سرًّا من صاحبه: يا عمّ أرني أبا
جهل، فقلت: يا ابن أخي، وما تصنع به؟ قال: عاهدت اللَّه إن رأيته أقتله أو أموت دونه، فقال لي
الآخر سؤًا مثل صاحبه، فما سرّني أني بين رجلين مكانهما، فأشرت لهما إليه، فشدًا عليه مثل
الصقرين حتى ضرباه، وهما ابنا عفراء معاذ، ومعوّذ في الصحيحين عن أنس، قال عّ لّهِ: ((من ينظر
ما فعل أبو جهل))؟ فانطلق ابن مسعود فوجده قد ضربه ابنا عفراء حتى برك فأخذ بلحيته، فقال:
أنت أبا جهل، فقال: فهل فوق رجله قتله قومه، أو قال: قتلتموه. والرواية: أنت أبا جهل بالنصب

٢٩٧
باب غزوة بدر الكبرى
ولها توجيهات معلومة، من غريبها أنه خاطبه باللحن قصدًا لإهانته.
وعند ابن إسحق والحاكم: قال ابن مسعود: فوجدته بآخر رمق فوضعت رجلي على عنقه،
فقلت: أخزاك اللَّه يا عدوّ اللَّه، قال: ولم أخزاني هل أعمد رجل قتلتموه؟ أي: أشرف، أي: إنه
ليس بعار، أخبرني لمن الدبرة اليوم؟ أي: النصر والظفر، قلت: للَّه ورسوله، قال: وزعم رجال من
بني مخزوم أنه قال لابن مسعود: لقد ارتقيت يا رويعي الغنم مرتقى صعبًا، ثم احتززت رأسه.
وعند ابن عقبة وأبي الأسود عن عروة، أنه أي بعد هذه المكالمة وجده لا يتحرّك منه عضو، فأتاه
من ورائه فتناول قائم سيف أبي جهل فاستلّه ورفع بيضته عن قفاه فوقع رأسه بين يديه. وعند ابن
إسحق والحاكم في حديث ابن مسعود: فجئت برأسه إلى النبيّ عَّةٍ، فقلت: هذا رأس عدوّ اللَّه
أبي جهل، فقال: (اللَّه الذي لا إله إلاَّ هو)، فحلفت له، ثم ألقيت رأسه بين يديه، فحمد الله.
وفي زيادات المغازي ليونس بن بكير: فأخذ عَُّلّه بيد ابن مسعود: ثم انطلق حتى أتاه،
فقام عنده، ثم قال: ((الحمد للّه الذي أعزّ الإسلام وأهله))، ثلاث مرات.
وروى ابن عائذ من مرسل قتادة رفعه: ((إن لكل أُمة فرعونًا، وإن فرعون هذه الأُمّة أبو
جهل، قتله اللَّه شرّ قتلة، قتله ابنا عفراء وقتلته الملائكة)). وتذافه ابن مسعود بفتح الفوقية والذال
معجمة ومهملة وشدّ الفاء، أي: أجهز عليه. والحاصل: أن معاذًا ومعوّذًا ابني عفراء، وهي أَمِّهما؛
كما مرّ، وأبوهما الحرث بلغا به بضربهما إياه بسيفهما منزلة المقتول حتى لم يبقَ به إلاَّ مثل
حركة المذبوح، وفي تلك الحالة لقيه ابن مسعود فكالمه ثم ضرب عنقه بسيف نفسه.
لكن في الصحيحين من حديث عبد الرحمن بن عوف أنه قتله معاذ بن عمرو بن الجموح،
ومعاذ بن عفراء، وأن النبيّ عَّ نظر في سيفيهما وقال: ((كلاكما قتله))، وقضى بسلبه لمعاذ بن
عمرو بن الجموح.
قال ابن عبد البرّ وعياض: وأصح منه حديث الصحيحين عن أنس، أي: وعبد الرحمن
أيضًا؛ كما مرّ أن قاتله ابنا عفراء، وجمع الحافظ باحتمال أن معاذ بن عفراء شدّ عليه مع معاذ بن
عمرو وضربه بعد ذلك معوّذ بن عفراء حتى أثبته ثم حرَّ رأسه ابن مسعود، فتجتمع الأقوال كلّها،
انتهى. وسبقه إليه النووي، فقال: اشترك الثلاثة في قتله، لكن ابن الجموح أثخنه أوّلاً، فاستحقّ
السلب، وإنما قال: ((كلاكما قتله))، تطييبًا لقلب الآخر من حيث أن له مشاركًا في قتله، وإن كان
القتل الشرعي الذي يستحقّ السلب وهو الإثخان وإخراجه عن كونه ممتنعًا إنما وجد من ابن
الجموح، انتھی.
قال في النور: وهو صحيح لكن عطاء ابن الجموح السلب يدلّ على أنّه الذي أزال امتناعه.

٢٩٨
باب غزوة بدر الكبرى
وأسر من أسر من أشرافهم.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله تعالى: ﴿وما رميت إذ رميت
ولكن الله رمى﴾ [الأنفال/١٧] قال: هذا يوم بدر، أخذ معَّله ثلاث حصيات، فرمى
بحصاة في ميمنة القوم وبحصاة في ميسرة القوم، وبحصاة بين أظهرهم، وقال: شاهت
قلت: هذا حاصل الجمع، وبه صرّح النووي كما ترى، فلا معنى لاستدراكه، وجاء أنه
قال لابن مسعود: احتزّ من أصل العنق ليرى عظيمًا مهابًا في عين محمّد، وقل له: ما زلت عدوّاً
اللَّه إلى سائر الدهرٍ واليوم أشدّ عداوة، فلما أتاه برأسه وأخبره قال: ((كما أني أكرم النبيّيِنِ على
اللَّه، وأُمّتي أكرم الأمم على اللَّه، كذلك فرعون هذه الأمّة أشدّ وأغلظ من فراعنة سائر الأمم، إذ
فرعون موسى حين أدركه الغرق قال: آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل، وفرعون هذه
الأمّة ازداد عداوة وكفرًا)). وذكر عياض أن ابن مسعود إنما وضع رجله على عنقه ليصدق رؤياه.
قال ابن قتيبة: ذكر أن أبا جهل قال لابن مسعود: لأقتلّك، فقال: والله لقد رأيت في النوم إني
أخذت حدجة حنظل فوضعتها بين كتفيه ورأيتني أضرب كتفيك ولئن صدقت رؤياي لأطأن
على رقبتك ولأذبحنك ذبح الشاة الحدجة - بفتح المهملتين والجيم وتاء تأنيث - الحنظلة
الشديدة ومنهم ومنهم وقد أطلت لتشوّف النفس لقتل هذا الفرعون، مع أنه ما خلا من فائدة.
(وأسر من أسر) وهم سبعون (من أشرافهم) جمع شريف، ويجمع أيضًا على شرفاء، ولعلّه
خصّهم بهذا. والقتلى بالصناديد تنبيهًا على أن القتلى هم المعروفون بالشجاعة بينهم وإن كانوا
شرفاء. وعند ابن إسحق: أنهم لمّا جعلوا يأسرون، والنبيّ عَِّ في العريش، وسعد بن معاذ على
بابه متوشّح السيف في نفر من الأنصار يحرسونه يخافون كرّة العدوّ، فرأى عليه السّلام في وجه
سعد الكراهة، فقال له: ((والله لكأنك يا سعد تكره ما يصنع القوم))؟ قال: أجل والله يا رسول اللَّه!
كانت أوّل وقعة أوقعها اللَّه بأهل الشرك فكأن الإثخان في القتل أحبّ إليّ من استبقاء الرجل.
(وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم) العدوي مولاهم المدني (في) تفسير (قوله تعالى:
﴿وما رميت إذ رميت﴾ [الأنفال: ١٧] الآية،) أتيت بصورة الرمي، (﴿ولكن الله رمى﴾
[الأنفال: ١٧] الآية،» بإيصال ذلك إليهم؛ لأن كفا من الحصباء لا يملأ عيون الجیش الکثیر
برمية بشر، وقيل: ما رميت الفزع والرعب في قلوبهم إذ رميت بالحصباء فانهزموا، ولكن أعانك
اللَّه وظفرك وصنع ذلك، حكاه أبو عبيدة في المجاز عن ثعلب. (قال) عبد الرحمن وأعاده
للفصل بين كلام اللّه وتفسيره: (هذا يوم بدر أخذ عَّ ثلاث حصيات) نزلت من السماء وأمره
جبريل بأخذها فناولها له عليّ؛ كما مرّ. (فرمى بحصاة في ميمنة القوم) جهة يمينهم (وبحصاة
في ميسرة القوم) جهة شمالهم، (وبحصاة بين أظهرهم) أي: بينهم فأظهر زائدة، (وقال: شاهت)

٢٩٩
باب غزوة بدر الکبری
الوجوه فانهزموا.
وقد روي عن غير واحد: أن هذه الآية نزلت في رميه عَّهُه يوم بدر، وإن
كان فعل ذلك يوم حنين أيضًا كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وقد اعتقد جماعة: أن المراد بالآية سلب فعل الرسول عنه، وإضافته إلى
الرب تعالى، وجعلوا ذلك أصلاً في الجبر، وإبطال نسبة الأفعال إلى العباد،
وتحقيق نسبتها إلى الرب وحده !!
وهذا غلط
قبحت (الوجوه) زاد في الرواية: (اللَّهم أرعب قلوبهم وزلزل أقدامهم))، (فانهزموا) لا يلوون على
شىء، أي: لا يلتفتون وألقوا دروعهم.
(وقد روي عن غير واحد) كعمر عند الطبراني وحكيم بن حزام عنده، وعند ابن جرير
وابن أبي حاتم وابن عباس كلاهما عند أبي الشيخ، وقاله الجمهور، قال القرطبي: وهو الصحيح،
والسيوطي هو المشهور. (أن هذه الآية نزلت في رميه عَّ يوم بدر وإن كان قد فعل ذلك) أي:
الرمي بالحصباء، (يوم حنين أيضًا) ويوم أَحد أيضًا؛ كما عند الحاكم على شرط مسلمٍ (كما
سيأتي إن شاء اللَّه تعالى) في غزوتيهما، وقيل: نزلت في طعنة طعنها عليه السلام لأبيّ بن
خلف يوم أحد بحربته فوقع عن فرسه، ولم يخرج منه دم، فجعل يخور حتى مات، رواه الحاكم
بسند صحيح.
قال السيوطي: لكنه غريب، وقيل: في سهم رماه يوم خيبر فسار في الهواء حتى أصاب
ابن أبي الحقيق وهو على فراشه، رواه ابن جرير بإسناد مرسل جيد لكنه غريب، وقيل: في
حصبه يوم خيبر. قال القرطبي، ما حاصله: وهذا كله ضعيف؛ لأن الآية نزلت عقب بدر، وأمَّا
قوله: فلم تقتلوهم؛ فروي أن الصحابة لما صدروا عن بدر، ذكر كل واحد منهم ما فعل: فعلت
كذا فعلت كذا؛ فجاء من ذلك تفاخر ونحوه ذلك، فنزلت الآية إعلامًا بأن اللَّه هو المحيي
المميت والمقدر لجميع الأشياء، وأن العبد إنما يشارك بكسبه وقصده، انتهى.
(وقد اعتقد جماعة) كما قال العلامة ابن القيم في زاد المعاد في هدي خير العباد: (أن
المراد بالآية سلب فعل الرسول) عَّهِ (عنه وإضافته إلى الربّ تعالى) لغرضهم الفاسد المشار
له بقوله: (وجعلوا ذلك أصلاً في الجبر) بجيم وموحدة ساكنة، أي: مذهب الجبريين الزاعمين
جبر العبد على الفعل لا ينسب له منه شىء؛ كما فشره بقوله: (وإبطال نسبة الأفعال إلى العباد
وتحقيق نسبتها إلى الرب وحده) تعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا، (وهذا) كما قال ابن القيّم: (غلط

٣٠٠
باب غزوة بدر الکبری
منهم في فهم القرءان، ولو صح ذلك لوجب طرده، فيقال: ما صليت إذا صليت،
ولا صمت إذ صمت، ولا فعلت كذا إذا فعلت ولكن الله فعل ذلك، فإن طردوا
لزمهم في أفعال العباد طاعتهم ومعاصيهم إذ لا فرق، وإن خصوه بالرسول وحده
وأفعاله جميعها، أو برميه وحده ناقضوا. فهؤلاء لم يوفقوا لفهم ما أريد بالآية.
ومعلوم أن تلك الرمية من البشر لا تبلغ هذا المبلغ، فكان منه عَِّ مبدأ
الرمي، وهو الحذف، ومن الرب تعالى نهايته وهو الإيصال، فأضاف إليه رمي
الحذف الذي هو مبدؤه ونفى عنه رمي الإيصال الذي هو نهايته.
ونظير هذا في الآية نفسها قوله تعالى: ﴿فلم تقتلوهم ولكن الله
منهم في فهم القرءان، ولو صحّ ذلك لوجب طرده، فيقال: ما صلّيت إذا صلّيت ولا صمت إذ
صمت، ولا فعلت كذا إذا فعلت،) بفتح التاء في الجميع خطابًا على المتبادر أو بضمّها
للمتكلّم، (ولكن اللّه فعل ذلك فإن طردوا ذلك لزمهم في أفعال العباد) وبينها بقوله: (طاعتهم
ومعاصيهم إذ لا فرق) فلا ينسب لهم منها شىء فلا يكونون ممثلين لفعل مأمور به ولا ترك
منهي عنه، فلا يثابون على طاعة ولا يعاقبون على معصية، وهذا هدم للشريعة وإبطال للآيات
والأحاديث الكثيرة.
(وإن خصّوه بالرسول وحده وأفعاله) أي: بأفعال الرسول (جميعها أو) خصّوه (برميه وحده)
دون باقي أفعاله، (ناقضوا) أنفسهم حيث نفوا جملة الأفعال عن العباد ونسبوا بعضها إلى بعضهم،
(فهؤلاء لم يوفّقوا لفهم ما أُريد بالآية و)إنما تأويلها مع الجواب أنه (معلوم أن تلك الرمية من
البشر) وخصوصًا من واحد (لا تبلغ هذا المبلغ، فكان منه عَ ل مبدأ الرمي وهو الحذف،)
بمهملة ومعجمة الرمي بالحصباء (ومن الربّ تعالى نهايته وهو الإيصال، فأضاف إليه رمي
الحذف الذي هو مبدؤه) من إضافة الأعمّ إلى الأخص، أي: الرمي الذي هو الحذف وكذا يقال
في (ونفى عنه رميٍ الإيصال الذي هو نهايته،) وذهب ثعلب في معنى الآية إلى أن المنفي
الرعب الذي ألقاه الله في قلوبهم حتى انهزموا؛ كما مرّ، ولكنه يقتضي انهزامهم بمجرّد الرعب،
وهو خلاف الواقع من تسليط الملائكة والمسلمين بالقتل والأسر، فأثر ذلك انهزامهم لا بمجرد
الرعب، فما عليه ابن القيّم في فهم الآية كغيره أولى.
(ونظير هذا في الآية نفسها) باعتبار المآل إذ ليس فيها نفي قتل عنهم وإثباته لهم، (قوله
تعالى: ﴿فلم تقتلوهم﴾﴾ [الأنفال: ١٧]، لم تزهقوا روحهم بقوّتكم وضربكم، (﴿ولكن اللّه