Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
باب هجرة المصطفى واصحابه الى المدينة
وشنآنًا، قاله ابن الأثير.
ولا تقتحمه عين من قصر: أي لا تتجاوزه إلى غيره احتقارًا له وكل شىء
ازدريته فقد اقتحمته.
ومحفود: أي مخدوم.
والمحشود: الذي عنده حشد وهم الجماعة.
ولا عابس: من عبوس الوجه.
والمنفد: الذي يكثر اللوم وهو التفنيد.
والضرة: لحمة الضرع.
وغادرها: أي خلف الشاة عندها مرتهنة بأن تدر، انتهى.
وأخرج ابن سعد وأبو نعيم من طريق الواقدي: حدثني حزام ابن هشام عن
أبیه
(وشنأنا، قاله ابن الأثير) في النهاية (ولا تقتحمه عين من قصر، أي: لا تتجاوزه إلى غيره
احتقارًا له وكل شىء ازدريته فقد اقتحمته) قال أبو بكر بن الأنباري: كما في الغريبين،
(ومحفود، أي: مخدوم والمحشود الذي عنده حشد) بفتح المهملة وسكون المعجمة وتفتح
فدال مهملة، (وهم الجماعة ولا عابس من عبوس الوجه، والمنفذ الذي يكثر اللّوم) فهو اسم
فاعل، (وهو التنفيد والضرة لحمة الضرع))) وقال الهروي: أصل الضرع، (وغادرها، أي: خلف
الشاة عندها مرتهنه بأن تدرّ) بضمّ الدال، (انتهى) ما أراده من شرح غريبه.
قال ابن المنير: وفي الحديث من الفقه أنه لا يسوغ التصرف في ملك الغير ولا إصلاحه
وتنميته إلا بإذنه، ولهذا استأذنها في إصلاح شاتها وفيه لطيفة عجيبة، وهو أن اللبن المحتلب من
الشاة لا بدّ أن يفرض مملوكًا، والملك لههنا دائر بين صاحب الشاة وبين النبيّ عَّه وأشبه شىء
بذلك المساقاة؛ فإنها تكرمة الأصل وإصلاحه بجزء من الثمرة، وكذلك فعل النبيّ عَّل أكرم
الشاة وأصلحها بجزء من اللبن، ويحتمل أن يقال: إن اللبن مملوك للنبيّ عَ ◌ّةٍ وسقاها تفضّلاً منه
لأنه ببركته كان وعن دعائه وجد والفقه الأوّل أدقّ وألطف، انتهى.
(وأخرج ابن سعد وأبو نعيم من طريق الواقدي) محمّد بن عمر بن واقد الأسلمي، أبي
عبد الله المدني، قال: (حدّثني حزام بن هشام) بكسر الحاء المهملة وبالزاي كما ضبطه الأمير
وغيره، (عن أبيه) هشام بن خنيس بمعجمة ونون ومهملة مصغر عند إبراهيم بن سعد وسلمة بن
٠

١٤٢
باب هجرة المصطفى واصحابه إلى المدينة
عن أم معبد قالت: بقيت الشاة التي لمس عليه السلام ضرعها عندنا حتى كان
زمان الرمادة، زمن عمر بن الخطاب، وكنا نحلبها صبوحًا وغبوقًا وما في الأرض
لبن قليل ولا كثير.
الفضل عن ابن إسحق ولغيرهما عنه حبيش بضمّ المهملة وفتح الموحّدة فياء فشين معجمة، قال
في الإصابة: وهو الصواب ابن خالد الخزاعي، (عن) عمّته (أمّ معبد، قالت: بقيت الشاة التي
لمس عليه السّلام ضرعها عندنا حتى كان زمن الرمادة) سنة ثمان أو سبع عشرة من الهجرة،
قيل لها ذلك لأن الريح كانت إذا هبّت ألقت ترابًا كالرماد وأجدبت الأرض إلى الغاية حتى أوت
الوحوش إلى الإنس، (زمن عمر بن الخطاب) رضي اللَّه عنه وآلى أن لا يذوق لحمًا ولا سمنًا
ولا لبنًا، حتى حيى الناس، أي: يأتي إليهم الحيا بالقصر ويمدّ: المطر، وقال: كيف لا يعنين شأن
الرعيّة إذا لم يمسني ما مسّهم حتى استسقى بالعباس بإشارة كعب فسقوا، وفي ذلك يقول عقيل:
بعمّي سقى اللّه البلاد وأهلها عشية يستسقي بشيبته عمر
توجه بالعباس في الجدب داعيًا فما حار حتى جاد بالديمة المطر
(وكنا نحلبها) بضم اللام وكسرها، كما في القاموس وما بالعهد من قدم، (صبوحًا) بفتح
المهملة وضمّ الموحّدة: ما شرب بالغداة مما دون النائلة، (وغبوڤًا) بفتح الغين المعجمة الشرب
بالعشيّ، (وما في الأرض لبن قليل ولا كثير) في بقيّة حديث هشام هذا: وكانت أُمّ معبد يوم
نزل عليها النبيّ عَ لَه مسلمة. قال الواقدي: وقال غير هشام: قدمت بعد ذلك وأسلمت وبايعت؛
كما في الإصابة.
وذكر السهيلي عن هشام المذكور، قال: أنا رأيتها وإنها لتأدم أُمّ معبد وجميع صرمها، أي:
أهل ذلك الماء. وذكر الزمخشري في ربيع الأبرار عن هند بنت الجون، قالت: نزل ◌َُّلِّ خيمة
خالتي أُمّ معبد، فقام من رقدته فدعا بماء فغسل يديه ثم تمضمض ومجّ في عوسجة إلى جانب
الخيمة فأصبحت كأعظم دوحة، وجاءت بتمر كأعظم ما يكون في لون الورس ورائحة العنبر
وطعم الشهد ما أكل منها جائع إلا شبع، ولا ظمآن إلا روي، ولا سقيم إلا برىء، ولا أكل من
ورقها بعير ولا شاة إلا درّ لبنها، فكنّا نسميها المباركة حتى أصبحنا ذات يوم وقد تساقط ثمرها
واصفرّ ورقها، ففزعنا فما راعنا إلا نعي رسول اللَّه عَّله ثم بعد ثلاثين سنة أصبحت ذات شوك
وذهبت صفرتها، فما شعرنا إلا بقتل أمير المؤمنين عليّ، فما أثمرت بعد ذلك، وكنا ننتفع
بورقها، ثم أصبحنا وإذا بها قد نبع من أسفلها دم عبيط، وقد ذبل ورقها، فبينما نحن فزعون
مهمومون إذ أتانا خبر قتل الحسين ويبست الشجرة على أثر ذلك وذهبت، والعجب كيف لم
يشتهر أمر هذه الشجرة كالشاة، كذا ذكره وعهدته عليه، والله أعلم.

١٤٣
قصة سراقة
[قصة سراقة]
ثم تعرض لهما بقديد سراقة بن لملك بن جعشم المدلجي، فبكى أبو بكر
وقال: يا رسول الله أتينا، قال: كلا، ودعا رسول الله ێ بدعوات،
قصة سراقة
(ثم) بعد رواحهم من عند أم معبد، كما عند مغلطاي، (تعرض) أي: تصدّى، (لهما) يريد
منعهما وردهما إلى قومهما. وذكر ابن سعد أن سراقة عارضهم يوم الثلاثاء، (بقديد) ولا يخالفه
قول مغلطاي: فلمَّا راحوا من قديد؛ لأنّ معناه: لما ساروا وإن لم ينفصلوا عنه تعرّض لهما
(سراقة بن ملك بن جعشم) بضمّ الجيم والشين المعجمة بينهما مهملة ساكنة ثم ميم، وحكى
الجوهري فتح الجيم والشين، نقله النووي في التهذيب، والبرهان في النور، وإن انتقد بعدم
وجوده في نسخ الصحاح؛ لأنهما حجّة، أي: حجة (المدلجي) بضمّ الميم وسكون المهملة
وكسر اللام ثم جيم من بني مدلج بن مرّة بن عبد مناة بن كنانة، الكناني الحجازي أسلم سراقة
عنده عَةُ بالجعرانة منصرفة من حنين والطائف، وروى عنه ابن عباس وجابر وابن أخيه
عبد الرحمن بن ملك بن جعشم وابن المسيّب وطاوس، ومات سنة أربع وعشرين في أوّل خلافة
عثمن، وقيل: مات بعده. والصحيح الأوّل، أخرج له البخاري والأربعة وأحمد، وسبب تعرّضه
لهما ما رواه البخاري عنه، قال: جاءنا رسل كفار قريش يجعلون في رسول اللَّه عَ ◌ّه وأبي بكر
ديّة كل واحد منهما لمن قتله أو أسره، فبينما أنا جالس في مجالس قومي بني مدلج أقبل رجل
منهم حتى قام علينا ونحن جلوس، فقال: يا سراقة، إني قد رأيت آنفًا أسودة بالسواحل، أراها
محمّدًا وأصحابه، قال سراقة: فعرفت أنهم هم، فقلت له: أنهم ليسوا هم، ولكنك رأيت فلانًا
وفلانًا، انطلقوا بأعيننا، ثم لبثت ساعة ثم قمت فدخلت فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي من وراء
أكمة فتحبسها عليّ، أخذت رمحي فخرجت به من ظهر البيت ... الحديث، وفيه: أنه لما دنا
منهم سقط عن فرسه، واستقسم بالأزلام فخرج ما يكره لا يضرّهم ثم ركبها ثانيًا، وقرب حتى
سمع قراءة النبيّ عَّه وهو لا يلتفت وأبو بكر يكثر الالتفات فساخت يدا فرسه في الأرض إلى
الركبتين فسقط عنها، ثم خلّصها واستقسم بالأزلام فخرج الذي يكره فناداهم بالأمان. وفي رواية
ابن عقبة: وكنت أرجو أن أرده فآخذ المائة ناقة.
وفي رواية عن أبي بكر: تبعنا سراقة ونحن في جلد من الأرض، فقلت هذا الطلب لقد
لحقنا، فقال: ((لا تحزن إن اللَّه معنا))، فلمَّا دنا منا وكان بيننا وبينه رمحان أو ثلاثة، قلت: هذا
الطلب لقد لحقنا وبكيت، قال عَّم: (ما يبكيك))؟ قلت: أما والله ما على نفسي أبكي ولكن
عليك، (فبكى أبو بكر، وقال: يا رسول اللَّه! أتينا، قال: ((كلا)، ودعا رسول اللَّه عَ لَّه بدعوات)

١٤٤
قصة سراقة
فساخت قوائم فرسه، وطلب الأمان، فقال: أعلم أن قد دعوتما علي، فادعوا لي
ولكما أن أردّ الناس عنكما ولا أضركما. قال: فوقفا لي، فركبت فرسي حتى
جئتهما، قال: ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت أن سيظهر أمر رسول الله عَ ليه،
فأخبرتهما أخبار ما يريد بهما الناس، وعرضت عليهما الزاد والمتاع فلم يرزآني.
وعند الإسلعيلي وغيره، فقال: ((اللّهمّ اكفناه بما شئت)). وفي حديث أنس عند البخاري، فقال:
((اللَّهمَ اصرعه))، فصرعه فرسه، (فساخت) بسين مهملة وخاء معجمة، أي: غاصت، (قوائم فرسه)
حتى بلغت الركبتين، كما في حديث عائشة. وفي حديث أسماء عند الطبراني: فوقعت
لمنخريها. وللبزار: فارتطمت به فرسه إلى بطنها.
وللإسمعيلي: فساخت في الأرض إلى بطنها. (وطلب الأمان، فقال:) زاد ابن إسحق: أنا
سراقة، انظروني أكلّمكم، فوالله لا يأتيكم مني شىء تكرهونه، (أعلم أن قد دعوتما عليّ، فادعوا
لي) وللإسمعيلي: قد علمت يا محمّد، أن هذا عملك فادع اللَّه أن ينجيني مما أنا فيه،
(ولكما) خبر مقدّم (أن أردّ الناس) في تأويل المصدر مبتدأ، أي: لكما عليّ ردّ الناس (عنكما،)
وفي رواية: فاللَّه لكما مبتدأ وخبر، أي: ناصر وعلى أن أردّ، وبالجرّ على القسم والنصب بإسقاط
حرف القسم كلّه، قال: أقسم بالله، فحذف فنصب (ولا أضرّكما) وفي حديث ابن عباس: وأنا
لكم نافع غير ضارّ، ولا أدري لعلّ الحي يغني قومه فزعوا لركوبي وأنا راجع ورادهم عنكم،
(قال: فوقفا لي) وفي حديث البراء، قال: ادع لي ولا أضرّك، فدعا له عَّه، (فركبت فرسي
حتى جئتهما، قال: ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت) من الحبس عنهم؛ كما في حديث
عائشة. (أن سيظهر) مرفوع وأن مخفّفة، أي: أنه سيظهر، (أمر رسول اللَّه عَّة) وفي رواية ابن
إسحق: أنه قد منع مني، قال: (فأخبرتهما خبر ما يريد بهما الناس) من الحرص على الظفر بهما
وبذل المال لمن يحصلهما.
وفي حديث ابن عباس: وعاهدهم أن لا يقاتلهم ولا يخبر عنهم وأن يكتم عنهم ثلاث
ليال، (وعرضت عليهما الزاد والمتاع، فلم يرزآني) بفتح أوّله وسكون الراء فزاي فهمزة، أي:
لم ينقصاني مما معي شيئًا. وللإسماعيلي: وهذه كنانتي فخذ منها سهمًا، فإنك تمرّ على إبلي
وغنمي بمكان كذا وكذا فخذ منها حاجتك، فقال: لا حاجة لنا في إبلك ودعا له.
وفي حديث عائشة: ولم يسألاني شيئًا إلا أن قال: أخف عنا، بفتح الهمزة وسكون
المعجمة بعدها فاء: أمر من الإخفاء، فسألته أن يكتب لي كتاب أمن فأمر عامر بن فهيرة فكتب
في رقعة من أديم.

١٤٥
قصة سراقة
واجتاز عَّ في وجهه ذلك بعبد يرعى غنمًا، فكان من شأنه ما رويناه من
طريق البيهقي
وفي حديث أنس، فقال: يا نبيّ اللَّه مرني بما شئت، قال: تقف مكانك لا تتركن أحدًا
يلحق بنا، فكان أوّل النهار جاهدًا على نبيّ اللّه، وكان آخر النهار مسلحة له، رواهما البخاري،
أي: حارسًا له بسلاحه. وذكر ابن سعد: أنه لما رجع قال لقريش: قد عرفتم نظري بالطريق
وبالأثر، وقد استبرأت لكم، لم أرَ شيئًا، فرجعوا. وفي رواية ابن إسحق وابن عقبة: فسألته كتابًا
يكون بيني وبينك آية، فأمر أبا بكر فكتب لي في عظم أو رقعة أو خرقة، ثم ألقاه إليّ فأخذته
فجعلته في كنانتي، ثم رجعت وجمع في النور بأن عامرًا لما كتب طلب سراقة كتابة الصدّيق
لشهرته وعظمته. وعند ابن عقبة وابن إسحق: فلم أذكر شيئًا مما كان حتى إذا فرغ
رسول اللَّه عَّه من حنين خرجت لألقاه ومعي الكتاب فلقيته بالجعرانة حتى دنوت منه فرفعت
يدي بالكتاب، فقلت: يا رسول اللَّه! هذا كتابك، قال: ((يوم وفاء وبردان))، فدنوت منه وأسلمت.
وروى ابن مردويه وابن أبي حاتم عن الحسن عن سراقة: فبلغني أنه يريد أن يبعث خالد بن الوليد
إلى قومي فأتيته، فقلت: أحبّ أن توادع قومي فإن أسلم قومك أسلموا، وإلا آمنت منهم،
فأخذ مَِّ بيد خالد، فقال: ((اذهب معه، فافعل ما يريد))، فصالحهم خالد على أن لا يعينوا على
رسول اللَّه عَّه وإن أسلمت قريش أسلموا معهم، فأنزل الله: ﴿إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم
وبينهم ميثاق﴾ [النساء: ٩٠]، فكان من وصل إليهم كان معهم على عهدهم. قال ابن إسحق:
ولما بلغ أبا جهل ما لقي سراقة ولامه في تركهم، أنشده:
أبا حكم واللاّت لو كنت شاهدًا لأمر جوادي إذ تسيخ قوائمه
عجبت ولم تشكك بأنّ محمّدًا نبيّ وبرهان فمن ذا يكانتمه
زاد بعضهم:
عليك بكفّ القوم عنه فإنّني أرى أمره يومًا ستبدو معالمه
وفي الحديث: أنه عَّ قال لسراقة: (( کیف بك إذا لبست سواري کسری)). وذكر ابن
المنير أنه عليه السّلام قال له، ذلك يوم لحقهما في الهجرة: ((تعجب من ذلك))، فلمّا أتى بهما
عمر وبتاجه ومنطقته دعا سراقة فألبسه السوارين، وقال: ((ارفع يديك، وقل: اللَّه أكبر الحمد لله
الذي سلبهما كسرى بن هرمز وألبسهما سراقة بن لملك أعرابيًّا من بني مدلج))، ورفع عمر صوته
ثم قسم ذلك بين المسلمین.
(واجتاز عَِّ في وجهه) أي: طريقه، (ذلك) الذي هو مارّ به (بعبد) قال في النور: أسود،
ولا أعرفه ولم أرّ من ذكره في الصحابة، (يرعى غنمًا، فكان من شأنه ما رويناه من طريق البيهقي

١٤٦
قصة سراقة
بسنده عن قيس بن النعمان قال: لما انطلق النبي عَُّّه وأبو بكر مستخفيين، مرا
بعبد يرعى غنمًا، فاستسقياه اللبن فقال: ما عندي شاة تحلب، غير أن ها هنا عناقا
حملت عام أول، وما بقي لها لبن، فقال: ادع بها، فاعتقلها عَّله ومسح ضرعها،
ودعا حتى أنزلت، وجاء أبو بكر بمجن فحلب فسقى أبا بكر، ثم حلب فسقى
الراعي، ثم حلب فشرب، فقال الراعي: بالله من أنت، فوالله ما رأيت مثلك. فقال:
أو تراك تكتم علي حتى أخبرك؟ قال نعم، قال: فإني رسول الله، فقال أنت الذي
تزعم قريش أنك صابى؟ قال: إنهم ليقولون ذلك، قال: فأشهد أنك نبي، وأن ما
جئت به حق، وأنه لا يفعل ما فعلت إلا نبي، وأنا متبعك، قال: إنك لن تستطيع
بسنده عن قيس بن النعمن) السكوني أحد وفد عبد القيس الكوفي، يقال: قرأ القرءان على عهد
المصطفى وأحصاه على عهد عمر، له حديث في سنن أبي داود.
(قال: لمَّا انطلق النبيّ عَّه وأبو بكر) حال كونهما (مستخفين مرّا بعبد يرعى غنمًا
فاستسقياه اللبن، فقال: ما عندي شاة تحلب) بالبناء للمفعول، (غير أن لههنا عناقًا) بفتح العين:
الأُنثى من ولد المعز قبل استكمال الحول، كذا في المصباح. فلعلّه عبّر بالعناق مجازا من تسمية
الشىء بما يقرب منه، والأنا في قوله: (حملت عام أوّل وما بقي لها لبن،) فإنه ظاهر في أنه سبق
لها حمل وولادة، لكن رواية البيهقي كما في العيون: حملت أوّل بإسقاط عام، وزيادة: وقد
أخدجت وما بقي لها لبن، وأخدجت بفتح الهمزة وإسكان المعجمة فمهملة فجيم مفتوحتين فتاء
تأنيث، أي: ألقت ولدها ناقص الخلق وإن تمّ حملها، أو ألقته وقد استبان حمله، كما في أفعال
ابن القطاع، ورواه أبو الوليد الطيالسي، بلفظ: حملت أوّل الشتاء، وقد أخدجت وما بقي لها
حمل، (فقال: ((أدع بها)))) فدعا بها، كما في رواية البيهقي فكأنه سقط من قلم المصنّف
(فاعتقلها عَّله ومسح ضرعها ودعا) ربّه (حتى أنزلت) اللبن (وجاء أبو بكر بمجن) بكسر الميم
وفتح الجيم وشدّ النون: ترس سمّي مجنًّا لأنّه يواري حامله، أي: يستره، والميم زائدة. (فحلب
فسقى أبا بكر، ثم حلب فسقى الراعي، ثم حلب فشرب، فقال الراعي: باللَّه من أنت؟ فوالله
ما رأيت مثلك، قال: ((أو تراك) الهمزة داخلة على محذوف، أي: أأخبرك وتراك (تكتم عليَّ
حتى أخبرك)؟ قال: نعم، قال: ((فإني محمّد رسول اللَّه)، قال: أنت الذي تزعم قريش أنه
صابىء) بالهمز: خارج من دين إلى دين، سموه بذلك زعمًا منهم أنه خرج من دينهم إلى الإسلام
مع أنه ما دخل دينهم قطّ إجماعًا، ولذا (قال) عَّةِ: ((إنهم ليقولون ذلك))) أي: وهم فيه
كاذبون، (قال: فأشهد أنك نبيّ وإن ما جئت به حقّ، وإنه لا يفعل ما فعلت إلا نبيّ وأنا متّبعك)
أي: ذاهب معك إلى ما تريد على المتبادر، لا أنه أتبعه في الدين، (قال: ((إنك لن تستطيع

١٤٧
قصة سراقة
ذلك يومك، فإذا بلغك أني قد ظهرت فأتنا.
قال الحافظ مغلطاي - بعد ذكره لقصة أم معبد -: وفي الإكليل قصة أخرى
شبيهة بقصة أم معبد. قال الحاكم: فلا أدري أهي هي، أم غيرها. خاتمة.
ذلك يومك) لعلمه أنه إذا ذهب معه تبعه قومه ومنعوه من ذهابه معه وعاقبوه، والمراد باليوم مطلق
الزمن، لا خصوص اليوم الذي هو فيه، بدليل قوله: (فإذا بلغك أني قد ظهرت فأتنا))،) وهو يردّ
احتمال: أنا متبعك فأظهر إيماني وإن نهيه خوفًا عليه من الإيذاء، ثم هذا الحديث قطعًا غير قصّة
الراعي الذي أتى يريد ظلّ الصخرة التي نام تحتها عَّله؛ لأنه قال: إن في غنمه لبنًا وحلب هو
لأبي بكر وبرّد أبو بكر اللبن حتى استيقظ المصطفى كراهة أن يوقظه ثم سقاه، وأمَّا هذا العبد
فذكر أنه لا لبن معه وإنما أتى اللبن معجزة، والنبيّ عَّه وهو الذي حلب وسقاه بعد أبي بكر ثم
شرب هو آخرهم، ففي ظنّ صاحب الخميس اتّحادهما، فإنه ذكر قطعة من حديث الراعي
وعقبها بخبر العبد، ثم قال: أورد في المواهب قصة العبد الراعي بعد قصّة أُمّ معبد نظر ظاهر،
وقصة الراعي كانت قبل قصة سراقة، وهي بعد قصّة أُمّ معبد؛ كما أفاده في فتح الباري. فقال:
قبل حديث سراقة في قوله: فأخذ بهم طريق الساحل تقدم في علامات النبوّة، وفي مناقب أبي
بكر ما اتّفق لهما حين خرجا من الغار من لقى راعي الغنم وشربهما من اللبن، انتهى.
(قال الحافظ مغلطاي بعد ذكره لقصة أُمّ معبد، وفي الإكليل) للحاكم أبي عبد الله
(قصّة أخرى شبيهة بقصّة أُمّ معبد، قال الحاكم: فلا أدري أهي هي أم غيرها،) وفي قوله:
أخرى، وقوله شبيهة ردّ لتردّد الحاكم فيها، وقد رواه تلميذه البيهقي بسند حسنه ابن كثير عن
أبي بكر، قال: خرجت مع رسول اللَّه عَِّ من مكّة فانتهينا إلى حيّ من أحياء العرب، فنزلنا على
بيت منه لم يكن فيه إلا امرأة وذلك عند المساء، فجاء ابن لها بأعنز يسوقها فقالت له أُمّه: انطلق
بهذه الشفرة والشاة لهذين الرجلين، وقل لهما: اذبحاها وكلا منها وأطعمانا، فردّ النبيّ عَّةِ الشفرة،
وقال له: (ائتني بقدح))، فقال له: إنها عزبة، أي: لم يطرقها الفحل، قال: ((انطلق)، فانطلق فجاء
بقدح، فمسح عَّه ضرعها ثم حلب ملء القدح وأرسلها لأمّ الغلام معه فشربت حتى رويت، ثم
دعا عَّله بأخرى ففعل بها كذلك، ثم سقى أبا بكر، ثم دعا بأخرى ففعل بها كذلك وشرب عَّه،
فلبثنا ليلتين ثم انطلقنا، فكانت تسميه المبارك وكثرت غنمها حتى جلبت جلبًا إلى المدينة، فمرّ أبو
بكر عليها فعرفه ابنها، وقال لها: هذا الذي كان مع المبارك فسألته عنه، فقال لها: هو نبيّ اللَّه عَ لَّهه
فأدخلها عليه فأطعمها وأعطاها، قال: ولا أعلمه إلاَّ قال: أسلمت.
قال البيهقي في الدلائل: وهذه القصة قريبة من قصّة أُمّ معبد ويشبه أن تكونا واحدة.
وذكر ابن إسحق ما يدلّ على أنهما واحدة، فيحتمل أنه رأى التي في كسر الخيمة أوّلاً، ثم رجع

١٤٨
خاتمة في وقائع متفرقة حصلت في الهجرة
ولما بلغ المسلمين بالمدينة خروج رسول الله عَّ له من مكة، فكانوا يغدون
كل غادة إلى الحرة ينتظرونه حتى
ابنها بأعنز ففعل بها ما مر، ثم لمَّا أتى زوجها وصفته له، والله أعلم. انتهى.
والذي يظهر أنها غيرها كما أشار إليه مغلطاي، كيف وفي قصّة أُمّ معبد أن الشاة التي
حلب، إنما هي التي في كسر الخيمة وسقى الجميع منها ثم شرب، وإن الآتي بالأعنز إنما هو
زوجها بعدما ذهبوا، وأيضًا فقد قال في هذه: فلبثنا ليلتين إذ لو لبثا هما لأدركهما زوجها على
المبتادر ولا مانعٍ من التعدّد، إلى هذا جنح في فتح الباري فقال: أخرج البيهقي في الدلائل
شبيهًا بأصل قصّة أم معبد في لبن الشاة المهزولة دون ما فيها من صفته عَّه، لكنّه لم يسمّها في
هذه الرواية ولا نسبها، فاحتمل التعدّد، انتهى. والله أعلم.
خاتمة
ومما وقع لهم في الطريق أنه معَُّ لقى الزبير في ركب من المسلمين، كانوا تجارًا قافلين
من الشام، فكسى الزبير رسول اللَّه عَّهُ ثيابًا بيضاء، رواه البخاري عن عروة مرسلاً، ووصله
الحاكم عن عروة عن أبيه الزبير، وكذا لقيهما طلحة بن عبيد اللّه وكساهما، رواه ابن أبي شيبة
وغيره، وأخرج البيهقي عن بريدة بن الحصيب، قال: لما جعلت قريش مائة من الإبل لمن يرد
النبيّ عَّه حملني الطمع فركبت في سبعين من بني سهم فلقيته، فقال: من أنت؟ قلت: بريدة،
فالتفت عَّه إلى أبي بكر، وقال: بردًا مرًا وصلح، ثم قال: ممن أنت؟ قلت: من أسلم، قال:
سلمنا، ثم قال: ممن؟ قلت: من بني سهم، قال: خرج سهمك يا أبا بكر، فقال بريدة
للنبيّ ◌َُّلهِ: من أنت؟ قال: ((أنا محمد بن عبد اللَّه رسول اللَّه))، فقال بريدة: أشهد أن لا إله إلاَّ
اللَّه، وأن محمدًا عبده ورسوله، فأسلم بريدة وأسلم من كان معه جميعًا، قال بريدة: الحمد لله
الذي أسلم بنو سهم طائعين غير مكرهين، فلما أصبح قال بريدة: يا رسول اللَّه! لا تدخل المدينة
إلا ومعك لواء فحل عمامته ثم شدها في رمح ثم مشى بين يديه حتى دخلوا المدينة.
(ولما بلغ المسلمين) حال كونهم (بالمدينة خروج رسول اللَّه عل ◌ّ من مكّة) ولعلّه بلغهم
لما سمع أهل مكة الهاتف أو نحو ذلك، فلا ينافي أنه لم يعلم بخروجه من مكّة إلاَّ عليّ وآل
أبي بكر، (فكانوا) جواب لما دخلته الفاء على قلّة (يغدون) بسكون المعجمة: يخرجون غدوة،
وأتى بقوله: (كل غادة) أي: بكرة النهار مع قوله يغدون إشارة إلى تكرّر ذلك منهم وهو أقوى من
كان مع المضارع؛ لأن منهم من صحح أنها لا تفيد التكرار أو لأنه لما استعمل الغدو في
الذهاب، أي: وقت كان، كما ذكره الأزهري أتى به ليعين المراد منه (إلى الحرّة) بفتح
المهملة وشدّ الراء: أرض ذات حجارة سود كانت بها الوقعة المشهورة أيام يزيد، (ينتظرونه حتى

١٤٩
خاتمة في وقائع متفرقة حصلت في الهجرة
يردهم حر الظهيرة، فانقلبوا يومًا بعد ما أطالوا انتظارهم، فلما أووا إلى بيوتهم أوفى
رجل من يهود على أطم من آطامهم، فبصر برسول الله علّ له وأصحابه مبيضين يزول
بهم السراب، فلم يملك اليهود نفسه فصاح فأعلى صوته يا بني قيلة هذا جدكم -
أي حظكم ومطلوبكم - قد أقبل، فخرج إليه بنو قيلة - وهم الأوس والخزرج -
سراعًا بسلاحهم، فنزل بقباء على بني عمرو بن عوف .. الحديث رواه البخاري.
وفیہ: أُن أبا بكر قام للناس، وجلس
يردّهم حرّ الظهيرة) كما في حديث عائشة في البخاري، وعند ابن سعد: فإذا أحرقتهم الشمس
رجعوا إلى منازلهم، وللحاكم عن عبد الرحمن بن عويم بن ساعدة عن رجل من قومه: كنا نخرج
فنلجأ بظاهر الحرة نلجأ إلى ظلّ المدر حتى تغلبنا عليه الشمس، ثم نرجع إلى رحالنا، ولم أرّ
عدة الأيام التي فعلوا ذلك فيها، ويحتمل أنها الثلاثة التي مكثها في الغار واليومان اللذان لبثهما
عند المرأة، (فانقلبوا يومًا بعدما طال انتظارهم) له عليه السّلام، (فلمَّا أووا إلى بيوتهم أوفى)
بفتح الهمزة والفاء طلع، (رجل من يهود) قال الحافظ: لم أقف على اسمه (على أطم) بضمّ
الهمزة والطاء، (من آطامهم) وهو الحصن، ويقال: إنه كان بناء من حجارة كالقصر، كما في الفتح.
(فبصر) بفتح الموحّدة وضمّ المهملة، أي: علم (برسول اللَّه عَظله وأصحابه) كأبي بكر
ومولاه، والدليل: وبريدة حال كونهم (مبيضين) أي: عليهم الثياب البيض التي كساها إيّاهم
الزبير وطلحة، وقال ابن التين: يحتمل أن معناه مستعجلين، قال ابن فارس: يقال بائض، أي:
مستعجلين ويدلّ عليه (يزول بهم) أي: يرفعهم ويظهرهم، (السراب) المرئي نصف النهار في
شدّة الحر كأنه ماء، وفي الفتح: أي يزول بسبب عروضهم له، وقيل: معناه ظهرت حركتهم فيه
للعين، (فلم يملك اليهود نفسه فصاح بأعلى صوته: يا بني قيلة) بفتح القاف وسكون التحتية:
الجدّة الكبرى للأنصار والدة الأوس والخزرج وهي بنت كاهل بن عذرة، (هذا جدّكم) بفتح
الجيم وشدّ المهملة، (أي: حظّكم ومطلوبكم) وصاحب دولتكم الذي تتوقّعونه، وفي رواية: هذا
صاحبكم، (قد أقبل فخرج إليه بنو قيلة وهم الأوس والخزرج سراعًا بسلاحهم) إظهارًا للقوّة
والشجاعة لتطمئنّ نفسه عَّ بقدومه عليهم ويظهر صدقهم له في مبايعتهم إيّاه على أن يمنعوه
مما يمنعون منه أبناءهم وأنفسهم، (فنزل بقباء على بني عمرو بن عوف) بن لملك بن الأوس بن
حارثة على فرسخ من المسجد النبوي، وكان نزوله على كلثوم بن الهدم، قيل: کانٍ يومئذ
مشركًا، وجزم به محمّد بن زبالة.
(الحديث رواه البخاري) من حديث عائشة (وفيه: أن أبا بكر قام للناس) يتلقّاهم (وجلس

١٥٠
خاتمة في وقائع متفرقة حصلت في الهجرة
رسول الله عَّله صامتًا، فطفق من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول الله عَّ له يحيى
أبا بكر، حتى أصابت الشمس رسول الله عَّ فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه،
فعرف الناس رسول الله عَّه عند ذلك.
وظاهر هذا أنه عليه الصلاة والسلام كانت الشمس تصيبه، وما تقدم من
تظليل الغمام والملك له كان قبل بعثه، كما هو صريح في موضعه.
قال موسى بن عقبة عن ابن شهاب: وكان قدومه عليه السلام لهلال ربيع
الأول، أي أول يوم منه.
وفي رواية جرير بن حازم عن ابن إسحق: قدمها لليلتين خلتا من شهر ربيع
الأول، ونحوه عند أبي معشر،
رسول اللَّه عَلِّ صامتًا فطفق) بكسر الفاء وفتحها: جعل، (من جاء من الأنصار ممّن لم يرَ
رسول اللَّه عَّ يحيّي أبا بكر) أي: يسلّم عليه يظنّه رسول اللَّه عَّه، كما في رواية ابن عقبة عن
ابن شهاب، وهو ظاهر السياق خلافًا لقول ابن اللتين لمعرفتهم أبا بكر لكثرة تردّده لهم في
التجارة إلى الشام، بخلاف المصطفى فلم يأتها بعد أن كبر، قاله الحافظ ملخّصًا، أي: وأمَّا من
رآه كاهل العقبات فإنهم يحيّونه لمعرفتهم به، لكن لو وقع لعلمه غيرهم ممن لم يره بتحية
الرأس، فلعلّهم تأخّروا ذلك الوقت لعذر، (حتى أصابت الشمس رسول اللَّه عَلَّه فأقبل أبو بكر
حتى ظّل عليه بردائه فعرف الناس رسول اللَّه عند ذلك،) وعن ابن عقبة عن الزهري: فطفق من
جاء من الأنصار ممن لم يكن رآه يحسبه إيّاه، حتى إذا أصابته الشمس أقبل أبو بكر بشىء أظلّه
به، وعند ابن إسحق عن عبد الرحمن بن عويم: أناخ إلى الظل هو وأبو بكر، والله ما أدري أيّهما
هو حتى رأينا أبا بكر ينحاز له عن الظلّ فعرفناه بذلك.
(وظاهر هذا أنّه عليه الصّلاة والسّلام كانت الشمس تصيبه وما تقدم من تظليل الغمام
والملك له كان قبل بعثته كما هو صريح في موضعه) فلا ينافي ما هنا (قال موسى بن عقبة عن
ابن شهاب: وكان قدومه عليه السّلام لهلال ربيع الأوّل، أي أوّل يوم منه) فليس دخوله مقارناً
لطلوع الهلال، كما قد يتوهم من قوله لهلال إذ اللام بمعنى عند.
(وفي رواية جرير بن حازم) بن زيد بن عبد اللَّه الأزدي البصري الثقة المتوفّى سنة سبعين
ومائة، (عن ابن إسحق قدمها لليلتين خلتا من شهر ربيع الأوّل،) وهذا يجمع بينه وبين ما قبله
بالاختلاف في رؤية الهلال كما يأتي قريباً، (ونحوه عند أبي معشر) نجيح بن عبد الرحمن
الهاشمي مولاهم السندي بكسر المهملة وسكون النون فيه مقال، لكن قال مغلطاي: هو من

١٥١
خاتمة في وقائع متفرقة حصلت في الهجرة
لكنه قال: ليلة الإثنين.
وعن ابن سعد: قدمها لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول.
وفي «شرف المصطفى)) من طريق أبي بكربن حزم: قدم لثلاث عشرة من
ربيع الأول.
وهذا يجمع بينه وبين الذي قبله بالحمل على الاختلاف في رؤية الهلال.
وقيل: كان حين اشتد الضحاء يوم الإثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت منه. وبه
جزم النووي في كتاب السير من الروضة.
وقال ابن الكلبي: خرج من الغار يوم الإثنين أول يوم ربيع الأول
المعتمدين في السير مرّ بعض ترجمته، (لكنه قال ليلة الاثنين) ومثله عن ابن البرقي، وثبت
كذلك في أواخر مسلم، قال مغلطاي: وفيه نظر، والدمياطي: هو غير محفوظ ويأتي جمع
الحافظ، (وعن ابن سعد) ليس هو محمد بن سعد كاتب الواقدي كما هو المتبادر عند
الإطلاق، وإنما هو هنا كما في فتح الباري إبراهيم بن سعد عن ابن إسحق، (قدمها لاثنتي عشرة
ليلة خلت من ربيع الأول) وإبراهيم هذا آخر من روى المغازي عن ابن إسحق، كما في الروض.
(وفي) كتاب (شرف المصطفى) لأبي سعد النيسابوري (من طريق أبي بكر) بن
محمد بن عمرو (بن حزم) بمهملة وزاي الأنصاري النجاري قاضي المدينة ثم أميرها، مات سنة
عشرين ومائة عن أربع وثمانين سنة. (قدم لثلاث عشرة من ربيع الأوّل).
قال الحافظ في الفتح: (وهذا) أي: المذكور، (يجمع بينه وبين الذي قبله) من القولين
الأوّلين وهما لهلال ولليلتين والأخيرين وهما لاثنتي عشرة ولثلاث عشرة، (بالحمل على
الاختلاف في رؤية الهلال) زاد في الفتح: وعند أبي سعد في الشرف من حديث عمر: ثم نزل
على بني عمرو بن عوف يوم الاثنين لليلتين بقيتا من ربيع الأوّل، كذا فيه ولعلّه كان خلتا ليوافق
رواية جرير بن حازم. (وقيل: كان حين اشتدّ الضحاء) بالفتح والمدّ كما في النور، أي: قوي
وكمل ببلوغه آخر وقته، فلا ينافي ما مر أن اليهود رآهم يزول بهم السراب. وأمَّا الضحى بالضم
والقص فالشمس، كما في القاموس (يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت منه، وبه جزم النووي
في كتاب السّيّر من الروضة،) وثنى به في الإشارة.
(وقال ابن الكلبي) هشام بن محمّد (خرج من الغار يوم) الذي في الفتح عن ابن الكلبي:
ليلة (الاثنين أوّل ربيع الأوّل)) قال الحافظ: ويوافقه جزم ابن حزم بأنه خرج من مكّة لثلاث ليال
بقين من صفر، فإن كان محفوظًا فلعلّ قدومه قباء كان يوم الاثنين ثامن ربيع الأوّل، انتهى.

١٥٢
خاتمة في وقائع متفرقة حصلت في الهجرة
ودخل المدينة يوم الجمعة لثنتي عشرة خلت منه، وقيل ليلتين خلتا منه.
وعند البيهقي: لإثنتين وعشرين ليلة.
وقال ابن حزم: خرجا من مكة وبقي من صفر ثلاث ليال.
وأقام علي بمكة بعد مخرج النبي عَّةِ ثلاثة أيام، ثم أدركه بقباء يوم الإثنين
سابع - وقيل: ثامن - عشر ربيع الأول، وكانت مدة مقامه مع النبي عَ ◌ّه ليلة أو
لیلتین.
وأمر ێ﴾ بالتاريخ
وهذا الذي ترجاه صدر به مغلطاي في الإشارة، قال الحافظ: وإن ضمّ إلى قول أنس أقام
بقباء أربع عشرة ليلة خرج منه أن دخوله المدينة كان لاثنين وعشرين منه، لكنه قال: (ودخل
المدينة يوم الجمعة لاثنتي عشرة خلت منه،) فعلى هذا تكون إقامته بقباء أربع ليال فقط، وبه
جزم ابن حبان فإنه قال: أقام بها الثلاثاء والأربعاء والخميس، يعني: وخرج يوم الجمعة فلم يعدّ
يوم الخروج، وكذا قال ابن عقبة: أنه أقام فيهم ثلاث ليال، فكأنه لم يعتد بيوم الخروج ولا
الدخول، انتهى.
(وقيل: ليلتين خلتا منه) قاله ابن الجوزي. قال مغلطاي: وفيه نظر، وعند ابن الزبير عن
الزهري: قدم في نصف ربيع الأوّل، وقيل: في سابعه، والأكثر أنه قدم نهارًا. وفي مسلم: ليلاً،
وجمع الحافظ بأن القدوم كان آخر الليل فدخل فيه نهارًا.
(وعند البيهقي: لاثنتين وعشرين ليلة) فيوافق قول أنس: أقام بقباء أربع عشرة ليلة، مع
ضمّه لقوله: (وقال ابن حزم: خرجا من مكة، وبقي من صفر ثلاث ليال) فيكون خروجهما يوم
الخميس والإقامة بالغار ليلة الجمعة والسبت والأحد والخروج منه ليلة الاثنين، وهذا يوافق
الجمع السابق. (وأقام عليّ بمكّة بعد مخرج النبيّ عَّ ثلاثة أيام) حتى أدّى للناس ودائعهم التي
كانت عند المصطفى وخلفه لردها، (ثم أدركه بقباء يوم الاثنين سابع، وقيل: ثامن عشر ربيع
الأوّل، وكانت مدّة مقامه مع النبيّ عَّه) بقباء (ليلة أو ليلتين) وفي روضة الأحباب: وكان
عليّ يسير بالليل ويختفي بالنهار، وقد نقبت قدماه فمسحهما النبيّ عَّه ودعا له بالشفاء، فبرئتا
في الحال، وما اشتكاهما بعد اليوم قطّ.
(وأمر مَّة) وهو بقباء (بالتاريخ) قال الجوهري: هو تعريف الوقت والتوريخ مثله، يقال:
أرخت وورخت، وقيل: اشتقاقه من الأرخ، وهو الأنثى من بقر الوحش، كأنّه شىء حدث كما
يحدث الولد، وقيل: هو معرب، ويقال: أوّل ما أحدث التاريخ من الطوفان، قاله في الفتح.

١٥٣
خاتمة في وقائع متفرقة حصلت في الهجرة
فكتب من حين الهجرة.
وقيل: إن عمر أول من أُرّخ وجعله من المحرم.
واصطلاحاً، قيل: توقيت الفعل بالزمان ليعلم ما بين مقدار ابتدائه وبين أي غاية وضعت له فإذا
قلت: كتبت كذا في يوم كذا من شهر كذا، ثم قرىء بعد سنة مثلاً علم أن ما بين القراءة
والكتابة سنة، وقيل: هو أوّل مدة من شهر ليعلم به مقدار ما مضى، واختصّت العرب بإنها تؤرّخ
بالسنة القمرية لا الشمسية، فلذا قدمت الليالي؛ لأن الهلال إنما يظهر ليلاً.
(فكتب من حين الهجرة.) رواه الحاكم في الإكليل عن الزهري وهو معضل والمشهور
خلافه، وأن ذلك زمن عمر، كما قال الحافظ. (وقيل: إن عمر أوّل من أرّخ) أخرج أبو نعيم
الفضل بن دكين في تاريخه، ومن طريقه الحاكم عن الشعبي أن أبا موسى كتب إلى عمر أنه
يأتينا منك كتب ليس لها تاريخ، فجمع عمر الناس، فقال بعضهم أرّخ بالمبعث وبعضهم
بالهجرة، فقال عمر: الهجرة فرّقت بين الحق والباطل، فأرّخوا بها وبالمحرم؛ لأنّه منصرف الناس
من حجّهم، فاتّفقوا عليه وذلك سنة سبع عشرة.
ورواه ابن أبي خيثمة عن ابن سيرين بنحوه، قال: وذلك في سنة سبع عشرة، وقيل: ستّ
عشرة في ربيع الأوّل، فلذا قال: (وجعله من المحرم؛) لأن ابتداء العزم على الهجرة كان فيه،
إذا البيعة وقعت أثناء ذي الحجة، وهي مقدمة الهجرة وأوّل هلال استهل بعدها، والعزم على
الهجرة الهلال المحرم، فناسب أن يجعل مبتدأ؛ والمتحصل من مجموع آثار أن الذي أشار
بالمحرم عمر وعثمن وعلي، وذكر السهيلي: أن الصحابة أخذوا التاريخ بالهجرة من قوله:
﴿المسجد أُسّس على التقوى من أوّل يوم﴾ [التوبة: ١٠٨]، لأن من المعلوم أنه ليس أوّل الأيام
مطلقاً فتعين أنه أضيف إلى شىء مضمر، وهو أوّل الزمن الذي عزّ فيه الإسلام وعَبِد النبيّ معَّه
ربّه آمنًا وابتدأ فيه بناء المسجد، فوافق رأي الصحابة ابتداء التاريخ من ذلك اليوم وفهمنا من
فعلهم أن قوله تعالى: ﴿من أوّل يوم﴾ [التوبة: ١٠٨]، أنّه أوّل التاريخ الإسلامي، قال في الفتح:
كذا قال والمتبادر أن معنى قوله: ﴿من أوّل يوم﴾ [التوبة: ١٠٨]، أي: دخل النبيّ عَّه وأصحابه
المدینة، انتهى.
وقد قال ابن المنير: كلام السهيلي تكلّف وتسعّف وخروج عن تقدير الأقدمين فإنهم
قدروه من تأسيس أول يوم، فكأنه قيل: من أوّلٍ يوم وقع فيه التأسيس، وهذا تقدير تقتضيه العربية
وتشهد له الآية، وقيل: أوّل من أرّخ يعلى بن أَميّة حين كان باليمن، حكاه مغلطاي. ورواه أحمد
بإسناد صحيح عن يعلى. قال الحافظ: لكن فيه انقطاع بين عمرو بن دينار ويعلى، ولم يؤرّخوا
بالمولد ولا بالمبعث؛ لأن وقتهما لا يخلو من نزاع من حيث الاختلاف فيهما، ولا بالوفاة النبوية

١٥٤
خاتمة في وقائع متفرقة حصلت في الهجرة
وأقام عليه السلام بقباء في بني عمرو بن عوف اثنتين وعشرين ليلة.
وفي صحيح مسلم: أقام فيهم أربع عشرة ليلة.
ويقال: إنه أقام يوم الإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس.
وأسس مسجد قباء، الذي أسس على التقوى، على الصحيح،
...
لما يقع في تذكره من الأسف والتألّم على فراقه، وقيل: بل أرّخ بوفاته عليه السلام، حكاه
مغلطاي.
(و)اختلف في قدر إقامته في قباء، فذكر موسى بن عقبة عن ابن شهاب عن مجمع بن
جارية: أنه (أقام عليه السّلام بقباء في بني عمرو بن عوف اثنتين وعشرين ليلة) وحكاه الزبير بن
بكار عن قوم من بني عمرو. (وفي صحيح مسلم) لا وجه للاقتصار عليه بل والبخاري كلاهما
عن أنس، (أقام فيهم أربع عشرة ليلة) وبه يفسر قول عائشة: بضع عشرة ليلة، (ويقال: أنه أقام
يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخمیس،) قاله ابن إسحق، وجزم به ابن حبان.
قال اليعمري: وهو المشهور عند أصحاب المغازي، وقيل: أقام ثلاثاً فقط، رواه ابن عائذ
عن ابن عباس وابن عقبة عن الزهري، وقال ابن إسحق: أقام فيهم خمسًا وبنو عمرو بن عوف
يزعمون أكثر من ذلك. قال الحافظ: أنس ليس من بني عمرو فإنهم من الأوس وأنس من
الخزرج، وقد جزم بما ذكر فهو أولى بالقبول من غيره انتهى. لا سيّما مع صحة الطريق إليه
لاتفاق الشيخين عليه، وفي ذخائر العقبى: أقام ليلة أو ليلتين.
(وأسس) وَّلِ (مسجد قباء) وصلّى فيه، روى ابن زبالة: أنه كان لكلثوم ابن الهدم مربد
فأخذه ◌َُّلِّ فأسسه وبناه مسجدًا. وأخرج عبد الرزاق والبخاري عن عروة وابن عائد عن ابن
عباس: الذي بنى فيهم المسجد الذي أُسّس على التقوى هم بنو عمرو بن عوف. وروى يونس
في زيادات المغازي عن الحكم بن عتيبة: لما نزل عَّه قباء، قال عمار بن ياسر: ما لرسول الله
بدّ من أن نجعل له مكانًا يستظلّ فيه إذا استيقظ، ويصلّ فيه، فجمع حجارة فبنى مسجد قباء،
فهو أول مسجد بني، يعني في الإسلام.
وروى ابن أبي شيبة عن جابر، قال: لقد لبثنا بالمدينة قبل أن يقدم علينا رسول اللّه مع اليه.
بسنتين نعمر المساجد ونقيم الصلاة، ولذا أقبل المتقدمون في الهجرة من أصحاب النبيّ عي.
والأنصار بقباء قد بنوا مسجدًا يصلون فيه، فلما هاجر عَّهِ وورد بقباء صلّى فيه إلى بيت
المقدس ولم يحدث فيه شيئًا، وجمع بينها بما حاصله: أنه لم يحدث فيه شيئًا في أوّل بنائه لكن
لما قدم وصلّى فيه غيّر بناءه وقدم القبلة موضعها اليوم، كما في حديث عند ابن أبي شيبة أيضاً.
(الذي أُسّس على التقوى على الصحيح) في تفسير الآية، وهو ظاهرها وقول الجمهور،

١٥٥
خاتمة في وقائع متفرقة حصلت في الهجرة
وهو أول مسجد بني في الإسلام وأول مسجد صلى فيه عليه السلام بأصحابه
جماعة ظاهرًا، وأول مسجد بني لجماعة المسلمين عامة، وإن كان تقدم بناء غيره
من المساجد لكن لخصوص الذي بناه.
وبه جزم عروة بن الزبير عند البخاري وغيره، كما علم وذهب قوم منهم ابن عمر وأبو سعيد
وزيد بن ثابت إلى أنه مسجد المدينة، وحجّته قوية فقد صحّ مرفوعًا نصًّا. أخرج مسلم عن أبي
سعيد: سألت رسول اللَّه ◌ّ عن المسجد الذي أُسّس على التقوى، فقال: ((هو مسجدكم هذا)).
وروى أحمد والترمذي عن أبي سعيد: اختلف رجلان في المسجد الذي أُسّس على التقوى،
فقال أحدهما: هو مسجد رسول اللَّه عَِّ، وقال الآخر: هو مسجد قباء، فأتيا رسول اللَّه عَله.
فسألاه عن ذلك، فقال: ((هو هذا، وفي ذلك خير كثير))، وأخرجه أحمد عن سهل بن سعد
نحوه.
وأخرجه من وجه آخر عن سهل عن أُبيّ بن كعب مرفوعًا، ولهذه الأحاديث وصحتها جزم
الإمام لملك في العتيبة بأن الذي أسّس على التقوى مسجد المدينة. وقال ابن رشد في شرحها:
أنه الصحيح، قال الحافظ: والحقّ أن كلاًّ منهما أُسّس على التقوى، وقوله تعالى في بقيّة
﴿يحبون أن يتطهروا﴾، الآية يؤيد كون المراد مسجد قباء، وعند أبي داود بإسناد صحيح عن
أبي هريرة عن النبيّ عَُّّهِ، قالت: نزلت رجال يحبون أن يتطهّروا في أهل قباء، وعلى هذا فالشّر
في جوابه عَّهِ بأن المسجد الذي أَسّس على التقوى مسجده رفع توهّم أن ذلك خاص بمسجد
قباء، قال الداودي وغيره: ليس هذا اختلافًا؛ لأنّ كلامهما أُسّس على التقوى، وكذا قال السهيلي
وزاد غيره: أن قوله من أوّل يوم يقتضي مسجد قباء؛ لأن تأسيسه في أوّل يوم حلّ النبيّ عَّه بدار
الهجرة، انتهى.
(وهو) في التحقيق، كما قال الحافظ: (أوّل مسجد بني في الإسلام وأوّل مسجد صلّى
فيه عليه السّلام بأصحابه جماعة ظاهرًا، وأوّل مسجد بني لجماعة المسلمين عامة، وإن كان
تقدّم بناء غيره من المساجد) كبناء أبي بكر بفناء داره، (لكن لخصوص الذي بناه) فلا يعادل
هذا، وقد روى الترمذي عن أسيد بن ظهير عن النبيّ عَّه، قال: ((الصلاة في مسجد قباء ركعتين
أحبّ إليّ من أن آتي بيت المقدس مرّتين، لو يعلمون ما في قباء لضربوا إليه أكباد الإبل)).
وأخرج الشيخان عن ابن عمر: كان عَِّ يزور قباء أو يأتي قباء راكبًا أو ماشيًا، وأخرجا عنه أيضًا
رفعه: ((من صلّى فيه كان كعدل عمرة)). روى ابن ماجه عن سهل بن حنيف رفعه: ((من تطّر
في بيته ثم أتى مسجد قباء فصلّى فيه صلاة، كان كأجر عمرة). وأخرج لملك وأحمد والبخاري
والنسائي والحاكم عن ابن عمر: أن رسول اللّه عٍَّ كان يأتي مسجد قباء كل سبت راكبًا أو

١٥٦
خاتمة في وقائع متفرقة حصلت في الهجرة
ثم خرج عليه السلام من قباء يوم الجمعة حين ارتفع النهار، فأدركته الجمعة
في بني سالم بن عوف فصلاها بمن كان معه من المسلمين، وهم مائة، في بطن
وادي رانوناء- براء مهلمة ونونين ممدودًا، كعاشوراء وتاسوعاء - واسم المسجد
((غبيب)) - بضم الغين المعجمة، بتصغير غب، كما ضبطه صاحب المغانم المطابة،
ماشيًا وكان عبد اللَّه يفعله. (ثم خرج عليه السّلام من قباء يوم الجمعة) كما عند ابن عائذ وابن
إسحق، وإنما يأتي على أنه أقام بقباء أربعة أيام، كما قال زين الحافظ:
أقام أربعًا لديهم وطلع في يوم جمعة فصلّى وجمع
في مسجد الجمعة وهو أوّل ما جمع النبيّ فيما نقلوا
فيهـم وهم ينتحلون ذكره
وقيل بل أقام أربع عشرة
لكن ما مزّ مـن الإتيان
وهو الذي أخرجه الشيخان
لمسجد الجمعة يوم جمعة لا يستقيم مع هذي المدة
إلا على القول بكون القدمة إلى قبا كانت بيوم الجمعة
(حين ارتفع النهار فأدركته الجمعة) أي: صلاتها وتعبيره بيوم الجمعة مشعر بقدم
تسميتها بذلك، وهو أحد الأقوال لجمع الخلائق فيه يوم القيامة، أو لأن خلق آدم جمع فيه،
وقيل: أوّل من سمّاه بذلك كعب بن لؤي، وقيل: قصيّ، كما مر في النسب الكريم. وقيل:
التسمية به إسلاميّة لاجتماع الناس للصلاة فيه، لما جمع أسعد بن زرارة بالناس قبل الهجرة
النبويّة.
(في) أرض أو مساكن (بني سالم بن عوف فصلاّها) بمسجدهم (بمن كان معه من
المسلمين، وهم مائة) وقيل: أربعون، ولا ينافيهما رواية: أنه حين قدم عليه السّلام استقبله زهاء
خمسمائة بقباء لجواز أنهم رجعوا بعد إلى المدينة، فلم يبقَ معه لما دخل بني سالم إلا هؤلاء.
(في بطن وادي رانوناء، براء مهملة ونونين ممدوداً كعاشوراء وتاسوعاء، واسم المسجد غبيب
بضمّ الغين المعجمة) وفتح الموحدة وسكون التحتية فموحّدة، (بتصغير غب، كما ضبطه
صاحب المغانم المطابة) في فضائل طابة، وهو المجد الشيرازي صاحب القاموس، ويقع في
بعض النسخ السقيمة زيادة.
وفي القاموس: الغبغب كجندب وكان أصله طرة معارضة لضبط المصنّف؛ لأن تصغيره
على هذا: غُبيّب، بشدّ الياء فألحقها من لا يميز وهي خطأ شنيع؛ لأن القاموس إنما ذكره في العين

١٥٧
خاتمة في وقائع متفرقة حصلت في الهجرة
والوادي: ذي صلب - ولذا سمي مسجد الجمعة، وهو مسجد صغير مبني بحجارة
قدر نصف القامة، وهو على يمين السالك الى مسجد قباء.
وركب عَّ ◌ُلِّ على راحلته بعد الجمعة متوجهًا إلى المدينة.
وروى أنس بن ملك أنه عَّهِ أقبل إلى المدينة وهو مردف أبا بكر،
المهملة، فقال: العبّ شرب الماء، إلى أن قال: والعيعب كجندب كثرة الماء وواد، وصرح في
الغين المعجمة بمثل ما هنا، فقال: وكزبير موضع بالمدينة.
(والوادي) اسمه (ذي صلب) كذا في نسخ بالياء، وكان اسمه بالياء، فقصد حكايته.
وفي نسخة: ذو صلب، وأخرى: والوادي صلب، وهما ظاهرتان.
وفي القاموس: الصلب بالضم وعسكر وأسير. (ولذا) أي: لصلاته عليه السّلام فيه (سمّي
مسجد الجمعة) وهي أوّل جمعة صلاّها، وأوّل خطبة خطبها في الإسلام؛ كما قال ابن إسحق،
وجزم به اليعمري، وقيل: كان يصلّي الجمعة في مسجد قباء مدّة إقامته. (وهو مسجد صغير
مبني بحجارة قدر نصف القامة، وهو على يمين السالك إلى مسجد قباء) أي: وكان مختصًّا
ببني سالم، لما مرّ أن أوّل مسجد بني لعامّة المسلمين مسجد قباء، ويكونه للعامّة لا ينافيه قول
جابر: لقد لبثنا بالمدينة قبل أن يقدم النبيّ عَّله سنتين نعمّر المساجد، ولا يرد أن التحرير أن بين
ابتداء هجرة الصحابة وبين الهجرة النبويّة شهرين؛ وبعض شهر؛ لأن ابتداء الهجرة كان بعد العقبة
الثالثة بتلك المدّة، وعمارة المساجد بعد الأولى، ودفع استشكاله بزيادة المدّة على سنتين بأنّهم
لم يعمروا بمجرد رجوع السّة الأوّلين إلى المدينة، بل بعد ظهور الإسلام بها.
(وركب عَّ على راحلته بعد) صلاة (الجمعة متوجّهًا إلى المدينة. وروى أنس بن ملك:
أنّه عَّ أقبل إلى المدينة وهو مردف أبا بكر) خلفه على الراحلة التي هو عليها إكرامًا له، وإلا
فقد كان له راحلة، كما مرّ. وفي فتح الباري، قال الداودي: يحتمل أنه مرتدف خلفه على
راحلته، ويحتمل أن يكون على راحلة أخرى. قال اللّه تعالى: ﴿بألف من الملائكة مردفين﴾
[الأنفال: ٩]، أي: يتلو بعضهم بعضًا. ورجّح ابن التين الأوّل، وقال: لا يصحّ الثاني لأنّه يلزم منه
أن يمشي أبو بكر بين يدي النبيّ علَّةٍ.
قلت: إنما يلزم ذلك لو كان الخبر جاء بالعكس، كأن يقول: والنبيّ مرتدف خلف أبي
بكر، فأمَّا ولفظه: وهو مردف أبا بكر فلا، وسيأتي في الباب بعده، يعني في البخاري من وجه
آخر عن أنس: فكأني أنظر إلى النبيّ عَّه على راحلته وأبو بكر ردفه، انتهى. وذكر ابن هشام:
أنهم لما وصلوا إلى العرج أبطأ عليهم بعض ظهرهم، فحمل رسول اللَّه عَّةٍ أوس بن حجر

١٥٨
خاتمة في وقائع متفرقة حصلت في الهجرة
وأبو بكر شيخ يعرف، والنبي عَّ شاب لا يعرف، قال: فيلقى الرجل أبا بكر
فيقول: يا أبا بكر من هذا الذي بين يديك، فيقول: هذا الرجل يهديني السبيل،
فيحسب الحاسب أنه إنما يعني الطريق، وإنما يعني سبيل الخير، الحديث رواه
البخاري.
وقد روى ابن سعد أنه عَِّ قال لأبي بكر: أله عني الناس، فكان إذا سئل
من أنت قال: باغي حاجة، فإذا قيل: من هذا معك؟ قال: هذا يهديني السبيل.
وفي حديث الطبراني، من رواية أسماء: وكان أبو بكر رجلاً معروفًا في
الناس، فإذا لقيه لاقٍ يقول لأبي بكر: من هذا معك؟ فيقول: هذا يهديني الطريق
يريد الهداية في الدين، ويحسبه الآخر دليلاً.
الأسلمي على جمل له إلى المدينة وبعث معه غلاماً يقال له مسعود بن هنيدة، وأخرجه الطبراني
وغيره عن أوس، وفيه: أنه أعطاهما فحل إبله وأرسل معهما غلامه مسعودًا، وأمره أن لا يفارقهما
حتى يصلا المدينة.
(وأبو بكر شيخ) قد أسرع إليه الشيب (يعرف) لأنه كان يمرّ على أهل المدينة في سفر
التجارة، كما في الفتح. (والنبيّ عَّ شابٌ) لا شيب فيه، (لا يعرف) لعدم تردّده إليهم، فإنّه
كان بعيد العهد بالسفر من مكّة. (قال) أنس: (فيلقى الرجل أبا بكر، فيقول: يا أبا بكر! من هذا
الذي بين يديك؟ فيقول: هذا الرجل يهديني السبيل، فيحسب) بفتح السين في لغة جميع
العرب، إلاَّ بني كنانة فكسروها في المضارع والماضي على غير قياس، (الحاسب أنه إنما يعني
الطريق) الحسيّة، (وإنما يعني) أبو بكر (سبيل الخير ... الحديث) ذكر في بقيته تعرّض سراقة
وتلقّي الأنصار ثم ركوبه إلى أن وصل دار أبي أيوب، (رواه البخاري) في الهجرة.
(وقد روى) محمد (بن سعد) ما يبيّن سبب هذه التورية، وهو (أنه عٍَّ قال لأبي بكر:
(له) بفتح الهمزة وإسكان اللام (عني الناس))، فكان إذا سئل من أنت، قال: باغي حاجة، فإذا
قيل: من هذا معك؟) حذف الموصول الإسمي وأبقى صلته، أي: الذي معك، وهو جائز عند
الكوفيين، أو هو حال من ذا، (قال: هذا يهديني السبيل،) وهذا من معاريض الكلام المغنية عن
الكذب جمعًا بين المصلحتين. (وفي حديث الطبراني من رواية أسماء) بنت الصدّيق: (وكان
أبو بكر رجلاً معروفًا في الناس، فإذا لقيه لاقٍ، يقول لأبي بكر: من هذا) حال كونه (معك؟) أو
الذي معك، (فيقول: هذا يهديني الطريق، يريد الهداية في الدين) المتجدّدة المتكرّرة لتعبيره
بالمضارع دون الماضي، (ويحسبه الآخر) الذي سأله، (دليلاً) للطريق الحقيقي، وإلى هنا انتهى

١٥٩
خاتمة في وقائع متفرقة حصلت في الهجرة
وإنما كان أبو بكر معروفًا لأهل المدينة لأنه مر عليهم في سفره للتجارة،
وكان عٍَّ لم يشب، وكان عَّهِ أسن من أبي بكر. وفي حديث أنس: لم يكن
في الذين هاجروا أشمط غير أبي بكر.
ما نقله من رواية الطبراني.
وبيّن المصنف سبب قول أنس: يعرف ولا يعرف، فقال: (وإنما كان أبو بكر معروفًا لأهل
المدينة لأنّه مرّ عليهم في سفره للتجارة) إلى الشام مرور تردّد ومخالطة حتى عرفوه لا مجرّد
السير، إذ لا يستدعي المعرفة. وفي الفتح: لأنّه كان يمرّ على أهل المدينة في سفر التجارة
بخلاف النبيّ عَّله في الأمرين، فإنه كان بعيد العهد بالسفر من مكة، أي: لأنه سافر مع عمّه
وهو صغير؛ کما مرّ.
(وكان عَّ لم يشب) حينئذ ثم شاب بعض شعرات في رأسه ولحيته، كما يأتي في
شمائله، (و)إلاّ ففي نفس الأمر، (كان عَّم أسنّ من أبي بكر) فإنه استكمل بمدّة خلافته سنّ
المصطفى، على الصحيح خلاف ما يتوهم من قوله شاب وأبو بكر شيخ. وقد ذكر أبو عمر من
رواية حبيب بن الشهيد عن ميمون مهران عن يزيد بن الأصم: أنه عَّهِ قال لأبي بكر: ((أَيْما أسنّ
أنا أو أنت)؟ قال: أنت أكرم يا رسول اللَّه مني وأكبر، وأنا أسنّ منك، قال أبو عمر: هذا مرسل،
ولا أظنه إلا وهمًّا. قال الحافظ: وهو كما ظنّ وإنما يعرف هذا للناس. وأمَّا أبو بكر ففي مسلم عن
مطوية أنه عاش ثلاثًا وستين سنة، وعاش بعد المصطفى سنتين وأشهرًا، فيلزم على الصحيح في
ستّه عَّ أن أبا بكر أصغر منه بأكثر من سنتين، انتهى. ولا يردّ عليه قول أنس شيخ، لأنه من
جاوز الأربعين كان في المصباح.
(وفي حديث أنس) عند البخاري (لم يكن في الذين هاجروا أشمط) بفتح الهمزة والميم
بينهما معجمة ساكنة ثم طاء مهملة، أي: خالط سواد شعره بياضه، (غير أبي بكر) فغلفها
بالحناء والكتم حتى قنا لونها غلف، بفتح الغين المعجمة واللام الثقيلة، كما قال عياض: إنه
الرواية وبالفاء قال الحافظ: أي خضبها، والمراد اللحية وإن لم يقع لها ذكر حتى قنا بفتح القاف
والنون والهمزة، أي: اشتدّت حمرتها، اهـ. أي: حتى ضربت إلى السواد وإطلاق الشمط على
شيب غير الرأس نقله في المغرب عن الليث وخصّه غيره بشيب الرأس، والحديث شاهد للأوّل.
والكتم فتح الكاف والمثناة الخفيفة، وحكي تثقيلها: ورق يخضب به كالآس ينبت في أصغر
الصخور فيتدلّى حيطانًا لطافًا ومجتناه صعب، ولذا قلّ. وقيل: إنه يخلط بالوسمة، وقيل: إنه
الوسمة، وقيل: هو النيل، وقيل: حناء قريش وصبغه أصفر.

١٦٠
خاتمة في وقائع متفرقة حصلت في الهجرة
وكان عليه الصلاة والسلام كلما مرّ على دار من دور الأنصار يدعونه إلى
المقام عندهم: يا رسول الله، هلم إلى القوة والمنعة، فيقول: خلوا سبيلها - يعني
ناقته - فإنها مأمورة. وقد أرخى زمامها، وما يحركها، وهي تنظر يمينًا وشمالاً، حتى
إذا أتت دار ابن لملك بن النجار، بركت على باب المسجد، وهو يومئذٍ مربد
(وكان عليه الصّلاة والسّلام كلما مرّ على دار من دور الأنصار يدعونه إلى المقام)
بضمّ الميم، أي: الإقامة، (عندهم) بقولهم: (يا رسول اللَّه! هلمّ إلى القوّة والمنعة،) العزّ
والجماعة الذي يمنعونك ويحمونك بحيث لا يقدر عليك، من استعمال المشترك في معنييه،
فالمنعة بفتحتين: مشترك بين العزّ والجماعة الذين يحمونك وإن سكّنت النون فبمعنى العزّ فقط،
قال الحافظ: وسمّي ممن سأله الزول عندهم: عتبان بن ملك في بني سالم، وفروة بن عمرو في
بني بياضة، والمنذر بن عمرو وسعد بن عبادة وغيرهما في بني ساعدة، وأبو سليط وغيره في بني
عدي. (فيقول:) لكل منهم: (خلّوا سبيلها))، يعني ناقته) القصواء أو الجدعاء، وفي إنهما ثنتان
أو واحدة لها لقبان خلاف، وفي الألفية: عضباء جدعاء هما القصواء، لكن روى البزار عن أنس:
خطبنا النبيّ عَّه على العضباء وليست الجدعاء. قال السهيلي: فهذا من قول أنس أنها غير
الجدعاء، وهو الصحيح. ((فإنها مأمورة))) قال ابن المنير: الحكمة البالغة في إحالة الأمر على
الناقة أن يكون تخصيصه عليه السّلام لمن خصّه اللَّه بنزوله عنده آية معجزة تطيب بها النفوس؟
وتذهب معها المنافسة، ولا يحيك ذلك في صدر أحد منهم شيئًا. (وقد أرخى زمامها وما
يحرّكها وهي تنظر يمينًا وشمالاً حتى إذا أتت دار ابن مالك بن النجّار بركت) بفتح الراء (على
باب المسجد) كذا عند ابن إسحق، ولابن عائذ وسعيد بن منصور مرسلاً: عند موضع المنبر من
المسجد. وفي الصحيح عن عائشة: عن مسجد النبيّ عَُّلّ بالمدينة وهو فيه يومئذ رجال من
المسلمین.
وفي حديث البراء عن أبي بكر: فتنازعه القوم أيّهم ينزل عليه، فقال: ((إني أنزل على
أخوال عبد المطلب))، أكرمهم بذلك. وقد قيل: يشبه أن يكون هذا أوّل قدومه من مكة قبل نزوله
قباء لا في قدومه باطن المدينة، فلا يخالف قوله: ((إنها مأمورة)). (وهو يومئذ مربد) بكسر الميم
وسكون الراء وفتح الموحدة: هو الموضع الذي يجفف فيه التمر. وقال الأصمعي: المربد كل
شىء حبست فيه الإبل أو الغنم، وبه سمي مربد البصرة؛ لأنه كان موضع سوق الإبل، قاله
الحافظ. وفي النور: أصله من ربد بالمكان إذا أقام فيه، وربده: حبسه، والمربد أيضاً الذي يجعل
فيه التمر لينشف كالبيدر للحنطة، انتهى. والمراد هنا التمر. ففي البخاري عن عائشة: وكان
مربدًا للتمر.