Indexed OCR Text
Pages 101-120
١٠١ باب هجرة المصطفى واصحابه الى المدينة وذكر الحاكم أن خروجه عليه السلام كان بعد بيعة العقبة بثلاثة أشهر أو قريبًا منها. وجزم ابن إسحق: بأنه خرج أول يوم من ربيع الأول. فعلى هذا يكون بعد البيعة بشهرين وبضعة عشر يومًا، وكذا جزم الأموي يعني: وأفضل تلك المواضع القبر الشريف بالإجماع، واستشكله العزّ بن عبد السّلام بأن معنى التفضيل أن ثواب العمل في أحدهما أكثر من الآخر، وكذا التفضيل في الأزمان وموضع القبر الشريف لا يمكن العمل فيه؛ لأن العمل فيه يحرم فيه عقاب شديد، وردّ عليه تلميذه العلامة الشهاب القرافي بأن التفضيل للمجاورة والحلول كتفضيل جلد المصحف على سائر الجلود، فلا يمسّه محدث ولا يلابس بقذر، لا لكثرة الثواب وإلا لزمه أن لا يكون جلد المصحف بل ولا المصحف نفسه أفضل من غيره لتعذّر العمل فيه، وهو خلاف المعلوم من الدين بالضرورة وأسباب التفضيل أعمّ من الثواب، فإنها منتهية إلى عشرين قاعدة وبيّتها في كتابه الفروق، ثم قال: بل إنها أكثر وإنه لا يقدر على إحصائها خشية الإسهاب. وقال التقي السبكي: قد يكون التفضيل بكثرة الثواب، وقد يكون لأمر آخر وإن لم يكن عمل فإن القبر الشريف ينزل عليه من الرحمة والرضوان والملائكة وله عند اللَّه من المحبّة ولساكنه ما تقصر العقول عنه، فكيف لا يكون أفضل الأمكنة؛ وأيضًا فباعتبار ما قيل كل أحد يدفن في الموضع الذي خلق منه وقد تكون الأعمال مضاعفة فيه باعتبار حياته عَّه به، وإن أعماله مضاعفة أكثر من كل أحد، قال السمهودي: والرحمات النازلات بذلك المحل يعم فيضها الأمّة وهي غير متناهية لدوام ترقياته عَّ له، فهو منبع الخيرات، انتهى. (وذكر الحاكم أن خروجه عليه السّلام) من مكّة (كان بعد بيعة العقبة بثلاثة أشهر أو قريبًا منها، وجزم ابن إسحق أنه خرج أوّل يوم من ربيع الأوّل فعلى هذا يكون بعد البيعة لشهرين وبضعة عشر يومًا؛) لأن البيعة كما مرّ في ذي الحجّة ليلة ثاني أيام التشريق، فالباقي من الشهر ثمانية عشر يومًا إن كان تامًّا وإلا فسبعة عشر، (وكذا جزم الأمويّ) بفتح الهمزة وضمها كما ضبطه في النور في أوّل من أسلم نسبة لبني أُميّة، قال الحافظ في تقريره يحيى بن سعيد بن إبان بن سعيد العاصي الأموي أبو أيوب الكوفي نزيل بغداد لقبه الجمل، صدوق يضطرب من کبار التاسعة مات سنة أربع وتسعين ومائتين، روى له الستّة، انتهى. فنسبه أُمويًّا فليس هو الحافظ محمّد بن خير الأمويّ بفتح الهمزة والميم بلا مد نسبة إلى أُمّة جبل بالمغرب كما ترجى من مجرد قول التبصير له برنامج حافل، فإنه فاسد نقلاً كما علم وعقلاً لأن التبصير، قال: إنه خال السهيلي، أي: أخو أُمّه وزمنه متأخّر عن هذا بكثير فقد أرّخوا ١٠٢ باب هجرة المصطفى واصحابه الى المدينة - في المغازي - عن ابن إسحق فقال: كان مخرجه من مكة بعد العقبة بشهرين وليال. وخرج لهلال ربيع الأول وقدم المدينة لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول. قال في فتح الباري: وعلى هذا خرج يوم الخميس. وقال الحاكم: تواترت الأخبار أن خروجه كان يوم الإثنين، ودخوله المدينة كان يوم الإثنين، إلا أن محمد بن موسى الخوارزمي قال: إنه خرج من مكة يوم الخميس. ويجمع بينهما: بأن خروجه من مكة كان يوم الخميس وخروجه من الغار كان ليلة الإثنين، لأنه أقام فيه ثلاث ليال: ليلة الجمعة وليلة السبت وليلة الأحد، وخرج أثناء ليلة الإثنين. وكانت مدة مقامه بمكة من حين النبوة إلى ذلك الوقت بضع عشرة سنة، وفاة ابن خير في ربيع الأول سنة خمس وسبعين وخمسمائة، وقد قال المصنّف (في المغازي) وهو يروي فيها عن أبيه وغيره (عن ابن إسحق) وهو قد توفي سنة خمسين ومائة فلا يدرك ابن خير اتّباعه، وفي الألقاب للحافظ في حرف الجيم جمل يحيى بن سعيد الأمويّ صاحب المغازي من الثقات، (فقال كان مخرجه من مكّة بعد العقبة بشهرين وليال) أتى بنصّه لفائدة فيه لم تستفد مما قبله، (وخرج) عَ لَّه من مكّة (لهلال ربيع الأول، وقدم المدينة لاثنتي عشرة خلت من ربيع الأوّل) على الراجح، قيل: لثمان خلت منه كما في الاستيعاب، وقيل: خرج في صفر وقدم في ربيع، حكاه في الصفوة. (قال في فتح الباري: وعلى هذا خرج يوم الخميس، وقال الحاكم: تواترت الأخبار أن خروجه كان يوم الاثنين ودخوله المدينة كان يوم الاثنين، إلا أن محمّد بن موسى الخوارزمي قال إنه خرج من مكّة يوم الخميس،) وهذا يوافق نقل الأمويّ ويخالف ما تواترت به الأخبار، قال الحافظ: (ويجمع بينهما بأن خروجه من مكّة كان يوم الخميس وخروجه من الغار كان ليلة الاثنين؛ لأنه أقام فيه ثلاث ليال ليلة الجمعة، وليلة السبت، وليلة الأحد، وخرج أثناء ليلة الاثنين) فقول الحاكم: تواترت الأخبار أن خروجه يوم الاثنين مجاز أطلق اليوم مريدًا به الليلة لقربه منها، والمراد الخروج من الغار لا مكّة. وفي الاستيعاب عن الكلبي: قدم المدينة يوم الجمعة، والله أعلم. (وكانت مدّة مقامه بمكّة من حين النبوّة إلى ذلك الوقت بضع عشرة سنة) ثلاث عشرة سنة؛ كما رواه البخاري عن ابن عباس. وروى مسلم عنه خمس عشرة، قال الحافظ: والأول أصح، انتهى، وهو قول الجمهور. ١٠٣ باب هجرة المصطفى واصحابه الى المدينة ويدل عليه قول صرمة: ثوى في قريش بضع عشرة حجة يذكر لو يلقى صديقًا مواتيا وقيل غير ذلك. وأمره جبريل أن يستصحب أبا بكر. وأخبر عليه السلام عليًا بمخرجه وأمره أن يتخلف بعده حتى يؤدي عنه الودائع التي كانت عنده للناس. قال ابن شهاب قال عروة قالت عائشة: (ويدلّ عليه قول صرمة) بكسر الصاد ابن أنس، ويقال: ابن قيس، ويقال: ابن أبي أنس بن ملك بن عدي أبي قيس الأنصاري النجاري صحابي له أشعار حسان فيها حكم ووصايا وكان قوّالاً بالحقّ ولا يدخل بيتًا فيه جنب ولا حائض، معظّمًا في قومه إلى أن أدرك الإسلام شيخًا كبيرًا وعاش عشرين ومائة سنة. (ثوى) بمثلثة أقام عَّةِ (في قريش بضع) بكسر الباء وتفتح (عشرة حجّة) بكسر الحاء على الراجح وتفتح (يذكر) الناس بما جاء به من عند اللّه فيدعوهم إليه وحده ويتحمّل مشاقه، ويودّ (لو يلقى صديقًا مواتبيًّا) موافقًا ومطيًا، فلو للتمنّي فلا جواب لها، أو جوابها محذوف نحو لسهل عليه أمرهم وهذا البيت ثبت في بعض نسخ مسلم وهو من قصيدة لصرمة عند ابن إسحق. (وقيل غير ذلك) فعن عروة أنها عشر سنين، ورواه أحمد عن ابن عباس والبخاري في باب الوفاة عنه وعن عائشة، لكن أوّل بأنهما لم يحسبا مدّة الفترة بناء على قول الشعبي أنها ثلاث سنين لقولهما أقام عشرًا ينزل عليه القرءان والأنافي ما رواه البخاري عقبه عن عائشة أنه توفي وهو ابن ثلاث وستين، (وأمره جبريل أن يستصحب أبا بكر) روى الحاكم عن عليّ أن النبيّ ◌َ ◌ّله قال لجبريل: ((من يهاجر معي))، قال أبو بكر الصدّيق، قال الحاكم: صحيح غريب. (وأخبر عليه السّلام عليًّا بمخرجه) بفتح فسكون مصدر ميمي بمعنى الخروج، أي: بإرادة خروجه (وأمره أن يتخلّف بعده حتى يؤدّي عنه الودائع التي كانت عنده للناس) قاله ابن إسحق وزاد: وليس بمكّة أُحد عنده شىء يخلف عليه إلا وضعه عنده لما يعلم من صدقه وأمانته. (قال ابن شهاب) الزهري فيما رواه عنه البخاري في الحديث الطويل المتقدم بعضه في إرادة أبي بكر الهجرة للحبشة ورجوعه في جوار ابن الدغنة ثم قال: قال ابن شهاب: قال الحافظ: هو بالإسناد المذكور أوّلاً، (قال عروة) بن الزبير بن العوام أحد الفقهاء (قالت عائشة: ١٠٤ باب هجرة المصطفى واصحابه إلى المدينة فبينما نحن جلوس يومًا في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله عَّهِ متقنعًا في ساعة لم يكن يأتينا فيها. قال أبو بكر: فداء له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر، قالت: فجاء رسول الله عَ لِّ فاستأذن فأذن له فدخل، فقال عَِّ لأبي بكر: أخرج من عندك، فقال أبو بكر: إنما هم فبينما) بالميم (نحن جلوس يومًا في بيت أبي بكر في نحر) بفتح النون وسكون المهملة (الظهيرة) بفتح المعجمة وكسر الهاء، قال الحافظ: أي أوّل الزوال وهو أشدّ ما يكون من حرارة النهار والغالب في أيام الحر القيلولة فيها. وفي رواية ابن حبان: فأتاه ذات يوم ظهرًا. وفي حديث أسماء عند الطبراني: كان النبيّ عَّ له يأتينا بمكّة كل يوم مرتين بكرة وعشيّة، فلمَّا كان يوم من ذلك جاءنا في الظهيرة، فقلت: يا أبت هذا رسول اللَّه عَّهِ، (قال قائل:) قال الحافظ في مقدمة الفتح: يحتمل أن يفسر بعامر بن فهيرة. وفي الطبراني: أن قائل ذلك أسماء بنت أبي بكرٍ، انتهى. أي: وهو لا يمنع الاحتمال المذكور لجواز أنهما معًا قالا (لأبي بكر: هذا رسول اللّه عَّه متقنّعًا) أي: مغطيًّا رأسه، قاله المصنّف. وقال الحافظ: أي متطيلسًا (في ساعة لم يكن يأتينا فيها). وفي رواية موسى بن عقبة، قال ابن شهاب: قالت عائشة: وليس عند أبي بكر إلا أنا وأسماء، قيل فيه جواز لبس الطيلسات وجزم ابن القيم بأنه عَّهِ لم يلبسه ولا أحد من الصحابة وأجاب عن الحديث بأن التقنع يخالف التطيلس، قال: ولم يكن يفعل التقنع عادة بل للحاجة، وتعقّب بأن في حديث أنس أن النبيّ معَّه. كان يكثر التقنّع. وفي طبقات ابن سعد مرسلاً: وذكر الطيلسان لرسول اللَّه عَ لَّهِ، فقال: هذا ثوب لا يؤدي شكره، انتهى. ويأتي بسط ذلك في اللباس، إن شاء اللّه تعالى. (قال أبو بكر: فداء) بكسر الفاء والقصر، وللحموي والمستملي: فداء بالمد والهمز، (له أبي وأُمي) في حبّة لا لأصح القولين بجواز التفدية بهما، قال البرهان: وما أظنّ الخلاف إلا في غير النبيّ عَّه؛ لأن كل الناس يجب عليهم بذل أنفسهم دون نفسه، (واللَّه ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر) وفي رواية يعقوب بن سفين: إن جاء به بأن النافية بمعنى ما، ولابن عقبة: فقال أبو بكر: يا رسول الله! ما جاء بك إلا أمر حدث، (قالت) عائشة: (فجاء رسول اللَّه عَ لّ. فاستأذن، فأذن له) أبو بكر (فدخل) زاد في رواية: فتنحّى أبو بكر عن سريره وجلس عليه رسول اللَّه (فقال عَّةٍ لأبي بكر: ((أخرج) بهمزة قطع مفتوحة (من عندك) هكذا في البخاري في الهجرة وله في محل آخر ما عندك بما مرادًا بها من يعلم نحو: لما خلقت بيدي ﴿والسماء﴾ [الشمس: ٥]، و﴿ما بناها﴾ [الشمس: ٥]، و﴿لا أنتم عابدون ما أَعبد﴾ [الكافرون: ٣، ٥] (فقال أبو بكر: إنما هم ١٠٥ باب هجرة المصطفى واصحابه الى المدينة أهلك بأبي أنت وأمي. قال السهيلي: وذلك أن عائشة قد كان أبوها أنكحها منه عليه الصلاة والسلام قبل ذلك. فقال عَُّله: فإنه قد أذن لي في الخروج. فقال أبو بكر: الصحبة بأبي أنت وأمي يا رسول الله. قال عبله: نعم. فقال أبو بكر: فخذ بأبي أنت وأمي يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين. قال رسول الله عێ: بل بالثمن. أهلك) يعني عائشة وأسماء، ففي رواية ابن عقبة، فقال: لا عين عليك إنما هما ابنتاي، وكذا في رواية هشام. (بأبي أنت وأُمّي، قال السهيلي: وذلك) أي: وجه قوله هم أهلك (إن عائشة قد كان أبوها أنكحها منه عليه الصّلاة والسّلام قبل ذلك) وأسماء صارت بمنزلة أهله لنكاحه أختها فلا يخشى عليه منهما؛ كما يرشد إليه قوله: لا عين عليك، وقيل كما في النور: أطلق عليهما أهله، كقول الإنسان حريمي حريمك وأهلي أهلك، يعني: أنا وأنت كالشىء الواحد، وقول من قال: كانت أُمّهما عنده وتركها سترًا يردّه قول عائشة: وليس عنده إلا أنا وأسماء وأيضًا فأُم عائشة غير أُمّ أسماء، (فقال عَّ: ((فإنه) كذا رواه الكشميهني وللأكثر فإني (قد أُذن) بالبناء للمفعول (لي في الخروج) من مكّة إلى المدينة (فقال أبو بكر:) أُريد (الصحبة) ويجوز الرفع خبر مبتدأ محذوف، أي: مطلوبي، (بأبي أنت وأُمّي يا رسول اللَّه! قال عَّالِ: ((نعم))٤) زاد ابن إسحق: قالت عائشة: فرأيت أبا بكر يبكي وما كنت أحسب أن أحدًا يبكي من الفرح، وفي رواية هشام: قال الصحبة: يا رسول اللَّه! قال: الصحبة، (فقال أبو بكر: فخذ بأبي أنت وأمي يا رسول اللَّه! إحدى راحلتي هاتين) إشارة للتين كان علفهما أربعة أشهر، لما قال المصطفى إنه يرجو الهجرة، (قال رسول اللَّه عَ ل:) ((لا أخذها مجانًا (بل بالثمن)،) وعند ابن إسحق، قال: ((لا أركب بعيرًا ليس هو لي))، قال: فهو لك، قال: ((لا ولكن بالثمن بالذي ابتعتها به))، قال: ((أخذتها بكذا وكذا))، قال: هي لك. وفي حديث أسماء عند الطبراني، فقال: ((بثمنها يا أبا بكر))، فقال: بثمنها إن شئت، وأفاد الواقدي أن الثمن ثمانمائة درهم، وأن التي أخذها النبيّ عَّه هي القصواء وكانت من نعم بني ١٠٦ باب هجرة المصطفى واصحابه الى المدينة فإن قلت: لم يقبلها إلا بالثمن، وقد أنفق عليه أبو بكر من ماله ما هو أكثر من هذا فقبل؟ أجيب: بأنه إنما فعل ذلك لتكون هجرته إلى الله بنفسه وماله رغبة منه عليه السلام في استكماله فضل الهجرة إلى الله تعالى، وأن تكون على أتم الأحوال. انتھی. قشير وعاشت بعده عليه السّلام قليلاً، وماتت في خلافة أبي بكر، وكانت مرسلة ترعى بالبقيع، وذكر ابن إسحق: إنها الجدعاء وكانت من إبل بني الحريش. وكذا في رواية ابن حبان عن هشام عن أبيه عن عائشة: أنها الجدعاء، ذكره في فتح الباري وعجيب إبعاده النجعة بالعزّ. ولابن حبان فقد رواه البخاري في غزوة الرجيع من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة بلفظ: فأعطى النبيّ عَِّ أحدهما وهي الجدعاء والحريش بفتح الحاء وكسر الراء المهملتين وسكون التحتية وشين معجمة. وفي سيرة عبد الغني وغيره: أن الثمن كان أربعمائة درهم؛ كما في المقدّمة، فصدق حفظ البرهان إذ قال في النور: في حفظي أنه أربعمائة، انتهى. وكأنه مستند من قال الثمانمائة ثمن الراحلتين. (فإن قلت: لِمَ يقبلها إلاَّ بالثمن، وقد أنفق عليه أبو بكر من ماله ما هو أكثر من هذا فقبل) بموحدة وحذف المفعول، أي: فقبله. فقد روى ابن حبان عن عائشة، قال: أنفق أبو بكر على النبيّ عَّه أربعين ألف درهم. وروى الزبير بن بكار عنها أن أبا بكر لمّا مات ما ترك دينارًا ولا درهمًا. وفي الصحيح قوله عَّه: ((ليس أحد من الناس أمن على نفسه وماله من أبي بكر)). وروى الترمذي مرفوعًا: ((ما لأحد عندنا يدًا إلا كافأناه عليها ما خلا أبا بكر، فإن له عندنا يدًا يكافئه اللَّه بها يوم القيامة)). (أجيب) كما ذكره السهيلي: حدّثني بعض أصحابنا، قال ابن دحية، يعني ابن قرقول عن الفقيه الزاهد أبي الحسن بن اللوان (بأنه إنما فعل ذلك لتكون هجرته إلى اللَّه بنفسه وماله رغبة منه عليه السّلام في استكماله فضل الهجرة إلى اللَّه تعالى وأن تكون على أتمّ الأحوال،) قال السهيلي: وهو قول حسن انتھی. وهذا الحديث الصحيح يعارض ما رواه ابن عساكر عن أنس رفعه: إن أعظم الناس علينا منَّا أبو بكر زوّجني ابنته وواساني بنفسه، وإن خير المسلمين مالاً أبو بكر أعتق منه بلال وحملني إلى دار الهجرة، والمنكر منه آخره فقط، وهو حمله إلى الهجرة فإن كان محفوظًا فالحمل مجاز عن المعاونة والخدمة في السفر وعلف الدابّة أربعة أشهر حتى باعها للمصطفى بحيث لم يحتجّ ١٠٧ باب هجرة المصطفى واصحابه الى المدينة قالت عائشة: فجهزناهما أحث الجهاز، وصنعنا لهما سفرة من جراب فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت بها على فم الجراب فبذلك سميت بذات النطاقين. قالت: ثم لحق رسول الله عَ ليه وأبو بكر بغار ثور- جبل بمكة. لتطلب شراء دايّة فلا معارضة. (قالت عائشة) عند البخاري بإسناده: (فجهزناهما احث) بمهملة ومثلثة: أسرع، وفي رواية: بموحدة، والأولى أصح (الجهاز) قال الحافظ: بفتح الجيم وتكسر ومنهم من أنكره وهو ما يحتاج إليه في السفر، وقال في النور: بكسر الجيم أفصح من فتحها، بل لحن من فتح والذي في الصحاح وأما جهاز العروس والسفر فيفتح ويكسر، انتهى. (وصنعنا لهما سفرة من) كذا في النسخ، والذي في البخاري في (جراب) قال الحافظ سفرة، أي: زادا في جراب؛ لأن أصل السفرة لغة الزاد الذي يصنع للمسافر ثم استعمل في وعاء الزاد ومثله المزادة للماء وكذا الرواية فاستعملت هنا على أصل اللغة، وأفاد الواقدي أنه كان في السفرة شاة مطبوخة، انتهى. (فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها) بكسر النون (فربطت بها على فم الجراب) بكسر الجيم وفتحها لغتان الكسر أفصح وأشهر وهو وعاء من جلد، قاله النووي تبعًا لعياض، وفي القاموس: الجراب ولا يفتح أو هو لغة فيما ذكره عياض وغيره المزود أو الوعاء (فبذلك سميت بذات النطاقين) بالتثنية رواية الكشميهني، ورواية غيره النطاق بالإفراد، قال الحافظ: النطاق ما يشدّ به الوسط، وقيل: هو إزار فيه تكة، وقيل: ثوب تلبسه المرأة، ثم تشدّ وسطها بحبل ثم ترسل الأعلى على الأسفل، قاله أبو عبيد الهروي. قال: وسمّيت ذات النطاقين لأنها كانت تجعل نطاقًا على نطاق، وقيل: كان لها نطاقان تلبس إحداهما وتحمل في الآخر الزاد، قال الحافظ والمحفوظ كما سيأتي بعد هذا الحديث، أي: في البخاري أنها شقت نطاقها نصفين فشدّت بأحدهما الزاد واقتصرت على الآخر، فمن ثمّ قيل لها ذات النطاق وذات النطاقين بالتثنية والإفراد بهذين الاعتبارين. وعند ابن سعد في حديث الباب: شقّت نطاقها فأوكت بقطعة منه الجراب وشدّت فم القربة بالباقي فسميت ذات النطاقين، انتهى. (قالت) عائشة (ثم لحق رسول اللَّه عَ لَه وأبو بكر بغار ثور) بمثلثة ولفظ البخاري: بغار في جبل ثور، فكمنا ثلاث ليال (جبل بمكّة) بجرّه على البدليّة ورفعه على الخبرية وهو أولى؛ لأنه من كلام المصنّف لا من الحديث، قال في الأنوار: الغار ثقب في أعلى ثور في يمنى مكّة على مسيرة ساعة، وقيل: إنه من مكة على ثلاثة أميال. ١٠٨ باب هجرة المصطفى واصحابه الى المدينة وكان من قوله عَّ حين خرج من مكة، لما وقف على الحزورة، ونظر إلى البيت: والله إنك لأحب أرض الله إلي، وإنك لأحب أرض الله إلى الله، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت. وهذا من أصح ما يحتج به في تفضيل مكة على المدينة. وفي معجم: ما استعجم أنه منها على ميلين وارتفاعه نحو ميل وفي أعلى الغار الذي دخله النبيّ ◌َّه وأبو بكر وهو المذكور في القرءان، والبحر يرى من أعلى هذا الجبل وفيه من كل نبات الحجاز وشجره، وفيه شجر البان. وفي القاموس: ثور جبل بمكّة فيه الغار المذكور في التنزيل، ويقال له ثور اطحل واسم الجبل أطحل نزله ثور بن عبد مناف فنسب له، انتهى. فقول النور: إنه كالثور الذي يحرث عليه، أي: في النطق ولم أرَ فيه أنه ستّي به لأنه على صورة الثور كما تصرّف عليه من زعمه، ثم فصل المؤلف بين أجزاء حديث الصحيح بجمل وسيعود إلى بقية منه، أولها: وكان يبيت عندهما عبد الله ... الخ، فقال: (وكان من قوله عَليه حين خرج من مكّة لما وقف على الحزورة) بفتح المهملة فزاي ساكنة فواو فراء، سوق كان بمكّةٍ أدخلت في المسجد، وعن الشافعي: الناس يشدّدونها وهي مخفّفة، (ونظر إلى البيت، (واللَّه إِنك) بكسر الكاف خطاب لمكّة (لأحب أرض اللَّه إلي وإنك لأحب أرض اللَّه إلى اللَّه) من خطف العلّة على المعلول، (ولولا أن أهلك أخرجوني) تسبّبوا في إخراجي))، (ما خرجت منك) أخرجه أحمد والترمذي وصححه عن عبد الله بن عدي، بلفظ: رأيت رسول اللَّه عَِّ على الحزورة، فقال: (والله إنك لخير أرض اللَّه وأحب أرض اللَّه إلى اللَّه، ولولا أني أُخرجت منك ما خرجت)). وروى الترمذي أيضًا، وقال: حسن صحيح عن ابن عباس رفعه: ((ما أطيبك من بلد وأحبّك إليّ، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك))، (وهذا من أصح ما يحتجّ به في تفضيل مكّة على المدينة) وجوابه أن التفضيل إنما يكون بين شيئين يأتي بينهما تفضيل وفضل المدينة لم يكن حصل حتى يكون هذا حجّة، ولو سلم ففي الحجج البينة هو مؤوّل بأنه قبل أن يعلم تفضيل المدينة أو بأنها خير الأرض ما عدا المدينة؛ كما قاله ابن العربي، وهو أحد التأويلين في قوله عليه السلام لمن قال له: ((يا خير البرية، ذاك إبراهيم))، ومعارض بما في البخاري عن عائشة رفعته: ((اللَّهمّ حِيّب إلينا المدينة كحبنا مكّة أو أشدّ))، ونحن نقطع بإجابة دعائه عَّله فقد كانت أحب إليه من مكّة. وفي الصحيحين مرفوعًا: «اللّهمّ اجعل بالمدينة ضعفي ما جعلت بمكّة من البركة))، انتهى. ١٠٩ باب هجرة المصطفى واصحابه الى المدينة وقال غيره: قد استجاب الله دعوة المصطفى للمدينة فصار يجبى إليها في زمن الخلفاء الراشدين من مشارق الأرض ومغاربها ثمرات كل شىء، وكذا مكّة ببركة دعاء الخليل، وزادت المدينة عليها لقوله عَّاليه: ((اللّهمّ إن إبراهيم عبدك وخليلك وإني عبدك ونبيك، وإنه دعاك لمكّة وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك به لمكة ومثله معه))، أخرجه الترمذي عن أبي هريرة شيئان أحدهما في ابتداء الأمر وهو كنوز كسرى وقيصر وغيرهما وإنفاقها في سبيل اللّه على أهلها، وثانيهما في آخر الأمر وهو أن الإيمان يأرز إليها من الأقطار، انتهى. وقد اختلف السلف، أي: البلدين أفضل فذهب الأكثر إلى تفضيل مكة، وبه قال الشافعي وابن وهب ومطرّف وابن حبيب واختاره من متأخّري المالكية ابن رشد وابن عرفة؛ كما قاله الأبيّ وذهب عمر بن الخطاب في طائفة وأكثر المدنيين إلى تفضيل المدينة على مكّة وهو مذهب لملك، ومال إليه من متأخّري الشافعية السمهودي والسيوطي والمصنّف في المقصد الأخير واعتذر عن مخالفة مذهبه بأن هوى كل نفس حيث حلّ حبيبها والأدلّة كثيرة من الجانبين، حتى قال الإمام ابن أبي جمرة بتساوي البلدين، والسيوطي: المختار الوقف عن التفضيل لتعارض الأدلّة بل الذي تميل إليه النفس تفضيل المدينة، ثم قال: وإذا تأمّل ذو البصيرة لم يجد فضلاً أعطيته مكّة إلا وأعطيت المدينة نظيره وأعلى منه، هكذا قال في الحجج البينة وجزم في أنموذجه بأن المختار تفضيل المدينة. وأمَّا التشبّث بأن مكّة حرّمها اللَّه يوم خلق السموات والأرض والمدينة حرّمها المصطفى وما حرّمه اللَّه أعظم، فشبهة فاسدة؛ لأن الأشياء كلّها حرامها وحلالها حرم وأحلّ من القدم بخطابه تعالى القديم النفسي. وفي البخاري حرّمت المدينة على لساني، فهذا صريح في أن اللّه حرّمها، قال في الحجج: وأمَّا كون مكّة بها المشاعر والمناسك فقد عوّض اللَّه تعالى المدينة عن الحجّ والعمرة بأمرين وعدّ الثواب عليهما. وأمّا العمرة ففي الصحيح صلاة في مسجد قباء كعمرة. وأمّا الحج، فعن أبي أمامة مرفوعًا: ((من خرج على طهر لا يريد إلا الصلاة في مسجدي حتى يصلّي فيه كان بمنزلة حجّة))، انتهى. ومحل الخلاف كما مرّ، فيما عدا البقعة التي ضمّت أعضاءه عَّهِ، فإنها أفضل إجماعًا ويليها الكعبة فهي أفضل من بقيّة المدينة اتّفاقًا، كما قال الشريف السمهودي. وذكر الدماميني: أن الروضة تنضم لموضع القبر في الإجماع على تفضيله بالدليل الواضح إذ لم يثبت لبقعة أنها من الجنَّة بخصوصها إلا هي، فلذا أورد البخاري حديث: ((ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنَّة))، تعريفًا بفضل المدينة، إذ لا شكّ في تفضيل الجنَّة على الدنيا، كذلك، قال: ولا يخلو ١١٠ باب هجرة المصطفى واصحابه الى المدينة ولم يعلم بخروجه عليه السلام إلا علي وآل أبي بكر. وروي أنهما خرجا من خوخة لأبي بكر في ظهر بيته ليلاً إلى الغار. ولما فقدت قريش رسول الله عَّ ◌ُلِّ طلبوه بمكة، أعلاها وأسفلها، وبعثوا القافة أثره في كل وجه، فوجد الذي ذهب قبل ثورًا أثره من نظر لما فيه من الاحتجاج بالاحتمال؛ لأن في معنى روضة احتمالات كونها تنقل إلى الجنَّة، وكون العمل فيها يوجب لصاحبه روضة في الجنَّة، وكون الموضع نفسه روضة من رياض الجنَّة الآن ويعود روضة كما كان، وإن كان لا مانع من الجمع بين الثلاثة؛ كما هو معلوم في محلّه هذا. وكان من قوله عَّهِ أيضًا لما خرج مهاجرًا: ((الحمد لله الذي خلقني ولم أك شيئًا، اللَّهمّ أعنّي على هول الدنيا وبوائق الدهر ومصائب الليالي والأيام، اللَّهمّ أصحبني في سفري واخلفني في أهلي وبارك لي فيما رزقتني، ولك فذلّلني، وعلى صالح خلقي فقوّمني، وإليك ربّ فحبّبني، وإلى الناس فلا تكلني، أنت ربّ المستضعفين وأنت ربّي، أعوذ بوجهك الكريم الذي أشرقت له السموات والأرض وكشفت به الظلمات وصلح عليه أمر الأولين والآخرين أن يحلّ بي غضبك أو ينزل عليّ سخطك، أعوذ بك من زوال نعمتك وفجأة نقمتك وتحوّل عافيتك وجميع سخطك، لك العتبى عندي حيثما استطعت، ولا حول ولا قوّة إلاَّ بك))، رواه عن ابن إسحق بلاغًا. (ولم يعلم بخروجه عليه السّلام إلاّ عليّ) لكونه خلفه مكانه (وآل أبي بكر) لأنه ذهب إليه فعلم به من عنده وآل الرجل لغة أهله وعياله، فشمل عامر بن فهيرة؛ لأنه مولاه. (وروى) عند الواقدي (أنهما خرجا من خوخة) بفتح المعجمتين بينهما واو ساكنة: باب صغير (لأبي بكر في ظهر بيته) بعد دخوله عليه في نحر الظهيرة؛ كما مر، فخرجا (ليلاً) ومضيا (إلى الغار) وروى أن أبا جهل لقيهما فأعمى اللَّه بصره عنهما حتى مضيا، قالت أسماء: وخرج أبو بكر بماله خمسة آلاف درهم. قال البلاذري: وكان ماله يوم أسلم أربعين ألف درهم، فخرج إلى المدينة للهجرة وماله خمسة آلاف أو أربعة، فبعث ابنه عبد اللَّه فحملها إلى الغار، (ولما فقدت) بفتح القاف (قريش رسول اللَّه عَ ل طلبوه بمكّة أعلاها وأسفلها وبعثوا القافة) جمع قائف وهو الذي يعرف الأثر (أثره) بفتحتين وبكسر فسكون، أي: عقب خروجه (في كل وجه) وذكر الواقدي أنهم بعثوا في أثرهما قاصدين أحدهما کرز بن علقمة ولم يسم الآخر، وسماه أبو نعيم في الدلائل من حدیث زید بن أرقم وغيره سراقة بن جعشم، كما في الفتح. (فوجد الذي ذهب قبل) بكسر ففتح جهة، (ثوراً ١١١ باب هجرة المصطفى واصحابه الى المدينة هنالك، فلم يزل يتبعه حتى انقطع لما انتهى إلى ثور. وشق على قريش خروجه وجزعوا لذلك، وجعلوا مائة ناقة لمن رده. ولله در الشيخ شرف الدين الأبوصيري أثره هناك فلم يزل يتبعه حتى انقطع لما انتهى إلى ثور) ويروى أنه قعد وبال في أصل الشجرة، ثم قال: لههنا انقطع الأثر، ولا أدري أخذ يميناً أم شمالاً أم صعد الجبل. وفي رواية: فقال لهم القائف: هذا القدم قدم ابن أبي قحافة، وهذا الآخر لا أعرفه إلا أنه يشبة القدم الذي في المقام - يعني مقام إبراهيم - فقالت قريش: ما وراء هذا شىء ولا يشكل هذا بما روي أنه عليه السلام كان يمشي على أطراف أصابعه لئلاّ يظهر أثرهما على الأرض، ويقول لأبي بكر: ((ضع قدمك موضع قدمي، فإن الرمل لا يتم)، بفتح أوّله وضم النون وكسرها، أي: لا يظهر أثر القدم حين تضع قدمك موضع قدمي لجواز أنهما لما قربا من الغار مشيا ووضع المصطفى جميع قدمه فلما وصل القائف وجد أثر القدمين فأخبر بما رأى. (وشقّ على قريش خروجه وجزعوا) بكسر الزاي لم يصبروا، (لذلك وجعلوا مائة ناقة لمن ردّه) عن سيره ذلك بقتل أو أسر، فلا ينافي ما في الصحيح: جعلوا الدية لمن قتله أو أسره. (وللَّه درّ الشيخ شرف الدين) محمد بن سعيد بن حماد الدلاصي المولد المغربي الأصل البوصيري المنشأ ولد بناحية دلاص يوم الثلاثاء أوّل شوّال سنة ثمان وستمائة، وبرع في النظم، قال فيه الحافظ ابن سيد الناس: هو أحسن من الجزار والوراق مات سنة خمس وتسعين وستمائة، ذكره السيوطي وقوله: (الأبوصيري) فيه نظر؛ لأن اسم القرى وهي أربعة بمصر بوصير بضم الموحدة وإسكان الواو وكسر الصاد المهملة وإسكان التحتية وراء والنسبة إليها بوصيري؛ كما في المراصد واللباب وإنه في باب الموحدة ولم يذكر واشيًا في الهمزة. قال ابن حجر الهيثمي: كان أحد أبوي المذكور من بوصير الصعيد والآخر من دلاص، أي: بفتح الدال المهملة قرية بالبهنسي، أي: كفر مصري كما في المراصد والقاموس، فركبت النسبة منهما، فقيل الدلاصيري: ثم اشتهر بالبوصيري، قيل: ولعلها بلد أبيه فغلبت عليه، انتهى. أو لنشأته بها كما مرّ عن السيوطي، ولو سلم أن القرية بلفظ الكنية فإنما يقال في النسبة صيرى بحذف الجزء الأوّل كما يقال بكري في النسبة إلى أبي بكر، إذ لا ينسب إلى الاسمين معًا المضاف والمضاف إليه؛ لأن إعراب أوّلهما بحسب العوامل، والثاني مخفوض بالإضافة كما بينه الشاطبي والرضى وغيرهما. ١١٢ باب هجرة المصطفى واصحابه الى المدينة حيث قال: ويح قوم جفوا نبيا بأرض ألفته ضبابها والظباء وسلوه وحن جذع إليه وقلوه ووده الغرباء أخرجوه منها وآواه غار وحمته حمامة ورقاء وكفته بنسجها عنكبوت ما كفته الحمامة الحصداء يقال شجرة حصداء: أي كثيرة الورق، فكأنه استعاره للحمامة لكثرة ريشها. (حيث قال: ويح) نصب بفعل محذوف لا بالنداء كلمة ترحم لمن وقع في مهلكة لا يستحقّها، فالترّم من حيث قرابتهم له عليه السلام وإنهم من عمود نسبه وجلدته ولا محظور فيه؛ لا لأن كثيرًا منهم أسلم بعد، فالترحم باعتبار المآل إذ لم يقعوا في هلكة أصلاً، فلا يقال فيهم ويح، (قوم جفوا نبيًّا) أبغضوه وآذوه أشدّ الأذى بل قصدوا قتله، (بأرض ألفته ضبابها) جمع ضب (والظباء) جمع ظبي ويأتي حديثهما في المعجزات، (وسلوه) أي: نفرت قلوبهم عنه حتى هجروه مع نشأته فيهم وعلمهم بغاية نزاهته وكماله، (و)الحال أنه قد (حن جذع إليه) كان يخطب عليه بالمدينة قبل أن يصنع له المنبر فصار يخور كما يخور الثور حتى نزل وضمّه، كما يأتي إن شاء اللّه تعالى في المعجزات. (وقلوه) أبغضوه (و)الحال أنه قد (ودّه الغرباء) كالأنصار الذين ليسوا من عشيرته ولا عرفوا في ابتداء ودادهم له ما عرفه قومه من كماله الظاهر، وفضله الباهر (أخرجوه) بدل من جفوه، أي: كانوا السبب في خروجه (منها،) من تلك الأرض التي هي وطنه ووطن آبائه (وآواه غار) بجبل ثور (وحمّته) منهم (حمامة ورقاء) لونها أبيض يخالطه سواد فباضت عليه، (وكفته بنسجها عنكبوت) دويبة تنسج في الهواء يقع على الواحد والجمع والذكر والأنثى، والجمع العناكب (ما) أي: الأعداء الذين (كفته) إيّاهم (الحمامة الحصداء، يقال) لغة (شجرة حصداء أي: كثيرة الورق فكأنه استعارة للحمامة لكثرة ريشها،) أي: استعارة مصرحة حيث شبه كثرة الريش بكثرة الورق، واستعار له اسمها ووصفها بورقاء وحصداء لاجتماعهما فيها، ومنع تعدّد الوصف إنما هو إذا كان بمتضادين أو متماثلين، وزعم أن البيت حرفه شراحه والمصنف وإنما هو ما كفته الجنانة بجيم ونونين؛ لأنها تجن البدن، أي: تستره والحصداء المحكمة النسج كما في اللغة. ردّه شيخنا بأن المناسب للسياق والقصة ما ذكروه وهم ثقات وتلقّوه بسندهم إلى الناظم، وأدري بكلامه، فلا وجه للعدول عنه إلى غيره وإن صح في نفسه لغة. ١١٣ باب هجرة المصطفى واصحابه إلى المدينة وفي حديث مروي في الهجرة، أنه عليه السلام ناداه ثبير: اهبط عني، فإني أخاف أن تقتل على ظهري فأعذب، فناداه حراء: إلي يا رسول الله. وذكر قُسم بن ثابت في الدلائل أن رسول الله عَِّ لما دخل الغار وأبو بكر معه، أنبت الله على بابه الراءة. قال قُسم: وهي شجرة معروفة، (وفي حديث مروي في الهجرة) وذكره عياض في الشفاء (أنه عليه السّلام ناداه ثبير) لما صعده (اهبط عني، فإني أخاف أن تقتل على ظهري، فأَعذّب) بالنصب عطفًا على تقتل، وإنما خاف العذاب؛ لأنه لو لم يذكر له ذلك مع علمه بأنه لا مكان فيه يستره كان غشا منه يستحق به العذاب، أو لأنه لو قتل على ظهره غضب الله على المكان الذي يقع فيه مثل هذا الأمر العظيم كما غضب على أرض ثمود، فلا يرد كيف يعذب بذنب غيره ولا تزر وازرة وزر أخرى، ویوجه بأن خوفه بمعنی حزنه وتأسفه علیه، ونحو ذلك مما لا وجه له. (فناداه حراء: إليّ يا رسول اللَّه!) وهو مقابل ثبير مما يلي شمال الشمس وبينهما الوادي وهما على يسار السالك إلى منى، ولم يذهب له لسبق عبده فيه فخشي طلبهم فيه لما عهدوه من ذهابه إليه، فذهب إلى ثور دون غيره لحبّه الفال الحسن، فقد قيل: الأرض مستقرّة على قرن الثور فناسب استقراره فيه تفاؤلاً بالطمأنينة والاستقرار فيما قصده هو وصاحبه. قال السهيلي: وأحسب في الحديث أن ثورًا ناداه أيضًا لما قال له ثبير: اهبط عني، انتهى. وذكر بعضهم: أنه ذهب إلى حنين فناداه: اهبط عني، فإني أخاف أن تقتل على ظهري فأُعذّب، فناداه ثور إلى: يا رسول اللَّه فإن صح ذلك كله فيحتمل أنه ذهب له أوّلاً فلما قال ذلك وناداه حراء لم يذهب له لما ذكر فناداه ثور إن صح أو ذهب إليه دون نداء لكن الذي في الحديث الصحيح أنهما وعدا الدليل غار ثور بعد ثلاث ليال يقتضي أنهما ما خرجا إلا قاصدين إليه. (وذكر قُسم بن ثابت) بن حزم أبو محمد العوفي السرقسطي الأندلسي المالكي الفقيه المحدث المقدم في المعرفة بالغريب والنحو والشعر المشارك لأبيه في رحلته وشيوخه، الورع الناسك مجاب الدعوة، سأله الأمير أن يلي القضاء فامتنع فأراد أبوه إكراهه فقال: أمهلني ثلاثة أيام فمات فيها سنة ستّين وثلاثمائة، فكانوا يرون أنه دعا نفسه بالموت. (في الدلائل) في شرح ما أغفل أبو عبيد وابن قتيبة من غريب الحديث: مات قسم ولم يكمله فأتّه أبوه ثابت الحافظ المشهور، (أن رسول اللَّه عَّ لما دخل الغار وأبو بكر معه أنبت اللَّه على بابه الراءة) بالراء المهملة والمدّ والهمز والجمع الراء بلا هاء؛ كما في القاموس. (قال) قسم المذكور: (وهي شجرة معروفة) فحجبت عن الغار أعين الكفار، إلى هنا كلام ١١٤ باب هجرة المصطفى واصحابه الى المدينة وهي أم غيلان. وعن أبي حنيفة: تكون مثل قامة الإنسان لها خيطان وزهر أبيض يحشى به المخاد فيكون كالريش لخفته ولينه، لأنه كالقطن، فحجبت عن الغار أعين الكفار. وفي مسند البزار: أن الله عز وجل أمر العنكبوت فنسجت على وجه الغار وأرسل حمامتين وحشيتين فوقفتا على وجه الغار، وأن ذلك مما صد المشركين عنه، وإن حمام الحرم من نسل تينك الحمامتين. . ثم قسم؛ كما في النور. قال المصنّف تبعًا لابن هشام (وهي أُمّ غيلان) بفتح المعجمة ضرب من العضاه، كما في المصباح. (وعن أبي حنيفة) الدينوري، كما في الشامية لا الإمام الراءة من أعلاث الشجر، و(تكون مثل قامة الإنسان لها خيطان وزهر أبيض يحشى به المخاد) بفتح الميم جمع مخدة بكسرها، (فيكون كالريش لخفّته ولينه؛ لأنه كالقطن فحجبت عن الغار أعين الكفار) من كلام قُسم، كما علم. قال في الثور: هذه الشجرة التي وصفها أبو حنيفة غالب ظني أنها العشار كذا رأيتها بأرض البركة خارج القاهرة وهي تنفق عن مثل قطن يشبه الريش في الخفّة، ورأيت من يجعله في اللحف في القاهرة، انتهى. (وفي مسند البزار) من حديث أبي مصعب المكي، قال: أدركت زيد بن أرقم والمغيرة بن شعبة وأنس بن ملك يتحدّثون أن النبيّ عَُّ لمَّا كان ليلة بات في الغار أمر اللَّه تعالى شجرة فنبتت في وجه الغار، فسترت وجه النبيّ عَِّ و(إن الله عزّ وجلّ) أمر العنكبوت) (فنسجت على وجه الغار) هكذا أوّله عند البزار ولو ساقه المصنف من أوّله كان أولى؛ لأن فيه تقوية ما ذكره قسم وما كان يزيد به الكتّاب، وقد رواه أحمد عن ابن عباس، وفيه: ونسج العنكبوت على بابه، أي: فالشجرة لما نبتت على وجه الغار انتشرت أغصانها فغطّت فمه، ونسج العنكبوت عليه فصار نسجها بين أغصانها وفتحه الغار، وقول بعض نسجت ما بين فروع الشجرة كنسج أربع سنين مخالف لرواية البزار، ولرواية أحمد أشدّ مخالفة، اللَّهمّ إلاَّ أن يراد أنها نسجت على مقابل وجهه فيصدق بالملتصق بفهمه وبما بين أغصان الشجرة المقابلة لفم الغار، لكن فيه ردّ الروايات المسندة إلی کلام لا يعلم حاله. (وأرسل حمامتين وحشيتين فوقفتا على وجه الغار) فعششتا على بابه (وأن ذلك مما صدّ المشركين عنه، وإن حمام الحرم من نسل تينك الحمامتين) جزاء وفاقًا لما حصل بهما الحماية جوّز بابًا لنسل وحمايته في الحرم فلا يتعرض له، وفي المثل: آمن من حمام الحرم، (ثم ١١٥ باب هجرة المصطفى واصحابه الى المدينة أقبل فتيان قريش من كل بطن بعصيهم وهراويهم وسيوفهم، فجعل بعضهم ينظر في الغار، فلم ير إلا حمامتين وحشيتين بفم الغار، فرجع إلى أصحابه فقالوا له: مالك؟ فقال: رأيت حمامتين وحشيتين فعرفت أنه ليس فيه أحد. وقال آخر: ادخلوا الغار، فقال أمية بن خلف: وما أربكم إلى الغار، إن فيه لعنكبوتًا أقدم من ميلاد محمد. وقد روي أن الحمامتين باضتا في أسفل النقب ونسج العنكبوت، فقالوا لو دخلا لكسر البيض أقبل فتيان قريش من كل بطن بعصيّهم وهراويهم) بفتح الهاء الأولى جمع هراوة، وهي العصا الضخمة فهو عطف خاص على عام، قال البرهان: وكان ينبغي أن يكتب بالألف وينطق بها، فيقال: هراواهم، أو أنه يقال هراوي وهراوى كصحاري وصحارى. (وسيوفهم فجعل بعضهم ينظر في الغار، فرأى حمامتين وحشيتين بفم الغار) هذا ظاهر في قربه منه جدًّا، وفي الشامية: حتى إذا كانوا من الغار على أربعين ذراعاً جعل بعضهم ينظر فيه والمنافاة. ففي الاكتفاء: حتى إذا كانوا من النبيّ عَّه على قدر أربعين ذراعاً تقدم أحدهم فنظر فرأى الحمامتين، (فرجع إلى أصحابه، فقالوا له: ما لك؟ فقال: رأيت حمامتين وحشيتين فعرفت أنه ليس فيه أحد) زاد في رواية: فسمع النبيّ عَّهِ ما قال، فعرف أن اللَّه قد درا عنه. (وقال آخر: ادخلوا الغار، فقال أُميّة بن خلف:) الكافر المقتول ببدر (وما أربكم؟) بفتحتين وبكسر فسكون، أي: حاجتكم، (إلى الغار إن فيه لعنكبوتاً أقدم من ميلاد محمّد) تتمة الحديث: ثم جاء فبال. وفي حديث أسماء عند الطبراني: وخرجت من قريش حين فقدوهما وجعلوا في النبيّ عَّ له مائة ناقة، وطافوا في جبال مكّة حتى انتهوا إلى الجبل الذي فيه عَّه، فقال أبو بكر: يا رسول اللَّه! إن هذا الرجل ليرانا وكان مواجهه، فقال: ((كلّ إن ثلاثة من الملائكة تسترنا بأجنحتها))، فجلس ذلك الرجل يبول مواجه الغار، فقال عَّه: ((لو كان يرانا ما فعل هذا))، ومرّ أن القائف قعد وبال، فيحتمل أنه هو أو أميّة أو غيرهما. (وقد روي أن الحمامتين باضتا في أسفل النقب ونسج) بالجيم (العنكبوت) والنسج في الأصل الحياكة استعمل في فعل العنكبوت مجازًا لما بينهما من المشابهة، وفي حياة الحيوان: العنكبوت دويبة تنسج في الهواء، ومنه نوع من حكمته أنه يمدّ السدى ثم يعمل اللحمة ويبتدىء من الوسط ونسجها ليس من جوفها بل من خارج جلدها، وفمها مشقوق بالطول، وهذا النوع ينسج بيته دائماً مثلّث الشكل وسعته بحيث يغيب فيه شخصها. (فقالوا: لو دخل لكسر البيض ١١٦ باب هجرة المصطفى واصحابه الى المدينة وتفسخ العنكبوت. وهذا أبلغ في الإعجاز من مقاومة القوم بالجنود. فتأمل كيف أظلت الشجرة المطلوب وأضلت الطالب، وجاءت العنكبوت فسدت باب الطلب، وحاكت وجه المكان فحاكت ثوب نسجها، فحاكت سترًا حتى عمي على القائف الطلب [ولله در القائل]: والعنكبوت أجادت حوك حلتها فما تخال خلال النسج من خلل ولقد حصل للعنكبوت الشرف بذلك، وما أحسن قول ابن النقيب: وتفسخ) بمعجمة: تقطع، (العنكبوت وهذا أبلغ في الإعجاز من مقاومة القوم بالجنود) لأنها معتادة ونبات الشجرة وبيض الحمام ونسج العنكبوت في زمن يسير مع حصول الوقاية به خارق للعادة، (فتأمّل) أنظر بعين البصيرة، (كيف أظلّت الشجرة المطلوب وأضلّت) حيّرت (الطالب وجاءت عنكبوت فسدّت باب الطلب، وحاكت وجه المكان) أي: نزلت فيه وثبتت من قولهم حاك في صدري كذا إذا رسخ، (فحاكت ثوب نسجها) أي: أوجدت الثوب الذي نسجته وهو ما على فم الغار من نسجها، (فحاكت) أي: آثرت، (سترًا) بما نسجته (حتى عمي على القائف الطلب) من قولهم: حاك الشىء إذا أثر، وأنشد لغيره بيتاً هو: (والعنكبوت أجادت) أحكمت (حوك) نسج (حلّتها،) أي: ما نسجته والحلة لغة زار ورداء، فاستعار له اسمها، وأطلقه على ما نسجته (فما تخال) تظن (خلال النسج من خلل،) أي: فبسبب ذلك الإحكام لا ترى خللاً فيما نسجته، وعبّر عن الرؤية بالظنّ مجازًا، (ولقد حصل للعنكبوت الشرف بذلك) وروي أن حمام مكّة أظلّته مَّ يوم فتح مكّة فدعا لها بالبركة ونهى عن قتل العنكبوت، وقال: ((هي جند من جنود اللَّه)). وقد روى الديلمي في مسند الفردوس مسلسلاً بمحبة العنكبوت حديثاً، فقال: أخبرنا والدي، قال: وأنا أحبّها، أخبرنا فلان: وأنا أحبها، حتى قال عن أبي بكر: لا أزال أحبّ العنكبوت منذ رأيت النبيّ عَّله أحبها، ويقول: ((جزى اللَّه العنكبوت عنّا خيرًا، فإنها نسجت عليّ وعليك يا أبا بكر في الغار حتى لم يرنا المشركون ولم يصلوا إلينا»، وكذا رواه أبو سعد السمان البصري في مسلسلاته، قال في العمدة: إلاّ أن البيوت تظهر من نسجها، انتهى. وأسند الثعلبي وابن عطية وغيرهما عن عليّ، قال: طهروا بيوتكم من نسج العنبكوت، فإن تركه في البيت يورث الفقر. وأخرج ابن عدي عن ابن عمر رفعه: ((العنكبوت شيطان مسخه الله، فاقتلوه))، وهو حديث ضعيف ورواه أبو داود مرسلاً بدون مسخه اللَّه. (وما أحسن قول ابن النقيب) محمد بن الحسن الكناني من مشاهير الشعراء مات سنة سبع وثمانين وستمائة عن تسع وسبعين سنة: ١١٧ باب هجرة المصطفى واصحابه الى المدينة ودود القز إن نسجت حريرا يجمل لبسه في كل شي فإن العنكبوت أجلّ منها بما نسجت على رأس النبي وروي أنه عَّ قال: اللهم أعم أبصارهم، فعميت عن دخوله، وجعلوا يضربون يمينًا وشمالاً حول الغار. وهذا يشير إليه قول صاحب البردة: أقسمت بالقمر المنشق إن له من قلبه نسبة مبرورة القسم وما حوى الغار من خير ومن كرم وكل طرف من الكفار عنه عم فالصدق (ودود القزّ إن نسجت حريراً يجمل لبسه في كل شىء) أي: في كل حال من الأحوال للملابس، فليست أشرف من غيرها مطلقاً. (فإن العنكبوت أجلّ منها بما نسجت على رأس النبيّ) فهو علّة لجواب الشرط المحذوف، وما مصدريّة، أي: بنسجها. (وروى أنه مَِّ قال: ((اللّهمّ أعم) بهمزة قطع (أبصارهم) اجعلها كالعمياء الإدراك ولم يرد الدعاء عليهم بالعمى الحقيقي إذ لو أراده لعمو؛ لأنه مجاب الدعوة ولم يعموا، كما أفاده قوله: (فعميت عن دخوله) ويصرّح به قوله: (وجعلوا يضربون يمينًا وشمالاً حول الغار وهذا يشير إليه قول صاحب البردة، أقسمت) حلفت (بالقمر المنشق) آية للنبيّ عَّ له وجواب القسم (إن له) أي: للقمر المنشقّ، (من قلبه نسبة) شبهًا بقلب المصطفى في انشقاق كل منهما وما أحلى قوله في الهمزية: شقّ عن قلبه وشقّ له البدر (مبرورة القسم) صفة يمينًا دلّ عليه أقسمت، قيل: والقسم جائز بالقمر، ويحتمل تقدير مضاف، أي: بربّ القمر. (وما) منصوب بتقدير اذكر أو مجرور عطفًا على القمر وجوابه مقدّر بما قبله، أي: أن له من قلبه نسبة، أي: واذكر من أو وأقسمت بمن (حوى) جمعه (الغار من خير ومن كرم) يعني المصطفى والصديق وصفهما بما هو من شأنهما وجوّز بقاء ما على معناها، وحمل الخير والكرم على صفاتهما، أي: ما جمعه الغار من الخير والكرم الصادرين من النبيّ عَّهُ. والصدّيق. وقال المصنّف من خير بكسر الخاء، وقيل: بفتحها، فالكرم عطف خاص على عام، وقال غيره بفتح الخاء، وقيل: بكسرها والخطب سهل. (وكل طرف) بصر (من الكفار عنه) عن المحوى (عمى) والجملة حال من ما وعمى يحتمل الفعل والاسم، ويمكن الياء على الأوّل للوقف، وردّها على الثاني له أيضًا على لغة. (فالصدق) ١١٨ باب هجرة المصطفى واصحابه إلى المدينة في الغار والصديق لم ير ما وهم يقولون ما بالغار من أَرِم ظنوا الحمام وظنوا العنكبوت على خير البرية لم تنسج ولم تحم من الدروع وعن عال من الأطم وقاية الله أغنت عن مضاعفة أي عموا عما في الغار مع خلق الله ذلك فيهم، لأنهم ظنوا أن الحمام لا يحوم حوله عَّهم وأن العنكبوت لا تنسج عليه اسلام لما جرت العادة أن هذين الحيوانين متوحشان لا يألفان معمورًا، فمهم أحسا بالإنسان فرا منه، وما علموا أن الله يسخر ما شاء من خلقه لمن شاء من خلقه، وأن وقاية عبده بما شاء تغني أي: النبيّ عَّه مبالغة أوفذ والصدق وهو (في الغار والصدّيق) وهو فيه (لم يرَ ما) بكسر الراء: لم يبرحا، يقال: لا أريم مكانه، أي: لا أبرح وأصله يريمًا بياء قبل الميم حذفت تبعًا لحذفها في إسناده إلى المفرد لالتقاء الساكنين، والمعروف في مثله إثبات الياء، نحو: فاستقيما. (وهم) أي: الكفار، (يقولون ما بالغار من أرم) بفتح الهمزة وكسر الراء، أي: أحد نظرًا إلى حوم الحمام حول الغار ونسج العنكبوت على فمه، كما أشار إليه قوله: (ظنوا الحمام وظنوا العنكبوت على خير البرية) الخلق (لم تنسج) بفتح التاء وكسر السين وضتها: العنكبوت، (ولم تحمٍ) لم تدر الحمام حوله ففيه لف ونشر مقلوب، (وقاية اللَّه) حفظه بهذين الضعيفين جدًّا من عدوّه مع شدّة بأسه، (أغنت) كفّت (عن مضاعفة من الدروع) بمهملة، أي: من الدروع المضاعفة وهي المنسوجة حلقتين حلقتين تلبس للحفظ من العدوّ (وعن وعال من الأطم) بضمّ الهمزة والطاء: الحصون التي يتحصّن فيها، (أي: عموا عمّا في الغار مع خلق اللَّه ذلك) العمى المفهوم من قوله قبل فعميت عن دخوله، (فيهم) والمراد إن اللَّه خلق في أعينهم هيئة منعتهم الرؤية مع سلامة أبصارهم، (لأنّهم ظنوا أن الحمام لا تحوم حوله عليه السّلام) لأن عادته النفرة (وأن العنكبوت لا تنسج عليه السلام لما جرت) به (العادة أن هذين الحيوانين متوحشان لا يألفان معمورًا فهم أحسّا بالإنسان فرّا منه) وقد روي أن المشركين لما مروا على باب الغار طارت الحمامتان فنظروا بيضهما ونسج العنكبوت، فقالوا: لو كان هنا أحد لما كان هنا حمام، فلما سمع عَِّ حديثهم علم أن اللَّه حماهما بالحمام وصرف كيدهم بالعنكبوت، (وما علموا أن اللَّه يسخّر ما شاء من خلقه لمن شاء من خلقه) وقد سخر الأسد ولبوته ولدانيال في الجبّ حتى صارا يلحسانه، وسخّر العصا ثعبانًا لموسى ولهرون إذا ناما تدور حولهما وتحميهما، ولكن ما هنا أبلغ في إذلال المشركين لما نالهم من شدّة الحسرة لما علموا بعد ذلك وأنهم منعوا بشىء لا يضرّهم لو أزالوه بزعمهم بخلاف الأسد والحيّة، (وأن وقاية اللَّه عبده بما شاء تغني . باب هجرة المصطفى واصحابه الى المدينة ١١٩ عبده عن التحصن بمضاعفة من الدروع، وعن التحصن بالعالي من الأطم، وهي الحصون، فللَّه در الأبوصيري شاعرًا، وما أحسن قوله في قصيدته اللامية حيث قال: وأغيرتا حين أضحى الغار وهو به كمثل قلبي معمور ومأهول كأنما المصطفى فيه وصاحبه الـ ـصديق ليثان قد آواهما غيل وجلل الغار نسج العنكبوت على وهن فيا حبذا نسج وتجليل وما مكائدهم إلا الأضاليل عناية ضل كيد المشركين بها إذ ينظرون وهم لا يبصرونهما كأن أبصارهم من زيغها حول وفي الصحيح عن أنس قال أبو بكر: لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لرآنا، عبده عن التحصّن بمضاعفة من الدروع وعن التحصّن بالعالي من الأطم وهي الحصون، فللَّه درّ الأبوصيري من شاعر، وما أحسن قوله في قصيدته اللاميّة) التي أوّلها: إلى متى أنت باللّذات مشغول وأنت عن كل ما قدّمت مسؤول (حيث قال) في الجمع بين هذا وما قبله تسامح، (واغيرتا حين أضحى الغار وهو به) عبّر بالندبة أسفًا على ما فعله قومه معه حتى ألجؤوه إلى دخول الغار، (كمثل قلبي) صفة مصدر محذوف، أي: تعمير وتأهيل قلبي، (معمور ومأهول) والجملة خبر أضحى (كأنما المصطفى فيه وصاحبه الصديق ليثان) أسدان (قد آواهما غيل) بكسر المعجمة: أجمّة أو شجر كثير ملتفّ فلا يستطاع الوصول إليهما، (وجلّل) بجيم غطّى (الغار نسج العنكبوت على وهن) ضعف (فيا حبذا نسج وتجليل) تغطية (عناية) بكسر العين وفتحها مصدر عناه يعنيه ويعنوه، (ضلّ) من الضلال ضدّ الرشاد، (كيد المشركين) مكرهم وخديعتهم (بها وما مكائدهم إلاَّ الأضاليل) جمع أضليلة من الضلال، (إذ ينظرون) للحمام وبيضه ونسج العنكبوت (وهم لا يبصرونهما) أي: النبيّ معَّه. وصاحبه، (كأن أبصارهم من زيغها حول) وهذا من بقاء بصرهم أبلغ من عماهم. (وفي) الحديث (الصحيح) الذي أخرجه البخاري في المناقب والهجرة والتفسير ومسلم في الفضائل، والترمذي في التفسير، والإمام أحمد كلهم (عن أنس) قال: (قال أبو بكر) وفي التفسير من البخاري: حدثنا أنس، قال: حدثني أبو بكر، قال: قلت للنبيّ عَّه ونحن في الغار، وزاد: في الهجرة فرفعت رأسي فرأيت أقدام القوم (لو أن أحدهم نظر إلى قدميه) بالتثنية (لرآنا) لأبصرنا، قال الحافظ: وفيه مجيء لو الشرطية للاستقبال خلافاً للأكثر، واستدلّ من جوّزه بمجيء الفعل المضارع بعدها؛ كقوله تعالى: ﴿لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم﴾ [الحجرات: ٧]، وعلى هذا فيكون قاله حالة وقوفهم على الغار، وعلى قول الأكثر يكون قاله بعد مضيّهم شكرًا ١٢٠ باب هجرة المصطفى واصحابه إلى المدينة فقال له رسول الله عَ له: ما ظنك باثنين الله ثالثهما. وروي أن أبا بكر قال: نظرت إلى قدمي رسول الله عَّ له في الغار وقد تقطرتا دمًا فاستبكيت وعلمت أنه عَِّ لم يكن تعود الحفا والجفوة. للَّه تعالى على صيانتهما، (فقال له رسول اللَّه عَ لّهِ: ((ما ظنّك) استفهام تعظيم، أي: أيّ ظنّ تظنّه، أي: لا تظنّ إلا أعظم ظنّ (باثنين اللَّه ثالثهما))،) أي: جاعلهما ثلاثة بضمّ ذاته تعالى إليهما في المعيّة المعنويّة المشار إليها بقوله تعالى: ﴿إِن اللَّه معنا﴾ [التوبة: ٤٠]، وهو من قوله ثاني اثنين إذ هما في الغار، ومن لازم ذلك الظن أنه لا يصل إليهما سوء وذكر بعض أهل السّيّر أن أبا بكر لما قال ذلك قال له عَّله: ((لو جاؤونا من لههنا لذهبنا من لههنا))، فنظر الصدّيق إلى الغار قد انفرج من الجانب الآخر وإذا البحر قد اتّصل به وسفينة مشدودة إلى جانبه. قال ابن كثير: وهذا ليس بمنكر من حيث القدرة العظيمة، ولکن لم يرد ذلك بإسناد قوي ولا ضعيف، ولسنا نثبت شيئًا من تلقاء أنفسنا. (وروي أن أبا بكر، قال: نظرت إلى قدمي رسول اللَّه عَ ◌ّ في الغار وقد تقطّرتا دمًا) أي: سال دمهما، فدمًا تمييز محوّل عن الفاعل، أي: أثر حفاة في قدميه حتى أسال دمهما، (فاستبكيت) السين زائدة للتأكيد لا للطلب لما علم من رقّة قلبه وشدّة حبه للمصطفى المقتضي لغلبة البكاء بلا استجلاب له، (وعلمت أنه) بحذف مفعول علمت، أي: أن ما أصابه إنما هو لما ناله من المشقّة؛ لأنه (لم يكن تعوّد الحفى) بفتح المهملة مقصور المشي بلا خفّ ولا نعل، (والجفوة) بفتح الجيم وتكسر، أي: الجفاء، أي: لم يتعوّد كونه مجفًّا أو لم يتعوّد أن في قومه جفوة له، قال في الرياض النضرة: ويشبه أن يكون ذلك من خشونة الجبل وكان حافيًا وإلا فبعد المكان لا يحتمل ذلك أو لعلّهم ضلّوا طريق الغار حتى بعدت المسافة، ويدلّ عليه رواية: فمشى رسول اللَّه ولا يحتمل ذلك مشي ليلة إلا بتقدير ذلك أو سلوك غير الطريق تعمية على الطالب، انتھی. ويروى أنه عليه السّلام خلع نعليه في الطريق، وعند ابن حبان أنّهما ركبا حتى أتيا الغار فتواريا، ولا ينافي ذلك ما روي من تعب المصطفى وحمل أبي بكر إيّاه على كاهله؛ لاحتمال أن يكون ذلك في بعض الطريق. قال في الوفا: ولا ينافي ركوبهما مواعدتهما الدليل بأن يأتي بالراحلتين بعد ثلاث؛ لاحتمال أنّهما ركبا غير الراحلتين أو هما، ثم ذهب بهما ابن فهيرة إلى الدليل ليأتي بعد ثلاث. وفي دلائل النبّة من مرسل ابن سيرين، وهو عند أبي القسم البغوي من مرسل ابن أبي مليكة وابن هشام عن الحسن البصري بلاغًا: أن أبا بكر ليلة انطلق معه عَّه إلى الغار كان يمشي بين يديه ساعة ومن خلفه ساعة، فسأله فقال: أذكر الطلب فأمشي خلفك،