Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
ذكر عرض المصطفى نفسه على القبائل ووفود الانصار
وعويم بن ساعدة.
فأسلموا وبايعوا على بيعة النساء، أي وفق بيعتهم التي أنزلت عند فتح مكة
وهي: أن لا نشرك بالله شيئًا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا ولا نأتي
ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف، والسمع والطاعة في العسر
واليسر، والمنشط
الرجل، انتهى.
(وعويم) بضم المهملة وفتح الواو وسكون التحتية فميم ليس بعدها راء، (ابن ساعدة) ابن
عائش بتحتية وشين معجمة بن قيس بن النعمان شهد العقبتين وبدرًا وباقي المشاهد، ومات في
خلافة عمر عن خمس أو ستّ وستين سنة، ووقف عمر على قبره، وقال: لا يستطيع أحد أن
يقول أنا خير من صاحب هذا القبر، ما نصبت لرسول اللَّه عَّه راية إلا وعويم تحت ظلّها، أخرجه
البخاري في التاريخ، وبه جزم غير واحد وهو أصحّ من قول الواقدي: مات عويم في حياته عَّهِ؛
كما في الإصابة.
(فأسلموا وبايعوا) كما رواه ابن إسحق عن عبادة، قال: كنت فيمن حضر العقبة وكنا
اثني عشر رجلاً فبايعنا رسول اللَّه عَّ﴾. (على بيعة النساء، أي: على وفق بيعتهم) أي:
المذكورين من إضافة المصدر لمفعوله، أي: إن بيعة النساء (التي أنزلت عند فتح مكّة) وفق
بيعة هؤلاء النفر، وجعل بيعة النساء موافقة لتأخّرها عن هذه (وهني أن لا نشرك بالله شيئًا) عام؛
لأنه نكرة في سياق النهي كالنفي وقدم على ما بعده؛ لأنه الأصل (ولا نسرق) بحذف المفعول
ليدلّ على العموم كان فيه قطع أم لا، (ولا نزني ولا نقتل أولادنا) خصّهم بالذكر؛ لأنهم كانوا
غالبًا يقتلونهم خشية الإملاق ولأنه قتل وقطيعة رحم فصرف العناية إليه أكثر، (ولا نأتي ببهتان)
قال المصنّف وغيره، أي: بكذب يبهت سامعه، أي: يدهشه لفظاعته، كالرمي بالزنا والفضيحة
والعار (نفتريه) نختلقه (بين أيدينا وأرجلنا) أي: من قبل أنفسنا فكنى باليد والرجل عن الذات؛.
لأن معظم الأفعال بهما أو إن البهتان ناشىء عمّا يختلقه القلب الذي هو بين الأيدي والأرجل ثم
بيرزه بلسانه، أو المعنى لا نبهت الناس بالمعايب كفاحًا مواجهة، انتهى.
(ولا نعصيه) عَّةِ (في معروف) قيّد به، تطييبًا لقلوبهم إذ لا يأمر إلا به، أو تنبيهًا على أنه
لا يجوز طاعة مخلوق في معصية الخالق، (و)نعطيه (السمع والطاعة) فهما بالنصب بفعل
محذوف أو بالجرّ عطف على بيعة النساء أو على معروف، قال الباجي: السمع هنا يرجع إلى
معنى الطاعة، (في العسر واليسر) أي: عسر المال ويسره (والمنشط) بفتح الميم والمعجمة

٨٢
ذكر عرض المصطفى نفسه على القبائل ووفود الانصار
والمكره، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، وأن نقول بالحق حيث كنا لا
نخاف في الله لومة لائم. ثم قال عليه الصلاة والسلام: فإن وفيتم فلكم الجنة،
ومن غشي من ذلك شيئًا كان أمره إلى الله إن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه. ولم
يفرض يومئذٍ القتال.
بينهما نون ساكنة، أي: ما تنشط له النفوس مما يسرها (والمكره) ما تكرهه النفوس مما يشقّ
عليها، والمراد أنهم يطيعونه عَّه في كل أمره ونهيه سهل أو شقّ، (وأثرة) بضم الهمزة وسكون
المثلثة وبفتحهما وبكسر الهمزة وسكون المثلثة، كما ذكره المصنّف في حديث: ((ستلقون
بعدي أثرة))، وهو بالجر والنصب أيضًا، أي: وعلى أثرة أو نعطيه أثرة (علينا) بأن نرضى بفعله
استبدّ لنفسه أو لغيره لكن لم يقع استئثاره لنفسه أو لغيره، لكن لم يقع استئثار لنفسه الشريفة في
الأمور الدنيوية عليهم ولا على غيرهم إلا في نحو الزوجات ولسن بدنيوية محضة، (وأن لا ننازع
الأمر) الملك والإمارة (أهله) فلا نتعرض لولاة الأمور حيث كانوا على الحق، قال الباجي في شرح
الموطأ: يحتمل أنه شرط على الأنصار ومن ليس من قريش أن لا ينازعوا قريشًا ويحتمل عمومه في
جميع الناس أن لا ينازعوا من ولآّه اللَّه الأمر منهم، وإن كان فيهم من يصلح له إذا صار لغيره، قال
السيوطي: والصحيح الثاني، ويؤيّده أن في مسند أحمد زيادة وإن رأيت أن لك في الأمر حقًّا ولابن
حبان وإن أكلوا مالك وضربوا ظهرك، وزاد البخاري إلا أن تروا كفرًا بواحًا، أي: ظاهرًا باديًا، انتهى.
(وأن نقول) ضمنه معنى نعترف فعداه بالباء، (بالحقّ) أي: نعترف به (حيث كنا لا نخاف
في اللَّه لومة لائم) بل نتصلب في ديننا واللومة المرّة من اللوم، وفيها: وفي تنتكير لائم مبالغتان
(ثم قال عليه الصّلاة والسلام) بعد هذه المبايعة (فإن وفيتم فلكم الجنَّة) فضلاً من اللَّه (ومن
غشى) بغين وشين معجمتين، أي: فعل، (من ذلك شيئًا كان أمره مفوّضًا إلى اللَّه إن شاء عذبه)
بعدله، (وإن شاء عفا عنه) بفضله، (ولم يفرض يومئذ القتال) فلم يبايعهم عليه.
وهذا الحديث أخرجه الشيخان وغيرهما بألفاظ متقاربة لكن لم يقع في رواية الشيخين
التصريح بأن المبايعة هذه ليلة العقبة، نعم إخراج البخاري الحديث في وفود الأنصار ظاهر في
وقوعها ليلتئذ، وبه جزم عياض وغيره، لكن رجّح الحافظ أن المبايعة ليلة العقبة، إنما كانت على
الإيواء والنصر وما يتعلق بذلك، وأمَّا على الصفة المذكورة فإنما هي بعد فتح مكّة وبعد نزول آية
الممتحنة بدليل ما في البخاري في حديث عبادة هذا أنه عٍَّ لما بايعهم قرأ الآية كلّها،
ولمسلم فتلا علينا آية النساء، وله أيضًا أخذ علينا كما أخذ على النساء، وعند النسائي ألا
تبايعوني على ما أُبايع عليه النساء.
وفي حديث أبي هريرة: ما أدري الحدود كفارة لأهلها أم لا وإسلام أبي هريرة متأخّر عن

٨٣
ذكر عرض المصطفى نفسه على القبائل ووفود الانصار
ثم انصرفوا إلى المدينة فأظهر الله الإسلام.
وكان أسعد بن زرارة يجمع بالمدينة بمن أسلم.
وكتبت الأوس والخزرج إلى النبي عَ له: ابعث إلينا من يقرئنا القرءان، فبعث
إليهم مصعب بن عمير.
وروى الدارقطني عن ابن عباس أن النبي عَّه كتب إلى مصعب بن عمير أن
ليلة العقبة عند ابن أبي خيثمة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه، قال: قال عَِّ: ((أُبايعكم
على أن لا تشركوا بالله شيئًا))، فذكر نحو حديث عبادة ورجاله ثقات، فإذا كان عبد اللَّه بن
عمرو ممن حضر البيعة وليس أنصاريًّا ولا ممن حضر بيعتهم، وإنما أسلم قرب إسلام أبي هريرة
وضح تغاير البيعتين، وإنما حصل الالتباس من جهة أن عبادة حضر البيعتين معًا، وكانت بيعة
العقبة من أجل ما يتمدّح به فكان يذكرها إذا حدث تنويهًا بسابقيته؛ فلما ذكر هذه البيعة التي
صدرت على مثل بيعة النساء، توهم من لم يقف على حقيقة الحال أن بيعة العقبة وقعت على
ذلك، وإنما وقعت على الإيواء والنصر وما يتعلق بذلك، انتهى ملخّصًا.
وقال المصنّف: الراجح أن التصريح بذلك، أي: بأن بيعة العقبة وقعت على وفق بيعة
النساء، وهم من بعض الرواة؛ والذي دلّ عليه الأحاديث أن البيعة ثلاثة العقبة، وكانت قبل فرض
الحرب، والثانية بعد الحرب على عدم الفرار، والثالثة على نظير بيعة النساء، انتهى.
(ثم انصرفوا إلى المدينة فأظهر اللَّه الإسلام وكان أسعد بن زرارة يجمع بالمدينة بمن
أسلم) وروى أبو داود عن عبد الرحمن بن كعب بن ملك، قال: كان أبي إذا سمع الأذان
للجمعة استغفر لأسعد بن زرارة، فسألته فقال: كان أوّل من جمع بنا بالمدينة.
(وكتب الأوس والخزرج إلى النبيّ عَّ ابعث إلينا من يقرئنا القرءان فبعث إليهم
مصعب بن عمير) وأمره أن يقرئهم القرءان ويعلمهم الإسلام ويفقههم في الدين، وكان يسمّى
بالمدينة المقرىء والقارىء ونزل على أسعد بن زرارة، وذلك أن الأوس والخزرج كره بعضهم أن
يؤمّهم بعض، هكذا ذكره ابن إسحق في رواية، وذكر في رواية أخرى أنه عدّله بعث مع الإثني
عشر رجلاً مصعب بن عمير العبدري، وهو الذي ذكره ابن عقبة. قال البيهقي وسياق ابن إسحق
أتمّ، انتهى. وجمع بجواز أنه أرسله معهم ابتداء واتّفق أنهم كانوا كتبوا له قبل علمهم بإرساله وفيه
بعد.
(وروى الدارقطني عن ابن عباس أن النبي عَّ كتب إلى مصعب بن عمير أن

٨٤
ذكر عرض المصطفى نفسه على القبائل ووفود الانصار
يجمع بهم .. الحديث، وكانوا أربعين رجلاً.
فأسلم على يد مصعب بن عمير خلق كثير من الأنصار، وأسلم في
جماعتهم سعد بن معاذ وأسید بن حضیر،
يجمع بهم ... الحديث) ولفظه عن ابن عباس: أذن رسول اللَّه عَ له بالجمعة قبل أن يهاجر ولم
يستطع أن يجمع بمكّة ولا يبدي ذلك لهم فكتب إلى مصعب بن عمير:
أما بعد، فانظر اليوم الذي تجهر فيه اليهود بالزبور لسبتهم، فاجمعوا نساءكم وأبناء كم فإذا
زال النهار عن شطره فتقرّبوا إلى الله بركعتين. قال: فهو أوّل من جمع حتى قدم رسول اللّه عَ ليه
فجمع عند الزوال وأظهر ذلك، ولا تنافي بين هذا وبين قوله قبل كان أسعد يجمع بهم، الموافق
لقول كعب بن لملك: أوّل من جمع بهم أسعد؛ لأن جمع مصعب بمعاونته لأنه لما نزل عليه
وكان يقوم بأمره وسعى في التجميع نسب إليه لكونه سببًا في الجمع.
(وكانوا أربعين رجلاً) كما رواه أبو داود: وصريح هذا أنهم إنما جمعوا بأمره عَّله؛ وروى
عبد بن حميد بإسناد صحيح عن ابن سيرين، قال: جمع أهل المدينة قبل أن يقدم رسول الله
المدينة وقبل أن ينزل بهم الجمعة، فقال الأنصار: إن لليهود يومًا يجتمعون فيه كل سبعة أيّام
وللنصارى مثل ذلك، فهلمّ فلنجعل لنا يومًا نجتمع فيه فنذكر اللّه تعالى ونصلّي ونشكره،
فجعلوه يوم العروبة، واجتمعوا إلى أسعد بن زرارة فصلّى بهم يومئذ وأنزل اللَّه بعد ذلك: ﴿إذا
نودي للصلاة﴾ [الجمعة: ٩] الآية، قال الحافظ: فهذا يدلّ على أنهم اختاروه بالاجتهاد، وقال
السهيلي: تجميع الصحابة الجمعة وتسميتهم إياها بهذا الاسم هداية من اللَّه لهم قبل أن يؤمروا
بها، ثم نزلت سورة الجمعة بعد أن هاجر النبيّ عَّه إلى المدينة فاستقرّ فرضها واستمرّ حكمها،
ولذا قال عَّله: أضلّته اليهود والنصارى وهداكم اللَّه له، قال الحافظ: ولا يبعد أنه عَّ له علم
بالوحي وهو بمكّة فلم يتمكّن من إقامتها.
وقد ورد فيه حديث ابن عباس عند الدارقطني ولذا جمع بهم أوّل ما قدم المدينة؛ كما
حكاه ابن إسحق وغيره؛ وعلى هذا فقد حصلت الهداية للجمعة بجهتي البيان والتوقيف، انتهى.
يعني أنهم لما اجتهدوا فيه، وأجمعوا على فعله يوم الجمعة قدم عليهم الكتاب النبويّ إلى
مصعب بالجمع بهم فوافق اجتهادهم النصّ، فلذا قال: هداكم اللَّه له، (فأسلم على يد
مصعب بن عمير خلق كثير من الأنصار، وأسلم في جماعتهم سعد بن معاذ) بذال معجمة عن
ابن النعمان بن امرىء القيس بن عبد الأشهل الأنصاري الأوسي سيدهم وافق حكمه حكم اللَّه
واهتزّ عرش الرحمن لموتة، (وأَسيد) بضم الهمزة وفتح السين (ابن حضير) بضم المهملة وفتح

٨٥
ذكر عرض المصطفى نفسه على القبائل ووفود الانصار
وأسلم بإسلامهما جميع بني عبد الأشهل في يوم واحد، الرجال والنساء، ولم يبق
منهم أحد إلا أسلم، حاشا الأصيرم وهو عمرو بن ثابت بن وقش، فإنه تأخر إسلامه
إلى يوم أحد، فأسلم واستشهد ولم يسجد لله سجدة، وأخبر رسول الله عَ لّه أنه من
أهل الجنة. ولم يكن في بني عبد الأشهل منافق ولا منافقة، بل كانوا كلهم حنفاء
مخلصين رضي الله عنهم.
ثم قدم على النبي عَّه في العقبة الثالثة في العام المقبل في ذي الحجة،
أوسط أيام التشريق منهم سبعون رجلاً - وقال ابن سعد: يزيدون
المعجمة ابن سماك بن عتيك الأنصاري الأوسي الأشهلي المتوفى في خلافة عمر سنة عشرين
على الأصحّ وصلّى عليه عمر، أسلما في يوم واحد أسيد أوّلاً ثم سعد والقصة مبسوطة في
السّیّر.
(وأسلم بإسلامهما جميع بني عبد الأشهل) بفتح الهمزة والهاء بينهما معجمة ساكنة آخره
لام ابن جشم بن الحرث بن الخزرج الأصغر بن عمرو بن ملك بن الأوس، قال ابن دريد: زعموا
أن الأشهل صنم (في يوم واحد الرجال والنساء ولم يبقَ منهم أحد إلا أسلم) وذلك أن سعدًا
لما ذهب لمصعب وأسلم أقبل إلى نادي قومه ومعه أسيد، فقال: يا بني عبد الأشهل، كيف تعلمون
أمري فيكم؟ قالوا: سيّدنا وأفضلنا رأيًا وأيمننا نقيبة، قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم عليّ حرام حتى
تؤمنوا بالله ورسوله، قال في الرواية: فوالله ما أمسى فيهم رجل ولا امرأة إلا مسلمًا أو مسلمة.
(حاشى الأصيرم) بصاد مهملة تصغير أصرم وبه يلقب أيضًا وقدمه بعض على المصغّر،
(وهو عمرو) بفتح العين (ابن ثابت) بمثلثة (ابن وقش) بفتح الواو وسكون القاف وتفتح وشين
معجمة، ويقال: أقيش، وقد ينسب إلى جدّه فيقال عمرو بن أَقيش، (فإنه تأخر إسلامه إلى يوم
أُحد فأسلم واستشهد) بأحد (ولم يسجد للَّه سجدة وأخبر رسول اللَّه عَِّ أنه من أهل الجنَّة)
رواه ابن إسحق بإسناد حسن مطوّلاً عن أبي هريرة، أنه كان يقول: حدّثوني عن رجل دخل
الجنَّة لم يصل صلاة قطّ فإذا لم يعرفه الناس، قال: هو أصيرم بني عبد الأشهل ... فذكر
الحدیث.
(ولم يكن في) بني (عبد الأشهل منافق ولا منافقة، بل كانوا كلّهم حنفاء مخلصين رضي
اللَّه عنهم) وهذه منقبة عظيمة (ثم قدم على النبيّ عَّه في العقبة الثالثة في العام المقبل في
ذي الحجّة أوسط أيام التشريق منهم) أي: الأنصار، (سبعون رجلاً) كما ورد من حديث جابر
وأبي مسعود الأنصاري وقطع به الحافظ في سيرته، وقدمه مغلطاي (وقال ابن سعد: يزيدون

٨٦
ذكر عرض المصطفى نفسه على القبائل ووفود الانصار
رجلاً أو رجلين - وامرأتان.
وقال ابن إسحق: ثلاث وسبعون وامرأتان.
وقال الحاكم: خمسة وسبعون نفسًا.
فكان أول من ضرب على يده عليه السلام البراء بن معرور. ويقال أسعد بن
زرارة،
رجلاً أو رجلين وامرأتان) عطف على سبعون (وقال ابن إسحق: ثلاث وسبعون رجلاً وامرأتان)
وعينهما ابن إسحق، فقال: نسيبة، أي: بفتح النون وكسر المهملة بنت كعب بن عمرو بن عوف
المازني البخاري شهدت هذه العقبة مع زوجها زيد بن عاصم وولديها حبيب وعبد اللَّه، والثانية:
أسماء بنت عمرو بن عدي بن نابى، وقد صدر في الاستيعاب، بقول ابن إسحق.
قال اليعمري: هذا العدد هو المعروف وإن زاد في التفصيل على ذلك فليس بزيادة في
الجملة، وإنما هو بمحل الخلاف فيمن شهد، فبعض الرواة يثبته وبعضهم يثبت غيره بدله وقد وقع
ذلك في أهل بدر وشهداء أُحد وغير ذلك، انتهى. وبينهم هو وغيره بما يطول ذكره.
(وقال الحاكم: خمسة وسبعون نفسًا) هو عين ما قبله إن لم يثبت أنه كان فيهم أكثر من
امرأتين، (فكان) كما روى الحاكم من طريق ابن إسحق عن عكرمة عن ابن عباس (أول من
ضرب على يده عليه السّلام) في البيعة ليلة العقبة (البراء) بفتح الباء الراء ممدود مخفّفًا (ابن
معرور) بميم مفتوحة فمهملة ساكنة فراء مضمومة فواو فراء ثانية.
قال السهيلي: معناه مقصود بن صخر الخزرجي السلمي، ابن عمّة سعد بن معاذ، كان
سيّد قومه وأفضلهم، قدم في هذه العقبة مسلمًا وصلّى في سفره ذلك إلى الكعبة مع نسخها
باجتهاد منه، وخالفه غيره، فلما سأله عَّه، قال له: ((قد كنت على قبلة لو صبرت عليها)»، ولم
يأمر بالإعادة.
قال السهيلي: لأنه كان متأوّلاً ثم أمره أن يستقبل المقدس فأطاع، فلمّا حضر موته أمر
أهله أن يوجّهوه قبل الكعبة، ومات في صفر قبل قدومه عَّه بشهر، قاله ابن إسحق وغيره،
وأوصى بثلث ماله إلى النبيّ عَِّ فقبله ثم ردّه على ولده وهو أوّل من أوصى بثلثه، (ويقال) كما
نقله ابن إسحق عن بني عبد الأشهل (أسعد بن زرارة) ورواه العدني عن جابر، وزاد: وهو أصغر
السبعين إلا أنا، وأخرج ابن سعد عن سليمن بن نجيم، قال: تفاخرت الأوس والخزرج فيمن
ضرب على يد رسول اللَّه عَّ ليلة العقبة أوّل الناس، فقالوا: لا أحد أعلم به من العباس بن
عبد المطّلب فسألوه، فقال: ما أحد أعلم بهذا مني، أوّل من ضرب على يده عَُّّ تلك الليلة

٨٧
ذكر عرض المصطفى نفسه على القبائل ووفود الانصار
على أنهم يمنعونه مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم، وعلى حرب الأحمر والأسود.
وكانت أول آية نزلت في الإذن بالقتال ﴿أذن للذين يقاتلون﴾ [الحج/٣٩]
وفي الإكليل ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم﴾ [التوبة/١١١] الآية.
ونقب عليهم اثني عشر نقيبا.
وفي حديث جابر عند أحمد بإسناد صحيح، وصححه الحاكم وابن حبان:
مكث عَّ عشر سنين يتتبع الناس في منازلهم بمنى وغيرها، يقول: من يؤويني؟
من ينصرني حتى أبلغ رسالة ربي وله الجنة؟ حتى بعثنا الله له من
أسعد بن زرارة ثم البراء بن معرور ثم أُسيد بن الحضير.
(على أنهم يمنعونه مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم وعلى حرب الأحمر والأسود) قال
في النور: يعني العرب والعجم، والظاهر أنه يجيء فيه ما جاء في بعثه عَّه إلى الأسود والأحمر
العجم والعرب أو الجنّ والإنس؛ لأنه مبعوث للكل بخلاف الحرب (وكانت أوّل آية نزلت في
الإذن بالقتال:) ﴿أذن للذين يقاتلون﴾ [الحج: ٣٩] الآية،) كما قاله الزهري عن عروة عن عائشة
أخرجه النسائي، (وفي الإكليل) أوّل آية نزلت في الإذن به، ﴿إن اللَّه اشترى من المؤمنين
أنفسهم وأموالهم﴾ [التوبة: ١١١] الآية، وهذه فائدة استطرادية هنا، المناسبة المبايعة على
الحرب، (ونقب عليهم اثني عشر نقيبًا) قال السهيلي: اقتداء بقوله تعالى في قوم موسى:
﴿وبعثنا منهم اثني عشر نقيبًا﴾ [المائدة: ١٢].
قال ابن إسحق: تسعة من الخزرج: أسعد بن زرارة، وعبد الله بن رواحة، وسعد بن الربيع،
ورافع بن لملك، وأبو جابر عبد الله بن عمرو، والبراء بن معرور، وسعد بن عبادة، والمنذر بن عمرو،
وعبادة بن الصامت. وثلاثة من الأوس: أَسيد بن حضير، وسعيد بن خيثمة، ورفاعة بن عبد المنذر.
قال ابن هشام: وأهل العلم يعدون فيهم أبا الهيثم بن التيهان بدل رفاعة، وروى البيهقي عن الإمام
لملك حدثني شيخ من الأنصار أن جبريل كان يشير له إلى من يجعله نقيبًا، وقال ابن إسحق:
حدّثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم أن رسول اللّه عَّةٍ، قال للنقباء: ((أنتم كفلاء على قومكم
ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم))، قالوا: نعم.
(وفي حديث جابر) بن عبد اللّه (عند أحمد بإسناد صحيح وصحّحه الحاكم وابن حبان:
مكث عَّةٍ) بمكّة (عشر سنين يتبع الناس في منازلهم بمنى وغيرها، يقول: ((من يؤويني، من
يتصرني حتى أُبلّغ رسالة ربّي وله الجنَّة)») أن أسلم (حتى بعثنا) معشر الأنصار (اللَّه له من

٨٨
ذكر عرض المصطفى نفسه على القبائل ووفود الانصار
يثرب، فذكر الحديث. وفيه: وعلى أن تنصروني إذا قدمت عليكم يثرب، فتمنعوني
مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة. الحديث.
وحضر العباس العقبة تلك الليلة متوثقًا لرسول الله عَّهِ، ومؤكدًا على أهل
يثرب، و کان یومئذٍ علی دین قومه.
يثرب) المدينة المنوّرة (فذكر الحديث) وهو فصدقناه فرحل إليه منا سبعون رجلاً فواعدناه شعب
العقبة، فقلنا: علام نبايعك، فقال: على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى النفقة في
العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
(وفيه) عقب هذا: (وعلى أن تنصروني إذا قدمت عليكم يثرب فتمنعوني مما تمنعون
منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم، ولكم الجنة ... الحديث،) ولأحمد من وجه آخر عن جابر،
قال: كان العباس آخذ بيد رسول اللّه، فلما فرغنا، قال عَّ له: أخذت وأعطيت، وللبزار عن جابر،
قال: قال عَ لّه للنقباء من الأنصار: ((تؤووني وتمنعوني))، قالوا: نعم، فما لنا؟ قال: ((الجنة)).
وروى البيهقي بإسناد قوي عن الشعبي ووصله الطبري من حديث أبي مسعود الأنصاري،
قال: انطلق عَّه معه العباس عمّه إلى السبعين من الأنصار عند العقبة، فقال له أبو أمامة، يعني
أسعد بن زرارة: سل يا محمد لربّك ولنفسك ما شئت ثم أخبرنا ما لنا من الثواب قال: أسألكم
لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأسألكم لنفسي ولأصحابي أن تؤرونا وتنصرونا وتمنعونا
مما تمنعون منه أنفسكم، قالوا: فما لنا؟ قال: ((الجنَّة)، قالوا: ذلك لك، وأخرجه أحمد من
الوجهين جميعًا وعند ابن إسحق، فقال أبو الهيثم: يا رسول اللَّه! إن بيننا وبين الرجال، أي:
اليهود، حبالاً وإنا قاطعوها فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك اللَّه أن ترجع إلى قومك
وتدعنا، فتبسم عَّ ثم قال: ((بل الدم الدم، والهدم الهدم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من
حاريتم، وأُسالم من سالمتم)).
(وحضر العباس العقبة تلك الليلة متوثّقًا لرسول اللَّه عَّهِ ومؤكّدًا على أهل يثرب وكان
يومئذ على دين قومه) إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه، فلمَّا جلس كان أوّل متكلّم، فقال:
إن محمّدًا منّا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو في عزّ من
قومه ومنعة في بلده، وإنه قد أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون
له بما دعوتموه إليه ومانعوه ممن خالفه فأنتم وما تحمّلتم، وإن كنتم ترون أنكم مسلّموه وخاذلوه
بعد الخروج فمن الآن فدعوه، فإنه في عزّ ومنعة من قومه وبلده، فقالوا: قد سمعنا ما قلت،
فتكلّم يا رسول اللَّه، فخذ لربّك ولنفسك ما أحببت ... الحديث، ذكره ابن إسحق، والله أعلم.

٨٩
باب هجرة المصطفى واصحابه الى المدينة
[باب هجرة المصطفى وأصحابه إلى المدينة]
قال ابن إسحق: ولما تمت بيعة هؤلاء لرسول الله عَ لّه ليلة العقبة، وكانت
سرًّا عن كفار قريش، أمر رسول الله عَ ظله من كان معه بالهجرة
باب هجرة المصطفى وأصحابه إلى المدينة
قال عَّ: ((رأيت في المنام أني أُهاجر من مكّة إلى أرض بها نخل، فذهب وهلي إلى
أنها اليمامة أو هجر، فإذا هي المدينة يثرب))، رواه الشيخان. وروى البيهقي عن صهيب رفعه:
(رأيت دار هجرتكم سبخة بين ظهراني حرّتين، فإما أن تكون هجر أو يثرب))، ولم يذكر اليمامة.
وأخرج الترمذي والحاكم عن جابر عن النبيّ معَّله، قال: ((إن اللَّه أوحي إليّ - أي هؤلاء
الثلاثة - نزلت هي دار هجرتك المدينة أو الحرين أو قنسرين))، زاد الحاكم: فاختار المدينة،
صححه الحاكم وأقرّه الذهبي في تلخيصه، لكنه قال في الميزان: ما في الصحيح من ذكر
اليمامة؛ لأن قنسرين من الشام من جهة حلب واليمامة إلى جهة اليمن، إلا إن حمل على
اختلاف المأخذ فالأول جرى على مقتضى الرؤية، والثاني خير بالوحي، فيحتمل أنه أُري أوّلاً ثم
خيّر ثانيًا، فاختار المدينة.
وفي الصحيح مرفوعًا: أُريت دار هجرتكم بين لابتين)، قال الزهري: وهما الحرّتان. قال
ابن التين: رأى عَّ دار هجرته بصفة تجمع المدينة وغيرها ثم رأى الصفة المختصّة بالمدينة
فتعینت، انتھی.
(قال ابن إسحق: ولمَّا تمت بيعة هؤلاء لرسول اللّه عَ ليلة العقبة، وكانت سرًّا) عن
كفّار قومهم و(عن كفّار قريش) هكذا عند ابن إسحق أنها كانت سرًّا عن الفريقين فكأنه سقط
من قلم المصنف أو لم يتعلق به غرضه، أي: كفار الأنصار الذين قدموا معهم حجاجًا، قال
الحاكم: وكانوا خمسمائة، ثم ظهرت لهم بعد، ففي حديث عائشة وأبي أمامة ابن سهل: لما
صدر السبعون من عنده عَّله طابت نفسه، وقد جعل الله له منعة أهل حرب ونجدة، وجعل البلاء
يشتدّ على المسلمين من المشركين لما يعلنون من الخروج فضيقوا على أصحابه وأتعبوهم ونالوا
منهم ما لم يكونوا ينالون من الشتم والأذى، فشكرا للنبيّ عَّه، فقال: ((قد أُريت دار هجرتكم
سبخة))، ثم مكث أيّامًا ثم خرج مسرورًا، فقال: ((قد أخبرت بدار هجرتكم وهي يثرب، فمن أراد
منكم أن يخرج فليخرج إليها))، فجعلوا يتجهّزون ويترافقون ويتواسون ويخرجون ويخفون ذلك،
وهذا معنى قوله: (أمر رسول اللَّه عٍَّ من كان معه بالهجرة) بعد الأذى والشكوى، الرؤيا والإخبار
بالوحي أنها يثرب، خلاف مقتضى جعله جواب لما من اتّصاله بالبيعة، وأنهما في زمن واحد.

٩٠
باب هجرة المصطفى واصحابه الى المدينة
إلى المدينة.
فخرجوا أرسالاً، وأقام بمكة ينتظر أن يؤذن له في الخروج، فكان أول من
هاجر من مكة إلى المدينة أبو سلمة بن عبد الأسد، قبل بيعة العقبة بسنة، قدم من
الحبشة لمكة، فآذاه أهلها، وبلغه إسلام من أسلم من الأنصار فخرج إليهم.
(إلى المدينة) علم على النبوية بحيث إذا أُطلق لا يتبادر إلى غيرها، سمّيت بذلك في
القرءان، وبالدار ودار والإيمان في التوراة بطابة وطائب وطيبة والمسكينة والجابرة والمحبة
والمحبوبة والقاصمة والمجبورة والعذراء والمرحومة، وفي مسلم: ((إن اللَّه سمّى المدينة طابة)).
وفي الطبراني: ((إن اللَّه أمرني أَن أُسمّي المدينة طيبة)، ومن أسمائها دار الأخيار والإسلام ودار
الأبرار، وغير ذلك إلى نحو مائة اسم، وكثرة الأسماء آية شرف المسمّى، وألّف في ذلك المجد
الشيرازي مؤلّفًا حافلاً. (فخرجوا أرسالاً) بفتح الهمزة، أي: أفواجًا وفرقًا متقطعة وأحدهم رسل
بفتح الراء والسين؛ كما في النور.
قال شيخنا: وفيه تغليب فقد خرج كثير منهم منفردين مستخفين. (وأقام) عَِّ (بمكّة
ينتظر أن يؤذن له في الخروج، فكان أوّل من هاجر من مكّة إلى المدينة) بنصب أوّل خبر كان
واسمها (أبو سلمة) عبد اللَّه (بن عبد الأسد) بسين ودال مهملتين؛ كما في السبل، ابن هلال
المخزومي البدري أخو المصطفى من الرضاعة وابن عمته برّة، وقال فيه: أوّل من يعطى كتابه
بيمينه أبو سلمة بن عبد الأسد، رواه ابن أبي عاصم توفي سنة أربع عند الجمهور، وهو الراجح.
وفي الاستيعاب سنة ثلاث. وفي التجريد تبعًا لابن منده سنة اثنتين.
(قبل: بيعة العقبة بسنة) وذلك أنه (قدم من الحبشة لمكّة فآذاه أهلها وبلغه إسلام من
أسلم من الأنصار) وهم الاثنا عشر أصحاب العقبة الثانية؛ كما قال ابن عقبة (فخرج إليهم)
وكلام المصنّف متناف؛ إذ أوّله صريح في أن خروج أبي سلمة بعد العقبة الثالثة، وهذا صريح
في أنه قبلها، إلا أن تكون الفاء بمنزلة الواو ليست مرتبة على أمره عَل بل غرضه مجرّد الإخبار
عن أوّل من هاجر، وهذا قول ابن إسحق، وبه جزم ابن عقبة، وأنه أوّل من هاجر مطلقًا. وفي
الصحيح عن البراء: أوّل من قدم علينا مصعب بن عمير وابن أمّ مكتوم. قال الحافظ: فيجمع
بينهم بحمل الأوّلية على صفة خاصة هي أن أبا سلمة خرج لا لقصد الإقامة بالمدينة، بل فرارًا من
المشركين بخلاف مصعب، فكان على نيّة الإقامة بها، وجمع شيخنا بأن خروج مصعب، لما كان
لتعليم من أسلم بالمدينة لم يعدّه من الخارجين لأذى المشركين بخلاف أبي سلمة، انتهى.
وفي النور حاصل الأحاديث في أوّل من هاجر، هل هو مصعب وبعده ابن أُمّ مكتوم، أو
أبو سلمة، أو عبد اللّه بن جحش، وحاصلها في النسوة أُمّ سلمة، أو ليلى بنت أبي حثمة، أو أُمّ

٩١
باب هجرة المصطفى واصحابه الى المدينة
ثم عامر بن ربيعة وامرأته ليلى، ثم عبد الله بن جحش. ثم المسلمون أرسالاً،
كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، أو الفارعة بنت أبي سفيان.
(ثم عامر بن ربيعة) المذحجي أو العنزي بسكون النون من عنز بن وائل أحد السابقين
الأوّلين، هاجر إلى الحبشة بزوجته أيضًا شهد بدرًا وما بعدها، وروى عن النبيّ ◌َّه في
الصحيحين وغيرهما توفي سنة ثلاثًا أو اثنتين وثلاثين، وقيل غير ذلك. (و)معه (امرأته ليلى) بنت
أبي حثمة بفتح المهملة وسكون المثلثة ابن غانم، قال أبو عمر: هي أوّل ظعينة قدمت المدينة،
وقال موسى بن عقبة وغيره: أوّلهن أُمّ سلمة، وجمع بأن ليلى أوّل ظعينة مع زوجها وأُمّ سلمة
وحدها.
فقد ذكر ابن إسحق: أن أهلها بني المغيرة حبسوها عن زوجها سنة ثم أذنوا لها في
اللحاق به، فهاجرت وحدها حتى إذا كانت بالتنعيم لقيت عثمن بن طلحة العبدري، وكان يومئذ
مشركًا فشيّعها حتى إذا أوفى على قباء، قال لها: زوجك في هذه القرية ثم رجع إلى مكّة،
فكانت تقول: ما رأيت صاحبًا قطّ أكرم من عثمن، كان إذا بلغ المنزل أناخ بي ثم استأخر عني
حتى إذا نزلت استأخر ببعيري فحطّ عنه ثم قيّده بالشجر، ثم يضطجع تحت شجرة، فإذا دنا
الرواح قام إلى البعير فرحله ثم استأخر عنّي، وقال: اركبي، فإذا استويت عليه أخذ بخطامه
فقادني، قال البرهان: ويكفيه من مناقبه هذه التي يثاب عليها في الإسلام على الصحيح لحديث
حكيم: ((أسلمت على ما سلف لك من خير))، انتهى.
(ثم عبد اللَّه بن جحش) بأهله وأخيه أبي أحمد عبد بلا إضافة، الصحيح؛ كما قاله
السهيلي تبعًا لابن عبد البرّ. وقيل: اسمه ثمامة ولا يصح، وقيل: عبد اللّه وليس بشىء كان ضريرًا
يطوف أعلى مكّة وأسفلها بلا قائد فصيحًا شاعرًا، وعنده الفارعة بمهملة بنت أبي سفين، ومات
بعد العشرين وكان منزلهما ومنزل أبي سلمة على مبشر بن عبد المنذر بقباء في بني عمرو بن
عوف، قال أبو عمر: هاجر جميع بني جحش بنسائهم فعدا أبو سفين على دارهم فتملّكها، زاد
غيره فباعها من عمرو بن علقمة العامري، فذكر ذلك عبد الله بن جحش لما بلغه لرسول الله عَ ليه،
فقال: ((ألا ترضى يا عبد اللَّه أن يعطيك اللَّه بها دارًا في الجنَّة خيرًا منها))؟ قال: بلى، قال: ((فذلك
لك))، فلمَّا فتح مكّة كلّمه أبو أحمد في دارهم فأبطأ عليه رسول اللّه عَّه، فقال الناس: يا أبا
أحمد، إِنه عَّ يكره أن ترجعوا في شىء أُصيب منكم في اللَّه، فأمسك أبو أحمد عن كلام
رسول اللَّه، هكذا في العيون. وسقط في الشامية فاعل أمسك فأوهم أنه أمر وإنما هو فعل مات.
(ثم المسلمون أرسالاً) ومنهم عمّار بن ياسر وبلال وسعد بن أبي وقاص؛ كما في

٩٢
باب هجرة المصطفى واصحابه الى المدينة
ثم عمر بن الخطاب وأخوه زيد وعياش بن أبي ربيعة في عشرين راكبًا، فقدموا
المدينة فنزلوا في العوالي.
الصحيح أنهم هاجروا قبل عمر.
(ثم عمر بن الخطاب) أمير المؤمنين تقدّم قول ابن مسعود: كان إسلام عمر عزَّا وهجرته
نصرًا وأمارته رحمة، وأخرج ابن عساكر وابن السمان في الموافقة عن عليّ، قال: ما علمت أن
أحدًا من المهاجرين هاجر إلا مختفيًا، إلاَّ عمر بن الخطاب فإنه لما هّم بالهجرة تقلّد سيفه
وتنكّب قوسه وأنفض بدنة، أي: أخرج أسهمًا من كنانته وجعلها في يديه معدّة للرمي بها،
واختصر عترته، أي: حملها مضمومة إلى خاصرته، ومضى قبل الكعبة والملأ من قريش بفنائها
فطاف بالبيت سبعًا ثم أتى المقام فصلّى ركعتين، ثم وقف على الحلق واحدة واحدة، فقال
لهم: شاهت الوجوه لا يرغم اللَّه إلاَّ هذه المغاطس، من أراد أن تثلكه أُمّه أو يؤتم ولده أو ترمّل
زوجته فليلقني وراء هذا الوادي، فما تبعه أحد إلا قوم من المستضعفين علمهم ما أرشدهم إليه،
ثم مضى لوجهه.
(وأخوه زيد) بن الخطاب أسنّ من عمر وأسلم قبله وشهد بدرًا والمشاهد، واستشهد
باليمامة وراية المسلمين بيده سنة اثنتي عشرة، وحزن عليه عمر شديدًا، وقال: سبقني إلى
الحسنیین أسلم قبلي واستشهد قبلي.
(وعياش) بفتح المهملة وشدّ التحتية وشين معجمة (ابن أبي ربيعة) واسمه عمرو، ويلقّب
ذا الرمحين ابن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي من السابقين الأوّلين
وهاجر الهجرتين، ثم خدعه أبو جهل إلى أن رجع من المدينة إلى مكّة فحبسوه، فكان عَّيه
يدعو له في القنوت؛ كما في الصحيحين. وقول العسكري: شهد بدرًا غلّطوه، مات بالشام سنة
خمس عشرة، وقيل: استشهد باليمامة، وقيل: باليرموك (في عشرين راكبًا) كما في الصحيح
عن البراء، وسمّى ابن إسحق منهم زيدًا وعيّاشًا المذكورين وعمرًا وعبد اللَّه ابني سراقة بن
المعتمر العدوي، وخنيس بن حذافة السهمي، وسعيد بن زيد، وواقد بن عبد اللَّه، وخولى بن أبي
خولي، ولهلك بن أبي خولي، واسم أبي خولي عمرو بن زهير وبنو البكير أربعتهم إياس وعاقل وعامر
وخالد، وزاد ابن عائذ في مغازيه: الزبير، قال في الفتح: فلعلّ بقيّة العشرين كانوا من أتباعهم.
(فقدموا المدينة فنزلوا) على رفاعة بن عبد المنذر بن زنبر بقباء؛ كما قاله ابن إسحق وهو
بيان قوله تبعًا لأبي عمر، (في العوالي) جمع عالية، قال السمهودي: وهي ما كان في جهة
قبلتها من قباء وغيرها على ميل فأكثر لما قالوه في السنح بضم المهملة وسكون النون وتضمّ
وحاء مهملة أنه بالعوالي على ميل من المسجد النبويّ، وهو أدناها وأقصاها عمارة ثلاثة أميال أو

٩٣
باب هجرة المصطفى واصحابه إلى المدينة
ثم خرج عثمن بن عفان، حتى لم يبقَ معه عَّ إلا علي بن أبي طالب وأبو
بكر. كذا قال ابن إسحق، قال مغلطاي وفيه نظر لما يأتي بعده.
وكان الصديق كثيرًا ما يستأذن رسول الله عَّةٍ في الهجرة فيقول: لا تعجل
لعل الله أن يجعل لك صاحبًا، فيطمع أبو بكر أن يكون هو.
أربعة وأقصاها مطلقًا ثمانية أميال أو ستّة.
(ثم خرج عثمن بن عفان) ذو النورين أمير المؤمنين وتتابع الناس بعده، (حتى لم يبقَ
معه عٍَّ إلا عليّ بن أبي طالب وأبو بكر) الصدّيق؛ (كذا قال ابن إسحق) وغيره (قال مغلطاي:
وفيه نظر، لما يأتي بعده) في كلام مغلطاي من أنه لما رأى ذلك، أي: هجرة الجماعة من
كان بمكّة يطيق الخروج خرجوا، فطلبهم أبو سفيان وغيره فردّوهم وسجنوهم، فافتتن منهم ناس،
ولما ذكر ابن هشام وغيره أن صهيبًا لما أراد الهجرة، قال له الكفّار: أتيتنا صعلوكًا حقيرًا فكثر
مالك عندنا وبلغت الذي بلغت، ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك !! والله لا يكون ذلك، فقال
صهيب: أرأيتم إن جعلت لكم مالي أتخلّون سبيلي؟ قالوا: نعم، قال: فإني جعلت لكم مالي،
فتركوه فسار حتى قدم المدينة على رسول اللَّه عَّهِ، فقال له: ((ربح بيعك ثلاثًا)، والجواب: أن
المعنى لم يبقَ ممن قدر على الخروج، وقد عبّر اليعمري وغيره بلفظ: لم يتخلّف معه أحد من
المهاجرين إلا من حبس بمكة أو افتتن إلاّ عليّ وأبو بكر، قال البرهان الحلبي: هذا صحيح
لا اعتراض عليه.
(وكان الصدّيق كثيرًا ما يستأذن رسول اللَّه عَّ في الهجرة) إلى المدينة بعد أن ردّ على
ابن الدغنة جواره؛ كما في حديث عائشة في البخاري، قالت: وتجهّز أبو بكر قبل المدينة،
ولابن حبان عنها: استأذن أبو بكر البنيّ عَ ليه في الخروج من مكّة، (فيقول: ((لا تعجل، لعلّ اللَّه
أن يجعل لك صاحبًا))، فيطمع أبو بكر أن يكون هو) وعند البخاري: فقال له عَّ: ((على
رسلك، فإني أرجو أن يؤذن لي))، فقال أبو بكر: وهل ترجو ذلك؟ بأبي أنت وأُميّ، قال: (نعم))،
فحبس أبو بكر نفسه على رسول اللَّه عَلَّهِ ليصحبه وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر وهو
الخبط أربعة أشهر، ورسلك بكسر الراء والرسل السير الرفيق.
وفي رواية ابن حبان: فقال: (اصبر))، ولفظ أنت مبتدأ خبره بأبي، ويحتمل أنه تأكيد لفاعل
ترجو، وبأبي قسم، وحبس نفسه منعها. وفي رواية ابن حبان: فانتظره أبو بكر؛ والسمر بفتح
المهملة وضمّ الميم، وقوله: وهو الخبط مدرج من تفسير الزهري، وفي قوله: أربعة أشهر بيان
المدّة التي كانت بين ابتداء هجرة الصحابة بين العقبة الأولى والثانية، وبين هجرة النبيّ عَّه.

٩٤
باب هجرة المصطفى واصحابه الى المدينة
ثم اجتمع قريش ومعهم إبليس، في صورة شيخ نجدي، في دار الندوة، دار
قصي بن كلاب، وكانت قريش لا تقضي أمرًا إلا فيها، يتشاورون فيما يصنعون في
أمره عليه الصلاة والسلام
٠،
ومرّ أن بين العقبة الثانية وبين هجرته عَّله شهرين وبعض شهر على التحرير، انتهى من فتح
الباري.
(ثم اجتمع قريش) قال ابن إسحق: لمَّا رأوا هجرة الصحابة وعرفوا أنه صار له أصحاب من
غيرهم فحذروا خروجه وعرفوا أنه أجمع لحربهم، فاجتمعوا (ومعهم إبليس في صورة شيخ
نجدي) وذلك أنه وقف على باب الدار في هيئة شيخ جليل عليه بتّ، بفتح الموحّدة وشدّ
الفوقية، قيل: كساء غليظ أو طيلسان من خزّ، قال في النور: والظاهر أنه فعل ذلك تعظيمًا
لنفسه، فقالوا: من الشيخ؟ قال: من نجد، سمع بالذي اتعدتم له فحضر ليسمع ما تقولون، وعسى
أن لا يعدمكم رأيًا ونصحًا، قالوا: ادخل، فدخل (في دار الندوة) بفتح النون والواو بينهما مهملة
ساكنة ثم تاء تأنيث (دار قصي بن كلاب) قال ابن الكلبي: وهي أوّل دار بنيت بمكّة. وحكى
الأزرقي: أنها سمّيت بذلك لاجتماع الندى فيها يتشاورون، والندى الجماعة ينتدون، أي:
يتحدّثون، فلما حجّ معوية اشتراها من الزبير العبدري بمائة ألف درهم ثم صارت كلّها بالمسجد
الحرام، وهي في جانبه الشمالي.
وقال الماوردي: صارت بعد قصي لولده عبد الدار فاشتراها معوية من عكرمة بن عامر بن
هاشم بن عبد مناف بن عبد الدّار، وجعلها دار الإمارة. وقال السهيلي: صارت بعد بني عبد الدار
إلى حكيم بن حزام فباعها في الإسلام بمائة ألف درهم زمن معوية فلامه، وقال: أبعت مكرمة
آبائك وشرفهم، فقال حكيم: ذهبت واللّه المكارم إلا التقوى، والله لقد اشتريتها في الجاهلية
بزق خمر، وقذ بعتها بمائة ألف وأشهدكم أن ثمنها في سبيل اللَّه، فأيّنا المغبون، ذكر ذلك
الدارقطني في رجال الموطأ، انتهى.
(وكانت قريش لا تقضي أمرًا إلاَّ فيها) قيل: وكانوا لا يدخلون فيها غير قرشي إلا إن بلغ
أربعين سنة بخلاف القرشي، وقد أدخلوا أبا جهل ولم تتكامل لحيته واجتمعوا يوم السبت ولذا
ورد يوم السبت يوم مكر وخديعة، (يتشاورون فيما يصنعون في أمره عليه الصّلاة والسّلام)
وكانوا مائة رجل كما في المولد لابن دحية، وزعم ابن دريد في الوشاح أنهم كانوا خمسة عشر
رجلاً، فقال أبو البختري بفتح الموحدة وسكون المعجمة وفتح الفوقية فراء فياء كياء النسب،
ابن هشام المقتول كافرًا ببدر: احبسوه في الحديد وأغلقوا عليه بابًا، ثم تربّصوا به ما أصاب
أشباهه من الشعراء قبله، فقال النجدي: ما هذا برأي، واللَّه لو حبستموه ليخرجنّ أمره من وراء

٩٥
باب هجرة المصطفى واصحابه إلى المدينة
فأجمع رأيهم على قتله وتفرقوا على ذلك.
فإن قيل: لم تمثل الشيطان في صورة نجدي؟
فالجواب: لأنهم قالوا- كما ذكره بعض أهل السير- لا يدخلن معكم في
المشاورة أحد من أهل تهامة، لأن هواهم مع محمد، فلذلك تمثل في صورة
نجدي. انتھی.
ثم أتى جبريل النبي عَّهِ فقال:
الباب الذي أغلقتم دونه إلى أصحابه فلأوشكوا أن يثبوا عليكم فينتزعوه من أيديكم ثم تكاثروكم
به حتى يغلبوكم على أمركم، ما هذا برأي، فانظروا في غيره، فقال أبو الأسود: ربيعة بن عمرو
العامري، قال في النور: لا أعلم ماذا جرى له، نخرجه من بين أظهرنا فننفيه من بلادنا، فلا نبالي
أين ذهب، فقال النجدي لعنه الله: والله ما هذا برأي، ألم تروا حسن حديثه وحلاوة منطقه وغلبته
على قلوب الرجال بما يأتي به، واللَّه لو فعلتم ذلك ما أمنت أن يحلّ على حيّ من العرب،
فيغلب بذلك عليهم من قوله حتى يتابعوه عليكم، ثم يسير بهم إليكم حتى يطأكم بهم فيأخذ
أمركم من أيديكم ثم يفعل بكم ما أراد، أديروا فيه رأيًا غير هذا، فقال أبو جهل: واللَّه إن لي فيه
رأيًا ما أراكم وقعتم عليه، أرى أن تأخذوا من كل قبيلة فتى شابًّا جلدًا نسيبًا وسيطًا ثم يعطى كل
فتى منهم سيفًا صارمًا ثم يعمد إليه فيضربوه ضربة رجل واحد فيقتلوه فنستريح منه ويتفرّق دمه
في القبائل، فلا تقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعًا فنعقله لهم، فقال النجدي لعنه اللَّه:
القول ما قال، لا أرى غيره.
(فأجمع رأيهم على قتله وتفرّقوا على ذلك) هكذا رواه ابن إسحق، وفي خلاصة الوفاء:
وصوّب إبليس قول أبي جهل: أرى أن يعطى خمسة رجال من خمس قبائل سيفًا فيضربوه ضربة
رجل واحد، انتهى. فلعلّهم استبعدوا عليه قوله: من كل قبيلة، إذ لا يمكن عشرون مثلاً أن يضربوا
شخصًا ضربة واحدة، فقال لهم: خمسة رجال.
(فإن قيل: لم تمثل الشيطان في صورة لجدي؟ فالجواب:) كما قال السهيلي في
الروض (لأنهم قالوا، كما ذكره بعض أهل السير: لا يدخلن معكم في المشاورة أحد من أهل
تهامة؛ لأن هواهم) أي: ميلهم، (مع محمّد، فلذلك تمثّل في صورة نجدي، انتهى.) ووقع له
ذلك أيضًا يوم وضع الحجر الأسود قبل النبوّة، فصاح: يا معشر قريش! أقد رضيتم أن يليه هذا
الغلام دون أشرافكم وذوي أسنانكم، فإن صحّ فلمعنى آخر (ثم أتى جبريل النبيّ عَّه فقال:

٩٦
باب هجرة المصطفى واصحابه الى المدينة
لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه، فلما كان الليل اجتمعوا
على بابه يرصدونه حتى ينام فيثبوا عليه، فأمر عليه السلام عليا فنام مكانه، وغطى
بيرد أخضر، فكان أول من شرى نفسه في الله ووفى بها رسول الله وفي ذلك يقول
علي.
وقيت بنفسي خير من وطىء الثرى ومن طاف بالبيت العتيق وبالحجر
رسول إله خاف أن يمكروا به فنجاه ذو الطول الإله من المكر
لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه، فلمّا كان الليل اجتمعوا على بابه
يرصدونه،) بضم الصاد: يرقبونه، (حتى ينام فيثبوا عليه، فأمر عليه السّلام عليًّا فنام مكانه
وغطي ببرد) له عَّهِ بأمره بقوله كما رواه ابن إسحق: ((وتسجّ بردي هذا الحضري الأخضر فنم
فيه، فإنه لن يخلص إليك شىء تكرهه منهم))، وكان عَّةٍ ينام في برده ذلك إذا نام (أخضر)
قيل: كان يشهد به الجمعة والعيدين بعد ذلك عند فعلهما وعورض بقول جابر: كان يلبس رداء
أحمر في العيدين والجمعة، وجمع باحتمال أن الخضرة لم تكن شديدة فتجوز من قال أحمر.
(فكان) عليّ (أوّل من شرى) باع (نفسه في اللَّه، ووفى بها رسول اللَّه عَّ) واستشكل
هذا بقوله عليه السّلام: ((أن يخلص إليك شىء تكرهه))؛ لأنه بعد خبر الصادق تحقّق أن لا يصيبه
ضرر وأجيب بجواز أنه أخبره بذلك بعد أمره بالنوم وامتثاله فصدق أنه بالامتثال باع نفسه قبل
بلوغ الخبر، ويحتمل أنه فهم أنه لن يخلص إليك ما دام البرد عليك لجعله ذلك علّة لأمره
بتغطيه به والبرد لا يؤمن زواله عنه بريح أو انقلاب في نوم، فصدق مع هذا أنه باع نفسه.
وأمَّا معارضة رواية ابن إسحق: ((لن يخلص إليك))، بأنه لم يذكرها المقريزي في الأمتاع،
وإنما فيه أنه أمره أن ينام مكانه لأمر جبريل له بذلك، ففاسدة، إذ الترك لا يقضي على الذاكر مع
أن روايته لا علّة لها إلا إرسال الصحابي وليس بعلّة وهب إن ما في الأمتاع رواية لا علّة فيها،
فزيادة الثقة مقبولة، ولكن القوس في يد غير باريها. (وفي ذلك يقول عليّ:
(وقيت بنفسي خير من وطىء الثرى ومن طاف وبالبيت العتيق وبالحجر)
(رسول إله خاف أن يمكروا به فنجّاه ذو الطول الإله من المكر)
وبعدهما في الشامية وغيرها:
ويات رسول اللَّه في الغار آمنًا موقى وفي حفظ الإله وفي ستر
وبتّ أراعيهم وما يتهمونني وقد وطنت نفسي على القتل والأسر
يتهمونني بضم التحتية من أتهمه بكذا إتهامًا أدخل عليه التهمة؛ كما في القاموس. ومرّ

٩٧
باب هجرة المصطفى واصحابه الى المدينة
ثم خرج عَّةٍ، وقد أخذ الله على أبصارهم، فلم يره أحد منهم، ونثر على
رؤوسهم كلهم ترابًا كان في يده، وهو يتلو قوله تعالى: ﴿يس﴾ إلى قوله تعالى:
﴿فأغشیناهم فهم لا يبصرون﴾.
ما صوّبه الزمخشري أنه لم يقل إلا بيتين مرّا في أوّل من أسلم، لكن في مسلم: فقال عليّ، أي:
مجيبًا لمرحب اليهودي يوم خيبر:
أنا الذي ستّتني أُمّي حيدره كليث غابات كريه المنظره
أوفيهم بالصاع كيل السندره
إلا أن يقال لم يقل في غير الافتخار الجائز في الحرب، هذا وما في الإحياء أن اللَّه
أوحى إلى جبريل وميكائيل إني آخيت بينكما وجعلت عمر أحدكما أطول من عمر الآخر،
فأيّكما يؤثر صاحبه بحياة، فاختار كل منهما الحياة، فأوحى اللَّه إليهما: أفلا كنتما مثل عليّ بن
أبي طالب آخيت بينه وبين محمّد فبات على فراشه يفديه بنفسه ويؤثره بالحياة، اهبطا إلى
الأرض فاحفظاه من عدوّه، فكان جبريل عند رأسه وميكائيل عند رجليه، ينادي: بخ بخ، من
مثلك يا ابن أبي طالب يباهي اللَّه بك الملائكة، وفيه نزل: ﴿ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء
مرضاة اللَّه﴾ [البقرة: ٢٠٧] الآية. فقال الحافظ ابن تيمية: إنه كذب، باتّفاق علماء الحديث
والسیر.
وقال الحافظ العراقي في تخريج الإحياء: رواه أحمد مختصرًا عن ابن عباس شرى على
نفسه فلبس ثوب النبيّ عَّه ثم نام مكانه ... الحديث، وليس فيه ذكر جبريل وميكائيل ولم أقف
لهذه الزيادة على أصل، والحديث منكر، انتهى. وردّ أيضًا بأن الآية في البقرة وهي مدنية اتّفاقًا،
وقد صحّح الحاکم نزولها في صهيب.
(ثم خرج عَّة) من الباب عليهم (وقد أخذ اللَّه على أبصارهم فلم يره أحد منهم) وروى
ابن منده وغيره عن مارية خادم النبيّ عَ لِّ أنها طأطأت لرسول اللَّه عَّةٍ حتى صعد حائطًا ليلة فرّ
من المشركين، قال البرهان: والأوّل أولى؛ لأن ابن إسحق أسنده وما فيه إلا الإرسال، أي: إرسال
الصحابي، وهو ابن عباس وحديث مارية فيه مجاهيل فإن صحًا وفق بينهما، انتهى. بأن يكون
صعد الحائط ليراهم ثم رجع وخرج من الباب أو يكون أراد ذلك أوّلاً كراهة رؤيتهم، ثم ترك
ذلك ثقة بالله تعالى، وخرج من الباب. (ونثر على رؤوسهم كلّهم ترابًا كان في يده، وهو يتلو
قوله تعالى: ﴿يس﴾ [يس: ١]، إلى قوله: ﴿فأغشيناهم فهم لا يبصرون﴾ [يس: ٩].
قال الإمام السهيلي: يؤخذ منه أن الشخص إذا أراد النجاة من ظالم أو من يريد به سوءًا
وأراد الدخول عليه يتلو هذه الآيات، وقد روى ابن أبي أسامة عن النبيّ عَّه أنه ذكر في فضل

٩٨
باب هجرة المصطفى واصحابه الى المدينة
ثم انصرف حيث أراد.
فأتاهم آت ممن لم يكن معهم، فقال: ما تنتظرون ها هنا؟ قالوا: محمدًا،
قال: قد خيبكم الله، قد والله خرج محمد عليكم، ثم ما ترك منكم رجلاً إلا
وضع على رأسه ترابًا وانطلق لحاجته، أفما ترون ما بكم؟ فوضع كل رجل يده
على رأسه، فإذا عليه تراب.
يس إن قرأها خائف أمن، أو جائع أُشبع، أو عاركسي أو عاطش سقي، أو سقيم شفي، حتى ذكر
خلالاً كثيرة. (ثم انصرف حيث أراد) روى أحمد بإسناد حسن تشاورت قريش ... الحديث.
وفيه: فأطلع اللّه نبيّه على ذلك فبات عليٌّ على فراشه، وخرج النبيّ عَ له حتى لحق
بالغار، أي: غار ثور؛ كما في رواية ابن هشام وغيره، فأفاد أنه توارى فيه حتى أتى أبا بكر منه
في نحر الظهيرة، ثم خرج إليه هو وأبو بكر ثانيًا، وبهذا علم الجواب عن قوله في النور: لم أقف
على ما صنع من حين خروجه إلى أن جاء إلى أبي بكر في نحر الظهيرة، ووقع في البيضاوي،
فبيت عليًّا على مضجعه وخرج مع أبي بكر إلى الغار.
وفي سيرة الدمياطي: أنه ذهب تلك الليلة إلى بيت أبي بكر، فكان فيه إلى الليلة، أي:
المقبلة، ثم خرج هو وأبو بكر إلى جبل ثور، انتهى. وفيه أن الثابت في الصحيح أنه عليه السلام
أتى أبا بكر في نحر الظهيرة. وفي رواية أحمد: جعل انتهاء خروجه بعد أن بيت عليًّا على فرشه
لحوقه بالغار، فيفيد ما قلنا، والله أعلم.
(فأتاهم آتٍ) قال في النور: لا أعرفه، (ممن لم يكن معهم، فقال: ما تنتظرون لههنا، قالوا:
محمّدًا! قال: قد خيتكم اللَّه قد والله خرج محمّد عليكم ثم ما ترك منكم رجلاً إلا وضع على
رأسه ترابًا) قال البرهان: وحكمة وضع التراب دون غيره الإشارة لهم بأنهم الأرذون الأصغرون
الذين أُرغموا وألصقوا بالرغام وهو التراب، أو أنه سيلصقهم بالتراب بعد هذا.
(وانطلق لحاجته فما ترون ما بكم فوضع كل رجل يده على رأسه، فإذا عليه تراب) بقيّة
رواية ابن إسحق: ثم جعلوا يطلعون فيرون عليًّا على الفراش متسجيًّا برد رسول اللَّه عَلّه،
فيقولون: واللَّه إن هذا لمحمّد نائم عليه برده، فلم يزالوا كذلك حتى أصبحوا فقام علي عن
الفراش، فقالوا: لقد صدقنا الذي كان حدثنا وعند أحمد، فبات المشركون يحرسون عليًّا
يحسبونه النبيّ عَّه يعني ينتظرونه حتى يقوم فيفعلون به ما اتّفقوا عليه فلما أصبحوا ورأوا عليًا
ردّ اللَّه مكرهم، فقالوا: أين صاحبك؟ قال: لا أدري، وعند ابن عقبة عن الزهري: وباتت قريش
يختلفون ويأتمرون أيّهم يهجم على صاحب الفراش فيوثقه، فلما أصبحوا إذا هم بعليّ.

٩٩
باب هجرة المصطفى واصحابه الى المدينة
وفي رواية ابن أبي حاتم، مما صححه الحاكم من حديث ابن عباس: فما
أصاب رجلاً منهم حصاة إلا قتل يوم بدر كافرًا.
وفي هذا نزل قوله تعالى: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك
أو يخرجوك﴾ [الأنفال/٣٠) الآية.
ثم أذن الله تعالى لنبيه عَّه في الهجرة. قال ابن عباس: بقوله تعالى: ﴿وقل
رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق
قال السهيلي: ذكر بعض أهل السير أنهم متوا بالولوج عليه فصاحت امرأة من الدّار، فقال
بعضهم لبعض: واللَّه إنها للسبة في العرب أن يتحدّث عنّا أنا تسوّرنا الحيطان على بنات العمّ
وهتكنا ستر حرمتنا، فهذا الذي أقامهم بالباب حتى أصبحوا.
(وفي رواية ابن أبي حاتم مما صحّحه الحاكم من حديث ابن عباس: فما أصاب رجلاً
منهم حصاة إلا قتل يوم بدر كافرًا،) لا يشكل على القول بأنهم كانوا مائة، وقتلى بدر سبعون
لجواز أن التراب الذي كان بيده فيه حصى فمن أصابه الحصى قتل، ومن أصابه التراب لم يقتل
(وفي هذا نزل) بعد ذلك بالمدينة يذكره اللَّه نعمته عليه؛ كما في نفس رواية ابن أبي حاتم هذه
(قوله تعالى: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا﴾ [الأنفال: ٣٠] الآية)) وقد اجتمعوا للمشاورة في
شأنك بدار الندوة (ليثبتوك) يوثقوك ويحبسوك إشارة لرأي أبي البختري فيه (أو يقتلوك) كلهم
قتلة رجل واحد إشارة لرأي أبي جهل فيه الذي صوّبه صديقه إبليس لعنهما اللَّه، (أو يخرجوك)
من مكّة منفيًّا إشارة لرأي أبي الأسود: ﴿اتل﴾ [العنكبوت: ٤٥]، الآية أي: بقيتها وهي ويمكرون ويمكر
اللّه، أي: بهم بتدبير أمرك بأن أوحي إليك ما دبّروه وأمرك بالخروج والله خير الماكرين أعلمهم
به، زاد ابن إسحق: ونزل قوله تعالى: ﴿أم يقولون شاعر نتربّص به ريب المنون قل تربصوا فإني
معكم من المتربصين﴾ [الطور: ٣٠، ٣١].
هذا وروى ابن جرير عن المطّب بن أبي وداعة أن أبا طالب، قال للنبيّ معَّله: ما يأتمر بك
قومك؟ قال: ((يريدون أن يسجنوني أو يقتلوني أو يخرجوني))، قال: من حدّثك بهذا؟ قال:
(ربّي))، قال: نعم الربّ ربّك، فاستوص به خيرًا، قال: ((أنا أستوصي به هو يستوصي بي فنزلت:
﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا﴾ [الأنفال: ٣٠] الآية، قال الحافظ ابن كثير: ذكر أبي طالب فيه
غريب بل منكر؛ لأن القصة ليلة الهجرة وذلك بعد موت أبي طالب بثلاث سنين.
(ثم أذن اللَّه تعالى لنبيّه عَُّ في الهجرة، قال ابن عباس بقوله تعالى: ﴿وقل ربّ
أدخلني﴾ [الإسراء: ٨٠])) المدينة (﴿مدخل صدق﴾ [الإسراء: ٨٠]) إدخالاً مرضيًّا لا أرى
فيه ما أكره، (﴿وأخرجني﴾ [الإسراء: ٨٠] من مكّة (﴿مخرج صدق﴾) إخراجًا لا ألتفت إليها

١٠٠
باب هجرة المصطفى واصحابه الى المدينة
واجعل لي من لدنك سلطانًا نصيرًا﴾ [الإسراء/٨٠] أخرجه الترمذي وصححه
الحاكم.
فإن قيل ما الحكمة في هجرته عليه السلام إلى المدينة وإقامته بها إلى أن
انتقل إلى ربه عز وجل؟
أجيب: بأن حكمة الله تعالى قد اقتضت أنه عليه السلام تتشرف به الأشياء،
لا أنه يتشرف بها، فلو بقي عليه السلام في مكة إلى انتقاله إلى ربه لكان يتوهم
أنه قد تشرف بها، إذ أن شرفها قد سبق بالخليل وإسماعيل، فأراد الله تعالى أن
يظهر شرفه عليه السلام فأمره بالهجرة إلى المدينة، فلما هاجر إليها تشرفت به،
حتى وقع الإجماع على أن أفضل البقاع الموضع الذي ضم أعضاءه الكريمة
صلوات الله وسلامه عليه.
بقلبي (﴿واجعل لي من لدنك سلطانًا نصيرًا﴾ [الإسراء: ٨٠]،) قوة تنصرني بها على أعدائك.
(أخرجه الترمذي وصحّحه) هو و(الحاكم) في المستدرك (فإن قيل: ما الحكمة في
هجرته عليه السّلام) من مكّة (إلى المدينة وإقامته بها إلى أن انتقل إلى ربّه عزّ وجلّ) وهلاّ
أقام بها إذ هي دار أبيه إسمعيل التي نشأ ومات بها وفي حديث: ((قبر إسمعيل في الحجر))، رواه
الديلمي عن عائشة مرفوعًا بسند ضعيف.
(أجيب بأن حكمة اللَّه تعالى قد اقتضت أنه عليه السّلام تتشرّف به الأشياء) حتى الأزمنة
والأمكنة (لا أنه يتشرّف بها، فلو بقي عليه السّلام في مكّة إلى انتقاله إلى ربّه لكان يتوهم أنه
قد تشرّف بها إذ أن شرفها قد سبق بالخليل وإسمعيل، فأراد اللَّه تعالى أن يظهر شرفه عليه
السلام فأمره بالهجرة إلى المدينة،) ولذا لم تكن إلى الأرض المقدسة مع أنها أرض المحشر
والمنشر وموضع أكثر الأنبياء، لئلاّ يتوهّم ما ذكر أيضًا (فلمَّا هاجر إليها تشرّفت به) لحلوله فيها
وقبره بها، (حتى وقع الإجماع) كما حكاه عياض والباجي وابن عساكر (على أن أفضل البقاع
الموضع الذي ضمّ أعضاءه الكريمة صلوات الله وسلامه عليه) حتى من الكعبة لحلوله فيه، بل
نقل التاج السبكي عن ابن عقيل الحنبلي أنه أفضل من العرش، وصرّح الفاكهاني بتفضيله على
السموات، بل قال البرماوي: الحقّ أن مواضع أجساد الأنبياء وأرواحهم أشرف من كل ما سواها
من الأرض والسماء.
ومحل الخلاف في أن السماء أفضل أو الأرض غير ذلك، كما كان شيخنا شيخ الإسلام
البلقيني يقرّره، انتهى.