Indexed OCR Text
Pages 361-380
٣٦١ الفصل الثالث في أمور الآخرة يعطيك حسنة أدخلك بها الجنة، فما يجد أحدًا يكلمه في ذلك الأمر إلا قال له: أنا أحوج لذلك منك فييأس، فيقول له رجل: لقد لقيت الله فما وجدت في صحيفتي إلا حسنة واحدة، وما أظنها تغني عني شيئًا، خذها هبة مني، فينطلق بها فرحًا مسرورًا، فيقول الله له ما بالك؟ - وهو أعلم - فيقول: يا رب اتفق لي من أمري كيت وكيت، قال: فينادي الله تعالى بصاحبه الذي وهب له الحسنة فيقول له تعالى: كرمي أوسع من كرمك، خذ بيد أخيك وانطلقا إلى الجنة. وكذا تستوي كفتا الميزان لرجل، فيقول الله تعالى له: لست من أهل الجنة ولا من أهل النار، فيأتي الملك بصحيفة فيضعها في كفة الميزان فيها مكتوب ((أف)) فترجح على الحسنات لأنها كلمة عقوق، فيؤمر به إلى النار، قال فيتطلب الرجل أن يرد إلى الله تعالى، فيقول الله تعالى: ردوه، فيقول له: أيها العبد العاق لأي شيء تطلب الرد إلي؟ فيقول: إلهي، إني سائر إلى النار وكنت عاقًا لأُبي وهو سائر إلى النار مثلي، فضعف عليَّ عذابه وأنقذه منها، قال: فيضحك الله تعالى ويقول: عققته في الدنيا وبررته في الآخرة، خذ بيد أبيك وانطلقا إلى الجنة. فالتمس من يعطيك حسنة أدخلك) بضم اللام صفة لحسنة (بها الجنة، فما يجد أحدًا يكلمه في ذلك الأمر إلاَّ قال له: أنا أحوج لذلك منك، فييأس فيقول له: رجل لقد لقيت اللّه فما وجدت في صحيفتي إلاّ حسنة واحدة وما أظنها تغني عني شيئًا، خذها هبة مني، فينطلق بها فرحًا مسرورًا فيقول الله: ما بالك) شأنك وحالك (وهو أعلم؟، فيقول: يا رب اتفق لي من أمري كيت وكيت) أي: كذا وكذا بفتح التاء الفوقية فيهما وقد تكسر وهي هاء في الأصل، فصارت تاء في الوصل (قال: فينادي اللّه تعالى بصاحبه الذي وهبه الحسنة، فيقول له تعالى: كرمي أوسع من كرمك خذ بيد أخيك وانطلقا إلى الجنة، وكذا تستوي كفتا الميزان لرجل فيقول اللّه تعالى له: لست من أهل الجنة ولا من أهل النار، فيأتي الملك بصحيفة فيضعها في كفة الميزان فيها مكتوب أف فترجح على الحسنات لأنها كلمة عقوق فيؤمر به إلى النار). (قال: فيتطلب الرجل أن يرد إلى اللّه تعالى، فيقول اللّه تعالى: ردوه، فيقول له، أيها العبد العاق لأي شيء تطلب الرد إليّ؟، فيقول: إلهي إني سائر إلى النار، وكنت عاقًا لأبى وهو سائر إلى النار مثلي فضعف عليّ عذابه) أي: أبيه. وفي نسخة: عذابي (وأنقذه منّها، قال: فيضحك اللّه تعالى) يرضى عنهما جميعًا (ويقول: عققته في الدنيا وبررته) بكسر الراء الأولى وإسكان الثانية بزنة علمته (في الآخرة، ٣٦٢ الفصل الثالث في أمور الآخرة وقد روى حذيفة أن صاحب الميزان يوم القيامة جبريل عليه السلام، وهو الذي يزن الأعمال يوم القيامة. رواه ابن جرير في تفسيره. واختلف أيضًا في كيفية الرجحان والنقص فقال بعضهم: الراجح أن الموزون في الآخرة يصعد، عكس ما في الدنيا، واستشهد في ذلك بقوله تعالى: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾ [فاطر/١٠] الآية. قال الزركشي: وهو غريب مصادم لقوله تعالى: ﴿فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية﴾ [القارعة/٧]. وهل توزن الأعمال كلها أو خواتيمها؟ حكي عن وهب بن منبه أنه قال: يوزن من الأعمال خواتيمها، واستدل بقوله عَّهِ: ((إنما الأعمال بخواتيمها)). خذ بيد أبيك وانطلقا إلى الجنة) برحمة اللّه تعالى. (وقد روى حذيفة بن اليمان أن صاحب الميزان يوم القيامة) أي: الذي يتولى أمره (جبريل عليه السلام وهو الذي يزن الأعمال يوم القيامة). (رواه ابن جرير في تفسيره) وكذا ابن أبي حاتم في تفسيره وهو موقوف له حكم الرفع، وللبيهقي عن أنس رفعه: ملك الموت موكل بالميزان، وللطبراني الصغير عن أبي هريرة رفعه: يقول اللّه: يا ءادم قد جعلتك حكمًا بيني وبين ذريتك، قم عند الميزان فانظر ما يرفع إليك من أعمالهم، فمن رجح منهم خيره على شره مثقال ذرة فله الجنة حتى تعلم أني لا أدخل منهم النار إلا ظالمًا. (واختلف أيضًا في كيفية الرجحان والنقص، فقال بعضهم: الراجح أن من الموزون في الآخرة يصعد) إلى العلو (عكس ما في الدنيا واستشهد بقوله تعالى: (﴿إليه يصعد الكلم الطيب) والعمل الصالح يرفعه﴾ (الآية). (قال الزركشي: وهو غريب مصادم:) مدافع، أي: مدفوع (لقوله تعالى: (﴿فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية﴾)، في الجنة، أي: ذات رضا بأن يرضاها، أي: مرضية له، فإن القرءان وارد بلغة العرب والتعبير بثقلت وفي مقابله بخفت، إنما يفهم منه أنها كميزان الدنيا، وأما قوله: ﴿والعمل الصالح يرفعه﴾ فمعناه يقبله. (وهل توزن الأعمال كلها أو خواتيمها؟، حكي عن وهب بن منبه أنه قال: إنما يوزن من الأعمال خواتيمها) وإذا أراد اللّه بعبد خيرًا ختم له بخير عمله، وإذا أراد به شرًا ختم له بشر عمله، هذا من جملة المروي عن وهب. (واستدل بقوله عليه السلام: ((إنما الأعمال بخواتيمها))) وظاهر الأحاديث والآثار أنها ٣٦٣ الفصل الثالث في أمور الآخرة وذكر الحافظ أبو نعيم عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله عَ لّه قال: ((من قضى لأخيه المؤمن حاجة كنت واقفًا عند ميزانه، فإن رجحت وإلا شفعت له)). وقال بعض أهل العلم، فيما حكاه القرطبي في ((التذكرة)): ولن يجوز أحد على الصراط حتى يسأل على سبع قناطر، فأما القنطرة الأولى: فيسأل عن الإيمان بالله، وهو شهادة أن لا إله إلا الله، فإن جاء بها مخلصًا جاز، ثم يسأل في القنطرة الثانية عن الصلاة، فإن جاء بها تامة جاز، ثم يسأل في القنطرة الثالثة عن صوم شهر رمضان، فإن جاء به تامًا جاز، ثم يسأل في القنطرة الرابعة عن الزكاة، فإن جاء بها تامة جاز، ثم يسأل في القنطرة الخامسة عن الحج والعمرة، فإن جاء بهما تامين جاز، ثم يسأل فى السادسة عن الغسل والوضوء، فإن جاء بهما تامين جاز، ثم يسأل في السابعة، وليس في القناطر أصعب منها، فيسأل عن ظلامات الناس. توزن كلها، ومن أصرحها ما رواه أحمد في الزهد عن ابن مسعود أن النبي عَّهِ نزل عليه جبريلٍ وعنده رجل يبكي، فقال: من هذا؟، قال: فلان، قال جبريل: إنا نزن أعمال بني ادم كلها إلاّ البكاء، فإن اللّه يطفىء بالدمعة بحورًا من نيران جهنم، والبيهقي مرفوعًا: ((ما من شيء إلاَّ له مقدار وميزان إلاَّ الدمعة، فإنه يطفأ بها بحار من النار. (وذكر) أي: روى (الحافظ أبو نعيم عن نافع عن ابن عمر: أن رسول اللّه عَ لّم قال: من قضى لأخيه) في الدين (المؤمن حاجة) أي: حاجة كانت (كنت واقفًا عند ميزانه، فإن رجحت وإلاَّ شفعت له) فترجح میزانه فینجو من النار. (وقال بعض أهل العلم فيما حكاه القرطبي في التذكرة: ولن يجوز أحد) من هذه الأمة وغيرها (على الصراط حتى يسأل على سبع قناطر فأما القنطرة الأولى فيسأل عن الإِيمان بالله وهي شهادة أن لا إله إلاَّ اللّه، فإن جاء بها مخلصًا) عن الشك والشرك (جاز) على الصراط، وإلاَّ وقع في النار (ثم يسأل في القنطرة الثانية عن الصلاة، فإن جاء بها تامة جاز، ثم يسأل في القنطرة الثالثة عن صوم شهر رمضان، فإن جاء به تامًا جاز، ثم يسأل في القنطرة الرابعة عن الزكاة، فإن جاء بها تامة جاز، ثم يسأل في القنطرة الخامسة عن الحج والعمرة، فإن جاء بهما تامين جاز، ثم يسأل في السادسة). وفي نسخة: ثم إلى القنطرة السادسة فيسأل (عن الغسل والوضوء، فإن جاء بهما تامين جاز، ثم يسأل في السابعة وليس في القناطر أصعب منها:) لعل المراد بعد الأولى التي هي الإِيمان (فيسأله عن ظلامات الناس). ٣٦٤ الفصل الثالث في أمور الآخرة وفي حديث أبي هريرة عنه مَّ ◌ُله: ((ويضرب الصراط بين ظهراني جهنم، فأكون أنا وأمتي أول من يجوز عليه، ولا يتكلم يومئذٍ إلا الرسل، ودعوى الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم، وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله تعالى، فتخطف الناس بأعمالهم، فمنهم من يوبق بعمله ومنهم (وفي حديث أبي هريرة:) أثناء حديث طويل (عنه عَّة: ويضرب) بضم أوله وفتح ثالثه، أي يمد (الصراط بين ظهراني جهنم) أي: بين أجزاء ظهرها كأنها محيطة به. قال القرطبي: الصراط لغة الطريق وعرفا جسر يضرب على ظهر جهنم تمر الناس عليه إلى الجنة فينجو المؤمنون على كيفيات تأتي ويسقط المنافقون. وفي رواية للبخاري: ويضرب جسر جهنم، أي: الصراط (فأكون أنا وأمتي أول من يجيز) بضم التحتية وكسر الجيم بعدها تحتية فزاي معجمة، أي: من يمضي عليه ويقطعه، يقال: جاز الوادي وأجازه لغتان بمعنى قطعه وخلفه، وقال الأصمعي: جازه مشى فيه وأجازه قطعه، قاله النووي: وغيره وقال القرطبي: يحتمل أن الهمزة للتعدية، لأنه لما كان هو وأمته أول من يجوز عليه لزم تأخير غيرهم حتى يجوزوا، فإذا جازوا كأنه أجاز بقية الناس. وفي رواية للبخاري: فأكون أنا أول من يجوز بأمته، وله أيضًا: أول من يجيزها، أي: جهنم، أي: يجوز عليها (ولا يتكلم يومئذٍ) أي: حين الإِجازة (إلاَّ الرسل) لشدة الهول، لأن في غيره تأتي كل نفس تجادل عن نفسها ويسأل الناس بعضهم بعضًا ويتلاومون ويخاصم التابع المتبوعين (ودعاء الرسل). وفي رواية: ولا يتكلم إلاَّ الأنبياء ودعوى الرسل (يومئذٍ: اللهم سلم سلم) مرتين من كمال شفقتهم (وفي جهنم كلاليب:) جمع كلوب بفتح الكاف وضم اللام الشديدة حديدة مقطوفة الرأس. وفي رواية: وبه، أي: الصراط كلاليب (مثل شوك السعدان:) بفتح السين والدال بينهما عن ساكنة مهملات جمع سعدانة نبات ذو شوك يضرب به المثل في طيب مرعاه، قالوا: مرعى ولا كالسعدان والتشبيه به لسرعة اختطافها وكثرة الانتشاب فيها مع الحرز والتصون تمثيلاً بما عرفوه في الدنيا وألفوه بالمباشرة. زاد في رواية للشيخين: هل رأيتم السعدان؟، قالوا: نعم يا رسول اللّه، قال: فإنها مثل شوك السعدان (غير أنه) أي: الشأن. وفي رواية: أنها، أي: الشوكة (لا يعلم قدر) ولمسلم: لا يعلم ما قدر، قال القرطبي: قيدناه عن بعض مشايخنا بضم الراء على أن ما استفهامية، وقدر مبتدأ وبنصبها على أن ما زائدة، ٣٦٥ الفصل الثالث في أمور الآخرة من يخردل ثم ينجو، الحديث رواه البخاري. وفي حديث حذيفة وأبي هريرة عند مسلم: ونبيكم عَّ قائم على الصراط يقول: رب سلِّم سلِّم، حتى تعجز أعمال العباد، حتى يأتي الرجل فلا يستطيع وقدر مفعول يعلم (عظمها) بكسر العين وفتح المعجمة. وقال ابن التين: ضبطناه بضم العين وسكون الظاء والأول أشبه، لأنه لا يعلم قدر كبرها (إلاّ اللّه تعالى) وفي الاستثناء إشارة إلى أن التشبيه لم يقع في مقداره (فتخطف) بكسر الطاء أفصح من فتحها، كما قاله ثعلب وتبعه النووي وغيره: (الناس بأعمالهم) بسبب أعمالهم القبيحة. وفي رواية السدي: وبحافتيه ملائكة معهم كلاليب من نار يختطفون بها الناس (فمنهم من يوبق بعمله) وفي رواية: الموبق وهما بموحدة بمعنى الهلاك، ولبعض رواة مسلم: الموثق بمثلثة من الوثاق، ولبعض رواة البخاري ومسلم: المؤمن بكسر الميم بعدها نون يقي بعمله بفتح التحتية وكسر القاف من الوقاية، أي يستره عمله، وصوب في المطالع: المؤمن، وقال: وفي يقي على هذا الوجه ضبطان بموحدة والثاني بتحتية، ولبعض رواة مسلم: يعني بمهملة ساكنة ونون مكسورة بدل بقي وهو تصحيف، كما قاله الحافظ: (ومنهم من يخردل) بلفظ المضارع. وفي رواية: المخردل اسم مفعول وهما بخاء معجمة وراء ودال مهملة ولام، أي: يقطع بالكلاليب فيهوي في النار، ويحتمل أنه من الخردل، أي: جعلت أعضاؤه كالخردل، وقيل: معناه أنها تقطعهم عن لحوقهم بمن نجا، وقيل: المخردل المصروع، ورجحه ابن التين بأنه أنسب بسياق الخبر، ولبعض رواة البخاري: بجيم بدل الخاء ووهاه عياض والجردلة بجيم الإشراف على السقوط والدال مهملة للجميع، وحكي إعجامها، ورجح ابن قرقول الخاء المعجمة والدال المهملة، ولمسلم ومنهم المجازي بضم الميم وخفة الجيم وزاي مفتوحتين بينهما ألف من المجازاة، أي بأعماله (ثم ينجو). وفي رواية: ثم ينجى بضم التحتية وفتح النون والجيم المشددة ... (الحديث) بطوله (رواه البخاري) في مواضع مدارها على الزهري عن سعيد بن المسيب وعطاء بن يزيد الليثي، كلاهما عن أبي هريرة. وكذا رواه مسلم في الإِيمان من طرق لكنه أحال طريق شعيب عن الزهري على رواية ذكرها قبلها ولذا لم يعزه المصنف لهما، لأنه ساق لفظ رواية شعيب ومسلم لم يسق لفظها وإن ساق إسنادها. (وفي حديث حذيفة وأبي هريرة عند مسلم: ونبيكم) عَّهُ (قائم على الصراط يقول: رب سلم سلم) بكسر اللام المشددة فيهما (حتى تعجز) بكسر الجيم (أعمال العباد حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلاَّ زحفًا) بزاي وحاء مهملة ساكنة ففاء مشي الرجل الضعيف ٣٦٦ الفصل الثالث في أمور الآخرة السير إلّ زحفًا، قال: وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة مأمورة بأخذ من أمرت به: فمخدوش ناج ومكردس في النار. وهذه الكلاليب هي الشهوات المشار إليها في الحديث ((حفت النار بالشهوات)) فالشهوات موضوعة على جوانبها، فمن اقتحم الشهوة سقط في النار. قاله ابن العربي. ويؤخذ من قوله: ((فمخدوش الخ)) أن المارين على الصراط ثلاثة أصناف: ناج بلا خدش، وهالك من أول وهلة، ومتوسط بينهما مصاب ثم ينجو. (قال: وفي حافتي) بخفة الفاء جانبي (الصراط كلاليب) وهي المسماة في بعض الروايات خطاطيف (معلقة مأمورة بأخذ من أمرت به فمخدوش) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة فدال مهملة فواو ساكنة فشين معجمة، وخدش الجلد قشره بعود ونحوه (ناج) بنون وجيم من النار (ومكردس في النار) بضم الميم وفتح الكاف وسكون الراء وفتح الدال المهملة فسين مهملة المكسور الظهر من الكردوس وهو فقار الظهر، ويحتمل أنه بمعنى المكدوس. يقال: كردس الرجل، قاله المصنف على مسلم، وفي حديث أبي سعيد في الصحيحين: فناج مسلم ومخدوش ومكدوس في جهنم حتى يمر أحدهم فيسحب سحبًا، قال الحافظ: اختلف في ضبط مكدوس، ففي مسلم بمهملة، أي: الراكب بعضه على بعض، وقيل: بمعنى مکردس. ورواه بعضهم بالمعجمة ومعناه السوق الشديد، والمراد أنه يلقى في قعر جهنم. انتهى. وبقية حديث مسلم: والذي نفس أبي هريرة بيده أن قعر جهنم لسبعين خريفا (وهذه الكلاليب هي الشهوات المشار إليها في الحديث و) هو (حفت) وفي رواية: حجبت (النار بالشهوات فالشهوات موضوعة على جوانبها، فمن اقتحم الشهوة سقط في النار) لأنها خطاطيفها (قاله ابن العربي) أبو بكر (ويؤخذ من قوله: فمخدوش إلى آخره أن المارين على الصراط ثلاثة أصناف ناج بلا خدش) هذا لا يؤخذ منه كما هو ظاهر، وإنما يؤخذ من حديث أبي سعيد من قوله فناج مسلم بشد اللام، أي: لا يصيبه مكروه أصلاً. نعم يؤخذ مما تركه من حديث أبي هريرة وحذيفة وهو: وترسل الأمانة والرحم فيقومان جنبتي الصراط يمينًا وشمالاً، فيمر أولكم كالبرق، ثم كمر الريح، ثم كمر الطير وشد الرحال تجري بهم أعمالهم ونبيكم قائم على الصراط ... الخ. (وهالك من أول وهلة) من قوله: ومكردس في النار (ومتوسط بينهما مصاب، ثم ينجو) يؤخذ من قوله: مخدوش ناج، ومن حديث أبي هريرة الذي قبله من قوله: ومنهم من يخردل، ثم ٣٦٧ الفصل الثالث في أمور الآخرة وفي حديث المغيرة عند الترمذي: شعار المؤمنين على الصراط: ربِّ سلِّم سلِّم. ولا يلزم من كون هذا الكلام شعار المؤمنين أن ينطقوا به، بل تنطق به الرسل، يدعون للمؤمنين بالسلامة، فيسمى ذلك شعارًا لهم. وفي حديث ابن مسعود: فيعطيهم نورهم على قدر أعمالهم، فمنهم من يعطى نوره مثل الجبل العظيم، يسعى بين أيديهم، الحديث؛ وفيه: فيمرون على قدر نورهم، منهم من يمر كطرفة العين، ومنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالسحاب، ومنهم من يمر كانقضاض الكوكب، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كشد الفرش، ومنهم من يمر كشد الرجل، حتى يمر الرجل الذي يعطى نوره على ظهر ينجو على أن هذا كله إنما أخذه ابن أبي جمرة من حديث أبي سعيد، كما ذكره المصنف في شرح البخاري، فقال: ويؤخذ منه كما في بهجة النفوس أن المارين على الصراط ثلاثة أصناف، فذ کرها. (وفي حديث المغيرة) بن شعبة (عند الترمذي) عن النبي عَّله، قال: (شعار المؤمنين على الصراط رب سلم رب سلم، ولا يلزم من كون هذا الكلام شعارِ المؤمنين) أي: علامتهم التي يعرفون بها (أن ينطقوا به) فلا يخالف قوله: ولا يتكلم يومئذٍ إلاّ الرسل (بل تنطق به الرسل يدعون للمؤمنين بالسلامة، فيسمى ذلك شعارًا لهم) باعتبار دعاء الرسل لهم به، وللطبراني عن ابن عمر ورفعه: شعار أمتي إذا حملوا على الصراط يا اللّه لا إله إلاّ أنت ولعلهم یتکلمون به في نفوسهم. (وفي حديث ابن مسعود) في قوله تعالى:) ﴿یسعی نورهم بين أيديهم﴾ [الحديد/ ١٢]، قال: يمرون على الصراط (فيعطيهم نورهم على قدر أعمالهم، فمنهم من يعطى نوره مثل الجبل العظيم يسعى بين أيديهم ... الحديث) ومنهم من نوره مثل النخلة، وأدناهم نورًا من نوره في إبهامه يتقد مرة ويطفأ أخرى (وفيه: فيمرون على قدر نورهم، منهم من يمر كطرفة العين) بسكون الراء، أي: تحريكها (ومنهم من يمر كالبرق) وهو ما يلمع من السحاب، قيل: أي شيء كمر البرق، قال عَّه: ألم تروا إلى البرق كيف يمر ويرجع في طرفة عين كما في مسلم (ومنهم من يمر كانقضاض الكوكب) سقوطه (ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كشد الفرس) عدوه وجريه (ومنهم من يمر كشد الرجل) بالجيم على الصحيح المعروف المشهور، أي: سرعة جريه، ولبعض الرواة بحاء مهملة مفرد رحال، أي: كشد ذي الرحل. قال عياض: وهما متقاربان في المعنى وشدهما عدوهما البالغ وجريهما (حتى يمر الرجل ٣٦٨ الفصل الثالث في أمور الآخرة قدميه، يحبو على وجهه ويديه ورجليه، تُجرّ يد وتعلق يد، وتجر رجل وتعلق رجل، وتصيب جوانبه النار، فلا يزال كذلك حتى يخلص، فإذا خلص وقف عليها وقال: الحمد لله الذي أعطاني ما لم يعط أحدًا إذ نجاني منها بعد أن رأيتها. الحديث. رواه ابن أبي الدنيا والطبراني. وروى مسلم: قال أبو سعيد، بلغني أن الصراط أحد من السيف وأرق من الشعرة. وفي رواية ابن منده من هذا الوجه: قال سعيد بن أبي هلال. ووصله البيهقي عن أنس عن النبي عَّه مجزومًا به، وفي سنده لين. الذي يعطى نوره على ظهر قدميه، يحبو:) يمشي (على وجهه ويديه ورجليه تُجرّ يد وتعلق يد وتجر رجل وتعلق رجل وتصيب جوانبه النار، فلا يزال كذلك حتى يخلص) من النار (فإذا خلص وقف عليها، وقال: الحمد لله الذي أعطاني ما لم يعط أحدًا إذ نجاني منها بعد أن رأيتها ... الحديث). (رواه ابن أبي الدنيا والطبراني) موقوفًا لفظًا مرفوعًا حكمًا إذ لا دخل للرأي فیه (وروى مسلم: قال أبو سعيد) الخدري: (بلغني أن الصراط) لفظ مسلم الجسر فذكره المصنف بالمعنى (أحد من السيف وأرق) بالراء (من الشعرة) بالإفراد، قاله المصنف وذكر الحافظ البرهان الحلبي أن الصراط شعرة من شعر جفون ملك خازن النار، لكنه لم يذكر له مستندًا ولا من خرجه، فاللّه تعالى أعلم. (وفي رواية ابن منده من هذا الوجه، قال سعيد بن أبي هلال) الليثي مولاهم المدني، ثم المصري راوي أصل الحديث عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري: فجعل قائل: (بلغني) سعيد بن أبي هلال أبا سعيد (ووصله البيهقي عن أنس، عن النبي عَّه مجزومًا به) بلفظ: على جهنم جسر مجسور أرق من الشعر وأحد من السيف ... الحديث. وللبيهقي أيضًا عن أنس: سمعت رسول اللّه عَّ يقول: الصراط كحد السيف وإن الملائكة ينجون المؤمنين والمؤمنات، وإن جبريل لآخذ بحجزتي، وإني لأقول: يا رب سلم سلم، فالزالون والزالات يومئذٍ كثير (وفي سنده لين) لكنه منجبر، فقد رواه أحمد عن عائشة، قالت: قال عَّه لجهنم جسر أرق من الشعرة وأحد من السيف ... الحديث. ولابن منيع عن أبي هريرة رفعه: الصراط كحد السيف دحض مزلة ذا حسك وكلاليب، وللطبراني والبيهقي بسند صحيح عن ابن مسعود، قال: يوضع الصراط على سواء جهنم مثل حد السيف المرهف. (ولابن المبارك) والبيهقي وابن أبي الدنيا (من مرسل عبيد بن عمير) أحد كبار التابعين، ٣٦٩ الفصل الثالث في أمور الآخرة ولابن المبارك من مرسل عبيد بن عمير: أن الصراط مثل السيف وبجنبتيه كلاليب، والذي نفسي بيده إنه ليؤخذ بالكلوب الواحد أكثر من ربيعة ومضر. وأخرجه ابن أبي الدنيا من هذا الوجه وفيه: والملائكة على جنبتيه يقولون: رب سلم سلم. وعن الفضيل بن عياض: بلغنا أن الصراط مسيرة خمس عشرة ألف سنة، خمسة آلاف صعود، وخمسة آلاف هبوط، وخمسة آلاف مستوى، أرق من الشعرة وأحد من السيف على متن جهنم، لا يجوز عليه إلا ضامر مهزول من خشية الله. ذكره ابن عساكر في ترجمته، قال في فتح الباري: وهذا معضل لا يثبت. قال: وعن سعيد بن أبي هلال: بلغنا أن الصراط أرق من الشعرة على بعض الناس، ولبعض الناس مثل الوادي الواسع، أخرجه ابن المبارك، وهو مرسل أو معضل. عن النبي عَّه: (أن الصراط مثل السيف) نقل بالمعنى ولفظه الصراط على جهنم مثل حرف السيف (وبجنبتيه) بفتح الجيم والنون ويجوز سكونها بعدها موحدة تثنية جنبة، أي: ناحيتيه (كلاليب). زاد في رواية البيهقي وابن أبي الدنيا: وحسك يركبه الناس فيختطفون (والذي نفسي بيده إنه ليؤخذ بالكلوب الواحد) بالفتح والتشديد بزنة تنور حديدة معطوفة الرأس يعلق عليها اللحم ويرسل في التنور (أكثر من ربيعة ومضر). (وأخرجه ابن أبي الدنيا) والبيهقي (من هذا الوجه وفيه: والملائكة على جنبتيه) تثنية جنبة (يقولون: رب سلم سلم) والملائكة يخطفون بكلاليب، هذا بقية الحديث. (وعن الفضيل بن عياض: بلغنا أن الصراط مسيرة خمسة عشر ألف سنة، خمسة آلاف صعود وخمسة آلاف هبوط، وخمسة آلاف مستوى أرق من الشعرة وأحد من السيف على متن) أي: ظهر (جهنم، لا يجوز عليه إلاَّ ضامر مهزول من خشية الله) تعالى (ذكره) أي: رواه (ابن عساكر في ترجمته) أي: الفضيل (قال في فتح الباري): (وهذا معضل لا يثبت، وعن سعيد) بكسر العين (ابن أبي هلال: بلغنا أن الصراط أرق من الشعرة على بعض الناس ولبعض الناس مثل الوادي الواسع). (أخرجه ابن المبارك) وابن أبي الدنيا (وهو مرسل أو معضل) سقط منه اثنان فأكثر، ولأبي نعيم عن سهل بن عبد الله التستري، قال: من دق الصراط عليه في الدنيا عرض عليه في ٣٧٠ الفصل الثالث في أمور الآخرة وقد ذهب بعضهم إلى أن المراد من قوله تعالى: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ [مريم/٧١] الجواز على الصراط لأنه ممدود على النار. وروى ابن عساكر عن ابن عباس وابن مسعود وكعب الأحبار أنهم قالوا: الورود المرور على الصراط. وقيل الورود: الدخول. وعن أبي سمية قال: اختلفنا في الورود، فقال بعضنا لا يدخلها مؤمن، وقال الآخرة، ومن عرض عليه الصراط في الدنيا دق عليه في الآخرة، ومعناه؛ أن من عرف الصراط وأن مآله إليه وقف عند أوامر الله جوزي باتساعه له ومروره عليه بلا ضرر وعكسه بعكسه. (وقد ذهب بعضهم إلى أن المراد من قوله تعالى: (﴿وإن منكم إلاَّ واردها﴾) [مريم/ ٧١]، (الجواز على الصراط) ورجحه النووي (لأنه ممدود على النار). (وروى ابن عساكر عن ابن عباس وابن مسعود وكعب الأحبار أنهم قالوا: الورود المرور على الصراط) وكذا قال الحسن البصري عند البيهقي بلفظ: الورود المرور عليها من غير أن يدخلها. وكذا قاله خالد بن معدان وعكرمة عند البيهقي وغيره، وللطبراني وابن عدي عن يعلى بن منبه عن النبي عَّةِ، قال: تقول النار للمؤمن يوم القيامة: جزيا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي (وقيل: الورود الدخول) ورجحه القرطبي. وأخرجه الحاكم عن ابن مسعود والبيهقي عن ابن عباس، وقاله جماعة: قال في فتح الباري وهذان القولان أصح ما ورد ولا تنافي بينهما، لأن من عبر بالدخول تجوز به عن المرور، لأن المار عليها فوق الصراط في معنى من دخلها، لكن تختلف أحوالهم باختلاف أعمالهم، فأعلاهم من يمر كلمح البرق كما بين في حديث الشفاعة، ويؤيده صحة هذا التأويل ما في مسلم أن النبي عَُّ قال: لا يدخل النار أحد شهد الحديبية، فقالت حفصة: أليس الله يقول: ﴿وأن منكم إلا واردها﴾ [مريم/ ٧١]، فقال: أليس الله يقول: ﴿ثم ننجي الذين اتقوا﴾ [مريم/ ٧٢]، وفي هذا ضعف القول بأن الورود مختص بالكفار، والقول بأن معناه الدنو منها، والقول بأنه الإِشراف عليها، وقيل: معنى ورودها ما يصيب المؤمن في الدنيا من الحمى وهذا ليس ببعيد ولا ینافیه بقیة الأحاديث. انتهى. (وعن أبي سمية) بضم السين مصغر تابعي مقبول ذكره في التقريب في الكنى ولم يذكر له اسمًا (قال اختلفنا في الورود) في الآية (فقال بعضنا: لا يدخلها مؤمن) وروي ذلك عند ابن جرير والبيهقي عن ابن عباس؛ أنه قال: وإن منكم إلاَّ واردها، فقال: يعني الكفار، وقال: لا يردها ٣٧١ الفصل الثالث في أمور الآخرة بعضنا: ندخلها جميعًا، ثم ينجي الله الذين اتقوا، فلقيت جابر بن عبد اللّه فقلت له: إنا اختلفنا في الورود، فقال جابر: يردونها جميعًا، فقلت: إنا اختلفنا في ذلك، فقال بعضنا: لا يدخلها مؤمن، وقال بعضنا: يدخلونها جميعًا، فأهوى بأصبعيه إلى أذنيه وقال: صمتاً إن لم أكن سمعت رسول الله عَّه يقول: ((الورود الدخول، لا يبقى برولا فاجر إلا دخلها فتكون على المؤمنين برداً وسلاما كما كانت على إبراهيم، حتى إن للنار - أو قال: لجهنم - ضجيجًا من بردهم، ثم ينجي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين فيها جثيا)). رواه أحمد والبيهقي بإسناد حسن. وأخرج ابن الجوزي - كما ذكره القرطبي في التذكرة - رفعه: ((الزالون عن الصراط كثير، وأكثر من يزل عنه النساء))، قال: ((وإذا صار الناس على طرفي الصراط نادى ملك من تحت العرش: يا فطرة الملك الجبار جوزوا على الصراط وليقف كل عاص منكم وظالم. فيا لها من ساعة ما أعظم خوفها، وأشد حرها، يتقدم فيها من كان في الدنيا ضعيفًا مهينًا، ويتأخر عنها من كان فيها عظيمًا مؤمن (وقال بعضنا: ندخلها جميعًا ثم ينجي اللّه الذين اتقوا) الشرك والكفر منها (فلقيت جابر بن عبد اللّه، فقلت له: إنا اختلفنا في الورود، فقال جابر: يردونها جميعًا) المؤمن والكافر (فقلت: إنا اختلفنا في ذلك، فقال بعضنا: لا يدخلها مؤمن، وقال بعضنا: ندخلها جميعًا) أعاد عليه السؤال ليعلم دليله لأنه أجابه أولاً بدون دليل، فلما فهم منه طلب الدليل، لأنه القاطع للنزاع، ذكره (فأهوى بإصبعيه إلى أذنيه وقال: صمتًا إن لم أكن سمعت رسول اللّه عَ لَّ. يقول : . الورود الدخول، لا يبقى بر) متق (ولا فاجر إلاَّ دخلها فتكون على المؤمنين بردًا وسلامًا كما كانت على إبراهيم) نار الدنيا (حتى إن النار، أو قال: لجهنم) شك الراوي (ضجيجًا) صياحًا قويًا (من بردهم) الذي قام بهم وضجيجها حقيقي لا أنه من مجاز الحذف، أي: أهلها لأنهم يودون بردها عليهم، وتقدم في الحديث: تقول النار للمؤمن جز والأصل الحقيقة ولا داعية للتأويل، لا سيما المفسد للمعنى كما هنا (ثم ينجي اللّه الذين اتقوا) الكفر بالإِيمان (ويدر الظالمين:) يترك الكافرين (فيها جثيً). (رواه أحمد) والحاكم (والبيهقي بإسناد حسن) وصححه الحاكم. (وأخرج ابن الجوزي كما ذكره القرطبي في التذكرة، رفعه: ((الزالون عن الصراط كثير، وأكثر من يزل عنه النساء)»، قال: ((وإذا صار الناس على طرفي الصراط نادى مالك من تحت العرش: يا فطرة) خلقة (الملك) بكسر اللام (الجبار جوزوا على الصراط وليقف كل عاص منكم وظالم) كافر، (فيا لها من ساعة ما أعظم) أكبر (خوفها وأشد حرها، يتقدم فيها من كان في الدنيا ضعيفًا مهينًا) بفتح فكسر (ويتأخر عنها من كان فيها عظيمًا مكينًا:) مرتفع ٣٧٢ الفصل الثالث في أمور الآخرة مكينًا، ثم يؤذن لجميعهم بعد ذلك في الجواز على الصراط على قدر أعمالهم، فإِذا عصف الصراط بأمة محمد علّ له نادوا: وامحمداه وامحمداه، فيبادر عّ لّه من شدة إشفاقه عليهم، وجبريل آخذ بحجزته، فينادي عَّ له رافعًا صوته: رب أمتي أمتي، لا أسألك اليوم نفسي ولا فاطمة ابنتي، والملائكة قيام عن يمين الصراط ويساره ينادون رب سلم. وقد عظمت الأهوال واشتدت الأوجال، والعصاة يتساقطون عن اليمين والشمال، والزبانية يتلقونهم بالسلاسل والأغلال. وينادونهم: أما نهيتم عن كسب الأوزار، أما أنذرتم كل الإنذار، أما جاءكم النبي المختار. ذكره ابن الجوزي في كتابه ((روضة المشتاق)). وقد جاء في حديث أبي هريرة عنه عَّه قال: ((من أحسن الصدقة في الدنيا مر على الصراط». رواه أبو نعيم. وفي الحديث: من يكن المسجد بيته ضمن الله له بالروح والرحمة والجواز القدر (ثم يؤذن لجميعهم بعد ذلك في الجواز على الصراط على قدر أعمالهم، فإذا عصف الصراط) اشتد وصعب أمره (بأمة محمد عَّ له، نادوا: وامحمداه وامحمداه) مرتين (فيبادر عليه الصلاة والسلام من شدة إشفاقه:) خوفه (عليهم وجبريل آخذ بحجزته) بضم المهملة وإسكان الجيم معقد الإزار (فينادي عَّ رافعًا صوته: رب أمتي أمتي) مرتين (لا أسأل اليوم نفسي ولا فاطمة ابنتي والملائكة قيام عن يمين الصراط ويساره ينادون، رب سلم سلم) مرتين (وقد عظمت الأهوال واشتدت الأوجال:) جمع وجل بجيم الخوف (والعصاة يتساقطون عن اليمين والشمال والزبانية) سموا بذلك من الزبن وهو الدفع لدفعهم أهل النار فيها (يتلقونهم بالسلاسل) ويسحبونهم بها (والأغلال) في أعناقهم تشتد فيها السلاسل (وينادونهم) للتوبيخ (أمانهيتم عن كسب الأوزار) الآثام (أما أنذرتم كل الإنذار) البالغ البين (أما جاءكم النبي المختار). (ذكره ابن الجوزي في كتابه روضة المشتاق) أحد تصانيفه الكثيرة جدًا (وقد جاء في حديث أبي هريرة عنه عَِّ أنه قال: من أحسن الصدقة) بأن حصلها من حل وتصدق بها على مستحق (في الدنيا جاز على الصراط) حال كونه مدلا كما (رواه أبو نعيم) في الحلية والأصبهاني في الترغيب، فسقط مدلاً من المصنف أو نساخه، قال الأصبهاني: أي آمنا غير خائف والإِدلال الانبساط والوثوق بما يأتي ويفعل. (وفي الحديث) المرفوع: (من يكن المسجد بيته) بحيث يلزمه ويعظمه، ورفع المسجد ونصب بيته أولى من عكسه، لأن الغرض الحكم عن المسجد بأنه اتخذ بيتًا (ضمن) ٣٧٣ الفصل الثالث في أمور الآخرة على الصراط إلى الجنة. وروى القرطبي عن ابن المبارك عن عبد الله بن سلام: إذا كان يوم القيامة جمع الله الأنبياء نبيًا نبيًّا، وأمة أمة، ويضرب الجسر على جهنم وينادي أين أحمد وأمته، فيقوم رسول الله عَّه وتتبعه أمته، برها وفاجرها، حتى إذا كان على الصراط طمس الله أبصار أعدائه فيتهافتون في النار يمينًا وشمالاً، ويمضي النبي عَِّ والصالحون معه، فتتلقاهم الملائكة فيدلونهم على الطريق، على يمينك، على شمالك، حتى ينتهي إلى ربه، فيوضع له كرسي عن يمين العرش، ثم يتبعه عيسى عليه السلام على مثل سبيله، وتتبعه أمته برها وفاجرها، حتى إذا كانوا على الصراط طمس الله أبصار أي: تكفل (اللّه له بالروح) بالفتح الراحة (والرحمة والجواز على الصراط إلى الجنة). وهذا الحديث رواه سعيد بن منصور والطبراني والبزار وحسنه عن أبي الدرداء: المساجد بيوت المتقين وقد ضمن اللّه لمن كانت المساجد بيوتهم بالروح والراحة والجواز على الصراط إلى رضوان الله ... الحديث. وللطبراني وابن حبان عن عائشة وابن عساكر عن ابن عمر، رفعاه: من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان في تبليغ بر أو تيسير عسير أعانه الله على إجازة الصراط يوم القيامة عند دحض الأقدام، وفي الباب أحاديث وآثار في البدور. (وروى القرطبي عن ابن المبارك) بسنده (عن عبد الله بن سلام) بالتخفيف الإِسرائيلي المبشر بالجنة، وقد رواه الحاكم وصححه عنه، قال: (إذا كان يوم القيامة جمع اللَّهَ الأنبياء نبيًّا نبيًّا و) جمع الأمم (أمة أمة) ولفظ الحاكم: يعبث اللّه الخليقة أمة أمة ونبيًا نبيًا حتى يكون أحمد وأمته آخر الأمم مركزًا (ويضرب) وللحاكم: ثم يضرب (الجسر) بفتح الجيم وتكسر (على جهنم وينادي) بالبناء للمفعول، وللحاكم: ثم ينادى منادٍ: (أين أحمد وأمته، فيقوم رسول اللّه عَّه وتتبعه أمته برها وفاجرها حتى إذا كان على الصراط طمس الله) بفتح الميم، أي محا (أبصار) أي نور أبصار (أعدائه فيتهافتون:) يتساقطون (في النار يمينًا وشمالاً ويمضي النبي عَّهِ والصالحون) المؤمنون (معه فتلقاهم الملائكة). زاد الحاكم: تبوؤهم منازلهم في الجنة (فيدلونهم على الطريق) قائلين (على يمينك على شمالك حتى ينتهي إلى ربه فيوضع له كرسي عن يمين العرش ثم يتبعه عيسى عليه السلام على مثل سبيله) وللحاكم: ثم ينادي منادٍ أين عيسى وأمته؟، فيقوم (وتتبعه أمته برها وفاجرها حتى إذا كانوا على الصراط طمس اللّه أبصار أعدائه، فيتهافتون:) يتساقطون ٣٧٤ الفصل الثالث في أمور الآخرة أعدائهم فيتهافتون في النار يمينًا وشمالاً. الحديث. واعلم أن في الآخرة صراطين: أحدهما مجاز لأهل المحشر كلهم إلا من دخل الجنة بغير حساب، أو يلتقطه عنق من النار، فإذا خلص من خلص من الصراط الأكبر حبسوا على صراط آخر لهم، ولا يرجع إلى النار أحد من هؤلاء إن شاء الله لأنهم قد عبروا الصراط الأول المضروب على متن جهنم. وقد روى البخاري من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله عَّه: ((يخلص المؤمنون من النار فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، فوالذي (في النار يمينًا وشمالاً). (الحديث) بقيته: وينجو النبي والصالحون ثم تتبعهم الأنبياء حتى يكون آخرهم نوح، قال الذهبي: غريب موقوف انتهى، فيحتمل أن ابن سلام نقله من الكتب القديمة لأنه حبرها، ويحتمل أنه سمعه من النبي عَّهُ: (واعلم أن في الآخرة صراطين) كما ذكره القرطبي (أحدهما مجاز لأهل المحشر كلهم) ثقيلهم وخفيفهم (إلاّ من دخل الجنة بغير حساب، أو يلتقطه عنق) بضم العين والنون أي طائفة وجانب (من النار فإذا خلص من خلص من الصراط الأكبر) قال في التذكرة ولا يخلص منه إلا المؤمنون الذين علم اللّه منهم أن القصاص لا يستنفد حسناتهم (حبسوا على صراط آخر لهم ولا يرجع إلى النار أحد من هؤلاء إن شاء اللّه، لأنهم قد عبروا الصراط الأول المضروب على متن جهنم) الذي يسقط فيها من أوبقه ذنبه وأربى على الحساب بالقصاص جرمه كما في كلام القرطبي. (وقد روى البخاري) في المظالم والرقاق (من حديث أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول اللّه عَّة) زاد الإِسمعيلي في هذه الآية: ﴿ونزعنا ما في صدورهم من غل إخواناً على سرر متقابلين﴾ [الحجر / ٤٧] الآية (يخلص) بفتح التحتية وضم اللام، أي: ينجو (المؤمنون من) السقوط في (النار) بعدما يجوزون الصراط (فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار) قيل: إنها صراط آخر، وقيل: إنها من تتمة الصراط وإنها طرفه الذي يلي الجنة، قال الحافظ: لعل أصحاب الأعراف منهم على القول الراجح (فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا) بضم التحتية وسكون القاف ثم فوقية مفتوحة. كذا في الفرع بضم التحتية، وضبطه الحافط وتبعه العيني بفتحها، فاللام زائدة أو الفاعل محذوف وهو اللّه تعالى أو من أقامه في ذلك: وللبخاري في المظالم: فيقتص بعضهم من ٣٧٥ الفصل الثالث في أمور الآخرة نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا)). وأما تفضيله عَّه بأنه أول من يقرع باب الجنة وأول من يدخلها، ففي صحيح مسلم من حديث المختار بن فلفل عن ابن عباس قال: قال رسول الله عَليه: أنا أكثر الناس تبعًا يوم القيامة، وأنا أول من يقرع باب الجنة. بعض، وفي رواية: فيقص بضم التحتية وفتح القاف وبدون تاء مبنياً للمفعول، قاله المصنف: (حتى إذا هذبوا) بضم الهاء وكسر المعجمة المشددة فموحدة من التهذيب (ونقوا) بضم النون والقاف المشددة من التنقية. قال الجوهري: التهذيب كالتنقية ورجل مهذب، أي: مطهر الأخلاق، فعلى هذا قوله: ونقوا تفسير لهذبوا والمراد التخليص من التبعات، فإذا خلصوا منها (أذن) بضم الهمزة وكسر المعجمة (لهم في دخول الجنة) وليس في قلوب بعضهم على بعض غل كما في الحديث، أي حقد كامن في قلوبهم، بل ألقى اللّه فيها التواد والتحاب (فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم) فتح اللام للتأكيد وأحد مبتدأ خبره قوله: (أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله) الذي (كان في الدنيا). قال الطيبي: هدى لا يتعدى بالباء بل باللام، وإلى، فالوجه أن يضمن معنى اللصوق، أي: ألصق بمنزله هاديًا إليه، وفي معناه قوله: يهديهم ربهم بإيمانهم، أي: يهديهم في الآخرة بنور إيمانهم إلى طريق الجنة فجعل تجري من تحتهم الأنهار بيانًا له وتفسيرًا لأن التمسك بسبب السعادة كالوصول إليها. انتهى، وما سبق عن عبد الله بن سلام؛ أن الملائكة تدلهم على طريق الجنة يمينًا وشمالاً، فهو محمول على من لم يحبس بالقنطرة أو على الجميع، وأن الملائكة تقول لهم ذلك قبل دخول الجنة، فمن دخلها عرف منزله، لأن منازلهم كانت تعرض عليهم غدوا وعشيًا واللّه أعلم. (وأما تفضيله عَِّ بأنه أول من يقرع) يدق ويطرق (باب الجنة وأول من يدخلها، ففي صحيح) أي: فدليله، أو فيدل عليه ما في (مسلم) في كتاب الإِيمان (من حديث المختار ابن فلفل) بضم الفاءين وإسكان اللام الأولى مولى عمرو بن حريث، صدوق له أوهام (عن أنس:) هذا هو الصواب، ويقع في نسخ (عن ابن عباس): وهو خطأ، فالذي في مسلم عن أنس بن ملك (قال: قال رسول اللّه عَّ. أنا أكثر الناس) كذا في النسخ، والذي في مسلم: الأنبياء (تبعًا:) بفتح الفوقية والموحدة جمع تابع (يوم القيامة) لبقاء شريعته ودوامها إلى يوم القيامة، وخصه لأنه يوم ظهور ذلك لأهل الجمع ويوضحه خبر مسلم أيضًا، أن من الأنبياء من يأتي يوم القيامة ما معه مصدق غير واحد ولا يعارضه، وأرجو أن أكون أكثرهم تبعًا إما لأن رجاءه محقق الوقوع ٣٧٦ الفصل الثالث في أمور الآخرة وفيه أيضًا من حديث أنس قال عَّه: (آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح فيقول الخازن من أنت؟ فأقول: محمد، فيقول: بك أمرت، لا أفتح لأحد قبلك. ورواه الطبراني وزاد فيه: قال فيقوم الخازن ويقول: لا أفتح لأحد قبلك، ولا أقوم أو قاله قبل أن يكشف له عن أمته ويراهم، فلما حقق اللّه رجاءه ورآهم جزم به (وأنا أول من يقرع باب الجنة) أي: يطرقه للاستفتاح فيكون أول داخل (وفيه) أي مسلم في الإِيمان (أيضًا من حديث) ثابت البناني عن (أنس) بن ملك، قال: قال عَّله: آتي) بمد الهمزة (باب الجنة يوم القيامة) بعد الحشر والحساب، وعبر بآتي دون أجيء للإشارة إلى أن مجيئه على تمهل وأمان بلا تعب، لأن الإتيان كما قال الراغب مجيء بسهولة والمجيء أعم (فأستفتح) بسين الطلب إيماء إلى تحقق وقوع مدخولها، أي: أطلب فتحه بالقرع كما في الأحاديث لا بالصوت، وفاء التعقيب إشارة إلى أنه أذن له من اللّه بلا واسطة خازن ولا غيره بحيث صار الخازن مأموره منتظرًا قدومه (فيقول الخازن) الحافظ المؤتمن على ما استحفظه وأل عهدية والمعهود رضوان، وخص مع كثرة الخزنة لأنه أعظمهم، وعظيم الرسل إنما يتلقاه عظيم الخزنة (من أنت) أجابه بالاستفهام وأكده بالخطاب تلذذًا بمناجاته وإلا فأبواب الجنة شفافة كما في خبر وهو العلم الذي لا يشتبه والتمييز الذي لا يلتبس، وقد رآه رضوان قبل ذلك وعرفه أتم معرفة، ولذا اكتفى بقوله: (فأقول محمد) وإن كان المسمى به كثيرًا، ولا ينافي كون أبواب الجنة شفافة خبر أبي يعلى عن أنس، رفعه: أقرع باب الجنة فيفتح لي باب من ذهب وحلقة من فضة، لأن ما في الدنيا لا يشبه ما في الجنة إلا في مجرد الاسم، كما في حديث: فلا مانع من كونه ذهبًا شفافًا ولم يقل أنا لإِبهامه مع إشعاره بتعظيم النفس وهو سيد المتواضعين. قال ابن الجوزي أنا لا تخلو عن نوع تكبر، كأنه يقول: أنا لا أحتاج إلى ذكر اسمي ولا نسي لسمو مقامي، وذهب بعض الصوفية والعلماء إلى كراهة إخبار الرجل عن نفسه بأنا تمسكًا بظاهر الخبر حتى قالوا: إنها كلمة لم تزل مشؤومة على قائلها، كقول إبليس: أنا خير، وفرعون: أنا ربكم، قال بعض المحققين: وليس كما قالوا، بل الشؤم لما صحبه من دعوى الخير والربوبية، وقد ناقضهم نصوص كثيرة إنما أنا بشر أنا أول المسلمين وما أنا من المتكلفين أنا سيد ولد عادم أنا أثر الأنبياء تبعًا وغير ذلك، وقد قال النووي: لا بأس أن يقول أنا الشيخ فلان أو القاضي فلان إذا لم يحصل التمييز إلا به وخلا عن الخيلاء والكبر (فيقول: بك) بسببك متعلق بقوله: (أمرت) بالبناء للمفعول والفاعل اللّه قدمت للتخصيص، ويجوز أن تكون صلة للفعل، وأن قوله: (لا أفتح) بدل من الضمير المجرور، أي: أمرت بعدم الفتح (لأحد قبلك) والرواية في مسلم: لا أفتح بدون أن قبلها كما ذكره المصنف هنا خلافًا لما وقع له في الخصائص ٣٧٧ الفصل الثالث في أمور الآخرة لأحد بعدك». فقيامه له عَِّ خاصة، فيه إظهار لمزيته ومرتبته، وأنه لا يقوم في خدمة أحد بعده، بل خزنة الجنة يقومون في خدمته وهو كالملك عليهم، وقد أقامه الله تعالى في خدمة عبده ورسوله محمد عَّهِ. وروى سهيل بن أبي صالح عن زياد المهري عن أنس بن مالك قال: قال والسيوطي في جامعيه من زيادة أن. وقد تعقب بأن الذي في نسخ مسلم الصحيحة المقروءة بدون أن، وأحد في سياق النفي للعموم، فيفيد استغراق جميع الأفراد، أي: لا من الأنبياء ولا من غيرهم، وفيه أن طلب الفتح إنما هو للخازن وإلا لما كان هو المجيب ولم يطلبه منها بلا واسطة مع أنه جاء عن الحسن وقتادة وغيرهما أن أبوابها يرى ظاهرها من باطنها وعكسه؛ وأنها تتكلم وتكلم وتعقل ما يقال لها انفتحي انغلقي، لأن الظاهر كما قال بعضهم أنها مأمورة بعدم الاستقلال بالفتح والغلق وأنها لا تستطيع ذلك إلا بأمر عريفها المالك لأمرها بإذن ربها، وإنما يطالب بما يراد من القوم عرفًا وهم ولا تعارض بين الحديث وبين قوله تعالى: ﴿جنات عدن مفتحة لهم الأبواب حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها﴾ [الرمز/ ٧١]، ووجهه الرازي وغيره بأنه يوجب السرور والفرح حيث نظروها مفتحة من بعد وفيه الخلاص من ذل الوقوف للاستفتاح، لأن أبوابها تفتح أولاً بعد الاستفتاح من جمع ويكون مقدمًا بالنسبة إلى البعض كما يقتضيه خبر أن الأغنياء يدخلون الجنة بعد الفقراء بخمسمائة عام، والظاهر أنها لا تغلق بعد فتحها للفقراء هذا أحسن الأجوبة الستة كما قال بعض المحققين ونوقش في باقيها. (ورواه الطبراني وزاد فيه، قال: فيقوم الخازن) رضوان (فيقول: لا أفتح لأحد قبلك) كما أمرت، ولا يعارضه خبر الديلمي وأبي نعيم: «أنا أول من يأخذ بحلقة باب الجنة فيفتحها اللّه عزّ وجلّ لي)) لأنه تعالى هو الفاتح الحقيقي وتولي رضوان ذلك إنما هو بأمره تعالى وإقداره وتمكينه (ولا أقوم لأحد بعدك، فقيامه له عَّهِ خاصة فيه إظهار لمزيته ومرتبته، وأنه لا يقوم في خدمة أحد بعده، بل خزنة الجنة يقومون في خدمته) أي: رضوان (وهو كالملك) الحاكم (عليهم، وقد أقامه اللّه تعالى في خدمة عبده ورسوله محمد عَّله) حتى مشى وفتح له الباب وحكمة اتخاذ الخدمة للجنة مع أنها إنما تكون عرفًا لما خيف ضياعه أو تلفه أو نقصه فيفوت كله أو بعضه أو وصفه على صاحبه ولا يمكن ذلك في الجنة هي مراعاة الداخلين إكرامًا لهم، فتقدم الخزنة لكل منهم ما أعد له من النعيم (وروى سهيل) بضم السين مصغر (ابن أبي صالح) ذكوان السمان أبو يزيد المدني، صدوق تغير حفظه بأخرة. ٣٧٨ الفصل الثالث في أمور الآخرة رسول الله عَّه: ((أنا أول من يأخذ بحلقة باب الجنة ولا فخر)). وهو في مسند الفردوس لكن من حديث ابن عباس. وعن أبي سعيد قال: قال رسول الله عَّله: ((أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر، وما من نبي آدم فمن سواه إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر، قال: فيفزع الناس ثلاث فزعات، فيأتون آدم))، فذكر الحديث إلى أن قال: فيأتوني فأنطلق معهم، قال ابن روى عنه لملك ونحوه قبل التغير، وروى له الستة إلاَّ أن البخاري إنما روى له حديثًا واحدًا مقرونًا بيحيى بن سعيد وعلق له في مواضع مات في خلافة المنصور (عن زياد المهري) بفتح الميم وإسكان الهاء نسبة إلى مهرة قبيلة من قضاعة (عن أنس ابن ملك، قال: ((قال رسول اللّه عَ "أنا أول من يأخذ بحلقة باب الجنة ولا فخر))) بذلك، بل بمن أعطانيه (وهو في مسند الفردوس) للديلمي (لكن من حديث ابن عباس) وقد رواه أحمد والترمذي عن أنس رفعه: (أنا أول من يأخذ بحلقة الباب فأقعقعها))، ففي هذا كله أنا أول من يدخل الجنة استشكل بالسبعين ألفًا الداخلين بغير حساب فإنهم يدخلون قبله، وبحديث رؤياه عَّهِ بلالاً سبقه في دخولها، وحديث المرأة التي تبادره في دخولها، وبقوله عَّه: أول من يقرع باب الجنة عبد أدى حق الله وحق مواليه. رواه البيهقي، وبإدريس: فإنه أدخل الجنة بعد موته وهو فيها كما ورد، وأجيب بأن دخوله عٍَّ يتعدد، فالدخول الأول لا يتقدمه ولا يشاركه فيه أحد ويتخلل بينه وبين ما بعده دخول غيره، وقد روى ابن منده في حديث؛ أنه كرر الدخول أربع مرات، وأما إدريس فلا يرد، لأن المراد الدخول التام يوم القيامة وإدريس يحضر الموقف للسؤال عن التبليغ، هذا أظهر الأجوبة ويأتي بعضها. (وعن أبي سعيد) الخدري (قال: قال رسول اللّه عَّل أنا سيد ولد ءادم) وفي أولاده من هو أفضل منه وذلك يستلزم سيادته على ءادم (يوم القيامة ولافخر) لا عظمة (وبيدي لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر وما من نبي ءادم) بالرفع بدل من محل نبي المجرور لفظًا بمن الزائدة (فمن سواه إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر) تقدم شرح هذا كله (قال: فيفزع الناس ثلاث فزعات) من زفرات جهنم. روى أبو نعيم عن كعب، قال: إذا كان يوم القيامة جمع اللّه الأولين والآخرين في صعيد واحد، فنزلت الملائكة فصاروا صفّا، فيقول اللّه لجبريل: أنت بجهنم، فيأتي بها تقاد بسبعين ألف زمام حتى إذا كانت من الخلائق على قدر مائة عام زفرت زفرة طارت لها أفئدة الخلائق، ٣٧٩ الفصل الثالث في أمور الآخرة جدعان قال أنس: كأني أنظر إلى رسول الله عَّ له، قال: ((فآخذ بحلقة باب الجنة فاقعقعها، فيقال: من هذا؟ فيقال: محمد، فيفتحون لي ويرحبون بي فيقولون: مرحبًا، فأخر ساجدًا، فيلهمني الله من الثناء والحمد، فيقال: ارفع رأسك)). الحدیث. رواه الترمذي وقال: حسن. وفي حديث سلمان: فيأخذ بحلقة الباب وهي من ذهب، فيقرع الباب فيقال: من هذا؟ فيقول: محمد، فيفتح. ثم زفرت زفرة ثانية فلا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلاّ جثا لركبتيه، ثم تزفر الثالثة فتبلغ القلوب الحناجر وتذهب العقول الحديث (فيأتون ادم، فذكر الحديث) في إتيانهم الأنبياء الخمسة (إلى أن قال: فيأتوني فأنطلق معهم). (قال ابن جدعان:) بضم الجيم وسكون الدال وعين مهملتين علي بن زيد بن عبد الله بن زهير بن عبد الله بن جدعان القرشي التيمي، نزل البصرة وهو المعروف بعلي بن زيد بن جدعان ينسب أبوه إلى جده الأعلى، ضعيف مات سنة إحدى وثلاثين ومائة، وقيل: قبلها كما في التقريب. (قال أنس بن مالك: (كأني أنظر) حال تحديثي بذلك (إلى رسول اللّه عَّه) إشارة إلى تحقق ما أخبر به واستحضاره ونفي الشك عنه (قال:) أي قائلاً: (فآخذ بحلقة باب الجنة فأقعقعها) أي: أدق عليها فتصوت؛ إلى هنا ما رواه عن أنس كما أفاده السيوطي ثم عاد إلى حديث أبي سعيد (فيقال: من هذا؟، فيقال: محمد) بالبناء للمفعول فيهما للعلم به (فيفتحون لي) لا يعارضه ما مر أن الذي يفتح رضوان الجواز أنه لما يقوم للفتح تبعه جنده لأنهم في خدمته وهو كالملك عليهم (ويرحبون بي فيقولون) كلهم: (مرحبًا) زيادة في تعظيم المصطفى إذ رحبوا به أجمعون (فأخر ساجدًا فيلهمني اللّه من الثناء والحمد) ما لا أقدذر عليه الآن (فيقال: ارفع رأسك ... الحديث) تمامه وسل تعط، واشفع تشفع، وقل: يسمع لقولك وهو المقام المحمود الذي قال اللّه: ﴿عسى أن يبعثك ربك مقامًا محمودًا﴾ [الإسراء/ ٧٩]. (رواه الترمذي وقال حسن) ورواه ابن خزيمة أيضًا (وفي حديث سلمن الفارسي: فيأخذ بحلقة الباب وهي من ذهب) يخالفه ما لأبي يعلى عن أنس، رفعه: ((أقرع باب الجنة فيفتح لي باب من ذهب وحلقة من فضة)، ويمكن الجمع بأن كونها من فضة حكم على المجموع، فلا ينافي أن حلقة منها ذهب أو أنها لمجاورتها للذهب سماها باسمه مجازًا (فيقرع:) يدق عَّةِ (الباب، فيقال:) أي يقول الخازن (من هذا؟، فيقول) عليه السلام (محمد، فيفتح الباب). ٣٨٠ الفصل الثالث في أمور الآخرة وفي حديث الصور: إن المؤمنين إذا انتهوا إلى باب الجنة تشاوروا فيمن يستأذن لهم في الدخول، فيقصدون آدم ثم نوحًا ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى ثم محمدًا معَّهِ، كما فعلوا عند العرصات عند استشفاعهم إلى الله عز وجل في فصل القضاء ليظهر شرف نبينا محمد علّل على سائر البشر كلهم في المواطن كلها. وروى أبو هريرة مرفوعًا: ((أنا أول من يفتح له باب الجنة، إلا أن امرأة تبادرني فأقول لها مالك؟ أو ما أنت؟ فتقول: أنا امرأة قعدت على يتامى. رواه أبو (وفي حديث الصور:) إضافة لأدنى ملابسة لذكره فيه وهو حديث طويل نحو أربع ورقات عن أبي هريرة مرفوعًا: وهو أول حديث في البدور وعزاه لجماعة، وقال: اختلف في تصحيحه وتضعيفه، فصححه ابن العربي والقرطبي ومغلطاي. وضعفه البيهقي وعبد الحق وصوبهما الحافظ ابن حجر (إن المؤمنين إذا انتهوا إلى باب الجنة تشاوروا فيمن يستأذن لهم في الدخول) ولفظه: فإذا أفضى أهل الجنة إلى الجنة، قالوا: من يشفع لنا إلى ربنا، فندخل الجنة، فيقولون: من أحق من أبيكم ادم (فيقصدون عادم ثم نوحًا ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى) وكل يقول: ما أنا بصاحب ذلك ويذكر ذنبًا إلاَّ عیسی، فيقول: ما أنا بصاحبكم ولكن عليكم بمحمد عَّه (ثم محمدًا) قال (عَّة:) فيأتوني فأنطلق . فأتي الجنة، فأخذ بحلقة الباب ثم أستفتح فيفتح لي، فأحيى ويرحب بي، فإذا دخلت الجنة فنظرت إلى ربي خررت ساجدًا، فيأذن اللّه لي في حمده وتمجيده بشيء ما أذن به لأحد من خلقه، ثم يقول: ارفع رأسك واشفع تشفع وسل تعطه، فإذا رفعت رأسي، قال اللّه وهو أعلم: ما شأنك؟، فأقول: يا رب وعدتني الشفاعة فشفعني في أهل الجنة يدخلون الجنة، فيقول: قد شفعتك فيهم وأذنت لهم في دخول الجنة (كما فعلوا عند العرصات عند استشفاعهم إلى اللّه عزّ وجلّ في فصل القضاء) وهي مذكورة قبل ذلك في نفس هذا الحديث. بلفظ: فيأتون ءادم فيطلبون ذلك إليه، فيأبى ويقول: ما أنا بصاحب ذلك، فيأتون الأنبياء نبيًا نبيًا كلما جاؤوا نبيًا يأبى عليهم حتى يأتوني، فأنطلق معهم حتى الفحص قدام العرش، فأخر ساجدًا حتى يبعث الله ملكًا فيأخذ بعضدي، فيقول لي: يا محمد، فأقول: نعم يا رب، فيقول: ما شأنك وهو أعلم؟، فأقول: يا رب وعدتني الشفاعة فشفعني في خلقك فاقض بينهم، فيقول: قد شفعتك آتيكم فأقضي بينكم (ليظهر شرف نبينا عَّةٍ على سائر البشر كلهم في المواطن كلها). (وروى أبو هريرة مرفوعًا) أي: قال: قال رسول اللّه عَّله: (أنا أول من يفتح له باب الجنة) أي: لا يتقدم عليّ أحد في فتحه (إلاَّ أن امرأة تبادرني) تسابقني (فأقول لها: مالك، أو ما أنت؟) شك الراوي وعبر بما لأنه سؤال عن الصفة، أي: ما الصفة التي أوجبت لك أن تبادريني.