Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
الفصل الثالث في أمور الآخرة
ومن تأمل الحالة المذكورة، عرف عظيم الهول فيها، وذلك أن النار تحف
بأرض الموقف، وتدنو الشمس من الرؤوس قدر ميل، فكيف تكون حرارة تلك
الأرض، وماذا يرونه من العرق مع أن كل أحد لا يجد إلا قدر موضع قدميه،
فكيف يكون حال هؤلاء في عرقهم مع تنوعهم فيه.
إن هذا لما يبهر العقول، ويدل على عظيم القدرة، ويقتضي بالإيمان بأمور
الآخرة، وأن ليس للعقل فيه مجال، ولا يُعترض على ذلك بعقل ولا قياس ولا
عادة، وإنما بؤخذ بالقبول.
فتأمل - رحمك الله - شدة هذا الازدحام والانضمام والاتساق والالتصاق،
واجتماع الإنس والجان، ومن يجمع معهم من سائر أصناف الحيوان، وانضغاطهم
وتدافعهم واختلاطهم، وقرب الشمس منهم، وما يزاد في حرها، ويضاعف في
وهجها، ولا ظل إلا ظل عرش ربك بما قدمتَه، مع ما انضاف إلى ذلك من حر
البأس، لتزاحم الناس واحتراق القلوب، لما غشيها من الكروب.
كله في الموقف، ومن تأمل الحالة المذكورة عرف عظم الهول:) المخافة من الأمر،
لا يدري ما هجم عليه منه كما في القاموس وفي ذلك الشدة الزائدة (فيها، وذلك أن النار
تحف:) تحيط (بأرض الموقف وتدنو الشمس من الرؤوس قدر ميل، فكيف تكون حرارة
تلك الأرض وماذا يرونه من العرق مع أن كل أحد لا يجد إلاَّ قدر موضع قدميه، فكيف يكون
حال هؤلاء في عرقهم مع تنوعهم فيه أن هذالما) أي: من الأشياء التي، وفي نسخ لما
بفتح اللام وخفة الميم (يبهر) بفتح الهاء يغلب (العقول ويدل على عظيم القدرة ويقتضي
الإِيمان بأمور الآخرة، وأن ليس للعقل فيه مجال) مدخل (ولا يعترض على ذلك بعقل
ولا قياس) لعدم الجامع (ولا عادة، وإنما يؤخذ بالقبول، فتأمل رحمك الله شدة هذا الازدحام)
الضيق (والانضمام) الاجتماع (والاتساق) الانتظام (والالتصاق) بالصاد وبالزاي وبالسين لغات
معناها الاجتماع بالجنب والألفاظ الأربعة متغايرة بالاعتبار أو متساوية (واجتماع الإِنس والجان
ومن يجمع معهم من سائر أصناف الحيوان وانضغاطهم)، بضاد وغير معجمتين، أي: انعصارهم
(وتدافعهم واختلاطهم وقرب الشمس منهم وما يزاد في حرها ويضاعف) يزاد (في وهجها)
توقدها وحرها (ولا ظل إلاَّ ظل عرش ربك بما قدمته) من عمل تجازى عليه بالظل (مع ما
انضاف) انضم (إلى ذلك من حر البأس) بموحدة الشدة (لتزاحم الناس واحتراق القلوب لما
غشيها من الكروب، ولا ريب أن هذا موجب لحصول العطش في ذلك اليوم وكثرة

٣٠٢
الفصل الثالث في أمور الآخرة
ولا ريب أن هذا موجب لحصول العطش في ذلك اليوم، وكثرة الالتهاب،
والماء ثم أعز موجود، وأعظم مفقود، فلا منهل مورود إلا حوض صاحب المقام
المحمود عَّ وزاده فضلاً وشرفًا لديه، ولا مشرب لأمته سواه، ولا تبرد أكبادهم
إلا به، فالشربة منه كما ورد تروي الظمأ، وتشفي من الصدى، وتذهب بكل داء
فلا يظمأ شاربها ولا يسقم بعدها أبدًا.
وفي حديث أنس عند البزار: من شرب منه - أي من الحوض - شربة لم
يظمأ أبدًا، ومن لم يشرب منه لم يرو أبدًا، وزاد في حديث أبي أمامة عند أحمد
وابن حبان: ولم يسود وجهه أبدًا.
وفي حديث ثوبان عند الترمذي وصححه الحاكم: أكثر الناس عليه ورودًا
فقراء المهاجرين.
الالتهاب والماء، ثم) بالفتح والتشديد هناك (أعز موجود وأعظم مفقود، فلا منهل مورود إلاّ
حوض صاحب المقام المحمود) مقام الشفاعة، ويأتي للمصنف (عَُّ: وزاده فضلاً وشرفًا)
لدیه ولا مشرب لأمته سواه ولا ییرد أکبادهم إلاّ إیاه).
كذا في نسخ، وهي المناسبة للسجع لا نسخة إلاَّ به (فالشربة منه تروي الظمأ:) العطش
(وتشفي من الصدى) العطش، فحسنه اختلاف اللفظ (وتذهب بكل داء فلا يظمأ شاربها
ولا يشكو) وفي نسخة: ولا يسقم (بعدها أبدًا) فهي ري وشفاء.
(ففي حديث أنس عند البزار) والطبراني في الأوسط قال: قال رسول اللّه عَلُ: حوضي
من كذا إلى كذا فيه من الآنية عدد النجوم أطيب ريحًا من المسك وأحلى من العسل وأبيض
من اللبن (من شرب منه، أي: من الحوض شربة لم يظمأ أبدًا، ومن لم يشرب منه لم يروّ
أبدًا).
(وزاد في حديث أبي أمامة عند أحمد وابن حبان) والبيهقي عن أبي أمامة الباهلي أن
يزيد بن الأخنس قال: يا رسول اللّه ما سعة حوضك؟، قال: ما بين عدن إلى عمان وأن فيه
مثعبين من ذهب وفضة، قال: فماء حوضك؟، قال: أشد بياضًا من اللبن وأحلى مذاقة من العسل
وأطيب رائحة من المسك، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدًا (ولم يسود وجهه أبدًا)
والمثعب: بفتح الميم والعين المهملة بينهما مثلثة ساكنة وآخره موحدة مسيل الماء.
(وفي حديث ثوبان عند الترمذي وصححه الحاكم: أكثر الناس عليه ورودًا فقراء
المهاجرين) وجاء بلفظ: أول عند مسلم وأحمد والترمذي وابن ماجه عن ثوبان: سمعت

٣٠٣
الفصل الثالث في أمور الآخرة
وفي حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي، عند الشيخين: ((حوضي مسيرة
شهر، ماؤه أبيض من اللبن، ورائحته أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء،
رسول اللّه عَ ل يقول: ((حوضي من عدن إلى عمان ماؤه أشد بياضًا من اللبن وأحلى من العسل
وأكاويبه عدد النجوم، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدًا، أول الناس ورودًا عليه فقراء
المهاجرين)، فقال عمر بن الخطاب: من هم يا رسول اللّه؟، قال: ((هم الشعث رؤوساً، الدنس
ثيابًا، الذين لا ينكحون المتنعمات ولا تفتح لهم السدد» يعني أبواب السلاطين.
ووقع في حديث النواس بن سمعان عند ابن أبي الدنيا: أول من يرد عليه من يسقي كل
عطشان ولا خلف، فهذا بتقدير من أي، من أول من يرد عليه من كان في الدنيا يسقي كل
عطشان، أو المراد الأول بعد فقراء المهاجرين.
(وفي حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي عند الشيخين) قال: قال النبي عَد (حوضي
مسيرة شهر ماؤه أبيض من اللبن) قال المازري: مقتضى كلام النحاة أن يقال: أشد بياضًا
ولا يقال أبيض، ومنهم من أجازه في الشعر، ومنهم من أجازه بقلة، ويشهد له هذا الحديث
وغيره، قال الحافظ: ويحتمل أنه من تصرف الرواة، ففي مسلم عن أبي ذر، وأحمد عن ابن
مسعود، وابن أبي عاصم عن أبي أمامة، كلهم بلفظ: أشد بياضًا من اللبن. انتهى.
وقال المصنف: فيه حجة الكوفيين على إجازة أفعل التفضيل من اللون، وقال البصريون:
لا يصاغ منه ولا من الثلاثي، فقيل: لأن اللون الأصل أن أفعاله زائدة على ثلاثة، وقيل: لأنه خلق
ثابت في العادة، وإنما يتعجب مما يقبل الزيادة والنقصان، فجرت لذلك مجرى الأجسام الثابتة
على حال واحدة، قالوا: وإنما يتوصل إلى التفضيل وفيما زاد على الثلاثي بأفعل مصوغًا من فعل
دال على مطلق الرجحان والزيادة نحو أكبر وأزيد وأرجح وأشد، قال الجوهري: تقول هذا أشد
بياضًا من كذا، ولا تقل أبيض منه وأهل الكوفة يقولونه ويحتجون بقول الراجز:
جارية في درعها الفضفاض أبيض من أخت بني أباض
قال المبرد: ليس البيت الشاذ بحجة على الأصل المجمع عليه، وأما قول طرفة:
إذا الرجال شتوا واشتد أكلهم فأنت أبيضهم سربال طباخ
فيحتمل أن لا يكون بمعنى أفعل الذي تصحبه من للمفاضلة، وإنما هو بمنزلة قولك: هو
أحسنهم وجهًا وأكرمهم أبا تريد حسنهم وجهًا وكريمهم أبًا، فكأنه قال: فأنت مبيضهم سربالاً،
فلما أضافه انتصب ما بعده على التمييز وجعل ابن لملك قوله أبيض من الشاذ، وقال النووي: هو
لغة قليلة الاستعمال. انتهى.
قال الأبي: ليس في الحديث ولا الأبيات صيغة تعجب وإنما فيها صيغة أفعل لكنهما

٣٠٤
الفصل الثالث في أمور الآخرة
من شرب منه شربة لا يظمأ أبدًا)).
قال القرطبي في ((التذكرة)): ذهب صاحب ((القوت)) وغيره إلى أن الحوض
يكون بعد الصراط، وذهب آخرون إلى العكس، والصحيح أن للنبي عَّه حوضين،
أحدهما في الموقف قبل الصراط، والآخر داخل الجنة، وكل منهما يسمى كوثرًا.
وتعقبه شيخ الحفاظ ابن حجر: بأن الكوثر نهر داخل الجنة، وماؤه يصب
في الحوض، ويطلق على الحوض كوثرًا لكونه يمد منه. فغاية ما يؤخذ من كلام
القرطبي أن الحوض يكون قبل الصراط لأن الناس يردون من الموقف عطاشًا، فيرد
المؤمنون الحوض، ويتساقط الكفار في النار بعد أن يقولوا ربنا عطشنا، فترفع لهم
أخوان، فما جاز بناء أحدهما منه جاز بناء الآخر معه، وما امتنع امتنع (وريحه أطيب) ريحًا (من
المسك، وكيزانه كنجوم) السماء) في الإشراق والكثرة، ففي حديث أنس في الصحيحين: فيه
من الأباريق كعدد نجوم السماء، ولأحمد عن أنس: أكثر من عدد نجوم السماء، قال عياض:
كناية عن الكثرة كما قيل، فيقوله: وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون، وحديث: لا يضع العصا
عن عاتقه، ومنه قولهم: كلمته في هذا ألف مرة وهو من المبالغة المعروفة لغة ولا يعد كذبًا،
لكن شرط إباحته أن يكون المكني عنه بذلك كثيرًا في نفسه لا قليلاً، وتعقبه النووي بأن
المختار والصواب حمله على ظاهره، لا سيما وقد أقسم ولا مانع شرعي ولا عقلي ولا نقلي يمنع
منه، ورده الأبي بأنه يمنع منه إن ما يعم نجوم السماء من المساحة أكثر من مساحة الحوض (من
شرب منها) أي: الكيزان، وللكشميهني منه، أي: الحوض (لم يظمأ أبدًا) فشربه بعد ذلك في
الجنة إنما هو تنعم وتلذذ لا للظماً.
(قال القرطبي في التذكرة: ذهب صاحب القوت) أي: كتاب قوت القلوب وهو أبو
طالب المكي (وغيره إلى أن الحوض يكون بعد الصراط، وذهب آخرون إلى العكس) أي:
المخالفة وهو أنه قبل الصراط (والصحيح أن للنبي عَُّ حوضين، أحدهما في الموقف قبل
الصراط والآخر داخل الجنة وكل منهما يسمى كوثرًا وتعقبه الشيخ ابن حجر) الحافظ أحمد
العسقلاني (بأن الكوثر نهر لا حوض) داخل الجنة وماؤه يصب في الحوض الذي في الموقف
(ويطلق على الحوض كوثر) بالرفع نائب فاعل يطلق، وفي نسخة: بالنصب بتضمين يطلق،
معنى: يسمى كوثرًا (لكونه يمد منه، فغاية ما يؤخذ من كلام القرطبي أن الحوض يكون قبل
الصراط) لا أنهما حوضان (لأن الناس يردون من الموقف عطاشًا، فيرد المؤمنون الحوض
ويتساقط الكفار في النار بعد أن يقولوا: ربنا عطشنا فترفع لهم جهنم كأنها سراب) شعاع

٣٠٥
الفصل الثالث في أمور الآخرة
جهنم كأنها سراب فيقال ألا تردون، فيظنونها ماء فيتساقطون فيها.
وفي حديث أبي ذر مما رواه مسلم: ((إن الحوض يشخب فيه ميزابان من
الجنة)) وهو حجة على القرطبي لا له، لأن الصراط جسر جهنم، وهو بين الموقف
والجنة، والمؤمنون يمرون عليه لدخول الجنة، فلو كان الحوض دونه لحالت النار
بينه وبين الماء الذي يصب من الكوثر في الحوض، وظاهر الحديث أن الحوض
بجانب الجنة ليصب فيه الماء من النهر الذي داخلها.
وقال القاضي عياض: ظاهر قوله عَُّلِّ: ((من شرب منه لم يظمأ بعدها أبدًا))
يدل على أن الشرب منه يقع بعد الحساب والنجاة من النار، لأن ظاهر حال من
لا يظمأ أن لا يعذب بالنار، ولكن يحتمل أن من قدر عليه التعذيب منهم أن لا
يعذب فيها بالظمأ بل بغيره.
يرى عند اشتداد الحر نصف النهار يشبه الماء (فيقال: ألا تردون فيظنونها ماء فيتساقطون
فیھا).
(وفي حديث أبي ذر مما رواه مسلم: ((إن الحوض يشخب فيه ميزابان من الجنة))
وهو حجة على القرطبي) في اختياره الهول بأنه قبل الصراط (لا له، لأن الصراط جسر جهنم
وهو بين الموقف والجنة والمؤمنون يمرون عليه لدخول الجنة، فلو كان الحوض دونه)
أي: قبل الصراط (لحالت النار بينه وبين الماء الذي يصب من الكوثر في الحوض) وهذا
بناءً على العادة وأحوال القيامة لا تبنى عليها، فلا مانع أن ماء الكوثر يمر على الهواء حتى يصل
إلى الحوض ولا تحول النار بينهما، ونظيره في الدنيا ما قيل: إن بين السماء والأرض بحرًا ومع
ذلك فليس بحائل من رؤية السماء ولا نجومها.
(وظاهر الحديث أن الحوض بجانب الجنة لينصب فيه الماء من النهر الذي) هو،
أو يكون (داخلها) وهو الكوثر (وقال القاضي عياض: ظاهر قوله عٍَّ: من شرب منه) شربة
(لم يظمأ بعدها أبدًا يدل على أن الشرب منه يقع بعد الحساب والنجاة من النار، لأن
ظاهر حال من لم يظمأ أن لا يعذب بالنار) وظاهر هذا ترجيح أن الحوض بعد الصراط.
وقد قال الحافظ: رجحه عياض، قال: وأما ما أورد عليه من حديث أن جماعة يدفعون
عن الحوض، فجوابه أنهم يقربون من الحوض بحيث يرونه ويردون فيدفعون في النار قبل أن
يخصلوا من بقية الصراط (ولكن يحتمل) على القول بأنه قبل الصراط (إن من قدر عليه
التعذيب ومنهم أن لا يعذب فيها) أي: النار (بالظماً، بل بغيره) والله على كل شيءٍ قدير (و) جاء

٣٠٦
الفصل الثالث في أمور الآخرة
وعن أنس قال: سألت رسول الله عَ لّ أن يشفع لي يوم القيامة، فقال: ((أنا
فاعل إن شاء الله))، قلت: فأين أطلبك؟ قال: ((أول ما تطلبني على الصراط))، قلت:
فإن لم ألقك على الصراط؟ قال: ((فاطلبني عند الميزان))، قلت: فإن لم ألقك عند
الميزان؟ قال: ((فاطلبني عند الحوض، فإني لا أخطىء هذه الثلاثة مواطن)). رواه
الترمذي وقال: حسن غريب.
وفي حديث ابن مسعود عند أحمد: ((ثم أوتي بكسوتي فألبسها فأقوم عن
يمين العرش مقامًا لا يقومه أحد، فيغبطني به الأولون والآخرون)). قال: ((ويفتح لهم
من الكوثر إلى الحوض)). الحديث.
وقد بين في حديث ابن عمرو بن العاصي، عند البخاري، أن الحوض مسيرة
شهر، وزاد في رواية مسلم من هذا الوجه: زواياه سواء طوله كعرضه. وهذه الزيادة
(من أنس) ما يدل على أن الحوض بعد الصراط، فإنه (قال: سألت رسول اللّه عَّه أن يشفع
لي يوم القيامة، فقال: أنا فاعل) أي: شافع لك (إن شاء اللّه، قلت: فأين أطلبك؟، قال: أول
ما تطلبني على الصراط، قلت: فإن لم ألقك على الصراط، قال: فاطلبني عند الميزان،
قلت: فإن لم ألقك عند الميزان، قال: فاطلبني عند الحوض، فإني لا أخطىء) بضم الهمزة
وكسر الطاء، أي: لا أتجاوز (هذه الثلاث مواطن) إلى غيرها، فظاهر هذا الحديث أن الحوض
بعد الصراط وصنيع البخاري في إيراده لأحاديث الحوض بعد أحاديث الشفاعة بعد نصب
الصراط مشعر بذلك.
قال السيوطي: ويحتمل الجمع بأن يقع الشرب من الحوض قبل الصراط لقوم ويتأخر بعده
لآخرين بحسب ما عليهم من الذنوب حتى يذهبوا منها على الصراط ولعل هذا أقوى، قال: ثم
رأيت في الزهد للإِمام أحمد بسنده عن أبي هريرة، قال: كأني أنظر إلينا صادرين عن الحوض
للحساب فيلقى الرجل الرجل، فيقول: أشربت يا فلان؟، فيقول: لا واعطشاه.
(رواه الترمذي وقال: حسن غريب) من جهة تفرد راويه فيجامع الحسن.
(وفي حديث ابن مسعود عند أحمد: ثم أوتي بكسوتي فألبسها فأقوم عن يمين العرش
مقامًا لا يقومه أحد) غيري (فيغبطني به الأولون والآخرون) وهذا عند القيام من القبر، وذكره
لقوله: (قال: ويفتح لهم من الكوثر إلى الحوض الحديث) فإنه دال على أن الحوض يمد من
الكوثر (وقد بين في حديث) عبد الله (بن عمرو بن العاصي عند البخاري) ومسلم كما قدمه
قريبًا: (أن الحوض مسيرة شهر).

٣٠٧
الفصل الثالث في أمور الآخرة
- كما قاله في فتح الباري - تدفع تأويل من جمع بين مختلف الأحاديث في تقدير
مسافة الحوض على اختلاف العرض والطول.
وفي حديث أبي سعيد عند ابن ماجه رفعه: إن لي حوضًا ما بين الكعبة
وبيت المقدس.
وفي حديث أبي برزة عند الطبراني وابن حبان في صحيحه: ما بين ناحيتي
حوضي كما بين أيلة وصنعاء، مسيرة شهر عرضه كطوله.
وفي حديث أنس - عند الشيخين - كما بين صنعاء والمدينة.
(وزاد مسلم من هذا الوجه) أي: الطريق الذي أخرجه منه البخاري (وزواياه) أي أركانه
(سواء) فهو مربع مستدير الأضلاع، لأن تساوي الزوايا يدل على تساوي الأضلاع.
قال بعضهم: وفيه دلالة على معرفته عَّ بسائر العلوم، لأن هذا من علم الهندسة
والتكسير والحساب، وهو كقوله في الآخر طوله وعرضه سواء، قاله عياض: قيل: كون زواياه
سواء لا يدل على تساوي الأضلاع لولا قوله (طوله كعرضه)، وعلى ذلك فميسرة الشهر لكل من
طوله وعرضه، قاله الأبي: (وهذه الزيادة كما قاله في فتح الباري تدفع تأويل من جمع بين
مختلف الأحاديث) التالية (في تقدير مسافة الحوض على اختلاف العرض والطول) فمسافة
شهر مثلاً محمولة على طوله وأنقص منه على عرضه.
(وفي حديث أبي سعيد عند ابن ماجه رفعه: أن لي حوضًا) طوله (ما بين الكعبة
وبيت المقدس، وفي حديث أبي برزة) بفتح الموحدة والزاي بينهما راء ساكنة واسمه نضلة
بفتح النون وسكون المعجمة ابن عبيد بضم العين (عند الطبراني وابن حبان في صحيحه)
والحاكم وصححه والبيهقي، قال: سمعت رسول اللّه عَّ يقول: (ما بين ناحيتي حوضي كما
بين أيلة وصنعاء) بفتح المهملتين بينهما نون ساكنة ممدود (مسيرة شهر عرضه كطوله) فصرح
بتساويهما، فلا يصح ذلك الجمع.
(وفي حديث أنس عند الشيخين) أنه عَ لِّ قال: إن قدر حوضي كما بين أيلة وصنعاء من
اليمن، هكذا لفظ حديث أنس عند الشيخين: وليس فيهما عنه (كما بين صنعاء والمدينة) وأيلة
بفتح الهمزة واللام بينهما تحتية ساكنة ثم هاء تأنيث مدينة كانت عامرة بطرف بحر
القلزم من طرف الشام، وهي الآن خراب يمر بها الحاج من مصر فتكون من شمالهم، ويمر
بها الحاج من غزة وغيرها فتكون أمامهم، واليها نسبت العقبة المشهورة عند أهل مصر،
قال الحافظ: وبين أيلة والمدينة النبوية نحو شهر، يسير الأثقال إن اقتصروا كل يوم على

٣٠٨
الفصل الثالث في أمور الآخرة
وفي حديث عتبة بن عبد السلمي عند ابن حبان في صحيحه كما بين
صنعاء إلى بصرى.
وفي حديث أبي أمامة عند الطبراني: ما بين عدن وعُمان - بضم المهملة
وتخفيف الميم - وقال ابن الأثير في النهاية في حديث الحوض: عرضه من مقامي
إلى عمَّان - هي بفتح العين وتشديد الميم - مدينة قديمة بالشام من أرض البلقاء،
فأما بالضم والتخفيف فهو صقع عند البحرين. انتهى.
مرحلة وإلاَّ فدون ذلك.
(وفي حديث عتبة) بضم المهملة وإسكان الفوقية (ابن عبد) بلا إضافة (السلمي) بضم
السين (عند ابن حبان في صحيحه) والبيهقي، قال: قام أعرابي إلى رسول اللّه عَّه، فقال: ما
حوضك الذي تحدث عنه، فقال: هو كـ (ـما بين صنعاء إلى بصرى) بضم الموحدة وسكون
المهملة بلد معروف بطرف الشام من جهة الحجاز.
(وفي حديث أبي أمامة عند الطبراني) مرفوعًا: حوضي كـ (ـما بين عدن) بفتح
المهملتين ونون بلد باليمن (وعمان بضم المهملة وتخفيف الميم) بلد على ساحل البحر من
جهة البحرین.
(وقال ابن الأثير في النهاية: في حديث الحوض عرضه من مقامي) محل إقامتي
المدينة (إلى عمان، هي بفتح العين وتشديد الميم مدينة قديمة بالشام من أرض البلقاء) بفتح.
الموحدة وسكون اللام فقاف وبالمد بلدة معروفة من فلسطين يقول فيها القائل:
في وجهه خالان لولاهما ما بت مفتونا بعمان
(فأما بالضم والتخفيف فهو صقع) بضم المهملة وإسكان القاف، أي: ناحية (عند
البحرين) بلفظ: تثنية بحر اسم لموضع (انتهى).
وفي الصحيحين عن ابن عمر مرفوعًا: أمامكم حوضي كما بين جربا وأذرح بفتح الجيم
والموحدة بينهما راء ساكنة والقصر.
قال عياض: جاءت في البخاري ممدودة، وقال الشريف اليونيني: رأيته في أصل مقروء
من رواية الحافظ أبي ذر والأصيلي بالقصر، وصوبه النووي، وقال المد: خطأ، لكن يؤيده قول
أبي عبيد البكري تأنيث أجرب وأذرح بفتح الهمزة وسكون المعجمة وضم الراء وحاء مهملة عند
الجمهور، وللعذري في مسلم بالجيم، قال عياض: وهو وهم قريتان بالشام بينهما مسيرة ثلاث
ليالٍ، قاله ابن الأثير وغلطه الصلاح العلائي، بل بينهما غلوة سهم وهما معروفتان بين القدس

٣٠٩
الفصل الثالث في أمور الآخرة
وهذه المسافات كلها متقاربة، وظن بعضهم أنه وقع اضطراب في ذلك،
وليس كذلك.
وأجاب النووي عن ذلك: بأنه ليس في ذكر المسافة القليلة ما يدفع
المسافة الكثيرة، فالأكثر ثابت بالحديث الصحيح فلا معارضة.
وحاصله يشير إلى أنه أخبر أولاً بالمسافة اليسيرة ثم أُعلم بالمسافة الطويلة
فأخبر بما كان الله تفضل عليه باتساعه شيئًا بعد شيء، فيكون الاعتماد على أطولها
مسافة.
فإن قلت: هل لكل نبي من الأنبياء غير نبينا نَّه حوض هناك يقوم عليه
والكرك، ولا يصح التقدير بالثلاث لمخالفة الروايات، لا سيما. وقد قال الحافظ: الضياء
المقدسي أن في سياق لفظها غلطًا لاختصار وقع من بعض الرواة، ثم ساقه بسند حسن عن أبي
هريرة مرفوعًا: فقال فيه عرضه مثل ما بينكم وبين جربا وأذرح.
قال الضياء: فظهر بهذا أنه وقع في حديث ابن عمر حذف تقديره كما بين مقامي وبين
جربا وأذرح فسقط مقامي وبين.
قال العلائي: ثبت المقدر المحذوف عند الدارقطني وغيره بلفظ: ما بين المدينة وجربا
وأذرح (وهذه المسافات كلها متقاربة) ترجع إلى شهر أو تزيد عليه قليلاً أو تنقص قليلاً (وظن
بعضهم؛ أنه وقع اضطراب في ذلك وليس كذلك) إذ ليس ذلك في حديث واحد حتى يكون
اضطرابًا، وإنما هو في أحاديث مختلفة عن غير واحد من الصحابة سمعوه في مواطن، فروى كل
واحد منهم ما سمع، واختلاف عبارته عَّ إنما هو بحسب ما سنح له من العبارة تقريبًا للإِفهام،
فذكر ما بين كل بلدين من البعد لا على التقدير المحقق لما بينهما، بل إعلام وكناية عن السعة،
قاله عياض: وهو جواب حسن.
(وأجاب النووي عن ذلك) بجواب آخر وكلاهما حسن (بأنه ليس في ذكر المسافة
القليلة ما يدفع المسافة الكثيرة فالأكثر ثابت بالحديث الصحيح. فلا معارضة) لأن الأقل
داخل في الأكثر (وحاصله يشير إلى أنه أخبر) بالبناء للمفعول (أولاً بالمسافة اليسيرة، ثم
أعلم) بالبناء للمفعول أيضًا: أي أخبره وأعلمه اللّه (بالمسافة الطويلة، فأخبر) عَّ (بما كان
تفضل اللّه عليه باتساعه شيئًا بعد شيء، فيكون الاعتماد على ما يدل على أطولها مسافة).
قال المصنف: ومنهم من حمله على السير المسرع والبطيء، لكن في حمله على أقلها
وهو الثلاث نظر، إذ هو عسر جدًا، لا سيما مع ما سبق واللّه الموفق.
(فإن قلت: هل لكل نبي من الأنبياء غير نبينا عَِّ حوض هناك) في الموقف (يقوم

٣١٠
الفصل الثالث في أمور الآخرة
کنبینا؟
فالجواب: أنه اشتهر اختصاص نبينا عَّه بالحوض. قال القرطبي في
(المفهم)) مما يجب على كل مكلف أن يعلمه ويصدق به، أنه تعالى قد خص
نبيه محمدًا عَّه بالحوض المصرح باسمه وصفته وشرابه في الأحاديث الصحيحة
الشهيرة التي يحصل بمجموعها العلم القطعي، إذ روى ذلك عنه عَّه من الصحابة
نيف على الثلاثين، منهم في الصحيحين ما ينيف على العشرين، وفي غيرهما بقية
ذلك، كما صح نقله واشتهرت رواته، ثم رواه عن الصحابة المذكورين من التابعين
أمثالهم، ومن بعدهم أضعاف أضعافهم وهلم جرًا، واجتمع على إثباته السلف وأهل
السنة من الخلف. انتهى.
لكن أخرج الترمذي من حديث سمرة رفعه: ((إن لكل نبي حوضًا)) وأشار
عليه كنبينا؟، فالجواب أنه اشتهر اختصاص نبينا عليه السلام بالحوض).
(قال القرطبي في المفهم: مما يجب على كل مكلف أن يعلمه ويصدق به أن اللّه
تعالى قد خص نبيه محمدًاً عَّ بالحوض المصرح باسمه، وصفته وشرابه في الأحاديث
الصحيحة الشهيرة التي يحصل بمجموعها العلم القطعي).
قال الأبي: ظاهره أن الإِيمان به من قواعد العقائد التي يجب تقريرها لمن أسلم، ولم يذكر
ذلك الموثوق بهم في تقريره ذلك لمن أسلم (إذ روي ذلك عنه عٍَّ من الصحابة نيف على
الثلاثين منهم في الصحيحين ما يزيد على العشرين) ففي البخاري: تسعة عشر، وفي مسلم:
سبعة عشر، لكنهما اتفقا على أكثرها، فلذا كان ما فيهما يزيد على عشرين (وفي غيرهما: بقية
ذلك) الزائد على ثلاثين، وقد أوصلهم الحافظ إلى ست وخمسين، والسيوطي في البدور إلى
ثمانٍ وخمسين ذاكرًا لفظ كل واحد.
(كما صح نقله واشتهرت رواته) وأحاديثهم بعضها في مطلق ذكر الحوض وبعضها في
صفته وبعضها فيمن يرد عليه وبعضها فيمن يدفع عنه، وبلغني أن بعض المتأخرين أوصلها إلى
ثمانين صحابيًا، قاله الحافظ (ثم رواه عن الصحابة المذكورين من التابعين أمثالهم ومن بعدهم
أضعاف أضعافهم وهلم جرا) إشارة إلى أن تواتره من أوله إلى آخره (واجتمع على إثباته
السلف وأهل السنة من الخلف. انتهى).
لكن أخرج الترمذي من حديث سمرة) بن جندب (رفعه: إن لكل نبي حوضًا) على
قدر رتبته وأمته، والمتبادر أنه حوض حقيقي، وجوز الطيبي حمله على المجاز ويراد به العلم

٣١١
الفصل الثالث في أمور الآخرة
إلى أنه اختلف في وصله وإرساله، وأن المرسل أصح، والمرسل أخرجه ابن أبي
الدنيا بسند صحيح عن الحسن قال: قال رسول الله عَّله: ((إن لكل نبي حوضًا،
وهو قائم على حوضه بيده عصا يدعو من عرف من أمته، ألا وإنهم يتباهون أيهم
أكثر تبعًا، وإني لأرجو أن أكون أكثرهم تبعًا).
وأخرجه الطبراني من وجه آخر عن سمرة موصولاً مرفوعًا مثله، وفي سنده
لین.
والهدی ونحوه. انتھی وفيه نظر.
وقال الحكيم الترمذي: الحياض يوم القيامة للرسل لكل على قدره وقدر تبعه وهو شيء يلطف
اللّه به عباده، فإنهم تخلصوا من مرارة الموت وطالت مدتهم في اللح ورأوا أو الهول العظيم وغوث
اللّه للموحدين مترادف أغاثهم يوم ﴿ألست بربكم﴾ فأثبت أسماءهم بالولاية ونقلهم في الأصلاب
حتی آواهم إلى آخر قالب، ثم أنزلهم إلى الدنیا فرباهم وهداهم و کلاهم وختم لهم بما ابتلاهم به من
الموت المر وحبسهم مع البلاء الطويل، ثم أنشرهم إلى موقف عظيم، فمن غوثه أن جعل الرسول الذي
أجابه فرطًا قد هيأ لهم مشربًا يروى منه فلا يظمأ بعدها أبدًا. انتهى.
وبقية هذا الحديث في الترمذي وأنهم يتباهون أيهم أكثر واردة وإني أرجو أن أكون
أكثرهم واردة (وأشار) الترمذي (إلى أنه اختلف) أي اختلفت رواته (في وصله وإرساله وأن
المرسل) أي رواية من أرسله (أُصح) من رواية من وصله (والمرسل).
(أخرجه ابن أبي الدنيا بسند صحيح عن الحسن) البصري (قال: قال رسول اللّه عَّ.
أن لكل نبي حوضًا وهو قائم على حوضه) ظاهره حتى صالح، وقال البكري المعروف بابن
الواسطي: إلا صالحًا فإن حوضه ضرع ناقته.
قال القرطبي: ولم أقف على ما يدل عليه أو يشهد له (بيده عصا يدعو من عرف من
أمته) ظاهره أن المراد بالأنبياء الرسل الذين لهم شرائع وأمم، وبه صرح الحكيم كما علم
ويحتمل عمومه وإن لم يكن رسولاً على ظاهر قوله: نبي ويكون الدعاء والتباهي للرسل ولا مانع
من ذلك (ألا) بالفتح والتخفيف (وأنهم يتباهون أيهم أكثر تبعًا، ألا وإني لأرجو) ورجاؤه
محقق الوقوع (أن أكون أكثرهم تبعًا).
وفي رواية الترمذي: واردة كما مر، أي: أمة واردة على الحوض، ولابن أبي عاصم عن
أبي أمامة مرفوعًا: أن الأنبياء مكاثرون يوم القيامة فلا تخزوني، فإني جالس لكم على الحوض.
(وأخرجه الطبراني من وجه) أي: طريق (آخر عن سمرة موصولاً مرفوعًا مثله وفي
سنده لين) أي: ضعف محتمل (وأخرجه ابن أبي الدنيا من حديث أبي سعيد رفعه: كل نبي

٣١٢
الفصل الثالث في أمور الآخرة
وأخرج ابن أبي الدنيا أيضًا من حديث أبي سعيد رفعه: ((وكل نبي يدعو
أمته، ولكل نبي حوض، فمنهم من يأتيه الفئام، ومنهم من يأتيه العصبة، ومنهم من
يأتيه الواحد، ومنهم من يأتيه الاثنان، ومنهم من لا يأتيه أحد، وإني لأكثر الأنبياء
تبعًا يوم القيامة))، وفي إسناده لين.
فإن ثبت، فالمختص بنبينا عَّله الكوثر الذي يصب من مائه في حوضه، فإنه
لم ينقل نظيره لغيره، ووقع الامتنان عليه به في سورة ﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾ انتهى
ملخصًا من فتح الباري.
و «الفئام)) كما في الصحاح، الجماعة من الناس، لا واحد له من لفظه،
والعامة تقول «فيام)) بلا همز.
وفي رواية مسلم من حديث أبي هريرة رفعه، قال: ((ترد عليَّ أمتي الحوض، وأنا
أذود الناس عنه كما يذود الرجل عن إبله))، قالوا: يا رسول الله، تعرفنا؟ قال: نعم، لكم
سيما ليست لأحد غيركم، تردون علي غرا محجلين من آثار الوضوء)).
يدعو أمته ولكل نبي حوض، فمنهم من يأتيه الفئام) بكسر الفاء والهمز (ومنهم من يأتيه
العصبة) أي: أقاربه (ومنهم من يأتيه الواحد، ومنهم من يأتيه الإثنان، ومنهم من لا يأتيه أحد
وإني لأكثر الأنبياء تبعًا يوم القيامة وفي إسناده لين، فإن ثبت) أي: كان حسنًا أو صحيحًا
في نفس الأمر (فالمختص بنبينا عَّةِ الكوثر الذي يصب من مائه في حوضه، فإنه لم ينقل
نظيره لغيره ووقع الامتنان عليه به في سورة: (﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾) [الكوثر/ ١]. (انتهى
ملخصًا من فتح الباري) ويختص أيضًا بأن حوضه أعرض الحياض كما في الخصائص
(والفئام) بالفاء (كما في الصحاح: الجماعة من الناس لا واحد له من لفظه والعامة تقول فيام
بلا همز).
(وفي رواية مسلم من حديث أبي هريرة رفعه، قال: ترد عليّ أمتي الحوض وأنا
أذود) بمعجمه، ثم مهملة أطرد (الناس عنه كما يذود الرجل عن إبله) وفي رواية: وإني لأصد
الناس عنه كما يصد الرجل إبل الناس عن حوضه (قالوا: يا رسول اللّه تعرفنا) يومئذٍ بتقدير همزة
الاستفهام (قال: نعم لكم، سيما) بكسر فسكون، أي: علامة (ليست لأحد) من الأمم (غير كم،
تردون) الحوض (عليّ غرا) بضم المعجمة والتشديد جمع أغر، أي: ذي غرة بياض في جبهة
الفرس فوق درهم، ثم استعملت في الجمال وطيب الذكر شبه به نورهم في الآخرة (محجلين)
من التحجيل بياض في قوائم الفرس أو في ثلاث منها أو في غيره، قل: أو كثر بعد ما يجاوز

٣١٣
الفصل الثالث في أمور الآخرة
قالوا: والحكمة في الذود المذكور، أنه عَِّ يريد أن يرشد كل أحد إلى
حوض نبيه، كما تقدم ((إن لكل نبي حوضًا))، فيكون هذا من جملة إنصافه عُ
ورعاية إخوانه من النبيين، لا أنه يطردهم بخلاً عليهم بالماء، ويحتمل أن يكون
بطرد من لا يستحق الشرب من الحوض. والله أعلم.
وفي حديث أنس أنه معَ ◌ّه قال: ((لحوضي أربعة أركان، الأول بيد أبي بكر
الصديق، والثاني بيد عمر الفاروق، والثالث بيد عثمان ذي النورين، والرابع بيد
علي بن أبي طالب. فمن كان محبًا لأبي بكر مبغضاً لعمر لا يسقيه أبو بكر، ومن
كان محبًا لعلي مبغضًا لعثمان لا يسقيه علي)). رواه أبو سعد في («شرف النبوة))
والغيلاني والله أعلم.
الإِرساغ ولا يجاوز الركبتين (من آثار الوضوء) بضم الواو ويجوز فتحها، وظاهره أن هذه السيما
إنما تكون لمن توضأ بالفعل، أما من لم يتوضأ فلا يحصلان له كما جزم به شيخ الإِسلام على
البخاري خلافًا للزناتي وتقدم الرد عليه في الخصائص (قالوا: والحكمة في الذود أنه عَبية.
يريد أن يرشد كل أحد إلى حوض نبيه، كما تقدم أن لكل نبي حوضًا) وهذا ظاهر فيمن
بلغتهم دعوته وعملوا بشرعه، أما أهل الفترات فعلم حالهم في الشرب عند اللّه (فيكون هذا من
جملة إنصافه عليه السلام ورعاية إخوانه من النبيين، لا أنه يطردهم بخلا عليهم) بالماء
حاشاه من ذلك (ويحتمل أن يكون يطرد من لا يستحق الشرب من الحوض واللّه أعلم)
بحقيقة ذلك.
(وفي حديث أنس أنه عَّه قال: ((لحوضي أربعة أركان: الأول بيد أبي بكر الصديق
والثاني بيد عمر الفاروق والثالث بيد عثمن ذي النورين) بنتي النبي عَّ. (والرابع بيد
علي بن أبي طالب، فمن كان محبًا لأبي بكر مبغضًا لعمر لا يسقيه أبو بكر) بسبب بغضه
لعمر ولا يلتفت إلى كونه محبًا له (ومن كان محبًا لعلي مبغضًا لعثمن لا يسقيه علي))) وكذا
عکسه.
(رواه أبو سعد) بسكون العين النيسابوري (في) كتاب (شرف النبوة والغيلاني) بغين
معجمة أبو طالب بن غيلان، ولا يعارض هذا قوله عَّ: علي بن أبي طالب صاحب حوضي يوم
القيامة.
أخرجه الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة وجابر، وأخرج ابن أبي عاصم في السنة عن
الحسن بن علي أنه قال لمعوية: أنت الساب لعلي، أما واللّه لتردن عليه الحوض وما أراك ترد

٣١٤
الفصل الثالث في أمور الآخرة
وأما تفضيله عَ لِّ بالشفاعة والمقام المحمود فقد قال تعالى: ﴿عسى أن
يبعثك ربك مقامًا محمودًا﴾. اتفق المفسرون على أن كلمة ((عسى)) من الله
واجب، قال أهل المعاني: لأن لفظة((عسى)) تفيد الإطماع، ومن أطمع إنسانًا في
شيء ثم أحرمه كان عارًا، والله تعالى أكرم من أن يطمع أحدًا في شيء ثم لا
يعطيه ذلك.
وقد اختلف في تفسير المقام المحمود على أقوال:
أحدها: أنه الشفاعة. قال الواحدي: أجمع المفسرون على أنه مقام الشفاعة
كما قال عَّله في هذه الآية: هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي.
وقال الإمام ابن الخطيب: اللفظ مشعر بذلك، لأن الإنسان إنما يصير
محمودًا إذا حمده حامد، والحمد إنما يكون على الإنعام، فهذا المقام المحمود
يجب أن يكون مقامًا أنعم فيه رسول الله عَّله على قوم فحمدوه على ذلك الإنعام،
فتجده مشمر الأزار على ساق يذود عنه لا يأتي المنافقون ذود غريبة الإِبل قول الصادق
المصدوق، وقد خاب من افترى نقلهما في البدور (وأما تفضيله عَّ بالشفاعة والمقام
المحمود) عطف مغاير، لأنه محل يقوم فيه للشفاعة يحتوي عليها، فلا ينافي المشهور أنه
الشفاعة، لأن المضاف غير المضاف إليه، فهو يقوم مقامًا محمودًا للشفاعة (فقد قال تعالى:)
﴿ومن الليل فتهجد به نافلة لك (عسى أن يبعثك ربك مقامًا محمودًا﴾﴾ [الإسراء/ ٧٩]، (اتفق
المفسرون على أن كلمة عسى) وسائر صيغ الترجي الواقعة (من اللّه) تعالى أمر (واجب)
ثابت محقق الوقوع، وأن مدلولها من الترجي ليس مرادًا في حقه تعالى.
(قال أهل المعاني: لأن لفظة عسى تفيد الأطماع، ومن أطمع إنسانًا في شيء
ثم أحرمه كان عارًا) عرفًا يلام عليه (واللّه تعالى: أكرم من أن يطمع أحدًا في شىء ثم
لا يعطيه ذلك) كيف وقد قال تعالى: ﴿وربك الأكرم﴾ [العلق/٣]، وقال عَّ: الأجود الله
(وقد اختلف في تفسير المقام المحمود على أقوال: أحدها أنه الشفاعة، قال الواحدي) أبو
الحسن علي تلميذ الثعالبي: (أجمع المفسرون على أنه مقام الشفاعة، كما قال عٍَّ في)
تفسير (هذه الآية: هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي، وقال الإِمام) فخر الدين الرازي (ابن
الخطيب:) بالري بلدة كان أبوه خطيبًا بها (اللفط مشعر بذلك، لأن الإنسان إنما يصير
محمودًا إذا حمده حامد، والحمد إنما يكون على الأنعام، فهذا المقام المحمود يجب أن
يكون مقامًا أنعم فيه رسول اللّه عٍَّ على قوم، فحمدوه على ذلك الأنعام) وهو الشفاعة

٣١٥
الفصل الثالث في أمور الآخرة
وذلك الإنعام لا يجوز أن يكون هو تبليغ الدين وتعليمهم الشرع لأن ذلك كان
حاصلاً في الحال. وقوله: ﴿عسى أن يبعثك ربك مقامًا محمودًا﴾ يدل على أنه
يحصل للنبي عليه في ذلك المقام حمد بالغ عظيم كامل، ومن المعلوم أن حمد
الإنسان على سعيه في التخلص عن العقاب أعظم من سعيه في زيادة من الثواب
لا حاجة به إليها، لأن احتياج الإنسان في دفع الآلام العظيمة عن النفس فوق
احتياجه إلى تحصيل المنافع الزائدة التي لا حاجة إلى تحصيلها.
وإذا ثبت هذا وجب أن يكون المراد من قوله: ﴿عسى أن يبعثك ربك
مقامًا محمودًا﴾ هو الشفاعة في إسقاط العقاب على ما هو مذهب أهل السنة.
ولما ثبت أن لفظ الآية مشعر بهذا المعنى إشعارًا قويًا، ثم وردت الأخبار
الصحيحة في تقرير هذا المعنى كما في البخاري من حديث ابن عمر قال: سئل
رسول الله عٍَّ عن المقام المحمود فقال: هو الشفاعة. وفيه أيضًا عنه قال: قال
رسول الله عَّه: ((إن الناس يصيرون يوم القيامة بُثَّى كل أمة تتبع نبيها يقولون: يا
فيهم (وذلك الأنعام لا يجوز أن يكون هو تبليغ الدين وتعليمهم الشرع، لأن ذلك كان حاصلاً
في الحال) أي: وقت نزول الآية عليه في الدنيا (وقوله تعالى: ﴿عسى أن يبعثك ربك مقامًا
محمودًا﴾، يدل على أنه يحصل للنبي عَّه في ذلك المقام حمد بالغ عظيم كامل) لأن
مدلولها الوعد بأمر مستقبل (ومن المعلوم أن حمد الإِنسان على سعيه في التخلص عن
العقاب أعظم من سعيه في زيادة من الثواب ولا حاجة به إليها) الواو للحال، وفي نسخة:
بلا واو على أن الجملة صفة والنسختان بمعنى: لأن الحال وصف في المعنى (لأن احتياج
الإِنسان في دفع الآلام العظيمة عن النفس فوق احتياجه إلى تحصيل المنافع الزائدة التي
لا حاجة إلى تحصيلها، وإذا ثبت هذا وجب أن يكون المراد من قوله: ﴿عسى أن يبعثك
ربك مقامًا محمودًا﴾، هو الشفاعة في إسقاط العذاب على ما هو مذهب أهل السنّة،
(و) جب أيضًا ذلك (لما) أي: لأجل ما (ثبت أن لفظ الآية مشعر بذلك إشعارًا قويًا) من جهة
أنها وعد بشيء يحصل في المستقبل كما قدمه (ثم وردت الأخبار الصحيحة في تقرير هذا
المعنى) أي: إثباته (كما في البخاري من حديث ابن عمر، قال: سئل رسول اللّه عَلّ عن
المقام المحمود، فقال: هو الشفاعة).
(وفيه) أي: البخاري أيضًا (عنه) أي: ابن عمر (قال: قال رسول اللّه عَّ: إن الناس
يصيرون يوم القيامة جثى) بضم الجيم وفتح المثلثة المخففة منونًا مقصورًا، قال الحافظ: جمع

٣١٦
الفصل الثالث في أمور الآخرة
فلان اشفع لنا، حتى تنتهي الشفاعة إلي فذلك المقام المحمود)).
فإذا ثبت هذا، فيجب حمل اللفظ عليه قال: ومما يؤكد هذا، الدعاء
المشهور: وابعثه مقامًا محمودًا يغبطه فيه الأولون والآخرون.
ونصب قوله ((مقامًا)) على الظرفية، أي وابعثه يوم القيامة فأقمه مقامًا
محمودًا، أو على أنه مفعول به، وضمن معنى ((ابعثه)) معنِى ((أقمه))، ويجوز أن
يكون حالاً بعد حال، أي: ابعثه ذا مقام. قال الطيبي: وإنما نكّره لأنه أفخم وأجزل،
أي مقامًا محمودًا بكل لسان. وقول النووي: ((إن الرواية ثبتت بالتنكير، وأنه كأنه
جثوة كخطوة وخطى، وحكى ابن الأثير؛ أنه روي بكسر المثلثة وشد التحتية جمع جاث وهو
الذي يجلس على ركبتيه.
وقال ابن الجوزي عن ابن الخشاب: إنما هو جثا: بفتح المثلثة وتشديدها جمع جاثٍ مثل
غاز وغزا، أي: جماعات (كل أمة تتبع نبيها يقولون: يا فلان اشفع لنا).
زاد الحافظ أبو ذر: يا فلان إشفع لنا (حتى تنتهي الشفاعة إلى) لفظ البخاري إلى
النبي ◌َّه، زاد في رواية: معلقة عنده في الزكاة فيشفع ليقضي بين الخلق (فذلك المقام
المحمود) لفظ البخاري: فذلك يوم يبعثه اللّه المقام المحمود، فهذا ثابت من لفظ الحديث،
فلا يكون جوابًا لما في قول الرازي ولما ثبت كما زعم، وإنما هي لما بالكسر والتخفيف كما
قدمه (فإذا ثبت هذا وجب حمل اللفظ عليه، قال) ابن الخطيب: (ومما يؤكد) وفي نسخة:
يؤيد ومعناهما واحد (هذا) القول أن المراد الشفاعة (الدعاء المشهور) في الحديث المرفوع:
من قال حين يسمع النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آتٍ محمدًا الوسيلة
والفضيلة (وابعثه مقامًا محمودًا) الذي وعدته حلت له شفاعتي يوم القيامة (يغبطه فيه الأولون
والآخرون) تقدم أن المراد يستحسنه تجريدًا للغبطة عن بعض معناها، لأنها تمني مثل ما للغير من
غیر زواله عنه، ولیس أحد يتمنى ذلك يومئذٍ لعلمهم أنه خاص به.
(ونصب قوله: مقامًا على الظرفية، أي) وهو (وابعثه يوم القيامة فأقمه مقامًا محمودًا،
"أو على أنه مفعول به، وضمن) بالبناء للمفعول أو الفاعل (معنى ابعثه معنى أقمه) والأولى أنه
·مفعول مطلق (ويجوز أن يكون حالاً بعد حال، أي: ابعثه ذا مقام) عظيم.
(قال الطيبي: وإنما نكره لأنه أفخم وأجزل) أي: أعظم كأنه قيل: مقامًا، وأي مقام (أي
مقامًا محمودًا بكل لسان) تكل عن أوصافه ألسنة الحامدين ويشرف على جميع العالمين.
(وقول النووي؛ أن الرواية) في الحديث المعبر عنه أولاً بالدعاء المشهور وابعثه مقاماً

٣١٧
الفصل الثالث في أمور الآخرة
حكاية للفظ القرآن)) متعقب بأنه جاء في هذه الرواية بعينها بالتعريف عند
النسائي.
قال ابن الجوزي: الأكثر على أن المراد بالمقام المحمود الشفاعة، وادعى
الإمام فخر الدين الاتفاق عليه.
القول الثاني: قال حذيفة: يجمع الله الناس في صعيد واحد، فلا تكلم
نفس، فأول مدعو محمد عَّم فيقول: ((لبيك وسعديك والخير في يديك، والشر
ليس إليك، والمهتدى من هديت، وعبدك بين يديك، وبك وإليك، ولا ملجأ منك
إلا إليك، تباركت وتعاليت، سبحانك رب البيت))، قال: ((فهذا هو المراد من قوله
محمودًا (ثبتت بالتنكير، وأنه كأنه حكاية للفظ القرءان متعقب بأنه جاء في هذه الرواية بعينها
بالتعريف عند النسائي) بلفظ: المقام المحمود، فالحدیث یروی بالوجیهن.
(قال ابن الجوزي: الأكثر على أن المراد بالمقام المحمود الشفاعة) العظمى في
فصل الفضاء (وادعى الإِمام فخر الدين) الرازي (الاتفاق عليه) ولعله أراد اتفاق المفسرين كما
تقدم عن الواحدي أجمع عليه المفسرون، (والثاني قال حذيفة) بن اليمان: (يجمع اللّه الناس في
صعيد واحد فلا تكلم) بحذف إحدى التاءين والأصل، فلا تتكلم (نفس) بما ينفع وينجي من
جواب أو شفاعة إلا بإذن اللّه، كقوله: ﴿لا يتكلمون إلاّ من أذن له الرحمن﴾ [النبأ/ ٣٨]، وهذا
في موقف وقوله تعالى: ﴿هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون﴾ [المرسلات/ ٣٦]، في
موقف آخر أو المأذونون فيه هي الجوابات الحقة والممنوع منه هي الأعذار الباطلة.
قاله البيضاوي: (فأول مدعو محمد عَّ، فيقول: لبيك) إجابة لك بعد إجابة
(وسعديك) مساعدة بعد مساعدة وهما من المصادر التي لا تستعمل إلا مضافة مثناة (والخير
في يديك والشر ليس إليك) أي: لا يضاف إليك مخاطبة ونسبة تأدبًا، لأنه وإن كان بقضائه
وقدره وخلقه لكن لا يحبه ولا يرضاه بخلاف الخير فإنه بتقديره وإرادته ورضاه ومحبته جميعًا،
فبالنظر إلى جانب المحبة والرضا يضاف إليه الخير، كما قال: بيدك الخير، وبالنظر إلى القدرة
والخلق والإرادة يضاف إليه، كلاهما كما قال سبحانه: ﴿قل كل من عند الله﴾، (والمهدي)
كذا في نسخ صحيحة، وفي بعضها المهتدى بزيادة تاء والمذكور في الفتح المهدى بلا تاء
(من هديت وعبدك بين يديك).
وفي رواية النسائي: عبدك وابن عبدك لك (وبك) متمسك (وإليك) راجع (ولا ملجأ)
باللام ولا منجا بالنون (منك) لأحد (إلا إليك).

٣١٨
الفصل الثالث في أمور الآخرة
تعالى: ﴿عسى أن يبعثك ربك مقامًا محمودًا﴾)) رواه الطبراني وقال ابن منده:
حديث مجمع على صحة إسناده وثقة رجاله.
قال الرازي: والقول الأول أولى، لأن سعيه في الشفاعة يفيد إقدام الناس
على حمده فيصير محمودًا، وأما ما ذكر من الدعاء فلا يفيد إلا الثواب، أما
الحمد فلا.
فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: أنه تعالى يحمده على هذا القول؟
فالجواب: لأن الحمد في اللغة مختص بالثناء المذكور في مقابلة الإنعام فقط، فإن
ورد لفظ ((الحمد)) في غير هذا المعنى فعلى سبيل المجاز.
القول الثالث: مقام تحمد عاقبته، قال الإمام الدين: وهذا أيضاً ضعيف
للوجه الذي ذكرنا.
القول الرابع، قيل: هو إجلاسه عَّه على العرش وقيل على الكرسي، روي
هكذا الرواية بالجمع بينهما كما في الفتح، فسقطت الثانية من قلم المصنف أو نساخه
(تباركت) تعاظمت (وتعاليت) عما يتوهمه الأوهام ويتصوره العقول (سبحانك رب البيت)))
أي: يا رب البيت (قال) حذيفة: (فهذا هو المراد من قوله تعالى: (﴿عسى أن يبعثك ربك
مقامًا محمودًا﴾) [الإِسراء/ ٧٩] الآية.
(رواه الطبراني) والنسائي بإسناد صحيح، وصححه الحاكم كما في الفتح، فالعزو للنسائي
أولى، إذ ليس في رواية الطبراني زيادة عليه سوى قوله: سبحانك رب البيت، قال الحافظ:
ولا منافاة بينه وبين حديث ابن عمر، لأن هذا الكلام كأنه مقدمة للشفاعة (قال ابن منده:
حديث مجمع على صحة إسناده وثقة رجاله، قال الرازي: والقول الأول) إنه الشفاعة (أولى،
لأن سعيه في الشفاعة يفيد إقدام الناس على حمده فيصير محمودًا، وأما ما ذكر من
الدعاء فلا يفيد إلاَّ الثواب، أما الحمد فلا) لكن لما كان مقدمة للشفاعة كما ترجاه الحافظ
صار كأنه سعی فيها.
(فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال إنه تعالى يحمده على هذا القول) فيبطل قولك، أما
الحمد فلا (فالجواب: أن الحمد في اللغة مختص بالثناء المذكور في مقابلة الأنعام فقط)
واللّه تعالى المنعم (فإن ورد لفظ الحمد في غير هذا المعنى فعلى سبيل المجاز) وقولي:
أما الحمد فلا مبني على الحقيقة (القول الثالث: مقام تحمد عاقبته، قال الإِمام فخر الدين:
وهذا أيضًا ضعيف للوجه الذي ذكرناه) يعني قوله: لأن سعيه في الشفاعة ... الخ.
(القول الرابع، قيل: هو إجلاسه عليه السلام على العرش) حملاً للمقام على أنه مصدر

٣١٩
الفصل الثالث في أمور الآخرة
عن ابن مسعود أنه قال: يقعد الله تعالى محمدًا عَّ الله على العرش، وعن مجاهد أنه
قال: يجلسه معه على العرش.
قال الواحدي: وهذا قول رذٍ موحش فظيع، ونص الكتاب ينادي بفساد هذا
التفسير، ويدل عليه وجوه.
الأول: أن البعث ضد الإجلاس، يقال: بعثت البارك والقاعد فانبعث، ويقال
بعث الله الميت أي أقامه من قبره، فتفسير البعث بالإجلاس تفسير الضد بالضد
وهو فاسد.
والثاني: يوجب أنه تعالى لو كان جالسًا على العرش بحيث يجلس عنده
. لكان محدودًا متناهيًا، ومن كان كذلك فهو محدث تعالى الله علوًا
ـَ اللّه
کبیرًا.
والثالث: أنه تعالى قال: ﴿مقامًا محمودًا﴾ ولم يقل مقعدًا، والمقام موضع"
ميمي لا اسم مكان (وقيل: على الكرسي) بناء على أنه غير العرش وهو الصحيح.
(وروى) عند الثعلبي (عن ابن مسعود أنه قال يقعد) بضم أوله (اللّه تعالى محمدًا عَّه
على العرش) وهذا له حكم الرفع، إذ لا دخل للرأي فيه وابن مسعود ليس ممن يأخذ عن أهل
الکتاب.
(وعن مجاهد أنه قال: يجلسه) اللّه (معه على العرش)، أخرجه عنه عبد بن حميد وغيره
(قال الواحدي: وهذا قول رذل) بذال معجمة، أي رديء (موحش) منفر (فظيع) متجاوز الحد
في القبح (ونص الكتاب) أي: قوله ﴿عسى أن يبعثا ربك مقامًا محمودًا﴾ (ينادي بفساد هذا
التفسير، ويدل عليه) على فساده (وجوه).
(الأول: أن البعث ضد الإجلاس، يقال: بعثت البارك والقاعد فانبعث، ويقال: بعث اللّه
الميت أي أقامه من قبره، فتفسير البعث بالإجلاس تفسير الضد بالضد وهو فاسد) على هذا
إن كان مقصورًا على ما زعمه وإلا فقد قال الفارابي: بعثه إذا أُهبه وبعث به وجهه، وقال
الجوهري: بعثه وابتعثه بمعنى، أي: أرسله، فالمعنى على هذا عسى أن يرسلك مقامًا تجلس فيه
على الكرسي أو العرش على هذا القول.
(والثاني: يوجب أنه تعالى لو كان جالسًا على العرش بحيث يجلس عنده محمد عَّ﴾.
لكان محدودًا متناهيًا، ومن كان كذلك فهو محدث تعالى اللّه علوًا كبيرًا) ويأتي رد هذا.
(والثالث: أنه تعالى قال: مقامًا محمودًا ولم يقل مقعدًا، والمقام موضع القيام

٣٢٠
الفصل الثالث في أمور الآخرة
القيام، لا موضع القعود.
الرابع: إذا قيل: السلطان بعث فلانًا، فهم منه أنه أرسله إلى قوم الإصلاح
مهماتهم، ولا يفهم منه أنه أجلسه مع نفسه، فثبت أن هذا القول ساقط، لا يميل
إليه إلا قليل العقل عديم الدين، انتهى.
وتعقب القول الثاني: بأنه تعالى يجلس على العرش كما أُحبر جل وعلا عن
نفسه المقدسة بلا كيف، وليس إقعاد محمد علّه على العرش موجبًا له صفة
الربوبية، أو مخرجًا له عن صفة العبودية، بل هو رفع لمحله وتشريف له على
خلقه، وأما قوله ((معه)) فهو بمنزلة قوله تعالى: ﴿إن الذين عند ربك) وقوله: ﴿رب
ابن لي عندك بيثًا في الجنة﴾ فكل هذا ونحوه عائد على الرتبة والمنزلة
والحظوة والدرجة الرفيعة، لا إلى المكان.
وقال شيخ الإسلام أبو الفضل السعقلاني: قول مجاهد ((يجلسه معه على
لا موضع القعود) وأجيب بأنه يصح على أن المقام مصدر ميمي لا اسم مكان.
(والرابع: إذا قيل السلطان بعث فلانًا، فهم منه أنه أرسله إلى قوم لإصلاح مهماتهم،
ولا يفهم منه أنه أجلسه مع نفسه) وهذا مردود بأن هذا عادة يجوز تخلفها على أن أحوال
الآخرة لا تقاس على أحوال الدنيا (فثبت أن هذا القول ساقط لا يميل إليه إلاَّ قليل) أي: ناقص
(العقل عديم الدين) فاقده أصلاً وهذا مجازفة في الكلام لا تليق بطالب فضلاً عن عالم بعد
ثبوت القول عن تابعي جليل، ووجد مثله عن صحابيين ابن عباس وابن مسعود كما يأتي.
(انتهى) كلام الواحدي (وتعقب القول) أي الوجه (الثاني) من الأوجه الأربعة التي رد بها
القول الرابع؛ (بأنه تعالى يجلس على العرش كما أخبر جل وعلا عن نفسه المقدسة) بقوله:
﴿ثم استوى على العرش﴾ ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ [طه/٥]، (بلا كيف وليس إقعاد
محمد عَّ على العرش موجبًا له صفة الربوبية) بل كإجلاس الملك على سريره من يعظمه
ولا يوجب له صفة الملك (أو محرجًا له عن صفة العبودية بل هو رفع لمحله وتشريف له على خلقه،
وأما قوله معه فهو بمنزلة قوله تعالى: ﴿إِن الذين عند ربك﴾) أي: الملائكة (وقوله: ﴿رب ابن لي عندك
بيتًا في الجنة﴾) [التحريم/١١].
فالعندية فيهما للتشريف، فكذلك المعية فيما نحن فيه (فكل هذا ونحوه عائد على
الرتبة والمنزلة والحظوة) بضم الحاء وكسرها (والدرجة الرفيعة لا إلى المكان) حتى يلزم
منه التناهي وأنه محدود.
(وقال شيخ الإسلام أبو الفضل العسقلاني: قول مجاهد يجلسه معه على العرش ليس