Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦١ الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف وعنده أيضًا: أن ابن عمر كان يأتيه كل سبت ويقول رأيت النبي عَّه يأتيه کل سبت. وعند الترمذي وابن ماجة والبيهقي من حديث أسيد بن ظُهَير الأنصاري، يرفعه: ((صلاة في مسجد قباء كعمرة))، قال الترمذي حسن غريب. وقال المنذري: قال ابن عبد البر: اختلف في سبب إتيانه، فقيل: لزيارة الأنصار، وقيل: للتفرج في بساتينه، وقيل: للصلاة في مسجده وهو الأشبه، قال: ولا يعارضه حديث لا تعمل المطي إلاّ لثلاثة مساجد، لأن معناه عند العلماء للنذر، فإذا نذر أحد الثلاثة لزمه، أما إتيان مسجد قباء أو غيره تطوعًا بلا نذر فيجوز. وقال الباجي: ليس إتيان مسجد قباء من المدينة من أعمال المطي لأنه من صفات الأسفار البعيدة، ولا يقال لمن خرج من داره إلى المسجد راكبًا أنه أعمل المطي ولا خلاف في جواز ركوبه إلى مسجد قريب منه في جمعه أو غيرها، ولو أتى أحد إلى قباء من بلد بعيد لارتكب النهي (وعنده) أي مسلم (أيضًا) وكذا البخاري (أن ابن عمر كان يأتيه كل سبت ويقول: رأيت النبي عَّه يأتيه كل سبت) خصه لأجل مواصلته لأهل قباء، وتفقده لحال من تأخره منهم عن حضور الجمعة معه عَّ في مسجده بالمدينة، قاله الحافظ وغيره. وقال الزين العراقي: ومن حكمته أنه كان يوم السبت يتفرغ لنفسه ويشتغل بقية الجمعة من أول الأحد بمصالح الأمة ... اهـ. ومن حكمته أيضًا إرغام اليهود وإظهار مخالفتهم في ملازمة بيوتهم (وعند الترمذي وابن ماجه والبيهقي) وشيخه الحاكم (من حديث أسيد) بضم الهمزة وفتح المهملة (ابن ظهير) بضم الظاء المعجمة المشالة وفتح الهاء ابن رافع بن عدي بن زيد (الأنصاري) الحارثي له ولأبيه صحبة. قال ابن عبد البر: مات في خلافة مرون (يرفعه صلاة) وفي رواية: الصلاة بأل للجنس، فيشمل الفرض والنفل أو للعهد، فيختص بالفرض (في مسجد قباء كعمرة) في الفضل قال الحافظ: فيه فضل قباء ومسجدها وفضل الصلاة فيه، لكن لم يثبت في ذلك تضعيف بخلاف المساجد الثلاثة. وروى عمر بن شبة في أخبار المدينة بإسناد صحيح عن سعد بن أبي وقاص، قال: لأن أصلي في مسجد قباء ركعتين أحب إليّ من أن آتي بيت المقدس مرتين، لو يعلمون ما في قباء لضربوا إليه أكباد الإبل (وقال الترمذي حسن غريب). قال الحافظ الزين العراقي: رواته كلهم ثقات، وقول ابن العربي أنه ضعيف غير جيد (وقال ٢٦٢ الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف لا نعرف لأسيد حديثًا صحيحًا غير هذا. ورواه أحمد وابن ماجه من حديث سهل بن حنيف بلفظ: من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه صلاة كان له كأجر عمرة، وصححه الحاكم. وينبغي أيضًا بعد زيارته عَّ ل أن يقصد المزارات التي بالمدينة الشريفة، والآثار المباركة، والمساجد التي صلى فيها عَّه التماسًا لبركته، ويخرج إلى البقيع لزيارة من فيه، فإن أكثر الصحابة ممن توفي في المدينة في حياته عَّه وبعد وفاته مدفون في البقيع، وكذلك سادات أهل البيت والتابعين. وروي عن مالك أنه قال: من مات بالمدينة من الصحابة عشرة آلاف، وكذلك أمهات المؤمنين سوى خديجة فإنها بمكة، وميمونة فإنها بسرف. وقد كان عَّه يخرج آخر الليل إلى البقيع فيقول السلام عليكم دار قوم مؤمنين. رواه المنذري: لا نعرف لأَسيد حديثًا صحيحًا غير هذا) نفى معرفته بذلك، جزم الترمذي فقال: لا يصح لأسيد بن ظهير غيره، قال في الإصابة: أخرج له ابن شاهين حديثًا آخر، لكن فيه اختلاف علی راويه. (ورواه أحمد وابن ماجه من حديث سهل بن حنيف) الأنصاري البدري، مرفوعًا (بلفظ: من تطهر:) توضأ (في بيته) وفي رواية النسائي: من توضأ فأحسن الوضوء (ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه صلاة) ركعتين فأكثر (كان) الإتيان المشتمل على الصلاة (له كأجر عمرة). وفي رواية النسائي: كان له عدل عمرة (وصححه الحاكم) ورواه الحافظ قُسِم بن أصبغ عنه، مرفوعًا بلفظ: من تطهر في بيته ثم خرج عامدًا إلى مسجد قباء لا يخرجه إلاَّ الصلاة فيه كان بمنزلة عمرة. (وينبغي أيضًا بعد زيارته عَّةٍ أن يقصد المزارات:) جمع مزار محل الزيارة، أي: الأماكن (التي) اشتهرت (بالمدينة الشريفة والآثار المباركة) التي علم مشيه فيها (والمساجد التي صلى فيها عليه الصلاة والسلام التماسًا لبركته ويخرج إلى البقيع) بالموحدة (لزيارة من فيه، فإن أكثر الصحابة ممن توفي بالمدينة في حياته عَية بعد وفاته مدفون بالبقيع، وكذلك سادات أهل البيت والتابعين). (وروي عن ملك أنه قال: من مات بالمدينة من الصحابة عشرة آلاف، وكذلك) مات بها (أمهات المؤمنين سوى خديجة، فإنها بمكة) وقبرها معلوم (وميمونة فإنها بسرف) بفتح المهملة وكسر الراء وبالفاء، قرب مكة (وقد كان عٍَّ يخرج آخر الليل إلى البقيع) الصغير، لأنه المراد عند الإطلاق (فيقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين) بنصب دار على النداء، ٢٦٣ الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف مسلم. قال ابن الحاج في ((المدخل)) وقد فرق علماؤنا بين الآفاقي والمقيم في التنفل بالطواف والصلاة، فقالوا: الطواف في حق الآفاقي أفضل له، والتنفل في حق المقيم أفضل، قال: وما نحن بسبيله من باب أولى، فمن كان مقيمًا خرج إلى زيارة أهل البقيع ومن كان مسافرًا فليغتنم مشاهدته عُ وحكي عن العارف ابن أبي جمرة، أنه لما دخل المسجد النبوي لم يجلس إلا الجلوس في الصلاة، وأنه لم يزل واقفًا بين يديه صلوات الله وسلامه عليه، وكان قد خطر له أن يذهب إلى البقيع فقال: إلى أين أذهب، هذا باب الله المفتوح للسائلين والطالبين والمنكسرين. انتهى. وقيل: على الاختصاص، قيل: ويجوز جره على البدل من الضمير في عليكم، قال الخطابي: وفيه أن اسم الدار يقع على المقبرة وهو الصحيح. (رواه مسلم) في الجنائز عن عائشة، قالت: كان عَِّ كلما كان ليلتها منه يخرج من آخر الليل إلى البقيع، فيقول: ((السلام عليكم دار قوم مؤمنين وأتاكم ما توعدون غدًا مؤجلون، وإنا إن شاء اللّه بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد))، قال المصنف: ظاهره أنه كان يأتي البقيع في كل ليلة من التسع التي هي نوبة عائشة؛ ويحتمل أنه كان يأتي كل ليلة وإنما أخبرت عما علمت من ليلتها. وهذا كان في آخر عمره عَّه بعدما أمره اللّه تعالى لا كل ليلة في جميع مدة هجرته إلى المدينة، وفي قوله: آخر الليل تأكدًا لزيارة في هذا الوقت، لأنه مظنة لقبول الدعاء حسبما دل عليه حديث النزول اهـ. (قال ابن الحاج في المدخل: وقد فرق علماؤنا) المالكية (بين الآفاقي والمقيم في التنفل بالطواف والصلاة، فقالوا: الطواف في حق الآفاقي أفضل له والتنفل في حق المقيم أفضل، قال: وما نحن بسبيله من باب أولى، فمن كان مقيمًا) بالمدينة المنورة (خرج) استحبابًا (إلى زيارة أهل البقيع، ومن كان مسافرًا فليغتتم مشاهدته عليه الصلاة والسلام) ولا يخرج. (وحكى) ابن الحاج (عن العارف ابن أبي جمرة أنه لما دخل المسجد النبوي لم يجلس إلاَّ الجلوس في الصلاة؛ وأنه لم يزل واقفًا بين يديه صلوات الله وسلامه عليه، وقد كان خطر له أن يذهب إلى البقيع) ثم عن له الترك (فقال: إلى أين أذهب، هذا باب اللّه المفتوح للسائلين والطالبين والمنكسرين انتهى). ٢٦٤ الفصل الثالث في أمور الآخرة وروى ابن النجار مرفوعًا: مقبرتان مضيئتان لأهل السماء كما تضيء الشمس والقمر لأهل الدنيا: بقيع الغرقد ومقبرة بعسقلان، وعن كعب الأحبار قال: نجدها في التوراة - يعني مقبرة المدينة - كقبة محفوفة بالنخيل موكل بها ملائكة كلما امتلأت أخذوا فكفؤها في الجنة. وأخرج أبو حاتم من حديث ابن عمر: أن رسول الله عَّله قال: ((أنا أول من تنشق عنه الأرض، ثم أبو بكر ثم عمر، ثم آتي البقيع فيحشرون معي، ثم انتظر أهل مكة حتى نحشر بين الحرمين). الفصل الثالث [في أمور الآخرة] في تفضيله عَّه في الآخرة بفضائل الأوليات الجامعة لمزايا التكريم وعلى (وروى ابن النجار) الإمام الحافظ، البارع الورع محمد بن البغدادي واسع الرواية، له ثلاثة آلاف شيخ وتصانيف عديدة، ولد سنة ثمان وتسعين وخمسمائة ومات في شعبان سنة ثلاث وأربعين وستمائة (مرفوعًا: مقبرتان) بضم الباء وفتحها تثنية مقبرة موضع القبور (مضيئتان لأهل السماء كما تضيء الشمس والقمر لأهل الدنيا) ما تحت السماء (بقيع) بفتح الموحدة اتفاقًا وقاف (الغرقد) بغين معجمة موضع بظاهر المدينة فيه قبور أهلها كان به شجر الغرقد، فذهب وبقي اسمه (ومقبرة عسقلان) بفتح العين والقاف مدينة من فلسطين ناحية بالشام. (وعن كعب الأحبار قال: نجدها في التوراة، يعني مقبرة المدينة كقبة) محل مرتفع (محفوفة بالنخيل) من كل جانب (موكل بها ملائكة كلما امتلأت أخذوا فكفؤها في الجنة). (وأخرج أبو حاتم) محمد بن حبان (من حديث ابن عمر أن رسول الله عَ ليه قال: أنا أول من تنشق عنه الأرض) للبعث فلا يتقدم عليه أحد (ثم أبو بكر) لكمال صداقته له (ثم عمر) الفاروق (ثم آتي) فعل المتكلم (البقيع) والترمذي أهل البقيع (فيحشرون معى) أي: أجتمع أنا وإياهم. قال الطيبي: الحشر هنا الجمع، كقوله: وأن يحشر الناس ضحى (ثم أنتظر أهل مكة) أي: المسلمين منهم حتى يأتوا إليّ (حتى نحشر) أي: نجتمع كلنا (بين الحرمين) ورواه الترمذي وقال حسن صحيح كما يأتي. الفصل الثالث: في تفضيله عليه الصلاة والسلام في الآخرة (بفضائل الأوليات) أي: كونه أول كذا، وأول كذا (الجامعة لمزايا التكريم:) جمع مزية ٢٦٥ الفصل الثالث في أمور الآخرة الدرجات العاليات وتحميده بالشفاعة والمقام المحمود، المغبوط عليه من الأولين والآخرين، وانفراده بالسؤدد في مجمع جامع الأنبياء والمرسلين، وترقيه في جنة عدن أرقى مدارج السعادة، وتعاليه يوم المزيد في أعلى معالي الحسنى وزيادة. اعلم أن الله تعالى كما فضل نبيًا عَّه في البدء بأن جعله أول الأنبياء في الخلق، وأولهم في الإجابة في عالم الذر، يوم (ألست بربكم﴾، فض له كما ختم كمال الفضائل في العود، فجعله أول من تنشق عنه الأرض، وأول شافع وأول مشفع، وأول من يؤذن له بالسجود، وأول من ينظر إلى رب العالمين، والخلق محجوبون عن رؤيته إذ ذاك، وأول الأنبياء يقضي بين أمته، وأولهم إجازة على الصراط بأمته، وأول داخل إلى الجنة، وأمته أول الأمم دخولاً إليها. وزاده من لطائف التحف ونفائس الطرف ما لا يجد ولا يعد: فعيلة وهي التمام والفضيلة، يقال: لفلان مزية، أي: فضيلة يمتاز بها عن غيره (وعلى الدرجات) أي: الفضائل والرتب العلية (وتحميده) أي: حمد الخلائق له (بالشفاعة) في فصل القضاء (والمقام المحمود) الذي يقوم فيه للشفاعة (المغبوط) بغين معجمة، أي: المستحسن حاله (عليه من الأولين والآخرين وانفراده بالسؤدد) بضم السين فهمزة ساكنة فدال مضمومة المجد والشرف (في مجمع) محل (جامع الأنبياء والمرسلين، وترقيه:) علوه (في جنة عدن) إقامة (أرقى) أعلى (مدارج السعادة وتعاليه) ارتفاعه، فهو بمعنى ترقيه حسنه اختلاف اللفظ (يوم المزيد) هو يوم الجمعة في الجنة كما مر (أعلى معالي الحسنى) الجنة (وزيادة النظر) إلى الله. (أعلم أن اللّه تعالى كما فضل نبينا عَِّ في البدء) الابتداء (بأن جعله أول الأنبياء في الخلق) كما ورد عنه وقد تقدم (وأولهم في الإِجابة في عالم الذر) بنعمان (يوم) عرفة يوم أشهدهم على أنفسهم (ألست بربكم؟) قالوا: بلى، كان أول من قال بلى، نبينا عَّه (فض) بفاء وضاد معجمة، أي: فتح (له كما ختم كمال الفضائل في العود، فجعله أول من تنشق عنه الأرض) أي: أول من تعاد فيه الروح يوم القيامة ويظهر (وأول شافع) فلا يتقدم عليه ملك ولا نبي (وأول مشفع) بشدة الفاء مفتوحة مقبول الشفاعة (وأول من يؤذن له بالسجود) فيسجد تحت العرش للشفاعة (وأول من ينظر لرب العالمين والخلق محجوبون عن رؤيته إذ ذاك) حتى يراه قبلهم (وأول الأنبياء يقضي بين أمته وأولهم إجازة) أي: قطعًا (على الصراط بأمته، وأول داخل إلى الجنة، وأمته أول الأمم دخولاً إليها) بعد دخول جميع الأنبياء، فالأنبياء لهم دخولان: دخول خاص قبل جميع الأمم، ودخول عام مع أممهم (وزاده) عطف على فضله (من ٢٦٦ الفصل الثالث في أمور الآخرة فمن ذلك أنه يحشر راكبًا، وتخصيصه بالمقام المحمود، ولواء الحمد تحته آدم فمن دونه من الأنبياء، واختصاصه بالمقام المحمود، ولواء الحمد تحته آدم فمن دونه من الأنبياء، واختصاصه أيضًا بالسجود لله تعالى أمام العرش، وما يفتحه الله عليه في سجوده من التحميد والثناء عليه ما لم يفتحه على أحد قبله ولا يفتحه على أحد بعده زيادة في كرامته وقربه، وكلام الله له: يا محمد، ارفع رأسك، وقل تسمع، وسل تعط، واشفع تشفع، ولا كرامة فوق هذا إلا النظر إليه تعالی. ومن ذلك: تكراره في الشفاعة، وسجوده ثانية وثالثة، وتجديد الثناء عليه والتحميد بما يفتح الله علیه. ومن ذلك: كلام الله تعالى له في كل سجدة: يا محمد ارفع رأسك وقل تسمع واشفع تشفع، فعل المدل على ربه الكريم عليه الرفيع عنده، المحب ذلك منه تشريفًا له وتكريمًا وتبجيلاً وتعظيمًا. لطائف التحف:) جمع تحفة، وزان رطبة وحكي سكون الحاء ما أتحفت به غيرك (ونفائس الطرف:) بضم الطاء المهملة وفتح الراء جمع طرفة وهي ما يستطرف، أي: يستملح (ما لا يجد ولا يعد) لكثرته جدًا (فمن ذلك أنه يحشر راكبًا) على البراق كما مر في الخصائص، ويأتي قريبًا في حديث: وإلاّ فقد جاء في تفسير يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدًا، أي: راكبين، ويحتمل أنه يبعث راكبًا من أول أمره بخلاف غيره، فيجوز أن ركوبه بعد بعثه وفيه شيء (وتخصيصه بالمقام المحمود ولواء الحمد تحته ءادم فمن دونه، واختصاصه أيضًا بالسجود للّه تعالى أمام) قدام (العرش وما) أي: واختصاصه بما (يفتحه اللّه عليه في سجوده من التحميد والثناء عليه) سبحانه (ما لم يفتحه على أحد قبله ولا يفتحه على أحد بعده زيادة في كرامته وقربه، وكلام اللّه تعالى له) بقوله: (يا محمد ارفع رأسك وقل تسمع) ما تقول سماع قبول (وسل تعط) ما سألت (واشفع تشفع) تقبل شفاعتك (ولا كرامة فوق هذا إلا النظر إليه تعالى، ومن ذلك) الذي لا يعد ولا يحد (تكراره في الشفاعة وسجوده ثانية ومرة (ثالثة وتجديد الثناء عليه) سبحانه (بما يفتح اللّه عليه من ذلك) الثناء (وكلام اللّه تعالى له في كل سجدة) بقوله: (يا محمد ارفع رأسك وقل تسمع واشفع تشفع فعل) بالنصب أو الرفع بتقدير ذلك فعل (المدل) أي: المقدم (على ربه) المطمئن المسرور بسماع كلامه الكريم عليه الرفيع عنده المحب ذلك) الإِقدام (منه تشريفًا له وتكريمًا وتبجيلاً وتعظيمًا) ٢٦٧ الفصل الثالث في أمور الآخرة ومن ذلك: قيامه عن يمين العرش، ليس أحد من الخلائق يقوم ذلك المقام غيره، يغبطه فيه الأولون والآخرون، وشهادته بين الأنبياء وأممهم بأنهم بلغوهم، وإتيانهم إليه يسؤلونه الشفاعة ليريحهم من غمهم وعرقهم وطول وقوفهم، وشفاعته في أقوام قد أمر بهم إلى النار. ومنها: الحوض، الذي ليس في الموقف أكثر أوان منه، وأن المؤمنين كلهم لا يدخلون الجنة إلا بشفاعته. ومنها: أنه يشفع في رفع درجات أقوام لا تبلغها أعمالهم. وهو صاحب الوسيلة التي هي أعلى منزلة في الجنة، إلى غير ذلك مما يزيده تعالى به جلالة وتعظيمًا وتبجيلاً وتكريمًا على رؤوس الأشهاد من الأولين والآخرين والملائكة أجمعين. ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظیم. فأما تفضيله عَّ له بأولية انشقاق القبر المقدس عنه، فروى مسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله عَ له: ((أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأنا أول من فلذا قدم عليه تعالى الكلام، وفعل معه فعل المدل وهو المرشد، فسأله ما لا يقدم غيره على سؤاله (ومن ذلك قيامه عن يمين العرش) وهو فوق الجنة وهي فوق السموات كما يأتي (ليس أحد من الخلائق يقوم ذلك المقام غيره يغبطه) بكسر الباء يستحسنه (فيه الأولون والآخرون، وشهادته بين الأنبياء وأممهم بأنهم بلغوهم وإتيانهم إليه يسألونه الشفاعة ليريحهم من غمهم وعرقهم) بعين مهملة (وطول وقوفهم وشفاعته في أقوام قد أمر بهم إلى النار، ومنها الحوض الذي ليس في الموقف أكثر أوان:) جمع إناء (منه: وأن المؤمنين كلهم لا يدخلون الجنة إلاّ بشفاعته، ومنها؛ أنه يشفع في رفع درجات أقوام لا تبلغها أعمالهم وهو صاحب الوسيلة التي هي أعلى منزلة في الجنة إلى غير ذلك مما يزيده تعالى به جلالة وتعظيمًا وتبجيلاً وتكريمًا على رؤوس الأشهاد من الأولين والآخرين والملائكة أجمعين، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم). وهذا كله ترجمة على سبيل الإِجمال وفصله، فقال: (فأما تفضيله بأولية انشقاق القبر المقدس عنه. فروى مسلم) في المناقب وأبو داود في السنة (من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه عَ ◌ّ أنا سيد ولد ءادم يوم القيامة) خصه لأنه يوم مجموع له ٢٦٨ الفصل الثالث في أمور الآخرة ينشق عنه القبر وأول شافع وأول مشفع)). وفي حديث أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَّهِ: ((أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي ـ آدم فمن سواه - إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر .. )) رواه الترمذي. وعن ابن عمر قال قال رسول الله عَّله: أنا أول من تنشق عنه الأرض ثم أبو الناس، فتظهر سيادته لكل أحد عيانًا، فلا ينافي أن سيادته ثابتة في الدنيا، فهو نحو قوله: ﴿إِن ربهم بهم يومئذٍ لخبير﴾﴾ [العاديات/ ١]، وأطلق في الوصف بذلك لإفادة العموم لأولي العزم وغيرهم، وتخصيص ولد ءادم ليس للاحتراز، إذ هو أفضل حتى من خواص الملائكة إجماعاً (وأنا أول من ينشق عنه القبر) أي: يعجل إحياءه مبالغة في إكرامه وتخصيصًا بجزيل إنعامه (وأنا أول شافع) للخلائق لا يتقدمه شافع لا بشر ولا ملك في جميع أقسام الشفاعات (وأول مشفع) بشد الفاء المفتوحة، أي: مقبول الشفاعة، ولم يكتف بشافع لأنه قد يشفع ثانٍ فيشفع قبل الأول. وأما حديث ابن مسعود عند أحمد والنسائي والحاكم: يشفع نبيكم رابع أربعة: جبريل ثم إبراهيم ثم موسى أو عيسى ثم نبيكم، لا يشفع أحد في أكثر مما يشفع فيه، فقد ضعفه البخاري، فلا یعارض حديث مسلم. (وفي حديث أبي سعيد رضي اللّه عنه، قال: قال رسول اللّه عَ لَّل أنا سيد ولد ءادم يوم القيامة ولا فخر) أي: أقول ذلك شكرًا، لا فخرًا، فهو نحو قول سليمن عليه السلام: علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء، أي: لا أقوله تكبرًا وتعاظمًا على الناس وإن كان فيه فخر الدارين، وقيل: لا أفتخر بذلك، بل فخري بمن أعطاني هذه الفضائل (وبيدي لواء الحمد) يأتي بيانه للمصنف (ولا فخر) لا عظمة ولا مباهاة (وما من نبي يومئذٍ آدم فمن سواه) أي: دونه (إلاَّ تحت لوائي) قال الطيبي: عادم فمن سواه اعتراض بين النفي والاستثناء، أفاد أن عادم بالرفع بدلاً أو بيانًا من محله ومن فيه موصولة، وسواه صلته، وصح لأنه ظرف وآثر الفاء التفصيلية في فمن لف تيب على منوال الأمثل فالأمثل (وأنا أول من تنشق عنه الأرض). وفي رواية: من تنشق الأرض عن جمجمتي (ولا فخر) حال مؤكدة، أي: أقول هذا ولا فخر، بل شكرًا وتحدثًا بالنعمة وإعلامًا للأمة، لأنه مما يجب تبليغ ليعتقدوا فضله على من سواه. وبقية هذا الحديث عند رواته: وأنا أول شافع وأول مشفع ولا فخر، وكان الأولى للمصنف أن لا يتركها لإفادة أنه جاء عن صحابي آخر ولزيادة ولا فخر. (رواه الترمذي) في المناقب: وقال حسن صحيح، وكذا رواه ابن ماجه وأحمد (وعن ابن عمر قال: قال رسول اللّه عَّةٍ: أنا أول من تنشق عنه الأرض، ثم أبو بكر، ثم عمر، ثم آتي) ٢٦٩ الفصل الثالث في أمور الآخرة بكر ثم عمر، ثم آتي أهل البقيع فيحشرون معي، ثم أنتظر أهل مكة حتى أحشر بين الحرمين. قال الترمذي. حسن صحيح. ورواه أبو حاتم وقال: حتى نحشر. وتقدم. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله عَُّله: (يصعق الناس حين يصعقون، فأكون أول من قام، فإذا موسى آخذ بالعرش: فما أدري أكان فيمن صعق)). وفي رواية فأكون أول من يفيق فإذا موسى باطش بجانب العرش، فلا أدري أكان فيمن صعق فأفاق قبلي أو كان ممن استثنى الله)). رواه البخاري. والمراد بالصعق: غشي يلحق من سمع صوتًا أو رأى شيئًا يفزع منه. بالمد أجيء (أهل البقيع فيحشرون) يجتمعون معي لكرامتهم على ربهم وشرفهم عنده باستغفار نبيهم لهم وقربهم منه (ثم أنتظر أهل مكة) المسلمين منهم حتى يقدموا عليّ تشريفًا لهم بجوار بيت اللّه (حتى احشر بين الحرمين) أي: حتى يكون لي ولهم اجتماع بينهما (قال الترمذي: حسن صحيح) وصححه الحاكم. (ورواه أبو حاتم) ابن حبان (وقال) في روايته (حتى نحشر) أي: نجتمع كلنا (وتقدم) قريبًا: (وعن أبي هريرة، قال: قال النبي عَّ يصعق) بفتح العين (الناس حين يصعقون، فأكون أول من قام، فإذا موسى آخذ بالعرش، فما أدري أكان فيمن صعق:) بكسر العين ترك تمامه استغناء بذكره في قوله: (وفي رواية: فأكون أول من يفيق) بضم أوله (فإذا موسى باطش:) آخذ بقوة (بجانب العرش). وفي رواية: بقائمة من قوائم العرش (فلا أدري أكان فيمن صعق فأفاق قبلي، أو كان ممن استثنى اللّه) فلم يكن ممن صعق، أي: فإن كان أفاق قبلي فهي فضيلة ظاهرة، وإن كان ممن استثنى اللّه في فضيلة أيضًا. وفي رواية: أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور ولا منافاة، فإن المعنى لا أدري أي الثلاثة كان الإفاقة أو الاستثناء أو المحاسبة بصعقة الطور. (رواه) أي: المذكور من الروايتين (البخاري) ومسلم (والمراد بالصعق غشي) بفتح الغين وسكون الشين المعجمتين فتحتية خفيفة وبكسر الشين وشد الياء (يلحق من سمع صوتًا أو رأى شيئًا يفزع منه) أصل الغشي مرض معروف يحصل بطول القيام في الحر ونحوه وهو طرف من الإِغماء وهو المراد هنا. وأما قول الحافظ المراد به هنا الحالة القريبة منه فأطلقه عليه مجازًا، فإنما قاله في صلاة ٢٧٠ الفصل الثالث في أمور الآخرة ولم يبين في هذه الرواية - من الطريقين - محل الإفاقة، من أي الصعقتين. ووقع في رواية الشعبي عن أبي هريرة في تفسير سورة الزمر إني أول من يرفع رأسه بعد النفخة الأخيرة. والمراد بقوله: ((ممن استثنى الله)) قوله تعالى: ﴿ففزع من في السموات والأرض إلا من شاء الله﴾ [النمل/٨٧]. الكسوف في قول أسماء بنت أبي بكر، فقمت حتى تجلاني الغشي، فنقله هنا من نقل الشيء في غير موضعه، وإنما قال: هنا مثل لفظ المصنف بالحرف. (ولم يبين في هذه الرواية من الطريقين محل الإفاقة من أي الصعقتين) الأولى أم الثانية. (ووقع في رواية الشعبي) عامر بن شراحيل (عن أبي هريرة في تفسير سورة الزمر) من البخاري عن النبي عَّه قال: (إني أول من يرفع رأسه بعد النفخة الأخيرة) أي: الثانية، ولفظ البخاري الآخر، قال المصنف: بمد الهمزة. وبقية هذه الرواية في البخاري: فإذا أنا بموسى متعلق بالعرش، فلا أدري أكذلك كان أم بعد النفخة، زاد الحافظ: ووقع في حديث أبي سعيد: فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من تنشق عنه الأرض، كذا عند البخاري في كتاب الأشخاص بهذا اللفظ، وله في غيره: فأكون أول من يفيق، وجزم المزي بأنه الصواب، وأن تلك وهم من راويها وكونه أول من تنشق عنه الأرض صحيح، لكنه في حديث آخر ليس فيه ذكر موسى، نقله عنه ابن القيم في كتاب الروح، ويمكن الجمع بأن النفخة الأولى يعقبها الصعق من جميع الخلق أحيائهم وأمواتهم وهو الفزع، كما قال تعالى: ﴿ففزع من في السموات ومن في الأرض﴾) [النمل / ٨٧]، ثم تعقب ذلك الفرع للموتى زيادة فيما هم فيه وللأحياء موتًا، ثم ينفخ الثانية للبعث فيفيقون أجمعون، فمن كان مقبورًا انشقت عنه الأرض فخرج من قبره، ومن ليس مقبورًا إلا يحتاج إلى ذلك، وموسى ممن قبر في الدنيا، كما قال عَّهِ: مررت على موسى ليلة أسري بي عند الكثيب الأحمر وهو قائم يصلي في قبره. أخرجه مسلم عن أنس عقب حديث أبي هريرة وأبي سعيد المذكورين، ولعله أشار بذلك إلى ما قررته. انتهى. (والمراد بقوله: ممن استثنى الله قوله تعالى: ﴿ففزع من في السموات ومن في الأرض إلاَّ من شاء اللّه﴾) [النمل/ ٨٧]، وقال الداودي: أي جعله ثانيًا لي، قال الحافظ: وهو غلط شنيع، وفي البعث لابن أبي الدنيا من مرسل الحسن: فلا أدري أكان ممن استثنى اللّه أن ٢٧١ الفصل الثالث في أمور الآخرة وقد استشكل كون جميع الخلق يصعقون، مع أن الموتى لا إحساس لهم؟ فقيل المراد: أن الذين يصعقون هم الأحياء، وأما الموتى فهم في الاستثناء في قوله: ﴿إلا من شاء الله﴾ أي إلا من سبق له الموت قبل ذلك فإنه لا يصعق، وإلى هذا جنح القرطبي. ولا يعارضه ما ورد في الحديث: إن موسى ممن استثنى الله، لأن الأنبياء أحياء عند الله. وقال القاضي عياض: يحتمل أن يكون المراد صعقة فزع بعد البعث حين تنشق السماء والأرض. وتعقبه القرطبي: بأنه صرح عَِّ بأنه يخرج من قبره فيلقى موسى وهو متعلق لا تصيبه النفخة أو بعث قبلي. وزعم ابن القيم: أن قوله: أكان ممن استثنى اللّه وهم من بعض الرواة، والمحفوظ: أو جوزي بصعقة الطور، قال: لأن اللّه استثنى قومًا من صعقة النفخ وموسى داخل فيهم، وهذا لا يلتئم على سياق الحديث، فإن الإفاقة حينئذٍ هي إفاقة البعث فلا يحسن التردد فيها، وأما الصعقة العامة فتقع إذا جمعهم اللّه لفصل القضاء، فيصعق الخلق حينئذٍ جميعًا إلاَّ من شاء اللّه. ويدل على ذلك قوله: أول من يفيق، فإنه دال على أنه ممن صعق، وتردد في موسى هل صعق، فأفاق قبله أم لم يصعق، قال: ولو كان المراد الصعقة الأولى لزم أن يكون عَّةٍ جزم بأنه مات، وتردد في موسى هل مات أو لا، والواقع أن موسى كان قد مات، فدل على أنها صعقة فزع لا صعقة موت. انتهى. (وقد استشكل كون جميع الخلق يصعقون مع أن الموتى لا إحساس لهم، فقيل) في الجواب: (المراد أن الذين يصعقون هم الأحياء، وأما الموتى فهم في الاستثناء) داخلون (في قوله: إلا من شاء اللّه، أي: إلاَّ من سبق له الموت قبل ذلك، فإنه لا يصعق، وإلى هذا جنح) مال (القرطبي) الشيخ أبو العباس في المفهم (ولا يعارضه ما ورد في الحديث أن موسى ممن استثنى اللّه، لأن الأنبياء أحياء عند اللّه) وإن كانوا في صورة الأموات بالنسبة إلى أهل الدنيا، وقد ثبت ذلك للشهداء، ولا شك أن الانبياء أرفع رتبة من الشهداء وهم ممن استثنى الله. أخرجه إسحق بن راهويه وأبو يعلى من طريق زيد بن أسلم عن أبيه، عن أبي هريرة: هكذا في الفتح، ويتلوه قوله: (وقال القاضي عياض: يحتمل أن يكون المراد صعقة فزع بعد البعث حين تنشق السماء والأرض) وعلى هذا فلا يشكل هذا الحديث على حديث: أنا أول من ينشق عنه القبر. (وتعقبه القرطبي) في المفهم (بأنه صرح عَّ بأنه يخرج من قبره، فيلقي موسى وهو ٢٧٢ الفصل الثالث في أمور الآخرة بالعرش وهذا إنما هو عند نفخة البعث. انتهى. ووقع في رواية أبي سلمة عند ابن مردويه: أنا أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة فأقوم فأنفض التراب عن رأسي، فآتي قائمة العرش فأجد موسى قائمًا عندها، فلا أدري أنفض التراب عن رأسه قبلي، أو كان ممن استثنى الله. واختلف في المستثنى من هو على عشرة أقوال: فقيل الملائكة، وقيل الأنبياء، وبه قال البيهقي في تأويل الحديث في تجويزه: أن يكون موسى ممن متعلق بالعرش، وهذا إنما هو عند نفخة البعث. انتهى). قال الحافظ: ويرده، أي: احتمال عياض صريحًا قوله في رواية: أن الناس يصعقون فأصعق معهم، فأكون أول من يفيق، قال: ويؤيده أنه عبر بقوله: أفاق، لأنه إنما يقال: أفاق من الغشي بعث من الموت، ولذا عبر عن صعقة الطور بالإِفاقة لأنها لم تكن موتًا بلا شك، وإذا تقرر ذلك ظهر صحة الحمل على أنها غشية تحصل للناس في الموقف، هذا محصل كلامه وتعقبه. انتھی. وسبق للمصنف في الخصائص الجواب عن التعارض بقوله: الظاهر أنه عليه السلام لم يكن عنده علم ذلك، أي: كونه أول من ينشق عنه القبر حتى أعلمه اللّه تعالى فأخبر بذلك. انتهى، فإخباره بذلك يفيد أنه علم يافاقته قبل موسى، فحينئذٍ يبقى التردد في أنه ممن استثنى اللّه أو جوزي بصعقة الطور (ووقع في رواية أبي سلمة) ابن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة (عند ابن مردويه) مرفوعًا: (أنا أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة فأقوم فأنفض التراب عن رأسي فآتي) بالمد فعل المتكلم، أي: أجيء (قائمة العرش فأجد موسى قائمًا عندها فلا أدري أنفض التراب عن رأسه قبلي أو کان ممن استثنى اللّه). قال الحافظ: يحتمل أن قوله: انفض التراب قبلي تجويز لسبقه في الخروج من القبر أو هو كناية عن الخروج منه وعلى كل ففيه فضيلة لموسى انتهى. ومعلوم أنه لا يلزم من فضيلته من هذه الجهة أفضليته مطلقًا وبه صرح في المفهم، فقال: وهذه فضيلة عظيمة في حقه، ولكن لا توجب أفضليته على نبينا عَّه، لأن الشيء الجزئي لا يوجب أمرًا كليًا انتهى. (وقد اختلف في المستثنى من هو على عشرة أقوال) ذكر منها خمسة (فقيل: الملائكة) كلهم على ظاهر هذا القول وقيل: الأنبياء، وبه قال البيهقي: في تأويل الحديث) المذكور (في تجويزه بأن يكون موسى ممن استثنى اللّه) فإذا جوز ذلك في موسى فبقية ٢٧٣ الفصل الثالث في أمور الآخرة استثنى الله، قال: وجههه عندي أنهم أحياء كالشهداء، فإذا نفخ في الصور النفخة الأولى صعقوا، ثم لا يكون ذلك موتًا في جميع معانيه إلا في ذهاب الاستشعار. وقيل الشهداء: واختاره الحليمي قال: وهو مروي عن ابن عباس، فإن الله تعالى يقول: ﴿أحياء عند ربهم يرزقون﴾ [آل عمران/١٦٩]، وضعف غيره من الأقوال. وقال أبو العباس القرطبي صاحب ((المفهم)): الصحيح أنه لم يأتي في تعيينهم خبر صحيح، والكل محتمل. وتعقبه تلميذه في ((التذكرة)) فقال: قد ورد في حديث أبي هريرة بأنهم الشهداء وهو صحيح. وعن أبي هريرة أن رسول الله عَّه سأل جبريل عن هذه الأنبياء كذلك بجامع النبوة (قال) البيهقي: (ووجهه عندي أنهم) ردت إليهم أرواحهم بعدما قبضوا فهم (أحياء) عند ربهم (كالشهداء، فإذا نفخ في الصور النفخة الأولى صعقوا، ثم لا يكون ذلك موتًا في جميع معانيه إلاّ في ذهاب الاستشعار) فإن كان موسی ممن استثنى اللّه فإنه لا يذهب استشعاره في تلك الحالة ويحاسب بصعقة يوم الطور، هذا بقية قول البيهقي. قال السيوطي: وبهذا يتضح ترجيح أن المستثنى في الآية الملائكة الأربعة وحملة العرش الثمانية بناءً على أن المراد بالصعق فيها الموت وموسى عليه السلام بناءً على أنه الغشية وكون الأمرين مرادين معًا وكون الاستثناء على الأمرين، ولا يصح استثناء الشهداء من الغشية؛ لأنه إذا حصلت الغشية للأنبياء حتى سيد المرسلين فالشهداء أولى انتهى. (وقيل: الشهداء واختاره الحليمي، قال: وهو مروي عن ابن عباس، فإن اللّه تعالى يقول: ((أحياء عند ربهم يرزقون﴾) [آل عمران/ ١٦٩]، (وضعف) الحليمي (غيره من الأقوال) بأن الاستثناء إنما وقع في سكان السموات والأرض، وحملة العرش ليسوا إلى آخر ما يأتي في قول المصنف قريبًا، وتعقب بأن ... الخ. (وقال أبو العباس) أحمد بن عمر بن إبراهيم الإِمام المحدث العلامة (صاحب المفهم) في شرح مسلم: مات سنة ست وخمسين وستمائة (الصحيح أنه لم يأت في تعيينهم خبر صحيح والكل محتمل، وتعقبه تلميذه) أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرج مات سنة إحدى وسبعين وستمائة (في التذكرة) بأمور الآخرة (فقال قد ورد في حديث أبي هريرة) مرفوعًا تفسيره (بأنهم الشهداء وهو الصحيح) لوروده عن النبي عَّ (و) أخرج أبو يعلى والحاكم والبيهقي (عن أبي هريرة أن رسول اللّه عَ لل سأل جبريل عليه السلام عن هذه الآية) نقل ٢٧٤ الفصل الثالث في أمور الآخرة الآية: من الذين لم يشأ الله أن يصعقوا؟ قال: هم شهداء الله. وصححه الحاكم. وقيل: هم حملة العرش وجبريل وميكائيل وملك الموت، ثم يموتون، وآخرهم [موتا] ملك الموت، وقيل هم الحور العين والولدان في الجنة. بالمعنى ولفظ أبي يعلى ومن عطف عليه عن أبي هريرة عن النبي عَّهِ، قال: سألت جبريل عن هذه الآية: ﴿ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلاَّ من شاء اللّه﴾) [الزمر/ ٦٨] الآية (من الذين لم يشأ اللّه أن يصعقوا، قال) جبريل: (هم شهداء اللّه) يتقلدون أُسیافهم حول عرشه. هذا بقية الحديث الذي (صححه الحاكم، وقيل: هم حملة العرش) الثمانية (وجبريل وميكائيل) زاد في رواية: وإسرافيل (وملك الموت) قال السيوطي: ولا تنافي بين هذا وبين الشهداء لإمكان الجمع بأن الجميع من المستثنى (ثم يموتون وآخرهم) موتًا (ملك الموت) كما أخرجه البيهقي عن أنس رفعه: كان ممن استثنى اللّه ثلاثة: جبريل ومكيائيل وملك الموت، ذ بقول الله وهو أعلم: يا ملك الموت من بقي؟، فيقول: بقي وجهك الباقي الدائم وعبدك جبريل وميكائيل وملك الموت، فيقول: توف نفس ميكائيل، ثم يقول: وهو أعلم يا ملك الموت من بقي؟، فيقول: وجهك الباقي الكريم وعبدك جبريل وملك الموت، فيقول: توف جبريل، ثم يقول: وهو أعلم يا ملك الموت من بقي، فيقول: بقي وجهك الباقي الكريم وعبدك ملك الموت وهو ميت، فيقول: مت ثم ينادي أنا بدأت الخلق ثم أعيده فأين الجبارون المتكبرون فلا يجيبه أحد، فيقول: هو اللّه الواحد القهار. وورد أيضًا آخرهم موتًا جبريل. أخرج الفريابي عن أنس أنهم قالوا: يا رسول اللّه من الذين استثنى الله، قال: جبريل وميكُعيل وملك الموت وإسرافيل وحملة العرش، فإذا قبض اللّه أرواح الخلائق قال لملك الموت: من بقي؟، فيقول: سبحانك ربي وتعاليت يا ذا الجلال والإكرام بقي جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، فيقول: خذ نفس إسرافيل، فيقول: يا ملك الموت من بقي؟، فيقول: بقي جبريل وميكائيل وملك الموت، فيقول: خذ نفس ميكائيل فيقع كالطود العظيم، فيقول: يا ملك الموت من بقي، فيقول: بقي جبريل وملك الموت، فيقول: مت يا ملك الموت فيموت، فيقول: يا جبريل من بقي؟، فيقول: بقي وجهك الدائم وجبريل الميت الفاني، قال: لا بدّ من موته فيقع ساجدًا يخفق بجناحيه، قال عَّله: إن فضل خلقه على ميكائيل كالطود العظيم ولا يمكن الجمع بينهما، فيترجح الأول بأن في حديث أبي هريرة عند ابن جرير وأبي الشيخ وغيرهم مرفوعًا في حديث طويل: ((إن آخرهم موتًا ملك الموت)). (وقيل: هم الحور العين والولدان في الجنة) وخزنة الجنة والنار وما فيها من الحيات ٢٧٥ الفصل الثالث في أمور الآخرة وتعقب: بأن حملة العرش ليسوا من سكان السموات والأرض، لأن العرش فوق السموات كلها، وبأن جبريل وميكائيل وملك الموت من الصافين المسبحين، ولأن الحور العين والولدان في الجنة، وهي فوق السموات ودون العرش، وهي بانفرادها عالم مخلوق للبقاء فلا شك أنها بمعزل عما خلقه الله للفناء. ثم إنه وردت الأخبار بأن الله تعالى يميت حملة العرش وملك الموت وميكائيل ثم يحييهم. وأما أهل الجنة فلم يأتي عنهم خبر، والأظهر أنها دار خلود، فالذي يدخلها لا يموت فيها أبدًا، مع كونه قابلاً للموت، فالذي خلق فيها أولى أن لا يموت فيها أبدًا. فإن قلت: قوله: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾ [القصص/٨٨] يدل على أن والعقارب (وتعقب) أي: رد هذا الحليمي وضعفه (بأن) الاستثناء في الآية إنما وقع من سكان السموات والأرض؛ أن (حملة العرش ليسوا بسكان السموات والأرض، لأن العرش) وحملته (فوق السموات كلها) فهذا ينابذ تفسيره بأنهم حملته (وبأن جبريل وميكئيل) وإسرائيل (ولهلك الموت من الصافين) أقدامهم في الصلاة وأداء الطاعة ومنازل الخدمة (المسبحين) المنزهين اللّه عما لا يليق به، قال البيضاوي: ولعل الأول إشارة إلى درجاتهم في الطاعات وهذا في المعارف وعبارة الحليمي من الصافين حول العرش. انتهى. يعني: فهذا يضعف تفسيره بالأربعة وما قبله تضعيف للتفسير بحملة العرش (وضعف القول الخامس (لأن الحور العين والولدان في الجنة، وهي فوق السموات ودون العرش) فلم تدخل في الآية (وهي بانفرادها عالم مخلوق للبقاء، فلا شك أنها بمعزل) أي: بجانب بعيد (عما خلقه الله للفناء) وعبارة الحليمي والجنة والنار عالمان بانفرادهما خلقا للبقاء، فهما بمعزل عما خلق للفناء فلم يدخل أهلهما في الآية (ثم أنه وردت الأخبار بأن اللّه تعالى يميت حملة العرش وملك الموت ومیكتيل) وإسرافيل وجبريل (ثم يحييهم). (وأما أهل الجنة فلم يأت عنهم خبر) بمثل ذلك، فلا يقال أنهم مثل أولئك إذ لا دخل هنا للقياس (والأظهر أنها دار خلود، فالذي يدخلها لا يموت فيها أبداً) وكذلك النار، كما قال تعالى: (﴿لا يقضي عليهم فيموتوا﴾) [فاطر/ ٣٦] (مع كونه قابلاً للموت، فالذي خلق فيها أولى أن لا يموت فيها أبدًا). -قال الحليمي: وأيضًا فإن الموت لقهر المكلفين ونقلهم من دار إلى دار ولا تكليف على أهل الجنة فأعفوا من الموت أيضًا (فإن قلت: قوله تعالى: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾، ٢٧٦ الفصل الثالث في أمور الآخرة الجنة نفسها تفنى ثم تعاد ليوم الجزاء، ويموت الحور العين ثم يحيون. أجيب: بأنه يحتمل أن يكون معنى قوله: ﴿كل شيء هالك﴾ أي أنه قابل للهلاك، فيهلك إن أراد الله به ذلك، إلا هو سبحانه فإنه قديم، والقديم لا يمكن أن يفنى، انتهى ملخصًا من تذكرة من تذكرة القرطبي. ويؤيد القول بعد موت الحور العين قولهن: نحن الخالدات فلا نَموت، كما في الحديث. ولا يقال: المراد من قولهن الخلود الكائن بعد القيامة، لأنه لا خصوصية فيه، والأوصاف المشتركة لا يتباهى بها، والله أعلم. وفي كتاب العظمة لأبي الشيخ بن حبان من طريق وهب بن منبه من قوله: قال: خلق الله الصور من لؤلؤة بيضاء في صفاء الزجاجة، ثم قال للعرش: خذ يدل على أن الجنة نفسها تفنى) وكذا النار (ثم تعاد ليوم الجزاء ويموت الحور العين ثم يحيون) وبه قال بعضهم: توفية يظاهر الآية. (أجيب بأنه يحتمل أن يكون معنى قوله: (﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾)، أي قابل للهلاك، فيهلك إن أراد الله به ذلك إلاَّ هو سبحانه فإنه قديم والقديم لا يمكن أن يفنى. انتهى. ملخصًا من تذكرة القرطبي) (ويؤيد القول بعدم موت الحور العين قولهن) فيما يغنين به لأزواجهن في الجنة (نحن الخالدات فلا نموت) أبدًا (كما في الحديث، ولا يقال: المراد من قولهن) ذلك (الخلود الكائن بعد القيامة) فلا ينافي موتهن قبلها (لأنه لا خصوصية فيه) لهن، إذ كل من دخل الجنة كذلك (والأوصاف المشتركة لا يتباهى بها والله أعلم) لكن يحتمل أن قولهن ذلك من باب التحدث بالنعمة (وفي كتاب العظمة لأبي الشيخ بن حبان) بفتح المهملة والتحتية الثقيلة واسمه عبد اللّه (من طريق وهب بن منبه) بشد الموحدة المكسورة (من قوله) أي: كلامه الذي لم يروه عن صاحب ولا رفعه إلى النبي عَّله، فكأنه من الإسرائيليات، ولم يفهم هذا من تعسف، فجعل قول المصنف من قوله بيانًا لما مقدرة في قوله: وفي كتاب، أي: وما في كتاب وأنه عطف على قوله سابقًا قولهن من قوله، ويؤيد القول بعدم موت الحور، كذا قال مع أنه لا تأييد في هذا أصلاً لذلك، إذ لا ذكر فيه للحور، قال وهب: (خلق اللّه الصور من لؤلؤة بيضاء في صفاء الزجاجة) بزاي وجيمين واحدة الزجاج مثلث الزاي معروف كما في القاموس وتلك اللؤلؤة ٢٧٧ الفصل الثالث في أمور الآخرة الصور فتعلق به، ثم قال: كن فكان إسرافيل، فأمره أن يأخذ الصور فأخذه وبه ثقب بعدد كل روح مخلوقة ونفس منفوسة، فذكر الحديث وفيه: ثم تجتمع الأرواح كلها في الصور، ثم يأمر الله إسرافيل فينفخ فيه فتدخل كل روح في جسدها. وعلى هذا فالنفخ يقع في الصور أولاً ليصل النفخ بالروح إلى الصّوّر وهي الأجساد، الموصوفة بشدة البياض على صورة قرن، فلا يخالف ما رواه أبو داود والترمذي، وحسنه وصححه الحاكم وابن حبان عن عمرو أن أعرابيّا سأل النبي عَ لّه عن الصور، فقال: قرن ينفخ فيه، وإلى ذلك يشير قول ابن مسعود: الصور كهيئة القرن ينفخ فيه. أخرجه مسدد بسند صحيح عنه موقوفًا: (ثم قال للعرش خذ الصور فتعلق به) أي: أخذه (ثم قال) تعالى. (كن فكان) أي: وجد، أي: خلق (إسرافيل، فأمره أن يأخذ الصور) من العرش (فأخذه) ولأحمد والطبراني بسند جيد عن زيد بن أرقم رفعه: كيف أنعم وصاحب الصور قد التقم القرن وأحنى جبهته وأصغى السمع متى يؤمر، فسمع ذلك الصحابة فشق عليهم، فقال عَّ له: ((قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل))، وصحح الحاكم عن أبي هريرة رفعه: إن طرف صاحب الصور منذ وكل به مستعد ينظر نحو العرش مخافة أن يؤمر قبل أن يرتد إليه طرفه، كأن عينيه كوكبان دريان (وبه ثقب) بمثلثة وقاف وموحدة: جمع ثقب وهو الخرق (بعدد ، كل روح مخلوقة ونفس منفوسة) أي: مولودة كما في النهاية فالعطف مغاير، أي: ما من شأنها أن تولد وإلاَّ فهناك نفوس تخلق من الطين ومن العفونات (فذكر الحديث). فقال: لا يخرج روحان من ثقب واحد وفي وسط الصور كوة كاستدارة السماء والأرض وإسرافيل واضع فمه على تلك الكوة، ثم قال له الرب تعالى: قد وكلتك بالصور، فأنت للنفخة وللصيحة، فدخل إسرافيل في مقدم العرش، فأدخل رجله اليمنى تحت العرش وقدم اليسرى ولم يغض طرفه منذ خلقه اللّه ينتظر ما يؤمر به، قال: والبحر المسجور أوله في علم اللّه وآخره في إرادة الله فيه ماء ثخين شبه ماء الرجل تسير الموجة خلف الموجة سبعين عامًا لا تلحقها يمطر الله منه على الخلق أربعين يومًا بين الراجفة والرادفة فينبتون نبات الحبة في حميل السيل ويجمع أرواح المؤمنين من الجنان وأرواح الكفار من النار فتجعل في الصور (وفيه: ثم تجتمع الأرواح كلها في الصور، ثم يأمر الله إسرافيل فينفخ فيه) أي: الصور (فتدخل كل روح في جسدها). وبقية هذا الأثر: ثم يأمر اللّه جبريل أن يدخل يده تحت الأرض فيحركها حتى تنشق وينفضهم على الأرض، فإذا هم قيام ينظرون (وعلى هذا فالنفخ يقع في الصور أولاً ليصل النفخ) أي: أثره (بالروح) أي: الأرواح فتذهب (إلى الصور) بفتح الواو (وهي الأجساد:) جمع ٢٧٨ الفصل الثالث في أمور الآخرة فإضافة النفخ إلى الصور الذي هو القرن حقيقة، وإلى الصور التي هي الأجساد مجاز. وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمر، رفعه: «ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى لِيتا ورفع ليتا، ثم يرسل الله مطرًا كأنه الطل فينبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون)). و ((الليت)) بكسر اللام وبالمثناة التحتية ثم الفوقية: صفحة العنق، وهما لیتان. وأصغى: أمال. وأخرج البيهقي بسند قوي، عن ابن مسعود موقوفًا: «ثم يقوم ملك الصور بين السماء والأرض فينفخ فيه - والصور قرن - فلا يبقى الله خلق في السلموات صورة (فإضافة النفخ إلى الصور) بضم فسكون (الذي هو القرن حقيقة وإلى الصور التي هي الأجساد مجاز). (وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو) بن العاصي (رفعه) أي قال: قال رسول اللّه عَّ يخرج الدجال في أمتي، فذكر الحديث. إلى أن قال: (ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلاَّ أصغى ليتًا) بكسر فسكون، أي: أمال صفحة عنقه (ورفع ليتًا) أي: أنه يميلها ويرفعها، وأسقط بعد هذا في مسلم، فأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله فيصعق ويصعق الناس، وقوله: يلوط، أي: يطين ويصلح (ثم يرسل اللّه مطرًا كأنه الطل) المطر الخفيف (فينبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ فيه أخرى) النفخة الثانية (فإذا هم) أي: جميع الموتى (قيام ينظرون) ينتظرون ما يفعل بهم (والليت بكسر اللام وبالمثناة التحتية) الساكنة، ثم (الفوقية صفحة العنق وهما ليتان) من الجانبين (وأصغى: أمال) صفحة عنقه مجازًا لأن حقيقته الاستماع. (وأخرج البيهقي) في البعث وشيخه الحاكم وصححه (بسند قوي عن ابن مسعود) في حديث طويل (موقوفًا) عليه وما في نسخ مرفوعًا خطأ، فقد صرح في مجمع الزوائد بأنه موقوف، وأوله عند البيهقي وغيره عن ابن مسعود أنه ذكر عنده الدجال، فقال: تفترق الناس ثلاث فرق، فذكر الحديث إلى أن قال: (ثم يقوم ملك الصور بين السماء والأرض فينفخ فيه) قال القرطبي: قال علماؤنا: الأمم مجمعون على أن الذي ينفخ في الصور إسرافيل، وفي الأحاديث ما يدل على أن معه ملكًا آخر، فلعل له قرنًا آخر ينفخ فيه. انتهى. ٢٧٩ الفصل الثالث في أمور الآخرة والأرض إلا مات، إلا من شاء ربك، ثم يكون بين النفختين ما شاء الله أن يكون)). وأخرج ابن المبارك في الرقاق من مرسل الحسن: بين النفختين أربعون سنة، الأولى يميت الله بها كل حي، والأخرى يحيي الله بها كل ميت، ونحوه عند ابن مردويه من حديث ابن عباس، وهو ضعيف. وعن أنس قال: قال رسول الله عَّله: ((أنا أول الناس خروجًا إذا بعثوا، وأنا وما ترجاه صرح به عند ابن ماجه والبزار عن أبي سعيد مرفوعًا: ((إن صاحبي الصور بأيديهما قرنان يلاحظان النظر متى يؤمران»، وفي حديث عائشة عند الطبراني بسند حسن رفعته: ((وملك الصور جاث على ركبته وقد نصب الأخرى فالتقم الصور فحنى ظهره، وقد أمر إذا رأى إسرافيل قد ضم جناحيه أن ينفخ في الصور)). قال الحافظ: هذا يدل على أن النافخ غير إسرافيل، فيحمل على أنه ينفخ النفخة الأولى إذا رأى إسرافيل ضم جناحيه، ثم ينفخ إسرافيل النفخة الثانية وهي نفخة البعث (والصور قرن) من لؤلؤة بيضاء على ما مر (فلا يبقي اللّه خلق في السموات والأرض) ممن كان حيًا حين النفخ (إلا مات إلاّ من شاء ربك ثم يكون بين النفختين ما شاء اللّه أن يكون) أبهمه. وقال الحليمي: اتفقت الروايات على أن بينهما أربعين سنة، وفي جامع ابن وهب: أربعين جمعة وسنده منقطع. (وأخرج ابن المبارك في) كتاب (الرقاق:) بكسر الراء جمع رقيق، أي الأمور التي ترقق القلب وتلينه (من مرسل الحسن) البصري: (بين النفختين أربعون سنة، الأولى يميت اللّه بها كل حي والأخرى يحيي اللّه بها كل ميت، ونحوه عند ابن مردويه من حديث ابن عباس) موقوفًا: (وهو ضعيف) أي: إسناده في الصحيحين عن أبي هريرة رفعه: ما بين النفختين أربعون، قالوا: يا أبا هريرة أربعون يومًا، قال: أبيت، قالوا: شهرًا، قال: أبيت، قالوا: عامًا، قال: أبيت، قيل: معناه امتنعت عن بيان ذلك، وعلى هذا فعنده علم من ذلك سمعه منه عَّ له، وقيل: معناه امتنعت أن أسأله عَِّ عن ذلك، وعلى هذا لم يكن عنده علم، قال القرطبي: والأول أظهر وإنما لم يبينه لأنه لا ضرورة إليه، وقد ورد من طريق آخر أن بين النفختين أربعين عامًا. انتهى. أي: عن أبي هريرة مرفوعًا في حديث عند أبي داود في كتاب البعث، لكن قال الحافظ: قد ورد من طرق أن أبا هريرة صرح بأنه ليس عنده علم بالتعيين، وعند ابن مردويه بسند جيد؛ أن أبا هريرة لما قال أربعون، قالوا: ماذا، قال هكذا سمعت. (وعن أنس قال: قال رسول اللّه عَّل أنا أول الناس خروجًا إذا بعثوا) من قبورهم وهو بمعنى قوله: أنا أول من تنشق عنه الأرض وهذا من كمال عناية ربه به حيث منحه هذا السبق ٢٨٠ الفصل الثالث في أمور الآخرة قائدهم إذا وفدوا، وأنا خطيبهم إذا أنصتوا، وأنا شفيعهم إذا حبسوا، وأنا مبشرهم إذا أيسوا، الكرامة والمفاتيح يومئذ بيدي، ولواء الحمد يومئذٍ بيدي، وأنا أكرم ولد آدم على ربي، يطوف علي ألف خادم كأنهم بيض مكنون أو لؤلؤ منثور، رواه الدارمي، وقال الترمذي: حديث غريب. ولم يقل: وأنا إمامهم، لأن دار الآخرة ليست دار تكليف. وفيه مناسبة لسبقه بالنبوة (وأنا قائدهم إذا وفدوا) قدموا على ربهم ركبانًا على نجائب من نور من مراكب الآخرة والوافد الراكب، قاله ابن كثير وغيره، لكنه هنا مجرد عن بعض معناه مستعمل في مطلق القدم، لأن الذين يحشرون ركبانًا إنما هم المتقون، فأما العصاة فمشاة كما في أحاديث وهو عَّة قائد لجميع المؤمنين الطائعين والعصاة (وأنا خطيبهم) أي: المتكلم عنهم (إذا انصتوا). قال بعض شراح الترمذي: هذه خطبة الشفاعة، وقيل: قبلها (وأنا شفيعهم إذا حبسوا:) منعوا عن الجنة (وأنا مبشرهم) بقبول شفاعتي لهم عند ربي ليريحهم (إذا أيسوا) من الناس، وفي رواية: أبلسوا من الإِبلاس وهو الانكسار والحزن (الكرامة) التي يكرم الله عباده يومئذٍ (والمفاتيح يومئذٍ) أي: يوم القيامة ظرف له وللكرامة، والخبر قوله: كاثنان (بيدي) تصرفي وقدرتي (ولواء الحمد يومئذٍ بيدي وأنا أكرم ولد عادم على ربي) ودخل عادم بالأول لأن في ولده من هو أكرم منه كإبراهيم وموسى (يطوف عليّ) بشد الياء (ألف خادم كأنهم بيض مكنون) شبههم ببيض النعام المصون من الغبار، ونحوه في الصفاء والبياض المخلوط بأدنى صفرة، فإنه أحسن ألوان الأبدان (أو لؤلؤ منثور) من سلكه أو من صدفه وهو أحسن منه في غير ذلك، شبههم به لحسنهم وانتشارهم في الخدمة، وهذا قاله تحدثًا بنعمة ربه كما أمره. قال القرطبي: ولأنه مما أمر بتبليغه لوجوب اعتقاده وأنه حق في نفسه وليرغب في الدخول في دينه ويتمسك به من دخل فيه، ولتعظم محبته في قلوب متبعيه فتكثر أعمالهم وتطيب أحوالهم فيحصل لهم شرف الدنيا والآخرة، لأن شرف المتبوع متعد لشرف التابع، فإن قيل: هذا راجع للاعتقاد فكيف يحصل القطع به من أخبار الآحاد، قلنا: من سمع شيئًا من هذه الأمور منه عَّ مشافهة حصل له العلم به كالصحابة، ومن لم يشافهه حصل له العلم به من طريق التواتر المعنوي لكثرة أخبار الآحاد به. (رواه الدارمي) عبد الله بن عبد الرحمن الحافظ (وقال) تلميذه (الترمذي) بعد روايته له مختصرًا، ولذا لم يعزه له المصنف (حديث غريب) وفيه الحسن بن يزيد الكوفي، قال أبو حاتم: لين (ولم يقل وأنا إمامهم) بدل قوله: وأنا قائدهم (لأن دار الآخرة ليست دار تكليف) وهو إخبار عن حاله فيها.