Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١ الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف الفرائض وإكمال الدين، حتى كثر تردد جبريل عليه السلام بها، ثم استقر بها عَّه. إلى قيام الساعة. ولهذا قيل لمالك: أيما أحب إليك المقام هنا - يعني المدينة - أو مكة؟ فقال: هنا، وكيف لا أختار المدينة وما بها طريق إلا سلك عليها رسول الله عَّ له، وجبريل ينزل عليه من عند رب العالمين في أقل من ساعة؟ !. وروى الطبراني حديث ((المدينة خير من مكة)) وفي رواية للجندي ((أفضل من مكة)) وفيه: محمد بن عبد الرحمن الرداد، ذكره ابن حبان في الثقات وقال: كان يخطىء، وقال أبو زرعة: لين، وقال: ابن عدي، روايته ليست محفوظة، وقال أبو حاتم: ليس بقوي. وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله عَظ له: ((أمرت بقرية تأكل القرى، يقولون يثرب وهي المدينة، تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد)). بمكة بعد الإِيمان سوى الصلاة على المعروف (وإكمال الدين حتى كثر تردد) مجيء (جبريل عليه السلام بها، ثم استقر بها عٍَّ إلى قيام الساعة) ولا يوازي ذلك شيء (ولهذا قيل للملك) الإِمام: (أيما أحب إليك المقام هنا؟، يعني: المدينة أو مكة، فقال: ههنا) أحب إليّ (وكيف لا أختار المدينة وما بها طريق إلاَّ سلك عليها رسول اللّه عَّاللّه وجبريل ينزل عليه من عند رب العالمين في أقل من ساعة) مدة من الزمن، فأي فضل يعادل هذا. (وروى الطبراني) في الكبير والدارقطني (حديث) رافع بن خديج: سمعت النبي عُّ يقول (المدينة خير من مكة) لأنه إذا تأمل ذو البصيرة لم يجد فضلاً أعطيته مكة إلاَّ وأعطيت المدينة نظيره، أو أعلى منه كما في الحجج المبينة، وزادت ببقاء المصطفى فيها إلى يوم القيامة. (وفي رواية للجندي:) بفتح الجيم والنون ودال مهملة نسبة إلى الجند بلد باليمن (أفضل من مكة) وهما بمعنى لكن أفضل أصرح (وفيه محمد بن عبد الرحمن الرداد، ذكره ابن حبان في الثقات). (وقال: كان يخطىء، وقال أبو زرعة) الرازي الحافظ عبيد اللّه بن عبد الكريم: (لين، وقال ابن عدي روايته لسيست محفوظة، وقال أبو حاتم) محمد بن إدريس الرازي: (ليس بقوي) وحاصله أنه ضعيف متماسك. (وفي الصحيحين:) في الحج والنسائي فيه، وفي التفسير كلهم من طريق لملك، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن يسار (عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه عَظِّ أمرت) بالبناء للمفعول (بقرية تأكل القرى يقولون) أي: بعض المنافقين (يثرب) باسم واحد من العمالقة نزلها ٢٤٢ الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف أي أمرني الله بالهجرة إليها، إن كان قاله معَّه بمكة، أو: بسكناها، إن كان قاله بالمدينة. وقال القاضي عبد الوهاب: لا معنى لقوله: ((تأكل القرى)) إلا رجوح فضلها عليها، أي: على القرى وزيادتها على غيرها. أو يثرب بن فانية من ولد أرم بن سام بن نوح وكان اسما لموضع منها سميت به كلها وكرهه عَّله لأنه من التثريب الذي هو التوبيخ والملامة أو من الثرب وهو الفساد وكلاهما قبيح، وقد كان يحب الاسم الحسن ويكره القبيح، ولذا أبدله بطيبة وطابة والمدينة كما قال (وهي المدينة) أي الكاملة على الإطلاق كالبيت للكعبة فهو اسمها الحقيق بها لدلالة التركيب على التفخيم كقوله الشاعر: هم القوم كل القوم يا أم خالد أي المستحقة لأن تتخذ دار إقامة وتسميتها في القرءان يثرب إنما هو حكاية عن منافقین. وروى أحمد عن البراء بن عازب رفعه: ((من سمى المدينة يثرب فليستغفر اللّه هي طابة هي طابة))، وروى عمر بن شبة عن أبي أيوب أنه عَِّ نهى أن يقال للمدينة يثرب. ولهذا قال عيسى بن دينار: من سمى المدينة يثرب كتبت عليه خطيئة وحديث الهجرة في الصحيحين، فإذا هي يثرب، وفي رواية: لا أراها إلا يثرب كان قبل النهي (تنفي) المدينة (الناس) أي: الخبيث الرديء منهم في زمنه عَّ له، أو في زمن الدجال (كما ينفي الكير) بكسر الكاف وسكون التحتية. قال في القاموس: زق ينفخ فيه الحداد، وأما المنبني من طين فكور (خبث) بفتح المعجمة والموحدة ومثلثة (الحديد) أي: وسخه الذي تخرجه النار، أي: أنها لا تبقي فيها من في قلبه دغل، بل تميزه عن القلوب الصادقة وتخرجه كما تميز النار رديء الحديد من جيده ونسب التمييز للكير، لأنه السبب الأكبر في اشتعال النار التي وقع التمييز بها. وقد خرج من المدينة بعد الوفاة النبوية معاذ وأبو عبيدة وابن مسعود في طائفة، ثم علي وطلحة والزبير وعمار وآخرون وهم من أطيب الخلق، دل على أن المراد بالحديث تخصيص ناس دون ناس وقت دون ووقت وقوله: أمرت بقرية (أي: أمرني اللّه) تعالى (بالهجرة إليها إن كان قاله عليه السلام بمكة) قبل أن يهاجر (أو بسكناها إن كان قاله بالمدينة). (وقال القاضي عبد الوهاب) البغدادي، ثم المصري: وبها مات (لا معنى لقوله: تأكل القرى إلا رجوح فضلها عليها، أي: على القرى وزيادتها على غيرها) ومن جملته مكة. ٢٤٣ الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف وقال ابن المنير: يحتمل أن يكون المراد بذلك. غلبة فضلها على فضل غيرها، أي أن الفضائل تضمحل في جنب عظيم فضلها حتى تكون عدمًا، وهذا أبلغ من تسمية مكة ((أم القرى)) لأن الأمومة لا ينمحي معها ما هي له أم، لكن یکون لها حق الأمومة، انتهى. ويحتمل أن يكون المراد غلبة أهلها على القرى، والأقرب: حمله عليهما، إذ هو أبلغ في الغرض المسوق له. انتهى ما قاله السيد السمهودي. وقد أطلت في الاحتجاج لتفضيل المدينة على مكة، وإن كان مذهب إمامنا الشافعي - رحمه الله - تفضيل مكة، لأن هوى كل نفس أين حل حبيبها. عليّ لربع العامرية وقفة ليملي علي الشوق والدمع كاتب (وقال) الزين (بن المنير) في حاشية البخاري، قال السهيلي في التوراة: يقول اللّه يا طابة يا مسكينة إني سأرفع أجاجيرك على أجاجير القرى، وهو قريب من قوله تأكل القرى لأنها إذا علت عليها علو الغلبة أكلتها، و (يحتمل أن يكون المراد بذلك غلبة فضلها على فضل غيرها، أي: أن الفضائل تضمحل) بمعجمة فميم فمهملة فلام تذهب (في جنب عظيم فضلها حتى تكون عدمًا) أي: يغلب فضلها الفضائل حتى إذا قيست بفضلها تلاشت بالنسبة إليها، فهو المراد بالأكل (وهذا أبلغ من تتتتمية مكة أم القرى، لأن الأمومة لا ينمحي معها ما هي له أم لكن يكون لها حق الأمومة. انتهى) كلام ابن المنير وبقيته وما تضمحل له الفضائل أفضل وأعظم مما تبقى معه الفضائل (ويحتمل أن يكون المراد غلبة أهلها على القرى) يعني أن أهلها تغلب أهل سائر البلاد فتفتح منها، يقال: أكلنا بني فلان، أي: غلبناهم وظهرنا عليهم، فإن الغالب المستولى على الشيء كالمغني له إفناء الأكل إياه، وفي موطأ ابن وهب، قلت لمالك: ما تأكل القرى؟ قال: تفتح القرى (والأقرب حمله عليهما) بالتثنية، أي: على غلبتها على القرى وغلبة فضلها على فضل غيرها (إذ هو أبلغ في الغرض المسوق له. انتهى). (ما قاله السيد السمهودي) وهو من النفائس الخلية عن عصبية المذهبية (وقد أطلت في الاحتجاج لتفضيل المدينة على مكة وإن كان مذهب إمامنا الشافعي رحمه اللّه تفضيل مكة، لأن هوی کل نفس أین حل حبيبها) کما قيل: وقائلة لي ما وقوفك ههنا ببرية يعوي من العصر ذيبها فقلت لها قلي الملامة واقصري هوى كل نفس أين حل حبيبها . وأنشد لغيره: (علي لربع العامرية وقفة ليملي علي الشوق والدمع كاتب) ٢٤٤ الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف ومن مذهبي حب الديار لأهلها وللناس فيما يعشقون مذاهب على أن للقلم في أرجاء تفضيل المدينة مجالاً واسعًا ومقالاً جامعًا، لكن الرغبة في الاختصار تطوي أطراف بساطه، والرهبة من الإكثار تصرف عن تطويله وإفراطه. وقد استنبط العارف ابن أبي جمرة من قوله عَّ المروي في البخاري ((ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة)) التساوي بين فضل مكة والمدينة. قال: وظاهر هذا الحديث يعطي التسوية بينهما في الفضل، لأن جميع الأرض يطؤها الدجال إلا هذين البلدين، فدل على تسويتهما في الفضل، قال: ويؤكد ذلك (ومن مذهبي حب الديار لأهلها وللناس فيما يعشقون مذاهب) يملي بضم الياء وكسر اللام فاعله الشوق، ومن ذلك المعنى قول الشاعر: وما حب الديار شغفن قلبي ولكن حب من سكن الديارا (على أن للقلم في أرجاء:) بفتح الهمزة وسكون الراء وجيم جمع رجا بالقصر الناحية، أي: في جهات تفضيل (المدينة مجالاً) مصدر ميمي لجال، أي: طوافًا (واسعًا) في بيان أدلة ذلك (ومقالاً جامعًا) لما تفرق (لكن الرغبة في الاختصار تطوي أطراف بساطه والرهبة) الخوف (من الإكثار تصرف) تصد (عن تطويله وإفراطه). (وقد استنبط): استخرج (العارف بالله ابن أبي جمرة) بجيم وراء (من قوله عليه السلام المروي في البخاري) والنسائي في الحج، ومسلم في الفتن عن أنس مرفوعًا: (ليس من بلد) من البلدان (إلاَّ سيطؤه:) يدخله (الدجال) قال الحافظ: هو على ظاهره وعمومه عند الجمهور، وشذ ابن حزم فقال: المراد لا يدخله بجنوده وكأنه استبعد إمكان دخول الدجال جميع البلاد لقصر مدته، وغفل عما في مسلم؛ أن بعض أيامه يكون قدر سنة (إلاّ مكة والمدينة) لا يطؤهما مستثنى من المستثنى لا من بلد في اللفظ، وإلاّ ففي المعنى منه لأن ضمير يطؤه عائد على بلد. وبقية هذا الحديث ليس من نقابهما نقب إلاَّ عليه الملائكة صافين يحرسونهما، ثم ترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات، فيخرج اللّه كل كافر ومنافق (التساوي) مفعول استنبط (بين مكة والمدينة) حيث (قال: وظاهر هذا الحديث يعطي التسوية بينهما في الفضل، لأن جميع الأرض يطؤها الدجال إلاَّ هذين البلدين، فدل على تسويتهما في الفضل) وليس ذلك بلازم، فإنهما متساويان في أشياء كثيرة ومع ذلك الخلاف في أيهما أفضل. (قال: ويؤكد ذلك أيضًا من وجه النظر أنه) أي: الشأن (إن كانت خصت المدينة ٢٤٥ الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف أيضًا من وجه النظر. لأنه إن كانت خصت المدينة بمدفنه عَ لّه وإقامته بها ومسجده، فقد خصت مكة بمسقطه عَِّ بها ومبعثه منها، وهي قبلته، فمطلع شمس ذاته الكريمة المباركة مكة، ومغربها المدينة، وإقامته بعد النبوة على المشهور من الأقاويل بمكة مثل إقامته عَِّ بالمدينة، عشر سنين في كل واحدة منهما. كذا قاله. وأنت إذا تأملت قوله عٍَّ فيما رواه مسلم من حديث سعد يأتي على الناس زمان يدعو الرجل ابن عمه وقريبه: هلم إلى الرخاء، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، والذي نفسي بيده لا يخرج أحد رغبة عنها إلا أخلف الله فيها خيرًا منه بمدفنه عليه السلام وإقامته بها ومسجده، فقد خصت مكة بمسقطه) أي: ولادته (عليه السلام بها ومبعثه منها وهي قبلته، فمطلع شمس ذاته المباركة مكة ومغربها المدينة وإقامته بعد النبوة على المشهور من الأقاويل بمكة قدر إقامته بالمدينة عشر سنين في كل واحدة منهما، كذا قاله:) تبرأ منه، لأن دلالة ما قاله على التساوي ليست بقوية، ولأن ما قال إنه المشهور خلاف المشهور، أنه أقام بمكة بعد النبوة ثلاث عشرة، وحمله على أن المراد بعشر مكة العشر التي دعا الناس فيها، لأن الثلاثة قبلها لم يكن مأمورًا فيها بدعوة يمنعه قوله على المشهور من الأقاويل، إذ لو حمل على ذلك لم يكن خلاف (وأنت إذا تأملت قوله عليه السلام فيما رواه مسلم من حديث سعد). كذا في النسخ، والذي في مسلم إنما هو عن أبي هريرة أن رسول اللّه عٍَّ قال: (يأتي على الناس زمان يدعو الرجل ابن عمه وقريبه) أي: الرجل (هلم) أي: تعال (إلى الرخاء) الزرع والخصب وغير ذلك (والمدينة خير لهم) من الرخاء، لأنها حرم الرسول وجواره ومهبط الوحي ومنزل البركات (لو كانوا يعلمون) بما فيها من الفضائل كالصلاة في مسجدها وثواب الإِقامة فيها وغير ذلك من الفوائد الدينية والأخروية التي تحتقر دونها الحظوظ الفانية العاجلة بسبب الإِقامة في غيرها وجواب لو محذوف، أي: ما خرجوا منها، أو لو للتمني فلا جواب لها، وعلى التقديرين: ففيه تجهيل من فارقها تقويته على نفسه خيرًا عظيمًا، وللبزار برجال الصحيح عن جابر، مرفوعًا: «ليأتين على أهل المدينة زمان ينطلق الناس منها إلى الأرياف يلتمسون الرخاء، فيجدون رخاء ثم يتحملون بأهليهم إلى الرخاء والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون»، والأرياف: جمع ريف بكسر الراء وهو ما قارب المياه في أرض العرب، وقيل: هو الأرض التي فيها الزرع والخصب، وقيل: غير ذلك (والذي نفسي بيده لا يخرج أحد رغبة عنها) أي: كراهة لها من رغبت عن الشيء إذا كرهته، قاله المازري (إلاَّ أخلف اللّه فيها خيرًا منه) بمولود يولد بها، أو ٢٤٦ الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف ظهر لك أن فيه إشعارًا بذم الخروج من المدينة. بل نقل الشيخ محب الدين الطبري عن قوم أنه عام أبدًا مطلقًا، وقال: إنه ظاهر اللفظ. وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن رسول الله عٍَّ قال: ((لا يصبر على لأواء المدينة وشدتها أحد من أمتي إلا كنت له شفيعًا يوم القيامة أو شهيدًا)). وفيه عن سعيد - مولى المهري - أنه جاء إلى أبي سعيد الخدري ليالي الحرة، فاستشاره في الجلاء من المدينة، وشكا إليه أسعارها وكثرة عياله، وأخبره أنه لا صبر له على جهد المدينة ولاوائها، فقال: ويحك. لا آمرك بذلك، إني سمعت رسول الله عَّ يقول: لا يصبر أحد على لأوائها إلا كنت له شفيعًا أو قدوم خير منه من غيرها وهذا فيمن استوطنها، أما من كان وطنه غيرها فقدمها للقربة ورجع إلى وطنه أو استوطنها وسافر لحاجة أو شدة أو فتنة فليس من ذلك. قاله الباجي: (ظهر لك أن فيه إشعارًا) قويًا (بذم الخروج من المدينة) رغبة عنها كما قيد به الحديث، فلا يرد أن الصحابة الذين خرجوا منها لم تخلف المدينة بمثلهم فضلاً عن خير منهم (بل نقل الشيخ محب الدين الطبري عن قوم؛ أنه عام أبدًا مطلقًا) أي: في زمنه عَّه. وبعده (وقال) مختارًا له (أنه ظاهر اللفظ). وقد اختلف في ذلك فقال ابن عبد البرّ وعياض وغيرهما أنه خاص بزمنه عَ لّ. وقال آخرون: هو عام في زمنه وبعده، ورجحه النووي، وقال الأبي أنه الأظهر والذين خرجوا من الصحابة لم يخرجوا رغبة عنها، بل لمصالح دينية. (وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: أن رسول اللّه عَّهِ قال: لا يصبر على لأواء المدينة وشدتها) أي: اللأواء أو المدينة احتمالان المازري، فعلى الأول هو عطف تفسير (أحد من أمتيٍ إلا كنت له شفيعًا يوم القيامة أو شهيدًا، وفيه عن سعيد) صوابه كما في مسلم عن أبي سعيد (مولى المهري) بفتح الميم وسكون الهاء وبالراء نسبة إلى مهرة قبيلة من قضاعة. قال المنذري: لا يعرف له اسم (أنه جاء إلى أبي سعيد الخدري ليالي الحرة) بفتح الحاء والراء المهملتين (فاستشاره في الجلاء) بفتح الجيم والمد الخروج (من المدينة وشكا إليه أسعارها) أي: غلوها (وكثرة عياله، وأخبره أنه لا صبر له على جهد:) مشقة (المدينة ولأوائها) عطف مساوٍ (فقال له أبو سعيد: ويحك لا آمرك بذلك) أي: الجلاء (إني سمعت رسول اللّه عَّ يقول: ((لا يصبر أحد على لأوائها إلاَّ كنت له شفيعًا أو شهيدًا يوم القيامة)) ٢٤٧ الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف شهيدًا يوم القيامة. و ((اللأواء)): بالمد، الشدة والجوع. و((أو)) في قوله: إلا كنت له شفيعًا أو شهيدًا الأظهر أنها ليست للشك، لأن هذا الحديث رواه جابر بن عبد الله، وسعد بن أبي وقاص، وابن عمر، وأبو سعيد، وأبو هريرة، وأسماء بنت عميس، وصفية بنت أبي عبيد، عنه عَّه بهذا اللفظ، ويبعد اتفاق جميعهم أو رواتهم على الشك وتطابقهم فيه على صيغة واحدة، بل الأظهر أنه قاله صلى الله عليه وسلم. وتكون ((أو)) للتقسيم، ويكون شهيدًا لبعض أهل المدينة وشفيعًا لباقيهم، إما شفيعًا للعاصين وشهيدًا للمطيعين، وإما شهيدًا لمن مات في حياته، وشفيعًا لمن مات بعده، أو غير ذلك. وهذه خصوصية زائدة على الشفاعة للمذنبين أو للعالمين فى القيامة، وعلى إذا كان مسلمًا، هذا تمام الحديث عند مسلم (واللأواء) بفتح اللام وسكون الهمزة بعدها واو، و (بالمد الشدة) أي شدة الكسب (والجوع). قال عياض في شرح مسلم: سئلت قديمًا عن هذا الحديث ولم خص ساكن المدينة بالشفاعة هنا مع عموم شفاعته عَّه وادخاره إياها. قال: وأجبت عنه بجواب شاف مقنع في أوراق اعترف بصوابه كل واقف عليه، وأذكر منه هنا لمعًا تليق بهذا الموضع (وأو في قوله: إلاّ كنت له شفيعًا أو شهيدًا) قال بعض شيوخنا: إنها للشك، و (الأظهر أنها ليست للشك) فهذا كله كلام عياض قائلاً: (لأن هذا الحديث رواه جابر بن عبد الله) الأنصاري (وسعد بن أبي وقاص) عند مسلم والنسائي في حديث بلفظ: ولا يثبت أحد على لأوائها وجهدها إلاَّ كنت له شهيدًا أو شفيعًا يوم القيامة (وابن عمر وأبو سعيد) الخدري (وأبو هريرة) الثلاثة عند مسلم (وأسماء بنت عميس) بمهملتين مصغر (وصفية بنت أبي عبيد) زوجة ابن عمر في صحبتها خلاف السبعة (عنه عَّه بهذا اللفظ) أي شهيدًا أو شفيعًا (ويبعد اتفاق جميعهم أو رواتهم على الشك وتطابقهم:) توافقهم (على صيغة واحدة، بل الأظهر أنه قاله عليه السلام وتكون أو للتقسيم، ويكون شهيدًا لبعض أهل المدينة وشفيعًا لباقيهم) بيان للتقسيم، وأوضحه فقال: (إما شفيعًا للعاصين وشهيدًا للمطيعين) بطاعاتهم (وإما شهيدًا لمن مات في حياته) عَِّ (وشفيعًا لمن مات بعده أو غير ذلك) مما اللّه أعلم به كما في كلام عياض (وهذه خصوصية زائدة على الشفاعة للمذنبين أو للعالمين ٢٤٨ الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف شهادته على جميع الأمم، فيكون لتخصيصهم بهذا كله علو مرتبه وزيادة وحظوة. وإذا قلنا ((أو)) للشك، فإن كانت اللفظة الصحيحة ((شهيدًا)) اندفع الاعتراض لأنها زائدة على الشفاعة المدخرة لغيرهم، وإن كانت اللفظة الصحيحة ((شفيعًا)) فاختصاص أهل المدينة بهذا مع ما جاء من عمومها وادخارها لجميع الأمة أن هذه شفاعة أخرى غير العامة، وتكون هذه الشفاعة لأهل المدينة بزيادة الدرجات، أو تخفيف الحساب، أو بما شاء الله من ذلك، أو بإكرامهم يوم القيامة بأنواع الكرامات لكونهم على منابر أو في ظل العرش، أو الإسراع بهم إلى الجنة أو غير ذلك من خصوص الكرامات. كيف لا يتحمل المشقات من يحب أن يتمتع بسيد أهل الأرض والسلموات، وينال ما وعده به من جزيل المثوبات وجسيم الهبات، وإنجاز وعده في القيامة و) زائدة (على شهادته على جميع الأمم)؛ بأن أنبيائهم بلغتهم وحذف من كلام عياض، وقد قال عَّ في شهداء أحد: أنا شهيد على هؤلاء (فيكون لتخصيصهم بهذا كله علو مرتبة) منزلة (وزيادة منزلة وحظوة) بضم المهملة وكسرها وسكون الظاء المعجمة محبة ورفعة قدر، وأسقط من كلام عياض: وقد تكون أو بمعنى الواو، فيكون لأهل المدينة شفيعًا وشهيدًا. انتھی. وقد رواه البزار بالواو برجال الصحيح عن ابن عمر: (وإذا قلنا أو للشك) كما قال المشايخ، كما عبر عياض وهو يفيد أن قوله أولاً بعض شيوخنا أراد بالبعض جماعة من شيوخه، قالوا: إنها للشك (فإن كانت اللفظة الصحيحة شهيدًا اندفع الاعتراض) بأن شفاعته عامة (لأنها زائدة على الشفاعة المدخرة لغيرهم وإن كانت اللفظة الصحيحة) أي الواردة في نفس الأمر (شفيعًا، فاختصاص أهل المدينة بهذا مع ما جاء من عمومها وادخارها لجميع الأمة إن هذه شفاعة أخرى غير العامة) المدخرة (وتكون هذه الشفاعة لأهل المدينة بزيادة الدرجات) في الجنة (أو تخفيف الحساب) يوم القيامة (أو بما شاء اللّه من ذلك، أو بإكرامهم يوم القيامة بأنواع الكرامات، ككونهم على منابر أو في ظل العرش، أو الإسراع بهم إلى الجنة) أو كونهم في روح (أو غير ذلك من خصوص الكرامات) الواردة لبعضهم دون بعض، إلى هنا كلام عیاض. وقد نقله عنه النووي: (كيف لا يتحمل المشقات) استفهام توبيخي (من يحب أن يتمتع بسيد أهل الأرض والسموات وينال ما وعده به من جزيل المثوبات وجسيم الهبات و) ينال ٢٤٩ الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف لشافعته وشهادته وبلوغ قصده في المحيا والممات، وكم عسى تكون شدة المدينة ولأوائها، وإلى متى تستمر مشقتها وبلواها، لو تأملت يا هذا، لوجدت في البلاد ما هو في الشدة وشظف العيش مثلها أو أشق منها، وأهلها مقيمون فيها، وربما يوجد فيهم من هو قادر على الانتقال فلا ينتقل، وقوي على الرحلة فلا يرتحل، ويؤثر وطنه مع إمكان الارتحال والقدرة على الانتقال. على أن المدينة مع شظف العيش بها في غالب الأحيان، قد وسع الله فيها على بعض السكان، حتى من أصحابنا من غير أهلها ممن استوطنها وحسن فيها حاله، وتنعم بها باله دون سائر البلدان، فإن من الله على المرء بمثل ذلك هنالك، وإلا فالصبر للمؤمن أولى، فمن وفقه الله تعالى صبره في إقامته بها ولو على أحر من الجمر، فيتجرع مرارة غصتها ليجتلي عروس منصتها، ويلقى نزرًا من لأوائها ليوقی بذلك من مصائب الدنيا وبلائها. وقد روى البخاري من حديث أبي هريرة أن رسول الله عَّه قال: ((إن الإيمان (إنجاز) أي: تعجيل (وعده الصادق بشفاعته وشهادته و) ينال (بلوغ قصده في المحيا والممات، وكم عسى تكون شدة المدينة ولأواها) بالقصر لتوافق السجعة بعده وإن كان ممدودًا (وإلى متى تستمر مشقتها وبلواها، لو تأملت يا هذا لوجدت في البلاد ما هو في الشدة وشظف) بفتح الشين والظاء المعجميتن وفاء شدة (العيش). وضيقه (مثلها، أو أشق منها وأهلها مقيمون فيها) جملة حالية (وربما يوجد فيهم من هو قادر على الانتقال فلا ينتقل:) يتحول عنها (وقوي على الرحلة فلا يرتحل ويؤثر وطنه مع إمكان الارتحال والقدرة على الانتقال) لأن حب الوطن من الإيمان (على أن المدينة مع شظف العيش بها في غالب الأحيان قد وسع اللّه فيها على بعض السكان حتى من أصحابنا من غير أهلها ممن استوطنها وحسن فيها حاله وتنعم بها باله) أي: قلبه (دون سائر البلدان، فإن منَّ اللّه على المرء بمثل ذلك هنالك) أي: سعة العيش بالمدينة فظاهر، لأنها منة عظيمة يجب عليه شكرها (وإلاّ فالصبر للمؤمن أولى) إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب (فمن وفقه الله تعالى صبره) رزقه الصبر (في إقامته بها ولو على أمر من الجمر، فيتجرع مرارة غصتها ليجتلي عروس منصتها) بكسر الميم كرسي تقف عليه العروس في جلائها (ويلقى:) يصيب (نزرًا) شيئًا قليلاً (من لأوائها) شدتها (ليوقى:) يصان (من مصائب الدنيا وبلائها). (وقد روى البخاري) وابن ماجه في الحج ومسلم في الإِيمان (من حديث أبي هريرة؛ أن رسول اللّه عٍَّ قال: إن الإِيمان ليأرز) بلام التأكيد وهمزة ساكنة وراء مكسورة، وحكى القابسي ٢٥٠ الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى حجرها)) أي تنقبض وتنضم وتلتجئء، مع أنها أصل في انتشاره، فكل مؤمن له من نفسه سائق إليها في جميع الأزمان، لحبه في ساكنها معَّهِ، فأكرم بسكانها ولو قيل في بعضهم ما قيل، فقد حظوا بشرف المجاورة لهذا الحبيب الجليل. فقد ثبت لهم حق الجوار وإن عظمت إساءتهم، فلا يسلب عليهم اسم الجار، وقد عمم عَّله في قوله: ((ما زال جبريل يوصيني بالجار)) ولم يخص جارًا دون جار، وكل ما احتج به محتج من رمي بعض عوامهم السنية بالابتداع وترك الاتباع، فإنه إذا ثبت ذلك في شخص منهم فلا يترك فتحها، وحكى غيره ضمها، وصوب ابن التين الكسر فزاي معجمة، أي: أن أهل الإِيمان لتنضم وتجتمع (إلى المدينة كما تأرز الحية إلى حجرها)) بضم الجيم، أي: كما تنضم وتلتجىء إليه إذا خرجت في طلب المعاش ثم رجعت (أي: تنقبض وتنضم وتلتجىء) تفسير للمشبه والمشبه به (مع أنها) أي: المدينة (أصل في انتشاره) أي: الإِيمان (فكل مؤمن له من نفسه سائق إليها في جميع الأزمان لحبه في ساكنها عَّه) قال الحافظ: لأنه في زمنه للتعلم منه، وفي زمن الصحابة والتابعين وتابعيهم للاقتداء بهديهم ومن بعد ذلك لزيارة قبره عَّ له والصلاة في مسجده والتبرك بمشاهدة آثاره وآثار أصحابه. وقال الداودي: كان هذا في حياته عَّه والقرن الذي كان منهم والذين يلونهم والذين يلونهم خاصة، وقال القرطبي: فيه تنبيه على صحة مذهب أهل المدينة وسلامتهم من البدع وأن عملهم حجة. كما رواه لملك: وهذا إن سلم اختص بعصره عَِّ والخلفاء الراشدين، وأما بعد ظهور الفتن وانتشار الصحابة في البلاد، ولا سيما في آخر المائة الثانية وهلم جرا فهو بالمشاهدة بخلاف ذلك. انتهى. (فأكرم بسكانها، ولو قيل في بعضهم ما قيل فقد حظوا) بفتح الحاء المهملة وضم الظاء المعجمة بزنة رضوا لأن فعله لازم، فلا يصح ضم الحاء على البناء للمفعول، لأنه لا يبنى من لازم إلاّ إذا وجد ما يصلح للنيابة عن الفاعل بعد حذفه نحو مر بزيد، ولأن شرط البناء للمفعول أن يحذف الفاعل ويقام المفعول أو نحوه مقامه وما هنا ليس كذلك (بشرف المجاورة لهذا الحبيب الجليل، فقد ثبت لهم حق الجوار وإن عظمت إساءتهم فلا يسلب عليهم اسم الجار، وقد عمم عَّه في قوله: ما زال جبريل يوصيني بالجار ولم يخص جاراً من جار) فشمل الطائع والعاصي (وكل ما احتج به محتج من رمي بعض عوامهم السنية) بضم السين، أي عوامهم أهل السنة، لكن رمي بعضهم (بالابتداع وترك الاتباع، فإنه إذا ثبت ٢٥١ الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف إكرامه، ولا ينتقص احترامه فإنه لا يخرج عن حكم الجار ولو جار، ولا يزول عنه شرف مساكنته في الدار كيفما دار، بل يرجى أن يختم له بالحسنى ويمنح بهذا القرب الصوري قرب المعنى. فيا ساكني أكناف طيبة كلكم إلى القلب من أجل الحبيب حبيب ولله در ابن جابر حيث قال: هناؤكم يا أهل طيبة قد حقا فبالقرب من خير الورى حزتم السبقا سواها وإن جار الزمان وإن شقا فلا يتحرك ساكن منكمُ إلى وصلتم فلم يقدر ولو ملك الخلقا فكم ملك رام الوصول لمثل ما فها أنتم في بحر نعمته غرقى فبشراكم نلتم عناية ربكم ومن يره فهو السعيد به حقا وباب ذوي الإحسان لا يقبل الغلقا ترون رسول الله في كل ساعة متى جئتم لا يغلق الباب دونكم فيسمع شكواكم ويكشف ضركم ولا يمنع الإحسان حرًا ولا رقا ذلك في شخص) أو أشخاص (منهم فلا يترك إكرامه ولا ينتقص احترامه، فإنه لا يخرج عن حكم الجار ولو جار) اعتدى (ولا يزول عنه شرف مساكنته في الدار كيفما دار، بل یرجی أن يختم له بالحسنى ويمنح:) يعطى (بهذا القرب الصوري قرب المعنى) وأنشد لغيره: (فيا ساكني أكناف طيبة كلكم إلى القلب من أجل الحبيب حبيب) (ولله در ابن جابر) العلامة محمد (حيث قال: هناؤكموا يا أهل طيبة قد حقا فبالقرب من خير الورى حزتم السبقا) حق ثبت والسبق بسكون الباء التقدم: سواها وإن جار الزمان وإن شقا (فلا يتحرك ساكن منكمو إلى وصلتم فلم يقدر ولو ملك الخلقا فكم ملك رام الوصول لمثل ما فها أنتم في بحر نعمته غرقى فبشرا كموا نلتم عناية ربكم ترون رسول اللّه في كل ساعة ومن يره فهو السعيد به حقا) أي: ترون آثاره من مسجده وغيره، فهو كقول الآخر: إن لم تريه فهذه آثاره: (متى جئتمو لا يغلق الباب دونكم وباب ذوي الإِحسان لا يقبل الغلقا فيسمع شكواكم ويكشف ضركم ولا يمنع الإِحسان حراً ولا رقا ٢٥٢ الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف بطيبة مثواكم وأكرم مرسل يلاحظکم فالدهر پجري لکم وفقا فشكرًا ونعم الله بالشكر تستبقى فكم نعمة الله فيها عليكم أمنتم من الدجال فيها فحولها كذاك من الطاعون أنتم بمأمن فلا تنظروا إلا لوجه حبيبكم حياة وموتا تحت رحماه أنتم فيا راحلاً عنها لدنياتريدها أتخرج عن حوز البني وحرزه لئن سرت تبغي من كريم إعانة هو الرزق مقسوم فليس بزائد فكم قاعد قد وسع الله رزقه فعش في حمى خير الأنام ومت به إذا قمت فيما بين قبر ومنبر ملائكة يحمون من دونها الطرقا فوجه الليالي لا يزال لكم طلقا وإن جاءت الدنيا ومرت فلا فرقا وحشرا فستر الجاه فوقكم ملقى أتطلب ما يفنى وتترك ما يبقى إلى غيره تسفيه مثلك قد حقا فأكرم من خير البرية ما تلقى ولو سرت حتى كدت تخرق الأفقا ومرتحل قد ضاق بين الورى رزقا إذا كنت في الدارين تطلب أت ترقا بطيبة فاعرف أن منزلك الأرقى يلاحظكم فالدهر يجري لكم وفقا فشكرًا ونعم اللّه بالشكر تستبقى ملائكة يحمون من دونها الطرقا فوجه الليالي لا يزال لكم طلقا) بكسر الطاء وسكون اللام، أي: خالصًا، أو بفتح الطاء وسكون اللام مخففًا من كسرها، أي: فرحًا مسرورًا ووصفه بذلك تجوزا: (بطيبة مثواكم وأكرم مرسل فكم نعمة للّه فيها عليكم أمنتم من الدجال فيها فحولها كذاك من الطاعون أنتم بمأمن (فلا تنظروا إلا لوجه حبيبكم حياة وموتا تحت رحماه أنتم فيا راحلاً عنها لدنيا تريدها أتخرج عن حوز البني وحرزه لئن سرت تبغي من كريم إعانة هو الرزق مقسوم فليس بزائد فكم قاعد قد وسع الله رزقه فعش في حمى خير الأنام ومت به إذا قمت فيما بين قبر ومنبر بطيبة فاعرف أن منزلك الأرقى) وإن جاءت الدنيا ومرت فلا فرقا وحشرا فستر الجاه فوقكم ملقى أتطلب ما يفنى وتترك ما يبقى إلى غيره تسفيه مثلك قد حقا فأكرم من خير البرية ما تلقى ولو سرت حتى كدت تخرق الأفقا ومرتحل قد ضاق بين الورى رزقا إذا كنت في الدارين تطلب أت ترقا ٢٥٣ الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف لقد أسعد الرحمن جار محمد ومن جار في ترحاله فهو الأشقى وقد روى الترمذي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه من حديث ابن عمر: أن رسول الله عَّه قال: من استطاع منكم أن يموت بالمدينة فليمت بها، فإني أشفع لمن يموت بها ورواه الطبراني في الكبير من حديث سبيعة الأسلمية. وفي البخاري من حديث أبي هريرة أن رسول الله عَّهِ قال: لا يدخل (لقد أسعد الرحمن جار محمد ومن جار في ترحاله فهو الأشقى)) ومعنى الأبيات ظاهر فلا حاجة للتطويل بالتعلق بالألفاظ. (وقد روى الترمذي) وقال حسن صحيح (وابن ماجه وابن حبان في صحيحه من حديث ابن عمر أن رسول اللّه عَلَّه قال: من استطاع) أي: قدر (منكم أن يموت بالمدينة) أي: يقيم بها حتى يموت بها (فليمت بها) أي: فليقم بها حتى يموت، فهو حض على لزوم الإقامة بها ليتأتى له أن يموت بها إطلاقًا للمسبب على سببه كما في: ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون (فإني أشفع لمن يموت بها) أي: أخصه بشفاعة غير العامة زيادة في إكرامه وأخذ منه ندب الإِقامة بها مع رعاية حرمتها وحرمة ساكنها. وقال ابن الحاج حثه على محاولة ذلك بالاستطاعة التي هي بذل المجهود في ذلك فيه زيادة اعتناء بها، ففيه دليل على تمييزها على مكة في الفضل لإفراده إياها بالذكر هنا، قال السمهودي: وفيه بشرى للساكن بها بالموت على الإِسلام لاختصاص الشفاعة بالمسلمين وكفى بها مزية، فكل من مات بها مبشر بذلك. (ورواه الطبراني في الكبير من حديث) ابن عمر عن (سبيعة) بنت الحرث (الأسلمية) زوج سعد بن خولة لها حديث في عدة، المتوفى عنها، زوجها وكذا أخرجه ابن مندة في ترجمتها، وقال العقيلي هي غيرها. وقال ابن عبد البر: لا يصح ذلك عندي وانتصر ابن فتحون للعقيلي، فقال: ذكر الثعالبي أن سبيعة بنت الحرث أول امرأة أسلمت بعد صلح الحديبية أثر العقد وطينة الكتاب لم تجف، فنزلت آية الامتحان فامتحنها النبي عَّم ورد على زوجها مهر مثلها، وتزوجها عمر، قال ابن فتحون: فابن عمر إنما يروي عن امرأة أبيه. قال: ويؤيد ذلك أن هبة اللّه في الناسخ والمنسوخ ذكر أنه عَةٍ لما انصرف من الحديبية لحقت به سبيعة بنت الحرث امرأة من قريش، فبان أنها غير الأسلمية، ذكره في الإِصابة. (وفي البخاري من حديث أبي هريرة أن رسول اللّه عَّةٍ. قال: لا يدخل) لا نافية ٢٥٤ الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف المدينة المسيح الدجال ولا الطاعون. وفيه: عن أبي بكرة رضي الله عنه عن النبي عَِّ قال: لا يدخل المدينة رعب المسيح الدجال، لها يومئذ سبعة أبواب على كل باب ملكان. قال في فتح الباري: وقد استشكل عدم دخول الطاعون المدينة مع كونها شهادة، وكيف قرن بالدجال، ومدحت المدينة بعدم دخولهما. وأجيب: بأن كون الطاعون شهادة ليس المراد بوصفه بذلك ذاته، وإنما المراد أن ذلك يترتب عليه، وينشأ عنه لكونه سببه، فإذا استحضر ما تقدم في المقصد الثامن من أنه طعن الجن حَسُنَ مدح المدينة بعدم دخوله إياها، فإن فيه إشارة إلى أن كفار الجن وشياطينهم ممنوعون من دخول المدينة، ومن اتفق دخوله (المدينة المسيح) بحاء مهملة وإعجامها تصحيف كما قال غير واحد: (الدجال) من الدجل وهو الكذب والخلط، لأنه كذاب خلاط (ولا الطاعون، وفيه) أي: البخاري في الحج من أفراده (عن أبي بكرة) نفيع بن الحرث بن كلدة الثقفي (رضي اللّه عنه، عن النبي عَّه قال: لا يدخل المدينة رعب) بضم الراء فزع وخوف (المسيح الدجال) إخبار من الصادق بأمن أهلها منه، ولا يعارض هذا حديث أنس في الصحيحين: ((ترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات فيخرج اللّه كل كافر ومنافق)) كما قدمته، لأن المراد بالرعب ما يحصل من الفزع من ذكره والخوف من عتوه وتجبره لا الرجفة التي تقع بالزلزلة بإخراج من ليس بمخلص (لها) أي: المدينة (يومئذٍ) أي: يوم نزوله بعض السباخ التي بالمدينة كما في حديث أنس عند الشيخين، أي: ينزل خارج المدينة على أرض سبخة، وأضيفت لها لقربها منها (سبعة أبواب، على كل باب ملكان) يحرسانها منه لعنه اللّه. (قال في فتح الباري: وقد استشكل عدم دخول الطاعون المدينة مع كونها شهادة) كما صح في الحديث (وكيف قرن بالدجال) ولا يقرن الخبيث بالطيب (ومدحت المدينة بعدم دخولهما) الدجال والطاعون. (وأجيب بأن كون الطاعون شهادة ليس المراد بوصفه بذلك ذاته، وإنما المراد أن ذلك يترتب عليه وينشأ عنه لكونه سببه، فإذا استحضر ما تقدم في المقصد الثامن) معلوم أن هذا ليس في الفتح، ولكن زاده المصنف لإفادة تقدمه (من أنه طعن الجن حسن مدح المدينة بعدم دخوله إياها، فإن فيه إشارة إلى أن كفار الجن وشياطينهم ممنوعون من دخول المدينة، ومن اتفق دخوله فيها لا يتمكن من طعن أحد منهم) أي: أهلها وهذا شرف ٢٥٥ الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف فيها لا يتمكن من طعن أحد منهم. وقد أجاب القرطبي في المفهم عن ذلك فقال: المعنى لا يدخلها من الطاعون مثل الذي وقع في غيرها، كطاعون عمواس والجارف. وهذا الذي قاله يقتضي أنه دخلها في الجملة، وليس كذلك، فقد جزم ابن قتيبة في ((المعارف)) وتبعه جمع منهم الشيخ محيي الدين النووي في ((الأذكار)): بأن الطاعون لم يدخل المدينة أصلاً، ولا مكة أيضًا، لكن نقل جماعة أنه دخل مكة الطاعون في العام الذي كان في سنة تسع وأربعين وسبعمائة، بخلاف المدينة فلم يذكر أحد أنه وقع الطاعون بها أصلاً. وأجاب بعضهم بأنه عَِّ عوضهم عن الطاعون بالحمى، لأن الطاعون يأتي عظيم، وأنت خبير بأن الإِشكال إنما هو منع الطاعون منها مع أنه شهادة، وذكر قرن الدجال به تقوية للإِشكال لا أنه من جملته حتى يحتاج للجواب، ويقال: إنه تركه لظهور أن صونها منه شرف لها لما في دخوله من الفتنة والفساد. (وقد أجاب القرطبي في المفهم) شرح مسلم (عن ذلك، فقال: المعنى لا يدخلها من الطاعون مثل الذي وقع في غيرها كطاعون عمواس:) بفتح العين والميم قرية بين الرملة و بيت المقدس، نسب إليها لكونه بدأ فيها، وقيل: لأنه عم الناس وتواسوا فيه سنة ثمان عشرة في زمن عمر وهو أول طاعون وقع في الإِسلام (والجارف) بالجيم والفاء سنة تسع وستين، سمي بذلك لكثرة من مات فيه، والموت يسمى جارفًا لاجترافه الناس والسيل جارفًا لاجترافه ما على وجه الأرض وكسح ما عليها (وهذا الذي قاله يقتضي أنه دخلها في الجملة وليس كذلك؛ فقد جزم ابن قتيبة في المعارف وتبعه جمع منهم الشيخ محيي الدين النووي في الأذكار؛ بأن الطاعون لم يدخل المدينة أصلاً ولا مكة أيضًا). (لكن نقل جماعة أنه دخل مكة الطاعون في العام الذي كان في سنة تسع وأربعين وسبعمائة) ولا يرد هذا على النووي لأنه أخبر عما سمعه وأدركه بالاستقراء إلى زمنه، لأنه مات قبل ذلك بزمن طويل سنة ست وسبعين وستمائة. لكن في تاريخ مكة لعمر بن شبة برجال الصحيح عن أبي هريرة رفعه: المدينة ومكة محفوفتان بالملائكة، على كل نقب منهما ملك، فلا يدخلهما الدجال ولا الطاعون، وحينئذٍ فالذي نقل أن الطاعون دخل مكة في التاريخ المذكور ليس كما ظن أو يقال لا يدخلها مثل ما وقع في غيرها كالج رف (بخلاف المدينة، فلم يذكر أحد أنه وقع الطاعون بها أصلاً). (وأجاب بعضهم بأنه عليه الصلاة والسلام عوضهم عن) الثواب الحاصل لهم بسبب ٢٥٦ الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف مرة بعد مرة، والحمى تتكرر في كل حين فيتعادلان في الأجر، ويتم المراد من عدم دخول الطاعون المدينة. قال الحافظ ابن حجر: ويظهر لي جواب آخر، بعد استحضار الذي أخرجه أحمد من رواية أبي عسيب - بمهملتين آخره موحدة، بوزن عظيم - رفعه: أتاني جبريل بالحمى والطاعون فأمسكت الحمى بالمدينة وأرسلت الطاعون إلى الشام، وهو أن الحكمة في ذلك: أنه عٍَّ لما دخل المدينة كان في قلة من أصحابه عددًا ومددًا، وكانت المدينة وبئة، كما في حديث عائشة، ثم خير عَّه في أمرين (الطاعون بالحمى) وهي شهادة (لأن الطاعون يأتي مرة بعد مرة) ويتخلل بينهما زمن طويل عادة (والحمى تتكرر في كل حين فيتعادلان في الأجر) لأن كلا شهادة. وقد روى الديلمي عن أنس مرفوعًا: ((الحمى شهادة)) وسنده ضعيف، لكن له شاهد يقويه (ويتم المراد من عدم دخول الطاعون المدينة) لفظاعته وإن كان شهادة. (قال الحافظ ابن حجر: ويظهر لي جواب آخر بعد استحضار) الحديث (الذي خرجه أحمد) والحرث بن أبي أسامة والطبراني والحاكم أبو أحمد وابن سعد (من رواية أبي عسيب: بمهملتين آخره موحدة بوزن عظيم) مولى النبي ◌َّهِ مشهور بكنيته، قيل: اسمه أحمر، وقيل: سفينة مولى أم سلمة، والمرجح أنه غيره كما في الإصابة (رفعه: أتاني جبريل بالحمى والطاعون) بأن صورهما له بهيئة الأجسام المشخصة وأراه إياهما كما جزم به بعضهم ولا مانع من ذلك، لأن الأعراض والمعاني قد يجسمان، ويحتمل أن يريد أخبرني بهما (فأمسكت) أي: حبست (الحمى المدينة) لأنها لا تقتل غالبًا بل قد تنفع كما بينه ابن القيم (وأرسلت الطاعون إلى الشام) لأنها أخصب الأرض، والخصب مظنة الأشر والبطر، وبقية هذا الحديث، فالطاعون شهادة لأمتي ورحمة لهم ورجز على الكافرين (وهو) أي: الجواب (أن الحكمة في ذلك أنه عٍَّ لما دخل المدينة كان في قلة من أصحابه عددًا) أي: بالنسبة للعدد (ومددًا) لقلة المناصرين لهم (وكانت المدينة وبئة كما في حديث عائشة) في الصحيح: قدمنا المدينة وهي أوباً أرض اللّه تعالى، أي: أكثر وباء وأشد من غيرها، والمراد الحمى بدليل قوله عَظ له: وانقل حماها إلى الجحفة وليس المراد الطاعون. قال المصنف في مقصد الطب: الدليل على أن الطاعون يغاير الوباء أن الطاعون لم يدخل المدينة النبوية قط، وقد قالت عائشة: دخلنا المدينة وهي أو بأرض اللّه، وقال بلال: أخرجونا إلى أرض الوباء (ثم خير عَّة في أمرين يحصل بكل منهما الأجر الجزيل، فاختار الحمى حينئذٍ) ٢٥٧ الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف يحصل بكل منهما الأجر الجزيل، فاختار الحمى حينئذٍ لقلة الموت بها غالبًا بخلاف الطاعون، ثم لما احتاج إلى جهاد الكفار، وأذن له في القتال كانت قضية استمرار الحمى بالمدينة تضعف أجساد الذين يحتاجون إلى التقوية لأجل الجهاد، فدعا بنقل الحمى من المدينة إلى الجحفة، فعادت المدينة أصح بلاد الله بعد أن كانت بخلاف ذلك، ثم كانوا من حينئذ من فاتته الشهادة بالطاعون ربما حصلت له بالقتل في سبيل الله، ومن فاته ذلك حصلت له الحمى التي هي حظ المؤمن من النار، ثم استمر ذلك بالمدينة تمييزًا لها عن غيرها لتحقق إجابة دعوته وظهور هذه المعجزة العظيمة بتصديق خبره في هذه المدة المتطاولة، فكان منع دخول الطاعون من خصائصها ولوازم دعائه عَّةٍ لها بالصحة. وقال بعضهم: هذا من المعجزات المحمدية، لأن الأطباء من أولهم إلى آخرهم عجزوا أن يدفعوا الطاعون أي: حين خير (لقلة الموت بها غالبًا بخلاف الطاعون) لكثرة الموت غالبًا به (ثم لما احتاج إلى جهاد الكفار وأذن له في القتال) بآية: ﴿أذن للذين يقاتلون﴾ [الحج/ ٣٩] (كانت قضية استمرار) إضافة بيانية، أي: هي استمرار (الحمى بالمدينة تضعيف أجساد الذين يحتاجون إلى التقوية لأجل الجهاد، فدعا بنقل الحمى من المدينة إلى الجحفة) بضم الجيم وسكون المهملة، لأنها كانت حينئذٍ دار شرك ليشتغلوا بها من إعانة الكفار، فلم تزل من يومئذٍ أكثر البلاد حمى لا يشرب أحد من مائها إلاَّ حم (فعادت المدينة أصح بلاد اللّه بعد أن كانت بخلاف ذلك) أبوبأُ أرض الله (ثم كانوا من حينئذٍ من فاتته الشهادة بالطاعون) وهذا قد يوهم أنه كان بها الطاعون وليس بمراد كما علم (ربما حصلت له بالقتل في سبيل اللّه، ومن فاته ذلك حصلت له الحمى التي هي حظ) أي: نصيب (المؤمن من النار) كما في الحديث، وتقدم شرحه في الطب: (ثم استمر ذلك بالمدينة تمييزًا لها عن غيرها لتحقق إجابة دعوته) قال الشريف السمهودي: والموجود الآن من الحمى بالمدينة ليس حمى الوباء، بل رحمة ربنا ودعوة نبينا للتكفير. وفي الحديث: أصح المدينة ما بين حرة بني قريظة والعريض وهو يؤذن ببقاء شيء منها بها، وأن الذي نقل عنها أصلاً ورأسًا سلطانها وشدتها ووباؤها وكثرتها، بحيث لا يعد الباقي بالنسبة إليه شيئًا، قال: ويحتمل أنها رفعت بالكلية، ثم أعيدت خفيفة لئلا يفوت ثوابها، كما أشار إليه الحافظ ابن حجر: (وظهور هذه المعجزة العظيمة بتصديق خبره في هذه المدة المتطاولة وكان منع دخول الطاعون من خصائصها) أي: المدينة (ولوازم دعائه عَّةٍ لها ٢٥٨ الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف عن بلد، بل عن قرية، وقد امتنع الطاعون عن المدينة هذه الدهور الطويلة، انتهى ملخصًا والله أعلم. ومن خصائص المدينة أن غبارها شفاء من الجذام والبرص بل من كل داء، بالصحة) بقوله: وصححها لنا وانقل حماها إلى الجحفة (وقال بعضهم: هذا من المعجزات المحمدية، لأن الأطباء من أولهم إلى آخرهم عجزوا أن يدفعوا الطاعون عن بلد، بل عن قرية) صغيرة (وقد امتنع الطاعون عن المدينة هذه الدهور الطويلة ... اهـ.) كلام الفتح (ملخصًا) بمعنى أنه ترك منه ما لم يتعلق غرضه به لا التلخيص العرفي . (والله أعلم). (ومن خصائص المدينة؛ أن غبارها شفاء من الجذام والبرص) وهذا لا يمكن تعليله ولا يعرف وجهه من جهة العقل ولا الطب، فإن توقف فيه متشرع قلنا: الله ورسوله أعلم. ولا ينتفع به من أنكره أو شك فيه أو فعله مجربًا، قال ابن جماعة: لما حج ابن المرحل المقدسي سنة إحدى وسبعين وسبعمائة ورجع إلى المدينة سمع شيخًا من المحدثين يقول: كان في جسد بعض الناس بياض، فكان يخرج إلى البقيع عريانًا في السحر ويعود، فبرأ بذلك الغبار، فكأن ابن المرحل حصل في نفسه شيء، فنظر في يده فوجد فيها بياضًا قدر درهم، فأقبل على اللّه بالتضرع والدعاء وخرج إلى البقيع وأخذ من رمل الروضة، فدلك به ذلك البياض فذهب (بل من كل داء) إذا استعمل على وجه التداوي بمقدار خاص وزمن خاص، ونحو ذلك کسائر الأدوية، فلا يرد أن کثیرًا مما بها یمرضون مع أنهم لا يخلون من مس غبارها، ويؤيد ذلك ما عند ابن النجار وغيره من طريق ابن زبالة أنه عَّةٍ أتى بني الحرث، فإذا هم مرضى، فقال: مالكم، قالوا: أصابتنا الحمى، قال: فأين أنتم من صعيب، قالوا: ما نصنع به؟، قال: تأخذون من ترابه فتجعلونه في ماء ثم يتفل عليه أحدكم ويقول: بسم اللّه تراب أرضنا بريق بعضنا شفاء لمريضنا بإذن ربنا، ففعلوا فتركتهم الحمى، قال بعض رواته: وصعيب وادي بطحان وفيه حفرة من أخذ الناس، قال ابن النجار: رأيت الحفرة والناس يأخذون منها، وذكروا أنهم جربوه فوجدوه صحيحًا وأخذت منه أيضًا. قال السمهودي: وهي موجودة الآن يعرفها الخلف عن السلف وينقلون ترابها للتداوي، وذكر المجد أن جماعة من العلماء جربوه للحمى فوجدوه صحيحًا. قال: وأنا سقيته غلامًا لي واظبته الحمى ستة أشهر فانقطعت عنه من يومه، وذكر في موضع آخر كالمطرزي أن ترابه يجعل في الماء ويغتسل به من الحمى، قلت: فينبغي أن يفعل أولاً ما ورد ثم يجمع بين الشرب والغسل اهـ. ٢٥٩ الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف كما رواه رزين العبدري في جامعه من حديث سعد، زاد في حديث ابن عمر: عجوتها شفاء من السم، ونقل البغوي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿النبوئنَّهم في الدنيا حسنة﴾ أنها المدينة. وذكر ابن النجار تعليقًا عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كل البلاد افتتحت بالسيف وافتتحت المدينة بالقرآن. وروى الطبراني في الأوسط بإسناد لا بأس به عن أبي هريرة يرفعه: ((المدينة قبة الإسلام ودار الإيمان، وأرض الهجرة، ومثوى الحلال والحرام)). وبالجملة، فكل المدينة ترابها وطرقها وفجاجها ودورها وما حولها قد (وذكره رزين) بن مطوية (العبدري في جامعه من حديث سعد) وروى ابن النجار وأبو نعيم والديلمي عن ثابت بن قيس ابن شماس مرفوعًا: ((غبار المدينة شفاء من الجذام))، وروى ابن زبالة عن صيفي ابن عامر، رفعه: ((والذي نفسي بيده إن تربتها لمؤمنة وإنها شفاء من الجذام))، أي: مؤمنة حقيقة بأن جعل فيها إدراكًا وقوة تصديق، أو مجازًا لانتشار الإِيمان منها. (وزاد في حديث ابن عمر: عجوتها شفاء من السم:) العجوة اسم لنوع خاص من تمر المدينة وتقدم في الطب. (ونقل البغوي عن ابن عباس) في تفسير (قوله تعالى: ﴿لنبوئنَّهم في الدنيا حسنةٍ﴾) [النحل/ ٤١]، (أنها المدينة) وقد عد ذلك في أسمائها وهي نحو مائة. (وذكر ابن النجار تعليقًا) أي: بلا إسناد (عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها؛ أنها قالت: كل البلاد افتتحت بالسيف) إما بالفعل أو بالرعب الحاصل لهم (وافتتحت المدينة بالقرءان). من قبل هجرته إليها لما جاءه أصحاب العقبات الثلاث وأسلموا كما مر مفصلاً. (وروى الطبراني في الأوسط بإسناد لا بأس به) نحوه قول الحافظ نور الدين الهيثمي فيه عيسى بن مينا قالون وحديثه حسن وبقية رجاله ثقات، لكن قال تلميذه الحافظ في تخريج أحاديث المختصر: تفرد به قالون وهو صدوق عن عبد الله بن نافع وفيه لين عن ابن المثنى واسمه سليمن بن يزيد الخزاعي، ضعيف والحديث غريب جدًا سندًا ومتنا (عن أبي هريرة يرفعه: المدينة قبة الإِسلام ودار الإِيمان وأرض الهجرة ومتبوأ) وفي نسخة: ومثوى (الحلال والحرام) أي: محل بيانهما (وبالجملة: فكل المدينة ترابها وطرقها وفجاجها) أي: طرقها الواسعة، فعطفها على ما قبلها خاص على عام (ودورها) عطف جزء على كل (وما حولها قد ٢٦٠ الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف شملته بركته عَّ له، فإنهم كانوا يتبركون بدخوله منازلهم، ويدعونه إليها وإلى الصلاة في بيوتهم، ولذلك امتنع مالك من ركوب دابة في المدينة وقال: لا أطأ بحافر دابة في عراص كان عَّه يمشي فيها بقدميه صلى الله عليه وسلم. وينبغي أن يأتي قباء للصلاة فيه والزيارة، فقد كان عَِّ يزوره راكبًا وماشيًا، رواه مسلم وفي رواية له: ((يأتي)) بدل ((يزور)) فيصلي فيه ركعتين. شملته بركته عَّةٍ، فإنهم كانوا يتبركون بدخوله منازلهم ويدعونه إليها) لما شاهدوه من بركته العامة لكل مكان حل فيه، ولكل من نظر إليه نظر رحمة (وإلى الصلاة في بيوتهم) كعتبان بن ملك ليتخذ مكان مصلاه مسجدًا (ولذلك) أي: التبرك بما عمته بركته، وللتأدب (امتنع ملك رحمه اللّه من ركوب دابة في المدينة، وقال: لا أطأ بحافر دابة) للفرس ونحوها، كالخف للبعير والقدم للإِنسان (في عراص:) جمع عرصة أرض لا بناء فيها، والمراد هنا مطلق الأرض أو معناها الحقيقي: (كان عَُّ يمشي فيها بقدميه) وفي الشفاء عن ملك: وقال: أستحي من اللّه أن أطأ تربة مشى فيها رسول اللّه عَ لَه بحافر دابة. وروي عنه أنه وهب للشافعي كراعًا كثيرًا كان عنده، فقال له الشافعي: أمسك منها دابة، فأجابه بمثل هذا الجواب (وينبغي) للزائر (أن يأتي مسجد قباء) بضم القاف يمد ويقصر ويذكر ويؤنث ويصرف ويمنع موضع قرب المدينة وهو محل بني عمرو بن عوف من الأنصار، نزل به عَِّ أول ما هاجر وصلى فيه ثلاث ليال بمحل المسجد، ثم وضع أساسه بيده وتمم بناءه بنو عمرو وهو الذي أسس على التقوى عند الأكثرين. وفي مسلم أنه المسجد النبوي ولا خلف، فكل أسس على التقوى، ومر بيان ذلك في الهجرة، وللطبراني برجال ثقات عن الشموس بنت النعمان، قالت: نظرت إليه عَ﴾ حين قدم ونزل وأسس مسجد قباء، فرأيته يأخذ الحجر أو الصخرة حتى يهصره، أي: يميله وأنظر إلى التراب على بطنه وسرته، فيأتي الرجل فيقول: بأبي أنت وأمي يا رسول اللّه أكفيك، فيقول: لا خذ مثله حتى أسسه (فقد كان عَّ يزوره راكبًا) تارة (وماشيًا) أخرى بحسب ما تيسر، والواو بمعنى أو. (رواه مسلم) والبخاري في مواضع وغيرهما، كلهم عن ابن عمر: وكأنه قصر العزو لمسلم لانفراده بلفظ: يزور، لأن الذي في البخاري وغيره يأتي، لكن لا يكفي هذا في الاعتذار، لأن المعنى واحد، ولأنه يوهم ناقص العلم أنه من إفراد مسلم. (وفي رواية له: يأتي بدل يزور) وهي التي في أكثر الروايات، وقوله: (فيصلي فيه ركعتين) زيادة انفرد بها مسلم عن البخاري.