Indexed OCR Text
Pages 221-240
٢٢١ الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف تضيف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك. فقال الله تعالى: صدقت يا آدم، إنه لأحب الخلق إلي، وإذا سألتني بحقه فقد غفرت لك ولولا محمد ما خلقتك. ذكره الطبري، وزاد فيه: وهو آخر الأنبياء من ذريتك. وأما التوسل به بعد خلقه في مدة حياته، فمن ذلك الاستغاثة به عَ له عند القحط وعدم الأمطار، وكذلك الاستغاثة به من الجوع ونحو ذلك مما ذكرته في مقصد المعجزات ومقصد العبادات في الاستسقاء، ومن ذلك استغاثة ذوي العاهات به، وحسبك ما رواه النسائي والترمذي عن عثمان بن حنيف، أن رجلاً ضريرًا أتاه مَِّ فقال: ادع الله أن يعافيني، قال: فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء: ((اللهم إنى أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك في حاجتي لتقضى، اللهم شفعه في))، وصححه البيهقي، تعالى: صدقت يا آدم، إنه لأحب الخلق إلي، وإذا سألتني بحقه فقد غفرت لك ولولا محمد ما خلقتك. ذكره الطبري، وزاد فيه: وهو آخر الأنبياء من ذريتك). نجى بضم النون وشد الجيم (وأما التوسل به بعد خلقه مدة حياته، فمن ذلك الاستغاثة به عليه الصلاة والسلام عند القحط وعدم الأمطار، وكذلك الاستغاثة به من الجوع ونحو ذلك مما ذكرته في مقصد المعجزات ومقصد العبادات في الاستسقاء، ومن ذلك استغاثة ذوي العاهات به، وحسبك:) كافيك على طريق الإِجمال. (ما رواه النسائي والترمذي) والحاكم، وقال على شرطهما (عن عثمن بن حنيف) بمهملة ونون مصغر الأنصاري الأوسي، صحابي شهير، استعمله عمر على مساحة أرض الكوفة وعلي على البصرة ومات في خلافة معوية: (أن رجلاً ضريرًا أتى النبي عَِّ فقال ادع الله أن يعافيني) من العمى ... أسقط من الحديث، فقال: إن شئت أخرت وهو خير، وفي رواية: إن شئت صبرت فهو خير لك وإن شئت دعوت. قال: فادعه (قال) عثمن: (فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه) بالإتيان بفرائضه ونوافله وتجنب مكروهاته (ويدعو بهذا الدعاء) وهو: (اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك) الباء للتعدية (محمد) صرح باسمه تواضعًا لأن التعليم منه (نبي الرحمة) إليّ أرسله الله رحمة للعالمين. وفي الحديث: إنها رحمة مهداة (يا محمد إني أتوجه) أي: أستشفع والباء في (بك) للاستعانة (إلى ربك في حاجتي لتقضي) أي: ليقضيها ربك لي بشفاعتك، سأل الله أولاً أن ٢٢٢ الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف وزاد: فقام وقد أبصر. وأما التوسل به عَِّ بعد موته في البرزخ فهو أكثر من أن يحصى أو يدرك باستقصاء وفي كتاب ((مصباح الظلام في المستغيثين بخير الأنام)) للشيخ أبي عبد الله بن النعمان طرف من ذلك. ولقد كان حصل لي داء أعيا دواؤه الأطباء، وأقمت به سنين، فاستغثت به عَّ ليلة الثامن والعشرين من جمادى الأولى سنة ثلاث وتسعين وثمانمائة بمكة زادها الله شرفًا، ومنَّ عليَّ بالعود في عافية بلا محنة، فبينا أنا نائم إذا جاء رجل معه قرطاس يكتب فيه: هذا دواء لداء أحمد بن القسطلاني من الحضرة الشريفة بعد الإذن الشريف النبوي، ثم استيقظت فلم أجد بي - والله - شيئًا مما كنت أجده، وحصل الشفاء ببركة النبي عليه. ووقع لي أيضًا في سنة خمس وثمانين وثمانمائة في طريق مكة، بعد رجوعي من الزيارة الشريفة لقصد مصر، أن صرعت خادمتنا غزال الحبشية، واستمر بها يأذن لنبيه أن يشفع، لقوله: من ذا الذي يشفع عنده إلاَّ بإذنه، ثم أقبل على النبي ملتمسًا شفاعته، ثم كر مقبلاً على ربه أن يقبلها، فقال: (اللهم شفعه في:) اقبل شفاعته (وصححه البيهقي وزاد) في روايته: (فقام وقد أبصر) ببركته عَ له. وكذا رواه البخاري في تاريخه وأبو نعيم وللنسائي: فرجع وقد كشف اللّه عن بصره، وللطبراني: كأن لم يكن به ضر، قيل: لم يدع له بنفسه لأنه لم يختر الصبر مع قوله: فهو خير لك، فجبر خاطره بأمره بالوضوء وأن يدعو بنفسه متوسلاً به بهذا الدعاء. (وأما التوسل به عَّةٍ بعد موته في البرزخ فهو أكثر من أن يحصى أو يدرك باستقصاء، وفي كتاب مصباح الظلام في المستغيثين بخير الأنام للشيخ أبي عبد الله بن النعمان طرف من ذلك، ولقد كان حصل لي داء أعيا دواؤه الأطباء وأقمت به سنين، فاستغثت به عَ ليه ليلة الثامن والعشرين من جمادي الأولى سنة ثلاث وتسعين وثمانمائة بمكة زادها اللّه شرفًا ومنَّ عليَّ بالعود إليها في عافية بلا محنة، فبينا أنا نائم إذا رجل معه قرطاس يكتب فيه: هذا دواء لداء أحمد بن القسطلاني من الحضرة الشريفة بعد الإِذن الشريف النبوي، ثم استيقظت فلم أجد بي واللّه شيئًا مما كنت أجده، وحصل الشفاء ببركة النبي المصطفى عَّله) هذا وما بعده ذكره المصنف تحدثًا بنعمة اللّه (ووقع لي أيضًا في سنة خمس وثمانين وثمانمائة بطريق مكة بعد رجوعي من الزيارة الشريفة لقصد مصر أن صرعت ٢٢٣ الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف أيامًا، فاستشفعت به عَّ في ذلك، فأتاني آت في منامي، ومعه الجني الصارع لها فقال: لقد أرسله لك النبي عَّه، فعاتبته وحلفته أن لا يعود إليها، ثم استيقظت وليس بها قلبة كأنما نشطت من عقال، ولا زالت في عافية من ذلك حتى فارقتها بمكة سنة أربع وتسعين وثمانمائة، والحمد لله رب العالمين. وأما التوسل به عَّهِ في عرصات القيامة، فما قام عليه الإجماع وتواترت به الأخبار في حديث الشفاعة. فعليك أيها الطالب إدراك السعادة الموصل لحسن الحال في حضرة الغيب والشهادة، بالتعلق بأذيال عطفه وكرمه، والتطفل على موائد نعمه، والتوسل بجاهه الشريف والتشفع بقدره المنيف، فهو الوسيلة إلى نيل المعالي واقتناص المرام، والمفزع يوم الجزع والهلع لكافة الرسل الكرام، واجعله أمامك فيما نزل بك من النوازل، وإمامك فيما تحاول من القرب والمنازل، فإنك تظفر من المراد بأقصاه، خادمتنا غزال الحبشية واستمر بها أيامًا فاستغثت به عَّهِ في ذلك، فأتاني آتٍ في منامي ومعه الجني الصارع لها، فقال: لقد أرسله لك النبي عَّ فعاتبته:) لمته، قال الخليل: حقيقة العتاب مخاطبة الإِدلال ومذاكرة الموجدة (وحلفته أن لا يعود إليها، ثم استيقظت وليس بها قلبة) بفتح القاف واللام والموحدة داء وتعب (كأنما نشطت) بكسر الشين حلت وأطلقت (من عقال) بالكسر ما يعقل به الإِبل (ولا زالت) أي: استمرت (في عافية من ذلك حتى فارقتها بمكة في سنة أربع وتسعين وثمانمائة، والحمد لله رب العالمين). (وأما التوسل به عَّةِ في عرصات القيامة فما قام عليه الإِجماع، وتواترت به الأخبار في حديث الشفاعة) ويأتي في المصنف: (فعليك أيها الطالب إدراك) بالنصب مفعول (السعادة الموصل) ذلك الإدراك (لحسن الحال في حضرة الغيب والشهادة بالتعلق بأذيال عطفه) بكسر العين المهملة جانبه (وكرمه والتطفل على موائد نعمه) أي: التضرع بطلب ما يحتاج إليه ويتقرب إلى اللّه به وإن لم يكن أهلاً لتلك الحضرات الشريفة، وعبر عن ذلك تشبيهًا للمقصر في الطاعة إذا طلب ما يليق بالخواص بالداخل وليمة بلا دعوة المسمى بالطفيلي (والتوسل بجاهه الشريف والتشفع بقدره المنيف، فهو الوسيلة إلى نيل المعالي واقتناص) أي: صيد (المرام والمفزع يوم الجزع) بفتح الجيم والزاي: خلاف الصبر (والهلع) بفتحتين الجزع فالعطف للتفسير (لكافة الرسل الكرام واجعله أمامك) بالفتح أمامك (فيما نزل بك من النوازل وإمامك:) بالكسر قدوتك (فيما تحاول من القرب والمنازل، فإنك تظفر من المراد ٢٢٤ الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف وتدرك رضى من أحاط بكل شيء علمًا وأحصاه، واجتهد ما دمت بطيبة الطيبة حسب طاقتك في تحصيل أنواع القربات، ولازم قرع أبواب السعادات بأظافير الطلبات، وارق في مدارج العبادات، ولج في سرادق المرادات. تمتع إن ظفرت بنيل قرب وحصل ما استطعت من ادخار فها أنا قد أبحت لكم عطائي وها قد صرت عندي في جواري فخذ ما شئت من كرم وجود ونل ما شئت من نعم غزار وقد قربت للزوار داري فقد وسعت أبواب التداني تجلى للقلوب بلا استتار فمتع ناظريك فها جمالي ولازم الصلوات مكتوبة ونافلة في مسجده المكرم، خصوصًا بالروضة التي ثبت أنها روضة من رياض الجنة. كما رواه البخاري. بأقصاه وتدرك): تصل وتنال (رضى من أحاط بكل شيء علمًا وأحصاه، واجتهد ما دمت بطيبة الطيبة حسب طاقتك) قدرتك (في تحصيل أنواع القربات، ولازم قرع أبواب السعادات بأظافير:) جمع ظفر بضم قسكون وبضمتين كما في القاموس (الطلبات:) جمع طلبة وزن كلمة وكلمات ما تطلبه من غيرك (وارق:) اصعد (في مدارج العبادات ولج) بكسر اللام وجيم أمر من ولج يلج، أي: أدخل (في) جوانب (سرادق) أي: خيام (المرادات) ولا يخفى ما في هذه الألفاظ من الاستعارات يعلمها من له تعلق بألفاظ العبارات، وأنشد المصنف: (تمتع إن ظفرت بنيل قرب وحصل ما استطعت من ادخار) أصله إذ تخار بذال فتاء، قلبت التاء دالاً لوقوعها بعد ذال معجمة، ثم قلبت دالاً وأدغمت في الدال المهملة المبدلة من التاء، ويجوز إبقاء المعجمة على أصلها، فيقال إذ دخار، ويجوز قلب المهملة معجمة، ثم تدغم فيها المعجمة، فيقال اذخار: (فها أنا قد أبحت لكم عطائي وها قد صرت عندي في جواري فخذ ما شئت من كرم وجود ونل ما شئت من نعم غزار فقد وسعت أبواب التداني وقد قربت للزوار داري فمتع ناظريك فها جمالي تجلى للقلوب بلا استتاري) (ولازم الصلوات مكتوبة ونافلة في مسجده المكرم خصوصًا بالروضة التي ثبت أنها روضة من رياض الجنة، كما رواه البخاري) ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة أن رسول اللّه ٢٢٥ الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف قال ابن أبي جمرة: معناه تنقل تلك البقعة بعينها في الجنة، فتكون روضة من رياض الجنة، قال: والأظهر الجمع بين الوجهين معًا، يعني احتمال كونها تنقل إلى الجنة، وكون العمل فيها يوجب لصاحبه روضة في الجنة، قال: ولكل وجه منهما دليل يعضده ويقويه من جهة النظر والقياس. أما الدليل على أن العمل فيها يوجب روضة في الجنة، فلأنه إذا كانت الصلاة في مسجده عَّهِ بألف فيما سواه من المساجد، فلهذه البقعة زيادة على باقي البقع كما كان للمسجد زيادة على غيره. وأما الدليل على كونها بعينها في الجنة، وكون المنبر أيضًا على الحوض، كما أخبر عَّةٍ وأن الجذع في الجنة، والجذع في البقعة نفسها، فالعلة التي قال: ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة ومنبري على حوضي. (قال ابن أبي جمرة: معناه تنقل تلك البقعة) وقدرها ثلاث وخمسون ذراعًا، وقيل: أربع وخمسون وسدس، وقيل: خمسون إلا ثلثي ذراع وهو الآن كذلك، فكأنه نقص لما أُدخل بين الحجرة في الجدار، قاله الحافظ (بعينها) يوم القيامة فتجعل (في الجنة فتكون روضة من رياض الجنة). (قال: والأظهر الجمع بين الوجهين معًا) إذ لا تخالف بينهما (يعني احتمال كونها تنقل إلى الجنة و) احتمال (كون العمل فيها يوجب لصاحبه روضة في الجنة). (قال: ولكل وجه منهما) أي: الاحتمالين، وفي نسخة: منها، أي: الاحتمالين والجمع بينهما (دليل يعضده ويقويه) عطف تفسير (من جهة النظر والقياس). (أما الدليل على أن العمل فيها يوجب روضة في الجنة، فلأنه إذا كانت الصلاة في مسجده عليه الصلاة والسلام بألف فيما سواه من المساجد، فلهذه البقعة زيادة على باقي البقع) بضم ففتح جمع بقعة (كما كان للمسجد زيادة على غيره) واعترض هذا بأنه لا اختصاص لذلك بتلك البقعة، فالعمل في أي مكان، كذلك وأجيب بأنها سبب قوي يوصل إليها على وجه أتم من بقية الأسباب، وبأنها سبب لروضة خاصة أجل من مطلق الدخول والتنعم، فإن أهل الجنة يتفاوتون في منازلها بقدر أعمالهم (وأما الدليل على كونها بعينها في الجنة وكون المنبر أيضًا على الحوض كما أخبر عليه الصلاة والسلام) في بقية الحديث (وأن) بالواو كما في نسخ صحيحة عطف على كونها، أي: وعلى أن (الجذع في الجنة والجذع) ٢٢٦ الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف أوجبت للجذع الجنة هي في البقعة سواء، على ما أذكره بعد إن شاء الله تعالى. والذي أخبر بهذا أخبر بهذا، فينبغي الحمل على أكمل الوجوه، وهو الجمع بينهما، لأنه قد تقرر من قواعد الشرع أن البقعة المباركة، ما فائدة بركتها لنا، والإخبار بها لنا إلا لتعميرها بالطاعات، فإن الثواب فيها أكثر، وكذلك الأيام المباركة أيضًا، فعلى هذا يكون الموضع روضة من رياض الجنة الآن، ويعود روضة كما كان في موضعه، ويكون للعامل بالعمل فيها روضة في الجنة، وهو الأظهر لوجهين: أحدهما: لعلو منزلته عَِّ، ولما خص الخليل عليه السلام بالحجر من الجنة، خص الحبيب عَّةٍ بالروضة من الجنة. مدفون (في البقعة نفسها) وجواب أما قوله: (فالعلة التي أوجبت للجذع الجنة هي) موجودة (في البقعة سواء على ما أذكره بعد إن شاء اللّه، والذي أخبر بهذا أخبر بهذا) عَّهِ (فينبغي الحمل على أكمل الوجوه، وهو الجمع بينهما، لأنه قد تقرر من قواعد الشرع أن البقع المباركة ما فائدة بركتها لنا و) فائدة (الإخبار بها لنا إلاَّ لتعميرها بالطاعات، فإن الثواب فيها أكثر وكذلك الأيام المباركة أيضًا) كأيام رمضان (فعلى هذا يكون الموضع روضة من رياض الجنة الآن) لم يتقدم من كلامه ما يدل على هذا التفريع، ولكنه في أول كلام ابن أبي جمرة حيث قال: هذا يحتمل الحقيقة والمجاز، أما الحقيقة فبأن يكون ما أخبر عنه عَّه بأنه من الجنة مقتطعًا منها كما أن الحجر الأسود منها، وكذلك النيل والفرات من الجنة، وكذلك الثمار الهندبة من الورق التي أهبط بها عادم من الجنة، فاقتضت الحكمة الإلهية أن يكون في هذه الدار من مياه الجنة ومن ترابها ومن حجرها ومن فواكهها حكمة حكيم جليل، ويحتمل أن معناه: تنقل تلك البقعة بعينها في الجنة فتكون روضة من رياض الجنة، وأما المجاز فيحتمل أن يكون المراد أن العمل فذكر ما نقله المصنف عنه، فيصح حينئذٍ تفريعه بقوله: فعلى هذا، أي: المذكور من الاحتمالات، والجمع بينها بكون الموضع روضة من رياض الجنة الآن، ولم يثبت خبرعن بقعة بخصوصها أنها من الجنة إلا هذه البقعة على هذا الاحتمال (ويعود روضة كما كان في موضعه ويكون للعامل بالعمل فيها روضة في الجنة وهو الأظهر لوجهين:) (أحدهما: لعلو منزلته عليه الصلاة والسلام، و) الثاني: أنه (لما خص الخليل عليه السلام بالحجر) الذي كان يقف عليه لما بنى البيت أتاه جبريل به (من الجنة) وهو المقام الذي يصلى خلفه ركعتا الطواف وجوب لما قوله: (خص الحبيب عليه الصلاة والسلام بالروضة من الجنة) ويصح قراءته بكسر اللام وخفة الميم علة لقوله: خص الحبيب مقدمة عليه ٢٢٧ الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف وها هنا بحث: لم جعلت هذه البقعة من بين سائر البقع روضة من رياض الجنة؟ فإن قلنا: تعبد، فلا بحث، وإن قلنا: لحكمة فحينئذ يحتاج إلى البحث. والأظهر أنه لحكمة، وهي أنه قد سبق في العلم الرباني بما ظهر أن الله عز وجل فضله على جميع خلقه، وأن كل ما كان منه بنسبة ما من جميع المخلوقات يكون له تفضيل على جنسه كما استقرىء في كل أموره، من بدء ظهوره عَِّ إلى حين وفاته، في الجاهلية والإسلام. فمنها ما كان في شأن أمه، وما نالها من بركته مع الجاهلية الجهلاء، حسب ما هو مذكور معلوم. ومثل ذلك حليمة السعدية، وحتى الأتان، وحتى البقعة التي تجعل أتانه يدها عليها تخضر من حينها، وما هو من ذلك كله معلوم. وكان مشيه عَّلِّ حيث ما مشى ظهرت البركات مع ذلك كله، وحيث وضع عَِّ يده المباركة ظهر في ذلك كله من الخيرات والبركات حسًا ومعنى، كما هو منقول معروف. ولما شاءت القدرة أنه عَِّ لا بدَّ له من بيت، ولا بدَّ له من منبر، وأنه (وهنا بحث لم جعلت هذه البقعة من بين سائر البقع روضة من رياض الجنة، فإن قلنا: تعبد فلا بحث) لأنه لا يعلم معناه (وإن قلنا: لحكمه فحينئذٍ يحتاج) الكلام (إلى البحث) أي: التكلم في الحكمة (والأظهر أنها لحكمه، وهي أنه قد سبق في العلم الرباني) أي: علم اللّه تعالى (بما) أي: بسبب ما (ظهر) على لسانه ولسان الأنبياء (إن اللّه عزّ وجلّ فضله على جميع خلقه وأن كل ما) عبر بما تغليباً للأكثر نحو لله ما في السموت وما في الأرض. وفي نسخة: من تغليبًا للعقلاء (كان منه بنسبة ما) بشد الميم (من جميع المخلوقات يكون له تفضيل على جنسه كما استقرىء في جميع أموره من بدء ظهوره عليه السلام إلى حين وفاته في الجاهلية والإِسلام، فمنها ما كان من شأن أمه وما نالها من بركته مع الجاهلية الجهلاء) تو کید للأول، اشتق له من اسمه ما يؤكد به، كما يقال: وتد واتد وهمج هامج وليلة ليلاء ويوم يوم، قاله الجوهري (حسبما هو مذكور معلوم ومثل ذلك حليمة السعدية) مرضعته (وحتى الأتان) الحمارة (وحتى البقعة التي تجعل أتانه يدها عليها تخضر من حينها) فأشبه ما حصل له مما يدل على شرفه على جنسه ما حصل لأمه وظئره (وما هو من ذلك كله معلوم، وكان مشيه عليه السلام حيثما مشى ظهرت البركات مع ذلك كله، وحيث وضع يده المباركة ظهر في ذلك كله من الخيرات والبركات حسًا ومعنى كما هو منقول معروف ولما شاءت القدرة) أي: صاحب القدرة ففيه مسامحة (أنه عليه السلام لا بدّ له من بيت ٢٢٨ الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف بالضرورة يكثر بمشية عَّ له بين المنبر والبيت، فالحرمة التي أعطي غيرهما إذا كان من مسّه واحدة بمباشرته أو بواسطة حيوان أو غيره تظهر البركة والخير، فكيف مع كثرة ترداده عَّله في البقعة الواحدة مرارًا في اليوم الواحد طول عمره، من وقت هجرته إلى حين وفاته. فلم يبق من الترفيع بالنسبة إلى عالمها أعلى مما وصفناه، وهو أنها كانت من الجنة، وتعود إليها، وهي الآن منها، وللعامل فيها مثلها، فلو كانت مرتبة يمكن أن تكون أرفع من هذه في هذه الدار، لكان لهذه أعلى مرتبة مما ذكرنا في جنسها. فإن احتج محتج لا فهم له بأن يقول: ينبغي أن يكون ذلك للمدينة بكمالها، لأنه عّ كان يطؤها بقدمه مرارًا. فالجواب: أنه قد حصل للمدينة تفضيل لم يحصل لغيرها، من ذلك أن ترابها شفاء كما أخبر علّ له، مع ما شاركت فيه البقعة المكرمة من منعها من الدجال وتلك الفتن العظام. وأنه عَّ أول ما يشفع لأهلها يوم القيامة، وأن ما كان بنها من النوباء والحمى رفع عنها، وأنه بورك في طعامها وشرابها وأشياء كثيرة، ولا بدّ له من منبر، وأنه بالضرورة يكثر ترداده عليه السلام بين المنبر والبيت) حذف جواب لهما وهو وجب أن يكون ذلك البيت والمنبر أفضل البقاع وأشرفها لكثرة تردده إليهما، وعلل هذا التجوب بقوله: (فالحرمة التي أعطى غيرهما إذا كان بمشية) بفتح الميم (واحدة بمباشرة) بقدميه الكريمتين (أو بواسطة حيوان أو غيره تظهر البركة والخير، فكيف مع كثرة ترداده عليه السلام في البقعة الواحدة مرارًا في اليوم الواحد طول عمره من وقت هجرته إلى وقت وفاته، فلم يبق لها من الترفيع بالنسبة إلى عالمها) بفتح اللام وكسر الميم التي هي منه (أعلى مما وصفناه وهو أنها كانت من الجنة) كما قدمته عن أول كلام ابن أبي جمرة الذي تركه المصنف (وتعود إليها وهي الآن منها وللعامل فيها مثلها) روضة في الجنة (فلو كانت مرتبة يمكن أن تكون أرفع من هذه في هذه الدار لكان لهذه أعلى مرتبة مما ذكرناه في جنسها) المعبر عنه بعالمها قريبًا (فإن احتج محتج لا فهم له بأن يقول: ينبغي أن يكون ذلك للمدينة بكمالها لأنه عليه السلام كان يطؤها) يمشي عليها (بقدمه مرارًا). (فالجواب؛ أنه قد حصل للمدينة تفضيل لم يحصل لغيرها من ذلك) التفضيل التحاصل لها (أن تزابها شفاء كما أخبر به عليه السلام مع ما شاركت) المدينة (فيه البقعة المكرمة من منعها من الدجال وتلك الفتن العظام) الواقعة من الدجال (وأنه عليه السلام أول ما يشفع في أهلها يوم القيامة) وأنهم يحشرون معه (وإن ما كان بها من الوباء) المرض العام ٢٢٩ الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف فكان التفضيل لها بنسبة ما أشرنا إليه أولاً، بأن تردده عنِّ في المسجد نفسه أكثر مما في المدينة نفسها، وتردده عَّه فيما بين المنبر والبيت أكثر مما سواه من سائر المسجد، فالبحث تأكد بالاعتراض، لأنه جاءت البركة مناسبة لتكرار تلك الخطوات المباركة، والقرب من تلك النسمة المرتفعة لا خفاء فيه إلا على ملحد أعمى البصيرة، فالمدنية أرفع المدن، والمسجد أرفع المساجد، والبقعة أرفع البقع، قضية معلومة، وحجة ظاهرة موجودة. انتهى. وقال الخطابي: المراد من هذا الحديث الترغيب في سكنى المدينة، وأن من لازم ذكر الله في مسجدها آل به إلى روضة من رياض الجنة، وسقي يوم القيامة من الحوض انهى. وقد تقدم في الخصائص من مقصد المعجزات مزيد لذلك. بالهمز بمد ويقصر (والحمى) فعلى لا ينصرف لألف التأنيث (رفع عنها وأنه بورك في طعامها وشرابها وأشياء كثيرة) من ذلك (فكان التفضيل لها بنسبة ما أشرنا إليه أولاً بأن تردده عليه السلام في المسجد نفسه أكثر مما) أي: من تردده (في المدينة نفسها وتردده فيما بين المنبر والبيت أكثر مما سواه من سائر) أي: باقي (المسجد، فالبحث تأكد بالاعتراض لأنه جاءت البركة مناسبة لتكرار تلك الخطوات المباركة والقرب من تلك النسمة) بفتح النون والسين (المرتفعة) مبتدأ خبره (لا خفاء فيه إلاَّ على ملحد) مائل عن الصواب (أعمى البصيرة، فالمدينة أرفع المدن، والمسجد أرفع المساجد، والبقعة أرفع البقع) والمراد كون هذه المذكورات كذلك (قضية معلومة) لا تجهل (وحجة ظاهرة موجودة. انتهى) كلام ابن أبي جمرة. (وقال الخطابي: المراد من هذا الحديث الترغيب في سكنى المدينة وأن من لازم ذكر اللّه في مسجدها آل) أي: رجع (به) أي: أنه يكون سبب لوصوله (إلى روضة الجنة) وقيل؛ أنه تشبيه بليغ، أي: كروضة في تنزل الرحمة وحصول السعادة (وسقي يوم القيامة من الحوض) أخذه من قوله ومنبري على حوضي. (انتهى). والأصح أن المراد منبره الذي كان يخطب عليه في الدنيا، ينقل يوم القيامة فينصب على حوضه ثم تصير قوائمه رواتب في الجنة كما في حديث رواه الطبراني، وقيل: التعبد عنده يورث الجنة، وقيل: أنه منبر يوضع له هناك، ورد بما روى أحمد برجال الصحيح: منبري هذا على ترعة من ترع الجنة قاسم الإِشارة ظاهر، أو صريح في أنه منبره الذي كان في الدنيا والقدرة صالحة. (وقد تقدم في الخصائص من مقصد المعجزات) وهو الرابع (مزيد لذلك) قليل. ٢٣٠ الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف وعند مسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله عَ لّه قال: ((صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام)). وقد اختلف العماء في المراد بهذا الاستثناء على حسب اختلافهم في مكة والمدينة أيهما أفضل؟ فذهب سفيان بن عيينة والشافعي وأحمد - في أصح الروايتين عنه - وابن وهب ومطرف وابن حبيب - الثلاثة من المالكية - وحكاه الساجي عن عطاء بن أبي رباح، والمكيين والكوفيين. وحكاه ابن عبد البر عن عمر وعلي وابن مسعود وأبي الدرداء وجابر وابن الزبير وقتادة، وجماهير العلماء، أن مكة أفضل من المدينة، وأن مسجد مكة أفضل من مسجد المدينة، لأن الأمكنة تشرف بفضل العبادة فيها على (وعند مسلم من حديث ابن عمر) عبد الله، ومن حديث ابن عباس عن ميمونة أيضًا، والشيخين معًا من حديث أبي هريرة؛ (أن رسول اللّه عَ لّه قال: صلاة في مسجدي هذا أفضل). هكذا رواه ابن عمر وميمونة بلفظ: أفضل، ورواه أبو هريرة عند الشيخين بلفظ: خير، وفي رواية عنه لمسلم: أفضل، وهما بمعنى (من ألف صلاة فيما سواه إلاَّ المسجد الحرام) بالنصب استثناء، وروي بالجر على أن إلا بمعنى غير. قال النووي: ينبغي أن يحرص المصلي على الصلاة في الموضع الذي كان في زمنه عَّه. دون ما يزيد فيه بعده، لأن التضعيف إنما ورد في مسجده وقد أكده بقوله: هذا بخلاف مسجد مكة فإنه يشمل جميع مكة، بل صحح النووي أنه يعم جميع الحرم. كذا في الفتح: (وقد اختلف العلماء في المراد بهذا الاستثناء على حسب اختلافهم في مكة والمدينة أيهما أفضل، فذهب سفين بن عيينة والشافعي وأحمد في أصح الروايتين، عنه) عند أصحابه (وابن وهب ومطرف) صاحبا ملك (وابن حبيب) تابع أتباعه (الثلاثة من المالكية) المتقدمين واختاره ممن بعدهم ابن عبد البر وابن رشد وابن عرفة (وحكاه الساجي) بسين وجيم الإمام الحافظ زكريا بن يحيى الضبي البصري، مات سنة سبع وثلاثمائة عن نحو تسعين سنة (عن عطاء بن أبي رباح والمكيين والكوفيين، وحكاه ابن عبد البر عن عمر) ابن الخطاب وهو خلاف الآتي في المتن وهو المروي في الموطأ وغيره عن عمر تفضيل المدينة (وعلي وابن مسعود وأبي الدرداء وجابر وابن الزبير وقتادة وجماهير العلماء أن مكة أفضل من المدينة، وأن مسجد مكة أفضل من مسجد المدينة، لأن الأمكنة تفضل بفضل العبادة فيها على غيرها مما تكون العبادة فيها مرجوحة). ٢٣١ الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف غيرها مما تكون العبادة فيها مرجوحة. وقد حكى ابن عبد البر أنه روي عن مالك ما يدل على أن مكة أفضل الأرض كلها، قال: ولكن المشهور عن أصحابه في مذهبه تفضيل المدينة. انتهى. وقال مالك: المدينة ومسجدها أفضل. ومما احتج به أصحابنا لتفضيل مكة: حديث عبد الله بن الحمراء أنه سمع رسول الله عَّه وهو واقف على راحلته يقول: ((والله إنك لخير أرض الله وأحبها إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت)). قال الترمذي: حسن صحيح. وقال ابن عبد البر: هذا أصح الآثار عنه عَّهِ. قال: وهذا قاطع في محل الخلاف. انتهى. (وقد حكى ابن عبدالبرّ أنه روي عن ملك ما يدل على أن مكة أفضل الأرض كلها) هي رواية ضعيفة، ولذا قال: ولكن المشهور عند أصحابه في مذهبه تفضيل المدينة. انتهى. (وقال لملك) وأكثر أهل المدينة وعمر بن الخطاب وجماعة: (المدينة) أفضل من مكة (ومسجدها أفضل) من مسجد مكة واختاره كثير من الشافعية من آخرهم السيوطي، فقال المختار: تفضيل المدينة والشريف السمهودي والمصنف كما يأتي معتذرًا عن مخالفة مذهبه؛ · بأن هوى كل نفس أين حل حبيبھا (ومما احتج به أصحابنا لتفضيل مكة حديث عبد الله) بن عدي بالدال (ابن الحمراء) القرشي الزهري، ويقال: إنه ثقفي حالف بني زهرة وكان ينزل قديدًا، وأسلم في الفتح وسكن المدينة. قال البغوي: لا أعلم له غير هذا الحديث، وهو (أنه سمع رسول اللّه عَّ وهو واقف على راحلته) كذا في النسخ والذي في الحديث على الحزورة بفتح المهملة وإسكان الزاي فواو مفتوحة فراء فهاء تأنيث: سوق كانت بمكة أدخلت في المسجد وقد قدمه المصنف في الهجرة على الصواب (يقول: والله إنك لخير أرض اللّه وأحبها إلى اللّه، ولولا إني أخرجت منك ما خرجت). وفي رواية: ولولا أن أهلك أخرجوني ما خرجت منك، أي: تسببوا في إخراجي (قال الترمذي: حسن صحيح) قال في الإِصابة: تفرد به الزهري واختلف عليه فيه، فقال: الأكثر عن الزهري عن أبي سلمة عن عبد الله بن عدي بن الحمراء، وقال معمر عنه، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: ومرة أرسله، وقال ابن أخي الزهري عنه، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن عبد الله بن عدي والمحفوظ الأول (وقال ابن عبد البرّ: هذا أصح الآثار عنه عَّةٍ، قال: وهذا قاطع في محل الخلاف. انتهى). ٢٣٢ الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف فعند الشافعي والجمهور معناه - أي الحديث -: إلا المسجد الحرام فإن الصلاة فيه أفضل من الصلاة في مسجدي. وعند مالك وموافقيه: إلا المسجد الحرام فإن الصلاة في مسجدي تفضله بدون الألف. وعن عبد الله بن الزبير قال: قال رسول الله عَّله: ((صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد، إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائه صلاة في هذا)) رواه أحمد وابن خزيمة وابن حبان في صحيحه. وزاد: يعني في مسجد المدينة، والبزار ولفظه: ((صلاة في مسجدي هذا وجوابه أنه إنما يكون قاطعًا لو قاله بعد حصول فضل المدينة، أما حيث قاله قبل ذلك فليس بقاطع، لأن التفضيل إنما يكون بين أمرين يتأتى بينهما تفضيل وفضل المدينة لم يكن حصل حينئذٍ حتى يكون هذا حجة، وحاصل الجواب أنه قاله قبل أن يعلم بفضل المدينة، وأجيب أيضًا بأنها خير الأرض ما عدا المدينة، كما قالوا بكل منهما في قوله عٍَّ لمن قال له يا خير البرية ذاك إبراهيم. (فعند الشافعي والجمهور معناه، أي الحديث: إلاّ المسجد الحرام، فإن الصلاة فيه أفضل من الصلاة في مسجدي) بناءً على قولهم بفضل مسجد مكة على مسجد المدينة. (وعند مالك وموافقيه: إلاَّ المسجد الحرام، فإن الصلاة في مسجدي تفضله بدون الألف) ويؤيده أن في بعض طرق حديث أبي هريرة عند مسلم والنسائي: إلاّ المسجد الحرام، فإني آخر الأنبياء ومسجدي آخر المساجد. قال عياض: هذا ظاهر في تفضيل مسجده لهذه العلة، قال القرطبي: لأن ربط الكلام بقاء التعليل يشعر أن مسجده إنما فضل على المساجد كلها لأنه متأخر عنها ومنسوب إلى نبي متأخر عن الأنبياء كلهم فتدبره، فإنه واضح. انتهى. وقال ابن بطال: يجوز في الاستثناء أن يكون المراد فإنه مساوٍ لمسجد المدينة أو فاضلاً أو مفضولاً، والأول أرجح، لأنه لو كان فاضلاً أو مغضولاً لم يعلم مقدار ذلك إلاَّ بدليل بخلاف المساواة، قيل: كأنه لم يرَدليل كونه فاضلاً (و) هو ما جاء (عن عبد الله بن الزبير، قال: قال رسول اللّه عَّ: صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلاَّ المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في هذا). (رواه أحمد وابن خزيمة وابن حبان في صحيحه، وزاد: يعني في مسجد المدينة) بيان ٢٣٣ الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام فإنه يزيد عليه مائة)). قال المنذري: وإسناده صحيح أيضًا. ومما يستدل به المالكية، ما ذكره ابن حبيب في ((الواضحة)) أنه معَ ◌ّه قال: ((صلاة في مسجدي كألف صلاة فيما سواه. وجمعة في مسجدي كألف جمعة فيما سواه، ورمضان في مسجدي كألف رمضان فيما سواه)). لاسم الإِشارة، قال ابن عبد البر: اختلف على ابن الزبير في رفعه ووقفه، ومن رفعه أحفظ وأثبت ومثله لا يقال بالرأي) ورواه أيضًا (البزار ولفظه: صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، فإنه يزيد عليه مائة) والصلاة فيه بألف، فتكون الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة في مسجد المدينة. (قال المنذري: وإسناده صحيح) وفي ابن ماجه عن جابر مرفوعًا: صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلاّ المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام خير من مائة ألف صلاة فيما سواه، وفي بعض نسخه: من مائة صلاة فيما سواه، فعلى الأول معناه إلاَّ مسجد المدينة، وعلى الثاني معناه من مائة صلاة في مسجد المدينة، وللبزار والطبراني عن أبي الدرداء رفعه: الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والصلاة في مسجدي بألف صلاة، والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة. قال البزار: إسناده حسن، فوضح أن المراد بالاستثناء تفضيل الصلاة في المكي على الصلاة في المدني، ولكن كل ذلك لا يقتضي تفضيل المكي عليه، لأن أسباب التفضيل لم تنحصر في المضاعفة كما يأتي عن الشريف، ثم التضعيف المذكور يرجع إلى الثواب ولا يتعدى إلى الإجزاء باتفاق العلماء، كما نقله النووي وغيره، فمن عليه صلاتان فصلى في أحد المسجدين صلاة لم تجزه إلاَّ عن واحدة. (ومما يستدل به المالكية ما ذكره ابن حبيب في الواضحة). وأخرجه البيهقي في الشعب عن ابن عمر (أنه عَِّ قال: صلاة في مسجدي كألف صلاة فيما سواه) زاد في رواية البيهقي: إلاّ المسجد الحرام (وجمعة في مسجدي كألف جمعة فيما سواه، ورمضان في مسجدي كألف رمضان فيما سواه). لفظ رواية البيهقي: وصيام شهر رمضان بالمدينة كصيام ألف شهر فيما سواها وهذه أوسع، إذ قد يصوم بالمدينة ولا يكون بالمسجد لعذر أو لغيره كالنساء، وأخرج الطبراني والضياء المقدسي عن بلال بن الحرث المزني، رفعه: ((رمضان بالمدينة خير من ألف رمضان فيما سواها من البلدان، وجمعة بالمدينة خير من ألف جمعة فيما سواها من البلدان). ٢٣٤ الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف ومذهب عمر بن الخطاب وبعض الصحابة وأكثر المدنيين - كما قاله القاضى عياض - أن المدينة أفضل، وهو أحد الروايتين عن أحمد. وأجمعوا على أن الموضع الذي ضم أعضاءه الشريفة عَ لّ أفضل بقاع الأرض، حتى موضع الكعبة، كما قاله ابن عساكر والباجي والقاضي عياض، بل نقل التاج السبكي كما ذكره السيد السمهودي في ((فضائل المدينة)) عن ابن عقيل الحنبلي أنها أفضل من العرش، وصرح الفاكهاني بتفضيلها على السموات ولفظه: وأقول أنا وأفضل من بقاع السموات أيضًا. ولم أر من تعرض لذلك، والذي أعتقده لو أن ذلك عرض على علماء الأمة لم يختلفوا فيه، وقد جاء أن السموات شرفت وللبزار عن ابن عمر، رفعه: (رمضان بمكة أفضل من ألف رمضان بغير مكة))، والبيهقي عن جابر رفعه: ((الصلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلاَّ المسجد الحرام، والجمعة في مسجدي هذا أفضل من ألف جمعة فيما سواه إلاَّ المسجد الحرام، وشهر رمضان في مسجدي هذا أفضل من ألف شهر فيما سواه إلاَّ المسجد الحرام). (ومذهب عمر بن الخطاب وبعض الصحابة وأكثر المدنيين) أي علماء المدينة (كما قال القاضي عياض أن المدينة أفضل وهو إحدى الروايتين عن أحمد) والصحيح المشهور عن ملك والأدلة كثيرة من الجانبين حتى مال بعضهم إلى تساوي البلدين (وأجمعوا على أن الموضع الذي ضم أعضاءه الشريفة عليه أفضل بقاع الأرض حتى موضع الكعبة، كما قاله ابن عساكر والباجي) أبو الوليد سليمن بن خلف الحافظ الفقيه (والقاضي عياض) معبرًا بقوله: موضع قبره، والظاهر أن المراد جميع القبر لا خصوص ما لاقى الجسد الشريف، لأنه يقال عرفًا للقبر ضم الأعضاء، ويؤيد ذلك قول القائل في قصيدة أولها دار الحبيب أحق أن تهواها إلى أن قال: جزم الجميع بأن خير الأرض ما قد حاط ذات المصطفى وحواها ونعم لقد صدقوا بساكنها علت كالنفس حين زكت زكى مأواها (بل نقل التاج السبكي كما ذكره السيد السمهودي) بفتح السين وسكون الميم (في فضائل المدينة عن ابن عقيل الحنبلي أنها) أي: البقعة التي قبر فيها الصطفى عَّة (أفضل من العرش، وصرح الفاكهاني بتفضيلها على السموات، ولفظه: وأقول أنا وأفضل من بقاع السموات أيضًا، ولم أرَ من تعرض لذلك) بالنص عليه (والذي اعتقده أن ذلك لو عرض على علماء الأمة لم يختلفوا فيه). ٢٣٥ الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف بمواطىء قدميه، بل لو قال قائل: إن جميع بقاع الأرض أفضل من جميع بقاع السماء لشرفها لكونه عَّ حالاً فيها لم يبعد، بل هو عندي الظاهر المتعين. انتهى. وحكاه بعضهم عن الأكثرين لخلق الأنبياء منها ودفنهم فيها، لكن قال النووي: والجمهور على تفضيل السماء على الأرض، أي: ما عدا ما ضم الأعضاء الشريفة. وقد استشكل ما ذكره من الإجماع على أفضلية ما ضم أعضاءه الشريفة على جميع بقاع الأرض، ويؤيده ما قاله الشيخ عز الدين بن عبد السلام في تفضيل بعض الأماكن على بعض، من أن الأماكن والأزمان كلها متساوية، ويفضلان بما يقع فيهما لا بصفات قائمة بهما. قال: ويرجع تفضيلهما إلى ما ينيل الله العباد فيهما من فضله وكرمه، والتفضيل الذي فيهما أن الله تعالى يجود على عباده بتفضيل أجر العاملين فيهما. انتهى. ملخصًا. (وقد جاء أن السلموات شرفت بمواطىء قدميه بل) إضراب انتقالي (لو قال قائل أن جميع بقاع الأرض أفضل من جميع بقاع السماء لشرفها، لكونه عَّةٍ حالاً فيها لم يبعد، بل هو عندي الظاهر المتعين. انتهى) كلام الفاكهاني. (وحكاه) أي: تفضيل الأرض على السماء (بعضهم عن الأكثرين) من العلماء (لخلق الأنبياء منها ودفنهم فيها، لكن قال النووي والجمهور على تفضيل السماء على الأرض) لأنها لم يعص اللّه فيها، ومعصية إبليس لم تكن فيها أو كانت فيها، ولكن لندورها كأنه لم يعص فيها أصلاً، وصححه بعضهم وبعض آخر صحح الأول، فهما قولان مرجحان ومحل الخلاف فيما عدا القبر الشريف، كما قال (أي: ما عدا ما ضم الأعضاء الشريفة) فإنها أفضل إجماعًا، بل قال البرماوي عن شيخه السراج البلقيني: الحق أن مواضع أجساد الأنبياء وأرواحهم أشرف من كل ما سواها من الأرض والسماء ومحل الخلاف غير ذلك. انتهى. (وقد استشكل ما ذكره من الإجماع على أفضلية ما ضم أعضاءه الشريفة على جميع بقاع الأرض، ويؤيده ما قاله الشيخ عز الدين) الذي قاله غيره إن المستشكل هو العز (بن عبد السلام في تفضيل بعض الأماكن على بعض من أن الأماكن والأزمان كلها متساوية ويفضلان بما يقع فيهما) من الأعمال (لا بصفة قائمة فيهما). (وقال) العز: (ويرجع تفضيلهما إلى ما يديل) أي: يعطي (اللّه العباد فيهما من فضله وكرمه والتفضيل الذي فيهما) هو (أن اللّه تعالى يجود على عباده بتفضيل أجر العاملين ٢٣٦ الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف لكن تعقبه الشيخ تقي الدين السبكي بما حاصله: إن الذي قاله لا ينفي أن يكون التفضيل لأمر آخر فيهما وإن لم يكن عمل، لأن قبر رسول الله عَ لّه ينزل عليه من الرحمة والرضوان والملائكة، وله عند الله من المحبة ولساكنه ما تقصر العقول عن إدراكه، وليس ذلك لمكان غيره، فكيف لا يكون أفضل؟ وليس محل عمل لنا لأنه ليس مسجدًا، ولا له حكم المسجد، بل هو مستحق للنبي علّ ﴾. وأيضًا فقد تكون الأعمال مضاعفة فيه باعتبار أن النبي عَ لِّ حي كما تقرر، وأن أعماله مضاعفة فيه أكثر من كل أحد، فلا يختص التضعيف بأعمالنا نحن. قال: ومن فهم هذا انشرح صدره لما قاله القاضي عياض من تفضيل ما ضم أعضاءه الشريفة عَّ باعتبارين: أحدهما، ما قيل إن كل أحد يدفن في الموضع فيهما) قال العز: وموضع القبر الشريف لا يمكن العمل فيه، لأن العمل فيه يحرم فيه عقاب شدید. (انتهى ملخصًا، لكن تعقبه) تلميذه العلامة الشهاب القرافي بأن التفضيل للمجاورة والحلول كتفضيل جلد المصحف على سائر الجلود، فلا يمسه محدث ولا يلابس بقذر لا لكثرة الثواب وإلا لزمه أن لا يكون جلد المصحف، بل ولا المصحف نفسه أفضل من غيره لتعذر العمل فيه وهو خلاف المعلوم من الدين بالضرورة وأسباب التفضيل أعم من الثواب، فإنها منتهية إلى عشرين قاعدة وبينها كلها في كتابه الفروق، ثم قال: إنها أكثر وأنه لا يقدر على إحصائها خشية الإِسهاب. انتهى. وكذا تعقبه (الشيخ تقي الدين السبكي بما حاصله أن الذي قاله لا ينفي أن يكون التفضيل لأمر آخر فيهما) أي: الأزمنة والأمكنة (وإن لم يكن عمل، لأن قبر رسول اللّه عَلم ينزل عليه من الرحمة والرضوان والملائكة وله عند اللّه من المحبة ولساكنه ما تقصر العقول عن إدراكه وليس ذلك لمكان غيره، فكيف لا يكون أفضل، و) الحال أنه (ليس محل عمل لنا، لأنه ليس مسجدًا ولا له حكم المسجد، بل هو مستحق) أي: حق (للنبي عَ له، وأيضًا) وجه آخر (فقد تكون الأعمال مضاعفة فيه باعتبار أن النبي عَِّ حي كما تقرر) وأنه يصلي في قبره بأذان وإقامة (وأن أعماله مضاعفة فيه أكثر من) مضاعفة عمل (كل أحد، فلا يختص التضعيف بأعمالنا نحن) أيها الأَمة. (قال) السبكي: (ومن فهم هذا انشرح صدره لما قاله القاضي عياض) تبعًا للباجي وابن عساكر (من تفضيل ما ضم أعضاءه الشريفة عَّله باعتبارين:) (أحدهما) باعتبار (ما قيل أن كل أحد يدفن في الموضع الذي خلق منه) ولذا أشكل ٢٣٧ الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف الذي خلق منه، والثاني: تنزل الملائكة والبركات عليه، وإقبال الله تعالى. ولا نسلم أن الفضل للمكان لذاته ولكن لأجل من حلَّ فيه عَِّ. انتهى. وقد روى أبو يعلى عن أبي بكر أنه قال: سمعت رسول الله عَ لَه يقول: ((لا يقبض النبي إلا في أحب الأمكنة إليه)). ولا شك أن أحبها إليها أحبها إلى ربه تعالى، لأن حبه تابع لحب ربه جل وعلا، وما كان أحب إلى الله ورسوله كيف لا يكون أفضل؟ وقد قال عَّ له: ((اللهم إن إبراهيم دعاك لمكة، وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك إبراهيم لمكة ومثله معه)). ولا ريب أن دعاء النبي عَ ل أفضل من دعاء إبراهيم، لأَن فضل الدعاء على قدر فضل الداعي. وقد صح أنه عَّه قال: قول ابن عباس: أصل طينته عَّه من سرة الأرض بمكة يعني موضع الكعبة، وأجاب في العوارف بأن الماء، أي الذي كان عليه العرش لما تموج رمى الزبد إلى النواحي، فوقعت طينة النبي. بالمدينة كما بسطه المصنف أول الكتاب. (والثاني: تنزل الرحمة والبركات عليه وإقبال اللّه تعالى) قال السمهودي: والرحمات النازلات بذلك المحل يعم فيضها الأمة وهي غير متناهية لدوام ترقياته عَّة. فهو منبع الخيرات. انتهى. (ولا نسلم أن الفضل للمكان لذاته ولكن لأجل من حل فيه عَّة. انتهى). (وقد روى أبو يعلي عن أبي بكر) الصديق (أنه قال سمعت رسول اللَّه عٍَّ يقول: لا يقبض) يموت (نبي إلاّ في أحب الأمكنة إليه، ولا شك أن أحبها إليه أحبها إلى ربه تعالى، لأن حبه تابع لحب ربه جل وعلا، وما كان أحب للّه ورسوله فكيف لا يكون أفضل، وقد قال عليه السلام: اللهم إن إبراهيم) عبدك ونبيك وخليلك وإني عبدك ونبيك وإن إبراهيم (قد دعاك لمكة، وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعا إبراهيم لمكة ومثله معه). أخرجه مسلم والموطأ وغيرهما عن أبي هريرة في حديث (ولا ريب أن دعاءه أفضل من دعاء إبراهيم، لأن فضل الدعاء على قدر فضل الداعي) خصوصًا، وقد قال ومثله معه قال بعض العلماء: قد استجاب اللّه دعوته للمدينة، فصار يجبى إليها في زمن الخلفاء الراشدين من مشارق الأرض ومغاربها ثمرات كل شيء. وكذا مكة بدعاء الخليل، وزادت عليها المدينة لقوله: ومثله معه شيئين: إحداهما في ابتداء الأمر وهو كنوز كسرى وقيصر وغيرهما وإنفاقها في سبيل الله على أهلها. وثانيهما في آخر الأمر، وهو أن الإِيمان يأرز إليها من الأقطار. انتهى. ٢٣٨ الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف ((اللهم حبب إلينا المدينة، كحبنا مكة أو أشد)). وفي رواية ((بل أشد)) وقد أجيبت دعوته، حتى كان يحرك دابته إذا رآها من حبها. وروى الحاكم أنه عٍَّ قال: ((اللهم إنك أخرجتني من أحب البقاع إلي فأسكني في أحب البقاع إليك)) أي في موضع تصيره كذلك، فيجتمع فيه الحبان. قيل: وضعفه ابن عبد البر، ولو سلمت صحته فالمراد: أحب إليك بعد مكة لحديث ((إن مكة خير بلاد الله))، وفي رواية ((أحب أرض الله إلى الله))، ولزيادة التضعيف بمسجد مكة. وتعقبه العلامة السيد السمهودي: بأن ما ذكر لا يقتضي صرفه عن ظاهره، إذ القصد به الدعاء لدار هجرته بأن يصيرها الله كذلك. وحديث: ((إن مكة خير بلاد الله)) محمول على بدء الأمر قبل ثبوت الفضل للمدينة، وإظهار الدين، وافتتاح البلاد منها حتى مكة، فقد أنالها وأنال بها ما لم يكن لغيرها من البلاد، فظهر إجابة دعوته، وصيرورتها أحب مطلقًا بعد، ولهذا افترض الله تعالى على نبيه عَ ◌ّه (وصح) في البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة في حديث (أنه عٍَّ قال: اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد). وفي رواية: بل أشد) فأوفي الأولى للإضراب، فاستجاب اللّه له، فكانت أحب إليه من مكة كما جزم به السيوطي ونحوه قوله: (وقد أجيبت دعوته حتى كان يحرك دابته إذا رآها من حبها) أي: المدينة، كما رواه البخاري عن أنس أنه عَّ ةٍ كان إذا قدم من سفر فنظر إلى جدران المدينة أوضع وإن كان على دابة حركها من حبها. (وروى الحاكم) في المستدرك وأبو سعد في الشرف عن أبي هريرة (أنه عَّةٍ قال: اللهم إنك أخرجتني من أحب البقاع إليَّ فاسكني في أحب البقاع إليك، أي: في موضع تصيره كذلك فيجتمع فيه الحبان) وتمامه فأسكنه الله المدينة. (قيل: وضعفه ابن عبد البرّ) فقال: لا يختلف أهل العلم في نكارته وضعفه (ولو سلمت صحته فالمراد أحب إليك بعد مكة لحديث أن مكة خير بلاد اللّه). (وفي رواية: أحب أرض اللّه إلى اللّه ولزيادة التضعيف بمسجد مكة) في الصلوات (وتعقبه العلامة السيد السمهودي؛ بأن ما ذكر) من الحديث والتضعيف (لا يقتضي صرفه عن ظاهره، إذ القصد به الدعاء لدار هجرته بأن يصيرها اللّه كذلك، وحديث أن مكة خير بلاد اللّه محمول على بدء الأمر قبل ثبوت الفضل للمدينة وإظهار الدين وافتتاح البلاد منها حتى مكة، فقد أنالها) أي: المدينة (وأنال:) أعطى (بها ما لم يكن لغيرها من البلاد، فظهر) بذلك (إجابة دعوته وصيرورتها أحب مطلقًا) أي: من مكة وغيرها (بعد) بالضم، أي بعد حلوله فيها ٢٣٩ الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف الإقامة بها، وحث هو عَّ على الاقتداء به في سكناها والموت بها، فكيف لا تكون أفضل. قال: وأما مزيد المضاعفة، فأسباب التفضيل لا تنحصر في ذلك، فالصلوات الخمس بمنى للمتوجه لعرفة أفضل منها بمسجد مكة، وإن انتفت عنها المضاعفة، إذ في الاتباع ما يربو عليها، ومذهبنا: شمول المضاعفة للنفل مع تفضيله بالمنزل، ولهذا قال عمر رضي الله عنه بمزيد المضاعفة لمسجد مكة، مع قوله بتفضيل المدينة، ولم يصب من أخذ من قوله بمزيد المضاعفة: تفضيل مكة. إذ غايته أن للمفضول مزية ليست للفاضل، مع أن دعاءه عَّ له بمزيد تضعيف البركة بالمدينة على مكة شامل للأمور الدينية أيضًا. وقد يبارك في العدد القليل فيربو على الكثير، ولهذا استدل به على تفضيل المدينة. وإن أريد من حديث المضاعفة الكعبة فقط، فالجواب: إن الكلام فيما (ولهذا افترض اللّه تعالى على نبيه عَّ الإقامة بها) حيًا وميتًا (وحث هو عَّ على الاقتداء به في سكناها والموت بها، فكيف لا تكون أفضل) من مكة. (قال) السمهودي: (وأما مزيد) أي: زيادة (المضاعفة، فأسباب التفضيل لا تنحصر في ذلك) أي: مزيد المضاعفة (فالصلوات الخمس بمنى للمتوجه لعرفه أفضل منها) أي: من صلاتها (بمسجد مكة وإن انتفت عنها المضاعفة، إذ في الاتباع) لفعل النبي عَ ◌ّه. حيث صلاها بمنى (ما يربو:) يزيد (عليها) أي: المضاعفة (ومذهبنا) أي: الشافعية (شمول المضاعفة للنفل) وبه قال مطرف صاحب لملك (مع تفضيله بالمنزل) مع أنه لا مضاعفة فيه (ولهذا قال عمر) بن الخطاب (بمزيد المضاعفة لمسجد مكة) على مسجد المدينة (مع قوله) أي: عمر (بتفضيل المدينة) ومسجدها على مكة ومسجدها، لأن التفضيل لم ينحصر في المضاعفة (ولم يصب من أخذ من قوله) أي: عمر (بمزيد المضاعفة) أنه يرى (تفضيل مكة، إذ غايته أن للمفضول) مسجد مكة (مزية ليست للفاضل) مسجد المدينة والمزية لا تقتضي الأفضلية (مع أن دعاءه عَظّ بمزيد تضعيف البركة بالمدينة على مكة شامل للأمور الدينية أيضًا) إذ لا وجه لتخصيصه بالدنيوية (و) لا يرد مزيد التضعيف لأنه (قد يبارك في العدد القليل فيربو): يزيد نفعه (على) العدد (الكثير، ولهذا استدل به على تفضيل المدينة) إذ لو لم يكن كذلك ما صح الاستدلال (وإن أريد من حديث المضاعفة الكعبة) نائب فاعل أريد (فقط). (فالجواب أن الكلام فيما عداها فلا يرد شيء مما جاء في فضلها) فإنها تلي القبر ٢٤٠ الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف عداها، فلا يرد شيء مما جاء في فضلها، ولا ما بمكة من مواضع النسك لتعلقه بها، ولذا قال عمر لعبد الله بن عياش المخزومي: أنت القائل: لمكة خير من المدينة؟ فقال عبد الله: هي حرم الله وأمنه وفيها بيته، فقال عمر: لا أقول في حرم الله وبيته شيئًا، ثم كرر عمر قوله الأول، فأعاد عبد الله جوابه، فأعاد له: لا أقول في حرم الله وبيته شيئًا، فأشير إلى عبد الله فانصرف. وقد عوضت المدينة عن العمرة، ما صح في إتيان مسجد قباء، وعن الحج ما جاء في فضل الزيارة النبوية والمسجد، والإقامة بعد النبوة بالمدينة وإن كانت أقل من الإقامة مكة على القول به، فقد كانت سببًا لإعزاز الدين وإظهاره، ونزول أكثر الشريف فهي أفضل من بقية المدينة اتفاقًا كما في كلام السمهودي (ولا ما بمكة من مواضع النسك لتعلقه بها). (ولذا قال عمر لعبد الله بن عياش) بتحتية وشين معجمة ابن أبي ربيعة القرشي (المخزومي) وأبوه قديم الإِسلام وهاجر إلى الحبشة، فولد له عبد اللّه هذا بها وأدرك من حياته ێ ثمانٍ سنین وحفظ عنه. وروى عن عسر وغيره ومات سنة أربع وستين: (أنت القائل لمكة) بفتح اللام للتأكيد (خير) أي أفضل (من المدينة فقال عبد الله: هي حرم الله وأمنه وفيها بيته) الكعبة، وما أضيف للّه خير مما أضيف لرسوله (فقال عمر: لا أقول في حرم الله وبيته شيئًا) يعني: أنه ليس من محل الخلاف ولم أسألك عنه، وإنما سألتك عن البلدين (ثم كرر عمر:) لينظر هل تغير اجتهاده إلى موافقة عسر في تفضيل المدينة (قوله الأول: أنت) القائل ... الخ. (فأعاد عبد اللّه جوابه:) هي حرم الله ... الخ (فأعاد له عمر) قوله: (لا أقول في حرم اللّه وبيجه شيئًا) وما تغيير اجتهاد واحد منهما لموافقة الآخر، والقصة رواها لملك في الموطأ مطولة عن أسلم مولى عمر، وفيها أنهم كانوا بطريق مكة ولكن قال في آخرها: ثم انصرف ولم يقل (فأشير إلى عبد اللّه فانصرف، وقد عوضت المدينة عن العمرة ما صح في إتيان مسجد قباء) كما يأتي مرفوعًا: صلاة في مسجد قباء كعمرة (وعن الحج ما جاء في فضل الزيارة النبوية والمسجد) النبوي، وفي الحجج المبينة عن أبي أمامة مرفوعًا: ((من خرج على طهر لا يريد إلاّ الصلاة في مسجدي هذا حتى يصلي فيه كان بمنزلة حجة)». انتهى. (والإِقامة بعد النبوة بالمدينة وإن كانت أقل من الإقامة بمكة) بثلاث سنين (على القول به) وهو الصحيح (فقد كانت سببًا لإِعزاز الدين وإظهاره ونزول أكثر الفرائض) إذ لم يفرض