Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف
وقد نبهت على ذلك مع مزيد بيان في كتاب «لوامع الأنوار في الأدعية
والأذكار)).
فإن أوصاه أحد بإبلاغ السلام إلى النبي ◌َ ◌ّه فليقل: السلام عليك يا
رسول الله من فلان.
ثم ينتقل عن يمينه قدر ذراع، فيسلم على أبي بكر رضي الله عنه، لأن رأسه
بحذاء منكب رسول الله عَّهِ، على ما جزم به رزين وغيره، وعليه الأكثر، فيقول:
السلام عليك يا خليفة سيد المرسلين، السلام عليك يا من أيد الله به - يوم الردة -
الدين، جزاك الله عن الإسلام والمسلمين خيرًا، اللهم ارض عنه، وارض عنا به.
ثم ينتقل عن يمينه قدر ذراع، فيسلم على عمر بن الخطاب رضي الله عنه
فيقول: السلام عليك يا أمير المؤمنين، السلام عليك يا من أيد الله به الدين، جزاك
الله عن الإسلام والمسلمين خيرًا، اللهم ارض عنه، وارض عنا به.
اغتفرا تباعًا للمأثور، ولتقدم تعظيمه بقوله: صلى اللّه عليك، كما قيل: (وقد نبهت على ذلك
مع مزيد بيان في كتاب لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، فإن أوصاه أحد بإبلاغ السلام
إلى النبي عَّهُ) بأن قال الموصي: قل السلام عليك من فلان، أو سلم لي عليه عَّه، وتحمل
ذلك ورضي به وجب عليه إبلاغه، لأنه أمانة يجب أداؤها (فليقل: السلام عليك يا رسول الله
من فلان) وقول بعضهم: أنه سنة لا واجب، إذ ليس في تركه سوى عدم اكتساب فضيلة للغير
فلا سبب يقتضي التحريم، رد بأن المأمور حيث التزم ذلك وقبله وجب التبليغ لأنه أمانة التزم
أداءها له عليه السلام (ثم ينتقل) الزائر المسلم (عن يمينه قدر ذراع فيسلم على أبي بكر
رضي اللّه عنه، لأن رأسه بحذاء منكب رسول اللّه عَ لَّه على ما جزم به رزين وغيره، وعليه
الأكثر) وهو أشهر الروايات السبع وأصحها (فيقول: السلام عليك يا خليفة سيد المرسلين،
السلام عليك يا من أيد اللّه به يوم الردة الدين) ومر حديث: أنا سيف الإِسلام وأبو بكر سيف
الردة (جزاك اللّه عن الإِسلام والمسلمين خيرًا اللهم ارض عنه وارض عنا به، ثم ينتقل عن
يمينه قدر ذراع فيسلم على عمر ابن الخطاب رضي اللّه عنه، فيقول: السلام عليك يا أمير
المؤمنين، السلام عليك يا من أيد اللّه به الدين، جزاك الله عن الإِسلام والمسلمين خيرًا،
اللهم ارض عنه وارض عنا به) وما ذكره من الدعاء لهما بلفظ: السلام، ذكره جماعة من
المالكية وغيرهم وهذا بخلاف الصلاة فتكره استقلالاً على غير نبي أو ملك، وفي موطأ لملك
عن عبد الله بن دينار، قال: رأيت عبد الله بن عمر يقف على قبر النبي عَ له فيصلي على قبر

٢٠٢
الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف
ثم يرجع إلى موقفه الأول قبالة وجه سيدنا رسول الله عَّ له بعد السلام على
سيدنا أبي بكر وعمر، فيحمد الله تعالى ويمجده، ويصلي على النبي عَّهِ، ويكثر
من الدعاء والتضرع، ويجدد التوبة في حضرته الكريمة، ويسأل الله بجاهه أن
يجعلها توبة نصوحًا، ويكثر من الصلاة والسلام على النبي عَّه بحضرته الشريفة
حیث یسمعه ويرد عليه.
وقد روى أبو داود من حديث أبي هريرة: أنه عَِّ قال: ((ما من مسلم يسلم
عليَّ إلا رد الله عليَّ روحي حتى أرد عليه السلام)).
النبي عَّهِ وعلى أبي بكر وعمر.
كذا رواه يحيى بن يحيى الليثي عن لملك، ورواه القعنبي وابن بكير وسائر رواة الموطأ،
بلفظ: فيصلي على النبي عَّهِ ويدعو لأبي بكر وعمر، ففرقوا بين يصلي ويدعوا، وإن كانت
الصلاة قد تكون دعاء، لأنه خص بلفظ: الصلاة عليه ... الآية: ﴿لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم
كدعاء بعضكم بعضًا﴾ [النور/ ٦٣].
وقد أنكر العلماء رواية يحيى ومن وافقه، قاله ابن عبد البرّ، ولعل إنكارهم من حيث اللفظ
الذي خالف فيه الجمهور فتكون روايته شاذة، وإلا فالصلاة على غير النبي تجوز تبعًا كما هنا،
وإنما اختلف فيها استقلالاً بالمنع والجواز والكراهة، وصححها الأبي (ثم يرجع إلى موقفه الأول
قبالة) بضم القاف (وجه سيدنا رسول اللّه عَّ} بعد السلام على سيدنا أبي بكر وعمر:
فيحمد اللّه تعالى ويمجده) على هذه النعمة العظيمة من تسهيل الزيارة له (ويصلي على
النبي عَّهِ ويكثر الدعاء والتضرع ويجدد التوبة في حضرته الكريمة ويسأل الله تعالى بجاهه
أن يجعلها توبة نصوحًا) خالصة (ويكثر من الصلاة والسلام على رسول اللّه عَ لَّه بحضرته
الشریفة حیث یسمعه ویرد عليه) بأن یقف یمكان قريب منه ویرفع صوته إلى حد لو كان حيًا
مخاطبًا له لسمعه عادة.
(وقد روى أبو داود) بإسناد صحيح (من حديث أبي هريرة؛ أنه عَّةٍ قال: ما من
مسلم) الذي في أبي داود وهو الذي قدمه المصنف في مبحث الصلاة ما من أحد. نعم المراد
مسلم (يسلم عليّ) في أي محل كان، قال السخاوي: وزيادة عند قبري لم أقف عليها فيما
رأيته من طرق الحديث.
(إلاَّ رد اللّه عليّ روحي) قال السيوطي: كذا رواه أبو داود علي، وللبيهقي: إليّ وهي
ألطف وأنسب، لأن رد يعدى بعلى في الإِهانة، ويإلى في الإكرام، فمن الأول: يردوكم على
أعقابکم، ومن الثاني: رددناه إلی أمه. انتهى.

٢٠٣
الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف
وعند ابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة مرفوعًا: ((من صلى علي عند
قبري سمعته، ومن صلى علي نائيًا بلغته)).
وعن سليمان بن سحيم، مما ذكره القاضي عياض في ((الشفاء)) قال: رأيت
النبي عَّه في النوم، فقلت: يا رسول الله، هؤلاء الذين يأتونك فيسلمون عليك
أتفقه سلامهم؟ قال: نعم وأرد عليهم.
ولا شك أن حياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ثابتة معلومة مستمرة،
ونبينا عَّ أفضلهم، وإذا كان كذلك فينبغي أن تكون حياته عَّه أكمل وأتم من
ولا يطرد هذا بدليل رواية على هنا في الإكرام (حتى) غاية لرد في معنى التعليل، أي:
لأجل أن (أرد عليه السلام عند ابن أبي شيبة) وعبد الرزاق (من حديث أبي هريرة، مرفوعًا:
من صلى علي عند قبري سمعته، ومن صلى علي نائيًا) بعيدًا (بلغته) من الملك الموكل
بقبره بإبلاغه صلاة أمته عليه، والظاهر أن المراد بالعندية قرب القبر بحيث يصدق عليه عرفًا أنه
عنده، وبالبعد ما عداه وإن كان بالمسجد، قال السخاوي: إذا كان المصلي عند قبره سمعه بلا
واسطة سواء كان ليلة الجمعة أو غيرها، وما يقوله بعض الخطباء ونحوهم أنه يسمع بأذنيه في
هذا اليوم من يصلي عليه فهو مع حمله على القريب لا مفهوم له. انتهى.
وتقدم لذلك مزيد في مقصد المحبة وقبله في الخصائص، وأورد أن رد السلام على
المسلم لا يختص به عَّه ولا بالأنبياء، فقد صح مرفوعًا: ((ما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن ومن
كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلاَّ عرفه ورد عليه السلام))، وأجيب بأن الرد من الأنبياء رد
حقيقي بالروح والجسد بجملته ولا كذلك الرد من غير الأنبياء والشهداء فليس بحقيقي، وإنما هو
بواسطة اتصال الروح بالجسد، لأن بينه وبينها اتصالاً يحصل بواسطه التمكن من الرد مع كون
أرواحهم ليست في أجسادهم، وسواء الجمعة وغيرها على الأصح، لكن لا مانع أن الاتصال في
الجمعة واليومين المكتنفين به أقوى من الاتصال في غيرها من الأيام. انتهى.
(وعن سليمن بن سحيم) بمهملتين مصغر المدني مولى آل العباس، وقيل: مولى آل
الحسين، تابعي، ثقة، روى له مسلم والسنن: إلاّ الترمذي (مما ذكره القاضي عياض في
الشفاء) وأخرجه البيهقي في حياة الأنبياء وابن أبي الدنيا عن سليمن (قال: رأيت النبي معَّه
في النوم) ورؤياه حق (فقلت: يا رسول اللّه هؤلاء الذين يأتونك فيسلمون عليك أتفقه:)
أتفهم (سلامهم، قال: نعم) أفقهه (وأرد عليهم) عطف على معنى. نعم. لا على قول السائل
وإنه من العطف التقليني كما توهم لوجود نعم، إذ معناها أفقه (ولا شك أن حياة الأنبياء عليهم
السلام ثابتة معلومة مستمرة ثابتة) في الاستمرار فلا تكرار (ونبينا عَّ أفضلهم) بالنصوص

٢٠٤
الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف
حياة سائرهم.
فإن قال سقيم الطبع رديء الفهم: لو كانت حياته عَّ له مستمرة ثابتة لما
كان لرد روحه معنى كما قال: ((إلا رد الله علي روحي)).
يجاب عن ذلك من وجوه:
أحدها: أن هذا إعلام بثبوت وصف الحياة دائمًا لثبوت رد السلام دائمًا،
فوصف الحياة لازم لرد السلام اللازم، واللازم يجب وجوده عند ملزومه أو ملزوم
ملزومه، فوصف الحياة ثابت دائمًا لأن ملزوم ملزومه ثابت دائمًا، وهذا من نفاثات
سحر البيان في إثبات المقصود بأكمل أنواع البلاغة، وأجمل فنون البراعة التي هي
قطرة من بحار بلاغته العظمى.
ومنها: أن ذلك عبارة عن إقبال خاص، والتفات روحاني يحصل من
الحضرة النبوية إلى عالم الدنيا، وقوالب الأجساد الترابية، وتنزل إلى دائرة البشرية،
حتى يحصل عند ذلك رد السلام، وهذا الإقبال يكون عامًا شاملاً، حتى لو كان
والإِجماع (وإذا كان كذلك فينبغي:) يجب (أن تكون حياته أكمل وأتم من حياة سائرهم)
أي: الأنبياء عليهم السلام (فإن قال: سقيم الطبع رديء الفهم، لو كانت حياته عَُّله مستمرة
ثابتة لما كان لرد روحه معنى، كما قال) في الحديث: (إلا رد اللّه عليّ روحي) فإن مقتضاه
انفصالها عنه وهو الموت (يجاب عن ذلك من وجوه، أحدها: أن هذا إعلام بثبوت وصف
الحياة دائمًا لثبوت رد السلام دائمًا) لاستحالة خلوّ الوجود كله عن مسلم عليه عادة (فوصف
الحياة لازم لرد السلام اللازم) لصفة الحياة (واللازم يجب وجوده عند ملزومه أو ملزوم
ملزومه) فأطلق الملزوم هنا وهو رد الروح، وأراد لازمه وهو صفة الحياة الملزومة لرد السلام،
فكأنه قال: إلاَّ وجدني حيًا (فوصف الحياة ثابت دائمًا لأن ملزوم ملزومه ثابت دائمًا وهذا من
تناثات) بفتح النون والفاء المشددة، ويجوز ضم النون وفتح الفاء مخففة، لكن الأول أنسب
بة زله: (سحر البيان) والمراد العبارات البليغة (في إثبات المقصود بأكمل أنواع البلاغة
وأجمل) بالجيم (فنون) جمع فن (البراعة التي هي قطرة من بحار بلاغته العظمى) عَّهِ (ومنها
أن ذلك عبارة عن إقبال خاص والتفات روحاني) بضم الراء لا يكيف (يحصل من الحضرة
النبوية إلى عالم الدنيا وقوالب:) بكسر اللام جمع قالب بفتحها، لأن فاعل بالفتح جمعه
فواعل بالكسر (الأجساد الترابية وتنزل إلى دائرة البشرية) عبر عنه برد الروح تجوزًا للتقريب
للإِفهام (حتى يحصل عند ذلك رد السلام، وهذا الإقبال يكون عامًا شاملاً حتى لو كان

٢٠٥
الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف
المسلمون في كل لمحة أكثر من ألف ألف ألف لوسعهم ذلك الإقبال النبوي
والالتفات الروحاني، ولقد رأيت من ذلك ما لا أستطيع أن أعبر عنه، ولقد أحسن
من سئل: كيف يرد النبي عَّم على من سلم عليه من مشارق الأرض ومغاربها
في آن واحد فأنشد قول أبي الطيب:
كالشمس في وسط السماء ونورها يغشى البلاد مشارقًا ومغارباً
المسلمون) بكسر اللام الثقيلة (في كل لمحة أكثر من ألف ألف ألف) ثلاثًا (لوسعهم ذلك
الإقبال النبوي والالتفات الروحاني، ولقد رأيت من ذلك ما لا أستطيع أن أعبر عنه) لأنه أمر
لا يدرك بالعبارة وإنما يعرفه من شاهده ولا يقدر على التعبير عنه.
وفي فتح الباري أجاب العلماء عن ذلك بأجوبة، أحدها: أن المراد بقوله: رد اللّه إليّ روحي
أن رد روحه كانت سابقة عقب دفنه لا أنها تعاد ثم تنزع ثم تعاد. الثاني: سلمنا لكن ليس هو نزع
موت بل لا مشقة فيه الثالث: أن المراد بالروح الملك الموكل بذلك. الرابع: المراد بالروح النطق،
فتجوز فيه من جهة خطابنا بما نفهمه. الخامس: أنه يستغرق في أمور الملأ الأعلى، فإذا سلم عليه
رجع إليه فهمه ليجيب من يسلم عليه، واستشكل ذلك من جهة أخرى وهو أنه يستلزم استغراق
الزمان كله في ذلك لاتصال الصلاة عليه والسلام في سائر أقطار الأرض ممن لا يحصى كثرة،
وأجيب بأن أمور الآخرة لا تدرك بالعقل وأحوال البرزخ أشبه بأحوال الآخرة انتهى.
·بلفظه: والجواب الأول للبيهقي واعترض بأنه خلاف الظاهر، واعترض الثالث بأن الإضافة
في روحي تأباه، وأجيب بأنه لما كان ملازماً مختصًا به صحت إضافته إليه، بل قيل أنه أقرب
الأجوبة، وقد أطلق الروح على الملك في القرءان والسنة، واعترض الرابع بأن استعارة الروح
للنطق بعيدة وغير مألوفة ولا رونق لها يليق بالفصاحة النبوية، ولو سلم كان ركيكاً، لأن قوله:
حتى أرد يأباه، وتعقب بأنه لا بعد ولا ركاكة لأنه للتقريب للإِفهام كما قال، بل علاقة المجاز
كما قال ابن الملقن وغيره: إن النطق من لازمه وجود النطق بالفعل أو بالقوة وهو في البرزخ
مشغول بأحوال الملكوت مستغرق في مشاهدته، مأخوذ عن النطق بسبب ذلك، ومن الأجوبة أن
رد الروح مجاز عن المسرة، فإنه يقال لمن سر عادت له روحه، ولضده ذهبت، فهو عبارة عن
دوم سروره عَّه بالسلام عليه، لأن الكون لا يخلو عن مسلم عليه، بل قد يتعدد في آنٍ واحد ما
لا يحصى وأن رد الروح عبارة عن حضور الفكر كما قيل في خبر أنه ليغان على قلبي (ولقد
أحسن من سئل كيف يرد النبي عَّ على من سلم عليه في مشارق الأرض ومغاربها في
آنٍ واحد، فأنشد قول أبي الطيب) أحمد المتنبي في ممدوحه ناقلاً له إلى من هو اللائق به:
(كالشمس في وسط السماء ونورها يغشى البلاد مشارقًا ومغاربا)

٢٠٦
الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف
ولا ريب أن حاله عَِّ في البرزخ أفضل وأكمل من حال الملائكة، هذا
سيدنا عزرائيل عليه السلام يقبض مائة ألف روح في وقت واحد ولا يشغله قبض
عن قبض، وهو مع ذلك مشغول بعبادة الله تعالى، مقبل على التسبيح والتقديس،
فنبينا عَّهِ حي يصلي ويعبد ربه ويشاهده، لا يزال في حضرة اقترابه، متلذذًا
بسماع خطابه، وقد تقدم الجواب عن قوله تعالى: ﴿إِنك ميت وإنهم ميتون﴾ في
أواخر الخصائص من المقصد الرابع.
وقد روى الدارمي عن سعيد بن عبد العزيز قال: لما كان أيام الحرة، لم
كالبدر من حيث التفت رأيته يهدي إلى عينيك نورًا ثاقبا
(ولا ريب أن حاله عَّ في البرزخ أفضل وأكمل من حال الملائكة، هذا سيدنا
عزرائيل) اسم ملك الموت على ما اشتهر (عليه السلام يقبض مائة ألف روح) أو أزيد (في
وقت واحد ولا يشغله) بفتح أوله وثالثه على الأفصح (قبض عن قبض وهو مع ذلك مشغول
بعبادة اللّه تعالى مقبل على التسبيح والتقديس، فنبينا عَّه حي) في قبره (يصلي ويعبد ربه
ويشاهده، لا يزال في حضرة اقترابه:) أي دنوه (متلذذًا بسماع خطابه).
وكذا كان شأنه وعادته في الدنيا يفيض على أمته من سبحات الوحي الإلهي مما أفاضه
اللّه عليه، ولا يشغله هذا الشأن وهو شأن إفاضة الأنوار القدسية على أمته عن شغله بالحضرة
الإلهية، (وقد تقدم الجواب عن قوله تعالى: ﴿إِنك ميت وإنهم ميتون﴾﴾ [الزمر/ ٣٠] (في
أواخر الخصائص من المقصد الرابع) عن السبكي بما حاصله أن موته لم يستمر وأنه أحيي بعد
الموت حياة حقيقية ولا يلزم منه أن يكون البدن معها كما في الدنيا من الحاجة إلى طعام
وشراب وغير ذلك من صفات الأجسام التي نشاهدها، أي: لأن ذلك عادي لا عقلي والملائكة
أحياء ولا يحتاجون إلى ذلك.
(وقد روى الدارمي عن سعيد بن عبد العزيز، قال: لما كان أيام الحرة) بفتح الحاء
والراء المهملتين أرض بظاهر المدينة ذات حجارة سود كأنها أحرقت بالنار كانت بها الوقعة
المشهورة بين عسكر يزيد بن معاوية وبين أهل المدينة بسبب أنهم خلعوا يزيد وولوا على
المهاجرين عبد الله بن مطيع وعلى الأنصار عبد الله بن حنظلة وأخرجوا عامل يزيد عثمن بن
محمد بن أبي سفين من بينهم، فبعث لهم يزيد جيشًا عدته سبع وعشرون ألف فارس وخمسة
عشر ألف راجل، فظفروا فأباحوا المدينة ثلاثة أيام قتلاً ونهبًا وزنًا وغير ذلك وقتل فيها خلق كثير
من الصحابة وغيرهم.

٢٠٧
الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف
يؤذن في مسجد النبي عَّةٍ، ولم يبرح سعيد بن المسيب من المسجد، وكان لا
يعرف وقت الصلاة إلا بهمهمة يسمعها من قبر النبي عَّ، وذكر ابن النجار وابن
زبالة بلفظ قال سعيد - يعني ابن المسيبـ: فلما حضرت الظهر سمعت الأذان في
القبر، فصليت ركعتين، ثم سمعت الإقامة فصليت الظهر، ثم مضى ذلك الأذان
والإقامة في القبر المقدس لكل صلاة حتى مضت الثلاث ليال، يعني ليالي أيام
الحرة.
وقد روى البيهقي وغيره: من حديث أنس أن رسول الله عَّ له قال: الأنبياء
أحياء في قبورهم يصلون. وفي رواية: ((إن الأنبياء لا يتركون في قبورهم بعد أربعين
ليلة، ولكنهم يصلون بين يدي الله حتى ينفخ في الصور)).
وفي البخاري عن ابن المسيب: أنها لم تبق من أصحاب الحديبية أحدًا (لم يؤذن في
مسجد النبي عَّله) لعدم تمكن أحد من دخول المسجد من الخوف (ولم يبرح سعيد بن
المسيب من المسجد وكان لا يعرف وقت الصلاة إلا بهمهمة يسمعها من قبر النبي ◌َّه).
(وذكره ابن النجار وابن زبالة) بفتح الزاي (بلفظ) أن الأذان ترك في أيام الحرة ثلاثة
أيام وخرج الناس وسعيد بن المسيب في المسجد.
(قال سعيد، يعني ابن المسيب:) فاستوحشت فدنوت من القبر (فلما حضرت الظهر
سمعت الأذان في القبر) الشريف يحتمل من ملك موكل بذلك إكرامًا له عليه السلام ويحتمل
غير ذلك (فصليت ركعتين) نفلاً (ثم سمعت الإقامة فصليت الظهر) اكتفاء بذلك لعلمه أنه
حق، إلاَّ أن قوله: فلما حضرت الظهر يقتضي أنه علم دخول الوقت قبل سماع الأذان وصريح
الرواية الأولى أنه لا يعرف الوقت إلا بسماع الهمهمة من القبر.
فإما أن يؤول حضرت الظهر على معنى بسماع الأذان، وإما أن المراد بالحضر في الوقت
غير الظاهر كالظهر (ثم مضى) أي: استمر (ذلك الأذان والإقامة في القبر المقدس لكل صلاة
حتى مضت الثلاث ليال، يعني ليالي أيام الحرة) كرامة له وتأنيسًا لاستيحاشة بانفراده في
المسجد.
(وقد روى البيهقي) في كتاب حياة الأنبياء وصححه (وغيره) كأبي يعلى والبزار وابن
عدي (من حديث أنس أنه عَِّ قال: الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون) تلذذًا وإكرامًا.
(وفي رواية) للبيهقي من طريق محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى أحد فقهاء الكوفة،
عن ثابت، عن أنس مرفوعًا: (أن الأنبياء لا يتركون في قبورهم بعد أربعين ليلة) من موتهم
(ولكنهم يصلون بين يدي الله حتى ينفخ في الصور).

٢٠٨
الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف
وله شواهد في الصحيح منها قوله في صحيح مسلم عنه معد له: مررت بموسى
وهو قائم يصلي في قبره. وفي حديث أبي ذر في قصة المعراج: أنه لقي الأنبياء
قال الحافظ ومحمد: سيء الحفظ، وذكر الغزالي، ثم الرافعي حديثًا مرفوعًا: أنا أكرم
على ربي من أن يتركني في قبري بعد ثلاث ولا أصل له إلاَّ أن أخذ من رواية ابن أبي ليلى هذه
وليس الأخذ بجيد، لأن روايته قابلة للتأويل.
قال البيهقي: إن صح، فالمراد أنهم لا يتركون يصلون إلاَّ هذا القدر، ثم يكونون مصلين
بين يدي اللّه تعالى. انتهى كلام الحافظ.
وفي جامع الثوري ومصنف عبد الرزاق عن ابن المسيب أنه رأى قومًا يسلمون على
النبي عليه، فقال: ما يمكث نبي في قبره أكثر من أربعين يومًا حتى يرفع، ولا يصح هذا عن ابن
المسيب، كما قال شيخنا بأنه لا يتركني على حالتي بحيث لا يقوى تعلق الروح بالجسد على
وجه يمنع من ذهاب الروح بعد تعلقها بالجسد حيث شاءت متشكلة بصورة الجسد، وأما الجسد
فهو باقي إلى يوم القيامة، وقوله: ما يمكث نبي، يعني غير المصطفى، فغيره من الأنبياء إنما يقوى
تعلق أرواحهم بأجسادهم بعد الأربعين ومع ذلك هو صادق بأن يكون بعدها بزمن طويل أو يسير،
وبهذا الجمع یندفع التعارض. انتهى.
لكن قوله: هو صادق لا يصح لأنه خلاف قول الخبر لا يتركون في قبورهم بعد أربعين
ليلة وخلاف قول ابن المسيب ما يمكث نبي في قبره أكثر من أربعين، فإن صريحهما أن حد
المكث لا يزيد على الأربعين بقليل فضلاً عن الكثير (وله شواهد) أي: للحديث الأول كما في
الفتح.
قال البيهقي: وشاهد الحديث الأول (في الصحيح منها قوله في صحيح مسلم) عن
أنس، عن النبي (عَُّ: مررت بموسى)، ليلة أسري بي عند الكثيب الأحمر (وهو قائم يصلي
في قبره) هذا لفظ مسلم، فاختصره المصنف كما ترى، قيل: المراد الصلاة اللغوية، أي: يدعو
اللّه ويذكره ويثني عليه، وقيل: الشرعية.
قال القرطبي: ظاهره أنه رآه رؤية حقيقية في اليقظة وأنه حي في قبره يصلي الصلاة التي
كان يصليها في الحياة وذلك ممكن وفي الفتح، فإن قيل: هذا خاص بموسى، قلنا: له شاهد
عند مسلم أيضًا عن أبي هريرة، رفعه: ((لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن مسراي)) ...
الحديث، وفيه: وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء إلى أن قال: فحانت الصلاة فأممتهم.
قال البيهقي: وفي حديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أنه لقيهم ببيت المقدس.
(وفي حديث أبي ذر) ولملك بن صعصعة في الصحيحين، (في قصة المعراج أنه لقي

٢٠٩
الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف
في السموات، وكلموه وكلمهم. وقد ذكرت مزيد بيان لذلك في حجة الوداع
من مقصد عباداته، وفي ذكر الخصائص الكريمة في مقصد معجزاته، وفي مقصد
الإسراء والمعراج.
وهذه الصلوات والحج الصادر من الأنبياء ليس على سبيل التكليف، إنما هو
على سبيل التلذذ، ويحتمل أن يكونوا في البرزخ ينسحب عليهم حكم الدنيا في
استكثارهم من الأعمال وزيادة الأجور من غير خطاب بتكليف، وبالله التوفيق.
وإذا ثبت بشهادة قوله تعالى: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله
أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾ [آل عمران/١٦٩]، حياة الشهيد، ثبت
للنبي عَ لّه بطريق الأولى، والذي عليه جمهور العلماء: أن الشهداء أحياء حقيقة،
وهل ذلك للروح فقط أو للجسد معها؟ بمعنى عدم البلى، قولان.
الأنبياء في السموات وكلموه) وجمع البيهقي بين هذه الروايات بأنه رأى موسى قائمًا في
قبره، ثم اجتمع به هو ومن ذكر من الأنبياء في السموت، فلقيهم النبي عَّ. ثم اجتمعوا في بيت
المقدس، فحضرت الصلاة فأمهم.
قال: وصلواتهم في أوقات مختلفة في أماكن مختلفة لا يرده العقل وقد ثبت به النقل فدل
على حياتهم (وقد ذكرت مزيد بيان لذلك في حجة الوداع من مقصد عباداته، وفي ذكر
الخصائص الكريمة من مقصد معجزاته وفي مقصد الإِسراء والمعراج وهذه الصلوات والحج
الصادر من الأنبياء عليهم السلام ليس) المذكور (على سبيل التكليف) لانقطاعه بالموت
(إنما هو على سبيل التلذذ) بها فهو من النعيم.
وفي مسلم مرفوعًا: ((إن أهل الجنة يلهمون التسبيح والتحميد كما يلهمون النفس))
(ويحتمل أن يكونوا في البرزخ ينسحب) ينجر (عليهم حكم الدنيا) لأنه قبل يوم القيامة وكل
ما قبله يعد من الدنيا (في استكثارهم من الأعمال وزيادة الأجور من غير خطاب بتكليف) بل
من عند أنفسهم لزيادة الأجر (وبالله التوفيق، وإذا ثبت بشهادة قوله تعالى: ﴿ولا تحسبن
الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل) هم (أحياء عند ربهم يرزقون﴾) [آل عمران/ ١٦٩] الآية
(حياة الشهداء) فاعل ثبت (ثبت للنبي عَّةٍ بطريق الأولى) لأنه فوقهم درجات.
قال السيوطي: وقل نبي إلاَّ وقد جمع مع النبوة وصف الشهادة فيدخلون في عموم الآية
(والذي عليه جمهور العلماء أن الشهداء أحياء حقيقة وهل ذلك للروح فقط أو الجسد
معها بمعنى عدم البلى) بالكسر مع القصر والفتح مع المد (فيه قولان) وفيما نقله المصنف في

٢١٠
الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف
وقد صح عن جابر: أن أباه وعمرو بن الجموح وكانا ممن استشهد بأحد
ودفنا في قبر واحد، حتى حفر السيل قبرهما، فوجدا لم يتغيرا، وكان أحدهما قد
جرح، فوضع يده على جرحه، فدفن وهو كذلك، فأميطت يده عن جرحه ثم
أرسلت فرجعت كما كانت. وكان بين ذلك وبين أحد ست وأربعون سنة.
وروي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال في شهداء أحد: ((والذي نفسي
الخصائص عن السبكي: عود الروح إلى الجسد ثابت في الصحيح لسائر الموتى فضلاً عن
الشهداء فضلاً عن الأنبياء وإنما النظر في استمرارها في البدن، وفي أن البدن يصير حيًّا كحالته
في الدنيا أو حيًا بدونها وهي حيث شاء اللّه تعالى، فإن ملازمة الروح للحياة أمر عادي لا عقلي،
فهذا مما يجوّزه العقل، فإن صح به سمع أتبع، وقد ذكره جماعة من العلماء ويشهد له صلاة
موسى في قبره، فإن الصلاة تستدعي جسدًا حيًّا.
(وقد صح) عند ابن سعد (عن جابر) وهو في الموطأ من وجه آخر؛ (أن أباه) عبد الله بن
عمرو بفتح العين ابن حرام بن ثعلبة الخزرجي، العقبي، البدري (وعمرو) بفتح العين (ابن
الجموح) بفتح الجيم وخفة الميم وإسكان الواو ومهملة ابن زيد بن حرام بن كعب الخزرجي
من سادات الأنصار وأشرافهم وأجوادهم (وكانا ممن استشهد بأحد ودفنا في قبر واحد) بأمره
عَّه، بقوله: أجمعوا بينهما فإنهما كانا متصادقين في الدنيا كما عند ابن إسحق (حتى حفر
السيل قبرهما، فوجدا لم يتغيرا) زاد في الموطأ: كأنهما ماتا بالأمس (وكان أحدهما قد جرح،
فوضع يده على جرحه، فدفن وهو كذلك، فأميطت:) نحيت (يده عن جرحه، ثم أرسلت
فرجعت كما كانت) دليل على الحياة (وكان بين ذلك) أي حفر السيل قبرهما (وبين أحد)
ولفظ الموطأ وكان بين أحد وبين يوم حفر عنهما (ست وأربعون سنة).
وفي الصحيح عن جابر: كان أبي أول قتيل ودفن معه آخر في قبر، ثم لم تطب نفسي أن
أتركه مع الآخر، فاستخرجته بعد ستة أشهر، فإذا هو كيوم وضعته، فجعلته في قبر على حدة،
وظاهره يخالف حديث الموطأ هذا.
وجمع ابن عبد البر بتعدد القصة ونظر فيه الحافظ بأن الذي في حديث جابر أنه دفن أباه
وحده في قبر بعد ستة أشهر؛ وحديث الموطأ أنهما وجدا في قبر واحد بعد ستة وأربعين سنة،
فإما أن المراد بكونهما في قبر واحد قرب المجاورة، أو أن السيل جرف أحد القبرين حتى صارا
واحدًا.
(وروي عنه عليه السلام أنه قال في شهداء أحد: والذي نفسي بيده) إن شاء نزعها،

٢١١
الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف
بيده لا يسلم عليهم أحد إلى يوم القيامة إلا ردوا عليه)). رواه البيهقي عن أبي هريرة.
وقد قال ابن شهاب: بلغنا أن رسول الله عَ له قال: ((أكثروا من الصلاة عليَّ
في الليلة الزهراء واليوم الأزهر، فإنهما يؤديان عنكم، وإن الأرض لا تأكل أجساد
الأنبياء)) رواه أبو داود وابن ماجة.
ونقل ابن زبالة عن الحسن أن رسول الله عَّه قال: ((من كلمه روح القدس
لم يؤذن للأرض أن تأكل من لحمه)).
وقد ثبت أن نبينا مَّ ◌ُلَّه مات شهيدًا لأكله يوم خيبر من شاة مسمومة سمًا
قائلاً من ساعته حتى مات منه بشر بن البراء، وصار بقاؤه عَِّ معجزة، فكان به ألم
وإن شاء أبقاها (لا يسلم عليهم أحد إلى يوم القيامة إلاَّ ردوا عليه) السلام (رواه البيهقي
عن أبي هريرة) رضي اللّه عنه.
(وقد قال ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري: (بلغنا أن رسول اللّه عَ ل قال: أكثروا
من الصلاة علي في الليلة الزهراء) وفي نسخة: الغراء، لكن الذي في الشفاء الزهراء وهي
المناسبة لقوله: (واليوم الأزهر) يعني: ليلة الجمعة ويومها، والمراد بالزهراء والأزهر الأبيض
المستنير، لأن الزهر لا يطلق لغة على غير النور الأبيض وإن شاع بعد ذلك في مطلقه ونورهما
لبركتهما وما في ذلك اليوم من العبادة التي خص بها وساعة الإِجابة وغير ذلك (فإنهما) أي:
الليلة واليوم (يؤديان عنكم) بضم التحتية وفتح الهمزة وكسر المهملة المشددة، أي: يوصلان
صلاتكم إليّ ويبلغانها لي، وإسناد ذلك للزمان مجاز، أي: تؤدي الملائكة فيهما وكونهما يخلق
لهما النطق بالأداء بعيد وإن جاز، لكن التصريح بعده بحمل الملك يبعده أو يمنعه (وإن الأرض
لا تأكل أجساد الأنبياء) لأنهم أحياء فلا تبلى أجسادهم وهذا جواب سؤال مقدر، كأنه قيل:
كيف يكون لمن مات وأكلته الأرض كما صرح به في حديث آخر وإن بكسر الهمزة والجملة
حالية أو بفتحها بتقدير، وبلغنا أن الأرض، وقيل: إنه بيان لخاصة أخرى والأول أولى.
(رواه أبو داود وابن ماجه) وزاد في الشفاء بعد قوله أجساد الأنبياء: وما من مسلم يصلي
عليّ إلاَّ حملها ملك حتى يؤديها ويسميه، حتى أنه يقول: أن فلانًا يقول لك كذا وكذا.
(ونقل ابن زبالة) بفتح الزاي (عن الحسن البصري: (أن رسول اللَّه عَّ، قال: من
كلمه روح القدس) جبريل عليه السلام (لم يؤذن للأرض أن تأكل من لحمه) إكرامًا له
بالنبوة، وسرى ذلك الإكرام إلى بعض أتباعه كالعالم والشهيد والمؤذن المحتسب.
(وقد ثبت أن نبينا عَّ مات شهيدًا لأكله يوم خيبر من شاة مسمومة سمًا قاتلاً من
ساعته حتى مات منه بشر) بكسر الموحدة وسكون المعجمة (ابن البراء) بن معرور (وصار بقاؤه

٢١٢
الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف
السم يتعاهده إلى أن مات به، ولذا قال في مرض موته - كما مر -: ((ما زالت أكلة
خيبر تعادّني حتى كان الآن قطعت أبهري)).
والأبهران: عرقان يخرجان من القلب تتشعب منهما الشرايين، كما ذكره في
الصحاح.
قال العلماء: فجمع الله له بذلك بين النبوة والشهادة. انتهى.
وقد اختلف في محل الوقوف للدعاء. فعند الشافعية أنه قبالة وجهه كما
ذكرته، وقال ابن فرحون من المالكية: اختلف أصحابنا في محل الوقوف للدعاء،
ففي الشفاء قال مالك - في رواية ابن وهبـ: إذا سلم على النبي عَِّ يقفٍ
للدعاء ووجهه إلى القبر الشريف لا إلى القبلة، وقد سأل الخليفة المنصور مالكًا
◌َّ معجزة، فكان به ألم السم يتعاهده) أحيانًا (إلى أن مات به، ولذا قال في مرض موته
كما مر: ما زالت أكلة خيبر) بضم الهمزة ولا يصح فتحها لأنها لقمة واحدة (تعادني) بشد
الدال) المهملة تأتي مرة بعد أخرى (حتى كان الآن قطعت أبهري) بفتح الهمزة والهاء بينهما
موحدة ساكنة (والأبهران عرقان يخرجان من القلب تتشعب منهما الشرايين) بمعجمة وتحتيتين
العروق النابضة واحدها شريان (كما ذكره في الصحاح).
(قال العلماء: فجمع اللّه له بذلك بين النبوة والشهادة. انتهى) ولأحمد والحاكم
وغيرهما عن ابن مسعود، قال: لأن أحلف تسعًا أنه عَّ﴾ قتل قتلاً أحب إليّ من أن أحلف
واحدة، أنه لم يقتل، وذلك أن اللّه اتخذه نبيًا واتخذه شهيدًا.
(وقد اختلف في محل الوقوف للدعاء، فعند الشافعية؛ أنه قبالة) بضم القاف (وجهه
عَّ. كما ذكرته) سابقًا (وقال ابن فرحون من المالكية: اختلف أصحابنا في محل الوقوف
للدعاء) لم يذكر خلافًا في ذلك، وإنما ذكر هل يدعو أم لا؟، وإذا دعا يستقبل القبر قطعًا كما
ترى (ففي الشفاء) لعياض: (قال لملك في رواية ابن وهب) عبد اللّه من أجل أصحابه: (إذا
سلم) الزائر (على النبي عَّله) ودعا (يقف للدعاء ووجهه إلى القبر الشريف لا إلى القبلة)
كما يستحب للداعي في غير هذا الموطن، لأن استدباره خلاف الأدب.
(وقد سأل الخليفة المنصور مالكًا، فقال: يا أبا عبد اللّه) خاطبته بكنيته تعظيمًا
(أستقبل القبلة) أصله أأستقبل بهمزتين همزة الاستفهام وهمزة المضارع المتكلم، فحذفت الأولى
للتخفيف ووجود القرينة، وقد ورد حذفها كثيرًا كقوله:
فوالله ما أدري وإن كنت داريًا بسبع رمين الجمر أم بثمان

٢١٣
الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف
فقال: يا أبا عبد الله، أأستقبل القبلة وأدعو، أم أستقبل رسول الله عَُّله؟ فقال مالك:
ولمّ تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليه السلام إلى الله يوم .
القيامة. وقال مالك في ((المبسوط))، لا أرى أن يقف عند القبر يدعو، ولكن يسلم
ويمضي. قال ابن فرحون: ولعل ذلك ليس اختلاف قول، وإنما أمر المنصور بذلك لأنه
يعلم ما يدعو به، ويعلم آداب الدعاء بين يديه عَّه، فأمن عليه من سوء الأدب فأفتاه
بذلك، وأفتى العامة أن يسلموا وينصرفوا، لئلا يدعوا تلقاء وجهه الكريم ويتوسلوا به
أراد: أبسبع وهو من خصائص الهمزة (وأدعو أم أستقبل رسول اللّه عَ ليه) أي: أجعل
وجهي مقابلاً لجهته وحينئذٍ أستدبر القبلة، فلذا أشكل عليه، لأن استقبالها في الدعاء مشروع،
فإذا عارضه هذا فأيهما يقدم (فقال لملك: ولم تصرف وجهك عنه) أي: عن مقابلته ومواجهته
حال الدعاء (وهو وسيلتك ووسيلة أبيك ءادم عليه السلام) الوسيلة: السبب المتوصل به إلى
إجابة الدعاء، وكنى بآدم عن جميع الناس، أي: هو الشفيع المشفع المتوسل به (إلى اللّه يوم
القيامة) إشارة إلى حديث الشفاعة العظمى وإلى ما ورد أن الداعي إذا قال: اللهم إني أستشفع
إليك بنبيك يا نبي الرحمة اشفع لي عند ربك أستجيب له وبقيته كما في الشفاء، بل أستقبله
وأستشفع به فيشفعه اللّه، قال اللّه تعالى: (﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك)) [النساء/
٦٤]، وإنما أعاد هذا المصنف وإن قدمه آنفًا لوقوعه في كلام ابن فرحون نقلاً عن الشفاء، لكن
سؤال المنصور أورده في الشفاء بإسناده في الباب الثالث، ثم بعده يطول في حكم زيارة قبره.
أورد رواية ابن وهب والمبسوط دون الحكاية، فجمع بينهما ابن فرحون ونسبه للشفاء
وهو صادق، لأنه كله فيه في موضعين، وإنما نبهت على هذا لئلا يقف ناقص العلم على أحد
الموضعين فينكر الآخر.
(وقال لملك في المبسوط) اسم كتاب لإِسمعيل القاضي: (لا أرى) لا أستحب، وأعده
رأيًا (أن يقف عند القبر يدعو) أي: حال كونه داعيًا (لكن يسلم) عليه (ويمضي) ينصرف من
غير وقوف.
(قال ابن فرحون: ولعل ذلك ليس اختلاف قول) هكذا في النسخ الصحيحة ليس وهو
الذي يتأتى ترجيه، إذ كونه اختلافًا صريح ظاهر لا يترجى، ولهذا ولما بعده أشكل سقوط ليس
في بعض النسخ وتعسف توجيهها لمنابذتها، لقوله: (وإنما أمر المنصور بذلك لأنه يعلم ما
يدعو به ويعلم آداب الدعاء بين يديه عَّله، فأمن عليه من سوء الأدب، فأفتاه بذلك) لأنه
كان عالمًا (وأفتى العامة أن يسلموا وينصرفوا) بدون دعاء (لئلا يدعوا تلقاء) بكسر فسكون،

٢١٤
الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف
في حضرته إلى الله العظيم فيما لا ينبغي الدعاء به، أو فيما يكره أو يحرم،
فمقاصد الناس وسرائرهم مختلفة، وأكثرهم لا يقوم بآداب الدعاء ولا يعرفها،
فلذلك أمرهم مالك بالسلام والانصراف. انتهى.
ورأيت مما نسب للشيخ تقي الدين بن تيمية في منسكه: ولا يدعو هناك
مستقبل الحجرة، ولا يصلي إليها ولا يقبلها، فإن هذا كله منهي عنه باتفاق الأئمة،
ومالك من أعظم الأئمة كراهية لذلك، والحكاية المروية عنه أنه أمر المنصور أن
يستقبل القبر وقت الدعاء، كذب على مالك، وكذا قال، والله أعلم، انتهى.
أي: مقابل (وجهه الكريم ويتوسلوا به في حضرته إلى الله العظيم فيما لا ينبغي الدعاء به، أو
فيما يكره أو يحرم، فمقاصد الناس وسرائرهم مختلفة وأكثرهم لا يقوم بآداب الدعاء
ولا يعرفها، فلذلك أمرهم ملك بالسلام والانصراف. انتهى) ..
ومقتضى كلام العلامة خليل في مناسكه، أن المعتمد رواية ابن وهب ولو للعامة، لكن
يعلمون وينهون عما لا ينبغي الدعاء به (ورأيت مما نسب للشيخ تقي الدين بن تيمية في
منسكه: ولا يدعو هناك مستقبل الحجرة ولا يصلي إليها ولا يقبلها، فإن هذا كله منهي عنه
باتفاق الأئمة) هو مسلم في التقبيل والصلاة، وأما الدعاء فإن الجمهور ومنهم الشافعية والمالكية
والحنفية على الأصح عندهم كما قال العلامة الكمال ابن الهمام على استحباب استقبال القبر
الشريف واستدبار القبلة لمن أراد الدعاء (وملك من أعظم الأئمة كراهية لذلك) يقال له: في أي
كتاب نص على كراهته، فإنه نص في رواية ابن وهب عنه وهو من أجل أصحابه على أنه يقف
للدعاء وأقل مراتب الطلب الاستحباب.
وجزم به الحافظ أبو الحسن القابسي وأبو بكر بن عبد الرحمن وغيرهما من أئمة مذهب
ملك، وجزم به العلامة خليل بن إسحق في مناسكه، أفما يستحيي هذا الرجل من تكذيبه بما لم
يحط بعلمه وليس في قوله في المبسوط لا أرى أن يقف عند القبر للدعاء تصريح بالكراهة،
لجواز أنه أراد خلاف الأولى مع أنا إذا سلكنا الترجيح على طريقة أصحاب الحديث، فرواية ابن
وهب مقدمة لاتصالها على رواية إسماعيل، لأنه لم يدرك مالكًا فهي منقطعة (والحكاية المروية
عنه أنه أمر المنصور أن يستقبل القبر وقت الدعاء كذب على ملك، كذا قال والله أعلم:)
تبرأ منه لأن الحكاية رواها أبو الحسن علي بن فهر في كتابه فضائل لملك، ومن طريقه الحافظ
أبو الفضل عياض في الشفاء بإسناد لا بأس به، بل قيل إنه صحيح، فمن أين أنها كذب وليس
في رواتها كذاب ولا وضاع، ولكنه لما ابتدع له مذهبًا وهو عدم تعظيم القبور ما كانت، وأنها
إنما تزار للاعتبار والترحم بشرط أن لا يشد إليها رحل، صار كل ما خالف ما ابتدعه بفاسد عقله

٢١٥
الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف
وأما قول الأبوصيري في بردة المديح:
لا طيب يعدل تربًا ضم أعظمه طوبى لمنتشق منه وملتثم
فقال شارحها العلامة ابن مرزوق وغيره: كأنه إشارة إلى النوعين المستعملين
في الطيب، لأنه إما أن يستعمل بالشم، وإليه أشار بقوله (لمنتشق) وإما بالتضمخ
وإليها أشار بـ ((ملتثم)، قال: وأقل ذلك بتعفير جبهته وأنفه بتربته حال السجود في
مسجده عَِّ، فليس المراد به تقبيل القبر الشريف فإنه مكروه.
ونقل الزركشي عن السيرافي: أن ((طوبى)) الطيب، وكذا قال ابن مرزوق:
طوبى فعلى من أنواع الطيب.
وهذا مبني على أن المراد أن تربته أفضل أنواع الطيب باعتبار الحقيقة
الحسية، وذلك إما لأنه كذلك في نفس الأمر، أدركه من أدركه أم لا، وإما باعتبار
اعتقاد المؤمن في ذلك فإن المؤمن لا يعدل بشم رائحة تربته عليه السلام شيئًا من
عنده كالصائل لا يبالي بما يدفعه، فإذا لم يجد له شبهة واهية يدفعه بها بزعمه انتقل إلى دعوى
أنه كذب على من نسب إليه مباهتة ومجازفة، وقد أنصف من قال فيه علمه أكبر من عقله (وأما
قول الأبوصيري) صوابه البوصيري كما مر (في بردة المديح):
(لا طيب يعدل تربا ضم أعظمه طوبى لمنتشق منه وملتثم)
(فقال شارحها العلامة) محمد بن محمد (بن مرزوق وغيره: كأنه أشار إلى النوعين
المستعملين في الطيب، لأنه إما أن يستعمل بالشم، وإليه أشار بقوله: لمنتشق) لأن
الانتشاق الشم (وإما بالتضمخ، وإليه أشار بملتثم، قال: وأقل ذلك بتعفير جبهته وأنفه بتربته
حال السجود في مسجده عليه السلام، فليس المراد به) أي: بلمتثم (تقبيل القبر الشريف،
فإنه مكروه) إلاّ لقصد تبرك فلا كراهة كما اعتمده الرملي.
(ونقل الزركشي عن السيرافي:) بكسر السين وبالفاء نسبة إلى سيراف بلد بفارس أبي
سعيد الحسن بن عبد اللّه صاحب التصانيف، ولد قبل السبعين ومائتين ومات ببغداد في رجب
سنة ثمانٍ وستين وثلاثمائة (أن طوبى الطيب، وكذا قال ابن مرزوق: طوبى، فعلى) بضم الفاء
(من الطيب) أي: لا الجنة ولا الشجرة، إذ لا يقطع بذلك للشام ولا الملتثم (وهذا مبني على
أن المراد؛ أن تربته أفضل أنواع الطيب باعتبار الحقيقة الحسية، وذلك إما لأنه كذلك في
نفس الأمر، أدركه من أدركه أم لا، وإما باعتبار اعتقاد المؤمن في ذلك، فإن المؤمن) الكامل
(لا يعدل بشم رائحة تربته عليه السلام شيئًا من الطيب) بل هو عنده أجل كما قالت فاطمة:

٢١٦
الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف
الطيب.
فإن قلت: لو كان المراد الحقيقة الحسية لأدرك ذلك كل أحد.
فالجواب: لا يلزم من قيام المعنى بمحل إدراكه لكل أحد، بل حتى توجد
الشرائط وتنتفي الموانع، وعدم الإدراك لا يدل على عدم المدرك، وانتفاء الدليل لا
يدل على انتفاء المدلول، فالمزكوم لا يدرك رائحة المسك، مع أن الرائحة قائمة
بالمسك لم تنتف عنه.
ولما كانت أحوال القبر من الأمور الأخروية، لا جرم لا يدركها من الأحياء
إلا من كشف له الغطاء من الأولياء المقربين، لأن متاع الآخرة باق، ومن الدنيا
فان، والفاني لا يتمتع بالباقي للتضاد، ولا ريب عند من له أدنى تعلق بشريعة
الإسلام أن قبره عَّهِ روضة من رياض الجنة، بل أفضلها، وإذا كان القبر كما
ذكرنا وقد حوى جمسه الشريف عليه الصلاة والسلام الذي هو أطيب الطيب، فلا
مرية أنه لا طيب يعدل تراب قبره المقدس. ويرحم الله أبا العباس أحمد بن محمد
العريف حيث يقول في قصيدته التي أولها:
ماذا على من شم تربة أحمد أن لا يشم مدى الزمان غواليا
(فإن قلت: لو كان المراد الحقيقة الحسية لأدرك ذلك كل أحد) والواقع أن أكثر
الناس لا يدركون ذلك (فالجواب لا يلزم من قيام المعنى بمحل إدراكه لكل أحد، بل حتى
توجد الشروط وتنتفي الموانع، وعدم الإِدراك لا يدل على عدم المدرك، وانتفاء الدليل
لا يدل على انتفاء المدلول، فالمزكوم لا يدرك رائحة المسك مع أن الرائحة قائمة
بالمسك لم تنتف) أي: لم تزل (عنه) خصه لأنه أطيب الطيب وطيبه ظاهر (ولما كانت
أحوال القبر من الأمور الأخروية لا جرم:) لا خفاء جواب لما، وفي نسخ: بدون لما كانت
(لا يدركها من الأحياء إلاَّ من كشف له الغطاء من الأولياء المقربين، لأن متاع الآخرة باقٍ
ومن في الدنيا فانٍ) هالك (والفاني لا يتمتع بالباقي للتضاد) بينهما (ولا ريب عند من له
أدنى تعلق بشريعة الإِسلام؛ أن قبره عَّ له روضة من رياض الجنة) كما صح عنه القبر روضة من
رياض الجنة الحديث (بل أفضلها) أي: الجنة للإِجماع على أنه أفضل البقاع (وإذا كان القبر
كما ذكرناه) روضة (وقد حوى جسمه الشريف عليه الصلاة والسلام الذي هو أطيب الطيب،
فلا مرية) بكسر الميم؛ (أنه لا طيب يعدل تراب قبره المقدس، ويرحم الله أبا العباس
أحمد بن محمد العريف، حيث يقول في قصيدته التي أولها:)

٢١٧
الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف
إذا ما حدا الحادي بأحمال يثرب فليت المطايا فوق خدي تُعَبِّق
ثم قال بعد أبيات:
فما عبق الريحان إلا وتربها أجلّ من الريحان طيبًا وأعبق
راحت ركائبهم تبدي روائحها طيبًا فيا طيب ذاك الوفد أشباحا
نسيم قبر النبي المصطفى لهم روض إذا نشروا من ذكره فاحا
ولله در القائل:
فاح الصعيد بجسمه فكأنه روض ينم يعرفه المتأرج
ما جسمه مما يغيره الثرى والروح منه كالصباح الأبلج
(إذا ما حدا الحادي بأحمال يثرب فليت المطايا فوق خدي تُعَبَّق)
الأولى بأحمال طيبة للنهي عن تسميتها يثرب، وإنما سميت في القرءان حكاية عن
المنافقين، وتعبق بضم الفوقية وفتح المهملة وكسر الموحدة مشددة، أي: تظهر رائحة التراب
المتعلق بخفافها بأن تمشي على خدي فيصل التراب إليهما، وفي نسخة: تعنق بضم الفوقية
وسكون المهملة وكسر النون، أي: تسير سيرًا فسيحًا سريعًا (ثم قال بعد أبيات) وهو يقوي
الضبط الأول:
(فما عبق الريحان إلاّ وتربها أجل من الريحان طيبًا وأعبق)
وله أيضًا:
(راحت ركائبهم تبدي روائحها طيبًا فيا طيب ذاك الوفد أشباحا)
تبدي بموحدة تظهر وتنشر، وفي نسخة: تندي بفوقية مفتوحة ونون ساكنة من الندى وهي
ظاهرة:
(نسيم قبر النبي المصطفى لهم روض إذا نشروا من ذكره فاحا)
أي: إذا ذكروا من شمائله ومعجزاته شيئًا فاحت رائحتها كما تفوح رائحة المسك
المستعمل في بدن وتحوه، كذا في الشرح، والظاهر أن ضمير ذكره للقبر، أي: إذا نشروا شيئًا
من ذكر القبر وأنه خير البقاع وحوى خير الخلائق، وله ولصاحبه عند اللّه ما تقصر عنه العقول
ونحو ذلك فاح.
(ولله در القائل: فاح الصعيد بجسمه، فكأنه روض يتم) بكسر النون وضمها، أي: يظهر
ويفوح (يعرفه) طيبه (المتأرج) بالجيم المتوهج ريحه كما في القاموس (ما جسمه مما يغيره
الثرى) التراب (والروح منه كالصباح الأبلج) أي: النير.

٢١٨
الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف
وقال ابن بطال في قوله عَّ له: (المدينة يَنْصَع طيبها)) هو مثل ضربه للمؤمن
المخلص الساكن فيها، الصابر على لأوائها مع فراق الأهل والتزام المخافة من
العدو، :"ما باع نفسه من الله والتزم هذا الأمر بأن صدقه ونصع إيمانه وقوي لاغتباطه
بسكنى المدينة وبقربه من رسوله، كما ينصح ريح الطيب فيها ويزيد عبقًا على سائر
البلاد، خصوصية خص الله بها بلدة رسوله عَّ الذي اختار تربتها المباشرة جسده
الطيب المطهر، وقد جاء في الحديث: ((إن المؤمن يقبر في التربة التي خلق منها))
(وقال ابن بطال) علي أبو الحسن في شرح البخاري (في قوله عليه الصلاة والسلام)
لما جاءه أعرابي فبايعه، فجاء من الغد محمومًا، فقال: أقلني فأبى ثلاث مرار، فخرج فقال علي
(المدينة) كالكير تنفي خبثها و (ينصح طيبها).
قال المصنف: بفتح الطاء وشد التحتية وبالرفع فاعل ينصع، بفتح التحتية وسكون النون
وصاد مهملة مفتوحة وعين مهملة من النصوع وهو الخلوص، ولأبي ذر عن الحموي
والمستملي: وتنصع بفوقية طيبها بكسر الطاء وسكون التحتية منصوب على المفعولية، والرواية
الأولى قال أبو عبد اللّه الأبي: هي الصحيحة وهي أقوم معنى، وأي مناسبة بين الكير والطيب.
انتھی.
وهذا تشبيه حسن، لأن الكير لشدة نفخه ينفي عن النار السخام والرماد والدخان حتى
لا يبقى إلاَّ خالص الجمر، وهذا إن أريد بالكير المنفخ الذي ينفخ به النار وأن أريد به الموضع،
فالمعنى أن ذلك الموضع لشدة حرارته ينزع خبث الحديد والفضة والذهب ويخرج خلاصة ذلك
والمدينة، كذلك تنفي شرار الناس بالحمى والوصب وشدة العيش وضيق الحال التي يخلص
النفس من الاسترسال في الشهوات وتظهر خيارهم وتزكيهم. انتهى.
(هو مثل ضربه) عَّ (للمؤمن المخلص الساكن فيها الصابر على لأوائها) أي:
شدتها (مع فراق الأهل والتزام المخافة من العدو) أي: من بينه وبينه عداوة سابقًا، فإنه إذا لم
يكن بين أهله لا يجد في الغالب معاونًا على من يريد به سوءًا، أو المراد الشيطان، فإنه أعدى
عدو الإِنسان (فلما باع نفسه من اللّه والتزم هذا الأمر بان) أي: ظهر (صدقه ونصع) أي:
خلص (إيمانه وقوي لاغتباطه) بغين معجمة فرحه (بسكنى المدينة وبقربه من رسوله كما
ينصع) يسطع ويظهر ويخلص (ريح الطيب فيها ويزيد عبقًا) بفتحتين مصدر عبق الطيب كفرح
بالمكان أقام فيه (على سائر البلاد خصوصية، خص اللّه بها بلدة رسوله عليه الصلاة والسلام
الذي اختار تربتها المباشرة جسده الطيب المطهر).
(وقد جاء في الحديث: أن المؤمن يقبر في التربة التي خلق منها، فكانت بهذا)

٢١٩
الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف
فكانت بهذا تربة المدينة أفضل الترب، كما أنه هو عَّهِ أفضل البشر، فلهذا والله
أعلم يتضاعف ريح الطيب فيها على سائر البلدان. انتهى.
وينبغي للزائر أن يكثر من الدعاء والتضرع والاستغاثة والتشفع والتوسل
به عَِّ، فجدير بمن استشفع به أن يشفعه الله تعالى فيه.
واعلم أن الاستغاثة هي طلب الغوث، فالمستغيث يطلب من المستغاث به
. أن يحصل له الغوث منه، فلا فرق بين أن يعبر بلفظ: الاستغاثة أو التوسل أو
التشفع أو التجوّه أو التوجه، لأنهما من الجاه والوجاهة ومعناه: علو القدر والمنزلة.
وقد يتوسل بصاحب الجاه إلى من هو أعلى منه، ثم إن كلاً من الاستغاثة
والتوسل والتشفع والتوجه بالنبي عَّه - كما ذكره في ((تحقيق النصرة)) و ((مصباح
بسببه (تربة المدينة أفضل الترب) أي: جميعها لا خصوص القبر الشريف، يعني أنه سرى بسبب
كون القبر الكريم فيها تفضيل باقي تربتها على جميع الترب وابن بطال مالكي قائل بفضل المدينة
على غيرها، فعجيب نقل كلام في أن قبره أفضل بالإجماع، أما أولاً فلأنه ليس المراد القبر، إذ
لا نزاع فيه، وأما ثانيًا، فلأنه يأتي للمصنف قريبًا مبسوطًا، وأما ثالثًا، فقوله: (كما أنه عليه
الصلاة والسلام أفضل البشر، فلهذا والله أعلم يتضاعف ريح الطيب فيها على سائر البلدان.
انتهى). صريح في أن المراد ما قلته.
(وينبغي للزائر أن يكثر من الدعاء والتضرع والاستغاثة والتشفع والتوسل به عن له،
فجدير) أي: حقيق (بمن استشفع به أن يشفعه الله تعالى فيه) ونحو هذا في منسك العلامة
خليل، وزاد: وليتوسل به عَّه ويسأل الله تعالى بجاهه في التوسل به، إذ هو محط جبال الأوزار
وأثقال الذنوب، لأن بركة شفاعته وعظمها عند ربه لا يتعاظمها ذنب، ومن اعتقد خلاف ذلك
فهو المحروم الذي طمس الله بصيرته وأضل سريرته، ألم يسمع قوله تعالى: ﴿ولو أنهم إذ ظلموا
أنفسهم جائوك﴾. انتھی.
ولعل مراده التعريض بابن تيمية (واعلم أن الاستغاثة هي طلب الغوث) الإعانة والنصر
(فالمستغيث يطلب من المستغاث به أن يحصل له الغوث منه، فلا فرق بين أن يعبر بلفظ
الاستغاثة أو التوسل أو التشفع أو التجوه) بجيم قبل الواو (أو التوجه) بتقديم الواو على الجيم
(لأنهما من الجاه والوجاهة ومعناه علو القدر والمنزلة) الرتبة.
(وقد يتوسل بصاحب الجاه إلى من هو أعلى منه) كالتوسل بالمصطفى إلى اللّه (ثم
إن كلاً من الاستغاثة والتوسل والتشفع والتوجه بالنبي عَّ. كما ذكره في تحقيق النصرة

٢٢٠
الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف
الظلام)) - واقع في كل حال، قبل خلقه وبعد خلقه، في مدة حياته في الدنيا وبعد
موته في مدة البرزخ، وبعد البعث في عرصات القيامة.
فأما الحالة الأولى فحسبك ما قدمته في المقصد الأول من استشفاع آدم
عليه السلام به لما أخرج من الجنة، وقول الله تعالى له: يا آدم لو تشفعت إلينا
بمحمد في أهل السموات والأرض لشفعناك. وفي حديث عمر بن الخطاب عند
الحاكم والبيهقي وغيرهما: وإن سألتني بحقه فقد غفرت لك. ويرحم الله ابن جابر
حيث قال:
به قد أجاب الله آدم إذ دعا ونُجّي في بطن السفينة نوح
وما ضرت النار الخليل لنوره ومن أجله نال الغداء ذبيح
وصح أن رسول الله عَ لّه قال: ((لما اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب، أسألك
بحق محمد لما غفرت لي، قال الله تعالى: يا آدم، وكيف عرفت محمدًا ولم
أخلقه، قال: يا رب، إنك لما خلقتني بيدك ونفخت في من روحك، رفعت رأسي
فرأيت قوائم العرش مكتوبًا عليها لا إله إلا الله محمد رسول الله فعرفت أنك لا
ومصباح الظلام) في المستغيثين بخير الأنام (واقع في كل حال قبل خلقه وبعد خلقه في
مدة حياته في الدنيا وبعد موته في مدة البرزخ وبعد البعث في عرصات القيامة:) جمع
عرصة كل موضع لا بناء فيه (فأما الحالة الأولى) قبل خلقه (فحسبك ما قدمته في المقصد
الأول من استشفاع عادم به عليه الصلاة والسلام لما خرج من الجنة، وقول اللّه تعالى
له: يا ءادم لو تشفعت إلينا بمحمد في أهل السموات والأرض لشفعناك) أي: لقبلنا
شفاعتك.
(وفي حديث عمر بن الخطاب عند الحاكم والبيهقي وغيرهما: وإذ) للتعليل
(سألتني بحقه غفرت لك) ما وقع منك (ويرحم الله ابن جابر حيث قال):
(به قد أجاب اللّه ءادم إذ دعا ونُجي في بطن السفينة نوح
وما ضرت النار الخليل لنوره ومن أجله نال الغداء ذبيح)
(وصح أن رسول الله عَ ليه قال لما اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب، أسألك بحق محمد لما
غفرت لي، قال الله تعالى: يا آدم، وكيف عرفت محمدًا ولم أخلقه، قال: يا رب، إنك لما
خلقتني بيدك ونفخت في من روحك، رفعت رأسي فرأيت قوائم العرش مكتوبًا عليها لا إله
إلا الله محمد رسول الله فعرفت أنك لا تضيف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك. فقال الله