Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١ الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف ولابن عدي في ((الكامل)) وابن حبان في ((الضعفاء))، والدارقطني في ((العلل)) و ((غرائب مالك)) وآخرين كلهم عن ابن عمر مرفوعًا: ((من حج ولم يزرني فقد جفاني)). ولا يصح. وعلى تقدير ثبوته، فليتأمل قوله ((فقد جفاني)) فإنه ظاهر في حرمة ترك الزيارة لأن الجفاء أذى، والأذى حرام بالإجماع فتجب الزيارة، إذ إزالة الجفاء واجبة، وهي بالزيارة، فالزيارة واجبة حينئذ، وبالجملة فمن تمكن من زيارته ولم يزره فقد جفاه، وليس من حقه علينا ذلك. وعن حاطب أن رسول الله عَِّ قال: ((من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي، ومن مات بأحد الحرمين بعث من الآمنين)). رواه البيهقي عن رجل من آل على تركها لأنه فوت نفسه ثوابها العظيم بلا عذر. (ولابن عدي في الكامل وابن حبان في الضعفاء، والدارقطني في) كتاب (العلل و) كتاب (غرائب) الرواة عن (ملك وآخرين، كلهم عن ابن عمر، مرفوعًا: من حج ولم يزرني فقد جفاني ولا يصح) إسناده (وعلى تقدير ثبوته: فليتأمل قوله: فقد جفاني، فإنه ظاهر في حرمة ترك الزيارة، لأن الجفا) بالمد، ويقصر نقيض الصلة (أذى، والأذى حرام بالإِجماع فتجب الزيارة، إذ إزالة الجفا واجبة، وهي) أي: إزالة الجفا (بالزيارة، فالزيارة حينئذٍ واجبة) ولا قائل به إلا الظاهرية، قال شيخنا: وقد يجاب بأنه ليس كل أذى حرامًا، لأن الأذى الخفيف يحتمل في دفع الحرمة. نعم هو مكروه. انتهى. والأولى أن المراد فعل مثل فعل الجافي لا أنه جفا، أي: أذى حقيقي، إذ لا يجوز أذاه عَّةٍ ولا بالمباح فضلاً عن المكروه (وبالجملة: فمن تمكن من زيارته ولم يزره فقد جفاه) أي: فعل فعل من جفاه كما علم (وليس من حقه علينا ذلك) الجفا إنما من حقه زيادة الصلة والحب. (وعن حاطب) بن أبي بلتعة البدري (أن رسول اللّه عَّاللّه قال: من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي) لأنه حي في قبره يعلم بمن يزروه ويرد سلامه كما مر (ومن مات بأحد الحرمين) المكي أو المدني (بعث من الآمنين) فلا يصد الزائر خوف موته قبل رجوعه إلى بلده، لأنه إن مات بعث آمنًا، ففيه بشرى لمن مات في أحدهما بالموت على الإِسلام، إذ لا يبعث من مات على غير الإِسلام آمنًا. (رواه البيهقي عن رجل من آل حاطب: لم يسمه عن حاطب) صلة رواه (وعن عمر ١٨٢ الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف حاطب لم يسمه عن حاطب. وعن عمر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله عَ لّه يقول: ((من زار قبري))، أو قال: ((من زارني كنت له شفيعًا وشهيدًا))، رواه البيهقي وغيره عن رجل من آل عمر لم يسمه عن عمر. وعن أنس بن مالك قال قال رسول الله عَّلّهِ: ((من زارني محتسبًا إلى المدينة كان في جواري يوم القيامة)). رواه البيهقي أيضًا. قال العلامة زين الدين بن الحسين المراغي: وينبغي لكل مسلم اعتقاد كون زيارته مَّ هِ قربة، الأحاديث الواردة ذلك ولقوله تعالى: ﴿ولو أنهم إذا ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول﴾ [النساء/٦٤]، لأن تعظيمه عَّلِّ لا ينقطع بموته، ولا يقال إن استغفار الرسول لهم إنما هو في حال رضي اللّه عنه، قال: سمعت رسول اللّه عٍَّ يقول: من زار قبري، أو) قال شك الراوي: (من زارني كنت له شفيعًا) لبعض الزائرين (وشهيدًا) لآخرين، أو شفيعًا للعاصين شهيدًا للطائعین، وهذه خصوصية زائدة على شفاعته العامة وعلى شهادته على جميع الأمم. (رواه البيهقي وغيره عن رجل من آل عمر لم يسمه، عن عمر) بن الخطاب (وعن أنس بن ملك، قال: قال رسول اللّه عَّ: من زارني) في حياتي أو بعد مماتي حال كونه (محتسبًا) أي: ناويًا بزيارته وجه اللّه تعالى طالبًا ثوابه، سمي محتسبًا لاعتداده بعمله، فجعل حال مباشرته الفعل كأنه معتد به (إلى المدينة) صلة زارني، أي: منتهيًا في مجيئه من محله إلى المدينة، ولفظ الشفاء بلا عزو والجامع عازيًا للبيهقي: من زارني بالمدينة محتسبًا (كان في جواري) بكسر الجيم أفصح من ضمها، أي: أماني وعهدي فلا يناله مكروه أصلاً، أو المراد له منزلة رفيعة في الآخرة، وبقية الحديث: وكنت له شهيدًا وشفيعًا (يوم القيامة). (رواه البيهقي) أيضًا تامًا (قال العلامة زين الدين) أبو بكر بن الحسين) بن عمر القرشي، العثماني، المصري (المراغي) بغين معجمة نسبة إلى بلد بصعيد مصر، ثم المدني قاضي طيبة وخطيبها الشافعي من أفاضل جماعة الأسنوي وله تحقيق النصرة في تاريخ دار الهجرة (وينبغي لكل مسلم اعتقاد كون زيارته عَّ له قربة) عظيمة (الأحاديث الواردة في ذلك) إذ لا تقصر عن درجة الحسن وإن كان في أفرادها مقال (ولقوله تعالى: (﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا اللّه واستغفر لهم الرسول﴾) [النساء/ ٦٤] فيه التفات عن الخطاب تفخيمًا الشأنه (الآية) لوجدوا اللّه توابًا رحيمًا (لأن تعظيمه عٍَّ لا ينقطع بموته ولا يقال: إن استغفار الرسول لهم إنما هو في حياته وليست الزيارة كذلك لما أجاب به بعض الأئمة المحققين) ١٨٣ الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف حياته وليست الزيارة كذلك، لما أجاب به بعض أئمة المحققين: أن الآية دلت على تعليق وجدان الله توابًا رحيمًا بثلاثة أمور: المجيء، واستغفارهم، واستغفار الرسول لهم، وقد حصل استغفار الرسول لجميع المؤمنين لأنه عَ لِّ قد استغفر للجميع، قال الله تعالى: ﴿واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات﴾ [محمد/ ١٩]، فإذا وجد مجيئهم واستغفارهم تكملت الأمور الثلاثة الموجبة لتوبة الله ورحمته. وقد أجمع المسلمون على استحباب زيارة القبور، كما حكاه النووي، وأوجبها الظاهرية، فزيارته عَّة مطلوبة بالعموم والخصوص لما سبق، ولأن زيارة القبور تعظيم، وتعظيمه عَّةٍ واجب. ولهذا قال بعض العلماء: لا فرق في زيارته عَّ ◌ُله بين الرجال والنساء، وإن كان محل الإجماع على استحباب زيارة القبور للرجال، وفي النساء خلاف، والأشهر في مذهب الشافعي الكراهة. قال ابن حبيب من المالكية: ولا تدع زيارة قبره عَّ، والصلاة في مسجده، تعليل لنفي القول لا للقول المنفي (أن الآية دلت على تعليق وجدان اللّه تعالى) بإضافة المصدر للمفعول (توابًا) عليهم (رحيمًا) بهم (بثلاثة أمور: المجيء واستغفارهم واستغفار الرسول لهم، وقد حصل استغفار الرسول لجميع المؤمنين، لأنه عَِّ قد استغفر للجميع، قال اللّه تعالى: ﴿واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات)) [محمد/ ١٩]، ومعلوم بالضرورة أنه يمتثل أمر اللّه (فإذا وجد مجيئهم واستغفارهم تكملت الأمور الثلاثة الموجبة لتوبة الله تعالى) عليهم (ورحمته) لهم. (وقد أجمع المسلمون على استحباب زيارة القبور، كما حكاه النووي وأوجبها الظاهرية، فزيارته عَّه مطلوبة بالعموم) لاستحباب زيارة القبور (والخصوص لما سبق) من الأحاديث الناصة عليها بخصوصها والاستنباط من الآية المذكورة (ولأن زيارة القبور تعظيم، وتعظيمه عَّهِ واجب) وقد كانت زيارته مشهورة في زمن كبار الصحابة معروفة بينهم لما صالح عمر بن الخطاب أهل بيت المقدس جاءه كعب الأحبار فأسلم، ففرح به وقال: هل لك أن تسير معي إلى المدينة وتزور قبره عَّه وتتمتع بزيارته، قال: نعم. (ولهذا قال بعض العلماء: لا فرق في زيارته عَةٍ بين الرجال والنساء، وإن كان محل الإِجماع على استحباب زيارة القبور للرجال، وفي النساء خلاف والأشهر) وفي نسخة: الأظهر (في مذهب الشافعي الكراهة) وهو المعتمد عندهم. (قال ابن حبيب) عبد الملك (من المالكية) أتباع أتباع الإِمام: واحترز بذلك عن ١٨٤ الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف فإن فيه من الرغبة ما لا غنى بك ولا بأحد عنه. وينبغي لمن نوى الزيارة، أن ينوي مع ذلك زيارة مسجده الشريف، والصلاة فيه، لأنه أحد المساجد الثلاثة التي لا تشد الرحال إلا إليها، وهو أفضلها عند مالك، وليس لشد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة فضل، لأن الشرع لم يجىء به، وهذا الأمر لا يدخله قياس، لأن شرف البقعة إنما يعرف بالنص الصريح عليه، وقد ورد النص في هذه دون غيرها. وقد صح أن عمر بن عبد العزيز كان يبرد البريد للسلام على النبي عَ ليه. فالسفر إليه قربة لعموم الأدلة. ومن نذر الزيارة وجبت عليه، كما جزم به ابن حج من أصحابنا، وعبارته: إذا نذر زيارة قبر النبي عَّه لزمه الوفاء، وجهًا واحدًا، انتهى: ولو نذر إتيان المسجد الأقصى للصلاة لزمه ذلك على الأصح عندنا، وبه قال المالكية والحنابلة، لكنه يخرج عنه بالصلاة في المسجد الحرام. محمد بن حبيب من المؤرخين المختلف في أن حبيب اسم أبيه أو اسم أمه: (ولا تدع زيارة قبره عَّ والصلاة في مسجده، فإن فيه من الرغبة ما لا غنى بك ولا بأحد عنه) بكسر الغين المعجمة والقصر بلا تنوين على أن لا لنفي الجنس، أي: لا استغناء، ويجوز الفتح مع المد، أي: لا كفاية وهما متقاربان (وينبغي لمن نوى الزيارة أن ينوي مع ذلك زيارة مسجده الشريف والصلاة فيه، لأنه أحد المساجد الثلاثة التي لا تشد الرحال إلاّ إليها وهو أفضلها عند لملك وليس لشد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة فضل، لأن الشرع لم يجيء به) أي: بفضل غير الثلاثة (وهذا الأمر لا يدخله قياس، لأن شرف البقعة إنما يعرف بالنص الصريح عليه، وقد ورد النص في هذه دون غيرها) فلا يقاس عليها لعدم الجامع. (وقد صح) عند البيهقي في الشعب (أن عمر بن عبد العزيز كان يبرد) بضم أوله وكسر الراء من أبرد وبالفتح وضم الراء من برد، أي: يرسل (البريد) الرسول المستعجل من الشام (للسلام على النبي -عَ ليه). زاد في الشفاء: وعن يزيد بن أبي سعيد: قدمت على عمر بن عبد العزيز، فلما ودعته قال لي: إليك حاجة إذا أتيت المدينة ترى قبر النبي عَّ فأقرئه مني السلام (فالسفر إليه قربة لعموم الأدلة، ومن نذر الزيارة وجبت عليه، كما جزم به ابن كج) بفتح الكاف وشد الجيم (من أصحابنا، وعبارته: إذا نذر زيارة قبر النبي عَ لّه لزمه الوفاء وجهًا واحدًا. انتهى). (ولو نذر إتيان المسجد الأقصى للصلاة لزمه ذلك على الأصح عندنا، وبه قال ١٨٥ الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف وصحح النووي أيضًا أنه يخرج عنه بالصلاة في مسجد المدينة. قال: ونص عليه الشافعي في البويطي. وبه قال الحنفية والحنابلة. وللشيخ تقي الدين بن تيمية هنا كلام شنيع عجيب، يتضمن منع شد الرحال للزيارة النبوية المحمدية، وأنه ليس من القرب، بل بضد ذلك. ورد عليه الشيخ تقي الدين السبكي في ((شفاء السقام)) فشفى صدور المؤمنین. وحكى الشيخ ولي الدين العراقي، أن والده كان معادلاً للشيخ زين الدين المالكية والحنابلة: لكنه يخرج عنه) أي: النذر (بالصلاة في المسجد الحرام، وصحح النووي أيضًا أنه يخرج عنه بالصلاة في مسجد المدينة، قال: ونص عليه الشافعي في) مختصر (البويطي، وبه قال الحنفية والحنابلة، وللشيخ تقي الدين بن تيمية هنا كلام شنيع) أي: قبيح (عجيب يتضمن منع شد الرحال للزيارة النبوية وأنه ليس من القرب بل بضد ذلك، ورد عليه الشيخ تقي الدين السبكي في) كتابه (شفاء السقام) في زيارة خير الأنام: (فشفى صدور المؤمنين) برده عليه، لكن نازعه ابن عبد الهادي بأن ابن تيمية لم يحرم زيارة القبور على الوجه المشروع في شيء من كتبه ولم ينه عنها ولم يكرهها، بل استحبها وحض عليها، ومصنفاته ومناسكه طافحة بذكر استحباب زيارة قبره عَّةٍ وسائر القبور؛ وإنما تكلم على شد الرحال وأعمال الملي إلى مجرد زيارة القبور، فذكر قولين للعلماء المتقدمين والمتأخرين، أحدهما: إباحة ذلك كما يقوله بعض أصحاب الشافعي وأحمد، والثاني: أنه ينهى عنه كما نص عليه لملك، ولم ينقل عن أحد من الثلاثة خلافه، وإليه ذهب جماعة من أصحاب الشافعي وأحمد واحتج ابن تيمية للثاني بحديث الصحيحين: ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى))، فأي عتب على من حكى الخلاف في مسألة بين العلماء، واحتج لأحد القولين بحديث صحيح، ولكن نعوذ بالله من الحسد والبغي واتباع الهوى. وفي شرح مسلم للنووي عن الجويني: النهي عن شد الرحال وأعمال المطي إلى غير المساجد الثلاثة كالذاهب إلى قبور الأنبياء والصالحين والمواضع الفاضلة ونحو ذلك. انتهى ملخصًا. وما نقله عن ملك: لا يعرف عنه ولا حجة له في الحديث، لأن المعنى لا تشد لصلاة في مسجد بدلیل ذکر مساجد. (وحكى الشيخ ولي الدين العراقي: أن والده) الحافظ زين الدين عبد الرحيم (كان ١٨٦ الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف عبد الرحمن بن رجب الدمشقي في التوجه إلى بلد الخليل عليه السلام، فلما دنا من البلد قال: نويت الصلاة في مسجد الخليل، ليحترز عن شد الرحال لزيارته على طريقة شيخ الحنابلة ابن تيمية، فقلت: نويت زيارة قبر الخليل عليه السلام. ثم قلت: أما أنت فقد خالفت النبي عَّهِ، لأنه قال: ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد)) وقد شددت الرحل إلى مسجد رابع، وأما أنا فاتبعت النبي عَِّ لأنه قال: ((زوروا القبور)) أفقال: إلا قبور الأنبياء؟! فبهت. وينبغي لمن أراد الزيارة أن يكثر من الصلاة عليه في طريقه، فإذا وقع بصره على معالم المدينة الشريفة وما تعرف به، فليردد الصلاة والتسليم، وليسأل الله أن ينفعه بزيارته ويسعده بها في الدارين. وليغتسل ويلبس النظيف من ثيابه، وليترجل ماشيًا باكيًا. ولما رأى وفد عبد القيس رسول الله عَ ليه ألقوا أنفسهم عن رواحلهم ولم ينيخوها وسارعوا إليه، فلم ينكر ذلك عليهم صلوات الله وسلامه عليه. معادلاً للشيخ زين الدين عبد الرحمن بن رجب الدمشقي) الحنبلي (في التوجه إلى بلد الخليل عليه الصلاة والسلام، فلما دنا) ابن رجب (من البلد، قال: نويت الصلاة في مسجد الخليل ليحترز عن شد الرحال لزيارته على طريقة شيخ الحنابلة ابن تيمية). (قال) الزين العراقي والد الولي: (فقلت: نويت زيارة قبر الخليل عليه الصلاة والسلام، ثم قلت له: أما أنت) يا ابن رجب (فقد خالفت النبي عَّة، لأنه قال: لا تشد الرحال إلاَّ إلى ثلاثة مساجد، وقد شددت) بفتح تاء الخطاب (الرحل إلى مسجد رابع، وأما أنا فاتبعت النبي ◌َّةِ، لأنه قال: ((زوروا القبور))، أفقال إلاَّ قبور الأنبياء) استفهام توبيخي (فبهت) بالبناء للمفعول دهش وتحیر. (وينبغي لمن أراد الزيارة أن يكثر من الصلاة والتسليم عليه في طريقه، فإذا وقع بصره على معالم:) جمع معلم ما يستدل به على (المدينة الشريفة وما تعرف به) عطف تفسير لمعالم (فليردد الصلاة عليه والتسليم، ويسأل الله أن ينفعه بزيارته ويسعده بها في الدارين، وليغتسل وليلبس النظيف من ثيابه وليترجل:) يمشي على رجليه، فقوله: (ماشيًا) حال مؤكدة (باكيًا) خضوعًا وخشية وغلبة شوق أو سرورًا، فإنه قد يحصل منه البكاء (ولما رأى وفد عبد القيس رسول اللّه عَّ﴾. ألقوا أنفسهم) أي: نزلوا مسرعين (عن رواحلهم، فلم ينيخوها وسارعوا إليه، فلم ينكر ذلك عليهم صلوات الله وسلامه عليه) لكنه استحسن فعل ١٨٧ الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف وروينا مما ذكره القاضي عياض في ((الشفاء» أن أبا الفضل الجوهري لما ورد إلى المدينة زائرًا، وقرب من بيوتها ترجل ومشى باكيًا منشدًا. ولما رأينا رسم من لم يدع لنا فؤادًا لعرفان الرسوم ولا لبا نزلنا عن الأكوار نمشي كرامة لمن بان عنه أن نلم به ركبا وأنبئت بأن العلامة أبا عبد الله بن رشيد قال: لما قدمنا المدينة سنة أربع الأشج حيث أناخ راحلته، وأخرج منها ثيابًا لبسها، ثم أتى إليه، فقال: إن فيك لخصلتين يحبهما اللّه: الحلم والإِناءة. (وروينا مما ذكره القاضي عياض في الشفاء أن أبا الفضل الجوهري) قال: شارح الشفاء ليس هو عبد الله بن الحسن البصري الواعظ بمصر في حدود السبعين وأربعمائة، وكان من العلماء الصالحين يتبرك به ويقتدى به في السلوك، وإنما هو كما في تاريخ الأندلس عبد الله بن الحكم الترمذي الأندلسي ذو الوزارتين، له فضل باهر وحسب وأدب عالم بالقراءات، والحديث وله شعر رائق ونثر فائق، وارتحل للمشرق فأخذ به عن ابن عساكر: وأكثر الرواية عنه وله رياسة في عصره، صار بها كالمثل السائر إلى أن ردت الأيام منه ما وهبت، فانقضت أيامه وذهبت، فقتل لما خلع سلطانه، فنهبت أمواله وكتبه ومات شهيدًا رحمه اللّه (لما ورد إلى المدينة زائرًا وقرب من بيوتها ترجل:) نزل عن دابته التي كان راكبًا عليها (ومشى) تأدبًا حال كونه (باكيًا) خضوعًا وشوقًا أو سرورًا (منشدًا) قول أبي الطيب المتنبي يمدح سيف الدولة من قصيدة أولها: فديناك من ربع وإن زدتنا كربا لأنك كنت الشرق للشمس والغربا إلى أن قال: (ولما رأينا رسم) آثار الديار الدارسة، والمراد هنا آثاره عَّ في معاهده ومساكنه (من لم يدع) يترك (لنا فؤادًا) قلبًا، أو داخل القلب أو غشاءه (لعرفان) بمعنى معرفة (الرسوم:) جمع رسم (ولا لبًا) عقلاً (نزلنا عن الأكوار:) جمع كور بالضم وهو الرحل للإبل بمنزلة السرج للفرس (نمشي كرامة لمن بان) أي: بعد (عنه) أي: عن الإلمام، فالضمير عائد على متأخر وهو البدل في قوله: (أن نلم) أي: عن أن نلم (به) من ألم إذا أتى، أي: نأتي لزيارته (ركبًا) اسم جمع لراكب الإِبل، أو أعم، أي: كربانًا، وحاصل معناه أنه لا يليق بالأدب لمن كان بعيدا عن محبوبه، ثم قرب منه أن يأتي إليه راكبًا، بل ماشيًا إكرامًا له. قال بعضهم: والإلمام الإِتيان قليلاً ويكون بمعنى القرب، ومن فسر بأن بمعنى ظهر لم يصب، ولقد أجاد في تمثله به ونقله للمحل الأليق به، وهذا نوع من البلاغة قريب من التضمين، وهو أن يورد شعر الغير في مقام يكون أحق به من صاحبه، ولم يتعرض له أصحاب البديع، إلاَّ أن الإِمام محمدًا التوزي أورده في كتاب الغرة اللائحة (وأنبئت أن العلامة أبا عبد الله) محمد بن ١٨٨ الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف وثمانين وستمائة، كان معي رفيقي الوزير أبو عبد الله بن أبي القاسم بن الحكم، وكان أرمد، فلما دخلنا ذا الحليفة أو نحوها نزلنا عن الأكوار، وقوي الشوق لقرب المزار، فنزل وبادر إلى المشي على قدميه احتسابًا لتلك الآثار، وإعظامًا لمن حل تلك الديار، فأحس بالشفاء، فأنشد لنفسه في وصف الحال: ولما رأينا من ربوع حبيبنا بيثرب أعلامًا أثرن لنا الحبا شفينا فلا بأسا نخاف ولا كربا وبالتراب منها إذا كحلنا جفوننا ومن بعدها عنا أذيلت لنا قربا وحين تبدى للعيون جمالها لمن حل فيها أن نلم به ركبا نزلنا عن الأكوار نمشي كرامة نسح سجال الدمع في عرصاته ونلثم من حب لواطئه التربا عمر (بن رشيد) بضم الراء وفتح المعجمة الفهري السبتي، المولود بها سنة سبع وخمسين وستمائة، كان إمامًا حافظًا، فقيهًا عالمًا باللغة والعربية والعروض والقراءات والأصلين، حسن الخلق، كثير التواضع، ريان من الأدب، ماهرًا في الحديث، أخذ ببلاده عن جماعة، ثم رحل فسمع بمصر والشام والحجاز عن خلائق ضمنهم رحلته التي سماها ملء العيبة وهي ست ملجدات، ثم عاد إلى غرناطة فنشر بها العلم ومات بفاس في محرم سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة (قال: لما قدمنا المدينة سنة أربع وثمانين وستمائة كان معي رفيقي الوزير أبو عبد الله بن أبي القسم بن الحكم وكان أرمد، فلما دخلنا ذا الحليفة) ميقات المدينة (أو نحوها نزلنا عن الأكوار) الرحال (وقوي الشوق لقرب المزار، فنزل) عن راحلته (وبادر إلى المشي على قدميه احتسابًا) طالبًا الثواب مخلصًا (لتلك الآثار وإعظامًا لمن حل تلك الديار) حبيب العزيز الغفار (فأحس بالشفاء) من الرمد (فأنشد لنفسه في وصف الحال:) ولما رأينا من ربوع حبيبنا بيشرب أعلامًا أثرن لنا الحبا ولو قال: بطيبة بدل بيثرب كان الأولى بمزيد الشوق والأدب (وبالترب:) بضم فسكون جمع تراب (منها: إذا كحلنا) بالتخفيف (جفوننا شفينا فلا بأسا) شدة (نخاف ولا كربًا وحين تبدى) ظهر (للعيون جمالها ومن بعدها عنا أذيلت) بضم الهمزة وكسر الذال المعجمة، أي: سهلت (لنا قربا) أي من جهة القرب حتى صرنا نراها بأعيننا (نزلنا عن الأكوار) الرحال (نمشي كرامة لمن حل فيها) لعل هذه رواية ثانية وهي أسلس من قوله: في الرواية الأولى السابقة لمن بان عنه (أن نلم به) نأتي إليه (ركبا) أي: ركبانًا، وهذا البيت من قصيدة المتنبي فهو من التضمين، وهو أن يضمن شعره أو نثره شيئًا من كلام غيره من غير نسبته إليه وهو من البديع (نسح) بضم السين، أي: نسيل (سجال:) بكسر السين وبالجيم جمع سجل وهو الدلو العظيمة (الدمع في عرصاته) ساحاته (ونلثم) بفتح المثلثة أفصح من كسرها نقبل (من) أجل (حب لواطئه التوبا) ١٨٩ الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف وإن نفادي دونه لخسارة ولو أن كفي تملك الشرق والغربا فيا عجبًا ممن يحب بزعمه يقيم مع الدعوى ويستعمل الكذبا وزلات مثلي لا تعدد كثرة وبُعدي عن المختار أعظمها ذنبا ولما كنت سائرًا لقصد الزيارة في ربيع الآخر سنة اثنتين وتسعين وثمانمائة، ولاح لنا عند الصباح جبل مفرح الأرواح المبشر بقرب المزار من أشرف الديار، تسابق الزوار إليه، وتعالوا بالصعود عليه استعجالاً لمشاهدة تلك الآثار فبرقت لوامع الأنوار النبوية، وهبت عَرْف نسمات المعارف المحمدية، فطبنا وغبنا إذ شهدنا أعلام ديار أشرف البرية: ألا مع برق يغتدي ويروح أم النور من أرض الحجاز يلوح أم الروض في وجه الصباح يفوح حياة لمن يغدولها ويروح وريح الصبا هبت بطيِّب عرفهم إذا ريح ذاك الحي هب فإنها ترفق بنا يا حادي العيس والتفت فللنور بين الواديين وضوح مفعول نلثم (وأن نفادي دونه لخسارة، ولو أن كفي تملك) من الملك (الشرق والغربا). وفي نسخة: تملأ، أي: ولو فرض أن كفي ملأتهما بإيصال النوال إلى أهلهما (فيا عجبًا ممن يحب بزعمه) مثلث الزاي القول الحق والباطل والكذب ضد، وأكثر ما يقال فيما يشك فيه كما في القاموس: (يقيم مع الدعوى) على البعد (ويستعمل الكذب) في دعوى الحب (وزلات مثلي لا تعدد) بدالين (كثرة) بالنصب، أي: لأجل كثرتها لا يمكن تعدادها (وبعدي عن المختار أعظمها ذنبا) وحدث المصنف عن نفسه من باب التحديث بالنعم: (ولما كنت سائرًا لقصد الزيارة في ربيع الآخر سنة اثنتين وتسعين وثمانمائة ولاح) ظهر (لنا عند الصباح جبل مفرح الأرواح المبشر) الجبل وهو أحد (بقرب المزار من أشرف الديار) المدينة (تسابق الزوار إليه وتعالوا:) ارتفعوا (بالصعود عليه استعجالاً لمشاهدة تلك الآثار، فبرقت:) لمعت (لوامع) إضاءات (الأنوار النبوية وهبت عرف) بفتح المهملة وسكون الراء وبالفاء ريح (نسمات المعارف المحمدية، فطبنا) في أنفسنا (وغبنا) عما يدرك بالحواس في مشاهدة تلك الأنوار المحمدية (إذ شهدنا أعلام ديار أشرف البرية ألامع برق يغتدي ويروح:) يجيء وقت الغدوة والرواح (أم النور من أرض الحجاز يلوح) يظهر (وريح الصبا هبت بطيب عرفهم) ريحهم (أم الروض في وجه الصباح يفوح) أزهاره (إذا ريح ذاك الحي هبت، فإنها حياة لمن يغدو لها) يأتي وقت الغدوة أول النهار (ويروح) يأتي وقت الزوال (ترفق بنا يا حادي العيس) الإِبل (والتفت فللنور بين الواديين وضوح) ظهور (فما هذه إلاّ ديار محمد وذاك سناها يغتدي ١٩٠ الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف وذاك سناها يغتدى ويروح فما هذه إلا ديار محمد فكل من الشوق الشديد يصيح حمام على قضب الأراك تنوح إلى النور من تلك الديار لموح ومدمعها في الوجنتين سفوح وإلا فما للركب هاج اشتياقهم وأنَّت مطايا الركب حتى كأنها وقد مدت الأعناق شوقًا وطرفها رأت دار من تهوی فزاد اشتياقها إذا العيس باحت بالغرام ولم تطق خفاء فما للصب ليس يبوح ولما قربنا من ديار المدينة وأعلامها، وتدانينا من معاينة رباها الكريمة وآكامها، وانتشقنا عرف لطائف أزهارها، وبدت النواظرنا بوارق أنوارها، وترادفت واردات المنح والعطايا، ونزل القوم عن المطايا، فأنشدت متمثلاً: أتيتك زائرًا وودت أني جعلت سواد عيني أمتطيه ومالي لا أسير على المآقي إلى قبر رسول الله فيه ولما وقع بصري على القبر الشريف والمسجد المنيف فاضت من الفرح ويروح) فيه إبطاء (وإلاَّ فما للركب هاج) ثار (اشتياقهم، فكل من الشوق الشديد يصيح) يصوّت بأقصى طاقته (وأنت) بشد النون صوّتت (مطايا الركب، حتى كأنها حمام على قضب) بضم القاف وإسكان المعجمة أغصان (الأراك تنوح) بفوقية فنون تسجع (وقد مدت الأعناق شوقًا وطرفها) بصرها (إلى النور من تلك الديار لموح) بضم الميم كثير النظر (رأت دار من تهوى، فزاد اشتياقها ومدمعها) أي: دمعها (في الوجنتين) أي: عليهما (سفوح) أي: مصبوب (إذا العيس) بالكسر الإِبل البيض يخالط بياضها شقرة كما في القاموس، والمراد هنا مطلق الإِبل (باحت بالغرام) الولوع بالحب (ولم تطق خفاء) بالمد، أي: إخفاءه وستره (فما للصب ليس يبوح) بصبابته وهي الشوق، أو رقته أو رقة الهوى مع أنه عاقل بخلاف العيس (ولما قربنا من ديار المدينة وأعلامها وتدانينا من معاينة رباها:) بضم الراء جمع ربوة مثلثة المكان المرتفع (الكريمة وأكامها:) جمع أكم بزنة كتب، ومر بيانه في الاستسقاء (وانتشقنا عرف) أي: شممنا ريح (لطائف أزهارها، وبدت:) ظهرت (لنواظرنا بوارق) لوامع (أنوارها، وترادفت واردات المنح والعطايا:) الهبات (ونزل القوم عن المطايا:) جمع مطية الدابة تمطو، أي: تمد في سيرها (فأنشدت متمثلاً) وهو إنشاد شعر الغير في مقام يناسبه (أتيتك زائرًا ووددت:) تمنيت (أني جعلت سواد عيني أمتطيه:) أجعله مطية لي (ومالي لا أسير على المآقي:) جمع الموق طرف العين مما يلي الأنف (إلى قبر رسول اللّه عَّهُ فيه، ولما وقع بصري على القبر الشريف والمسجد المنيف فاضت من الفرح سوابق العبرات:) الدموع (حتى أصابت بعض ١٩١ الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف سوابق العبرات حتى أصابت بعض الثرى والجدرات وقلت: أيها المغرم المشوق هنيئًا ما أنا لوك من لذيذ التلاق طالما أسعداك يوم الفراق قل لعينيك تهملان سرورا وجميع الأشجان والأشواق واجمع الوجد والسرور ابتهائجا وتوالى بدمعـهــا الـمـهـراق ومر العين أن تفيض انهمالاً هذه دارهم وأنت محب ما بقاء الدموع في الآماق وقلت: وكان ما كان مما لست أذكره فظن خيرًا ولا تسأل عن الخبر ويستحب صلاة ركعتين تحية المسجد قبل الزيارة، وهذا إذا لم يكن مروره من جهة وجهه الشريف عَّهِ. فإن كان استحبت الزيارة قبل التحية. قال في ((تحقيق النصرة)) وهو استدراك حسن. قاله بعض شيوخنا. وفي منسك ابن فرحون. فإن قلت: المسجد إنما تشرف بإضافته إليه عَ اه. فينبغي البداءة بالوقوف عنده عَّهِ. قلت: قال ابن حبيب في أول كتاب الصلاة: الثرى:) التراب (والجدرات:) جمع جدار (أيها المغرم المشوق هنيئًا ما أنالوك من لذيذ التلاق قل لعينيك تهملان سرورًا طالما أسعداك يوم الفراق) تهملان بضم الميم وكسرها، كما أفاده القاموس: تفيضان وأسعداك عاوناك (وأجمع الوجد) الغضب في الحب (والسرور) الفرح (ابتهاجًا) سرورًا (وجميع الأشجان) أي: الحاجات (والأشواق:) جمع شوق نزاع النفس وحركة الهوى، والمعنى؛ أنه يجمع بين الأمور المتضادة من شدة فرحه بلقاء محبوبه (ومر العين) بضم الميم وخفة الراء مكسورة (أن تفيض أنهمالاً) تأكيد لمعنى تفيض (وتوالى:) تتابع (بدمعها المهراق) المصبوب (هذه دارهم وأنت محب ما بقاء الدموع في الآماق) وأنشد أيضًا بيتًا مفردًا: (وكان ما كان مما لست أذكره ،فظن خيرًا ولا تسأل عن الخبر) (ويستحب صلاة ركعتين تحية المسجد قبل الزيارة) اتباعًا لأمره بالتحية، فأولى ما يتبع في مسجده (قيل وهذا: إذا لم يكن مروره من جهة وجهه الشريف عليه الصلاة والسلام، فإن كان استحبت الزيارة قبل التحية قال في تحقيق النصرة) في تاريخ دار الهجرة (وهو استدراك) أي: تقييد (حسن، قاله بعض شيوخنا، وفي منسك ابن فرحون) بفتح فسكون (فإن قلت: المسجد إنما شرف بإضافته إليه عَّةٍ، فينبغي البداءة بالوقوف عنده عَّةٍ، قلت: قال ابن حبيب) عبد الملك الأندلسي أبو مروان الفقيه المشهور. ١٩٢ الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف حدثني مطرف عن مالك عن يحيى بن سعيد عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قدمت من سفر، فجئت رسول الله عَّةٍ أسلم عليه وهو بفناء المسجد، فقال: (أُدخلت المسجد فصليت فيه))؟ قلت: لا، قال: ((فاذهب فادخل المسجد وصلّ فيه، ثم سلم عليّ)). ورخص بعضهم في تقديم الزيارة على الصلاة. قال ابن الحاج: وكل ذلك واسع ولعل هذا الحديث لم يبلغهم، والله أعلم. انتهى. وينبغي للزائر أن يستحضر من الخشوع ما أمكنه، وليكن مقتصدًا في سلامه بين الجهر والإسرار. وفي البخاري: أن عمر رضي الله عنه قال لرجلين من أهل الطائف: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما ضربًا، ترفعان أصواتكم في مسجد قال الحافظ: صدوق، ضعيف الحفظ، كثير الغلط، مات سنة تسع وثلاثين ومائتين (في أول كتاب الصلاة) من الواضحة (حدثني مطرف) بضم الميم وفتح الطاء المهملة وكسر الراء الثقيلة ابن عبد الله بن مطرف اليساري بفتح التحتية والمهملة أبو مصعب المدني ابن أخت ملك، ثقة من رجال البخاري والترمذي وابن ماجه لم يصب ابن عدي في تضعيفه، مات سنة عشرين ومائتين على الصحيح وله ثلاث وثمانون سنة (عن ملك، عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن جابر بن عبد الله رضي اللّه عنهما، قال: قدمت من سفر، فجئت رسول اللّه عَّ أسلم عليه وهو بفناء المسجد) بكسر الفاء والمد، أي: خارجه (فقال: أدخلت المسجد فصليت فيه؟، قلت: لا، قال: فاذهب فادخل المسجد وصل فيه، ثم سلم عليّ) فإذا أمر بتقديم الصلاة على السلام فيه عليه مع كونه بفنائه فأولى إذا كان داخله (ورخص بعضهم في تقديم الزيارة على الصلاة، وقال ابن الحاج: وكل ذلك واسع، ولعل هذا الحديث لم يبلغهم والله أعلم. انتهى) كلام ابن فرحون. (وينبغي للزائر أن يستحضر من الخشوع ما أمكنه وليكن مقتصدًا في سلامه بين الجهر والإسرار، وفي البخاري) في الصلاة (أن عمر رضي اللّه عنه قال لرجلين:) قال الحافظ لم أقف على تسمية هذين الرجلين، لكن في رواية عبد الرزاق أنهما ثقفيان. انتهى. وهو مفاد قوله: (من أهل الطائف) إذ أهله ثقيف (لو كنتما من أهل البلد) أي: المدينة (لأوجعتكما) يدل على أنه كان تقدم نهيه عن ذلك وفيه العذر لأهل الجهل بالحكم إذا كان مما يخفى مثله، وقوله: (ضربًا) ليس في البخاري. قال الحافظ: قوله لأَوجعتكما، زاد الإِسمعيلي جلدًا من هذه الجهة يتبين كون الحديث له ١٩٣ الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف رسول الله ڭے؟. وقد روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال: لا ينبغي رفع الصوت على نبي حيًا ولا ميتًا. وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تسمع صوت الوتد يوتد والمسمار يضرب في بعض الدور المطيفة بمسجد النبي عليه. فترسل إليهم: لا تؤذوا رسول الله عَ ليه قالوا: وما عمل علي بن أبي طالب رضي الله عنه مصراعي داره إلا بالمصانع توقيًا لذلك. نقله ابن زبالة. فيجب الأدب معه كما في حياته. وينبغي للزائر أن يتقدم إلى القبر الشريف من جهة القبلة، وإن جاء من جهة رجلي الصاحبين فهو أبلغ في الأدب من الإتيان من جهة رأسه الكريم. ويستدبر القبلة ويقف قبالة وجهه عليه بأن يقابل المسمار الفضة المضروب في الرخام الذي حكم الرفع، لأن عمر لا يتوعدهما بالجلد إلاَّ على مخالفة أمر توقيفي (ترفعان) جواب سؤال مقدر كأنهما قالا: لم توجعنا؟، قال: لأنكما ترفعان، وفي رواية الإسمعيلي برفعكما (أصواتكما في مسجد رسول اللّه عليه). (وقد روي عن أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه أنه قال: لا ينبغي رفع الصوت على نبي حيًّا ولا ميتًا) فوق ما يسارر به الإِنسان صاحبه، روي (عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تسمع صوت الوتد) بالفتح وبالتحريك، وككتف ما رز في الأرض أو الحائط من خشب، قاله القاموس: (يوتد:) يدق (والمسمار يضرب في بعض الدور المطيفة) بضم الميم وكسر الطاء وسكون الياء وبالفاء، أي: المحيطة (بمسجد النبي عَّ فترسل إليهم، لا تؤذوا رسول اللّه عَّ ة) بدق الوتد وضرب المسمار (قالوا: وما عمل علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه) أي: ما صنع (مصراعي داره إلا) خارج المدينة (بالمصانع)! بصاد وعين مهملتين محل بالمدينة كان متبرز النساء ليلاً قبل اتخاذ الكنف وهي ناحية بئر أبي أيوب وأظنها المعروفة اليوم ببئر أيوب شرقي سوق المدينة ببقيع الغرقد، قاله الشريف: (توقيًا لذلك) لئلا يتأذى بسماع صوت الخشب عند صنعه لو صنعه في بيته أو خارج المسجد بقربه (نقله ابن زبالة) بفتح الزاي محمد بن الحسن (فيجب الأدب معه كما في حياته) إذ هو حي في قبره يصلي فيه بأذان وإقامة كما مر في الخصائص. (وينبغي للزائر أن يتقدم إلى القبر الشريف من جهة القبلة، وإن جاء من جهة رجلي، الصاحبين فهو أبلغ في الأدب من الإتيان من جهة رأسه الكريم، ويستدبر القبلة ويقف قبالة) ١٩٤ الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف في الجدار، ولا عبرة بالقنديل الكبير اليوم، لأن هناك عدة قناديل. وقد روي أن مالكًا لما سأله أبو جعفر المنصور العباسي: يا أبا عبد الله أأستقبل رسول الله عَّ له وأدعو، أم أستقبل القبلة وأدعو؟ فقال له مالك: ولمّ تصرف وجهك عنه، وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليه السلام إلى الله عز وجل يوم القيامة. لكن رأيت منسوبًا للشيخ تقي الدين بن تيمية في منسكه: أن هذه الحكاية كذب على مالك. وأن الوقوف عند القبر بدعة، قال: ولم يكن أحد من الصحابة يقف عنده ويدعو لنفسه، ولكن كانوا يستقبلون القبلة ويدعون في مسجده عَّه. قال: ومالك من أعظم الأئمة كراهية لذلك. بضم القاف تجاه (وجهه عَ ◌ّ؛ بأن يقابل المسمار الفضة المضروب في الرخام الذي في الجدار ولا عبرة بالقنديل الكبير اليوم، لأن هناك عدة قناديل) وإن كان معتبرًا في زمن التابعين، ففي الشفاء قال ابن أبي مليكة: من أحب أن يكون وجاه النبي عَّة فليجعل القنديل الذي في القبلة عند القبر على رأسه. (وقد روي أن مالكًا لما سأله أبو جعفر) عبد الله بن محمد (المنصور العباسي) ثاني خلفاء بني العباس: (يا أبا عبد اللّه) كنية لملك (أأستقبل رسول اللّه عَّةٍ وأدعو أم أستقبل القبلة وأدعو؟، فقال له لملك: ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك عادم عليه السلام إلى اللّه عزّ وجلّ يوم القيامة) بل استقبله وأستشفع به فيشفعه اللّه، هذا بقية المروي عن ملك كما في الشفاء (لكن رأيت منسوبًا للشيخ تقي الدين بن تيمية في منسكه أن هذه الحكاية كذب على ملك) هذا تهور عجيب، فإن الحكاية رواها أبو الحسن علي بن فهر في كتابه فضائل لملك بإسناد لا بأس به، وأخرجها القاضي عياض في الشفاء من طريقه عن شيوخ عدة من ثقات مشايخه، فمن أين أنها كذب وليس في إسنادها وضاع ولا كذاب (وأن الوقوف عند القبر بدعة، قال: ولم يكن أحد من الصحابة يقف عنده ويدعو لنفسه) نفيه مردود عليه من قصوره أو مكابرته، ففي الشفاء قال بعضهم: رأيت أنس بن ملك أتى قبر النبي عَ له، فوقف فرفع يديه حتى ظننت أنه افتتح الصلاة، فسلم على النبي عَِّ ثم انصرف (ولكن كانوا يستقبلون القبلة ويدعون في مسجده عَّه، قال: وملك من أعظم الأئمة كراهية لذلك) كذا قال وهو خطأ قبيح فإن كتب المالكية طافحة باستحباب الدعاء عند القبر مستقبلاً له مستدبر القبلة وممن نص على ذلك أبو الحسن القابسي وأبو بكر بن عبد الرحمن والعلامة خليل في مناسكه، ونقله ١٩٥ الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف وينبغي أن يقف عند محاذاة أربعة أذرع ويلازم الأدب والخشوع والتواضع، غاض البصر في مقام الهيبة، كما كان يفعل بين يديه في حياته، ويستحضر علمه بوقوفه بين يديه وسماعه لسلامه، كما هو الحال في حال حياته، إذ لا فرق بين موته وحياته في مشاهدته لأمته ومعرفته أحوالهم ونياتهم وعزائمهم وخواطرهم، وذلك عنده جلي لا خفاء به. فإن قلت: هذه الصفات مختصة بالله تعالى. فالجواب: إن من انتقل إلى عالم البرزخ من المؤمنين يعلم أحوال الأحياء في الشفاء عن ابن وهب عن ملك، قال: إذا سلم على النبي عَّه ودعا يقف وجهه إلى القبر لا إلى القبلة، ويدنو ويسلم ولا يمس القبر بيده. انتهى. وإلى هذا ذهب الشافعي والجمهور، ونقل عن أبي حنيفة، قال ابن الهمام: وما نقل عنه أنه يستقبل القبلة مردود بما روي عن ابن عمر: من السنة أن يستقبل القبر المكرم ويجعل ظهره للقبلة وهو الصحيح من مذهب أبي حنيفة، وقول الكرماني: مذهبه خلافه ليس بشيء لأنه حي، ومن يأتي لحي إنما يتوجه إليه. انتهى. ولكن هذا الرجل ابتدع له مذهبًا وهو عدم تعظيم القبور، وإنها إنما تزار للترحم والاعتبار بشرط أن لا يشد إليها رحل، فصار كل ما خالفه عنده كالصائل لا يبالي بما يدفعه، فإذا لم يجد له شبهة واهية يدفعه بها بزعمه انتقل إلى دعوى أنه كذب على من نسب إليه مجازفة وعدم نصفة، وقد أنصف من قال فيه علمه: أكبر من عقله، ثم إن نقل كلامه من أول، لكن رأيت ساقط في أكثر نسخ المصنف وهو أولى بالصواب، وسيعيد المصنف قريبًا نقله والتبري منه بقوله: کذا. قال: (وينبغي أن يقف عند محاذاة أربعة أذرع) وقيل: ثلاثة، وهذا باعتبار ما كان في العصر الأول، أما اليوم فعليه مقصورة تمنع من دنو الزائر فيقف عند الشباك، قاله بعض (ويلازم الأدب والخشوع والتواضع غاض البصر في مقام الهيبة كما كان يفعل بين يديه في حياته) إذ هو حي (ويستحضر علمه بوقوفه بين يديه وسماعه لسلامه كما هو في حال حياته، إذ لا فرق بين موته وحياته في مشاهدته لأمته ومعرفته بأحوالهم ونياتهم وعزائمهم وخواطرهم، وذلك عنده جلي:) ظاهر (لا خفاء به) باطلاع اللّه تعالى على ذلك. (فإن قلت: هذه الصفات) المذكورة من معرفته إلى هنا (مختصة باللّه تعالى، فالجواب: أن من انتقل إلى عالم البرزخ من المؤمنين) الكاملين (يعلم أحوال الأحياء غالبًا) بإعلام اللّه تعالى لهم، كما في حديث: ((تعرض الأعمال كل يوم الخميس والاثنين على اللّه ١٩٦ الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف غالبًا، وقد وقع كثير من ذلك كما هو مسطور في مظنة ذلك من الكتب. وقد روى ابن المبارك عن سعيد بن المسيب: ليس من يوم إلا ويعرض على النبي عَّ أعمال أمته غدوة وعشية، فيعرفهم بسيماهم وأعمالهم، فلذلك يشهد عليهم. ويمثل الزائر وجهه الكريم عليه الصلاة والسلام في ذهنه، ويحضر قلبه جلال رتبته، وعلو منزلته، وعظيم حرمته، وإن أكابر الصحابة ما كانوا يخاطبونه إلا كأخي السرار، تعظيمًا لما عظم الله من شأنه. وقد روى ابن النجار أن امرأة سألت عائشة رضي الله عنها: أن اكشفي لي عن قبر رسول الله عَګ فكشفته فبكت حتى ماتت. وحكي عن أبي الفضائل الحموي، أحد خدام الحجرة المقدسة، أنه شاهد شخصًا من الزوار الشيوخ، أتى باب مقصورة الحجرة الشريفة، فطأطأ رأسه نحو العتبة، فحركوه فإذا هو ميت، وكان ممن شهد جنازته. تعالى، وتعرض على الأنبياء والآباء والأمهات يوم الجمعة فيفرحون بحسناتهم وتزداد وجوههم بياضًا وإشراقًا فاتقوا اللّه ولا تؤذوا أمواتاكم)). رواه الترمذي الحكيم: (وقد وقع كثير من ذلك كما هو مسطور في مظنة ذلك من الكتب، وقد روى ابن المبارك) عبد الله بذكره تستنزل الرحمة (عن سعيد بن المسيب، قال: ليس من يوم إلاَّ وتعرض على النبي عَّ أعمال أمته غدوة وعشية، فيعرفهم بسيماهم وأعمالهم، فلذلك يشهد عليهم) يوم القيامة (ويمثل:) يصور (الزائر وجهه عليه الصلاة والسلام في ذهنه، ويحضر الزائر قلبه جلال رتبته وعلو منزلته وعظيم حرمته، وإن أكابر الصحب ما كانوا يخاطبونه إلاَّ كأخي السرار) بكسر السين وراءين بينهما ألف (تعظيمًا لما عظم اللّه من شأنه). (وقد روي ابن النجار أن امرأة سألت عائشة رضي اللّه عنها أن اكشفي لي عن قبر رسول اللّه عَّه، فكشفته، فبكتِ حتى ماتت): شوقًا إليه. (وحكي عن أبي الفضائل الحموي أحد خدام الحجرة المقدسة أنه شاهد شخصًا من الزوار الشيوخ أتى باب مقصورة الحجرة الشريفة، فطأطأ رأسه نحو العتبة فحركوه، فإذا هو ميت، وكان) أبو الفضائل (ممن شهد جنازته، ثم يقول الزائر بحضور قلب وغض طرف) ١٩٧ الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف ثم يقول الزائر بحضور قلب، وغض بصر وصوت، وسكون جوارح وإطراق: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا نبي الله، السلام عليك يا حبيب الله، السلام عليك يا خيرة الله، السلام عليك يا صفوة الله، السلام عليك يا سيد المرسلين، وخاتم النبيين، السلام عليك يا قائد الغر المحجلين، السلام عليك وعلى أهل بيتك الطيبين الطاهرين، السلام عليك وعلى أزواجك الطاهرات أمهات المؤمنين، السلام عليك وعلى أصحابك أجمعين، السلام عليك وعلى سائر الأنبياء وسائر عباد الله الصالحين، جزاك الله يا رسول الله أفضل ما جازى نبيًا ورسولاً عن أمته، وصلى الله عليك كلما ذكرك الذاكرون، وغفل عن ذكرك الغافلون، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك عبده ورسوله وأمينه، وخيرته من خلقه، وأشهد أنك قد بلغت الرسالة وأديت الأمانة ونصحت الأمة وجاهدت في الله حق جهاده. ومن ضاق وقته عن ذلك، أو عن حفظه فليقل ما تيسر منه، أو مما يحصل به الغرض. وفي ((التحفة)): أن ابن عمر وغيره من السلف كانوا يقتصرون ويوجزون في بصر (و) خفض (صوت وسكون جوارح وإطراق: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا نبي الله، السلام عليك يا حبيب اللّه، السلام عليك يا خيرة اللّه، السلام عليك يا صفوة اللّه، السلام عليك يا سيد:) أفضل (المرسلين وخاتم النبيين، السلام عليك يا قائد الغر) بضم المعجمة وشد الراء (المحجلين) هم أمته وهذه سيماهم ليست لغيرهم (السلام عليك وعلى أهل بيتك الطيبين الطاهرين، السلام عليك وعلى أزواجك الطاهرات) صفة لازمة (أمهات المؤمنين) وهل يقال لهن أمهات المؤمنات أيضًا قولان مرجحان (السلام عليك وعلى أصحابك أجمعين، السلام عليك وعلى سائر الأنبياء وسائر) أي: جميع (عباد الله الصالحين) أي: المؤمنين (جزاك الله يا رسول اللّه أفضل ما جزى نبيًا ورسولاً عن أمته، وصلى اللّه عليك كلما ذكرك الذاكرون وغفل عن ذكرك الغافلون) عبارة عن استمرار الصلاة، إذ لا ينفك الخلائق بعضهم عن الذكر وآخرون عن الغفلة (أشهد أن لا إله إلاَّ اللّه وأشهد أنك عبده ورسوله وأمينه وخيرته من خلقه، وأشهد أنك قد بلغت الرسالة وأديت الأمانة ونصحت الأمة وجاهدت في الله حق جهاده) بنفسك وبعوثك وسراياك ما جملته نحو المائة في تسع سنين (ومن ضاق وقته عن ذلك أو عن حفظه فليقل ما تيسر) له (منه، أو) من غيره (مما يحصل به الغرض). (وفي التحفة) أي: كتاب تحفة الزائر لابن عساكر (أن ابن عمر وغيره من السلف ١٩٨ الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف هذا جدًا. فعن مالك بن أنس، إمام دار الهجرة، وناهيك به خبرة بهذا الشأن من رواية ابن وهب عنه، يقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. وعن نافع عن ابن عمر، أنه كان إذا قدم من سفر دخل المسجد، ثم أتى القبر المقدس فقال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه. وينبغي أن يدعو، ولا يتكلف السجع فأنه قد يؤدي إلى الإحلال بالخشوع. وقد حكى جماعة منهم الإمام أبو نصربن الصباغ في ((الشامل» الحكاية المشهورة عن العتبي، واسمه: محمد بن عبيد الله بن عمرو بن معاوية بن عمرو بن عتبة بن أبي سفيان صخر بن حرب، وتوفي في سنة ثمان وعشرين ومائتين، وذكرها ابن النجار وابن عساكر وابن الجوزي في منبر الغرام الساكن عن كانوا يقتصرون ويوجزون) يأتون بألفاظ قليلة جامعة لمعان كثيرة (فعن ملك إمام دار الهجرة وناهيك به خبرة بهذا الشأن من رواية ابن وهب) عبد الله (عنه يقول) المسلم أو الزائر: (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته) فهذا لفظ موجز مع صحته عنه عَّه في التشهد، زاد لملك في المبسوط: ويسلم على أبي بكر وعمر، أي: بعد السلام عليه. (وعن نافع عن ابن عمر أنه كان إذا قدم من سفر دخل المسجد) فصلى ركعتين (ثم أتى القبر المقدس، فقال: السلام عليك يا رسول اللّه، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه) وفي الشفاء عن نافع: كان ابن عمر يسلم على القبر، رأيته مائة مرة وأكثر، يأتي فيقول: السلام على النبي، السلام على أبي بكر، السلام على أبي، ثم ينصرف. انتهى. وظاهر أن هذا كان دأبه وإن لم يسافر لأنه لم يسافر، أكثر من مائة مرة، فحدث نافع تارة عن حاله إذا قدم من سفر وتارة عن حاله بدون سفر فلا يحمل عليه، وفيه إشارة إلى أن الأولى الاختصار، وقيل: يطيل ما شاء من ثناء ودعاء وتوسل، وقيل: يختلف باختلاف الناس والأحوال. (وينبغي أن يدعو ولا يتكلف السجع فإنه قد يؤدي إلى الإخلال بالخشوع، وقد حكى جماعة منهم الإِمام أبو نصر بن الصباغ في الشامل الحكاية المشهورة عن العتبي) بضم فسكون (واسمه محمد بن عبيد اللّه) بضم العين (ابن عمرو بن مغوية بن عمرو) بفتح العين (ابن عتبة بن أبي سفين صخر بن حرب، وتوفي) محمد المذكور (في سنة ثمان وعشرين ومائتين). (وذكرها ابن النجار وابن عساكر وابن الجوزي في منبر الغرام الساكن، عن ١٩٩ الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف محمد بن حرب الهلالي قال: أتيت قبر النبي عَّ فزرته وجلست بحذائه، فجاء أعرابي فزاره ثم قال: يا خير الرسل، إن الله أنزل عليك كتابًا صادقًا، قال فيه: ﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابًا رحيمًا﴾ وقد جئتك مستغفرًا من ذنبي مستشفعًا بك إلى ربي وأنشأ يقول: يا خير من دفنت بالقاع أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكم نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكرم ووقف أعرابي على قبره الشريف وقال: اللهم إنك أمرت بعتق العبيد، وهذا حبيبك وأنا عبدك، فأعتقني من النار على قبر حبيبك، فهتف به هاتف: يا هذا تسأل العتق لك وحدك، هلا سألت لجميع الخلق. اذهب فقد أعتقناك من النار. إن الملوك إذا شابت عبيدهم في رقهم أعتقوهم عتق أحرار وأنت يا سيدي أولى بذا كرمًا قد شبت في الرق فاعتقني من النار محمد بن حرب الهلالي، قال: أتيت قبر النبي عَِّ فزرته وجلست بحذائه) بمعجمة ومد بمقابله (فجاء أعرابي، فزاره، ثم قال: يا خيرة الرسل إن اللّه أنزل عليك كتابًا صادقاً، قال فيه: ﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا اللّه واستغفر لهم الرسول)) [النساء/ ٦٤]، التفت عن استغفرت لهم تنويهًا بشأنه: (لوجدوا اللّه توابًا) عليهم (رحيمًا) بهم (وقد جئتك مستغفرًا من ذنبي مستشفعًا بك إلى ربي، وأنشأ يقول:) (يا خير من دفنت بالقاع أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكم نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكرم) وبقية هذه الحكاية: ثم استغفر وانصرف، فرقدت فرأيت النبي عَّهِ في النوم وهو يقول: الحق الأعرابي وبشره بأن اللّه قد غفر له بشفاعتي، فاستيقظت فخرجت لطلبه فلم أجده (ووقف أعرابي على قبره الشريف وقال: اللهم إنك أمرت بعتق العبيد وهذا حبيبك وأنا عبدك فاعتقني من النار على قبر حبيبك، فهتف به هاتف: يا هذا تسأل العتق لك وحدك، هلا سألت) العتق (لجميع الخلق، اذهب فقد أعتقناك من النار) وأنشد المصنف لغيره: (إن الملوك إذا شابت عبيدهم في رقهم أعتقوهم عتق أحرار وأنت يا سيدي أولى بذا كرمًا قد شبت في الرق فاعتقني من النار) وعن الأصمعي: وقف أعرابي مقابل القبر الشريف، فقال: اللهم إن هذا حبيبك وأنا عبدك ٢٠٠ الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف وعن الحسن البصري قال: وقف حاتم الأصم على قبره عَِّ فقال: يا رب، إنا زرنا قبر نبيك فلا تردنا خائبين، فنودي: يا هذا ما أذنا لك في زيارة قبر حبيبنا إلا وقد قبلناك فارجع أنت ومن معك من الزوار مغفورًا لكم. وقال ابن أبي فديك: سمعت بعض من أدركت يقول: بلغنا أنه من وقف عند قبر النبي عَّ فتلا هذه الآية: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي﴾ [الأحزاب/٥٦] وقال: صلى الله عليك يا محمد، حتى يقولها سبعين مرة ناداه ملك: صلى الله عليك يا فلان، ولم تسقط له حاجة. قال الشيخ زين الدين المراغي وغيره: الأولى أن ينادي يا رسول الله وإن كانت الرواية یا محمد، انتهى. والشيطان عدوك، فإن غفرت لي سر حبيبك وفاز عبدك وغضب عدوك، وإن لم تغفر لي غضب حبيبك ورضي عدوك وهلك عبدك، اللهم إن العرب الكرام إذا مات منهم سيد أعتقوا على قبره وإن هذا سيد العالمين فأعتقني على قبره. قال الأصمعي: فقلت: يا أخا العرب إن اللّه قد غفر لك وأعتقك بحسن هذا السؤال. (وعن الحسن البصري، قال: وقف حاتم الأصم) البلخي من أجل المشايخ الزهاد اعتزل الناس ثلاثين سنة في قبة لا يكلمهم إلا جوابًا بالضرورة (على قبره عيد، فقال: يا رب إنا زرنا قبر نبيك فلا تردنا خائبين، فنودي: يا هذا ما أذنا لك في زيارة قبر حبيبنا إلاَّ وقد قبلناك، فارجع أنت ومن معك من الزوار مغفورًا لكم، وقال ابن أبي فديك:) بضم الفاء وفتح المهملة وتحتية وكاف محمد بن إسماعيل بن مسلم الديلمي، مولاهم المدني، مات سنة مائتين على الصحيح وهو من رجال الجميع. وهذا رواه البيهقي عنه، قال: (سمعت بعض من أدركت) من العلماء والصلحاء (يقول: بلغنا أنه من وقف عند قبر النبي عَّهُ فتلا هذه الآية: (﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي﴾) [الأحزاب / ٥٦]، إلى تسليمًا (وقال: صلى اللّه عليك يا محمد حتى يقولها سبعين مرة، ناداه ملك صلى اللّه عليك يا فلان ولم تسقط له حاجة) أي :- لا ترد ولا تخيب، شبه عدم قبولها بسقوط شيء يقع من يده، وخص السبعين لأنها محل الإِجابة، كما قال تعالى: ﴿أن تستغفر لهم سبعين مرة﴾ [التوبة/ ٨٠]. (قال الشيخ زين الدين المراغي وغيره: والأولى أن ينادي يا رسول اللّه، وإن كانت الرواية يا محمد. انتهى) للنهي عن ندائه باسمه حيًا وميتًا، فإن كان هذا مأثورًا عنه صحيحًا