Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه عتيبة.
وفي رواية له: أدرج رسول الله عَّه في حلة يمنية كانت لعبد الله بن أبي
بكر ثم نزعت عنه، وذكر الحديث.
وفي رواية أصحاب السنن الأربعة: فذكر لعائشة قولهم كفن في ثوبين وبرد
حبرة، فقالت: قد أتي بالبرد ولكنهم ردوه ولم يكفنوه فيه. قال الترمذي: حسن
صحیح.
وفي رواية البيهقي؛ في ثلاثة أثواب بيض سحولية جدد.
والسحولية: بفتح السين وضمها، قال النووي: والفتح أشهر، وهو رواية
الأكثرين، وفي النهاية تبعًا للهروي، فالفتح منسوب إلى السحول وهو القصار، لأنه
يسحلها، أي يغسلها، أو إلى سحول وهي قرية باليمن، وأما الضم فهو جمع سحل
وهو الثوب الأبيض النقي، ولا يكون إلا من قطن، وفيه شذوذ لأنه نسب إلى
الجمع، وقيل: إن اسم القرية بالضم أيضًا.
(وفي رواية له) لمسلم أيضًا من طريق علي بن مسهر، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة
قالت: (أُدرج رسول اللّه عَ ◌ّله في حلة يمنية) بشد الياء، وهذه رواية العذرى لمسلم.
ورواه الصدقي يمانية بالألف وخفة الياء على الأفصح، لأن الألف بدل من ياء النسب
فلا يجتمعان (كانت لعبد الله بن أبي بكر، ثم نزعت عنه) عَّ﴾. (وذكر الحديث) بنحو ما
قبله.
(وفي رواية أصحاب السنن الأربعة: فذكر لعائشة قولهم: كفن في ثوبين وبرد) بضم
الموحدة (حبرة:) بكسر المهملة وفتح الموحدة والراء ثوب مخطط يؤتى به من اليمن روي
بإضافة برد وتنوينه (فقالت: قد أتى بالبرد، ولكنهم ردوه ولم يكفنوه فيه، وقال الترمذي:)
حديث (حسن صحيح، وفي رواية البيهقي:) كفن (في ثلاثة أثواب بيض سحولية جدد:)
جمع جديد (والسحولية بفتح السين وضمها، قال النووي والفتح: أشهر) لغة (وهو رواية
الأكثرين) لهذا الحديث.
ورواه الأقلون بالضم (وفي النهاية تبعًا للهروي) في الغريبين (بالفتح منسوب إلى السحول وهو
القصار) للثياب (لأنه يسحلها) بزنة يمنعها (أي: يغسلها) وأصل معناه القشر
والنحت (أو إلى سحول) بالفتح (وهي قرية باليمن، وأما الضم فهو جمع سحل وهو الثوب
الأبيض النقي) بالنون (ولا يكون إلاّ من قطن وفيه شذوذ، لأنه نسب إلى الجمع، وقيل:
إن اسم القرية بالضم أيضًا) فيكون نسب إليها (والكرسف - بضم الكاف - وإسكان الراء

١٦٢
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه ما.
٠
والكرسف: بضم الكاف وإسكان الراء، وضم السين المهملتين والفاء:
القطن.
وقال الترمذي: روي في كفن النبي عَّةٍ روايات مختلفة، وحديث عائشة
أصح الأحاديث في ذلك، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من الصحابة وغيرهم.
وقال البيهقي في ((الخلافيات)): قال أبو عبد الله - يعني الحاكم -: تواترت
الأخبار عن علي بن أبي طالب وابن عباس وعائشة وابن عمر، وجابر وعبد الله بن
مغفل، في تكفين النبي عَّم في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص ولا عمامة.
وعن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن أبن الحنفية عن علي: أن
رسول الله عَ لِ كفن في سبعة أثواب، وقد روى هذا الحديث أحمد في مسنده،
وذكر ابن حزم: أن الوهم فيه من ابن عقيل أو ممن بعده.
وقد اختلف في معنى قوله: ((ليس فيها قميص ولا عمامة)).
فالصحيح أن معناه: أنه ليس في الكفن قميص ولا عمامة أصلاً.
والثاني: أن معناه أن كفن في ثلاثة أثواب خارج عن القميص والعمامة.
وضم السين المهملتين والفاء - القطن).
(قال الترمذي: روي في كفن النبي عَّ روايات مختلفة، وحديث عائشة) هذا (أصح
الأحاديث في ذلك، والعلم عليه عند أكثر أهل العلم من الصحابة وغيرهم) فله مرجحان
(وقال البيهقي في الخلافيات: قال أبو عبد الله، يعني:) شيخه (الحاكم) محمد بن
عبد الله (تواترت الأخبار عن علي بن أبي طالب وابن عباس وعائشة وابن عمر وجابر
وعبد الله بن مغفل) بمعجمة وفاء وزن محمد (في تكفين النبي عَّه في ثلاثة أثواب ليس
فيها قميص ولا عمامة، وعن عبد الله بن محمد بن عقيل) بفتح فكسر ابن أبي طالب صدوق
في حديثه لين (عن ابن الحنفية) محمد بن علي بن أبي طالب، اشتهر بأمه، ثقة عالم، من
رجال الجميع (عن علي أن رسول اللّه عَلِ كفن في سبعة أثواب).
(وقد روى هذا الحديث أحمد في مسنده، وذكر ابن حزم أن الوهم فيه من ابن
عقيل) عبد اللّه، لأن في حديثه لينًا، ويقال أنه تغير بأخرة (أو ممن بعده) من الرواة.
(وقد اختلف في معنى قوله: ليس فيها قميص ولا عمامة، فالصحيح) عند جماعة (أنه
ليس في الكفن قميص ولا عمامة أصلاً، والثاني أن معناه أنه كفن في ثلاثة أثواب خارج

١٦٣
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه عليـ
وقال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد: والأول أظهر في المراد، وذكر
النووي في شرح مسلم أن الأول تفسير الشافعي وجمهور العلماء، قال: وهو
الصواب الذي يقتضيه ظاهر الحديث، وقال: إن الثاني ضعيف، فلم يثبت أنه عَّه.
كفن في قميص وعمامة، انتهى.
.
وترتب على هذا اختلافهم: في أنه هل يستحب أن يكون في الكفن قميص
وعمامة أم لا؟
فقال مالك والشافعي وأحمد: يستحب أن تكون الثلاثة لفائف، ليس فيها
قميص ولا عمامة واختلفوا في زيادة القميص والعمامة أو غيرهما على اللفائف
الثلاثة لتصير خمسة، فذكر الحنابلة أنه مكروه، وقال الشافعية: إنه جائز غير
مستحب، وقال المالكية: إنه يستحب للرجال والنساء، وهو في حق النساء آكد.
قالوا: والزيادة إلى السبعة غير مكروهة، وما زاد عليها سرف، وقال الحنفية: الثلاثة،
إزار وقميص ولفافة.
وقد أجمع المسلمون على وجوبه، وهو فرض كفاية فيجب في ماله، فإن
لم يكن له مال فعلى من تلزمه نفقته.
عن القميص والعمامة) قال المصنف في شرح مسلم ورجح كل منهما (وقال الشيخ
تقي الدين بن دقيق العيد، والأول أظهر في المراد، وذكر النووي في شرح مسلم، أن
الأول تفسير الشافعي وجمهور العلماء، قال وهو الصواب الذي يقتضيه ظاهر الحديث.
وقال أن الثاني ضعيف، فلم يثبت أنه عٍَّ كفن في قميص وعمامة. انتهى) وهو
مشترك الإلزام، فلم يثبت أنه لم يكفن فيهما، والحديث يحتمل الوجهين (وترتب على هذا)
الخلاف (اختلافهم في أنه هل يستحب أن يكون في الكفن قميص وعمامة أم لا؟، فقال
ملك والشافعي وأحمد: يستحب أن تكون الثلاثة لفائف ليس فيها قميص ولا عمامة،
واختلفوا) بعد هذا (في زيادة القميص والعمامة أو غيرهما على اللفائف الثلاثة لتصير خمسة،
فذكر الحنابلة أنه مكروه، وقال الشافعية: إنه جائز) مستوى (غير مستحب) ولا مكروه.
(وقال المالكية: أنه يستحب للرجال والنساء وهو في حق النساء أكد) أشد في
الاستحباب (قالوا: والزيادة إلى السبعة غير مكروهة وما زاد عليها سرف، وقال الحنفية:
الثلاثة إزار وقميص ولفافة، وقد أجمع المسلمون على وجوبه) أي: الكفن (وهو فرض كفاية
فيجب في ماله) أي: الميت (فإن لم يكن له مال فعلى من تلزمه نفقته) لأنه من توابع

١٦٤
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه عدّ.
واختلف أصحابنا فى المتزوجة إذا كان لها مال، هل يجب تكفينها من
مالها، أو هو على زوجها، فذهب إلى الأول الرافعي في ((الشرح الصغير))
و ((المحرر)) والنووي في ((المنهاج)). وذهب إلى الثاني: الرافعي في ((الشرح الكبير))
والنووي في ((الروضة)) و((شرح المهذب)) وقال فيه: قيد الغزالي وجوب التكفين
على الزوج بشرط إعسار المرأة، وأنكروه عليه.
ومتى كانت معسرة فتكفينها على زوجها قطعًا، ثم إن الواجب ثوب واحد،
وهو حق الله تعالى، لا تنفذ وصية الميت بإسقاطه، بخلاف الثاني والثالث فإنه
حق للميت، تنفذ وصيته بإسقاطهما.
وفي هذا الحديث أيضًا دلالة على أن القميص الذي غسل فيه النبي عَّه.
نزع عنه عند تكفينه. قال النووي في شرح مسلم: وهذا هو الصواب الذي لا
يتجه غيره، لأنه لو بقي مع رطوبته لأفسد الأكفان. قال: وأما الحديث الذي في
سنن أبي داود عن ابن عباس أن النبي عّلِّ كفن في ثلاثة أثواب: الحلة ثوبان
وقميصه الذي توفي فيه، فحديث ضعيف، لا يصح الاحتجاج به، لأن يزيد بن
الحياة.
(واختلف أصحابنا في المتزوجة إذا كان لها مال هل يجب تكفينها من مالها أو هو على
زوجها، فذهب إلى الأول الرافعي في الشرح الصغير) على وجيز الغزالي (والمحرر والنووي
في المنهاج، وذهب إلى الثاني) وهو المعتمد عندهم (الرافعي في الشرح الكبير) على
الوجيز (والنووي في الروضة وشرح المهذب).
(وقال فيه قيد الغزالي: وجوب الكفن على الزوج بشرط إعسار المرأة وأنكروه
عليه، و) ذلك لأنها متى كانت معسرة، فتكفينها على زوجها قطعًا) وإنما الخلاف إذا كانت
موسرة (ثم إن الواجب ثوب واحد) يستر جميع بدنه (وهو حق الله تعالى، لا تنفذ وصية
الميت بإسقاطه بخلاف الثاني والثالث، فإنه حق للميت تنفذ وصيته بإسقاطهما، وفي هذا
الحديث أيضًا دلالة على أن القميص الذي غسل فيه النبي عَّ لّ نزع عنه عند تكفينه) من قولها: كفن
في ثلاثة أثواب بيض سحولية.
(قال النووي في شرح مسلم: وهذا هو الصواب الذي لا يتجه غيره، لأنه لو أبقي مع
رطوبته) بماء الغسل (لأفسد الأكفان، قال: وأما الحديث الذي في سنن أبي داود عن ابن
عباس؛ أن النبي عَّةٍ كفن في ثلاثة أثواب الحلة ثوبان وقميصه الذي توفي فيه، فحديث

١٦٥
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه ،
زياد، أحد رواته مجمع على ضعفه، لا سيما وقد خالف بروايته الثقات.
وفي حديث ابن عباس عند ابن ماجه: لما فرغوا من جهازه عٍَّ يوم
الثلاثاء، وضع على سريره في بيته ثم دخل الناس عليه عَّهِ أرسالاً يصلون عليه،
حتى إذا فرغوا دخل النساء، حتى إذا فرغن دخل الصبيان، ولم يؤم الناس على
رسول الله عَ لِّ أحد.
وفي رواية: إن أول من صلى عليه عَِّ الملائكة أفواجًا، ثم أهل بيته، ثم
الناس فوجًا فوجًا، ثم نساؤه آخرًا.
وروي أنه لما صلى أهل بيته لم يدر الناس ما يقولون فسألوا ابن مسعود،
فأمرهم أن يسألوا عليًا فقال لهم: قولوا: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي﴾
الآية، لبيك اللهم ربنا وسعديك، صلوات الله البر الرحيم، والملائكة المقربين،
ضعيف لا يصلح الاحتجاج به) لضعفه (لأن يزيد بن زياد أحد رواته مجمع على ضعفه،
لا سيما وقد خالف بروايته الثقات) فتكون شاذة لو كان ثقة.
(وفي حديث ابن عباس عند ابن ماجه: لما فرغوا من جهازه) بفتح الجيم وكسرها لغة
قليلة (عَُّ يوم الثلاثاء وضع على سريره في بيته، ثم دخل الناس عليه عٍَّ أرسالاً)
بفتح أوله، أي: جماعات متتابعين (يصلون عليه، حتى إذا فرغوا دخل النساء، حتى إذا فرغن
دخل الصبيان ولم يؤم الناس على رسول اللّه عَّهِ أحد) فاعل يؤم.
قال ابن كثير: هذا أمر مجمع عليه، واختلف في أنه تعبد لا بعقل معناه، أو ليباشر كل
واحد الصلاة عليه منه إليه، وقال السهيلي: قد أخبر اللّه تعالى أنه وملائكته يصلون عليه، وأمر
كل واحد من المؤمنين أن يصلي عليه، فوجب على كل أحد أن يباشر الصلاة عليه منه إليه،
والصلاة عليه بعد موته من هذا القبيل، قال: وأيضًا فإن الملائكة لنا في ذلك أئمة. انتهى.
وقال الشافعي في الأم، وذلك لعظم أمره عَّ وتنافسهم فيمن يتولى الصلاة عليه (وفي
رواية؛ أن أول من صلى عليه الملائكة أفواجًا، ثم أهل بيته، ثم الناس فوجًا فوجًا، ثم نساؤه
آخرًا) على ما روي عند الطبراني وغيره بسند واهٍ أنه أخبر بذلك قبل موته وتقدم.
(وروي أنه لما صلى أهل بيته لم يدر الناس ما يقولون، فسألوا ابن مسعود، فأمرهم
أن يسألوا عليًّا) لأنه أعلم منه بذلك، فسألوه (فقال لهم: قولوا: ﴿إن الله وملائكته يصلون على
النبي﴾ ... الآية) لعل حكمة الأمر بها تذكيرهم بالصلاة والسلام عليه في هذا الموطن (لبيك
اللهم ربنا) إجابة لك بعد إجابة فيما أمرتنا به من الصلاة والتسليم عليه (وسعديك) إسعادًا بعد

١٦٦
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه
والنبيين والصدقين والشهداء والصالحين، وما سبح لك من شيء يا رب العالمين،
على محمد بن عبد الله خاتم النبيين، وسيد المرسلين، وإمام المتقين، ورسول رب
العالمين، الشاهد البشير الداعي إليك بإذنك السراج المنير، وعليه السلام، ذكره
الشيخ زين الدين بن الحسين المراغي في كتابه تحقيق النصرة.
ثم قالوا: أين تدفنونه؟ فقال أبو بكر رضي الله عنه: سمعت رسول الله عَ ليه
إسعاد (صلوات اللَّه البر الرحيم والملائكة المقربين)، كالأربعة (والنبيين والصديقين): أفاضل
أصحاب الأنبياء (والشهداء والصالحين وما سبح لك من شيء) وإن من شيء إلاَّ يسبح
بحمده، فهو عبارة عن دوام الصلاة أبدًا (يا رب العالمين على محمد بن عبد الله خاتم النبيين
وسيد) أي: أفضل (المرسلين وإمام) قدوة (المتقين ورسول رب العالمين) إلى الخلق أجمعين
(الشاهد) على أمته وعلى الأمم بأن أنبياءهم بلغوهم (البشير) للمؤمنين (الداعي إليك بإذنك:)
بإرادتك (السراج المنير، وعليه السلام ذكره الشيخ زين الدين بن الحسين المراغي) بفتح
الميم وغين معجمة، من مراغة الصعيد ومن أفاضل جماعة الأسنوي (في كتابه تحقيق النصرة)
في تاريخ دار الهجرة: وظاهر هذا أن المراد ما ذهب إليه جماعة أنه لم يصل عليه الصلاة
المعتادة، وإنما كان الناس يأتون فيدعون.
قال الباجي: ووجهه أنه عَِّ أفضل من كل شهيد، والشهيد يغنيه فضله عن الصلاة عليه،
فهو عَّ أولى، قال: وإنما فارق الشهيد في الغسل، لأن الشهيد حذر من غسله إزالة الدم عنه
وهو مطلوب بقاؤه لطيبه، ولأنه عنوان لشهادته في الآخرة، وليس على النبي عَّه ما تكره إزالته
فافترقا. انتهى.
لكن قال عياض: الصحيح الذي عليه الجمهور أن الصلاة على النبي عَ ليه كانت صلاة
حقيقية لا مجرد الدعاء فقط. انتهى.
وأجيب عما اعتل به الأولون بأن المقصود من الصلاة عليه عود التشريف على المسلمين
مع أن الكامل يقبل زيادة التكميل، نعم. لا خلاف أنه لم يؤمهم أحد عليه كما مر لقول علي:
هو إمامكم حيًا وميتًا، فلا يقوم عليه أحد ... الحديث.
رواه ابن سعد وأخرج الترمذي؛ أن الناس قالوا لأبي بكر: أنصلي على رسول اللّه مَّه؟،
قال: نعم، قالوا: وكيف نصلي؟، قال: يدخل قوم فيكبرون ويصلون ويدعون، ثم يدخل قوم
فيصلون فيكبرون ويدعون فرادى (ثم قالوا) بعد الفراغ من الصلاة: (أين تدفنونه؟) فقال ناس
عند المنبر، وقال آخرون: بالبقيع كما في الموطأ وغيره (فقال أبو بكر رضي اللّه عنه: سمعت
رسول اللّه عَّ} يقول ما هلك) أي: مات (نبي قط إلا يدفن حيث تقبض روحه، وقال علي:

١٦٧
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه ميته.
يقول: ما هلك نبي قط إلا يدفن حيث تقبض روحه، وقال علي: وأنا أيضًا سمعته.
وحفر أبو طلحة لحد رسول الله عَ لغيره في موضع فراشه حيث قبض.
وقد اختلف فيمن أدخله قبره، وأصح ما روي: أنه نزل في قبره عمه العباس
وعلي وقثم بن العباس والفضل بن العباس، وكان آخر الناس عهدًا برسول الله عَّه
قثم بن العباس.
وروي أنه بني في قبره تسع لبنات، وفرش تحته قطيفة نجرانية كان يتغطى
بها، فرشها شقران في القبر، وقال: والله لا يلبسها أحد بعدك.
قال النووي: وقد نص الشافعي وجميع أصحابه وغيرهم من العلماء على
كراهة وضع قطيفة أو مضربة أو مخدة ونحو ذلك تحت الميت في القبر. وشذ
وأنا أيضًا سمعته).
أخرجه ابن ماجه وغيره، ورواه الترمذي بلفظ: ما قبض اللّه نبيًا إلاَّ في الموضع الذي
يحب أن يدفن فيه، وفي الموطأ بلفظ: ما دفن نبي قط إلاّ في مكانه الذي توفي فيه، فحفر له
فيه (وحفر أبو طلحة) زيد بن سهل الأنصاري (لحد رسول اللّه عَ لَّ في موضع فراشه حيث
قبض) وروى ابن سعد: اختلفوا في الشق واللحد، فقال المهاجرون: شقوا كأهل مكة، وقالت
الأنصار: الحدوا كما نحفر بأرضنا، فقالوا: بعثوا إلى أبي عبيدة وأبي طلحة، فأيهما جاء قبل
الآخر فليعمل عمله، فجاء أبو طلحة، فقال: والله إني لأرجو أن يكون اللّه قد اختار لنبيه أنه كان
یری اللحد فیعجبه، فالحد له.
(وقد اختلف فيمن أدخله قبره، وأصح ما روي أنه نزل في قبره عمه العباس وعلي
وقثم) بقاف مضمومة ومثلثة مفتوحة (ابن العباس والفضل بن العباس) ويقال: دخل معهم
أوس بن خولي بفتح المعجمة وسكون الواو، وقيل بفتحها (وكان آخر الناس عهدًا
برسول اللّه عَّةِ قثم بن العباس) أي؛ أنه تأخر في القبر حتى خرجوا قبله.
(وروي أنه بنى في قبره تسع لبنات:) جمع لبنة (وفرش تحته قطيفة) بفتح القاف
وكسر المهملة وسكون التحتية ففاء كساء له خمل (نجرانية:) بفتح النون وإسكان الجيم بلد
بين اليمن وهجر (كان يتغطى بها) ويروى: كان يجلس عليها، ولا خلف لجواز أنه فعل الأمرين
(فرشها شقران) بضم الشين وإسكان القاف مولاه عَّةٍ (في القبر، وقال: والله لا يلبسها أحد
بعدك).
(قال النووي: وقد نص الشافعي وجميع أصحابه وغيرهم من العلماء على كراهة وضع
قطيفة أو مضربة أو مخدة ونحو ذلك تحت الميت في القبر وشذ) انفرد (البغوي من

١٦٨
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه معيّة.
البغوي من أصحابنا فقال في كتابه ((التهذيب)): لا بأس بذلك لهذا الحديث،
والصواب كراهية ذلك كما قاله الجمهور، وأجابوا عن هذا الحديث: بأن شقران
انفرد بفعل ذلك، ولم يوافقه أحد من الصحابة، ولا علموا بذلك، وإنما فعله شقران
لما ذكرناه عنه من كراهته أن يلبسها أحد بعد النبي معَّ الله. انتهى.
وفي كتاب ((تحقيق النصرة)) قال ابن عبد البر: ثم أخرجت، يعني القطيفة
من القبر لما فرغوا من وضع اللبنات التسع. حكاه ابن زبالة.
ولما دفن علَةٍ جاءت فاطمة رضي الله عنها فقالت: كيف طابت نفوسكم أن
تحثوا على رسول الله عَّله التراب؟ وأخذت من تراب القبر الشريف ووضعته على
عينيها وأنشأت تقول:
ماذا على من شم تربه أحمد أن لا يشم مدى الزمان غواليا
أصحابنا) الشافعية (فقال في كتابه التهذيب لا بأس بذلك) أي: يجوز (لهذا الحديث)
والصواب كراهة ذلك، كما قاله الجمهور، وأجابوا عن هذا الحديث؛ بأن شقران انفرد بفعل ذلك ولم
يوافقه أحد من الصحابة ولا علموا بذلك، وإنما فعله شقران لما ذكرنا عنه من كراهته أن يلبسها أحد بعد
النبي عَّهِ. انتهى). كلام النووي.
(وفي كتاب تحقيق النصرة) للزين المراغي (قال ابن عبد البر: ثم أخرجت، يعني
القطيفة من القبر لما فرغوا من وضع اللبنات التسع، حكاه) محمد بن الحسن (بن زبالة) بفتح
الزاي وخفة الموحدة المخزومي، أبو الحسن المدني، کذبوه ومات قبل المائتین، روی له أبو
داود، وفي الإِلفية:
وفرشت في قبره قطيفة وقيل أخرجت وهذا أثبت
(ولما دفن عَّ جاءت فاطمة رضي اللّه عنها، فقالت: كيف طابت) لفظ البخاري من
حديث أنس عقب قولها السابق إلى جبريل تتعلق، فلما دفن قالت فاطمة: أطابت (نفوسكم أن
تحثوا) بفتح الفوقية وإسكان المهملة وضم المثلثة (على رسول اللّه عَ لِّ التراب).
قال الحافظ: هذا من رواية أنس عن فاطمة، وأشارت بذلك إلى عتابهم على إقدامهم على
ذلك، لأنه يدل على خلاف ما عرفته منهم من رقة قلوبهم عليه لشدة محبتهم له، وسكت أنس
عن جوابها رعاية لها، ولسان حاله يقول: لم تطب أنفسنا بذلك إلا أنا قهرنا على فعله امتثالاً
لأمره (وأخذت من تراب القبر الشريف ووضعته على عينيها) هذا زائد على ما في البخاري
(وأنشأت تقول):
(ماذا عليَّ من شم تربة أحمد أن لا يشم مدى الزمان غواليا)

١٦٩
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه عظ اته.
صبت عليَّ مصائب لو أنها صبت على الأيام عدن لياليا
قال رزين: ورش قبره عَّهِ، رشه بلال بن رباح بقربة، بدأ من قبل رأسه.
حكاه ابن عساكر. وجعل عليه من حصباء العرصة حمراء وبيضاء. ورفع قبره عن
الأرض قدر شبر.
وفي حديث عائشة عند البخاري قالت: قال رسول الله عَّ في مرضه الذي
لم يقم منه: ((لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) لولا ذلك
لأبرز قبره، غير أنه خشي أو خُشي أن يُتخذ قبره مسجدًا.
كذا في رواية أبي عوانة عن هلال ((خَشي أو خُشي)) على الشك. فرواية
(صبت عليَّ مصائب لو أنها
اصبت على الأيام عدن لياليا)
الطيب، وروي أنها قالت:
الغوالي بمعجمة: جمع غالية أخلاط من
شمس النهار وأظلم العصران
أغبر آفاق السماء وكورت
والأرض من بعد النبي كئيبة أسفا عليه كثيرة الرجفان
فليبكه شرق البلاد وغربها وليبكه مضر وكل يماني
(قال رزين) بن مطوية السرقسطي: (ورش قبره عَّةِ، رشه بلال بن رباح بقربة، بدأ من
قبل رأسه، حكاه ابن عساكر وجعل عليه من حصباء العرصة حمراء وبيضاء) حال من
حصباء، يعني أنه أخذ من الحصباء الموصوفة بما ذكر شيء ووضع على قبره (ورفع قبره عن
الأرض قدر شبر) فهو مسنم.
(وفي حديث عائشة عند البخاري) في موضعين من الجنائز، وفي المغازي ومسلم في
الصلاة (قالت: قال رسول اللّه عَ لّ في مرضه الذي لم يقم منه) وفي رواية: الذي توفي فيه
(لعن الله اليهود والنصارى) يعني: أبعدهم عن رحمته (اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) بالجمع
للکشمیھني.
ورواه غيره مسجدًا بالإفراد على إرادة الجنس وهو في اليهود واضح، أما النصارى، فإنما
لهم نبي واحد ولا قبر له، مع أنهم لا يقولون أنه نبي، بل ابن أو إله، أو غير ذلك على اختلاف
مللهم الباطلة، وأجيب بعود الضمير على اليهود فقط بدليل رواية الاقتصار عليهم، وبأن المراد
من أمروا بالإِيمان بهم من الأنبياء السابقين، كنوح وإبراهيم (لولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خَشي)
عَّهِ (أو خُشي) بالبناء للمفعول والفاعل الصحابة أو عائشة؛ (أن يتخذ) بضم أوله وفتح ثالثه
قبره مسجدًا، كذا في رواية أبي عوانة) بفتح العين اسمه الوضاح بن عبد اللّه (عن هلال) بن

١٧٠
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه عَ الله.
(الضم)) مبهمة يمكن أن تفسر بأنها هي التي منعت من إبرازه، والهاء ضمير الشأن،
وكأنها أرادت نفسها ومن وافقها على ذلك. وهذا يقتضي أنهم فعلوه باجتهاد،
بخلاف رواية الفتح فإنها تقتضي أن النبي عَّهِ هو الذي أمرهم بذلك.
وقوله: ((لأبرز قبره)) لكشف قبره ولم يتخذ عليه الحائل. أو المراد: لدفن
خارج بيته معَ ◌ّله، وهذا قالته عائشة رضي الله عنها قبل أن يوسع المسجد، ولهذا لما
وسع المسجد جعلت حجرتها مثلثة الشكل محددة، حتى لا يتأتى لأحد أن
يصلي إلى جهة القبر الكريم مع استقباله القبلة.
وفي البخاري أيضًا من حديث أبي بكربن عياش عن سفيان التمار: أنه
حدثه أنه رأى قبر النبي عَّلَّهِ مسنمًا أي مرتفعًا. زاد أبو نعيم في ((المستخرج)):
وقبر أبي بكر وعمر كذلك.
واستدل به على أن المستحب تسنيم القبور، وهو قول أبي حنيفة ومالك
حميد الجهني، عن عروة، عن عائشة، عند البخاري في الموضع الثاني: (خشي أو خشي على
الشك) وعنده في الموضع الأول، عن شيبان، عن هلال: غير أني أخشى أن يتخذ مسجدًا
بالجزم (فرواية الضم) للخاء (مبهمة، يمكن أن تفسر بأنها) أي: عائشة (هي التي منعت من
إبرازه) بدليل رواية غير أني أخشى (والهاء) في قولها: غير أنه (ضمير الشأن، وكأنها أرادت
نفسها ومن وافقها على ذلك، وهذا يقتضي أنهم فعلوا ذلك باجتهاد) منهم (بخلاف رواية
الفتح) للخاء (فإنها تقضي أن النبي عَِّ هو الذي أمرهم بذلك).
(وقوله: لأَبرز قبره، أي: لكشف قبره ولم يتخذ عليه الحائل، أو المراد لدفن خارج
بيته عَّهِ، وهذا قالته عائشة قبل أن يوسع المسجد) النبوي (ولهذا لما وسع المسجد
جعلت حجرتها مثلثة الشكل محددة حتى لا يتأتى لأحد أن يصلي إلى جهة القبر الكريم مع
استقباله القبلة).
(وفي البخاري أيضًا) في الجنائز (من حديث أبي بكر بن عياش) بتحتية وشين معجمة
ابن سالم الأسدي، الكوفي، مشهور بكينته، والأصح أنها اسمه (عن سفين التمار) بالفوقية، قال
الحافظ: هو ابن دينار على الصحيح، وقيل: ابن زياد، والصواب أنه غيره، وكل منهما كوفي
وهو من كبار أتباع التابعين، وقد لحق عصر بعض الصحابة ولم أرَ له رواية عن صحابي؛ (أنه
حدثه أنه رأى قبر النبي عَِّ مسنمًا) بضم الميم وشد النون المفتوحة (أي: مرتفعًا).
(زاد أبو نعيم في المستخرج وقبر أبي بكر وعمر كذلك) مسنمًا كل منهما (واستدل
به على أن المستحب تسنيم القبور وهو قول أبي حنيفة ولملك وأحمد والمزني وكثير

١٧١
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه عَليه
وأحمد والمزني وكثير من الشافعية، وادعى القاضي حسين اتفاق الأصحاب عليه.
وتعقب: بأن جماعة من قدماء الشافعية استحبوا التسطيح كما نص عليه الشافعي.
وبه جزم الماوردي وآخرون.
وقول سفيان التمار لا حجة فيه، كما قال البيهقي لاحتمال أن قبره معَّه.
في الأول لم يكن مسنمًا. فقد روى أبو داود والحاكم من طريق القاسم بن
محمد بن أبي بكر قال: دخلت على عائشة فقلت: يا أمه، اكشفي لي عن قبر
النبي ◌َّهِ فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة، مبطوحة ببطحاء العرصة
الحمراء. زاد الحاكم: فرأيت رسول الله عَّه مقدمًا وأبا بكر رأسه بين كتفي
النبي عَّه، وعمر رأسه عند رجلي النبي عَّه. وهذا كان في خلافة معاوية. فكأنها
كانت في الأول مسطحة، ثم لما بني جدار القبر في إمارة عمر بن عبد العزيز
على المدينة من قبل الوليد بن عبد الملك صيروها مرتفعة.
من الشافعية، وادعى القاضي حسين اتفاق الأصحاب عليه، وتعقب بأن جماعة من قدماء
الشافعية استحبوا التسطيح كما نص عليه الشافعي، وبه جزم الماوردي وآخرون) لأن
النبي عَّله سطح قبر ابنه إبراهيم وفعله حجة لا فعل غيره، وأجيب بأن اللّه تعالى لا يختار لنبيه إلاّ
الأفضل، وفعله هو لبيان الجواز (وقول سفين التمار لا حجة فيه كما قال البيهقي لاحتمال أن
قبره عَِّ في الأول لم يكن مسنمًا) في الأزمنة الماضية قبل رؤية التمار (فقد روى أبو داود
والحاكم من طريق القسم بن محمد بن أبي بكر الصديق (قال: دخلت على عائشة) عمته
(فقلت: يا أمه اكشفي لي عن قبر النبي عَّهُ) وصاحبيه (فكشفت لي عن ثلاثة قبور
لا مشرفة) أي: لا هي مرتفعة كثيرًا (ولا لاطئة) أي: لاصقة بالأرض (مبطوحة ببطحاء العرصة
الحمراء) يقال: لطىء بكسر الطاء، ولطأ بفتحها، أي: لصق، وغاية ما يفيده هذا أنها لم تكن
غاية في الارتفاع وهو المطلوب، فكيف يتأتى احتمال أنه لم يكن مسنمًا.
(زاد الحاكم: فرأيت رسول اللّه) أي: قبره (عَِّ مقدمًا وأبا بكر رأسه بين كتفي
النبي عَّه وعمر رأسه عند رجلي النبي عَّة) قال أبو اليمين بن عساكر وهذه صفته.
النبي عَّهِ عمر رضي اللّه تعالى عنه
أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه
(وهذا) أي: رؤية القسم لها (كان في خلافة معوية، فكأنها كانت في الأول مسطحة) من أين
هذا الترجي (ثم لما بني جدار القبر في إمارة عمر بن عبد العزيز على المدينة من قبل)
بكسر ففتح (الوليد بن عبد الملك صيروها مرتفعة).

١٧٢
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه عَـ
وقد روى أبو بكر الآجري في كتاب ((صفة قبر النبي عَّ)) من طريق
إسحق بن عيسى بن بنت داود بن أبي هند، عن عثيم بن نسطاس المدني قال:
رأيت قبر النبي عَّهِ في إمارة عمر بن عبد العزيز: فرأيته مرتفعًا نحوًا من أربع
أصابع، ورأيت قبر أبي بكر وراء قبره، ورأيت قبر عمر وراء قبر أبي بكر أسفل منه.
ثم الاختلاف في ذلك في أيهما أفضل، لا في أصل الجواز، ورجح المزني
التسنيم من حيث المعنى، بأن المسطح يشبه ما يصنع للمجوس، بخلاف المسنم.
ويرجح التسطيح ما رواه مسلم من حديث فضالة بن عبيد أنه أمر بقبر
فسوي ثم قال: سمعت رسول الله عَّ له يأمر بتسويتها.
(وقد روى أبو بكر الآجري) بضم الجيم وتشديد الراء المهملة نسبة إلى عمل الآجر
وبيعه وإلى درب الآجر كما في اللب الحافظ الإِمام، المحدث القدوة، محمد بن الحسين بن
عبد الله البغدادي: كان عالماً عاملاً دينًا صاحب سنة، توفي في محرم سنة ست وثلاثمائة (في
كتاب صفة قبر النبي عٍَّ من طريق إسحق بن عيسى) القشيري البصري، صدوق يخطى، وهو
(ابن بنت داود بن أبي هند) البصري (عن عثيم) بمهملة فمثلثة مصغر (ابن نسطاس) بكسر
النون وسكون المهملة (المدني) وهو أخو عبيد مولى آل كثير بن الصلت، تابعي مقبول كما
في التقريب، ونسخة: بسطام تحريف (قال: رأيت قبر النبي عَّ في إمارة عمر بن عبد العزيز)
على المدينة من جهة ابن عمه الوليد (فرأيته مرتفعًا نحوًا من أربع أصابع، ورأيت قبر أبي بكر
وراء قبره، ورأيت قبر عمرو وراء قبر أبي بكر أسفل منه) ورواه أبو نعيم بزيادة وصوره لنا.
المصطفى
أبو بكر
عمر
(ثم الاختلاف في ذلك في أيهما أفضل لا في أصل الجواز) فإن كلا جائز (ورجح
المزني التسنيم من حيث المعنى؛ بأن المسطح يشبه ما يصنع للمجوس) وفي نسخة:
للجلوس، والذي في الفتح للمجوس (بخلاف المسنم) ورجحه ابن قدامة؛ بأنه يشبه أبنية أهل
الدنيا وهو من شعار أهل البدع، فكان التسنيم أولى، هكذا في الفتح قبل قوله: (ويرجح التسطيح
ما رواه مسلم من حديث فضالة) بفتح الفاء (ابن عبيد) بضم العين (أنه أمر بقبر فسوي، ثم
قال: سمعت رسول اللّه عَّله يأمر بتسويتها) وقد رد على من قال إنه صار شعار الروافض؛ بأن
السنة لا تترك بموافقة أهل البدع عليها.

١٧٣
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه معه.
وعن هشام بن عروة عن أبيه: لما سقط عليهم الحائط، يعني حائط حجرة
النبي عَّ في زمان الوليد بن عبد الملك، أخذوا في بنائه، فبدت لهم قدم ففزعوا
وظنوا أنها قدم النبي عَّه، فما وجدوا أحدًا يعلم ذلك حتى قال لهم عروة: والله
ما هي قدم النبي عَّهِ، والله ما هي إلا قدم عمر، وراه البخاري أيضًا.
والسبب في ذلك ما رواه الآجري من طريق شعيب بن إسحق عن هشام بن
عروة قال: أخبرني أبي قال: كان الناس يصلون إلى القبر الشريف، فأمر به عمر بن
عبد العزيز فرفع حتى لا يصلي إليه أحد، فلما هدم بدت قدم بساق وركبة، ففزع
عمر بن عبد العزيز فأتاه عروة فقال: هذه ساق عمر وركبته فسري عن عمر بن
عبد العزيز.
وروى الآجري قال رجاء بن حيوة: فكان قبر أبي بكر عند وسط النبي معَله،
(وعن هشام بن عروة عن أبيه، قال: لما سقط عليهم الحائط، يعني: حائط حجرة
النبي عٍَّ في زمان الوليد بن عبد الملك) بن مروان (أخذوا في بنائه، فبدت): ظهرت (لهم
قدم، ففزعوا وظنوا أنها قدم النبي عَّة، فما وجدوا أحدًا يعلم ذلك حتىٍ قال لهم عروة:)
فيه التفات، والأصل: حتى قلت لهم: (واللّه ما هي قدم النبي عَّ، ما هي إلاَّ قدم عمر).
(رواه البخاري أيضًا) من طريق علي بن مسهر، عن هشام، عن أبيه: (والسبب في ذلك
ما رواه الآجري من طريق شعيب بن إسحق عن هشام بن عروة، قال: أخبرني أبي، قال: كان
الناس يصلون إلى القبر الشريف، فأمر به عمر بن عبد العزيز، فرفع حتى لا يصلي إليه أحد،
فلما هدم بدت قدم بساق وركبة، ففزع عمر بن عبد العزيز، فأتاه عروة، فقال: هذه ساق عمر
وركبته، فسري عن عمر بن عبد العزيز) أي: أزيل عنه الفزع.
(وروى الآجري) أيضًا عن رجاء بن حيوة، قال: كتب الوليد بن عبد الملك إلى عمر بن
عبد العزيز وكان اشترى حجر أزواج النبي ◌َّله، أن اهدمها ووسع بها المسجد، فقعد ناحية ثم
أمر بهدمها، فما رأيت باكيًا أكثر من يومئذٍ، ثم بناه كما أراد، فلما أن بني البيت على القبر
وهدم البيت الأول ظهرت القبور الثلاثة وكان الرمل الذي كان عليها قد انهار، ففزع عمر بن
عبد العزيز وأراد أن يقوم فيسويها بنفسه، فقلت له: أصلحك الله، إن قمت قام الناس معك، فلو
أمرت رجلاً أن يصلحها ورجوت أن يأمرني بذلك، فقال: يا مزاحم، يعني: مولاه قم فأصلحها.
(قال رجاء بن حيوة) بفتح المهملة وسكون التحتية وفتح الواو، الكندي، التابعي، الثقة،
الفقيه، مات سنة ثنتي عشرة ومائة، روى له مسلم والأربعة: (فكان قبر أبي بكر عند وسط

١٧٤
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه عَّ.
وعمر خلف أبي بكر، رأسه عند وسطه، وهذا ظاهره يخالف حديث القاسم، فإن
أمكن الجمع، وإلا فحديث القاسم أصح.
وأما ما أخرجه أبو يعلى من وجه آخر عن عائشة: أبو بكر عن يمينيه وعمر
عن يساره فسنده ضعيف. انتهى ملخصًا من فتح الباري.
وقد اختلف أهل السير وغيرهم في صفة القبور المقدسة على سبع روايات،
أوردها ابن عساكر في ((تحفة الزائر)) ونقل أهل السير عن سعيد بن المسيب قال:
بقي في البيت موضع قبر في السهوة الشرقية يدفن فيه عيسى بن مريم عليهما
السلام، ویکون قبره الرابع.
النبي عَّةٍ وعمر خلف أبي بكر رأسه عند وسطه، وهذا ظاهره يخالف حديث القسم)
المتقدم أن أبا بكر رأسه عند كتفي المصطفى، ورأس عمر عند رجليه (فإن أمكن الجمع)
بالتجوز في الوسط بأن يراد به ما بين الكتفين والتجوز أيضًا على بعد في قوله: وعمر ... الخ.
(وإلاَّ) يمكن لبعده جدًا (فحديث القسم أصح) فيقدم عليه (وأما ما أخرجه أبو يعلى من
وجه آخر عن عائشة: أبو بكر عن يمينه عَّهِ وعمر عن يساره، فسنده ضعيف. انتهى ملخصًا
من فتح الباري).
(وقد اختلف أهل السير وغيرهم في صفة القبور المقدسة على سبع روايات، أوردها)
أبو اليمن (بن عساكر في) كتابه (تحفة الزائر) خمسة منها ضعيفة، والصحيح منها روايتان:
إحداهما ما تقدم عن القسم والأخرى: وبها جزم رزين وغيره وعليها الأكثر، كما قال
المصنف في الفصل الثاني، وقال النووي: إنها المشهورة والسمهودي إنها أشهر الروايات أن قبره
عَّةٍ إلى القبلة مقدمًا بجدارها، ثم قبر أبي بكر حذاء منكبي النبي عَّه وقبر عمر حذاء منكبي
أبي بكر وهذا صفتها.
المصطفى
الصديق
الفاروق
ومرت واحدة من الضعيفة ولا حاجة لذكر باقيها (ونقل أهل السير عن سعيد بن
المسيب) أنه (قال: بقي في البيت موضع قبر في السهوة) بفتح السين المهملة وإسكان
الهاء، قال في النهاية بيت صغير منحدر في الأرض قليلاً شبيه بالمخدع والحزانة، وقيل: هو
كالصفة يكون بين البيت، وقيل: شبيه بالرف أو الطاق يوضع فيهما الشيء (الشرقية، يدفن فيه
عيسى بن مريم عليهما السلام ويكون قبره الرابع، وفي المنتظم) اسم كتاب (لابن الجوزي

١٧٥
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه عليه.
وفي ((المنتظم)) لابن الجوزي: عن ابن عمر، أن رسول الله عَ لّه قال: ينزل
عيسى ابن مريم إلى الأرض، فيتزوج ويولد له ويمكث خمسًا وأربعين سنة ثم يموت
فيدفن معي في قبري، فأقوم أنا وعيسى ابن مريم من قبر واحد بين أبي بكر وعمر.
كذا ذكره في ((تحقيق النصرة)) والله أعلم.
فإن قلت: تقدم أنه عليه الصلاة والسلام توفي يوم الإثنين، ودفن يوم.
الأربعاء، فلمّ أخر دفنه؟ وقد قال لأهل بيت أخروا دفن ميتهم: عجلوا دفن ميتكم
ولا تؤخروه.
فالجواب: لما ذكر من عدم اتفاقهم على موته، أو لأنهم كانوا لا يعلمون
حيث يدفن، قال قوم بالبقيع وقال آخرون: بالمسجد، وقال قوم: يحمل إلى أبيه
إبراهيم حتى يدفن عنده، حتى قال العالم الأكبر صديق الأمة: سمعته يقول: ما
دفن نبي إلا حيث يموت. ذكره ابن ماجه والموطأ كما تقدم. وفي رواية الترمذي:
عن ابن عمر أن رسول اللّه عَّ قال: ينزل عيسى بن مريم إلى الأرض) آخر الزمان (فيتزوج
ویولد له ويمكث خمسًا وأربعين سنة).
وعند أحمد بسند صحيح عن أبي هريرة، رفعه أنه يمكث في الأرض أربعين سنة وهذا أصح،
وما في مسلم أنه يلبث سبع سنين فمؤول بقوله: فيه ليس بين اثنين عداوة (ثم يموت فيدفن معي في
قبري، فأقوم أنا وعيسى بن مريم من قبر واحد بين أبي بكر وعمر، كذا ذكره في تحقيق
النصرة) في تاريخ دار الهجرة (والله أعلم) بصحته والمنكر منه قوله خمسًا وأربعين.
(فإن قلت: تقدم أنه عليه الصلاة والسلام توفي في يوم الاثنين ودفن يوم الأربعاء،
فلم أخر دفنه، وقد قال لأهل بيت أخروا دفن ميتهم: عجلوا دفن ميتكم ولا تؤخروه).
وفي الصحيح: أسرعوا بجنائزكم، فإنما هو خير تقدموه إليه ... الحديث (فالجواب:)
أخروه (لما ذكر من عدم اتفاقهم على موته) فأخروه حتى تيقنوه (أو لأنهم كانوا لا يعلمون
حيث يدفن، قال قوم بالبقيع:) لأنه دفن فيه من مات بالمدينة في حياته من أصحابه.
(وقال آخرون: بالمسجد) لأنه أفضل المساجد أو من أفضلها (وقال قوم: يحمل إلى
أبيه إبراهيم حتى يدفن عنده، حتى قال العالم الأكبر صديق الأمة: سمعته) عَّ (يقول: ما
دفن نبي إلاّ حيث يموت) أي: في المكان الذي تقبض روحه فيه (ذكره) أي: رواه (ابن ماجه
والموطأ) أي: صاحبه (کما تقدم) بلا عزو.
(وفي رواية الترمذي: ما قبض اللّه نبيًا إلاَّ في الموضع الذي يحب أن يدفن فيه،

١٧٦
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه معَّة.
ما قبض الله نبيًا إلا في الموضع الذي يحب أن يدفن فيه، ادفنوه في موضع
فراشه.
أو لأنهم اشتغلوا في الخلاف الذي وقع بين المهاجرين والأنصار في البيعة،
فنظروا فيها حتى استقر الأمر في الخلافة ونظامها، فبايعوا أبا بكر، ثم بايعوه بالغد
بيعة أخرى على ملتهم، وكشف الله به الكربة من أهل الردة، ثم رجعوا بعد
ذلك إلى النبي مَّ له، فنظروا في دفنه فغسلوه وكفنوه ودفنوه.
ولما قبض عَّ الله تزينت الجنان ليوم قدوم روحه الكريمة، لا كزينة المدينة يوم
قدوم الملك.
إذا كان عرش الرحمن قد اهتز لموت بعض أتباعه فرحًا واستبشارًا لقدوم
روحه، فکیف بقدوم روح الأرواح.
ولما قدم عَّ ◌ُلِّ المدينة لعبت الحبشة بحرابهم فرحًا بقدومه. كما رواه أبو
داود من حديث أنس، وفي رواية الدارمي قال أنس: ما رأيت يومًا كان أحسن ولا
أضوأ من يوم دخل علينا فيه رسول الله عَّ المدينة، وما رأيت يومًا كان أقبح ولا
ادفنوه في موضع فراشه) فحفروا له تحته (أو لأنهم اشتغلوا في الخلاف الذي وقع بين
المهاجرين والأنصار في البيعة) فقال الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، فقال أبو بكر: نحن الأمراء
وأنتم الوزراء، سمعت رسول اللّه عَ لّه يقول: الأئمة من قريش (فنظروا فيها حتى استقر الأمر
في الخلافة ونظمها) وأجمعوا (فبايعوا أبا بكر، ثم بايعوه بالغد بيعة أخرى على ملتهم:)
جماعتهم، وقوله: (وكشف اللّه به الكربة من أهل الردة) لا محل له هنا، لأن قتاله لهم إنما وقع
بعد ذلك بمدة، فكيف يصح قوله: (ثم رجعوا بعد ذلك إلى النبي عَ له، فنظروا في دفنه،
فغسلوه وكفنوه ودفنوه، ولما قبض عَّ تزينت الجنان ليوم قدوم روحه المقدسة:) زينة
(لا كزينة المدينة يوم قدوم الملك) السلطان (إذا كان عرش الرحمن قد اهتز:) تحرك
(لموت بعض أتباعه) سعد بن معاذ (فرحًا واستبشارًا لقدوم روحه، فكيف بقدوم روح الأرواح،
ولما قدم عَّ المدينة لعبت الحبشة بحرابهم:) بكسر الحاء جمع حربة (فرحًا بقدومه، كما
رواه أبو داود من حديث أنس) بن ملك.
(وفي رواية الدارمي: قال أنس: ما رأيت يومًا كان أحسن ولا أضواً:) أشد ضياء وهو
فرط النور (من يوم دخل علينا فيه رسول اللّه عَّهُ المدينة، وما رأيت يومًا كان أقبح:) أشنع

١٧٧
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه عتي بي.
أظلم من يوم مات فيه رسول الله عَ لَه.
وفي رواية الترمذي: لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله عَ ليه المدينة
أضاء منها كل شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء، وما
نفضنا أيدينا من التراب، وإنا لفي دفنه، حتى أنكرنا قلوبنا.
ومن آياته عليه الصلاة والسلام ما ذكر من بعد موته، من حزن حماره عليه
حتى تردى في بئر وكذا ناقته فإنها لم تأكل ولم تشرب حتى ماتت.
ومن ذلك: ظهور ما أخبر أنه كائن بعد موته، مما لا نهاية له ولا عد
يحصيه، مما ذكرت بعضه في المقصد الثامن.
وفي حديث أبي موسى عند مسلم: أنه عَِّ قال: ((إن الله إذا أراد بأمة خيرًا
قبض نبيها قبلها، فجعله فرطًا وسلفًا بين يديها، وإذا أراد هلكة أمة عذبها ونبيها
(ولا أظلم:) أشد ظلمة (من يوم مات فيه رسول اللّه ◌َ له).
(وفي رواية الترمذي) في المناقب: وقال صحيح غريب عن أنس: (لما كان اليوم
الذي دخل فيه رسول اللّه عَّل المدينة أضاء منها كل شيء) بحلوله فيها، وفي البخاري عن
البراء: ما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم برسول اللّه عَ﴾. (فلما كان اليوم الذي مات
فيه أظلم منها كل شيء وما نفضنا أيدينا من التراب وإنا لفي دفنه حتى أنكرنا قلوبنا).
قال الحافظ: يريد أنهم وجدوها، تغيرت عما عهدوه في حياته من الإِلفة والصفاء والرقة
لفقدان ما كان يمدهم به من التعليم والتأييد (ومن آياته عليه الصلاة والسلام بعد موته ما ذكر
من حزن حماره) يعفور عليه (حتى تردى:) ألقى نفسه (في بئر) لأبي الهيثم بن التيهان يوم
مات عَّهِ، فكانت البئر قبرًا للحمار، وقع ذلك في حديث طويل ذكره ابن حبان في الضعفاء،
وقال: لا أصل له، وساقه المصنف في المعجزات (وكذا ناقته؛ فإنها لم تأكل ولم تشرب
حتى ماتت، ومن ذلك ظهور ما أخبر أنه كائن بعد موته مما لا نهاية له ولا عد يحصيه مما
ذكرت بعضه في المقصد الثامن).
(وفي حديث أبي موسى) عبد الله بن قيس الأشعري (عند مسلم) في فضائل
النبي ◌َّله، وهو كما قال القرطبي وغيره أحد الأحاديث الأربعة عشر الواقعة في مسلم، منقطعة
لأنه قال في أوله: حدثنا عن أبي أسامة، وممن روى ذلك عنه إبراهيم بن سعد الجوهري، قال:
حدثنا أبو أسامة، قال: حدثني بريد بن عبد اللّه عن أبي بردة عن أبي موسى (أنه عٍَّ قال: إن
اللّه إذا أراد بأمة خيرًا) لفظ مسلم؛ إن اللّه إذا أراد رحمة أمة من عباده (قبض نبيها قبلها،

١٧٨
الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف
حي، فأهلكها وهو ينظر، فأقر عينيه بهلكتها حين كذبوه وعصوا أمره)).
وإنما كان قبض النبي قبل أمته خيرًا، لأنهم إذا قبضوا قبله انقطعت أعمالهم،
وإذا أراد الله بهم خيرًا جعل خيرهم مستمرًا ببقائهم محافظين على ما أمروا به من
العبادات وحسن المعاملات نسلاً بعد نسل وعقبًا بعد عقب.
الفصل الثاني
في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف
اعلم أن زيارة قبره الشريف من أعظم القربات، وأرجى الطاعات، والسبيل
إلى أعلى الدرجات، ومن أعتقد غير هذا فقد انخلع من ربقة الإسلام، وخالف الله
ورسوله وجماعة العلماء الأعلام.
فجعله لها فرطًا) بفتحتين بمعنى الفارط المتقدم على الماء يهيىء السقي، قال الطيبي: يريد أنه
« ميع يتقدم، قال بعض المحققين: والظاهر منه المرجو أن له عَّ شفاعة ونفعًا غير مأمنة يوم
القيامة، فإنها لا تتفاوت بالموت قبل أو بعد، ولأن الفرط يهيىء قبل الورود، ويؤيده ما نقل من
حضوره عند الموت والميت (وسلفًا بين يديها) قيل: عطف مرادف أو أعم، وفائدة التقديم
الأنس وقلة كربة الغربة ونحو ذلك (وإذا أراد هلكة) بفتح الهاء واللام هلاك (أمة عذبها ونبيها
حي، فأهلكها وهو ينظر، فأقر عينه بهلكتها حين كذبوه وعصوا أمره) كما وقع لأمة نوح وهود
وصالح ولوط (وإنما كان قبض النبي قبل أمته خيرًا لأنهم إذا قبضوا قبله انقطعت أعمالهم،
وإذا أراد اللّه بهم خيرًا جعل خيرهم مستمرًا ببقائهم محافظين على ما أمروا به من العبادات
وحسن المعاملات نسلاً بعد نسل وعقبًا بعد عقب) تعقبه بعضهم بأنه لا خفاء أن قوله:
فجعله ... الخ، إشارة إلى علة التقدم، فقوله: أنهم إذا ماتوا انقطع عملهم والخير في بقائهم نسلاً
بعد نسل مستغنى عنه مع أن فيه ما فيه. انتهى، أي: من تعليله بخلاف ما علل به الحديث.
الفصل الثاني في بيان حكم زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف
المرتفع الزائد في الشرف على غيره (اعلم أن زيارة قبره الشريف من أعظم القربات
وأرجى الطاعات) عبر به تفننًا (والسبيل:) الطريق (إلى أعلى الدرجات، ومن اعتقد غير هذا
فقد انخلع من ربقة الإِسلام) بكسر الراء وإسكان الموحدة وفتح القاف، أي: عقدة، قال في
النهاية: الربقة في الأصل عروة من حبل تجعل في عنق البهيمة أو يدها تمسكها، فاستعارها
للإِسلام، يعني: ما يشد به المسلم نفسه من عرى الإِسلام، أي حدوده وأحكامه وأوامره ونواهيه
(وخالف اللّه ورسوله وجماعة العلماء الأعلام).

١٧٩
الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف
وقد أطلق بعض المالكية، وهو أبو عمران الفاسي، كما ذكره في المدخل
عن تهذيب الطالب لعبد الحق، أنها واجبة، قال: ولعله أراد وجوب السنن
المؤكدة.
وقال القاضي عياض: أنها سنة من سنن المسلمين مجمع عليها، وفضيلة
مرغب فيها.
وروى الدارقطني من حديث ابن عمر رضي الله عنه: أن رسول الله عَ ليه
قال: من زار قبري وجبت له شفاعتي، ورواه عبد الحق في أحكامه الوسطى، وفي
الصغری وسكت عنه وسكوته عن الحدیث فيهما دليل على صحته.
(وقد أطلق بعض المالكية وهو أبو عمران) موسى بن عيسى الفقيه (الفاسي) بالفاء إلى
فاس بالمغرب (كما ذكره في المدخل عن تهذيب الطالب لعبد الحق إنها) أي: الزيارة
(واجبة، قال: ولعله أراد وجوب السنن المؤكدة) طلبها بحيث أشبهت الواجب، وقد صرح
الجمال الأقفهسي في شرح الرسالة بأنها سنة مؤكدة.
(وقال القاضي عياض) في الشفاء (إنها سنة من سنن المسلمين مجمع عليها) أي:
على كونها سنة مأثورة (وفضيلة مرغب فيها) بصيغة المفعول مشدد، أي: رغب السلف فيها
وحثوا عليها.
(وروى الدارقطني) وأبو الشيخ وابن أبي الدنيا، كلهم (من حديث ابن عمر أن
رسول اللّه عَلَّ﴾ قال: من زار قبري وجبت) أي: تحققت وثبتت، فلا بدّ منها بالوعد الصادق
وليس المراد الوجوب الشرعي.
وروي: حلت (له شفاعتي) أي: أخصه بشفاعة ليست لغيره لا عمومًا ولا خصوصًا
تناسب عظيم عمله، إما بزيادة نعيم أو تخفيف هول، ذلك اليوم عنه، أو دخول الجنة
بلا حساب، أو رفع درجاته بها، أو بزيادة شهود الحق والنظر إليه أو بغير ذلك، أو المراد أن الزائر
يفرد بشفاعة عما يحصل لغيره، ويكون إفراده تشريفًا وتنويهًا بسبب الزيارة، أو المراد ببركة الزيارة
يجب دخول الزائر في عموم من تناله الشفاعة، وفائدته البشرى بموته على الإِسلام وإضافة الشفاعة
له لإِفادة أنها عظيمة، إذ هي تعظم بعظم الشافع ولا أعظم منه عليه الصلاة والسلام ولا أعظم من
شفاعته كما قاله السبكي وغيره.
(ورواه عبد الحق في أحكامه الوسطى، وفي الصغرى: وسكت عنه) أي: التكلم في
سنده بالقدح (وسكوته عن الحديث فيهما) أي: الوسطى والصغرى (دليل على صحته) أراد

١٨٠
٠
الفصل الثاني في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف
وفي المعجم الكبير للطبراني: أن النبي عَّهِ قال: ((من جاءني زائرًا لا تعمله
حاجة إلا زيارتي، كان حقًّا عليّ أن أكون شفيعًا له يوم القيامة)). وصححه ابن
السكن.
وروي عنه عَد: من وجد سعة ولم يفد إلي فقد جفاني. ذكره ابن فرحون
في مناسكه، والغزالي في الإحياء، ولم يخرجه العراقي، بل أشار إلى ما أخرجه ابن
النجار في تاريخ المدينة مما هو في معناه عن أنس بلفظ: ((ما من أحد من أمتي
له سعة ثم لم يزرني إلا وليس له عذر)).
بها ما قابل الضعف، فيشمل الحسن لغيره كهذا الحديث المنجبر بتعدد طرقه، وإلا فقد ضعفه
البيهقي، وقال الذهبي: طرقه كلها لينة، لكن يتقوى بعضها ببعض، لأن ما في رواتها متهم
بكذب، قال: ومن أجودها إسنادًا حديث حاطب: من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي،
وقال الحافظ: حديث غريب أخرجه ابن خزيمة في صحيحه.
وقال في القلب من سنده: وأنا أبرأ إلى اللّه من عهدته، فغقل من زعم أن ابن خزيمة
صححه.
وبالجملة قول ابن تيمية: موضع ليس بصواب، وقد عارضه السبكي بقوله: بل حسن أو
صحیح انتھی.
ولعل ذلك لتعدد طرقه وكثرة شواهده التي منها قوله (وفي المعجم الكبير للطبراني أن
النبي عَّ، قال: من جاءني زائرًا لا تعمله) بضم التاء، أي: لا تحمله على العمل حاجة (إلاّ
زيارتي) بأن لا يقصد ما لا تعلق له بالزيارة أصلاً، أما ما له تعلق بها، كقصد اعتكاف بالمسجد
النبوي وشد الرحل إليه وكثرة العبادة فيه وزيارة الصحابة ومسجد قباء وغير ذلك مما يندب للزائر
فعله، فلا يمنع قصده حصول الشفاعة كما نبه عليه في الجوهر المنظم (كان حقًّا) أي: ثابتاً لازمًا
(عليَّ أن أكون له شفيعًا يوم القيامة، وصححه ابن السكن) وهو من كبار الحافظ النقاد.
(وروي عنه عَّل: من وجد سعة) بفتح السين أفصح من كسرها (ولم يفد) بفتح الياء
وكسر الفاء يأت (إليّ فقد جفاني) أي: أعرض عني (ذكره ابن فرحون) بفتح الفاء، لأنه على
وزن فعلون كحمدون وشمعون وهو مفتوح، كما قال ابن الصلاح وغيره (في مناسكه، والغزالي
في الأحياء ولم يخرجه العراقي) زين الدين بلفظه: (بل أشار إلى ما أخرجه ابن النجار في
تاريخ المدينة مما هو في معناه عن أنس) مرفوعًا (بلفظ: ما من أحد من أمتي له سعة ثم لم
يزرني إلاَّ) بكسر الهمزة، وشد اللام (وليس له عذر) يعتذر به في عدم زيارتي، بمعنى؛ أنه يلام