Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه عبئته.
قال القرطبي أبو عبد الله المفسر: وفي هذا أدل دليل على شجاعة الصديق،
فإن الشجاعة حدها: ثبوت القلب عند حلول المصائب، ولا مصيبة أعظم من
موت النبي عَّهِ. فظهر عنده شجاعته وعلمه. قال الناس: لم يمت رسول الله عَّ﴾،
واضطرب الأمر فكشفه الصديق بهذه الآية، فرجع عمر عن مقالته التي قالها.
كما ذكره الوائلي أبو نصر عبد الله في كتاب ((الإنابة)) عن أنس بن مالك
أنه سمع عمر بن الخطاب حين بويع أبو بكر رضي الله عنه في مسجد
رسول الله عَ لّه واستوى على منبره عَّله، تشهد ثم قال: أما بعد، فإني قلت لكم
أمس مقالة وإنها لم تكن كما قلت، وإني والله ما وجدت المقالة التي قلت لكم
في كتاب الله، ولا في عهد عهده إليّ رسول الله عَّه، ولكني كنت أرجو أن
النبي عے قد مات.
(قال القرطبي: أبو عبد اللّه) محمد (المفسر) أي مؤلف التفسير وهو تلميذ القرطبي
صاحب المفهم على مسلم (وفي هذا أدل دليل على شجاعة الصديق، فإن الشجاعة حدها
ثبوت القلب عند حلول المصائب، ولا مصيبة أعظم من موت النبي عَبْدٍ، فظهر عنده
شجاعته وعلمه قال الناس) أي: أكثرهم: (لم يمت رسول اللّه عَّ واضطرب الأمر، فكشفه
الصديق بهذه الآية) وفي نسخة: فكشف، أي: عن الناس اضطرابهم، ففيه قوة جأشه وكثرة
علمه، وقد وافقه على ذلك العباس كما مر والمغيرة، كما رواه ابن سعد وابن أم مكتوم كما في
مغازي أبي الأسود عن عروة، قال: أن ابن أم مكتوم كان يتلو ﴿إِنك ميت وإنهم ميتون﴾ والناس
لا يلتفتون إليه، وكان أكثر الصحابة على خلاف ذلك، فيؤخذ منه أن الأقل عددًا في الاجتهاد
قد يصيب ويخطىء الأكثر، فلا يتعين الترجيح بالأكثر، ولا سيما إن ظهر أن بعضهم قلد بعضًا.
قاله الحافظ: (فرجع عمر عن مقالته التي قالها، كما ذكره الوائلي أبو نصر عبد اللّه
في كتاب الإِنابة عن أنس بن لملك أنه سمع عمر بن الخطاب حين بويع أبو بكر) على
الخلافة (في مسجد رسول اللّه عَّ واستوى على منبره: تشهد عمر).
أخرجه ابن إسحق في السيرة بنحوه، قال: حدثني الزهري، قال: حدثني أنس، قال: لما
بويع أبو بكر في السقيفة وكان الغد، جلس أبو بكر على المنبر، فقام عمر فتكلم قبل أبي بكر،
فحمد الله وأثنى عليه بما هو له أهل (ثم قال) عمر: (أما بعد فإني قلت لكم أمس مقالة وأنها
لم تكن كما قلت، وإني والله ما وجدت المقالة التي قلت لكم في كتاب اللّه) صريحًا،
وإنما كنت أستنبطها من قوله: ﴿ويكون الرسول عليكم شهيدًا﴾، فظننت أنه يبقى في أمته حتى
يشهد على آخر أعمالها كما عند ابن إسحق، عنه: (ولا في عهد عهده إليّ رسول اللّه عَلَّةٍ)

١٤٢
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه عليه.
- أي يكون آخرنا موتًا، أو كما قال - فاختار الله عز وجل لرسوله الذي عنده على
الذي عندكم، وهذا الكتاب الذي هدي به رسوله فخذوا به تهتدوا لما هدي له
رسوله د.
قال أبو نصر: المقالة التي قالها ثم رجع عنها هي: أن النبي ◌َّه لم يمت
ولن يموت حتى يقطع أيدي وأرجل، وكان ذلك لعظيم ما ورد عليه وخشى الفتنة
وظهور المنافقين، فلما شاهد عمر قوة يقين الصديق الأكبر وتفوهه بقول الله عز
وجل: ﴿كل نفس ذائقة الموت﴾ وقوله: ﴿إنك ميت وإنهم ميتون﴾ وخرج
الناس يتلونها في سكك المدينة كأنها لم تنزل قط إلا ذلك اليوم انتهى.
وقال ابن المنير: لما مات عَّ ◌ُلِّ طاشت العقول، فمنهم من خبل، ومنهم من
أقعد فلم يطق القيام، ومنهم من أخرس فلم يطق الكلام، ومنهم من أضنى، وكان
قال ذلك دعًا لتوهمهم أنه قال ذلك فيستمر الاضطراب (ولكني كنت أرجو أن يعيش
رسول اللّه مَظل حتى يدبرنا) بضم التحتية وسكون الدال وفتح الموحدة (أي: یکون آخرنا
موتًا، أو كما قال:) شك الراوي (فاختار اللّه عزّ وجلّ لرسوله الذي عنده على الذي عندكم،
وهذا الكتاب) القرءان (الذي هدى اللّه به رسوله، فخدوا به:) اعملوا بما فيه (تهتدوا لما هدي
له رسول اللّه عَ ) فتكونوا ورثته، وفي آخر هذا الخبر عند ابن إسحق: فبايع الناس أبا بكر البيعة
العامة بعد بيعة السقيفة، ثم تكلم أبو بكر ... الحديث.
(قال أبو نصر:) المذكور (المقالة التي قالها عمر، ثم رجع عنها هي) قوله: (أن النبي
عٍَّ لم يمت ولن يموت حتى يقطع أيدي الرجل) رجال، يعني: المنافقين (وكان) قوله:
(ذلك لعظيم ما ورد عليه وخشي الفتنة وظهور المنافقين، فلما شاهد عمر قوة يقين الصديق
الأكبر وتفوهه:) نطقه (بقول الله عزّ وجلّ: ﴿كل نفس ذائقة الموت) وقوله: ﴿إِنك ميت
وإنهم ميتون﴾، وخرج الناس يتلونها في سكك المدينة كأنها لم تنزل قط إلاّ ذلك اليوم.
انتھی).
وجواب: فلما شاهد محذوف دل عليه ما قبله، أي: رجع عن مقالته (وقال ابن المنير)
في معراجه: (لما مات عَِّ طاشت) ذهبت (العقول) أي: كادت تذهب، إذ لم تذهب بالفعل
(فمنهم من خبل) أي: قارب الخبل أو حصلت له حالة تشبه الخبل، قال في القاموس خبله
الحزن جنته وأفسد عقله (ومنهم من أقعد فلم يطق القيام، ومنهم من أخرس) منع النطق (فلم
يطق الكلام، ومنهم من أضنى) مرض (وكان عمر ممن خبل) أي: كاد لأنه لم يخبل بالفعل

١٤٣
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه معَ له.
عمر ممن خبل، وكان عثمان ممن أخرس، يذهب به ويجاء ولا يستطيع كلامًا،
وكان علي ممن أقعد فلم يستطع حراكًا، وأضني عبد الله بن أنيس فمات كمدًا.
وكان أثبتهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه، جاء وعيناه تهملان وزفراته تتردد
وغصصه تتصاعد وترتفع، فدخل على النبي عَّ فأكب عليه وكشف الثوب عن
وجهه وقال: طبت حيًّا وميتًا، وانقطع لموتك ما لم ينقطع لموت أحد من الأنبياء،
قبلك، فعظمت عن الصفة وجللت عن البكاء، ولو أن موتك كان اختيارًا لجدنا
لموتك بالنفوس. اذكرنا يا محمد عند ربك، ولنكن من بالك.
ووقع في حديث ابن عباس وعائشة عند البخاري: أن أبا بكر قبل النبي عَّ
بعد ما مات، كما قدمنا. وكذا وقع في رواية غيره.
وفي رواية يزيد بن بابنوس عنها، عند أحمد، أنه أتاه من قبل رأسه، فحدر
(وكان عثمن ممن أخرس يذهب به ويجيء ولا يستطيع كلامًا، وكان عليّ ممن أقعد فلم
يستطع حراكًا) بزنة سحاب، أي: حركة كما في القاموس (وأضنى عبد الله بن أنيس، فمات
كمدًا) بفتح الكاف والميم حزنًا (وكان أثبتهم أبو بكر جاء وعيناه تهملان) بضم الميم
(وزفراته) بزاي ففاء فراء أنفاسه (تتردد) مرة بعد مرة (وغصصه:) جمع غصة كغرف وغرفة
شجاه (تتصاعد وترتفع) عطف تفسير (فدخل على النبي عَّةِ، فأكب عليه وكشف الثوب
عن وجهه، وقال: طبت حيًّا وميتًا وانقطع لموتك ما لم ينقطع لموت أحد من الأنبياء قبلك)
وهو النبوة والرسالة لأنك آخر الأنبياء (فعظمت عن الصفة) النعت، أي: أن كل صفة تقصر عنك
(وجللت عن البكاء) لأنه لا يوازيك (ولو أن موتك كان اختيارًا) أي: لو خيرنا فيه وفي فدائك
(لجدنا لموتك بالنفوس، أذكرنا يا محمد عند ربك) تعالى (ولنكن من بالك).
(ووقع في حديث ابن عباس وعائشة عند البخاري أن أبا بكر قبل النبي عَِّ بعد ما
مات) قال الحافظ: ففيه كتقبيله لعثمن بن مظعون بعد موته جواز تقبيل الميت تعظيمًا وتبركًا
(كما قدمناه مطولاً) عنهما.
وقد رواه البخاري مختصرًا تلو المطول، بلفظ عن عائشة وابن عباس؛ أن أبا بكر قبل
النبي عَّل بعد موته (وكذا في رواية غيره) أي البخاري (وفي رواية يزيد) بتحتية وزاي (ابن
بابنوس) بموحدتين بينهما ألف غير مهموز وبعد الثانية المفتوحة نون مضمومة فواو ساكنة فسين
مهملة، البصري، مقبول الرواية، خرج له أبو داود والنسائي (عنها) أي عائشة (عند أحمد؛ أنه)
أي أبا بكر (أتاه) عَِّ (من قبل رأسه، فحدر) بمهملتين أبو بكر (فاه) أي: حط فم نفسه من

١٤٤
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه عظ فيه.
فاه وقبل جبهته ثم قال: وانبياه، ثم رفع رأسه فحدر فاه وقبل جبهته ثم قال:
واصفياه، ثم رفع رأسه فحدر فاه وقبل جبهته وقال: واخليلاه.
وعند ابن أبي شيبة عن ابن عمر: فوضع فاه على جبين رسول الله علي
ـلى الله
فجعل يقبله ويبكي ويقول: بأبي أنت وأمي، طبت حيًا وميتًا.
وعن عائشة: أن أبا بكر دخل على النبي عَِّ بعد وفاته، فوضع فاه بين
عينيه، ووضع يديه على صدغيه وقال: وانبياه واخليلاه واصفياه. أخرجه ابن عرفة
العبدي كما ذكره الطبري. قال: ولا تضاد بين هذا على تقدير صحته وبين ما
تقدم مما تضمن ثباته، بأن يكون قد قال ذلك من غير انزعاج ولا قلق خافتًا به
صوته، ثم التفت إليهم وقال لهم ما قال.
وأخرج البيهقي وأبو نعيم من طريق الواقدي عن شيوخه: أنهم شكوا في
٣، قال بعضهم: قد مات، وقال بعضهم: لم يمت، فوضعت أسماء بنت
موته لتر
عميس يدها بين كتفيه عَّ فقالت: قد توفي، قد رفع الخاتم من بين كتفيه، فكان
علو، أي: قيام (فقبل جبهته ثم قال: وانبياه، ثم رفع رأسه) أي: رأس نفسه (فحدر فاه) ثانيًا:
(وقبل جبهته، ثم قال: واصفياه، ثم رفع رأسه فحدر فاه وقبل جبهته) ثالثًا: (وقال واخليلاه).
(وعند ابن أبي شيبة عن ابن عمر) عبد الله: (فوضع) أبو بكر (فاه على جبين) هو
بمعنى جبهة (رسول اللّه مَّفيه، فجعل يقبله ويبكي ويقول: بأبي أنت وأمي طبت حيًا وميًا) فيه
جواز التفدية بهما، وقد يقال هي لفظة اعتادت العرب أن تقولها ولا تقصد معناها الحقيقي، إذ
حقيقة التقدية بعد الموت لا تتصور.
قاله الحافظ: (وعن عائشة أن أبا بكر دخل على النبي عَ ي. بعد وفاته، فوضع فاه بين
عينيه) أي المصطفى (ووضع يديه على صدغيه وقال: وانبياه واخليلاه واصفياه).
(أخرجه) الحسن (بن عرفة) بن يزيد (العبدي) أبو علي البغدادي، الصدوق، مات سنة سبع
وخمسين ومائتين وقد جاوز المائة (كما ذكره الطبري) في الرياض (قال: ولا تضاد) لا تخلف
(بين هذا على تقدير صحته وبين ما تقدم مما تضمن ثباته بأن) أي بسبب أن (يكون قد قال
ذلك من غير انزعاج ولا قلق خافتًا به صوته، ثم التفت إليهم وقال لهم ما قال).
(وأخرج البيهقي وأبو نعيم من طريق الواقدي) محمد بن عمر بن واقد الأسلمي (عن
شيوخه؛ أنهم شكوا في موته عَّله، قال بعضهم: قد مات، وقال بعضهم: لم يمت، فوضعت
أسماء بنت عميس) وكانت زوج الصديق يومئذٍ، وهي أم ابنه محمد وجدة القسم (يدها بين

١٤٥
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه
هذا هو الذي قد عرف به موته. وأخرجه ابن سعد عن الواقدي أيضًا.
ولما توفي عليه الصلاة والسلام قالت فاطمة: يا أبتاه، أجاب ربًا دعاه، يا
أبتاه، من جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه مَنْ إلى جبريل ننعاه. رواه البخاري.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: وقد قيل الصواب: إلى جبريل نعاه. جزم
بذلك سبط ابن الجوزي في مرآة الزمان. قال: والآول متوجه فلا معنى لتغليط
الرواة بالظن.
وزاد الطبراني: يا أبتاه، من ربه ما أدناه.
كتفيه، فقالت: قد توفي، قد رفع الخاتم من بين كتفيه) وأورد أن النبوة والرسالة باقيتان بعد
الموت حقيقة كما يبقى وصف الإِيمان للمؤمن بعد موته فلم رفع ما هو علامة، وأجيب بأنه لما
وضع لحكمة وهي تمام الحفظ والعصمة، وقد تم الأمر بالموت فلم يبق لبقائه في الجسد فائدة
(فكان هذا هو الذي عرف به موته) أي أنه من جملة ما عرف به، وإلا فقد عرفه الصديق بشم
ريح الموت من فمه، وبغير ذلك كما مر، أو المراد الذي عرف به للنساء.
(وأخرجه ابن سعد) محمد (عن) شيخه (الواقدي أيضًا) قال: حدثنا القُسم بن إسحق
عن أمه عن ابنها القسم بن محمد بن أبي بكر، عن أم معوية أنه لما مات رسول اللّه عَلَه، فذكره
والواقدي متروك، وذكر مغلطاي في الزهد: أن الحاكم روى في تاريخه عن عائشة أنها لمست
الخاتم حين توفي عَّه فوجدته قد رفع، قال الشامي: ولا أخًا له صحيحًا (ولما توفي عليه
الصلاة والسلام، قالت فاطمة: يا أبتاه) أصله يا أبي، والفوقية بدل من التحتية، والألف للندبة
والهاء للسكت (أجاب ربا دعاه) إلى حضرته القدسية (يا أبتاه من جنة الفردوس) بفتح ميم من
مبتدأ والخبر قوله: (مأواه:) منزله، وحكى الطيبي عن نسخة من المصابيح: كسر الميم على أنها
حرف جر، قال: والأول أولی. انتھی.
وعلى الثاني: فمن للتبعيض، أي: بعض جنة الفردوس خبر لقوله: مأواه (يا أبتاه من إلى
جبريل ننعاه) بفتح النون الأولى وسكون الثانية: وإلى جارة.
(رواه البخاري) عن أنس من أفراده (قال الحافظ ابن حجر: قد قيل الصواب إليّ)
بشد ياء المتكلم (جبريل) بالرفع فاعل (نعاه) أخبر بموته (جزم بذلك سبط ابن الجوزي في
مرآة الزمان، قال) الحافظ: (والأول متوجه) أي له وجه هو أنه لا يلزم أن الإخبار بالموت إنما
يكون لغير العالم به بلقد يذكر للعالم به تأسفًا على ما فقده من خصاله المحمودة وتذكيرًا لما
بينهما من المحبة والوصلة (فلا معنى لتغليط الرواة بالظن، وزاد الطبراني) والإسلمعيلي: (يا
أبتاه من ربه ما أدناه) ما أقربه.

١٤٦
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه ع طيه.
وقد عاشت فاطمة رضي الله عنها بعده عَّ له ستة أشهر فما ضحكت تلك
المدة، وحق لها ذلك.
على مثل ليلى يقتل المرء نفسه وإن كان من ليلى على الهجر طاويا
وأخرج أبو نعيم عن علي قال: لما قبض عَِّ صعد ملك الموت باكيًا إلى
السماء، والذي بعثه بالحق نبيًا لقد سمعت صوتًا من السماء ينادي: وامحمداه.
الحديث.
كل المصائب تهون عند هذه المصيبة.
وفي سنن ابن ماجه: أنه عَّ قال في مرضه: أيها الناس، إن أحد من الناس،
أو من المؤمنين أصيب بمصيبة فليعز بمصيبته بي عن المصيبة التي تصيبه بغيري،
فإن أحدًا من أمتي لن يصاب بمصيبة بعدي أشد عليه من مصيبتي.
وقال أبو الجوزاء: كان الرجل من أهل المدينة إذا أصابته مصيبة جاء أخوه
، صافحه ويقول: يا عبد الله، اتق الله، فإن في رسول الله أسوة حسنة. ويعجبني قول
قال الحافظ: يؤخذ منه أن تلك الألفاظ إذا كان الميت متصفًا بها أنه لا يمنع ذكره بها
بعد موته بخلاف ما إذا كانت فيه ظاهرًا وهو في الباطن بخلافه أولاً يتحقق اتصافه بها فتدخل
في المنع (وقد عاشت فاطمة بعده عَّةٍ ستة أشهر، فما ضحكت تلك المدة وحق لها) بضم
الحاء (ذلك) أي: عدم الضحك، وأنشد بيتًا لغيره:
(على مثل ليلى يقتل المرء نفسه وإن كان من ليلى على الهجر طاوي)
أي: على هجرها له مصرًا جاز ما به (وأخرج أبو نعيم عن علي، قال: لما قبض عَّه.
صعد ملك الموت باكيًا إلى السماء، والذي بعثه بالحق نبيًا لقد سمعت صوتًا من السماء
ينادي: وامحمداه ... الحديث كل المصائب تهون:) تسهل (عند هذه المصيبة) إذ
لا يساويها شيء (وفي سنن ابن ماجه) عن عائشة (أنه عَّ. قال في مرضه) الذي توفي فيه:
(أيها الناس إن أحد) وفي رواية: أيما أحد (من الناس أو من المؤمنين) شك الراوي (أصيب
بمصيبة فليتعز) يتصبر (بمصيبته بي عن المصيبة التي تصيبه بغيري، فإن أحدًا من أمتي لن
يصاب بمصيبة بعدي أشد عليه من مصيبتي) أي: مصيبته بي (وقال أبو الجوزاء) بجيم وزاي
أوس بن عبد الله الربعي بفتح الموحدة البصري، التابعي، الثقة.
(كان الرجل من أهل المدينة إذا أصابته المصيبة جاءه أخوه) في الإِسلام (فصافحه،
ويقول: يا عبد اللّه اتقِ اللّه) واصبر على ما أصابك (فإن في رسول اللّه عَّ أسوة حسنة،.

١٤٧
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه علـ
القائل:
أصبر لكل مصيبة وتجلد واعلم بأن المرء غير مخلد
واصبر كما صبر الكرام فإنها نوب تنوب اليوم تكشف في غد
وإذا أتتك مصيبة تشجى بها فاذكر مصابك بالنبي محمد
ويرحم القائل:
تذكرت لما فرق الدهر بيننا فعزيت نفسي بالنبي محمد
وقلت لها إن المنايا سبيلنا فمن لم يمت في يومه مات في غد
كادت الجمادات تتصدع من ألم مفارقته عَّهه فكيف بقلوب المؤمنين؟
ولما فقده الجذع الذي كان يخطب إليه قبل اتخاذ المنبر حنَّ إليه وصاح. كان
الحسن إذا حدث بهذا الحديث بكى وقال: هذه خشبة تحن إلى رسول الله عليه،
فأنتم أحق أن تشتاقوا إليه.
وروي أن بلالاً لما كان يؤذن بعد وفاته معَّهِ وقبل دفنه، فإذا قال: أشهد أن
محمدًا رسول الله، ارتج المسجد بالبكاء والنحيب. فلما دفن ترك بلال الأذان.
ويعجبني قول القائل:
واعلم بأن المرء غير مخلد
(اصبر لكل مصيبة وتجلد
نوب تنوب اليوم تكشف في غد
واصبر كما صبر الكرام فإنها
فاذكر مصابك بالنبي محمد)
وإذا أتتك مصيبة تشجى بها
تشجى بفتح التاء وسكون المعجمة تحزن بها (ويرحم اللّه القائل):
(تذكرت لما فرق الدهر بيننا فعزيت نفسي بالنبي محمد
وقلت لها إن المنايا سبيلنا فمن لم يمت في يومه مات في غد)
(كادت) قاربت: (الجمادات تتصدع) تنشق (من ألم مفارقته عَّ) مستأنف لقصد
الإخبار بالجزع عليه لكل موجود حتى لغير الحيوانات (فكيف بقلوب المؤمنين، ولما فقده
الجذع) واحد جذوع النخل (الذي كان يخطب عليه قبل اتخاذ المنبر حنّ إليه وصاح)
صوت حتى نزل إليه والتزمه ومرت قصته (كان الحسن) البصري (إذا حدث بهذا الحديث
بكى وقال: هذه خشبة تحن إلى رسول اللّه عَ ◌ّهِ، فأنتم أحق أن تشتاقوا إليه) لأنكم عقلاء.
(وروي أن بلالاً لما كان يؤذن بعد وفاته عَ ◌ّ وقبل دفنه، فإذا قال: أشهد أن محمدًا
رسول اللّه ارتج) بشد الجيم (المسجد) أي: أهله، أي: تحركوا واضطربوا (بالبكاء والنحيب،

١٤٨
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه علَهـ
ما أمرّ عيش من فارق الأحباب خصوصًا من كانت رؤيته حياة الألباب.
لو ذاق طعم الفراق رضوى لكان من وجده يميد
قد حملوني عذاب شوق يعجز عن حمله الحديد
وقد كانت وفاته عليه يوم الإثنين بلا خلاف، وقت دخوله المدينة في
هجرته حين اشتد الضحاء، ودفن يوم الثلاثاء، وقيل ليلة الأربعاء.
فعند ابن سعد في الطبقات، عن علي: توفي رسول الله عَّله يوم الإثنين،
ودفن يوم الثلاثاء. وعنده أيضًا عن عكرمة، توفي يوم الإثنين، فحبس بقية يومه
وليلته، ومن الغد حتى دفن من الليل، وعنده أيضًا: عن عثمان بن محمد الأخنسي:
توفي يوم الإثنين حين زاغت الشمس ودفن يوم الأربعاء. وروى أيضًا عن أبيّ بن
فلما دفن ترك بلال الأذان. ما أمر عيش من فارق الأحباب خصوصًا من كانت رؤيته حياة
الألباب:) العقول، وأنشد:
(لو ذاق طعم الفراق رضوى لكان من وجده يميد)
قد حملوني عذاب شوق يعجز عن حمله الحديد)
رضوى بفتح الراء جبل بالمدينة ويميد: يتحرك (وقد كانت وفاته عَّ ◌ٍ يوم الاثنين
بلا خلاف وقت دخوله المدينة في هجرته حين اشتد الضحاء) بالفتح والمد قرب الزوال
(ودفن يوم الثلاثاء، وقيل:) دفن (ليلة الأربعاء) فعند ابن سعد في الطبقات عن علي، قال:
(توفي رسول اللّه عَّ يوم الاثنين) وهذا مروي في الصحيح عن عائشة وأنس: (ودفن يوم
الثلاثاء).
وكذا رواه ابن سعد عن ابن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وزعم ابن كثير أنه
قول غريب (وعنه) أي ابن سعد (أيضًا عن عكرمة) أنه عَّهِ (توفي يوم الاثنين فحبس) أي:
منع من الدفن (بقية يومه وليلته) التالية له (ومن الغد) أي: يوم الثلاثاء (حتى دفن من الليل)
أي: ليلة الأربعاء، وزعم ابن كثير؛ أن هذا قول الجمهور (وعنده) أي: ابن سعد (أيضًا عن
عثمن بن محمد) بن المغيرة بن الأخنس (الأخنسي) بخاء معجمة ونون ومهملة نسبة إلى جده المذكور
الثقفي الحجازي، صدوق له أوهام.
روى له الأربعة (توفي يوم الاثنين حين زاغت:) مالت (الشمس، ودفن يوم الأربعاء)
ويأتي مثله عن سهل بن سعد، فحاصل الخلاف هل دفن يوم الثلاثاء أو ليلة الأربعاء أو يوم
الأربعاء، ويمكن الجمع على تقدير صحة الكل بالتجوز في دفن يوم الثلاثاء على أن معناه شرع

١٤٩
الترٍ
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه مُ
عباس بن سهل عن أبيه عن جده: توفي يوم الإثنين، فمكث بقية يوم الإثنين
والثلاثاء حتى دفن يوم الأربعاء. وعنده أيضًا: عن صالح بن كيسان عن ابن شهاب:
توفي يوم الإثنين حين زاغت الشمس.
ورثته عمته صفية بمراثي كثيرة منها قولها:
ألا يا رسول الله كنت رجاءنا وكنت بنا برًا ولم تك جافيا
وكنت رحيمًا هاديًا ومعلما ليبك عليك اليوم من كان باكيا
ولكن لما أخشى من الهجر آتيا
لعمرك ما أبكي النبي لفقده
كأن على قلبي لذكر محمد وما خفت من بعد النبي المكاويا
أفاطم صلى الله رب محمد
في دفنه في يومه ثم تأخر لاختلافهما في المحل الذي يدفن فيه وهل يجعل له لحد أو شق،
وطول الزمن بصلاتهم عليه فوجًا بعد فوج حتى دفن ليلة الأربعاء، وبالتجوز في قوله: يوم الأربعاء
على أن معناه في الليلة التي صبيحتها يوم الأربعاء والعلم للّه.
(وروى) ابن سعد (أيضًا عن أبي) بضم الهمزة وموحدة وتحتية ثقيلة (ابن عباس بن
(سهل) بن سعد الأنصاري، الساعدي، فيه ضعف ماله في البخاري غير حديث واحد تقدم في
الحيل النبوية، وروى له الترمذي وابن ماجه (عن أبيه) عباس الثقة.
روى له الشيخان وغيرهما (عن جده) الصحابي المشهور، قال: (توفي) عَّ (يوم
الاثنين، فمكث يوم الاثنين والثلاثاء حتى دفن يوم الأربعاء وعنده) أي: ابن سعد (أيضًا عن
صالح بن كيسان عن ابن شهاب، قال: توفي يوم الاثنين حين زاغت) بمعجمتين، أي: مالت
(الشمس) للزوال (ورثته عمته صفية بمراثي كثيرة، منها قولها:) لكن هذا إنما نسبه ابن سعد
وغيره لأختها أروى بنت عبد المطلب: (ألا يا رسول اللّه كنت رجاءنا) بالمد (وكنت بنا برًا)
محسنًا رفيقًا (ولم تك جافيًا) معرضًا عنا، أو طاردًا لنا (وكنت رحيمًا) بالخلق (هاديًا ومعلمًا)
لهم (ليبك عليك اليوم من كان باكيًا) فلا لوم عليه (لعمرك:) حياتك (ما أبكى النبي لفقده)
(أي: لمجرده (ولكنني لما أخشى من الهجر آتيًّا) مفعول أخشى قدم عليه متعلقة (كأن على قلبي
لذكر محمد وما خفت) عطف على ذكر، أي: ولما خفته (من بعد النبي) من الذل
والاختلاف وتغير الأحوال (المكاويا:) اسم كان مؤخر جمع مكواة وهي الحديدة التي يحرق
بها الجلد ونحوه.
والمعنى: كأن على قلبي نيرانًا من أثر المكاوي التي أحرقته لذكر محمد، وفي نسخة:
المقاليا (أفاطم) بضم الميم وفتحها على لغة من ينتظر ومن لا. (صلى اللّه رب محمد، على

١٥٠
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه مع اليه.
ندى لرسول الله أمي وخالتي
فلو أن رب الناس أبقى نبينا
عليك من الله السلام تحية
أرى حسنًا أيتمته وتركته
ورثاه أبو سفيان بن الحارث فقال:
على جدث أمسى بيثرب ثاويا
وعمي وخالي ثم نفسي وماليا
سعدنا ولكن أمره كان ماضيا
وأدخلت جنات من العدن راضيا
يبكي ويدعو جده اليوم نائيا
أرقت فبت ليلي لا يزول وليل أخي المصيبة فيه طول
أصيب المسلمون به قليل
عشية قيل قد قبض الرسول
تكاد بنا جوانبها تميل
يروح به ويغدوا جبرئيل
نفوس الناس أو كادت تسيل
وأسعدني البكاء وذاك فيما
لقد عظمت مصيبتنا وجلت
وأضحت أرضنا مما عراها
فقدنا الوحي والتنزيل فينا
وذاك أحق ما سالت عليه
نبي كان يجلو الشك عنا بما يوحى إليه وما يقول
ويهدينا فلا نخشى ضلالاً علينا والرسول لنا دليل
جدث) بجيم ودال ومثلثة لغة تهامة، وبها جاء القرءان يخرجون من الأجداث، ولغة نجد جدف
بالفاء بدل المثلثة، أي: قبر (أمسى بيثرب ثاويًا) مقيمًا (فدى) القصير (لرسول اللّه أمي وخالتي
وعمي وخالي ثم نفسي، وماليًا) بألف الإطلاق (فلو أن رب الناس أبقى نبينا سعدنا، ولكن
أمره كان ماضيًا عليك من اللّه السلام تحية، وأدخلت جنات من العدن راضيًا أرى
حسنًا) ابن فاطمة (أيتمته وتركته يبكي) بالتشديد (ويدعو جده اليوم نائيًا) بالنون، أي حال
کونه بعيدًا.
(ورثاه أبو سفين بن الحرث) بن عبد المطلب (فقال: أُرقت): سهرت (فبت ليلي
لا يزول) لا ينقضي (وليل أخي المصيبة فيه طول) كثير (وأسعدني:) أعانني (البكاء) بالمد
(وذاك فيما أصيب المسلمون به) إلى يوم القيامة (قليل، لقد عظمت مصيبتنا وجلت) على
كل مصيبة (عشية، قيل: قد قبض الرسول وأضحت أرضنا مما عراها:) أصابها (تكاد) تقرب
(بنا جوانبها تميل فقدنا الوحي والتنزيل) يحتمل أنه عطف مساو وأنه مغاير بجعل التنزيل القرءان
والوحي ما عداه (فينا يروح به) يأتي وقت الرواح من الظهر (ويغدو:) يأتي وقت الغدوة أول
النهار (جبرئيل وذاك أحق من سالت) أي: خرجت (عليه نفوس الناس أو كادت تسيل)
تحتمل أو الإضراب والتنويع (نبي كان يجلو الشك عنا بما يوحى إليه) على لسان الملك (وما
يقول) بالإِلهام والمنام ونحوهما وكله وحي (ويهدينا فلا نخشى ضلالاً علينا والرسول لنا

١٥١
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه معَّه.
أفاطم أن جزعت فذاك عذر وإن لم تجزعي ذاك السبيل
فقبر أبيك سيد كل قبر وفيه سيد الناس الرسول
ورثاه الصديق بقوله:
لما رأيت نبينا متجدلاً ضاقت علي بعرضهن الدور
والعظم مني ما حييت كسير
فالصبر عنك لما بقيت يسير
فارتاع قلبي عند ذاك لهلكه
أعتيق ويحك إن حبك قد ثوى
يا ليتني من قبل مهلك صاحبي
فلتحدثن بدائع من بعده
ورثاه الصديق أيضاً بقوله:
غيبت في حدث علي صخور
تعيا بهن جوانح وصدور
فودعنا من الله الكلام
ودعنا الوحي إذ وليت عنا
سوى ماقد تركت لنا رهينا تضمنه القراطيس الكرام
ولقد أحسن حسان بقوله يرثیه:
بطيبة رسم للرسول ومعهد
دليل) على الهدى والصراط المستقيم صراط اللّه (أفاطم إن جزعت) بكسر الزاي، يعني لم
تصبري (فذاك عذر) لأنها مصيبة لا تشابهها مصيبة (وإن لم تجزعي) بفتح الزاي، أي: صبرت
(ذاك السبيل) لكل مخلوق (فقبر أبيك سيد كل قبر) بل سيد جميع الأمكنة (وفيه سيد الناس
الرسول) بل سيد الخلق كلهم.
(ورثاه الصديق بقوله: لما رأيت نبينا متجدلاً) ملقيًا على الجدالة بفتح الجيم الأرض
(ضاقت عليّ بعرضهن) أي: سعتهن (الدور، فارتاع) جواب لما دخلته الفاء على قلة (قلبي
عند ذاك لهلكه) بضم الهاء وسكون اللام موته (والعظم مني ما حييت) مدة حياتي (كسير
أعتيق) ينادي نفسه لأنه لقبه أو اسمه (ويحك) وقعت في ورطة لا تستحقها (إن حبك) بكسر
الحاء محبوبك (قد توى) بفوقية بزنة حصى، أي هلك (فالصبر عنك لما بقيت يسير) أي: قل
صبرك لموت محبوبك (يا) نفسي (ليتني من قبل مهلك) أي: موت (صاحبي غيبت في
جدث) قبر (على صخور فلتحدثن) بنون التوكيد الثقيلة (بدائع:) جمع بدعة اسم من الابتداع،
كالرفعة من الارتفاع، ثم غلب استعمالها فيما هو نقص في الدين أو زيادة (من بعده تعيا بهن
جوانح) الضلوع تحت الترائب مما يلي الصدر (وصدور، ورثاه الصديق أيضًا بقوله: ودعنا
الوحي، إذ وليت عنا فودعنا) بالتشديد (من اللّه الكلام سوى ما قد تركت لنا رهينًا، تضمنه
القراطيس:) جمع قرطاس بكسر القاف أشهر من فتحها ما يكتب فيه (الكرام، ولقد أحسن
حسان بقوله: يرثيه بطيبة رسم) أثر (للرسول ومعهد) بفتح الهاء منزل معهود به الهدى والنور

١٥٢
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه معَة.
مبين وقد تعفو الرسوم وتهمد
ولا تنمحي الآيات من دار حرمه بها منبر الهادي الذي كان يصعد
وربع له فيه مصلى ومسجد
من الله نور يستضاء ويوقد
أتاها البلى فالآي منها تجدد
وقبرًا بها واره في الترب ملحد
على طلل القبر الذي فيه أحمد
بلاد ثوى فيها الرشيد المسدد
وأوضح آيات وباقي معالم
بها حجرات كان ينزل وسطها
معارف لم تطمس على العهد آيها
عرفت بها رسم الرسول وعهده
أطالت وقوفًا تذرف العين دمعها
فبوركت يا قبر الرسول وبوركت
وبورك لحد منك ضمن طيباًٌ عليه بناءً من صفيح منضد
تهيل عليه الترب أيد وأعين
(مبين) بين ظاهر لا يمكن إنكاره ما دامت الدنيا (وقد تعفو:) تدرس (الرسوم) غير رسمه ومعهده
(وتهمد) بهاء قبل الميم تبلى، قالها: مد البالي من كل شيء (ولا تنمحي) تذهب (الآيات من
دار حرمه) بفتح فسكون للوزن، وأصله بفتحتين (بها منبر الهادي الذي كان يصعد) بفتح العين
يرقى عليه (و) بها (أوضح آيات وباقي معالم) آثار (وربع) منزل (له فيه مصلى) مكان صلاة
(ومسجد بها حجرات، كان ينزل وسطها) بالسكون (من اللّه نور) القرءان والوحي (يستضاء) به
من ظلمات الجهل (ويوقد) يقتبس منه أنوار الهدى (معارف لم تطمس) أي لم تمح (على) بعد
(العهد آیھا:) جمع آية، فإن (أتاها البلى) بالكسر والقصر الفناء (فالآي منها تجدد) ما بلي
(عرفت بها رسم الرسول وعهده:) آثاره ومنزله (وقبرًا بها واراه في الترب ملحد) بضم الميم
وكسر الحاء من الحد، أي جعل اللحد، وبعد هذا عند ابن هشام:
ظللت بها أبكي الرسول فأسعدت عيون ومثلاها من الجن تسعد
لها محصيًا نفسي فنفسي تبلد
تذكرن آلاء الرسول ومـا أرى
مفجعة قد شقها فقد أحمد فظلت لا آلاء الرسول تعدد
وما بلغت من كل أمر عشيره ولكن لنفسي بعد هذا توجد
وبعد هذا قوله: (أطالت) أي: العيون المذكورة في قوله: فأسعدت عيون (وقوفًا تذرف)
بكسر الراء (العين دمعها) الذي في ابن هشام تذرف الدمع جهدها، وأيما كان فأخطأ من قال:
أحسن منه أطلت، لأن أطالت للمطايا ولم تذكر (على طلل القبر الذي فيه أحمد، فبوركت يا
قبر الرسول وبوركت بلاد ثوى:) أقام (فيها) حيًّا وميتًا (الرشيد المسدد) هما من أسمائه عليه
الصلاة والسلام كما مر (وبورك لحد منك ضمن) بشد الميم (طيبًا) من أسمائه (عليه بناءً من
صفيح) حجارة عريضة (منضد) بعضه فوق بعض (تهيل) تصب (عليه الترب) مفعول فاعله (أيد

١٥٣
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفائه ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه
تباكت وقد غارت بذلك أسعد
لقد غيبوا حلمًا وعلمًا ورحمة عشية عالوه الثرى لا يوسد
وقد وهنت منهم ظهور وأعضد
ومن قد بكته الأرض والناس أكمد
وراحوا بحزن ليس فيهم نبيهم
يبكون من تبكى السموات موته
فهل عدلت يومًا رزية هالك رزية يوم مات فيه محمد
وأعين تباكت، وقد غارت بذلك أسعد:) أنجم: جمع سعد، وسعود النجوم عشرة، بينها
القاموس: (لقد غيبوا حلمًا وعلمًا ورحمة عشية عالوه:) جعلوا عليه (الثرى:) التراب (لا يوسد،
وراحوا بحزن ليس فيهم نبيهم، وقد وهنت:) ضعفت (منهم ظهور، وأعضد:) جمع عضد
(يبكون من تبكي السموات موته ومن قد بكته الأرض، والناس أكمد) أشد كمدًا وهو الحزن
المكتوم (فهل عدلت يومًا رزية هالك) مصيبة ميت (رزية يوم مات فيه محمد) كذا ثبتت هذه
الأبيات في بعض نسخ المصنف، وهي من قصيدة عند ابن هشام من زيادته على ابن إسحق،
رواها ابن هشام عن أبي زيد الأنصاري وبقيتها عنده:
تقطع فيه منزل الوحي عنهم وقد كان ذا نور يغور وينجد
وينقذ من هول الـخزايا ويرشد
يدل على الرحمن من يقتدى به
إمام لهم يهديهم الحق جاهدًا
عفوّ عن الزلات يقبل عذرهم
وإن ناب أمر لم يقوموا بحمله
فيينا هموا في نعمة اللّه بينهم
عزيز عليه أن يجوروا عن الهدى
عطوف عليهم لا يثني جناحه
فبينا همو في ذلك النور إذ غدا
فأصبح محمودًا إلى اللّه راجعًا
وأمست بلاد الحرم وحشّا بقاعها
قفارًا سوى معمورة اللحد ضافها
ومسجده كالموحشات لفقده
فيا جمرة الكبرى له ثم أوحشت
فبكى رسول اللّه يا عين جهرة
معلم صدق إن يطيعوه يسعدوا
وإن يحسنوا فاللّه بالخير أجود
فمن عنده تيسير ما يتشدد
دليل به نهج الطريقة يقصد
حريص على أن يستقيموا ويهتدوا
إلى كتف يحنو عليهم ويمهد
إلى نورهم سهم من الموت يقصد
تبكيه جفن المرسلات ويجمد
لغيبة ما كانت من الوحي تعهد
فقيد يبكيه بلاط وغرقد
خلاء له فيه مقام ومقعد
ديار وعرصات وربع ومولد
ولا أعرفنك الدهر دمعك يجمد
ومالك لا تبكين ذا النعم التي على الناس منها سابغ يتغمد
فجودي عليه بالدموع وأعولي. لفقد الذي لا مثله الدهر يوجد

١٥٤
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه عَ فيه.
ورثاه حسان بقوله أيضاً:
كنت السواد لناظري فعمي عليك الناظر
ن شاء بعدك قليمت فعليك كنت أحاذر
ولما تحقق عمر بن الخطاب رضي الله عنه موته عَّه بقول أبي بكر، ورجع
إلى قوله، قال وهو يبكي: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد كان لك جذع
تخطب الناس عليه، فلما كثروا اتخذت منبرًا لتسمعهم، فحن الجذع لفراقك،
حتى جعلت يدك عليه سكن، فأمتك أولى بالحنين عليك حين فارقتهم، بأبي
أنت وأمي يا رسول الله لقد بلغ من فضيلتك عند ربك أن جعل طاعتك طاعته،
فقال: من يطع الرسول فقد أطاع الله، بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد بلغ من
وما فقد الماضون مثل محمد ولا مثله حتى القيامة يفقد
اعف وأوفى ذمة بعد ذمة وأقرب منه نائلاً لا ينكد
وأبذل منه للطريف وتالد إذا ضن ذو مال بما كان يتلد
وأكرم بيتًا في البيوت إذا انتمى وأكرم جدًا أبطحيا يسوّد
دعائم عز شامخات تشيد
وامنع ذروات وأثبت في العلا
وأثبت فرعًا في الفروع ومنبت
وعودا كعود المزن فالعود أغيد
رباه وليدًا فاستتم تمامه على أكرم الخيرات رب ممجد
فلا العلم محبور ولا الرأي يفند
تناهت وصاة المسلمين بكفه
أقول ولا يلقى لقولي عائب
وليس هواي نازعًا عن ثنائـه
من الناس إلا عازب العقل مبغد
لعلي به في جنة الخلد أخلد
مع المصطفى أرجو بذاك جواره وفي نيل ذاك اليوم أسعى وأجهد
(ورثاه حسان أيضًا بقوله):
(كنت السواد لناظري فعمي عليك الناظر
من شاء بعدك فليمت فعليك كنت أحاذر)
( لا يرد على هذا كله ما رواه ابن ماجه وصححه الحاكم عن ابن أبي أوفى أنه معَّهِ نهى
عن المراثي، لأن المراد مرائي الجاهلية، وهي ندبهم الميت بما ليس فيه نحو: واكهفاه واجبلاه
لا مطلقًا، فقد رثى حسان حمزة وجعفرًا وغيرهما في زمنه عَّله ولم ينهه (ولما تحقق عمر بن
الخطاب موته عَّ بقول أبي بكر الصديق: ورجع إلى قوله: قال وهو يبكي بأبي أنت
وأمي) أي: لو كان لي إلى الفداء سبيل لفديتك بأبوي فضلاً عن المال وغيره (يا رسول اللّه لقد

١٥٥
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه عَ لَّه.
فضيلتك عنده أن بعثك آخر الأنبياء وذكرك في أولهم، فقال تعالى: ﴿وإذ أخذنا
من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح﴾ الآية، بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد بلغ
من فضيلتك عنده، أن أهل النار يودون أن يكونوا أطاعوك وهم بين أطباقها يعذبون،
يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسول. الخبر ذكره أبو العباس القصار في شرحه
البردة الأبوصيري، ونقله عن الرشاطي في كتابه ((اقتباس الأنوار والتماس الأزهار)»
وذكره ابن الحاج في المدخل وساقه بتمامه، والقاضي عياض في ((الشفاء)) لكنه
ذكر بعضه، ويقع في كثير من نسخ الشفاء: روي عن عمر بن الخطاب
كان لك جذع تخطب الناس عليه، فلما كثروا اتخذت منبرًا لتسمعهم فحن الجذع
لفراقك حتى جعلت يدك عليه سكن) أي: سكت وترك الحنين (فأمتك أولى:) أحق
(بالحنين) التألم (عليك حين فارقتهم).
قال المجد: الحنين الشوق وشدة البكاء والطرب أو هو صوت الطرب عن حزن أو
فرح (بأبي أنت وأمي يا رسول اللّه لقد بلغ من فضيلتك عند ربك أن جعل طاعتك طاعته،
فقال: من يطع الرسول فقد أطاع اللّه) مر شرحه (بأبي أنت وأمي يا رسول اللّه لقد بلغ من
فضيلتك عنده أن) مخففة من الثقيلة، أي: أنه (بعثك آخر الأنبياء، وذكرك في أولهم) أي:
قدم ذكرك على ذكرهم (فقال تعالى: (﴿وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح﴾)
[الأحزاب / ٧] فبدأ به بقوله: ومنك (بأبي أنت وأمي يا رسول اللّه لقد بلغ من فضيلتك عنده
أن أهل النار) من أمة الدعوة (يودون:) يتمنون (أن يكونوا أطاعوك وهم) أي: والحال أنهم
(بين أطباقها:) جمع طبق وهي المنزلة والمرتبة واحدًا بعد واحد وما تراكم بعضه على بعض
(يعذبون) بيان لما أورثهم دخولها وذكره لكشف حالهم، ولو حذف تم المعنى بدونه (يقولون:
يا ليتنا أطعنا اللّه وأطعنا الرسول) وقيل: المراد بأهل النار جميع أهلها على معنى أنهم تمنوا أن
يكونوا من مطيعيه لرؤيتهم حسن حال أمته الذين أطاعوه، فتمنوا أنهم أدركوا زمانه وأطاعوه، ففيه
فضله على سائر الأنبياء، وإلاَّ فكل طائفة جهنمية تود لو كانت أطاعت رسولها ... (الخبر ذكره
أبو العباس القصار في شرحه لبردة الأبوصيري) صوابه البوصيري كما مر كثيرًا لأنه نسبة إلى
بوصير.
(ونقله عن الرشاطي) بضم الراء (في كتابه اقتباس الأنوار والتماس الأزهار، وذكره ابن
الحاج في المدخل وساقه بتمامه، والقاضي عياض في الشفاء، لكنه ذكر بعضه، ويقع في
كثير من نسخ الشفاء).
(روى عن عمر بن الخطاب أنه قال في كلام بكى به النبي عّلّد - بتشديد الكاف -

١٥٦
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه عظافيه.
رضي الله عنه أنه قال في كلام بكى به النبي عَّ ◌ُلم، بتشديد الكاف من بكى،
والصواب فيها التخفيف، لأن هذا الكلام إنما سمع من عمر رضي الله عنه بعد
موته عَّله كما تقدم، ونبهت عليه في حاشية الشفاء والله أعلم. ويؤيد هذا قوله
في الخبر نفسه: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد اتبعك في عصر عمرك ما لم
يتبع نوحًا في كبر سنه وطول عمره، فلقد آمن بك الكثير وما آمن معه إلا القليل.
وأخرج ابن عساكر عن أبي ذؤيب الهذلي قال: بلغنا أن النبي عَِّ عليل،
من بكى، والصواب فيها التخفيف، لأن هذا الكلام إنما سمع من عمر بعد موته عَّله كما
تقدم، ونبهت عليه في حاشية الشفاء) وأجاب بعض شراحها؛ بأن التشديد يصح بحذف
المفعول، أي: بكى به الناس النبي، أي: صيرهم باكين عليه، أو بكى نفسه كذلك، وهذا خير
من دعوى الخطأ (والله أعلم).
(ويؤيد هذا قوله في الخبر نفسه: بأبي أنت وأمي يا رسول اللّه لقد اتبعك في) أي
مع (عصر عمرك) مدة النبوة ثلاث وعشرون ستة آمن فيها أزيد من مائة وعشرين ألفًا (ما لم يتبعٍ
نوحًا في كبر سنه وطول عمره) فقد لبث في قومه ألف سنة إلاَّ خمسين عامًا وما آمن معه إلاّ
قليل، قيل سنة: رجال ونساؤهم، وقيل: تسعة وسبعون زوجته المسلمة وبنوه حام وسام ويافث
ونساؤهم واثنان وسبعون من غيرهم نصفهم رجال ونصفهم نساء ونوح فجملة من كان في
السفينة ثمانون. (وأخرج ابن عساكر عن أبي ذؤيب الهذلي) الشاعر المشهور، اسمه
خويلد بن خالد، ويقال: خالد بن خويلد كان فصيحًا كثير الغريب متمكنًا في الشعر، وعاش في
الجاهلية دهرًا، وأدرك الإِسلام فأسلم، وعامة شعره في إسلامه وحضر سقيفة بني ساعدة وسمع
خطبة أبي بكر ورثى النبي عَّه بقصيدة منها:
كسفت لمصرعه النجوم وبدرها وتزعزعت آطام بطن الأبطح
ثم انصرف إلى باديته، فأقام حتى توفي في خلافة عثمن بطريق مكة، قاله ابن منده، وقال
غيره: مات بطريق إفريقية وكان غزاها، ورافق ابن الزبير لما توجه مبشرًا بالفتح، فدفنه ابن الزبير
بيده، وقيل: مات غازيًا بأرض الروم، وقيل: يافريقية، وقيل: في طريق مصر.
وعند ابن البرقي؛ أن أبا ذؤيب جاء إلى عمر في خلافته، فقال: أي العمل أفضل؟، قال:
إيمان بالله، قال: قد فعلت، فأي العمل بعده أفضل؟، قال: الجهاد في سبيل الله، قال: كان ذلك
علي وأنا لا أرجو جنة ولا أخشى نارًا، فتوجه من فوره غازيًا هو وابنه وابن أخيه أبو عبيد حتى
أدركه الموت في بلاد الروم والجيش سائرون، فقال لابنه: إنكما لا تتركان علي جميعًا فاقترعا،
فصارت القرعة لأبي عبيد، فأقام عليه حتى واراه.

١٥٧
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه معَ فيه.
فأوجس أَهل الحي خيفة على النبي عَّهِ، وبت بليلة طويلة حتى إذا كان قرب
السحر نمت فهتف بي هاتف في منامي وهو يقول:
خطب أجل أناخ بالإسلام بين النخيل ومقعد الآطام
قبض النبي محمد فعيوننا تذري الدموع عليه بالتسجام
فوثبت من نومي فزعًا، فنظرت إلى السماء فلم أر إلا سعد الذابح فعلمت
أن النبي عَّه قبض !! أو هو ميت، فقدمت المدينة ولأهلها ضجيج بالبكاء
كضجيج الحجيج إذا أهلوا للإحرام، فقلت: مه؟ فقيل: قبض رسول الله عَّه.
ومن عجيب ما اتفق ما روي: أنهم لما أرادوا غسل النبي عَّهِ قالوا: لا ندري،
انجرد رسول الله عٍَّ من ثيابه، كما نجرد موتانا أم نغسله عليه ثيابه، فلما اختلفوا ألقى الله
عليهم النوم حتى ما منهم رجل إلا وذقنه في صدره، ثم كلمهم مكلم من ناحية البيت، لا
يدرون من هو: اغسلوا النبي عَّةٍ، وعليه ثيابه، فقاموا وغسلوه وعليه قميصه، يضعون الماء
(قال: بلغنا أن النبي عَّ عليل) مريض (فأوجس:) أضمر (أهل الحي خيفة:) خوفًا
(على النبي عَّه، وبت بليلة طويلة حتى إذا كان قرب السحر) آخر الليل (نمت، فهتف بي
هاتف في منامي وهو يقول:)
(خطب أجل أناخ بالإِسلام بين النخيل ومقعد الآطام)
(قبض النبي محمد فعيوننا تذري الدموع عليه بالنسجام)
خطب، أي: أمر شديد عظيم والنسجام سيلان الدمع المنسجم القوي وهو بفتح التاء
ككل ما وزنه تفعال إلّ التلقاء والتسباب (فوثبت من نومي فزعًا، فنظرت إلى السماء فلم أرَ
إلاَّ سعد الذابح) اسم نجم، فتفاءلت به ذبحًا يقع في العرب كما في الرواية (فعلمت أن
النبي ◌َّ قبض، أو هو ميت) أي: قريب الموت (فقدمت المدينة ولأهلها ضجيج) بضاد
معجمة وجيمين، صياح (بالبكاء كضجيج الحجيج إذا أهلوا للإِحرام، فقلت: مه) استفهام
والهاء للسكت، أي: ما هذا (فقيل: قبض رسول اللّه عَّله، ومن عجيب ما اتفق ما روى: أنهم
لما أرادوا غسل النبي عَّهِ قالوا: لا ندري) ما نفعل (أنجرد رسول اللّه ◌َظّ من ثيابه كما
تجرد موتانا أم نغسله عليه ثيابه، فلما اختلفوا ألقى اللّه عليهم النوم حتى ما منهم رجل إلاَّ
وذقنه) بفتح الذال والقاف مجتمع لحييه جمع القلة أذقان كسبب وأسباب، والكثرة ذقون كأسد
وأسود كما في المصباح (في صدره، ثم كلمهم مكلم من ناحية) جانب (البيت لا يدرون
من هو: اغسلوا النبي ◌ٍَّ وعليه ثيابه، فقاموا) انتبهوا من النوم (فغسلوه وعليه قميصه،

١٥٨
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه عباده.
فوق القميص ويدلكونه بالقميص. رواه البيهقي في دلائل النبوة.
وروى ابن ماجه بسند جيد عن علي يرفعه: «إذا أنا مت فاغسلوني بسبع
قرب من بئري بئر غرس)). قال في النهاية: بفتح الغين المعجمة وسكون الراء
والسين المهملة.
وقد روى ابن النجار: أنه عليه الصلاة والسلام قال: ((رأيت الليلة أني على
بئر من الجنة))، فأصبح على بئر غرس فتوضأ منها وبزق فيها.
وغسل عَّ ◌ُلِّ ثلاث غسلات، الأولى بالماء القراح، والثانية بالماء والسدر،
والثالثة بالماء والكافور، وغسله علي، والعباس وابنه الفضل يعينانه، وقثم وأسامة
وشقران مولاه عَّ يصبون الماء وأعينهم معصوبة من وراء الستر. لحديث علي: ((لا
يغسلني إلا أنت فإنه لا يرى أحد عورتي إلا طمست عيناه)). رواه البزار والبيهقي.
يضعون الماء فوق القميص ويدلكونه بالقميص.
رواه البيهقي في دلائل النبوة) وأصله في أبي داود عن عائشة وابن ماجه عن بريدة
(وروى ابن ماجه بسند جيد) أي مقبول (عن علي يرفعه: إذا أنا مت فاغسلوني بسبع قرب
من بئري) أضافها إليه لأنه كان يشرب منها وبزق فيها (بئر غرس.
(قال في النهاية: بفتح الغين المعجمة وسكون الراء والسين المهملة) بئر بقباء (وقد
روى ابن النجار أنه عليه الصلاة والسلام قال: رأيت الليلة أني على بئر من الجنة، فأصبح)
أي: جاء صبيحة الرؤيا (على بئر غرس، فتوضأ منها وبزق فيها) ليحصل فيها بركته (وغسل)
بالتخفيف وتشدد للمبالغة (عَّ ثلاث غسلات، الأولى بالماء القراح) بفتح القاف خالص لم
يخالطه كافور ولا حنوط ولا غير ذلك (والثانية بالماء والسدر، والثالثة بالماء والكافور) طيب
معروف يكون من شجر ببلاد الهند والصين، يظل خلقًا كثيرًا وتألفه النمور وخشبه أبيض هش
ويوجد في أجوافه الكافور، وهو أنواع ولونه أحمر، وإنما يبيض بالتصعيد، قاله القاموس: (وغسله
علي والعباس) مبتدأ (وابنه الفضل) عطف عليه والخبر (يعينانه) في تقليب جسمه الشريف
(وقثم) بضم القاف ومثلثة مفتوحة ابن العباس (وأسامة) بن زيد (وشقران) بضم المعجمة (مولاه
عَّهِ يصبون الماء وأعينهم معصوبة) أي: مربوطة بعصابة (من وراء الستر) حتى لا ينظرون
جسده الشريف وهو يغسل خيفة أن يبدو ما لم يؤذن في النظر إليه، وضمير أعينهم للعباس ومن
بعده لا لعلي، فإنه لم يعصب عينيه (لحديث علي) أوصاني النبي عَّهِ (لا يغسلني إلا أنت،
فإنه لا يرى أحد عورتي إلاّ طمست عيناه) بفتح الطاء والميم زال ضوؤها وصورتها وهو تعليل

١٥٩
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه عَّاللّه.
وأخرج البيهقي عن الشعبي قال: غسل علي النبي عٍَّ فكان يقول وهو
يغسله عَ لّ: بأبي أنت وأمي طبت حيًّا وميتًا.
أخرج أبو داود، وصححه الحاكم عن علي قال: غسلته عَّ له فذهبت أنظر ما
يكون من الميت، فلم أر شيئًا، وكان طيبًا حيًّا وميتًا.
وفي رواية ابن سعد: وسطعت ريح طيبة لم يجدوا مثلها قط.
قيل: وجعل علي على يده خرقة وأدخلها تحت القميص ثم اعتصروا
قميصه، وحنطوا مساجده ومفاصله، ووضؤوا منه ذراعيه ووجهه وكفيه وقدميه
وجمروه عودًا وندًا.
وذكر ابن الجوزي أنه روي عن جعفر بن محمد قال: كان الماء يستنقع في
جفون النبي ◌َ ◌ّه فكان علي يحسوه. وأما ما روي أن عليًا لما غسله عَظّ امتص
لمقدر هو، فإني أخشى على غيرك أن تحين منه لفتة فتطمس عيناه، وأما أنت يا علي فأعرف
تحرزك عن ذلك فلا أخشى عليك.
وروي أن علياً نودي وهو يغسله أن ارفع طرفك نحو السماء خوفًا أن يديم النظر إليه.
(رواه البزار والبيهقي، وأخرج البيهقي عن الشعبي) عامر بن شراحيل التابعي (قال:
غسل علي النبي عَّةِ، فكان يقول وهو يغسله: بأبي أنت وأمي طبت حيًّا وميتًا).
(وأخرج أبو داود وصححه الحاكم عن علي، قال: غسلته عَّةٍ، فذهبت أنظر ما
يكون) يوجد (من الميت) من الفضلات الخارجة بعد الموت وعند التغسيل (فلم أرَ شيئًا
وكان طيبًا حيًّا وميتًا).
(وفي رواية ابن سعد: وسطعت) أي: ارتفعت (ريح طيبة لم يجدوا مثلها قط، قيل:
وجعل علي على يده خرقة، وأدخلها تحت القميص ثم واعتصروا قميصه وحنطوا) أي: جعلوا
الحنوط وهو كل طيب يخلط للميت خاصة (مساجده ومفاصله، ووضؤوا منه) عَّ (ذراعيه
ووجهه وكفيه وقدميه وجمروه) بالجيم بخروه (عودا وندا) بفتح النون وتكسر طیب معروف أو
العنبر كما في القاموس.
(وذكر ابن الجوزي أنه روي عن جعفر الصادق (بن محمد) الباقر (قال: كان الماء
يستتقع) أي: يجتمع بكسر القاف (في جفون النبي عَّه، فكان علي يحسوه) أي: يشربه
بفمه.
(وأما ما روي؛ أن عليًا لما غسله عليه الصلاة والسلام امتص) أي: مص، وفي نسخة:

١٦٠
الفصل الأول في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه معَّه.
ماء محاجر عينيه فشربه، وأنه قد ورث بذلك علم الأولين والآخرين، فقال النووي:
لیس بصحیح.
وفي حديث عروة عن عائشة قالت: كفن رسول الله عَّ في ثلاثة أثواب
بيض سحولية، أخرجه النسائي من رواية عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن
عروة. واتفق عليه الأئمة الستة من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة
بزيادة: من كرسف ليس فيها قميص ولا عمامة. وليس قوله ((من كرسف) عند
الترمذي ولابن ماجه.
وزاد مسلم: أما الحلة فإنما شُبِّه على الناس فيها أنها اشتريت له ليكفن
فيها، فتركت الحلة وكفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية، فأخذها عبد الله بن أبي
بكر فقال: لأحبسنها حتى أكفن فيها نفسي، ثم قال: لو رضيها الله عز وجل لنبيه
لكفنه فيها فباعها وتصدق بثمنها.
اقتلص، أي: أخذ من الاقتلاص (ماء من محاجر عينيه فشربه، وأنه قد ورث بذلك علم
الأولين والآخرين، فقال النووي ليس بصحيح) وأقره السخاوي وغيره.
٣ في ثلاثة أثواب بيض)
(وفي حديث عروة عن عائشة، قالت: كفن رسول الله
في طبقات ابن سعد عن الشعبي إزار ورداء ولفافة (سحولية) بالضم والفتح.
(أخرجه النسائي من رواية عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عروة) عنها: (واتفق
عليه الأئمة الستة من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: بزيادة من كرسف) قطن.
(ليس فيها قميص ولا عمامة) هذا نحو قوله تعالى: ﴿بغير عمد ترونها﴾، أي: بغير عمد أصلاً أو
عمد غير مرئية (وليس قوله: من كرسف عند الترمذي ولابن ماجه).
(وزاد مسلم) في رواية من طريق أبي مطوية، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة: (أما
الحلة) بضم المهملة وشد اللام ضرب من برود اليمن وهي إزار ورداء، ولا تسمى حلة حتى
تكون ثوبين (فإنما شُبّه) بضم المعجمة وكسر الموحدة شديدة، أي اشتبه (على الناس فيها أنها
اشتريت له ليكفن فيها، فتركت الحلة وكفن في ثلاثة أثواب بيض:) جمع أبيض، وزنه في
الأصل بضم الفاء، كأحمر وحمر، فأبدلت الضمة كثرة لتسلم الياءِ من قلبها واو لوقوعها بعد
ضمة (سحولية، فأخذها عبد الله بن أبي بكر) الصديق (فقال: لأحبسنها حتى أكفن فيها
نفسي، ثم قال: لو رضيها اللّه لنبيه لكفته فيها، فباعها وتصدق بثمنها) وهذا من عائشة يدل
على أن قولها ثلاثة أثواب عن علم وإيقان لا عن تخمين وحسبان.