Indexed OCR Text
Pages 1-20
شَرَحُالغُلامِ الرََّقَانِى المتوفى سنة ١١٢٢هـ. ١ علے المواهب اللدنيّة بالريح المحمديّة للعَلَامَة القسطَلاني المتوفى سنة ٩٢٣ هـ. ضَبَطَهَوَمُحَمْهُ محمد عبد العزيز الخالدي الجزء الثانى عشر دار الكتب العلمية بيروت - لبنان جميع الحقوق محفوظة جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة لدار الكتب العلمية بيروت - لبنان ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب كاملا أو مجزأً أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو برمجته على اسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناشر خطيا. Copyright C All rights reserved Exclusive rights by DAR al-KOTOB al- ILMIYAH Beirut - Lebanon. No part of this publication may be translated, reproduced, distributed in any form or by any means, or stored in a data base or retrieval system, without the prior written permission of the publisher. الطّبعَة الأولى ١٤١٧ هـ - ١٩٩٦م دار الكتب العلمية بيروت - لبنان : رمل الظريف، شارع البحتري، بناية ملكارت العنوان .. .تلفون وفاكس: ٢٦٤٣٩٨ - ٢١٦١٣٥ - ٦٠٢١٢٣ (١ ٩٦١ ) .. صندوق بريد: ٩٤٢٤ - ١١ بيروت - لبنان ٠٠٠١٠ DAR al-KOTOB al-ILMIYAH Beirut - Lebanon Address : Ramel al-Zarif, Bohtory st, Melkart bldg, 1st Floore. Tel. & Fax : 00 (961 1) 60.21.33 - 36.61.35 - 36.43.98 P.O.Box : 11 - 9424 Beirut - Lebanon : ٠٠ - النّوع السَّابع من عباداته عليه الصلاة والسلام في نبذة من أدعيته وذكره وقراءته اختلف هل الدعاء أفضل أم تركه والاستسلام للقضاء أفضل؟ فقال الجمهور: الدعاء أفضل، وهو من أعظم العبادة، ويؤيده ما أخرجه الترمذي من حديث أنس رفعه: ((الدعاء مخ العبادة)). وقد تواترت الأخبار عنه عَّلـ بالترغيب في الدعاء والحث عليه. وأخرج الترمذي وصححه ابن حبان والحاكم (النوع السابع: من عباداته عليه الصلاة والسلام في نبذة) بضم النون شيء قليل (من أدعيته) جمع دعاء (وذكره) ظاهره تغايرهما، وفي التحفة: الذكر لغة كل مذكور، وشرعًا قول سيق أثناء أو دعاء، وقد يستعمل شرعًا أيضًا لكل قول يثاب قائله (وقراءته) القرءان الكريم (اختلف هل الدعاء أفضل أم تركه والاستسلام للقضاء أفضل، فقال الجمهور: الدعاء أفضل وهو من أعظم العبادة). (ويؤيده ما أخرجه الترمذي) في الدعوات، وقال: غريب لا نعرفه إلاَّ من حديث ابن لهيعة (من حديث أنس، رفعه) أي: قال: قال ◌َد (الدعاء مخ العبادة) أي: خالصها، لأن الداعي يدعو اللّه عند انقطاع أمله عما سواه، وذلك حقيقة التوحيد والإخلاص ولا عبادة فوقها فكان مخها بهذا لاعتبار، وأيضًا لما فيه من إظهار الافتقار والتبري من الحول والقوّة وهو سمة العبودية واستشعار ذلة البشرية ومتضمن للثناء على اللّه وإضافة الكرم والجود إليه. (وقد تواترت الأخبار عنه عَر بالترغيب في الدعاء والحث عليه) كقوله عَـ ((الدعاء هو العيادة))، ثم قرأ: ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم﴾ [غافر/ ٦٠]. : رواه الأربعة وقال الترمذي: حسن صحيح وصححه أيضًا ابن حبان والحاكم عن النعمان بن بشير، وقوله: ((الدعاء مفتاح الرحمة ويدر لكم أرزاقكم، تدعون اللّه في ليلكم ونهاركم، فإن الدعاء سلاح المؤمن وعماد الدين ونور السموات والأرض)، ولأبي الشيخ والديلمي من حديث أبي موسى: ((الدعاء جند من أجناد اللّه، يرد القضاء بعد أن بيرم))، وللترمذي والحاكم، من حديث ابن عمر: (الدعاء ينفع مما نزل وما لم ينزل، فعليكم عباد الله بالدعاء)) وسنده لين، ومع ذلك صححه الحاكم، كما قاله الحافظ والأحاديث كثيرة جدًا. (وأخرج الترمذي) وابن ماجه وأحمد والبخاري في الأدب المفرد والبزار (وصححه ابن حبان والحاكم) كلهم من رواية أبي صالح الخوزي بضم الخاء المعجمة وسكون الواو، ثم ٤ النَّوع السَّابع من عباداته عليه الصلاة والسلام في نبذة من أدعيته وذكره وقراءته عنه عَّله ((من لم يسأل الله يغضب عليه). وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إني لا أحمل هم الإجابة ولكن هم الدعاء، فإذا أتممت الدعاء علمت أن الإجابة معه. وفي هذا يقول القائل: لو لم ترد نيل ما أرجو وآمله من جود كفك ما عودتني الطلبا فالله سبحانه يحب تذلل عبيده بين يديه، وسؤالهم إياه، وطلبهم حوائجهم منه، وشكواهم منه إليه، وعياذتهم به منه، وفرارهم منه إليه. كما قيل: زاي عن أبي هريرة والخوزي مختلف فيه ضعفه ابن معين، وقواه أبو زرعة وظن ابن كثير أنه أبو صالح السمّان وليس كما قال، فقد جزم شيخه المزي بأنه الخوزي، قاله الحافظ (عنه آ: من لم يسأل) لفظ الترمذي، أنه من لم يسأل والضمير للشأن، أي: أن الحال من لم يطلب (الله) من فضله (يغضب عليه) لأنه إما قانط أو مستكبر وكل موجب للغضب، قال الطيبي: معناه أن من لم يسأله يبغضه والمبغوض مغضوب عليه والله يحب أن يسأل، وقال ابن القيم: هذا يدل على أن رضاه في مسألته وطاعته، وإذا رضي تعالى فكل خير في رضاه، كما أن كل بلاء ومصيبة في غضبه والدعاء عبادة، وقد قال تعالى: ﴿إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين﴾ [غافر/ ٦٠]، فهو تعالى يغضب على من لم يسأله، كما أن ابن عادم يغضب علی من سأله: اللّه يغضب إن تركت سؤاله وبني عادم حين يسأل يغضب فشتان ما بين هذين، وسحقًا لمن علق بالأثر وبعد عن العين، قال الحليمي: لا ينبغي أن يخلي يوم وليلة عن الدعاء، لأن الزمن يوم وليلة وما وراءهما تكرار، فإذا كان ترك الدعاء أصلاً يوجب الغضب، فأدنى ما في تركه يوماً وليلة أن يكون مكروهًا. (وقال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه: إني لا أحمل هم الإجابة ولكن هم الدعاء) لاحتياجه إلى الإخلاص والخضوع والذلة، وذلك لا يتيسر في كل وقت (فإذا أتممت الدعاء) أنيت به على الوجه التام (علمت أن الإِجابة معه) بوعد من لا يخلف الميعاد (وفي هذا يقول القائل: لو لم ترد نيل ما أرجو وآمله) بمد الهمزة وضم اللام أرجو (من جود كفك ما عودتني الطلبة) يعني؛ أنه اعتاد منه العطاء والإِحسان متى قصده، فعلم أنه لا يريد منعه متى أتاه، إذ لو أراده ما أعطاه كلما أتاه (فالله سبحانه يحب تذلل عبيده بين يديه وسؤالهم إياه وطلبهم حوائجهم منه وشكواهم منه) تعالى، إذ هو الفاعل لما أصابهم من المكروه (إليه) سبحانه لا إلى غيره، فكأنهم يقولون: يا ربنا أنت أصبتنا بما تعلمه، فأزله عنا (وعيافتهم:) التجاءهم واعتصامهم (به) عزّ وجلّ (منه) تعالى (وفرارهم منه إليه) ألفاظ متقاربة المعتى (كما قيل: ٥ النّوع الشّابع من عباداته عليه الصلاة والسلام في نبذة من أدعيته وذكره وقراءته قالوا أتشكو إليه ماليس يخفى عليه فقلت ربي يرضى ذل العبيد لديه وقالت طائفة: الأفضل ترك الدعاء، والاستسلام للقضاء، وأجابوا عن قوله تعالى: ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم﴾ [فاطر/٦٠] بأن آخرها دل على أن المراه بالدعاء هو العبادة. قال الشيخ تقي الدين السبكي: الأولى حمل الدعاء في الآية على ظاهره. وأما قوله تعالى بعد ذلك ﴿عن عبادتي﴾ فوجه الربط أن الدعاء أخص من العبادة، فمن استكبر عن العبادة استكبر عن الدعاء، وعلى هذا: فالوعيد فيه إنما هو في حق من ترك الدعاء استكبارًا، ومن فعل ذلك كفر، وأما من تركه لمقصد من المقاصد فلا يتوجه إليه الوعيد المذكور، وإن كنا نرى أن ملازمة الدعاء والاستكثار منه أرجح من الترك لكثرة الأدلة الواردة فيه. (قالوا: أتشكو إليه ما ليس يخفى عليه فقلت ربي يرضى ذل العبيد لديه) ومعنى البيتين ظاهر (وقالت طائفة: الأفضل ترك الدعاء والاستسلام للقضاء، وأجابوا عن قوله تعالى: ﴿وقال ربكم أدعوني أستجب لكم﴾﴾ [غافر/٦٠]، (بأن آخرها دل على أن المراد) وفي نسخة: بدون على، أي: أفهم أن المراد (بالدعاء هو العبادة) فكأنه قال: اعبدوني أثيكم، وأجاب الأولون؛ بأن هذا ترك للظاهر. (و) لذا (قال الشيخ تقي الدين السبكي: الأولى حمل الدعاء في الآية على ظاهره) من السؤال والطلب (وأما قوله بعد ذلك:) إن الذين يستكبرون (﴿عن عبادتي) فوجه الربط أن الدعاء أخص من العبادة، فمن استكبر عن العبادة استكبر عن الدعاء، وعلى هذا: فالوعيد فيه) بقوله: ﴿سيدخلون جهنم داخرين﴾ (إنما هو في حق من ترك الدعاء استكبارًا، ومن فعل ذلك كفر، وأما من تركه لمقصد من المقاصد) كالتسليم للقضاء (فلا يتوجه إليه الوعيد المذكور وإن كنا نرى أن ملازمة الدعاء والاستكثار منه أرجح من الترك لكثرة الأدلة الواردة فيه). زاد الحافظ: ودل قوله: تعالى بعد ﴿فادعوه مخلصين له الدين﴾ [غافر/ ٦٥]، أن الإجابة منوطة بالإِخلاص، وقال الطيبي في حديث الدعاء: هو العبادة، ثم قرأ ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم﴾، يمكن أن تحمل العبادة على المعنى اللغوي، أي: الدعاء ليس إلاّ إظهار غاية ٦ النّوع السَّابع من عباداته عليه الصلاة والسلام في نبذة من أدعيته وذكره وقراءته وقال القشيري في (الرسالة)): اختلف أي الأمرين أولى، الدعاء أو السكوت والرضى؟ فقيل الدعاء، وهو الذي ينبغي ترجيحه لكثرة الأدلة، ولما فيه من إظهار الخضوع والافتقار، وقيل: السكوت والرضى أولى لما في التسليم من الفضل. انتھی. وشبهتهم: أن الداعي لا يعرف ما قدر له، فدعاؤه إن كان على وفق القدرة فهو تحصيل الحاصل، وإن كان على خلافه فهو معاند. وأجيب: بأنه إذا اعتقد أنه لا يقع إلا ما قدره الله تعالى كان إذعانًا لا معاندة وفائدة الدعاء تحصيل الثواب بامتثال الأمر، ولاحتمال أن يكون المدعو به التذلل والافتقار والاستكانة، قال تعالى: ﴿يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد﴾ [فاطر/ ١٥]، الجملتان واردتان على الحصر، وما شرعت العبادة إلاّ للخضوع للباري وإظهار الافتقار إليه، ولهذا ختم الآية بقوله تعالى: ﴿إن الذين يستكبرون عن عبادتي﴾ [غافر/ ٦٠]، حيث عبر عن عدم التذلل والخضوع بالاستكبار، ووضع عبادتي موضع دعائي وجعل جزاء ذلك الاستكبار الصغار والهوان. انتهى، وفيه إتجاسر 'على القرءان بقوله: عير، وبقوله وضع بمجرد احتمال لاح له، فالأولى ما قبله عن السبكي. وقال البيضاوي في شرح المصابيح: لما حكم بأن الدعاء هو العبادة الحقيقية التي تستأهل أن تسمى عبادته من حيث دلالته على أن فاعله مقبل على اللّه معرض عما سواه لا يرجو غيره ولا يخاف إلاَّ منه استدل عليه بالآية، فإنها تدل على أنه أمر مأمور به إذا أتى به المكلف قبل منه لا محالة وترتب عليه المقصود وترتب الجزاء على الشرط والمسبب على السبب (وقال القشيري في الرسالة: اختلف، أي: الأمرين أولى الدعاء أو السكوت والرضا) وثالثها: إن وجد في نفسه باعثًا استحب الدعاء وإلاّ فلا، ورابعها: إن جمع غیره معه استحب وإن خص نفسه فلا (فقيل: الدعاء، وهو الذي ينبغي ترجيحه لكثرة الأدلة) وسبق بعضها (ولما فيه من إظهار الخضوع والافتقار) ولأنه سننه ى المتواترة عنه تواترًا معنويًا (وقيل: السكوت والرضا أولى لما في التسليم من الفضل. انتهى). وشبهتهم) كما قال الحافظ (أن الداعي لا يعرف ما قدر له، فدعاؤه إن كان على وفق القدرة) التي قدرها اللّه (فهو تحصيل الحاصل، وإن كان على خلافه فهو معاند) وكلاهما لا يجوز (وأجيب بأنه إن اعتقد أنه لا يقع إلاّ ما قدره اللّه تعالى كان) اعتقاده (إذعانًا لا معاندة فائدة الدعاء) حينئذٍ (تحصيل الثواب بامتثال الأمر) بالدعاء في الكتاب والسنّة (ولاحتمال أن ٧ النّوع السابع من عباداته عليه الصلاة والسلام في نبذة من أدعيته وذكره وقراءته موقوفًا على الدعاء، لأن الله تعالى خلق الأسباب ومسبباتها. انتهى. وقد أرشد على أمته لكيفية الدعاء فقال: ((إذا صلى أحدكم فليبدأ بحمد الله والثناء عليه، وليصل على النبي عَّهِ، ثم ليدع بما شاء))، رواه الترمذي من حديث فضالة بن عبيد. وقال عليه السلام في رجل يدعو: ((أوجب إن ختم بآمين)). رواه أبو داود. يكون المدعو به موقوفًا على الدعاء، لأن اللّه تعالى خلق الأسباب ومسبباتها. انتهى). ما جاء به من الفتح بلا عزو فيه أيضًا عن القشيري، وقالت طائفة: ينبغي أن يكون داعيًا بلسانه راضيًا بقليه، قال: والأولى أن يقال إذا وجد في قلبه إشارة إلى الدعاء، فالدعاء أفضل وبالعكس، قلت: القول الأول أعلى المقامات، وهو أن يدعو بلسانه ويرضى بقلبه ولا يتأتى من كل أحد، بل ينبغي أن يخص به الكمل، قال القشيري: ويصح أن يقال ما كان للّه أو للمسلمين فيه نصيب فالدعاء أفضل، وما كان للنفس فيه حظ فالسكوت أفضل، وعبر ابن بطال عن هذا القول لما حكاه بقوله: يستحب أن يدعو لغيره ويترك لنفسه، وعمدة من أول الدعاء في الآية بالعبادة أو غيرها قوله تعالى: ﴿فيكشف ما تدعون إليه إن شاء﴾ [الأنعام/ ٤١]، وإن كثيرًا من الناس يدعو فلا يستجاب له، فلو كانت على ظاهرها لم يتخلف، والجواب: أن كل داع يستجاب له لكن تتنوع الإجابة، فتارة تقع بعين ما دعا به وتارة بعوضه. وقد ورد في ذلك حديث صحيح أخرجه الترمذي والحاكم عن عبادة بن الصامت، رفعه: «ما على الأرض مسلم يدعو بدعوة إلا آتاه الله إياها أو صرف عنه من السوء مثلها»، ولأحمد من حديث أبي هريرة: ((إما أن يعجلها له وإما أن يدخرها له))، وله عن أبي سعيد رفعه: (ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلاَّ أعطاه اللّه بها إحدى ثلاث إما أن يعجل له دعوته وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها))، وصححه الحاكم وهذا شرط ثانٍ للإِجابة، ولها شروط أخرى، منها أن يكون طيب المطعم والملبس، لحديث: ((فأنى یستجاب لذلك). انتھی. (وقد أرشد ◌َّ أمته لكيفية الدعاء، فقال: إذا صلى) أي: دعا (أحدكم فليبدأ بحمد اللّه) وفي رواية: يتحميد ربه والحمد الثناء بالجميل على الجميل، والتحميد حمد الله مرة بعد أخرى (والثناء عليه) بما يتضمن ذلك، فهو عطف عام على خاص، فالثناء فعل يشعر بالتعظيم، كذا قاله بعضهم: وقال شيخنا عطف تفسير (وليصل على النبي عَل، ثم ليدع بما شاء) من الدين والدنيا بما يجوز طلبه (رواه الترمذي) وأبو داود وصححه ابن حبان والحاكم (من حديث فضالة) بفتح الفاء وتضم (ابن عبيد) بضم العين الأنصاري الأوسي (وقال عليه السلام في ٨ النّوع السابع من عباداته عليه الصلاة والسلام في نبذة من أدعيته وذكره وقراءته وقال: ((لا يقل أحدكم إذا دعا اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، ولكن ليعزم المسألة فإن الله تعالى لا مكره له))، رواه البخاري وغيره. ومعنى الأمر بالعزم الجد فيه، وأن يجزم بوقوع مطلوبه، ولا يعلق ذلك بمشيئة الله تعالى، وإن كان مأمورًا في جميع ما يريد فعله أن يعلقه بمشيئة الله تعالى، وقيل معنى العزم أن يحسن الظن بالله في الإجابة، فإنه يدعو كريمًا، وقد قال ابن عيينة: لا يمنعن أحدكم لدعاء ما يعلم من نفسه، يعني من التقصير، فإن الله تعالى قد استجاب دعاء شر خلقه وهو إبليس حين قال: ﴿أنظرني إلى يوم يبعثون﴾ [الأعراف/١٤]. وقال عليه السلام: ((يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم رجل يدعو أوجب إن ختم بآمين) قال الحافظ في أماليه، أي: عمل عملاً وجبت له به الجنة. وقال السيوطي: الظاهر أن معناه فعل ما تجب له به الإِجابة (رواه أبو داود) عن أبي زهير النمري، قال: خرجنا مع النبي عَّل ذات ليلة فأتينا على رجل قد ألح في المسألة، فوقف عَّ. يستمع منه، فقال: ((أوجب إِن ختم))، فقال رجل: بأي شيء يختم؟، فقال: ((بآمين، فإنه إن ختم بآمين فقد أوجب))، فانصرف الرجل الذي سأل النبي ◌َّة، فأتى الرجل، فقال: (إختم يا فلان بآمين وأبشر)) (وقال) عَّةٍ: (لا يقل أحدكم إذا دعا) طلب من اللّه (اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت). زاد في رواية للبخاري: ((اللهم ارزقني إن شئت))، لأن التعليق بالمشيئة إنما يحتاج إليه إذا تأتى إكراه المطلوب منه، فيعلمه أنه إنما يطلبه برضاه واللّه منزه عن ذلك، وقيل: لأن فيه صورة استغناء عن المطلوب والمطلوب منه والأول أولى (ولكن ليعزم المسألة فإن الله تعالى لا مكره) بكسرالراء (له رواه البخاري وغيره) كأبي داود عن أبي هريرة وهو في الصحيحين من حديث أنس بنحوه (ومعنى الأمر بالعزم الجد فيه) بفتح الجيم، أي: الاجتهاد (وأن يجزم بوقوع مطلوبه ولا يعلق ذلك بمشيئة اللّه تعالى) أي: يكره كما قال النووي وهو أولى، وظاهر كلام ابن عبد البرّ أنه نهي تحريم وهو الظاهر، قاله الحافظ: (وإن كان مأمورًا في جميع ما يريد فعله أن يعلقه بمشيئة اللّه تعالى) لأن هذا مقام غير مقام الدعاء والطلب من الله. (وقيل: معنى العزم أن يحسن الظن بالله في الإجابة، فإنه يدعو كريمًا، وقد قال ابن عيينة) سفين: (لا يمنعن أحدكم لدعاء) بنصب أحد مفعول فاعله (ما يعلم من نفسه، يعني من التقصير، فإن اللَّه تعالى قد أجاب دعاء شر خلقه وهو إبليس حين قال: ﴿أُنظرني): أخرني (إلي يوم يبعثون﴾ ﴿قال إنك من المنظرين﴾ [الأعراف/١٥] (وقال عليه السلام: يستجاب ٩ النّوع السّابع من عباداته عليه الصلاة والسلام في نبذة من أدعيته وذكره وقراءته يستجب لي)) رواه الشيخان وغيرهما. وكان عليه السلام يستحب الجوامع من الدعاء، ويدّعُ ما سوى ذلك، رواه أبو داود من حديث عائشة. والجوامع: التي تجمع الأغراض الصالحة والمقاصد الصحيحة، أو تجمع الثناء على الله تعالى وآداب المسألة. وكان عَّه يقول في دعائه: «اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي، واجعل لأحدكم ما لم يعجل) بفتح التحتية والجيم بينهما عين ساكنة من الاستجابة بمعنى الإِجابة، قال الشاعر: فلم يستجبه عند ذاك مجيب أي: يجاب دعاء كل واحد منكم، لأن الاسم المضاف يفيد العموم على الأصح (يقول: دعوت فلم يستجب لي) بضم التحتية وفتح الجيم بيان لقوله ما لم يعجل، فمن مل الدعاء لم يقبل دعاؤه لأنه عبادة، أجيب أم لا قمن أكثر منه أوشك أن يستجاب له. (رواه الشيخان وغيرهما) كأبي داود والترمذي، وابن ماجه عن أبي هريرة: (وكان عليه السلام يستحب) وللحاكم: كان يعجبه (الجوامع من الدعاء ويدع:) يترك (ما سوى ذلك، رواه أبو داود) بإسناد جيد (من حديث عائشة) وصححه الحاكم وأقره الذهبي (والجوامع) الكلمات (التي تجمع الأغراض الصالحة والمقاصد الصحيحة) عطف تفسير (أو) التي (تجمع الثناء على اللّه تعالى، وآداب المسألة) أي: السؤال، وقيل: هي ما جمع مع الوجازة خيري الدنيا والآخرة نحو ﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة﴾ [البقرة/ ٢٠١]، قيل: وهو أوجه، لكن عليه يحمل قوله: ويدع ما سوى ذلك على أغلب الأحوال لا كلها، فقد قال المنذري: كان يجمع في الدعاء تارة ويفصل أخرى (وكان عَّم يقول في دعائه:) ليس في مسلم لفظ في دعائه: (اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري) الحافظ لجميع أموري، فإن من فسد دينه فسدت جميع أموره وخاب وخسر في الدنيا والآخرة (وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي) بإعطاء الكفاف فيما يحتاج إليه وكونه حلالاً معينًا على الطاعة (وأصلح لي آخرتي التي إليها) كذا في النسخ والذي رأيته في مسلم، وكذا نقله عنه السيوطي وغيره التي فيها (معادي). قال ابن الأثير وغيره، أي: ما أعود إليه يوم القيامة وهو إما مصدر ميمي، أي: عودي أو ١٠ النّوع السّابع من عباداته عليه الصلاة والسلام في نبذة من أدعيته وذكره وقراءته الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر)). رواه مسلم من حديث أبي هريرة. وكان يقول: ((اللهم انفعني بما علمتني، وعلمني ما ينفعني، وزدني علمًا، الحمد لله على كل حال، وأعوذ بالله من حال أهل النار)). رواه الترمذي من حديث أبي هريرة. ظرف مكان من عاد إذا رجع، وقال الطيبي: إصلاح المعاد اللطف والتوفيق إلى طاعة الله وعبادته، وقال الحراني: جمع في هذه الثلاثة أصول مكارم الأخلاق التي بعث لإتمامها، فإصلاح الدین بالتوفيق لإظهار خطاب ربه من جهة أحوال قلبه وأخلاق نفسه وأعمال بدنه فیما بینه وبین اللّه من غير التفات لغرض النفس في عاجل الدنيا ولا آجلها وإصلاح الدنيا بتجنب الحرام الذي لا تصلح النفس واليدن إلاّ بالتطهر منه واستعمال الحلال الذي يصلح النفس والبدن عليه لموافقته لتقويمها وإصلاح المعاد بخوف الزجر والنهي الذي لا تصلح الآخرة إلا بالتطهر منه لبعده عن حسناها وخوف الأمر الذي تصلح الآخرة عليه لتقاضيه لحسناها والمقصود بالزجر والنهي الردع عما يضر في المعاد إلاّ أن الردع على وجهين خطاب لمعرض ويسمى زجرًا، وخطاب لمقبل على التفهم ويسمى نهيًا: فكان الزجر يزيغ الطبع والنهي يزيغ العقل (واجعل الحياة زيادة لي في كل خير) أي: اجعل حياتي سبب زيادة طاعتي (واجعل الموت راحة لي من كل شر) أي: اجعل موتي سبب خلاصي من مشقة الدنيا والتخلص من غمومها وهمومها لحصول الراحة، قال الطيبي: وهذا الدعاء من جوامع الكلم. (رواه مسلم) في الدعوات (من حديث أبي هريرة) ولم يخرجه البخاري (وكان) (يقول: اللهم انفعني بما علمتني) بالعمل بمقتضاه خالصًا لك (وعلمني ما ينفعني) أرتقي منه إلى عمل زائد على ذلك (وزدني علمًا) مضافًا إلى ما علمتنيه، وهذا إشارة إلى طلب المزيد في السير والسلوك إلى أن يوصله إلى محل الوصال، وبه ظهر أن العلم وسيلة للعمل وهما متلازمان، ولذا قالوا: ما أمر الله رسوله بطلب الزيادة في شيء إلاَّ في العلم (الحمد لله على كل حال) من أحوال السراء والضراء، وكم يترتب على الضراء من عواقب حميدة ومواهب كريمة يستحق الحمد عليها، وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم (وأعوذ باللّه من حال أهل النار) في النار وغيرها، قال الطيبي: ما أحسن موقع الحمد في هذا المقام، ومعنى المزيد فيه: ولئن شكرتم لأزيدنكم وموقع الاستعاذة من الحال المضاف إلى أهل النار تلميحًا إلى القطيعة والبعد، وهذا الدعاء من جوامع الكلم التي لا مطمح وراءها (رواه الترمذي) وقال غريب وابن ماجه والحاكم (من حديث أبي هريرة) وفيه موسى بن عبيدة، ضعفه النسائي وغيره ومحمد بن ثابت ١١ النّوع الشّابع من عباداته عليه الصلاة والسلام في نبذة من أدعيته وذكره وقراءته وكان يقول: ((اللهم متعني بسمعي وبصري. واجعلهما الوارث مني، وانصرني على من ظلمني، وخذ منه بثأري)). رواه الترمذي من حديث أبي هريرة أيضًا. وكان أكثر دعائه: ((ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار)). رواه الشيخان من حديث أنس. وكان يقول: ((ربِّ أعني ولا تعن علي، وانصرني ولا تنصر علي، وامكر لي لم يرو عنه غير موسى فهو مجهول العين (وكان يقول: اللهم متعني) أي: انفعني، زاد في رواية البيهقي: من الدنيا (بسمعي وبصري) الجارحتين المعروفتين، وقيل: أبي بكر وعمر لحديث هذان السمع والبصر، واستبعد بزيادة البيهقي عقب: وبصري وعقلي (واجعلهما الوارث مني) استعارة من وارث الميت لأنه يبقى بعده (وانصرني على من ظلمني:) تعدى وبغى عليّ (وخذ منه بثأري) بالهمز، ويجوز إبداله تخفيفًا، أي: بحقي بأن تهلكه، وأشار به إلى قوة المخالفين حثا على تصحيح الالتجاء والصدق في الرغبة. (رواه الترمذي) والحاكم. (من حديث أبي هريرة) ورواه البيهقي: (وكان أكثر دعائه) عَد: («ربنا. وفي رواية: اللهم ربنا (آتنا في الدنيا حسنة) كصحة وعفاف وكفاف وتوفيق للخير (وفي الآخرة حسنة) ثوابًا ورحمة (وقتا) بالعفو والمغفرة (عذاب النار))) الذي استحقيناه بسوء أعمالنا، وقول على كرّم الله وجهه: الحسنة في الدنيا المرأة الصالحة وفي الآخرة الحور، وعذاب النار امرأة السوء، وقول الحسن البصري: الحسنة في الدنيا العلم والعبادة وفي الآخرة الجنة، وقنا عذاب النار احفظنا من كل ذنب يجر إليها أمثلة للمراد بها. قال ابن كثير: جمعت هذه الدعوة كل خير في الدنيا وصرفت كل شر، فإن الحسنة في الدنيا تشمل كل مطلوب دنيوي من عافية ورزق واسع وعلم نافع وعمل صالح إلى غير ذلك، وأما الحسنة في الآخرة فأعلى ذلك دخول الجنة وتوابعه من الأمن من الفزع الأكبر في العرصات وتيسير الحساب وغير ذلك، وأما النجاة من النار فهو مقتضى تيسير أسبابه في الدنيا من اجتناب المحارم والآثام وترك الشبهات. انتهى. ولا يرد عليه أن أعلاها رؤية اللّه تعالى، لأن كلامه فيما قبل دخول الجنة، وسبب الاختلاف في التفسي؛ أن حسنة نكرة في الإثبات فلا تعم (رواه الشيخان من حديث أنس بن ملك: (وكان) ◌َّ (يقول رب أعني ولا تعن عليّ، وانصرني:) ظفرني (ولا تنصر عليّ) أعداء الدين، قال الراغب: النصر من اللّه معونة الأنبياء والأولياء وصالحي العباد بما يؤدي إلى صلاحهم عاجلاً وآجلاً، وذلك تارة يكون من خارج بمن يقيضه اللّه فيعينه، وتارة من داخل بأن ١٢ النّوع الشَّابع من عباداته عليه الصلاة والسلام في نبذة من أدعيته وذكره وقراءته ولا تمكر علي، واهدني وانصرني على من بغى علي، رب اجعلني لك شاكرًا، لك ذاكرًا، لك راهبًا، مطواعًا لك، مخبتًا إليك، أواهًا منيبًا، رب تقبل توبتي، واغسل حوبتي، وأجب دعوتي، وثبت حجتي، وسدد لساني، واهد قلبي، واسلل سخيمة صدري. رواه الترمذي. وكان يقول: ((اللهم لك أسلمت، وبك أمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، اللهم إني أعوذ بعزتك، لا إله إلا أنت، أن تضلني، أنت يقوي قلب الأنبياء والأولياء أو يلق الرعب في قلوب الأعداء، وعليه قوله: إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا (وامكر لي) جاز لأجلي من فعل بي ما يستحق ما يجازى عليه بأن فعل بي سوا (ولا تمكر عليّ) أي: اعف عني فلا تؤاخذني بما صدر مني، قال في النهاية: مكر اللّه إيقاع بلائه بأعدائه دون أوليائه، وقيل: هو استدراج العبد بالطاعات فيتوهم أنها مقبولة وهي مردودة، والمعنى: ألحق مكرك بأعدائي لأبي، وأصل المكر الخداع. انتهى. ولا يسند إلى اللّه إلا على سبيل المقابلة والازدواج والمقابلة هنا مقدرة، لأن قوله: أمكر لي معناه جاز من مكر علي (واهدني) لصالح الأعمال والأخلاق، فإنه لا يهدي لصالحها ولا يصرف سيئها إلاّ أنت كما في حديث آخر. وفي رواية: فاهدني ويسر هداي إليّ (وانصرني:) ظفرني (على من بغى عليّ:) جار واعتدى بأن تهلكه (رب اجعلني لك شاكرًا) أي: وفقني له لأقوم بما وجب عليّ من شكر نعمائك التي لا تحصى (لك ذاكرًا) بقلبي ولساني (لك، راهبًا) خائفًا منك (مطواعا لك) في جميع أوامرك (مخبتًا) خاشعاً متواضعًا (إليك أوّاهًا):) كثير التأوّه من الذنوب والتأسف على الناس (منيبًا) راجعًا إليك (رب تقبل توبتي واغسل حويتي) بفتح المهملة، أي: خطيئتي (وأجب دعوتي وثبت حجتي وسدد لساني واهد قلبي) خصه مع دخوله في قوله: أولاً واهدني اهتمامًا به لأنه الرئيس الذي إذا صلح صلح الجسد كله (واسلل:) بمهملة ولامين أنزع وُخرج برفق (سخيمة) بفتح المهملة وكسر المعجمة، أي: حقد (صدري) وفي رواية: قلبي. (رواه الترمذي) وأبو داود والنسائي وابن ماجه. وصححه الحاكم، کلهم عن ابن عباس: (وكان) عَّ﴾ (يقول: اللهم لك أسلمت) أي: أنقذت (وبك آمنت) أي: صدقت، قال النووي: فيه إشارة إلى الفرق بين الإِسلام والإِيمان (وعليك) لا على غيرك (توكلت:) اعتمدت في تفويض جميع أموري (وإليك أنبت:) رجعت وأقبلت بهمتي (وبك خاصمت) أعدائي (اللهم إني أعود:) أعتصم (بعزتك لا إله إلاَّ أنت أن تضلني) بعدم التوفيق للرشاد والتوقيف على طريق الهداية والسداد، وهو متعلق بأعوذ، أي: من أن تضلني، وكلمة التهليل معترضة لتأكيد ١٣ النّوع الشّابع من عباداته عليه الصلاة والسلام في نبذة من أدعيته وذكره وقراءته الحي الذي لا تموت، والجن والإنس يموتون)، رواه الشيخان عن ابن عباس. وكان يقول: ((اللهم إني أسألك الهدى والتقى، والعفاف والغنى)). رواه مسلم والترمذي من حديث ابن مسعود. وكان يقول: ((اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي جدي وهزلي، وخطئي وعمدي، وكل ذلك عندي، العزة (أنت الحي لا تموت) يلفظ الخطاب، أي: الحياة الحقيقية التي لا يجامعها الموت يحال. وفي رواية: أنت الحي القيوم الذي لا يموت بلفظ الغائب (والجن والإنس يموتون) عند انقضاء آجالهم، والمراد الخلق كلهم، لكن التنصيص لإفادة الخطاب جرى مجرى الغالب من تقابلهما، يعني: وأنا أموت لأني من الإِنس، ولم ينص على من عداهم لما ذكر ولا حجة فيه لمن احتج به على عدم موت الملائكة مع أنه لا مانع من دخولهم في مسمى الجن بجامع ما بينهم من الاجتنان عن عيون الإِنس، كيف وقد قال تعالى: ﴿كل نفس ذائقة الموت كل شيء هالك إلاّ وجهه كل من عليها فانٍ﴾ [القصص/ ٨٨]. (رواه الشيخان) البخاري في التوحيد ومسلم في الدعوات (عن ابن عباس) وقصر من عزاه لمسلم وحده: (وكان) ﴾ (يقول: اللهم إني أسألك الهدى) أي: الهداية إلى الصراط المستقيم (والتقى) الخوف من اللّه والحذر من مخالفته (والعفاف) الصيانة عن مطامع الدنيا (والغنى) غنى النفس والاستغناء عن الناس. قال الطيب: أطلق الهدى والتقى ليتناول كل ما ينبغي أن يهدي إليه من أمر المعاش والمعاد ومكارم الأخلاق وكل ما يجب أن يتقى منه من شرك ومعصية وخلق رديء. (رواه مسلم والترمذي) وابن ماجه، كلهم في الدعوات (من حديث ابن مسعود) ولم يخرجه البخاري: (وكان) ﴾ (يقول: اللهم) وفي رواية للبخاري: رب بدل اللهم (اغفر لي خطيئتي:) ذنبي (وجهلي) ضد العلم، وقال الكرماني: الجهل ما يجهل به كما قالوه في الصائم لا يجهل، أي: لا یرتکب ما یوقع في الجهل. انتهى. أي: لا يفعل ما يوصف معه بالجهل وإن لم يذنب به (وإسرافي:) تجاوزي الحد (في أمري) كله (وما أنت أعلم به مني) مما علمته، وما لم أعلمه؛ بأن صدر سهوًا (اللهم اغفر لي جدي) بكسر الجيم ضد الهزل (وهزلي) بفتح الهاء ضد الجد (وخطئي) بالهمز ضد العمد (عمدي) ضد السهو. ووقع في رواية للبخاري: اللهم اغفر لي خطاياي وعمدي جمع خطيئة وعطف العمد ١٤ النّوع السّابع من عباداته عليه الصلاة والسلام في نبذة من أدعيته وذكره وقراءته اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر وأنت على كل شيء قدير)). رواه الشيخان من حديث أبى موسى. وكان أكثر دعائه: ((يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك)). رواه الترمذي من حديث أم سلمة. عليها خاص على عام، باعتبار أن الخطايا أعم من المتعمد أو من عطف أحد المتقابلين على الآخر بحمل الخطايا على ما وقع على سبيل الخطأ (وكل ذلك) المذكور (عندي) موجود كالتذييل للسابق، أي: أنا متصف بهذه الأشياء فاغفرها لي، قاله تواضعًا وهضمًا لنفسه، أو عد فوات الكمال وترك الأولى ذنوبًا (اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت) وهذان شاملان لجميع ما سبق، كقوله: (وما أسررت:) أخفيت (وما أعلنت:) أظهرت، أي: ما حدثت به نفسي وما تحرك به لساني، قاله تواضعًا وإجلالاً للّه أو تعليمًا لأَمته. وتعقبه الحافظ بأنه لو كان للتعليم فقط كفى أن يأمرهم بأن يقولوا: فالأولى أنه للكل (وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم) لمن تشاء من خلقك بتوفيقه إلى رحمتك (وأنت المؤخر) لمن تشاء عن ذلك (وأنت على كل شيءٍ قدير:) جملة مؤكدة لمعنى ما قبلها وعلى كل شيء متعلق بقدير فعيل بمعنى فاعل مشتق من القدرة وهي القوة والاستطاعة وهل يطلق الشيء على المستحيل والمعدوم خلاف. (رواه الشيخان) في الدعوات (من حديث أبي موسى) عبد الله بن قيس الأشعري: (وكان أكثر دعائه ◌َيليه يا مقلب القلوب) بتقليب أعراضها وأحوالها لا ذواتها (ثبت قلبي على دينك) بكسر الدال. قال البيضاوي إشارة إلى شمول ذلك للعباد حتى الأنبياء، ودفع توهم أنهم يستثنون، وقال الطيبي: أضاف القلب إلى نفسه تعريضًا بأصحابه لأنه مأمون العاقبة، فلا يخاف على نفسه لاستقامتها لقوله تعالى: ﴿إِنك لمن المرسلين على صراط مستقيم﴾ [البقرة/ ٢٥٢]، وفيه؛ أن أعراض القلوب من إرادة، وغيرها يقع بخلق اللّه وجواز تسمية اللّه بما ثبت في الحديث وإن لم يتواتر وجواز اشتقاق الاسم له من الفعل الثابت وبقية الحديث: فقيل له في ذلك، فقال: إنه ليس عادمي إلاَّ وقلبه بين أصبعين من أصابع اللّه، فمن شاء أقام ومن شاء أزاغ، زاد في رواية أحمد: فنسأل اللّه أن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا ونسأل الله أن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب. (رواه الترمذي من حديث أم سلمة) هند أم المؤمنين، قال الغزالي: إنما كان هذا أكثر دعائه لاطلاعه على عظيم صنع اللّه في عجائب القلب وتقلبه، فإنه هدف يصاب على الدوام من ١٥ النّوع الشّابع من عباداته عليه الصلاة والسلام في نبذة من أدعيته وذكره وقراءته وكان يقول: ((اللهم عافني في جسدي، وعافني في سمعي وبصري، وأجعلهما الوارث مني، لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين)). رواه الترمذي. وكان يقول: ((اللهم اغسل خطاياي بماء الثلج والبرد، ونق قلبي من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس)). رواه النسائي. وكان يقول: اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب كل جانب، فإذا أصابه شيء وتأثر أصابه من جانب آخر ما يضاده فتغيير وصفه، وعجيب صنع اللّه في تقلبه لا يهتدي إليه إلا المراقبون بقلوبهم والمراعون لأحوالهم مع اللّه (وكان. (يقول: اللهم عافني:) سلمني من المكاره (في جسدي) لئلا يشغلني شاغل أو يعوقني عائق عن كمال القيام بعبادتك (وعافني في سمعي وبصري) كذلك (واجعلهما الوارث مني) بأن يلازماني عند الموت لزوم الوارث لمورثه، أي: أبقهما صحيحين سليمين إلى أن أموت، أو أراد بقاء قوتهما عند الكبر وانحلال القوى، أو أراد: اجعل تمتعي بهما في مرضاتك باقيًا، أُذکر به بعد الموت (لا إله إلاّ اللّه الحليم الكريم سبحان الله رب العرش العظيم والحمد لله رب العالمين) أي: الوصف بجميع صفات الكمال وسائر نعوت الجلال للّه وحده على كل حال (رواه الترمذي) والحاکم، والبيهقي کلهم في الدعوات من حديث عائشة: (و کان) چے (يقول: رب اغسل:) أزل (خطاياي:) جمع خطيئة (بماء الثلج والبرد) بفتحتين حب الغمام، أي: بالماء المنحل منهما، فالإضافة ليست بيانية، وخصهما لأنهما ما آن طاهران لم تسمهما الأيدي ولم يمتهنهما الاستعمال، فكان ذكرهما آكد هنا وإن كان الماء الحار أبلغ عادة في إزالة الوسخ، أشار إليه الخطابي وقال الكرماني جعل الخطايا بمنزلة النار لأنها تؤدي إليها، فعبر عن إطفاء حرارتها بالغسل تأكيداً في إطفائها، وبالغ فيه باستعمال المبردات ترقيًا عن الماء إلى أبرد منه وهو الثلج، ثم إلى أبرد منه وهو البرد لأنه يجمد ويصير جليدًا بخلاف الثلج فیذوب. انتھی. ومر لذلك مزيد في الصلاة (ونق) بفتح النون وشد القاف (قلبي) الذي بمنزلة ملك الأعضاء واستقامتها باستقامته (من الخطايا) الذنوب وهذا تأكيد للسابق ومجاز عن إزالة الذنوب ومحو آثارها (كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس) بفتح الدال والنون، أي: الوسخ، وخص الأبيض لظهور والنقاء فيه أقوى من غيره. (رواه النسائي) والحاكم وغيرهما من حديث عائشة وهو بعض حديث طويل في الصحيحين: (وكان) عَّ (يقول: اللهم إني أسألك:) أطلب منك (فعل الخيرات) المأمورات، ١٦ النّوع السابع من عباداته عليه الصلاة والسلام في نبذة من أدعيته وذكره وقراءته المساكين، وإذا أردت بقوم فتنة فاقبضني إليك غير مفتون)). رواه في الموطأ. وكان يدعو: «اللهم فالق الإصباح، وجاعل الليل سكنًا، والشمس والقمر حسبانًا، أقض عني الدين واغنني من الفقر، وأمتعني بسمعي وبصري وقوتي، وتوفني في سبيلك)). رواه في الموطأ. أي: الإقدار على فعلها والتوفيق له (وترك المنكرات) أي: المنهيات (وحب المساكين) يحتمل إضافته إلى الفاعل وإلى المفعول وهو أنسب بما قبله، قال الباجي: وهو من فعل القلب، ومع ذلك فيختص بالتواضع، وفيه: أن فعل الثلاثة إنما هو بفضل اللّه وتوفيقه (وإذا أردت) بتقديم الدال على الراء من الإدارة، أي: أوقعت. وفي رواية: بتقديم الراء على الدال من الإرادة (بقوم) لفظ الموطأ في الناس (فتنة) بلايا ومحنًا (فاقبضني إليك غير مفتون) فيه إشارة إلى طلب العافية واستدامة السلامة إلى حسن الخاتمة. (رواه في الموطأ) بلاغا، قال ابن عبد البر: هو حديث صحيح ثابت من حديث عبد الرحمن بن عابس وابن عباس، وثوبان، وأبي أمامة: (وكان) ◌َ. (يدعو اللهم فالق الإصباح) خالفه ومظهره (وجاعل الليل سكنًا) يسكن فيه (والشمس والقمر) منصوبان على محل الليل، ويجوز جرهما عطفًا على لفظه (حسبانًا) قال ابن عبد البر: أي: حسبانًا، أي: بحساب معلوم، وقد یکون جمع حساب کشهاب وشهبان. وقال الباجي: أي يحسب بهما الأيام والشهور والأعوام، قال تعالى: ﴿هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورًا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب﴾ [يونس/ ٥] (اقض عني الدين) قال ابن عبد البرّ: الأظهر فيه دين الناس ويدخل فيه دين اللّه بالأولى، وفي الحديث: دين اللّه أحق أن يقضي (واغنني من الفقر) وهو ما لا يدرك معه القوت، وقد أغناه كما قال: ﴿ووجدك عائلاً فأغنى﴾ [الضحى/ ٨]، ولم يكن غناه أكثر من اتخاذه قوت سنة لعياله والغنى كله في قلبه ثقة بربه (وأمتعني بسمعي) لما فيه من التنعم بسماع الذكر وما يسر (وبصري) لما فيه من التدبر برؤية مخلوقات الله (و) أمتعني (بقوّتي) بفوقية قبل الياء واحدة القوى. وروى: وقوني بنون بدل الفوقية، قال ابن عبد البر: والأول أكثر عند الرواة: (وتوفني في سبيلك) الجهاد أو جميع أعمال البرّ من تبليغ الرسالة وغيرها، فذلك كله سبيل اللّه، قاله الباجي (رواه في الموطأ) عن يحيى بن سعيد الأنصاري أنه بلغه فذكره (وكان +بي يتعوّذ فيقول:) ١٧ النوع الشّابع من عباداته عليه الصلاة والسلام في نبذة من أدعيته وذكره وقراءته } يتعوذ فيقول: ((اللهم إنى أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن وكان : والهرم والبخل، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات)). رواه الشيخان من حديث أنس. وفي رواية أبي داود. ((اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن وضلع الدين وغلبة الرجال). وكان يقول: ((اللهم إني أعوذ بك من الجذام والبرص والجنون، وسيء وفي لفظ للبخاري عن أنس: كنت أسمعه يكثر أن يقول: (اللهم إني أعوذ بك من العجر) - بسكون الجيم - وأصله التأخر عن الشيء مأخوذ من العجز وهو مؤخر الشىء، وللزوم الضعف والقصور عن الإتيان بالشىء، استعمل في مقابلة القدرة واشتهر فيها (والكسل): التثاقل عن الشيء مع القدرة عليه والداعية إليه (والجبن) خلاف الشجاعة (والهرم) وهو أقصى الكبر (والبخل) ضد الكرم (وأعوذ بك من عذاب القبر) ما فيه من الأهوال والشدائد (وأعوذ بك من فتنة المحيا) ما يعرض للإِنسان في مدة حياته من الافتنان بالدنيا وشهواتها وجهالاتها وأعظمها والعياذ بالله تعالى أمر الخاتمة عند الموت (والممات) قيل: هي فتنة القبر بسؤال الملكين والمراد من شر ذلك، إذ أصل السؤال واقع لا محالة فلا يدعى برفعه فيكون عذاب القبر مسببًا عن ذلك والسبب غير المسبب، وقيل: المراد الفتنة قبل الموت وأضيفت إلى الموت لقربها منه وحينئذٍ تكون فتنة المحيا قبل ذلك، وقيل: غير ذلك والمحيا والممات مصدران مجروران بالإِضافة بوزن مفعل ويصلحان للزمان والمكان والمصدر. (رواه الشيخان من حديث أنس، وفي رواية أبي داود: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن) يفتح المهملة والزاي جمع بينهما، لأن الهم إنما يكون في المتوقع والحزن فيما وقع، فالهم للمستقبل والحزن على الماضي، ولأن أصل الهم الذوبان يقال: أهمه المرض بمعنى أذابه، سمي به ما يعتري الإِنسان من شديد الغم لأنه أبلغ وأشد من الحزن الذي أصله الخشونة، فليس العطف لاختلاف اللفظ مع اتحاد المعنى كما ظن (وضاع الدين) بفتح المعجمة واللام ومهملة، أي: ثقله وشدته المانع لصاحبه عن الاستواء، فإن أصل الضلع الاعوجاج والميل وذلك حيث لا يجد من عليه الدين وفاء ولا سيما مع المطالبة، قال بعض السلف: ما دخل هم الدين قلبًا إِلاَّ أذهب منه من العقل ما لا يعود إليه (وغلبة الرجال) شدة تسلطهم بغير حق تغلبًا وجدلاً، فالإِضافة للفاعل أو هيجان النفس من شدة الشهوة، فالإضافة للمفعول وصريح المصنف انفراد أبي داود وليس كذلك، فقد روى البخاري عن أنس: كنت أسمعه عَلَه يكثر أن يقول: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والبخل والجبن وضلع الدين وغلبة الرجال (وكان) ◌ّ (يقول: اللهم إني أعوذ بك من الجذام) كغراب علة تحدث من انتشار السوداء في البدن ١٨ النوع الشّابع من عباداته عليه الصلاة والسلام في نبذة من أدعيته وذكره وقراءته الأسقام)، رواه أبو داود والنسائي، من حديث أنس. وكان يقول: ((اللهم إني أعوذ بك من شر ما علمت، ومن شر ما لم أعلم)). رواه مسلم من حديث عائشة. وكان يقول: ((اللهم إني أعوذ بك من قلب لا يخشع، ومن دعاء لا يسمع، ومن نفس لا تشبع، ومن علم لا ينفع، أعوذ بك من هذه الأربع)). رواه الترمذي فتفسد مزاج الأعضاء وجهاتها، وربما انتهى إلى تأكل الأعضاء وسقوطها (والبرص:) بفتحتين بياض يظهر في ظاهر البدن لفساد المزاج (والجنون وسيء الأسقام) ونص على الثلاثة مع دخولها في هذه لأنها أبغض شيء إلى العرب ولهم عنها نفرة عظيمة، ولذا عدوا من شروط الرسالة السلامة من المنفرات، فاستعادته منها تعليم للأمة أو إظهار للعبودية (رواه أبو داود والنسائي من حديث أنس) بإسناد صحيح (وكان) ◌َ}. (يقول: اللهم إني أعوذ بك من شر ما علمت ومن شرما لم أعلم). (رواه مسلم.) كذا في النسخ من العلم فيهما، والذي في مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه، كلهم (من حديث عائشة) بلفظ: من شر ما عملت ومن شر ما لم أعمل بتقديم الميم على اللام فيهما من العمل، أي: من شر عمل يحتاج فيه إلى العفو وما لم أعمل بأن تحفظني منه في المستقبل، أو أراد شر عمل غيره، ﴿واتقوا فتنة لا تصيب الذين ظلموا منكم﴾ خاصة أو ما ینسب إليه افتراء ولم يعمله. وقد وقع في الإِحياء بتقديم اللام وروده عليه، لكنه لم يعزه لمسلم، فالرد على المصنف أقوى لعزوه لمسلم ما ليس فيه وإن كان جاء حديث آخر بتقديم اللام مرفوعًا: اللهم إني أسألك من الخير كله ما علمت منه وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشر كله ما علمت منه وما لم أعلم. رواه أبو داود والطيالسي عن جابر بن سمرة: (وكان) ◌َّ (يقول: اللهم إني أعوذ بك من قلب لا يخشع) لذكر الله ولا لاستماع كلامه تعالى وهو القلب القاسي أبعد القلوب من اللّه سبحانه (ومن دعاء لا يسمع) أي: لا يستجاب ولا يعتد به، فكأنه غير مسموع (ومن نفس لا تشبع) من جمع المال أشرًا وبطرًا ومن كثرة الأكل الجالبة لكثرة الأبخرة الجالية للنوم وكثرة الوساوس والخطرات النفسانية المؤدية إلى مضار الدنيا والآخرة (ومن علم لا ينفع) أي: لا يعمل به أو لا يهذب الأخلاق الباطنة فيسري بها إلى الأفعال الظاهرة (أعوذ بك من هذه الأربع) أتى به مع استفادته مما قبله تنبيهًا على توكيد هذا الحكم وتقويته وفيه تسجيع الدعاء بلا قصد، ولذا جاء في غاية الانسجام، والمكروه إنما هو المتكلف المقصود لأنه لا يلائم الضراعة والذلة. قال الطيبي: في كل من هذه القرائن إشعار بأن وجوده مبني على غايته والغرض الغاية، ١٩ التّوع السَّابع من عباداته عليه الصلاة والسلام في نبذة من أدعيته وذكره وقراءته والنسائي من حديث ابن عمرو بن العاص. وكان يقول: ((اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجأة نقمتك، وجميع سخطك)). رواه مسلم وأبو داود من حديث ابن عمرو بن العاص أيضًا. وكان يقول: ((اللهم إني أعوذ بك من الفقر والقلة والذلة، وأعوذ بك من أن فإن تعلم العلم إنما هو للنفع به، فإذا لم ينفعه لم يخلص كفاقًا، بل يكون وبالأوان القلب إنما خلق ليخشع لربه فإن لم يخشع فهو قاس يستعاذ منه فويل للقاسية قلوبهم وإنما يعتد بالنفس إذا تجافت عن دار الغرور وأنابت إلى دار الخلود، فإذا كانت نهمة لا تشبع كانت أعدى عدو للمرء، فهي أهم ما يستعاذ منه، وعدم استجابة الدعاء دليل على أن الداعي لم ينتفع بعلمه ولم يخشع قلبه ولم تشبع نفسه. (رواه الترمذي والنسائي من حديث) عبد اللّه (بن عمرو بن العاصي) ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة والنسائي، أيضًا عن أنس: وقد رواه مسلم في آخر حديث، ولفظه عن زيد بن أرقم: كان ◌َّ يقول: اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل والجبن والبخل والهرم وعذاب القبر، اللهم آتٍ نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع ومن قلب لا يخشع ومن نفس لا تشبع ومن دعوة لا يستحاب لها، وكذا رواه أحمد والترمذي وغيرهما. (وكان) عَدُ (يقول: اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك) أي: ذهابها مفردة في معنى الجمع، لأن المفرد المضاف يعم النعم الظاهرة والباطنة وهي كل ملائم تحمد عاقبته، والاستعاذة من زوالها تتضمن الحفظ من الوقوع في المعاصي، لأنها تزيلها (وتحول) أي: تبدل (عافيتك) ويفارق التحول الزوال، فيقال في كل ثابت لشيء ثم فارقه زال، ولفظ أبي داود تحويل بزيادة تحتية وهو تغيير الشيء وانفصاله عن غيره، فكأنه سأل دوام العافية وهي السلامة من الآلام والأسقام (وفجأة) بضم الفاء والمد وفتحها والقصر بغتة (نقمتك) بكسر النون، وقد تفتح وسكون القاف غضبك وعقوبتك. قال المازري: استعاذ من أخذة الأسف (وجميع سخطك) بفتحتين، أي الأسباب الموجبة لذلك، وإذا انتفت أسبابها حصلت أضدادها. (رواه مسلم وأبو داود) والترمذي (من حديث ابن عمرو بن العاصي: أيضًا) هذا وهم، فالذي فيهما وكذا الترمذي عن عبد اللّه بن دينار عن عبد الله بن عمر، أي ابن الخطاب: (وكان) (يقول: اللهم إني أعوذ بك من الفقر:) فقد المال أو فقر النفس (والقلة) بكسر القاف قلة ٢٠ النّوع السّايع من عباداته عليه الصلاة والسلام في نبذة من أدعيته وذكره وقراءته أظلم أو أظلم)، رواه أبو داود من حديث أبي هريرة. وكان يقول: ((اللهم إني أعوذ بك من الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق)). رواه أبو داود من حديث أبي هريرة أيضًا. وكان يقول: ((اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع، وأعوذ بك من الخيانة فإنها بئست البطانة)). رواه أبو داود والنسائي من حديث أبي هريرة أيضًا. وكان يقول: اللهم إني أعوذ بك من غلبة الدين وغلبة العدو، وشماتة المال التي يخاف منها قلة الصبر وتسلط الشيطان أن يتذكر تنعم الأغنياء، أو المراد القلة في أبواب البر ونقصان الخير أو قلة العدد والمدد أو الكل (والذلة) بالكسر (وأعوذ بك من أن أظلم) بالبناء للفاعل، أي: أجور أو أعتدي (أو أظلم) بالبناء للمفعول، والظلم وضع الشيء في غير محله. (رواه أبو داود) وابن ماجه والحاكم (من حديث أبي هريرة) وسكت عليه أبو داود: (وكان) ◌َ﴾ (يقول: اللهم إني أعوذ بك من الشقاق:) بكسر المعجمة وقافين النزاع والخلاف والتعادي، لأن كلا منهما يكون في شق، أي: ناحية أو هو العداوة وفيها أيضًا المفاعلة فتكون على بابها (والنفاق:) نفاق العمل (وسوء الأخلاق) لأن صاحبه لا يقر من ذنب إلاَّ وقع في آخر والأخلاق السيئة من السموم القائلة والمهلكات والمخازي الفاضحة والرذائل الواضحة والخبائث المبعدة عن اللّه تعالى المقربة للشيطان فحق أن يستعاذ منها. (رواه أبو داود والنسائي) في الصلاة (من حديث أبي هريرة) أيضًا، ورواه النسائي في الاستعاذة: (وكان) : (يقول: اللهم إني أعوذ بك من الجوع) أي: من ألمه وشدة مصابرته لأنه يمنع راحة البدن ويحلل المواد المحمودة بلا بدل ويشوّش الدماغ ويثير الأفكار الفاسدة والخيالات الباطنة (فإنه بئس الضجيع) أي: النائم معي في فراش واحد، سماه ضجيعًا لملازمته لصاحبه في المضجع تنبيهًا على أن المراد الملازم المضر لا مطلق جوع (وأعوذ بك من الخيانة). مخالفة الحق ينقض العهد في السر (فإنها بئست البطانة) بالكسر خلاف الظهارة، ثم استعيرت لمن يخصه الإِنسان بالاطلاع على باطن أمره، ولما كانت الخيانة أمرًا ببطنه الإنسان ويستره سماها بطانة والخيانة خزي وهوان وتكون في المال والنفس والعدد والكيل والوزن وغير ذلك (رواه أبو داود والنسائي من حديث أبي هريرة أيضًا). بإسناد صحيح وله شاهد من حديث ابن مسعود عند الحاكم في حديث: (وكان) عَّ (يقول: اللهم إني أعوذ بك من غلبة الدين:) ثقله وشدته حيث لا قدرة على وفائه، لا سيما مع الطلب (وغلبة العدو) من يفرح بمصيبته ويحزن بمسرته (وشماتة الأعداء) فرحهم بيلية تنزل