Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦١ الفصل العاشر في إفطاره عٍَّ في رمضان في السفر وصومه وأجاب الأكثرون: بأن هذا كله فيمن يخاف ضررًا، أو يجد مشقة، كما هو صريح في الأحاديث، واعتمدوا حديث أبي سعيد الخدري قال: ((كنا نغزوا مع رسول الله عَّله في رمضان، فمنا الصائم ومنا المفطر فلا يجد الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم يرون أن من وجد قوة فصام فإن ذلك حسن، ويرون أن من وجد ضعفًا فأفطر فإن ذلك حسن. وهذا صريح في ترجيح مذهب الأكثرین، وهو تفضيل الصوم لمن أطاقه بلا ضرر ولا مشقة ظاهرة. وقال بعض العلماء: الفطر والصوم سواء لتعادل الأحاديث. والصحيح: قول الأكثرين. والله أعلم. وأجاب عياض بأن قوله: ((لا جناح) إنما هو جواب لقوله: فهل عليّ جناح، فلا يدل على أن الصوم ليس بحسن وقد وصفهما معًا بالحسن في الحديث الآخر. وقال الأبي: إنما لم يدل على أن الصوم ليس بحسن لأن نفي الجناح أعم من الوجوب والندب والكراهة والإباحة. (وأجاب الأكثرون: بأن هذا كله فيمن يخاف ضررًا أو يجد مشقة كما هو صريح في الأحاديث، واعتمدوا حديث أبي سعيد الخدري) عند مسلم (قال: كنا نغزوا مع رسول اللَّه عَِّ في رمضان، فمنا الصائم ومنا المفطر فلا يجد) بفتح الياء وكسر الجيم، أي: لا يعترض ولا يعيب من وجد عليه غضب (الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم، يرون أن من وجد قوّة فصام فإن ذلك حسن، ويرون أن من وجد ضعفًا) كذا في نسخ صحيحة وهو الذي في مسلم (فأفطر فإن ذلك حسن) فوصفهما جميعًا بالحسن (وهذا) التفصيل هو المعتمد وهو (صريح في ترجيح مذهب الأكثرين، وهو تفضيل الصوم لمن أطاقه بلا ضرر ولا مشقة ظاهرة) لأنه نص رافع للنزاع. (وقال بعض العلماء: الفطر والصوم سواء لتعادل الأحاديث) من الجانبين (والصحيح قول الأكثرين) بالتفصيل (والله أعلم) أيهما أفضل حقيقة. انتهى. ٢٦٢ الأول في سرده عليه الصلاة والسلام صوم أيام من الشهر وفطره أيامًا القِسْمُ الثّاني في صومه عارضة غير شهر رمضان وفيه فصول: الأول في سرده عليه الصلاة والسلام صوم أيام من الشهر وفطره أيامًا عن أبي أمامة أن رسول الله عَّالله كان يسرد الصوم فيقال: لا يفطر، ويفطر فيقال: لا يصوم. رواه النسائي. وعن أنس قال: كان رسول الله عَّهِ يفطر من الشهر حتى نظن أن لا يصوم منه، ثم يصوم حتى نظن أن لا يفطر منه شيئًا، وكان لا تشاء أن تراه من الليل مصليًا إلا رأيته، ولا نائمًا إلا رأيته. وفي رواية: ما كنت أحب أن أراه من الشهر (القسم الثاني: في صومه عَّ غير شهر رمضان:) كذا في نسخة وهي ظاهرة، وفي نسخة القسم الثاني من صومه صومه غير ... الخ، فصومه بالرفع خبر القسم، وقوله من صومه، أي: من قسمي صومه الأعم من رمضان وغيره، فالأول رمضان كما مر وهذا الثاني. (وفيه فصول:) الفصل (الأول: في سرده عليه الصلاة والسلام صوم أيام من الشهر وفطره أيامًا عن أبي أمامة) صدي بن عجلان الباهلي؛ (أن رسول اللَّه عَلَّ كان يسرد) أي: يتابع (الصوم، فيقال: لا يفطر) فيما بقي من الشهر (ويفطر، فيقال: لا يصوم) ما بقي من الشهر (رواه النسائي). (وعن أنس: كان رسول اللَّه عَّ يفطر من الشهر حتى نظن) بنون الجمع وبتحتية على البناء للمجهول، ويجوز بالمثناة على المخاطبة ويؤيده قوله بعد ذلك: إلاَّ رأيته، فإنه روي بالفتح والضم معًا قاله الحافظ، ويجوز نصب نظن بأن مضمرة بعد حتى ورفعه على حكاية حال ماضية، وقرىء بهما قوله تعالى: ﴿حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه﴾ [البقرة/٢١٤]، (أن لا يصوم منه) بفتح الهمزة أن ونصب يصوم ورفعه لأن إما ناصبة ولا نافية، وإما مفسرة ولا ناهية، قاله المصنف، وقال شيخنا: النصب على أن ((أن)) مصدرية والرفع على أنها مخففة من الثقيلة، أي: أنه لا يصوم منه شيئًا، وأن على الوجهين بما في حيزها ساد مسد مفعولي نظن. (ثم يصوم حتى نظن أن لا يفطر منه شيئًا وكان لا تشاء أن تراه من الليل مصليًا إلاَّ رأيته) مصليًا (ولا) تشاء أن تراه (نائمًا إلاّ رأيته) نائمًا، يعني أنه كان تارة يقوم أول الليل، وتارة وسطه، وتارة آخره كما كان يصوم، كذلك فمن أراد أن يراه في وقت من الليل قائمًا، أو وقت ٢٦٣ الأول في سرده عليه الصلاة والسلام صوم أيام من الشهر وفطره أيامًا صائمًا إلا رأيته ولا مفطرًا إلا رأيته، ولا من الليل قائمًا إلا رأيته ولا نائمًا إلا رأيته، رواه البخاري. ولمسلم: كان يصوم حتى يقال: قد صام صام، ويفطر حتى يقال: قد أفطر أفطر. وعن ابن عباس: قال ما صام رسول الله عَلَّه شهرًا كاملاً غير رمضان، وكان يصوم حتى يقول القائل: لا والله لا يفطر، ويفطر حتى يقول القائل: لا والله لا يصوم. رواه البخاري ومسلم والنسائي وزادا: ما صام شهرًا متتابعًا غير رمضان منذ من الشهر صائمًا فراقبه مرة بعد مرة، فلا بد أن يصادفه قام أو صام على وفق ما أراد أن يراه، وليس المراد أنه كان يسرد الصوم، ولا أنه يستوعب الليل قائمًا، ولا يشكل عليه قول عائشة: كان إذا صلى صلاة داوم عليها، ولا قولها: كان عمله ديمة، لأن المراد ما اتخذه راتبًا لا مطلق النافلة، هذا وجه الجمع بينهما، وإلا فظاهرهما التعارض قاله الحافظ. (وفي رواية) عن حميد قال: سألت أنسًا عن صيام النبي عَّه، فقال: (ما كنت أحب أن أراه) أي: رؤيته (من الشهر) حال كونه (صائمًا إلاَّ رأيته) صائمًا (ولا) كنت أحب أن أراه من الشهر (مفطرًا إلَّ رأيته) مفطرًا (ولا) كنت أحب أن أراه (من الليل قائمًا إلاَّ رأيته) قائمًا يصلي (ولا نائمًا إلاَّ رأيته) نائمًا (رواه البخاري) يعني: المذكور من الروايتين من طريقين، وبقية الثانية عنده: ولا مسست خزة ولا حريرة ألين من كف رسول اللَّه عَلّه، ولا شممت مسكًا ولا عبيرة أطيب رائحة من ريح رسول اللَّه عَّله، وترك المصنف هذا لأنه ليس من غرضه هنا، وقد قدمه في شمائله. (ولمسلم) عن ثابت عن أنس: أن رسول اللَّه عَ ◌ّه (كان يصوم حتى يقال: قد صام صام) مرتين، وبقد في الأولى، وفي رواية بإثبات قد فيهما (ويفطر حتى يقال قد أفطر أفطر) بقد في الأولى لا الثانية، ويإثباتهما فيهما. (وعن ابن عباس قال: ما صام رسول اللَّه ◌َ لِ شهرًا كاملاً) وفي رواية لمسلم: شهرًا متتابعًا (غير رمضان) هو موافق لقول عائشة: لم يستكمل صيام شهر إلاّ رمضان، ويعارضه قولها أيضًا: كان يصوم شعبان كله، فإما أن يحمل على الأكثرية، أو على أنه لم يره يستكمل إلاَّ رمضان، فأخبر على حسب اعتقاده، ويأتي بسطه في صومه شعبان. (وكان يصوم حتى يقول القائل: لا والله لا يفطر) والطيالسي: حتى يقولوا ما يريد أن يفطر (ويفطر حتى يقول القائل لا واللَّه لا يصوم، رواه البخاري ومسلم والنسائي) وابن ماجه، كلهم في الصوم (وزادا) بالتثنية، أي: مسلم والنسائي: (ما صام شهرًا متتابعًا غير رمضان منذ) ٢٦٤ الفصل الثاني في صومه عَّل عاشوراء قدم المدينة. ففي هذا: أنه عَِّ لم يصم الدهر كله، ولا قام الليل كله، وكأنه ترك ذلك لئلا يقتدى به فيشق على الأمة، وإن كان قد أعطي من القوة ما لو التزم ذلك لاقتدر عليه، لكنه سلك من العبادة الطريقة الوسطى، فصام وأفطر، وقام ونام. الفصل الثاني في صومه علية عاشوراء وهو بالمد على المشهور. واختلف في تعيينه: فعن الحكم بن الأعرج قال: انتهيت إلى ابن عباس - وهو متوسد رداءه في زمزم - فقلت له: أخبرني عن صوم عاشوراء، فقال: إذا رأيت هلال المحرم فاعدد وأصبح يوم التاسع صائمًا، قلت: هكذا كان محمد عَّله يصومه؟ قال: نعم. رواه مسلم. بالنون، ويروى بدونها (قدم المدينة) وقراءة زاد بالإفراد تعطي أنها ليست في مسلم مع أنها فيه بلفظها (ففي هذا أنه عَِّ لم يصم الدهر كله ولا قام الليل كله وكأنه ترك ذلك لئلا يقتدى به فيشق على الأمة) وهو بهم رؤوف رحيم (وإن كان قد أعطي من القوّة ما لو التزم ذلك لاقتدر) أي: قدر (عليه لكنه سلك من العبادة الطريقة الوسطى، فصام وأفطر وقام ونام) فطوبى لمن اقتدى به في بعض ذلك. (الفصل الثاني: في صومه عّلِّ عاشوراء، وهو بالمد على المشهور) وحكي قصره، وزعم ابن دريد أنه اسم إسلامي لا يعرف في الجاهلية، ورده ابن دحية بقول عائشة: كان عاشوراء يومًا تصومه قريش في الجاهلية. قال الحافظ: ولا دلالة فيه، أي: لجواز أنها قالته بعد اشتهاره في الإسلام بهذا الاسم، وذكر أبو منصور الجواليقي أنه لم يسمع فاعولاء إلاّ عاشوراء وضاروراء وساروراء ودالولاء من الضار والسار والدال، وزاد ابن دحية عن ابن الأعرابي: خابوراء. (واختلف في تعيينه) هل هو العاشر أو التاسع (فعن الحكم) بفتحتين (ابن الأعرج) واسمه عبد اللَّه البصري (قال: انتهيت إلى ابن عباس وهو متوسد رداءه في زمزم، فقلت له: أخبرني عن صوم عاشوراء؟، فقال: إذا رأيت هلال المحرم فاعدد وأصبح) بهمزة قطع وكسر الموحدة (يوم التاسع صائمًا) قال الحكم: (قلت) له: (هكذا كان محمد عَّه يصومه؟، قال: نعم، رواه مسلم) من أفراده. قال القرطبي: يعني لو عاش لصامه، كذلك لوعده الذي وعد به لا أنه صام التاسع بدل ٢٦٥ الفصل الثاني في صومه عَ ◌ّ عاشوراء قال النووي: هذا تصريح من ابن عباس بأن مذهبه أن عاشوراء هو اليوم التاسع من المحرم، ويتأوله على أنه مأخوذ من أظماء الإبل، فإن العرب تسمي اليوم الثالث من أيام الورود ربعًا، وكذا باقي الأيام على هذه النسبة، فيكون التاسع عاشرًا. انتهى. لكن قال ابن المنير: قوله: ((إذا أصبحت من تاسعه فأصبح صائمًا)) يشعر بأنه أراد العاشر، لأنه لا يصبح صائمًا بعد أن أصبح صائمًا تاسعه إلا إذا نوى الصوم من الليلة المقبلة، وهي الليلة العاشرة. انتهى. وذهب جماهير العلماء من السلف والخلف إلى أن عاشوراء هو اليوم العاشر من محرم، وممن قال ذلك: سعيد بن المسيب، والحسن البصري، ومالك وأحمد وإسحق، وخلائق. وهذا ظاهر الأحاديث، ومقتضى اللفظ، وأما تقدير أخذه من الإظماء فبعيد، ثم إن حديث ابن عباس يرد عليه معنى قوله: أَنَّه عَِّ صام يوم العاشر، إذ لم يسمع ذلك عنه ولا روي قط. انتهى، ونقله عنه السيوطي وأقره. (قال النووي: هذا تصريح من ابن عباس بأن مذهبه أن عاشوراء هو اليوم التاسع من المحرم ويتأوله على أنه مأخوذ من أظماء الإبل) لأنهم يحسبون في الأظماء يوم الورود (فإن العرب تسمي اليوم الثالث من أيام الورود ربعًا) نظرًا لكونه صبيحة الليلة الرابعة وهم يؤرخون بالليالي، فإذا أقامت في الرعي يومين ثم وردت في الثالث قالوا: وردت بعلوان رعت ثلاثًّ، وفي الثالث وردت قالوا: وردت خمسًا (وكذا باقي الأيام على هذه النسبة) فإذا رعت ثمانية أيام، وفي التاسع وردت، قالوا: وردت عشرًا بكسر العين لأنهم يحسبون في كل هذا بقية اليوم الذي وردت فيه وأول اليوم الذي ترد فيه بعده (فيكون التاسع عاشرًا. انتهى). (لكن قال ابن المنير قوله: إذا أصبحت من تاسعه فأصبح صائمًا) لم يتقدم بهذا اللفظ ولا هو به في مسلم، فلعله حمل عليه اللفظ الوارد وهو: وأصبح يوم التاسع صائمًا (يشعر بأنه أراد العاشر لأنه لا يصبح صائمًا بعد أن أصبح صائمًا تاسعه إلاّ إذا نوى الصوم من الليلة المقبلة وهي الليلة العاشرة. انتهى). (وذهب جماهير العلماء من السلف والخلف إلى أن عاشوراء هو اليوم العاشر من محرم، وممن قال ذلك سعيد بن المسيب والحسن البصري ولملك وأحمد وإسحق وخلائق، وهذا ظاهر الأحاديث ومقتضى اللفظ) من التسمية والاشتقاق. (وأما تقدير أخذه من الإظماء فبعيد) لأنه خلاف المتبادر (ثم إن حديث ابن عباس) ٢٦٦ الفصل الثاني في صومه عَِّ عاشوراء عاشوراء فقالوا يا رسول الله،، إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى، فقال عَ لَّه: فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع، قال: فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله عَّ وهذا تصريح بأن الذي كان يصومه ليس هو التاسع، فتعين كونه العاشر. قاله النووي. وقال القرطبي: عاشوراء معدول عن عاشر للمبالغة والتعظيم، وهو في الأصل صفة لليلة العاشرة، لأنه مأخوذ من العَشَر الذي هو اسم العقد، واليوم يضاف إليها، فإذا قيل يوم عاشوراء فكأنه قيل يوم الليلة العاشرة، إلا أنهم لما عدلوا به عن الصفة غلبت عليه الأسمية فاستغنوا عن الموصوف فحذفوا الميلة. وعلى هذا فيوم عاشوراء هو العاشر، وهذا قول الخليل وغيره. قال ابن المنير: والأكثر على أن يوم عاشوراء هو اليوم العاشر من شهر الله نفسه (يرد عليه معنى قوله) في مسلم (أنه عَّ صام يوم عاشوراء) وأمر بصيامه كما في مسلم (فقالوا) أي: الصحابة: (يا رسول اللَّه إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى) فكيف تعظمه أنت؟ (فقال عَ له: ((فإذا كان العام المقبل إن شاء اللَّه صمنا اليوم التاسع))). وفي رواية لمسلم: لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع (قال: فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول اللّه عَّهِ، وهذا تصريح بأن الذي كان يصومه ليس هو التاسع فتعين كونه العاشر، قاله النووي) لأن التاسع لم يبلغه، ولعله لو بلغه صامه مع العاشر كما في حديث: ((فصوموا التاسع والعاشر)). قال العلماء: السبب في ذلك أن لا نتشبه باليهود في إفراد العاشرة. قال القرطبي: ظاهره أنه عزم على صوم التاسع بدل العاشر، وهذا هو الذي فهمه ابن عباس حتى قال لسائله عن يوم عاشوراء: إذا رأيت هلال المحرم فاعدد وأصبح يوم التاسع صائمًا، وبهذا تمسك من رآه التاسع. انتهى. (وقال القرطبي: عاشوراء معدول عن عاشر للمبالغة والتعظيم وهو في الأصل صفة الليلة العاشرة لأنه مأخوذ من العشر) بفتح العين (الذي هو اسم العقد واليوم يضاف إليها، فإذا قيل يوم عاشوراء، فكأنه قيل يوم الليلة العاشرة، إلاَّ أنهم لما عدلوا به عن الصفة غلبت عليه الإسمية، فاستغنوا عن الموصوف فحذفوا الليلة، وعلى هذا فيوم عاشوراء هو اليوم العاشر وهذا قول الخليل وغيره) من أئمة اللغة، وقيل: هو تاسع المحرم، هذا بقية كلام القرطبي. (قال ابن المنير:) فعلى الأول اليوم مضاف لليلة الماضية، وعلى الثاني مضاف لليلة ٢٦٧ الفصل الثاني في صومه عَّه عاشوراء المحرم، وهو مقتضى الاشتقاق والتسمية. وقال ابن القيم: فمن تأمل مجموع روايات ابن عباس تبين له زوال الإشكال وسعة علم ابن عباس، فإنه لم لم يجعل يوم عاشوراء اليوم التاسع بل قال للسائل صم اليوم التاسع، فاكتفى بمعرفة السائل أن يوم عاشوراء هو اليوم العاشر الذي بعده الناس يوم عاشوراء، فأرشد السائل إلى صيام التاسع معه، وأخبره أن رسول الله عَ ليه كان يصومه كذلك، فإما أن يكون فِعلُ ذلك وهو الأولى، وأما أن يكون حَمْلُ فعله على الأمر به وعزمه عليه في المستقبل، وهو الذي روى (أمرنا رسول الله عَّه. بصيام يوم عاشوراء يوم العاشر)) وكل هذه الآثار عنه يصدق بعضها بعضًا. انتهى فليتأمل. وعن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: قالت كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله عَّه يصومه في الجاهلية، فلما قدم المدينة الآتية، قال: (والأكثر على أن يوم عاشوراء هو اليوم العاشر من شهر الله المحرم وهو مقتضى الاشتقاق) من العشر الذي هو العقد على ما هو المتبادر (والتسمية) بعاشوراء يعني وأخذه من إظماء الإبل بعيد. (وقال ابن القيم: فمن تأمل مجموع روايات ابن عباس تبين له زوال الإشكال) في قوله: وأصبح يوم التاسع صائمًا (وسعة علم ابن عباس، فإنه لم يجعل يوم عاشوراء اليوم التاسع، بل قال للسائل) عن صيام عاشوراء: (صم اليوم التاسع، فاكتفى بمعرفة السائل أن يوم عاشوراء هو اليوم العاشر الذي بعده) يسميه (الناس يوم عاشوراء، فأرشد السائل إلى صيام التاسع معه) ويؤيده أن السائل لم يقل ما يوم عاشوراء، أو أي يوم هو، وإنما سأله عن صيامه (وأخبره أن رسول اللَّه عٍَّ كان يصومه كذلك) أي: تاسوعاء وعاشوراء (فإما أن يكون) عَّه. (فعل ذلك) أي: صامهما (وهو الأولى) لظاهر حديث ابن عباس على هذا الحمل (وإما أن يكون حمل فعله على الأمر به وعزمه عليه في المستقبل) فأطلق عليه أنه صامه تجوّزا، ولعل هذا الأولى مما قبله، وإن قال إنه الأولى لاحتياجه إلى نقل (وهو) أي: ابن عباس (الذي روى أمرنا رسول اللَّه عَ لِّ بصوم يوم عاشوراء يوم العاشر) بالجر بدل (وكل هذه الآثار عنه يصدق بعضها بعضًا. انتهى) كلام ابن القيم (فليتأمل) إذ مع كونه خلاف المتبادر لا مساعد لحمله على هذا. (وعن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، قالت: كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول اللَّه عَّ﴾. يصومه في الجاهلية) موافقة لهم كالحج، أو أذن اللَّه تعالى ٢٦٨ الفصل الثاني في صومه عدّله عاشوراء صامه وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان ترك عاشوراء، فمن شاء صامه ومن شاء تركه. رواه البخاري ومسلم ومالك وأبو داود والترمذي. واستفيد من هذه الرواية تعيين الوقت الذي وقع الأمر فيه بصيام عاشوراء، وهو أول قدومه المدينة، ولا شك أن قدومه عليه الصلاة والسلام كان في ربيع الأول، فحينئذ كان الأمر بذلك في أول السنة الثانية قبل فرض شهر رمضان، فعلى هذا لم يقع الأمر بصوم يوم عاشوراء إلا في سنة واحدة، ثم فوض الأمر في صيامه إلى رأي المتطوع، فعلى تقدير صحة قول من يدعي أنه كان قد فرض فقد نسخ فرضه بهذه الأحاديث الصحيحة. وأما صيام قريش لعاشوراء فلعلهم تلقوه من الشرع السابق، ولذا كانوا يعظمونه بكسوة الكعبة فيه، وقد روي عن عكرمة أنه سئل عن ذلك فقال: أذنبت قريش ذنبًا في الجاهلية، فعظم في صدورهم، فقيل لهم صوموا عاشوراء يكفر ذلك الذنب. قاله في فتح الباري. له (فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه) بفتحتين وبضم الهمزة وكسر الميم، روايتان اقتصر عياض على الثانية. وقال النووي: الأولى أظهر (فلما فرض رمضان) أي: صيامه في السنة الثانية في شعبان (ترك عاشوراء، فمن شاء صامه ومن شاء تركه) لأنه ليس حتمًا (رواه البخاري) من طريق لملك (ومسلم) من طرق (ولملك) في الموطأ (وأبو داود والترمذي) من طريق ملك وغيره (واستفيد من هذه الرواية تعيين الوقت الذي وقع الأمر فيه بصيام عاشوراء وهو أول قدومه المدينة، ولا شك أن قدومه عليه السلام كان في ربيع الأول، فحينئذ كان الأمر بذلك في أول السنة الثانية قبل فرض شهر رمضان) لأنه فرض في شعبان منها (فعلى هذا لم يقع الأمر بصوم عاشوراء إلاّ في سنة واحدة) هي الثانية كما علم (ثم فوض الأمر في صيامه إلى رأي ! متطوع، فعلى تقدير صحة قول من يدعي أنه كان قد فرض فقد نسخ فرضه بهذه الأحاديث الصحيحة). وفي نسخ الاستحباب: إذا نسخ الوجوب خلاف مشهور وعلى أنه كان للاستحباب فهو باق على استحبابه (وأما صيام قريش لعاشوراء فلعلهم تلقوه من الشرع السابق) كشرع إبراهيم (ولذا كانرا يعظمونه بكسوة الكعبة فيه، و) لكن (قد روي) عند الباغندي (عن عكرمة أنه سئل عن ذلك، فقال: أذنبت قريش ذنبًا في الجاهلية فعظم في صدورهم، فقيل لهم: صوموا عاشوراء يكفر ذلك الذنب، قاله في فتح الباري). ٢٦٩ الفصل الثاني في صومه عَل عاشوراء وعن ابن عمر: أن أهل الجاهلية كانوا يصومون يوم عاشوراء، وأن رسول الله عَّله قال: إن عاشوراء يوم من أيام الله فمن شاء صامه. رواه البخاري ومسلم وأبو داود، وفي رواية: وكان عبد الله لا يصومه إلا أن يوافق صومه. وعن سلمة بن الأكوع: بعث رسول الله عَّله رجلاً من أسلم يوم عاشوراء، فأمره أن يؤذن في الناس: من كان لم يصم فليصم، ومن كان أكل فليتم صيامه إلى الليل رواه مسلم. قال النووي: اختلفوا في حكم صوم عاشوراء في أول الإسلام حين شرع صومه قبل صوم رمضان: فقال أبو حنيفة: كان واجبًا. واختلف أصحاب الشافعي فيه على وجهين: أشهرهما عندهم أنه لم يزل (وعن ابن عمر بن الخطاب: (أن أهل الجاهلية كانوا يصومون يوم عاشوراء، وأن رسول اللَّه عَّ) زاد في رواية مسلم صامه والمسلمون قبل أن يفترض رمضان، فلما افترض (قال) رسول اللَّه عَ ل: ((إن عاشوراء يوم من أيام اللَّه، فمن شاء صامه))) ومن شاء تركه (رواه البخاري ومسلم وأبو داود). (وفي رواية) لمسلم: (وكان عبد اللَّه) بن عمر (لا يصومه إلاَّ أن يوافق صومه) لأنه كان يكره قصد صيامه بالتعيين لحديث جاء في ذلك، قاله عياض. (وعن سلمة بن الأكوع) قال: (بعث رسول اللَّه عَليه رجلاً) هو هند بن أسماء بن حارثة الأسلمي، كما عند أحمد وغيره: (من أسلم) بزنة أحمر قبيلة من العرب معروفة، قال فيها عَّه: أسلم سالمها اللَّه (يوم عاشوراء فأمره أن يؤذن). وفي رواية للبخاري: ينادى (في الناس من كان لم يصم فليصم) أي: يمسك، إذ الصوم الحقيقي هو الإمساك من أول النهار إلى آخره (ومن كان أكل فليتم صيامه إلى الليل) حرمة لليوم. وفي رواية البخاري: من كان أكل فليتم بقية يومه ومن لم يكن أكل فليصم، وفي لفظ له ومن لم يأكل فلا يأكل (رواه مسلم) في الصيام رباعيًّا وفيه تقصير، فقد رواه البخاري ثلاثيًا في محلين من الصوم وفي خبر واحد. (قال النووي: اختلفوا في حكم صوم عاشوراء في أول الإسلام حين شرع صومه قبل صوم رمضان، فقال أبو حنيفة: كان واجبًا) لظواهر الأحاديث (واختلف أصحاب الشافعي) أي: ٢٧٠ الفصل الثاني في صومه عَةٍ عاشوراء سنة من حين شرع، ولم يكن واجبًا قط فى هذه الأمة، ولكنه كان متأكد الاستحباب، فلما نزل صوم رمضان صار مستحبًا دون ذلك الاستحباب، والثاني: كان واجبًا كقول أبي حنيفة. وتظهر فائدة الخلاف في اشتراط نية الصوم الواجب من الليل، فأبو حنيفة لا يشترطها، ويقول: كان الناس مفطرين أول يوم عاشوراء ثم أمروا بصيامه بنية من النهار، ولم يؤمروا بقضائه بعد صومه. وأصحاب الشافعي يقولون: كان مستحبًا فصح بنية من النهار، ويتمسك أبو حنيفة بقوله: ((أمر بصيامه)) والأمر للوجوب، وبقوله: ((فلما فرض شهر رمضان قال: من شاء صامه ومن شاء تركه)). ويحتج الشافعية بقوله: ((هذا يوم عاشوراء ولم يكتب الله عليكم صيامه))، والشافعية أيضًا يقولون: معنى قوله في حديث سلمة: ((فأمره أن يؤذن في الناس من كان لم يصم فليصم الخ)). أي من كان نوى الصوم فليتم صومه، ومن كان لم ينو الصوم ولم أهل مذهبه (فيه على وجهين، أشهرهما عندهم؛ أنه لم يزل سنة من حين شرع ولم يكن واجبًا قط في هذه الأمة ولكنه كان متأكد الاستحباب، فلما نزل صوم رمضان) في القرآن (صار مستحبًا دون ذلك الاستحباب) أي: غير متأكد. (والثاني كان واجبًا كقول أبي حنيفة وتظهر فائدة الخلاف في اشتراط نية الصوم الواجب من الليل، فأبو حنيفة لا يشترطها ويقول: كان الناس مفطرين أول يوم عاشوراء ثم أمروا بصيامه بنية من النهار ولم يؤمروا بقضائه بعد صومه) ورد بأن في أبي داود أنهم أتموا بقية اليوم وقضوه (وأصحاب الشافعي يقولون: كان مستحبًا فصح بنية من النهار، ويتمسك أبو حنيفة بقوله: أمر بصيامه والأمر للوجوب) لكنه إنما يقتضيه إذا كان بصيغة أفعل، أما أمر فإنما يدل على الطلب، وهو يحتمل الوجوب والندب ويأتي رد هذا (وبقوله: فلما فرض شهر رمضان قال: من شاء صامه ومن شاء تركه) فمقتضاه أنه قبل ذلك كان فرضًا. (ويحتج الشافعية بقوله) عَّه في الصحيحين: ((هذا يوم عاشوراء ولم يكتب اللَّه عليكم صيامه))) فإن ظاهره أنه لم يفرض قط وأجيب بأن معوية راويه من مسلمة الفتح، فإن كان سمعه بعد إسلامه فإنما سمعه سنة تسع أو عشر، وذلك بعد نسخه برمضان، فمعنى: لم يكتب لم يفرض بعد إيجاب رمضان، وإن كان سمعه قبل إسلامه جاز أنه قبل افتراضه ونسخه برمضان (والشافعية أيضًا يقولون معنى قوله في حديث سلمة) بن الأكوع (فأمره أن يؤذن في الناس: (من كان لم يصم فليصم إلى آخره)). أي: من كان نوى الصوم فليتم صومه، ومن ٢٧١ الفصل الثاني في صومه عدّله عاشوراء يأكل أو أكل فليمسك بقية يومه لحرمة اليوم. واحتج أبو حنيفة بهذا الحديث لمذهبه: أن صوم الفرض يجب بنية في النهار ولا يشترط تبييتها، قال: لأنهم نووا في النهار وأجزأهم. وأجاب الجمهور عن هذا الحديث: بأن المراد إمساك بقية النهار لا حقيقة الصوم، والدليل على هذا: أنهم أكلوا ثم أمروا بالإتمام، وقد وافق أبو حنيفة وغيره على أن شرط إجزاء النية في النهار في الفرض والنفل أن لا يتقدمها مفسد للصوم من أكل وغيره، انتهى. وقال الحافظ شيخ الإسلام أبو الفضل بن حجر: يؤخذ من مجموع الأحاديث أنه كان واجبًا لثبوت الأمر بصومه، ثم تأكيد الأمر بذلك، ثم زيادة التأكيد بالنداء العام، ثم زيادته بأمر من أكل بالإمساك، ثم زيادته بأمر الأمهات أن لا يرضعن فيه الأطفال، وبقول ابن مسعود الثابت في مسلم: ((لما فرض رمضان ترك عاشوراء» مع العلم أنه ما ترك استحبابه، بل هو باق، فدل على أن المتروك كان لم ينو الصوم ولم يأكل، أو أكل فليمسك بقية يومه لحرمة اليوم، واحتج أبو حنيفة بهذا الحديث لمذهبه: أن صوم الفرض يجب) أي: يتحقق ويوجد (بنية في النهار) من وجب الشىء وجوبًا ثبت (ولا يشترط تبييتها، قال: لأنهم نووا في النهار وأجزأهم) وكان عاشوراء فرضًا. (وأجاب الجمهور عن هذا الحديث بأن المراد إمساك بقية النهار لا حقيقة الصوم، والدليل على هذا أنهم أكلوا ثم أمروا بالإتمام، وقد وافق أبو حنيفة وغيره على أن شرط إجزاء النية في النهار في الفرض والنفل أن لا يتقدمها) فعل (مفسد الصوم من أكل وغيره. انتهى) كلام النووي. (وقال الحافظ شيخ الإسلام أبو الفضل بن حجر: يؤخذ من مجموع الأحاديث أنه كان واجبًا لثبوت الأمر بصومه) وكونه مشتركًا بين الطلب الشامل للندب، والإيجاب ممنوع ولو سلم، فقولها: فلما فرض رمضان إلى آخره دليل على أن الأمر كان للوجوب للقطع بأن التخيير ليس باعتبار الندب لأنه مندوب الآن (ثم تأكيد الأمر بذلك، ثم زيادة التأكيد بالنداء العام، ثم زيادته بأمر من أكل بالإمساك، ثم زيادته بأمر الأمهات أن لا يرضعن فيه الأطفال) كما روى الطبراني وأبو يعلى: أنه عَّه كان يعظم عاشوراء حتى يدعو برضعائه فيتفل في أفواههم ويقول لأمهاتهم: لا ترضعوهم إلى الليل وكان ريقه يجزيهم (وبقول ابن مسعود الثابت في مسلم) عن علقمة قال: دخل الأشعث بن قيس على ابن مسعود وهو يأكل يوم عاشوراء، فقال: إن اليوم عاشوراء، فقال: قد كان يصام قبل أن ينزل رمضان (ولما فرض رمضان ترك عاشوراء ٢٧٢ الفصل الثاني في صومه عَّ عاشوراء وجوبه، وأما قول بعضهم: ((المتروك تأكد استحبابه، والباقي مطلق استحبابه)) فلا يخفى ضعفه، بل تأكد استحبابه باق ولا سيما مع استمرار الاهتمام به حتى في عام وفاته عَ له حيث قال: ((لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع والعاشر)) ولترغيبه في صومه وأنه يكفر السنة، فإن تأكيد أبلغ من هذا. انتهى. وعن ابن عباس قال: قدم رسول الله عَّالله المدينة فرأى اليهود تصوم عاشوراء فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا يوم صالح نجى الله فيه موسى وبني إسرائيل من عدوهم، فصامه فقال: أنا أحق بموسى منكم، فصامه وأمر بصيامه. وفي رواية: فقال لهم: ما هذا اليوم الذي تصومونه؟ قالوا: هذا يوم عظيم نجى الله فيه موسى وقومه وأغرق فيه فرعون وقومه فصامه موسى شكرًا، فنحن نصومه، فقال رسول الله عَُّله: فنحن مع العلم أنه ما ترك استحبابه، بل هو باق) إلى الآن (فدل على أن المتروك وجوبه) ويدل عليه قول ابن مسعود للأشعث، فإن كنت مفطرًا فاطعم، إذ لم يبق استحبابه لقال فاطعم بدون شرط. (وأما قول بعضهم المتروك تأكد استحبابه، والباقي مطلق استحبابه فلا يخفى ضعفه) إذ هو دعوى بلا دليل (بل تأكد استحبابه باق، ولا سيما مع استمرار الاهتمام به حتى في عام وفاته عَّهِ، حيث قال: لئن عشت) وفي رواية: لئن بقيت، ومعناها عشت (إلى قابل لأصومن التاسع) وقوله: (والعاشر) لم يقع في رواية مسلم ولا ابن ماجه (ولترغيبه في صومه وأنه يكفر السنة) الماضية (فإن تأكيد أبلغ من هذا. انتهى) كلام الحافظ. (وعن ابن عباس قال: قدم رسول اللّه عَ ◌ّهِ المدينة) فأقام إلى يوم عاشوراء من السنة الثانية، (فرأى اليهود تصوم عاشوراء، فقال) لهم: ((ما هذا)؟) الصوم (قالوا: هذا يوم صالح) ولابن عساكر: هذا يوم صالح مرتين (نجى الله فيه موسى وبني إسرائيل). وفي رواية لمسلم: موسى وقومه (من عدوهم) فرعون، زاد مسلم: وغرق فرعون وقومه (فصامه) موسى، زاد مسلم: شكرًا للَّه تعالى فنحن نصومه (فقال) عَّه: («أنا أحق بموسى منكم)) للاشتراك في الرسالة والأخوة في الدين والقرابة الظاهرة دونهم، ولأنه أطوع وأتبع للحق منهم (فصامه وأمر بصيامه) الناس. (وفي رواية) عن ابن عباس: أن رسول اللَّه عَّ قدم المدينة فوجد اليهود صيامًا يوم عاشوراء (فقال لهم: (ما هذا اليوم الذي تصومونه))؟، قالوا: هذا يوم عظيم) فضله (نجى اللَّه فيه موسى وقومه وأغرق) ولبعض الرواة وغرق بلا ألف وشد الراء (فرعون وقومه، فصامه موسى ٢٧٣ الفصل الثاني في صومه عَّ عاشوراء أحق وأولى بموسى منكم، فصامه رسول الله عَ له وأمر بصيامه، وفي أخرى: فنحن نصومه تعظيمًا له، رواه البخاري ومسلم وأبو داود. وقد أجاب صاحب ((زاد المعاد)) وغيره عما استشكله بعضهم في هذا الحديث - وقال: إن رسول الله عَّهِ إنما قدم المدينة في شهر ربيع الأول فكيف يقول ابن عباس إنه قدم المدينة فوجد اليهود صيامًا يوم عاشوراء؟ - بأنه ليس في الحديث أن يوم قدومه وجدهم يصومونه، فإنه إنما قدم يوم الإثنين في ربيع الأول، ثاني عشره، ولكن أول علمه بذلك ووقوع القصة في اليوم الذي كان بعد قدومه المدينة لم يكن وهو بمكة. وقال في الفتح: غايته أن في الكلام حذفًا تقديره: قدم عليه الصلاة والسلام المدينة في ربيع فأقام إلى يوم عاشوراء، فوجد اليهود فيه صيامًا. ويحتمل أن شكرًا) لله تعالى على نجاته وقومه وإغراق عدوهم. زاد أحمد من حديث أبي هريرة: وهو اليوم الذي استوت فيه السفينة على الجودي فصامه نوح شكرًا (فنحن نصومه، فقال رسول اللَّه عَ له: ((فنحن أحق وأولى بموسى منكم))، فصامه رسول اللَّه عٍَّ وأمر بصيامه) بالوحي أو تواتر النقل عنده لا تقليدًا لليهود، لأن خبرهم لا يقبل، ويأتي بسطه في المتن. (وفي) رواية (أخرى) عن ابن عباس: فقالوا، أي اليهود: هذا اليوم الذي أظهر اللَّه فيه موسى وبني إسرائيل على فرعون (فنحن نصومه تعظيمًا له) أي: ليوم عاشوراء (رواه البخاري) في مواضع (ومسلم وأبو داود) والنسائي في الصوم. (وقد أجاب صاحب زاد المعاد) في هدي خير العباد (وغيره عما استشكله بعضهم في هذا الحديث وقال: إن رسول اللَّه عَّه إنما قدم المدينة في شهر ربيع الأول، فكيف يقول ابن عباس أنه قدم المدينة فوجد اليهود صيامًا يوم عاشوراء) وذلك لا يمكن إذ عاشوراء عاشر المحرم؛ (بأنه ليس في الحديث أنه يوم قدومه وجدهم يصومونه) والتعقيب في كل شيء بحسبه تزوّج فولد له (فإنه إنما قدم يوم الاثنين في ربيع الأول ثاني عشره، ولكن أول علمه بذلك، ووقوع القصة في اليوم الذي كان بعد قدومه المدينة لم يكن وهو بمكة. وقال في الفتح: غايته أن في الكلام حذفًا) دل عليه المقام (تقديره: قدم عليه الصلاة والسلام المدينة في ربيع، فأقام إلى يوم عاشوراء فوجد اليهود فيه صيامًا) والحذف المدلول عليه كالملفوظ به فلا إشكال. ٢٧٤ الفصل الثاني في صومه عَهُ عاشوراء يكون أولئك اليهود كانوا يحسبوه يوم عاشوراء بحساب السنين الشمسية، فصادف يوم عاشوراء بحسابهم اليوم الذي قدم فيه عَِّ المدنية. وهذا التأويل مما يترجح به أولوية المسلمين وأحقيتهم بموسى، لإضلالهم اليوم المذكور وهداية المسلمين له، ولكن سياق الحديث يدفع هذا التأويل، والاعتماد على التأويل الأول. انتهى وقد استشكل أيضًا رجوعه عليه الصلاة والسلام إلى خبر اليهود، وهو غير مقبول. وأجاب المازري: بأنه يحتمل بأنه عَّهِ أوحي إليه بصدقهم فيما قالوه، أو تواتر عنده النقل بذلك حتى حصل له العلم بذلك. قال القاضي عياض ردًا على المازري: وقد روى مسلم أن قريشًا كانت تصومه، فلما قدم المدينة صامه، فلم يحصل له بقول اليهود حكم يحتاج إلى الكلام عليه، وإنما هي صفة حال، وجواب سؤال، فقوله: ((صامه)) ليس فيه أن ابتداء صومه كان حينئذ، ولو كان فيه لحملناه على أنه أخبره به من أسلم من علمائهم كابن سلام وغيره. قال: وقد قال بعضهم يحتمل أنه عَّه كان يصومه بمكة ثم ترك (ويحتمل أن يكون أولئك اليهود كانوا يحسبون) بضم السين يعدون (يوم عاشوراء بحساب السنين الشمسية، فصادف يوم عاشوراء بحسابهم اليوم الذي قدم فيه عَِّ المدينة، وهذا التأويل مما يترجح به أولوية المسلمين وأحقيتهم بموسى لإضلالهم) أي: اليهود (اليوم المذكور وهداية المسلمين له، ولكن سياق الحديث يدفع هذا التأويل، والاعتماد على التأويل الأول) أن في الكلام حذفًا. (انتهى) كلام الفتح. (وقد استشكل أيضًا رجوعه عليه الصلاة والسلام إلى خبر اليهود وهو غير مقبول) لأنهم كفار. (وأجاب المازري بأنه يحتمل أنه عَّةٍ أوحى إليه بصدقهم فيما قالوه، أو تواتر عنده النقل بذلك حتى حصل له العلم بذلك) لا بمجرد إخبار اليهود. (قال القاضي عياض ردًا على المازري: وقد روى مسلم) والبخاري (أن قريشًا كانت تصومه) وأنه عَِّ كان يصومه (فلما قدم المدينة صامه) وأمر بصيامه (فلم يحصل له بقول اليهود حكم يحتاج إلى الكلام عليه) لأنه كان يصومه بمكة (وإنما هي صفة حال وجواب سؤال، فقوله: صامه ليس فيه أن ابتداء صومه كان حينئذ) أي: حين قدومه المدينة (ولو كان فيه لحملناه على أنه أخبره به من أسلم من علمائهم كابن سلام وغيره). ٢٧٥ الفصل الثاني في صومه عليه عاشوراء صيامه حتى علم ما عند أهل الكتاب منه فصامه، قال: وما ذكرناه أولى بلفظ الحديث. قال النووي: المختار قول المازري، ومختصر ذلك أنه مَِّ كان يصومه كما تصومه قريش في مكة، ثم قدم المدينة فوجد اليهود يصومونه فصامه أيضًا بوحي أو تواتر أو اجتهاد، لا بمجرد إخبار أحادهم. انتهى. وقال القرطبي: لعل قريشًا كانوا يستندون في صومه إليه شرع من مضى كإبراهيم، وصوم رسول الله عَ ◌ّه يحتمل أن يكون بحكم الموافقة لهم، كما في الحج، أو أذن الله له في صيامه على أنه فعل خير، فلما هاجر ووجد اليهود يصومونه وسألهم وصامه وأمر بصيامه احتمل أن يكون ذلك استثلافًا لليهود كما استألفهم باستقبال قبلتهم، ويحتمل غير ذلك. وعلى كل حال فلم يصمه اقتداء بهم، فإنه كان يصومه قبل ذلك، وكان ذلك في الوقت الذي يجب فيه موافقة أهل الكتاب فيما لم ينه عنه، ولا سيما إذا كان فيه ما يخالف أهل الأوثان، فلما قال عياض: (وقد قال بعضهم: يحتمل أنه عَّةٍ كان يصومه بمكة، ثم ترك صيامه حتى علم ما عند أهل الكتاب منه) أي: من فضل صيامه (فصامه، قال: وما ذكرناه أولى بلفظ الحديث). (قال النووي: المختار قول المازري) أنه بوحي أو تواتر (ومختصر ذلك أنه عَّ كان يصومه كما تصومه قريش بمكة، ثم قدم المدينة فوجد اليهود يصومونه، فصامه أيضًا بوحي أو تواتر أو اجتهاد لا بمجرد إخبار آحادهم) أي: اليهود. (انتهى). (وقال القرطبي: لعل قريشًا كانوا يستندون في صومه إلى شرع من مضى كإبراهيم) لكن مر عن عكرمة خلاف هذا (وصوم رسول اللَّه عَ خله يحتمل أن يكون بحكم الموافقة لهم كما في الحج، أو أذن اللَّه له في صيامه على أنه فعل خير) فلا يحتاج إلى ذلك (فلما هاجر ووجد اليهود يصومونه وسألهم وصامه وأمر بصيامه، احتمل أن يكون ذلك استثلافًا لليهود) ليسلموا (كما استألفهم باستقبال قبلتهم) مدة، واستئلافهم بذلك لا يمنع أنه بوحي. وقد روي أنه أمر بالاستقبال استئلافًا لليهود (ويحتمل غير ذلك، وعلى كل حال فلم يصمه اقتداء بهم؛ فإنه كان يصومه قبل ذلك) بمكة (وكان ذلك في الوقت الذي يجب فيه موافقة أهل الكتاب فيما لم ينه عنه) لأنه أقرب إلى الحق (ولا سيما إذا كان فيه ما يخالف أهل الأوثان، فلما فتحت مكة واشتهر أمر الإسلام أحب مخالفة أهل الكتاب أيضًا) إظهارًا ٢٧٦ الفصل الثاني في صومه عَلَّهِ عاشوراء فتحت مكة واشتهر أمر الإسلام أحب مخالفة أهل الكتاب أيضًا كما في حديث ابن عباس: إن رسول الله عَ له حين صام عاشوراء وأمر بصيامه قالوا: يا رسول الله، إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى، فقال عَّ طفلٍ: ((فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع)، قال: فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله عَّهـ وفي رواية: ((لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع)). رواه مسلم. وهذا دليل الشافعى وأصحابه وأحمد وإسحق القائلين باستحباب صوم التاسع والعاشر جميعًا، لأنه عَّهِ صام العاشر ونوى صوم التاسع. قال النووي: قال بعض العلماء: ولعل السبب في صوم التاسع مع العاشر أن لا يتشبه باليهود في إفراد العاشر، وفي الحديث إشارة إلى هذا، وقيل للاحتياط في تحصيل عاشوراء، والأول أولى. انتهى. وفي رواية البزار من حديث ابن عباس، أن رسول الله عَّ لِ قال - يوم عاشوراء -: ((صوموه وخالفوا فيه اليهود، وصوموا قبله يومًا وبعده يومًا)). ولأحمد لعدم اعتبار ما هم عليه (كما في حديث ابن عباس: أن رسول اللَّه عَّ حين صام عاشوراء وأمر) الناس (بصيامه قالوا) أي: الصحابة: (يا رسول اللَّه إنه يومٍ تعظمه اليهود والنصارى) فكيف تعظمه أنت؟ (فقال ◌َّةٍ: فإذا كان العام المقبل إن شاء اللّه صمنا اليوم التاسع، قال: فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول اللّه عَ لّه). (وفي رواية) عن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه عَّ له: ((لئن بقيت) أي: عشت (إلى قابل لأصومن التاسع))، رواه) أي: المذكور من الروايتين (مسلم) في الصوم من إفراده (وهذا دليل الشافعي وأصحابه) ولملك (وأحمد وإسحق القائلين باستحباب صوم التاسع والعاشر جميعًا، لأنه ◌ٍَّ صام العاشر ونوى صوم التاسع) فصار مندوبًا، وإن لم يصمه، لأنه عزم على صومه. (قال النووي: قال بعض العلماء: ولعل السبب في صوم التاسع مع العاشر أن لا يتشبه باليهود في إفراد العاشر، وفي الحديث) المذكور (إشارة إلى هذا) لأنه جعله جوابًا لقولهم: تعظمه اليهود (وقيل للاحتياط في تحصيل عاشوراء، والأول أولى. انتهى) لإشارة الحديث إليه، ولأن الخلاف في أنه العاشر أو التاسع إنما حدث بعده. (وفي رواية البزار من حديث ابن عباس أن رسول اللَّه عَ لَ﴾ قال يوم عاشوراء)، بنصب يوم بفعل يفسره قوله (وصوموه) ويجوز رفعه (وخالفوا فيه اليهود: وصوموا قبله يومًا وبعده يومًا، لأحمد نحوه) وهو يؤيد أنه كي لا يشتبه باليهود)، (فمراتب صومه ثلاثة أدناها أن يصام ٢٧٧ الفصل الثاني في صومه عَّةِ عاشوراء نحوه. فمراتب صومه ثلاثة: أدناها أن يصام وحده، وأكملها أن يصام يومًا قبله ويومًا بعده، ويلي ذلك أن يصام التاسع والعاشر، وعليه أكثر الأحاديث. وقال بعضهم: قد ظهر أن القصد مخالفة أهل الكتاب في هذه العبادة، وذلك يحصل بأحد أمرين، إما بنقل العاشر إلى التاسع، وإما بصيامهما معًا، والله أعلم. وفي البخاري من حديث أبي موسى قال: كان يوم عاشوراء تعده اليهود عيدًا قال النبي عَ لّهِ: ((صوموه أنتم)). وهذا ظاهره أن الباعث على الأمر بصومه محبة مخالفة اليهود، حتى يصام ما يفطرون فيه، لأن يوم العيد لا يصام، وحديث ابن عباس يدل على أن الباعث على صيامه موافقتهم على السبب وهو شكر الله تعالى على نجاة موسى. لكن لا يلزم من تعظيمهم له واعتقادهم بأنه عيد أنهم كانوا لا يصومونه، فلعله كان من جملة تعظيمهم في شرعهم أنهم يصومونه، وقد ورد ذلك صريحًا في حديث مسلم كان أهل وحده وأكملها أن يصام يومًا) كذا في جميع النسخ بنصب يومًا، ويوجه بأن نائب فاعل يصام ضمير يعود إلى يوم عاشوراء، ونصب يومًا على الحال بتقدير ضامًا إليه يومًا (قبله ويومًا بعده، ويلي ذلك أن يصام التاسع والعاشر، وعليه أكثر الأحاديث). (وقال بعضهم: قد ظهر أن القصد مخالفة أهل الكتاب في هذه العبادة، وذلك يحصل بأحد أمرين: إما بنقل العاشر إلى التاسع) على ظاهر حديث: ((لأصومن التاسع)) (وإما بصيامهما معًا) وهو المرجح (والله أعلم). (وفي البخاري) ومسلم، كلاهما (من حديث) قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب، عن (أبي موسى قال: كان يوم عاشوراء تعده اليهود عيدًا) تعظيمًا له، وهذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: تعظمه اليهود تتخذه عيدًا (قال النبي عَّ اله: صوموه أنتم) مخالفة لهم (وهذا ظاهره أن الباعث) الحامل (على الأمر بصومه مخالفة اليهود حتى يصام ما يفطرون فيه، لأن يوم العيد لا یصام). (وحديث ابن عباس يدل على أن الباعث على صيامه موافقتهم على السبب) في صيامه (وهو شكر اللَّه تعالى على نجاة موسى) وقومه (لكن لا يلزم من تعظيمهم له واعتقادهم أنه عيد أنهم كانوا لا يصومونه، فلعله كان من جملة تعظيمهم في شرعهم أنهم ٢٧٨ الفصل الثاني في صومه عَّله عاشوراء خيبر يصومون يوم عاشوراء يتخذونه عيدًا ويلبسون نساءهم فيه حليهم وشارتهم، وهو بالشين المعجمة، أي هيئتهم الحسنة. ومحصل ما ورد في صيامه عَ ◌ّهم عاشوراء أربعة أحوالا: إحداها: أنه كان يصومه بمكة، ولا يأمر الناس بصيامه كما تقدم في حديث عائشة عند الشيخين وغيرهما: كان عاشوراء يومًا تصومه قريش في الجاهلية وكان عَّ اللّه يصومه، فلما قدم المدينة صامه ... الحديث. الثانية: أنه معَّلِ لما قدم المدينة، ورأى صيام أهل الكتاب له، وتعظيمهم له، وكان يحب موافقتهم فيما لم يؤمر به، صامه وأمر الناس بصيامه، وأكد الأمر بصيامه والحث عليه، حتى كانوا يصوّمونه أطفالهم، كما تقدم في حديث ابن عباس عند الشيخين وغيرهما. يصومونه) وبه جزم صاحب الأنموذج فقال: کان الیھود یصومون يوم عيدهم (وقد ورد ذلك صريحًا في حديث مسلم) من وجه آخر عن قيس عن طارق عن أبي موسى، قال: (كان أهل خيبر يصومون يوم عاشوراء، يتخذونه عيدًا ويلبسون) بضم التحتية (نساءهم فيه حليهم وشارتهم) فقال ◌َّل: ((فصوموه أنتم)، هذا باقيه (وهو بالشين المعجمة) فألف فراء ففوقية أي: (هيئتهم)، وفي شرحه لمسلم: أي: ثيابهم (الحسنة، ومحصل ما ورد في صيامه عَّ عاشوراء أربعة أحوالاً، إحداها: أنه كان يصومه بمكة ولا يأمر الناس بصيامه، كما تقدم في حديث عائشة عند الشيخين وغيرهما: كان عاشوراء يومًا تصومه قريش في الجاهلية، وكان عٍَّ يصومه، فلما قدم المدينة صامه ... الحديث) من بقيته، وأمر بصيامه، فظاهره أنه لم يأمر بصيامه بمكة. (الثانية: أنّه عَّ لما قدم المدينة ورأى صيام أهل الكتاب له وتعظيمهم له وكان يحب موافقتهم فيما لم يؤمر به) ولم ينه عنه (صامه، وأمر الناس بصيامه وأكد الأمر بصيامه والحث عليه) فامتثلوا ذلك (حتى كانوا يصومونه) بضم الياء وفتح الصاد وشد الواو المكسورة، أي: يمنعون (أطفالهم) تناول المفطر (كما تقدم في حديث ابن عباس عند الشيخين وغيرهما؛) أنه صامه وأمر بصيامه، وأما تصويم الأطفال فلم يتقدم ولا هو من حديث ابن عباس، وإنما رواه مسلم عن الربيع بنت معوذ، قالت: أرسل رسول اللَّه عَّ غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار: من كان أصبح صائمًا فليتم صومه، ومن كان أصبح مفطرًا فليتم بقية يومه، قالت: فكنا بعد نصومه ونصوّمه صبياننا ونذهب إلى المسجد ونصنع لهم اللعبة من العهن ونذهب بها معنا، فإذا سألونا الطعام أعطيناهم اللعبة تلهيهم حتى يتموا صومهم. ٢٧٩ الفصل الثاني في صومه عَّ عاشوراء الثالثة: أنه لما فرض صوم شهر رمضان ترك عَ له صيامه وقال: ((إن عاشوراء يوم من أيام الله، فمن شاء صامه ومن شاء تركه)) ويشهد له حديث عائشة السابق. الحالة الرابعة: أنه مَِّ عزم في آخر عمره أن لا يصومه مفردًا، بل يضم إليه يومًا آخر، مخالفة لأهل الكتاب في صيامه، كما قدمناه. وقد روى مسلم من حديث أبي قتادة مرفوعًا: ((إن صوم عاشوراء يكفر سنة وإن صوم يوم عرفة يكفر سنتين)). وظاهره أن صيام يوم عرفة أفضل من صيام عاشوراء. وقد قيل: الحكمة في ذلك أن يوم عاشوراء منسوب إلى موسى ويوم عرفة منسوب إلى النبي عَ لّه، فلذلك كان أفضل. والله أعلم. (الثالثة: أنه لما فرض صيام شهر رمضان ترك عَّ له صيامه وقال: إن عاشوراء يوم من أيام اللَّه) الفاضلة (فمن شاء صامه ومن شاء تركه) لأنه مستحب فقط (ويشهد له حديث عائشة السابق). (الحالة الرابعة: أنه عَّةٍ عزم في آخر عمره أن لا يصومه مفردًا، بل يضم إليه يومًا آخر) هو التاسع (مخالفة لأهل الكتاب في صيامه) وحده (كما قدمناه). (وقد روى مسلم من حديث أبي قتادة) الحرث أو عمرو أو النعمان الأنصاري (مرفوعًا) أثناء حديث (أن صوم عاشوراء يكفر سنة وأن صوم عرفة يكفر سنتين) نقل بالمعنى، ولفظ مسلم عن أبي قتادة: فذكر حديثًا فيه وقال عَّه: ((صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده وصيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله). (وظاهره أن صيام يوم عرفة أفضل من صيام عاشوراء، وقد قيل: الحكمة في ذلك أن يوم عاشوراء منسوب إلى موسى) عليه الصلاة والسلام (ويوم عرفة منسوب إلى النبي عية، فلذلك كان أفضل). وقال العلامة زروق: ذلك لأن يوم عرفة يجمع فضيلة العشر إلى فضيلة اليوم، ويشتر كان في كونهما بشهر حرام، (والله أعلم) بحقيقة الحكمة في ذلك، قال في النهاية: الاحتساب في الأعمال الصالحات هو البدار إلى طلب الأجر، وتحصيله بأنواع البر والقيام بها على الوجه المرسوم منها طلبًا للثواب فيها. وقال الطيبي: كان الأصل أن يقال: أرجو من اللَّه أن يكفر، فوضع موضعه أحتسب وعداه بعلى الذي للوجوب على سبيل الوعد مبالغة لحصول الثواب، وأما تكفير السنة التي بعده، فقيل إنه تعالى يحفظه عن أن يذنب فيها، وقيل: يعطى من الرحمة والثواب ما يكون كفارة السنة الآتية إن اتفق فيها ذنب، والمراد من الذنوب الصغائر، فإن لم يكن صغائر رجى التخفيف من الكبائر، ٢٨٠ الفصل الثاني في صومه عَّه عاشوراء وأما ما روي: من وسع على عياله في يوم عاشوراء وسع الله عليه السنة كلها، فرواه الطبراني والبيهقي في ((الشعب)) وفي ((فضائل الأوقات))، وأبو الشيخ عن ابن مسعود، والأولان فقط عن أبي سعيد، والثاني فقط في الشعب عن جابر وأبي هريرة، وقال: إن أسانيده كلها ضعيفة، ولكن إذا ضم بعضها إلى بعض أفاد قوة، بل قال العراقي في أماليه: لحديث أبي هريرة طرق صحح بعضها ابن ناصر الحافظ. وأورده ابن الجوزي في الموضوعات من طريق سليمان بن أبي عبد الله عنه، وقال: سليمان مجهول. وسليمان ذكره ابن حبان في الثقات، فالحديث حسن علی رأيه. فإن لم يكن رفعت الدرجات. (وأما ما روي) مرفوعًا: ((من وسع على عياله) وهم من في نفقته (في يوم عاشوراء) وفي رواية بإسقاط في (وسع اللَّه عليه السنة) وفي رواية: في سنته كلها)))، دعاء أو خبر، وذلك أن اللَّه سبحانه أغرق الدنيا بالطوفان فلم يبق إلاّ سفينة نوح بمن فيها، فرد عليهم دنياهم يوم عاشوراء وأمروا بالهبوط للتأهب للعيال في أمر معاشهم بسلام وبركات عليهم وعلى من في أصلابهم، فكان ذلك يوم التوسعة والزيادة في وظائف المعاش، فيسن زيادة ذلك في كل عام ذكره الحكيم الترمذي وذلك مجرب للبركة والتوسعة. قال جابر الصحابي: جربناه فوجدناه صحيحًا. وقال سفين بن عيينة: جربناه خمسين أو ستين سنة (فرواه الطبراني) في الأوسط (والبيهقي في الشعب وفي فضائل الأوقات، و) رواه (أبو الشيخ عن ابن مسعود، والأولان) الطبراني والبيهقي (فقط عن أبي سعيد) الخدري. (والثاني) البيهقي (فقط في الشعب عن جابر وأبي هريرة، وقال) البيهقي: (إن أسانيده كلها ضعيفة ولكن إذا ضم بعضها إلى بعض أفاد قوّة، بل قال العراقي في أماليه لحديث أبي هريرة) خبر مبتدؤه (طرق صحح بعضها ابن ناصر الحافظ) محمد السلامي البغدادي. (وأورده ابن الجوزي في الموضوعات من طريق سليمن بن أبي عبد الله عنه) أي: أبي هريرة (وقال سليمن مجهول) ورده عليه الحافظ وجزم في تقريبه بأن سليمن مقبول من الثالثة، أي: الطبقة الوسطى من التابعين (وسليمن ذكره ابن حبان في الثقات، فالحديث حسن على رأيه) في توثيق من لم يجرح.