Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
الفصل السابع فيما كان يقوله عَ لِ عند الإفطار
صمت، وعلى رزقك أفطرت)). وهو حديث مرسل، ومعاذ هذا ذكره البخاري في
التابعين لكن قال: معاذ أبو زهرة - وتبعه ابن أبي حاتم وابن حبان - في الثقات.
وذكره يحيى بن يونس الشيرازي في الصحابة، وغلطه جعفر المستغفري.
قال الحافظ ابن حجر: ويحتمل أن يكون الحديث موصولاً، ولو كان معاذ
تابعيًّا، لاحتمال أن يكون الذي بلغه له صحابياً. قال: وبهذا الاعتبار أورده أبو
داود في السنن، وبالاعتبار الآخر أورده في المراسيل.
وخرج ابن السني والطبراني في المعجم الكبير، بسند واه جدًا، عن ابن
عباس: كان عَ ◌ّه إذا أفطر قال: ((اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت، فتقبل مني
إنك أنت السميع العليم)).
لك صمت وعلى رزقك أفطرت»).
قال الطيبي: قدم الجار والمجرور فيهما على العامل دلالة على الاختصاص وإظهارًا
للاختصاص في الافتتاح وإبداء الشكر المختص به في الاختتام (وهو حديث مرسل ومعاذ، هذا
ذكره البخاري في التابعين) ناقلاً عن يحيى بن معين أن حديثه مرسل (لكن قال معاذ أبو زهرة)
وهو هو (وتبعه ابن أبي حاتم وابن حبان في الثقات) فذكراه في التابعين (وذكره يحيى بن
يونس الشيرازي في الصحابة وغلطه جعفر المستغفري) في تأليفه في الصحابة، وقد ذكره
البغوي فيهم، لكنه قال: لا أدري له صحبة أم لا.
(قال الحافظ ابن حجر: ويحتمل أن يكون الحديث) المذكور (موصولاً ولو كان معاذ
تابعيًا، لاحتمال أن يكون الذي بلغه له صحابيًا، قال: وبهذا الاعتبار أورده أبو داود في
السنن، وبالاعتبار الآخر) وهو أنه تابعي مع احتمال أن الذي بلغه ليس بصحابي (أورده) أبو داود
(في) كتاب (المراسيل) وقد ذكره في الإصابة فيمن ذكر في الصحابة غلطًا وجزم بأنه تابعي،
وكذا جزم في تقريبه وقال: إنه مقبول من الثالثة، أي: أواسط التابعين.
(وخرج ابن السني) بضم المهملة وشد النون (والطبراني في المعجم الكبير)
والدارقطني، كلهم (بسند واه) الأكثر فيه حذف الياء ومع ذلك يقرأ بالتنوين ويحذف الياء لفظًا
لالتقاء الساكنين (جدًا) أي: شديد الضعف من وهى الحائط إذا مال للسقوط.
(عن ابن عباس) قال: (كان عٍَّ إذا أفطر قال: ((اللهم لك) لا لغيرك (صمت وعلى
رزقك أفطرت فتقبل مني) في رواية الدارقطني: أفطرنا فتقبل منا (إنك أنت السميع) لدعائي
(العليم))) بإخلاصي، قيل: لعله كان يفرد إذا أفطر وحده ويجمع إذا أفطر مع غيره، وهذا لو صح

٢٤٢
الفصل الثامن في وصاله عَّاه.
وعن ابن عمر: كان عَّهِ إِذا أفطر قال: ذهب الظمأ وابتلت العروق، وثبت
الأجر إن شاء الله. رواه أبو داود. وزاد رزين: (الحمد لله)) في أول الحديث.
وفي كتاب ابن السني، عن معاذ بن زهرة قال: كان رسول الله عَّه إذا أفطر
قال: ((الحمد لله الذي أعانني فصمت ورزقني فأفطرت)).
الفصل الثامن
صِلىالله
في وصاله عايتاء
عن ابن عمر: أن النبي عَ لّهِ نهى عن الوصال، قالوا: إنك تواصل، قال: إني
كان شاهدًا لحديث ابن زهرة الذي قبله.
(وعن ابن عمر بن الخطاب قال: (كان ◌ٍَّ إذا أفطر قال: ((ذهب الظمأ) مهموز الآخر
مقصور العطش، قال تعالى: ﴿ذلك بأنهم لا يصيبهم ظماً﴾ [التوبة/١٢٠]، وإنما ذكرته وإن كان
ظاهرًا لأني رأيت من اشتبه عليه فتوهمه ممدودًا، قاله في الأذكار (وابتلت العروق) لم يقل:
وذهب الجوع، أيضًا لأن الحجاز حار فكانوا يصبرون على قلة الطعام لا العطش، وكانوا
يتمدحون بقلة الأكل لا بقلة الشرب (وثبت الأجر) تحريض على العبادة، يعني: زال التعب
وبقي الأجر (إن شاء اللَّه))) ثبوته بأن يقبل الصوم ويتولى جزاءه بنفسه كما وعد أنه لا يخلف
الميعاد.
وقال الطيبي: قوله: ((ثبت الأجر)) بعد قوله: ((ذهب الظمأ))، استبشار منه، لأن من فاز ببغيته
ونال مطلوبه بعد التعب والنصب، وأراد اللذة بما أدركه ذكر تلك المشقة ومن ثم كان حمد أهل
الجنة في الجنة الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن (رواه أبو داود) والنسائي وصححه الحاكم
(وزاد رزين) السرقسطي (الحمد لله في أول الحديث) وعهدتها عليه، وينبغي للصائم قول
ذلك سواء أفطر على رطب أو تمر أو لحم أو غيرها، إذ لم يقيده في الحديث بما إذا أفطر على
الماء كذا قيل.
(وفي كتاب ابن السني) وكذا شعب البيهقي (عن معاذ بن زهرة) السابق آنفًا (قال:
كان رسول اللَّه عَّ إذا أفطر قال: ((الحمد لله الذي أعانني فصمت ورزقني فأفطرت)))
فيندب قول ذلك، قال الحافظ: وهذا محقق الإرسال، يعني: أن معاذًا تابعي جزم برفعه ولم يقل
بلغني كالسابق.
(الفصل الثامن: في وصاله عَّه: عن ابن عمر: أن النبي عَِّ نهى عن الوصال، قالوا:
إنك تواصل) لم يسم القائلون، وفي الصحيحين عن أبي هريرة: فقال رجل من المسلمين، وفي

٢٤٣
الفصل الثامن في وصاله علّ.
لست كهيئتكم، إني أطعم وأسقي)). رواه البخاري ومسلم.
وللبخاري: أنه عَّ واصل، فواصل الناس فشق عليهم، فنهاهم
رسول الله عَّه أن يواصلوا، قالوا: إنك تواصل، قال: ((لست كهيئتكم، إني أظل
أطعم وأسقي)).
وفي رواية أنس: واصل عَّله في آخر شهر رمضان، فواصل ناس من المسلمين
فبلغه ذلك فقال: ((لو مدَّ لنا الشهر لواصلنا وصالاً يدع المتعمقون تعمقهم، إنكم لستم
مثلي - أو قال: لست مثلكم - إني أظل يطعمني ربي ويسقيني)).
وفي رواية: ((لا تواصلوا)، قالوا: إنك تواصل، قال: ((لست كأحد منكم، إني
لفظ فقال: رجال بالجمع، وكأن القائل واحد، ونسب إلى الجمع لرضاهم به، وفيه استواء
المكلفين في الأحكام وأن كل حكم ثبت له عَّه ثبت في حق أمته إلاّ ما استثنى فطلبوا الجمع
بين نهيه وبين فعله الدال على الإباحة، فأجابهم باختصاصه به، حيث (قال: إني لست
كهيئتكم) أي: ليس حالي كحالكم، أو لفظ هيئة، زاد: و(المراد لست كأحدكم))، وفي رواية
للبخاري: ((لست مثلكم)، ولمسلم عن أبي هريرة: ((لستم في ذلك مثلي))، أي: لستم على
صفتي ومنزلتي من ربي (إني أطعم وأسقي) بضم الهمزة فيهما (رواه البخاري ومسلم) من
طريق لملك عن نافع عن ابن عمر (وللبخاري) من طريق جويرية عن نافع عن ابن عمر (أنه عَّة.
واصل) الصوم من غير فطر بالليل، زاد عبيد اللَّه عن نافع عن ابن عمر عند مسلم في رمضان
(فواصل الناس) أي: جنس الناس، هكذا الرواية في البخاري، وكذا في مسلم من طريق عبيد الله
عن نافع عن ابن عمر، فنسخة ناس تحريف (فشق عليهم) الوصال لمشقة الجوع والعطش
(فنهاهم رسول اللَّه عَِّ أن يواصلوا، قالوا: إنك تواصل، قال: ((لست كهيئتكم إني أظل)))
بفتح الهمزة والظاء المعجمة المشالة (أطعم وأسقي) بضم الهمزة فيهما مبنيًا للمفعول.
(وفي رواية أنس) بن لملك قال: (واصل عَ ◌ّه في آخر شهر رمضان) على الصواب
الموافق لبقية الحديث وهو الذي في البخاري، ووقع في أكثر نسخ مسلم في أول ما يمكن
تصحيحها بأنه واصل في أوله يومين وثلاثًا وفي آخره كذلك، فحكى الراوي وصاله في أوله وهو
لا يدل على أن ناسًا تبعوه، لاحتمال أنهم انتظروا وصاله ثانيًا (فواصل ناس من المسلمين، فبلغه
ذلك فقال: ((لو مد لنا الشهر لواصلنا وصالاً يدع المتعمقون تعمقهم))) لعجزهم عن ذلك
(إنكم لستم مثلي، أو قال) إني (لست مثلكم) شك الراوي: (إني أظل يطعمني) بضم الياء
(ربي ويسقيني) بفتح الياء من سقى وضمها من أسقى.
(وفي رواية) عن أنس؛ أن النبي عَ لّم قال: ((لا تواصلوا))، قالوا: إنك تواصل) لم يسم

٢٤٤
الفصل الثامن في وصاله عَفيه.
أطعم وأسقي)). رواه البخاري ومسلم.
والمتعمقون: هم المتشددون في الأمر، المجاوزون الحد في قول أو فعل.
وفي رواية سعيد بن منصور وابن أبي شيبة من مرسل الحسن: ((إني أبيت
يطعمني ربي ويسقيني)).
وعن عائشة قالت: نهاهم النبي عَِّ عن الوصال، رحمة لهم، فقالوا: إنك
تواصل. فقال: (إني لست كهيئتكم، إني يطعمني ربي ويسقيني)). رواه البخاري
ومسلم إلا أن البخاري قال ((نهى)) ولم يقل: نهاهم.
وعن أبي هريرة قال: نهى رسول الله عَّهُ عن الوصال في الصوم، فلما
أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يومًا ثم يومًا ثم رأوا الهلال فقال: ((لو تأخر
القائلون (قال: ((لست كأحد منكم) ولبعض رواة البخاري: كأحدكم (إني أطعم وأسقى))،
رواه) أي: المذكور من الروايتين (البخاري) الأولى في التمني والثانية في الصيام (ومسلم) في
الصيام الأولى بلفظها، والثانية بنحوها.
(والمتعمقون) هم (المتشددون في الأمر المجاوزون الحد في قول أو فعل) وهو
المراد هنا، أي: المواصلون.
(وفي رواية سعيد بن منصور وابن أبي شيبة من مرسل الحسن) البصري: (إني أبيت
يطعمني ربي ويسقيني) فعبر بلفظ: أبيت.
(وعن عائشة قالت: نهاهم النبي عَّر عن الوصال رحمة لهم) نصب على التعليل، أي:
لأجل الرحمة، (فقالوا: إنك تواصل، فقال: إني لست كهيئتكم إني يطعمني) بضم أوله (ربي
ويسقيني) بفتح أوله وبالياء، كقراءة يعقوب الحضرمي في الآية حالة الوصل والوقف مراعاة
للأصل، وللحسن البصري في الوصل فقط مراعاة للأصل والرسم بحذف الياء كالمصحف
العثماني في الشعراء، قاله المصنف (رواه البخاري ومسلم) في الصوم (إلا أن البخاري قال:
نهى) رسول اللَّه عَّهِ (ولم يقل نهاهم) وهو لفظ مسلم والمعنى واحد.
(وعن أبي هريرة قال: نهى رسول اللَّه مَّل عن الوصال في الصوم) فرضًا ونفلاً، أسقط
من الحديث في الصحيحين، فقال له رجل من المسلمين: فإنك تواصل يا رسول اللَّه، فقال:
(وأيكم مثلي إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني)) (فلما أبوا) امتنعوا (أن ينتهوا عن الوصال)
لظنهم أن النهي للشفقة عليهم لا أنه نهي حقيقي (واصل بهم يومًا ثم يومًا) أي: يومين (ثم رأوا
الهلال) لشؤَّال (فقال: لو تأخر) الشهر (لزدتكم) في الوصال إلى أن تعجزوا فتسألوا التخفيف

٢٤٥
الفصل الثامن في وصاله عَ}.
لزدتكم. كالتنكيل لهم حين أبوا أن ينتهوا، رواه البخاري.
والوصال: هو عبارة عن صوم يومين فصاعدًا من غير أكل وشرب بينهما.
قال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر: وقد اختلف في معنى قوله ((يطعمني
ربي ويسقيني)).
فقيل: هو على حقيقته، وأنه عَّهِ كان يؤتى بطعام وشراب من عند الله
كرامة له في ليالي صيامه.
وتعقب: بأنه لو كان كذلك لم يكن مواصلاً، وبأن قوله: ((أظل)) يدل على
وقوع ذلك بالنهار، فلو كان الأكل والشرب حقيقة لم يكن صائمًا.
وأجيب: بأن الراجح من الروايات لفظ ((أبيت)) دون ((أظل)) وعلى تقدير
منه بالترك (كالتنكيل) أي: المعاقبة (لهم).
وللبخاري في التمني كالمنكل لهم بضم الميم وفتح النون وكسر الكاف مشددة ولام،
أي: المعاقب لهم، ولبعض رواته هناك كالمنكر بالراء وسكون النون من الإنكار، ولآخر كالمنكي
بتحتية ساكنة قبلها كاف مكسورة خفيفة من النكاية.
قال الحافظ: والأول هو الذي تظافرت به الروايات خارج هذا الكتاب.
(حين أبوا:) امتنعوا (أن ينتهوا) عنه (رواه البخاري) في الصوم والتعزي والتمني من طرق
عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة، ورواه مسلم في الصوم.
(والوصال هو عبارة عن صوم يومين فصاعدًا) فرضًا أو نفلاً (من غير أكل وشرب
بينهما) ولا يتناول بالليل مطعومًا عمدًا بلا عذر قاله في المجموع، وقضيته أن الجماع وغيره
من المفطرات لا يخرجه عن الوصال، لكن قال الروياني: هو أن يستديم جميع أوصاف
الصائمين.
(قال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر: وقد اختلف في معنى قوله: (يطعمني ربي
ويسقيني))، فقيل: هو على حقيقته، وأنه عٍَّ كان يؤتى بطعام وشراب من عند اللَّه كرامة
له في ليالي صيامه، وتعقب بأنه لو كان كذلك لم يكن مواصلاً) إذ الوصال عبارة عن عدم
الأكل بالليل (وبأن قوله: ((أظل)) يدل على وقوع ذلك بالنهار، فلو كان الأكل والشرب حقيقة
لم يكن صائمًا) لأن أظل لا يكون إلاَّ بالنهار والأكل فيه ممنوع.
(وأجيب بأن الراجح من الروايات لفظ أبيت دون أظل، وعلى تقدير ثبوتها) أي: لفظة

٢٤٦
الفصل الثامن في وصاله عَ ل.
ثبوتها فهي محمولة على مطلق الكون لا على حقيقة اللفظ، لأن المحدث عنه
هو الإمساك ليلاً لا نهاراً، وأكثر الروايات إنما هو ((أبيت)) فكأن بعض الرواة عبر
عنها بـ ((أظل)) نظرًا إلى اشتراكهما في مطلق الكون. يقولون كثيرًا: أضحى فلان
كذا، ولا يرويدون تخصيص ذلك بوقت الضحى، ومنه قوله تعالى: ﴿وإذا بشر
أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودًا﴾ [النحل/٥٨] فإن المراد بذلك مطلق الوقت،
ولا اختصاص لذلك بنهار دون ليل، وليس حمل الطعام والشراب على المجاز
بأولى من حمل لفظ ((أظل)) على المجاز وعلى التنزل فلا يضر شيء من ذلك،
لأن ما يؤتى به الرسول على سبيل الكرامة من طعام الجنة وشرابها لا تجري عليه
أحكام المكلفين فيه، كما غسل صدره الشريف من طست الذهب، مع أن
استعمال أواني الذهب الدنيوية محرمة.
وقال ابن المنير: الذي يفطر شرعًا إنما هو الطعام المعتاد، وأما الخارق للعادة
أظل (فهي محمولة على مطلق الكون) أي: أكون عند ربي ليلاً أو نهارًا (لا على حقيقة
اللفظ، لأن المحدث عنه هو الإمساك ليلاً لا نهارًا، وأكثر الروايات إنما هو أبيت، فكأن بعض
الرواة عبر عنها بأظل نظرًا إلى اشتراكهما في مطلق الكون يقولون كثيرًا أضحى فلان، كذا ولا
يريدون تخصيص ذلك بوقت الضحى، ومنه قوله تعالى: ﴿وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل﴾) أي:
صار (﴿وجهه﴾) وقت البشارة ((مسودًا﴾) ليلاً، كانت البشارة أو نهارًا كما قال.
(فإن المراد بذلك مطلق الوقت ولا اختصاص لذلك بنهار دون ليل وليس حمل
الطعام والشراب على المجاز) الذي ذهب إليه الجمهور (بأولى من حمل أظل على
المجاز) إذ ليس أحد المجازين بأولى من الآخر، أو أن المجاز في أظل أقرب (وعلى التنزل)
أنه لا مجاز في أظل وأنه لا يكون إلاّ نهارًا (فلا يضر شيء من ذلك) أي: حمل الأكل على
حقيقته وأنه بالنهار (لأن ما يؤتى به الرسول على سبيل الكرامة من طعام الجنة وشرابها
لا تجري عليه أحكام المكلفين فيه) فتناوله غير مفطر ولو نهارًا (كما غسل صدره الشريف
من طست الذهب) ليلة المعراج وهو بعد البعثة باتفاق (مع أن استعمال أواني الذهب الدنيوية
محرمة) كذا في النسخ، ولفظ الحافظ حرام وهو المناسب، لأنه خبر استعمال، وأبعد شيخنا
التجعة فحمل غسله بطست الذهب على الواقع له قبل البعثة، فاحتاج إلى الجواب بأن أفعاله قبل
البعثة تنبعث، فلم يوجد منها ما يخالف شرعة. انتهى.
نعم، قيل: إن الذهب لم يكن حرم ليلة المعراج.
(وقال ابن المنير: الذي يفطر شرعًا إنما هو الطعام المعتاد، وأما الخارق للعادة

٢٤٧
الفصل الثامن في وصاله }
كالمحضر من الجنة فعلى غير هذا المعنى، وليس تعاطيه من جنس الأعمال، وإنما
هو من جنس الثواب كأكل أهل الجنة في الجنة، والكرامة لا تبطل العبادة.
وقال غيره: لا مانع من حمل الطعام والشراب على حقيقتهما، وأكله وشربه
في الليل لا يقطع وصاله خصوصية له بذلك، فكأنه لما قيل له: إنك تواصل، قال:
إني لست في ذلك كهيئتكم، أي على صفتكم في أن من أكل منكم أو شرب
انقطع وصاله، بل إنما يطعمني ربي ويسقيني ولا ينقطع بذلك مواصلتي، فطعامي
وشرابي على غير طعامكم وشرابكم صورة ومعنى.
وقال الجمهور: هو مجاز عن لازم الطعام والشراب وهو القوة، فكأنه قال:
يعطيني قوة الآكل والشارب، ويفيض علي ما يسد مسد الطعام والشراب، ويقوي
على أنواع الطاعة من غير ضعف في القوة.
أو المعنى: أن الله يخلق فيه من الشبع والري ما يغنيه عن الطعام والشراب،
فلا يحس بجوع ولا عطش.
كالمحضر من الجنة فعلى غير هذا المعنى وليس تعاطيه من جنس الأعمال) حتى يجري
عليه أحكامها (وإنما هو من جنس الثواب كأكل أهل الجنة في الجنة والكرامة لا تبطل
العبادة) إذ لو أبطلتها لم تكن كرامة، فلا يبطل بذلك صومه ولا ينقطع وصاله ولا ينقص أجره.
(وقال غيره: لا مانع من حمل الطعام والشراب على حقيقتهما، وأكله وشربه في
الليل لا يقطع وصاله خصوصية له بذلك، فكأنه لما قيل له: إنك تواصل، قال: ((إني لست
في ذلك كهيئتكم))، أي: على صفتكم في أن من أكل منكم أو شرب انقطع وصاله، بل إنما
يطعمني ربي ويسقيني ولا ينقطع بذلك مواصلتي، فطعامي وشرابي على غير طعامكم
وشرابكم صورة ومعنى) وهذا قريب من كلام ابن المنير، غايته أن هذا خصه بالليل وابن المنير
عمم على ظاهره.
(وقال الجمهور: هو مجاز عن لازم الطعام والشراب وهو القوة، فكأنه قال: يعطيني
قوة الآكل والشارب ويفيض عليَّ ما يسد مسد الطعام والشراب، ويقوي:) يعين (على أنواع
الطاعة) أي: العبادة (من غير ضعف في القوة) وحاصله أنه يغطي أزيد من الطاعم الشارب ولا
أكل ولا شرب (أو المعنى؛ أن اللَّه يخلق فيه من الشبع والري ما يغنيه عن الطعام والشراب
فلا يحس) بضم أوله وكسر الحاء من أحس على الأشهر، وبفتح الياء وضم الحاء (بجوع ولا
عطش، والفرق بينه وبين الأول) أي: الذي قبله (أنه على الأول يعطي القوة من غير شبع ولا

٢٤٨
الفصل الثامن في وصاله
والفرق بينه وبين الأول: أنه على الأول يعطى القوة من غير شبع ولا ري،
بل مع الجوع والظمأ، وعلى الثاني: يعطى القوة مع الشبع والري. ورجح الأول
بأن الثاني ينافي حال الصائم ويفوت المقصود من الصوم الوصال، لأن الجوع هو
روح هذه العبادة بخصوصها. قال القرطبي: ويبعده أيضاً النظر إلى حاله عليه
السلام فإنه كان يجوع أكثر مما يشبع ويربط على بطنه الحجر. انتهى.
ويحتمل - كما قاله ابن القيم في ((الهدي)) وابن رجب في اللطائف - أن
يكون المراد به ما يغذيه الله به من معارفه، وما يفيض على قلبه من لذة مناجاته
وقرة عينه بقربه، ونعيمه بحبه والشوق إليه، وتوابع ذلك من الأحوال التي هي غذاء
القلوب ونعيم الأرواح وقرة العين، وبهجة النفوس، فللروح والقلب بها أعظم غذاء
وأجله وأنفعه، وقد يغني هذا الغذاء عن غذاء الأجسام مدة من الزمان كما قيل:
لها أحاديث من ذكراك تشغلها عن الشراب وتلهيها عن الزاد
ري، بل مع الجوع والظمأ:) العطش (وعلى الثاني يعطي القوة مع الشبع والري، ورجح
الأول بأن الثاني ينافي حال الصائم ويفوت المقصود من الصوم والوصال، لأن الجوع هو
روح هذه العبادة بخصوصها) التي هي الصيام.
(قال القرطبي: ويبعده أيضًا النظر إلى حاله عليه السلام، فإنه كان يجوع أكثر مما
يشبع، ويربط) بكسر الباء وضمها (على بطنه الحجر) واحدة الحجارة. (انتهى) كلام الحافظ
وفيه بعده: وأنكر ابن حبان ربط الحجر، قال: لأن اللَّه تعالى كان يطعم رسوله ويسقيه إذا واصل
فكيف يتركه جائعًا حتى يحتاج إلى شد الحجر على بطنه، ثم قال: وماذا يغني الحجر من
الجوع، ثم ادعى أن ذلك تصحيف ممن رواه وإنما هو الحجز بالزاي: جمع حجزة، وقد أكثر
الناس من الرد عليه في جميع ذلك، ومر ذلك مبسوطًا في كلام المصنف.
(ويحتمل كما قاله ابن القيم في الهدي وابن رجب في اللطائف أن يكون المراد به
ما يغذيه اللَّه به من معارفه وما يفيض على قلبه من لذة مناجاته وقرة عينه بقربه) المعنوي
(ونعيمه بحبه والشوق إليه وتوابع ذلك من الأحوال التي هي غذاء القلوب ونعيم الأرواح
وقرة العين) بردها وسرورها (وبهجة النفوس، فالروح والقلب بها أعظم غذاء وأجله وأنفعه، وقد
يغني هذا الغذاء عن غذاء الأجسام مدة من الزمان كما قيل) في وصف النياق:
(لها أحاديث من ذكراك تشغلها عن الشراب وتلهيها عن الزاد

٢٤٩
الفصل الثامن في وصاله عد اله
إذا اشتكت من كلال السير أو عدها روح القدوم فتحيا عند ميعاد
ومن له أدنى تجربة وشوق يعلم استغناء الجسم بغذاء القلب والروح عن
كثير من الغذاء الحيواني، ولا سيما الفرحان الظافر بمطلوبه الذي قد قرت عينه
بمحبوبه، وتنعم بقربه والرضا عنه، وألطاف محبوبه ... مكرم له غاية الإكرام مع
الحب التام، أفليس هذا من أعظم غذاء لهذا المحب، فكيف بالحبيب الذي لا
شيء أعظم منه ولا أجل ولا أجمل ولا أكمل ولا أعظم إحسانًا، أفليس هذا
المحب عند حبيبه يطعمه ويسقيه ليلاً ونهارًا، ولهذا قال: أني أظل عند ربي
يطعمني ويسقيني. انتهى
وحكى النووي في شرح المهذب، كما قاله في شرح تقريب الأسانيد: أن
معناه أن محبة الله تشغلني عن الطعام والشراب. قال: والحب البالغ يشغل عنهما.
انتھی.
(إذا اشتكت من كلال السير أو عدها (روح القدوم فتحيا عند ميعاد)
لها، أي: للنياق وكلال تعب وروح بضم الراء والنصب مفعول، أي: أوعدها كلال السير
روح القدوم فيحصل لها مزيد قوة على السير حتى كأنها حييت بعد الموت.
(ومن له أدنى تجربة وشوق يعلم استغناء الجسم بغذاء القلب والروح عن كثير من
الغذاء الحيواني، ولا سيما الفرحان الظافر بمطلوبه الذي قد قرت عينه بمحبوبه وتنعم بقربه
والرضا عنه، وألطاف) بالخفض، أي: وبالطاف (محبوبه) وهو (مكرم له غاية الإكرام مع
الحب التام، أفليس هذا من أعظم غذاء لهذا المحب) استفهام تعجبي (فكيف بالحبيب
الذي لا شيء أعظم منه ولا أجل ولا أجمل ولا أكمل ولا أعظم إحسانًا، أفليس هذا المحب عند
حبيبه يطعمه ويسقيه ليلاً ونهارًا، ولهذا قال: إني أظل عند ربي يطعمني ويسقيني. انتهى).
(وحكى النووي في شرح المهذب كما قاله في شرح تقريب الأسانيد أن معناه أن
محبة اللَّه تشغلني عن الطعام والشراب، قال: والحب البالغ يشغل عنهما. انتهى) وهو قريب
من حاصل ما بسطه ابنا القيم ورجب، لكن الفارق بينهما أن ملحظ هذا أن الشاغل حبه
البالغ عَِّ للَّه تعالى، وملحظ ذاك أن الشاغل ما يفيض اللَّه عليه به وإن رجع حاصل معناهما إلى
معنى واحد، لكن الفرق بينهما بالاعتبار كما علم، وقد حكى الأبي عن ابن بزيزة أن بعض
الصوفية واصل ستين يومًا، قال: وواصل غيره أكثر، ومثل هذا كثير يذكر في كتب القوم. انتهى.

٢٥٠
الفصل الثامن في وصاله علّ.
فإن قلت: لم آثر اسم الرب دون اسم الذات المقدسة في قوله: ((يطعمني
ربي)) دون أن يقول: يطعمني الله؟
أجيب: بأن التجلي باسم الربوبية أقرب إلى العباد من الإلهية، لأنه تجلى
عظمة لا طاقة للبشر بها، وتجلي الربوبية تجلي رحمة وشفقة.
وقد اختلف الناس في الوصال لنا، هل هو جائز أو محرم أو مكروه؟
فقالت: طائفة: إنه جائز إن قدر عليه، وهذا يروى عن عبد الله بن الزبير
وغيره من السلف، وكان ابن الزبير يواصل الأيام، وروى ابن أبي شيبة بإسناد
صحيح أنه كان يواصل خمسة عشر يومًا، وذكر معه من الصحابة أيضًا أخت أبي
سعيد، ومن التابعين عبد الرحمن بن أبي ،يعمر، وعامر بن عبد الله بن الزبير،
وإبراهيم بن يزيد التيمي، وأبا الجوزاء، كما نقله أبو نعيم في الحلية.
ومن حجتهم أنه عليه الصلاة والسلام واصل بأصحابه بعد النهي، فلو كان
النهي للتحريم لما أقرهم على فعله، فعلم أنه أراد بالنهي الرحمة لهم والتخفيف
(فإن قلت: لم آثر اسم الرب دون اسم الذات المقدسة في قوله: ((يطعمني ربي
دون أن يقول يطعمني اللَّه))، أجيب) عنه (بأن) ، آثر الرب، لأن (التجلي باسم الربوبية أقرب
إلى العباد من الإلهية، لأنه تجلي عظمة لا طاقة) قدرة (للبشر بها، وتجلي الربوبية تجلى
رحمة وشفقة) وهي أليق بهذا المقام.
(وقد اختلف الناس في الوصال لنا هل هو جائز) لنا (أو محرم أو مكروه، فقالت
طائفة: إنه جائز إن قدر عليه) بلا كرامة (وهذا يروى عن عبد الله بن الزبير وغيره من
السلف، وكان ابن الزبير يواصل الأيام، وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح) عنه (أنه كان
يواصل خمسة عشر يومًا، وذكر معه من الصحابة أيضًا) في أصل الوصال وإن لم يعلم مقدار
ما واصلوا (أخت أبي سعيد) الخدري واسمها الفريعة بضم الفاء مصغر، ويقال لها الفارعة بنت
ملك بن سنان صحابية لها حديث قضى به عثمن.
(ومن التابعين عبد الرحمن بن أبي يعمر وعامر بن عبد الله بن الزبير) ثقة عابد
(وإبرهيم بن يزيد التيمي) العابد الثقة (وأبا الجوزاء) بجيم وزاي أوس بن عبد اللَّه الربعي (كما
نقله أبو نعيم في الحلية، ومن حجتهم أنه عليه الصلاة والسلام واصل بأصحابه بعد النهي،
فلو كان النهي للتحريم لما أقرهم على فعله، فعلم أنه أراد بالنهي الرحمة لهم والتخفيف

٢٥١
الفصل الثامن في وصاله پڼ
عنهم، كما صرحت به عائشة في حديثها، فمن لم يشق عليه ولم يقصد موافقة
أهل الكتاب في تأخيرهم الفطر. ولا رغب عن السنة في تعجيل الفطر لم يمنع من
الوصال.
ومن أدلة الجواز أيضًا: إقدام الصحابة عليه بعد النهي، فدل على أنهم فهموا
أن النهي للتنزيه لا للتحريم، وإلا لما قدموا عليه.
وقال الأكثرون: لا يجوز الوصال، وبه قال مالك وأبو حنيفة، ونص الشافعي
وأصحابه على كراهته، ولهم في هذه الكراهة وجهان أصحهما أنها كراهة تحريم،
والثاني: أنها كراهة تنزيه.
واختار ابن وهب وأحمد بن حنبل وإسحق جواز الوصال إلى السحر،
لحديث أبي سعيد عند البخاري: عنه عَّ له قال: «لا تواصلوا، فأيكم أراد أن يواصل
فليواصل إلى السحر)، وهذا الوصال لا يترتب عليه شيء مما يترتب على غيره،
لأنه في الحقيقة بمنزلة عشائه، إلا أنه يؤخره، لأن الصائم له في اليوم والليلة أكلة،
عنهم كما صرحت به عائشة في حديثها) السابق (فمن لم يشق عليه ولم يقصد موافقة أهل
·الكتاب في تأخيرهم الفطر ولا رغب عن السنة في تعجيل الفطر لم يمنع من الوصال) عند
هؤلاء.
(ومن أدلة الجواز أيضًا إقدام الصحابة عليه بعد النهي، فدل على أنهم فهموا أن
النهي للتنزيه لا للتحريم وإلا لما قدموا عليه) إذ لا يليق بهم الإقدام مع فهم التحريم.
(وقال الأكثرون: لا يجوز الوصال، وبه قال لملك وأبو حنيفة، ونص الشافعي وأصحابه
على كراهته ولهم في هذه الكراهة وجهان، أصحهما أنها كراهة تحريم، والثاني أنها كراهة
تنزيه) وهو المشهور عند المالكية.
(واختار ابن وهب وأحمد بن حنبل وإسحق) بن راهويه (جواز الوصال إلى السحر)
قبيل الصبح (لحديث أبي سعيد) الخدري (عند البخاري) من إفراده عن مسلم، ووهم من عزاه
له (عنه عَِّ، قال: ((لا تواصلوا، فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر)) لفظ البخاري
حتى السحر.
قال المصنف: بالجر بحتى التي بمعنى إلى، وبقية هذا الحديث عند البخاري قالوا: فإنك
تواصل يا رسول اللَّه، قال: (إني لست كهيئتكم، إني أبيت لي مطعم يطعمني وساق يسقين)
(وهذا الوصال لا يترتب عليه شيء مما يترتب على غيره، لأنه في الحقيقة بمنزلة عشائه

٢٥٢
الفصل الثامن في وصاله عَّه.
فإذا أكلها في السحر كان قد نقلها من أول الليل إلى آخره، وكان أخف لجسمه
في قيام الليل، ولا يخفى أن محل ذلك ما لم يشق على الصائم، وإلا فلا يكون
قربة.
صَّ الٍّ فقال: ((إني لست
وقد صرح في الحديث بأن الوصال من خصائصه عليك.
كهيئتكم)). وفي الصحيحين من حديث عمر بن الخطاب قال: قال عَّ له: ((إذا أقبل
الليل من ها هنا وأدبر النهار من ها هنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم)). قالوا:
فجعله مفطرًا حكمًا بدخول وقت الفطر وإن لم يفطر، وذلك يحيل الوصال شرعًا.
إلاَّ أنه يؤخره، لأن الصائم له في اليوم والليلة أكلة، فإذا أكلها في السحر كان قد نقلها من
أول الليل إلى آخره، وكان أخف لجسمه في قيام الليل، ولا يخفى أن محل ذلك ما لم
يشق على الصائم وإلا فلا يكون قربة).
(وقد صرح في الحديث بأن الوصال من خصائصه عَّ له، فقال: ((إني لست كهيئتكم)))، فلا معنى
للوصال إلى السحر لحديث: ((لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر))، وقالت عائشة: كان عَّ أعجل الناس
فطرًا، قاله أبو عمر.
(وفي الصحيحين من حديث عمر بن الخطاب) قال: (قال عَّله: ((إذا أقبل الليل من
ههنا) أي: من جهة المشرق (وأدبر النهار) أي: ضوؤه (من ههنا) أي: من جهة المغرب وهما
متلازمان ذكرهما، لأن أحدهما قد يكون أظهر للعين في بعض الأماكن كما لو كان في جهة
المغرب، فانحجب البصر عن إدراك الغروب وكان المشرق ظاهرًا بارزًا، فيستدل بطلوع الليل
على الغروب.
قال الطيبي: وإنما قال: (وغربت الشمس) مع الاستغناء عنه لبيان كمال الغروب لئلا يظن
أنه إذا غرب بعضها جاز الإفطار.
وقال المصنف: قيد بالغروب إشارة إلى اشتراط تحقق الإقبال والإدبار وأنهما بواسطة
الغروب لا بسبب آخر، فالأمور الثلاثة وإن كانت متلازمة في الأصل لكنها قد تكون في الظاهر
غير متلازمة، فقد يظن إقبال الليل من جهة المشرق ولا يكون إقباله حقيقة بل لوجود شيء يغطي
الشمس، وكذلك إدبار النهار، فلذا قيد بالغروب.
(فقد أفطر الصائم))، قالوا: فجعله مفطرًا حكمًا بدخول وقت الفطر وإن لم يفطر) بالفعل
(وذلك يحيل) يمنع (الوصال شرعًا) فلا ينتفع المواصل بوصاله، لأن الليل ليس موضعًا للصوم.
قال الطيبي: ويمكن أن تحمل الأخبار على الإنشاء إظهارًا للحرص على وقوع المأمور به،
أي: إذا أقبل الليل فليفطر الصائم، وذلك أن الخيرية منوطة بتعجيل الإفطار، فكأنه قد وقع

٢٥٣
الفصل الثامن في وصاله عب.
واحتج الجمهور للتحريم: بعموم النهي في قوله عَّه ((لا تواصلوا)، وأجابوا
عن قوله ((رحمة)) بأنه لا يمنع ذلك كونه منهيًا عنه للتحريم، وسبب تحريمه الشفقة
عليهم لئلا يتكلفوا ما يشق عليهم، وأما الوصال بهم يومًا، فاحتمل
للمصلحة في تأكيد زجرهم وبيان الحكمة في نهيهم والمفسدة المترتبة على
الوصال، وهي الملل من العبادة، والتعرض للتقصير في بعض وظائف الدين، من
إتمام الصلاة بخشوعها وأذكارها، وسائر الأذكار المشروعة في نهاره وليله.
وأجابوا أيضًا بقوله عليه الصلاة والسلام: ((إذا أقبل الليل من ها هنا وأدبر
النهار من ها هنا فقد أفطر الصائم)). إذ لم يجعل الليل محلاً لسوى الفطر، فالصوم
فيه مخالف لوضعه.
وروى الطبراني في الأوسط من حديث أبي ذر أن جبريل قال للنبي عد له:
إن الله قد قبل وصالك، ولا يحل لأحد بعدك. ولكن إسناده ليس بصحيح ولا
حجة فيه.
وحصل وهو یخبر عنه.
(واحتج الجمهور للتحريم بعموم النهي في قوله عَة: ((لا تواصلوا))، وأجابوا عن
قوله) أي: الشخص الراوي وهو عائشة نهي عَّم عن الوصال (رحمة) لهم؛ (بأنه لا يمنع ذلك
كونه منهيًا عنه للتحريم) فمن رحمته أن حرمه (وسبب تحريمه الشفقة عليهم لئلا يتكلفوا
ما يشق عليهم) وهذا يأتي حتى على القول بالكراهة، لأن المكروه لا ثواب في فعله.
(وأما الوصال بهم يومًا، فاحتمل للمصلحة في تأكيد زجرهم وبيان الحكمة في
نهيهم والمفسدة المترتبة على الوصال وهي الملل من العبادة والتعرض للتقصير في بعض
وظائف الدين من إتمام الصلاة بخشوعها وأذكارها وسائر الأذكار المشروعة في نهاره وليله)
لكن هذا كله لا ينتج التحريم لأنه صالح تعليلاً للكراهة أيضًا المستفادة من وصاله بهم بعد
النهي واحتمال فعل الحرام لمصلحة الزجر مما لا ينبغي أن يقال (وأجابوا أيضًا بقوله عليه
الصلاة والسلام: إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا فقد أفطر الصائم إذا لم يجعل
الليل محلاً لسوى الفطر، فالصوم فيه مخالف لوضعه) وهذا قدمه بمعناه قريبًا.
(وروى الطبراني في الأوسط من حديث أبي ذر أن جبريل قال للنبي عَ ل: ((إن اللَّه
قد قبل وصالك ولا يحل لأحد بعدك»، ولكن إسناده ليس بصحيح ولا حجة فيه) وتغنى عنه
الأحاديث الصحيحة الدالة على الخصوصية.
وقد روى الترمذي وغيره عن أبي سعيد مرفوعًا: ((إن اللَّه لم يكتب الصيام بالليل، فمن

٢٥٤
الفصل التاسع في سحوره عليه.
الفصل التاسع
صِّى اللّه
في سحوره عليشة
عن أبي هريرة عن رجل من أصحاب رسول الله عبد الله قال: دخلت على
النبي عَّ له وهو يتسحر فقال: ((إنها بركة أعطاكم الله إياها فلا تدعوه)). رواه النسائي.
وعن العرباض بن سارية قال: دعاني رسول الله عَّه إلى السحور في رمضان
صام فقد تعنى ولا أجر له))، قال الترمذي: سألت عنه البخاري فقال: ما أرى عبادة سمع من أبي
سعيد، وقال ابن منده: غريب لا نعرفه إلاَّ من هذا الوجه، والله أعلم.
(الفصل التاسع: في سحوره) بفتح السين، أي: ما يؤكل وضمها، أي: نفس الفعل
(عَّةِ) أي: في الأمر به وفعله ووقته وفائدته.
(عن أبي هريرة عن رجل من أصحاب رسول اللَّه عَ ل، قال: دخلت على النبي عَّه.
وهو يتسحر فقال: ((إنها) أي: هذه الحالة التي نفعلها وهي التسحر، أو أنث مراعاة للخبر وهو
(بركة، ) أي: نموّ وزيادة (أعطاكم اللَّه إياها فلا تدعوه))) أي: التسحر (رواه النسائي) وفيه
صحابي عن صحابي، وفي معنى كونه بركة وجوه أن يبارك في القليل منه بحيث يحصل به
الإعانة على الصوم، ولابن عدي عن علي مرفوعًا: ((تسحروا ولو بشربة من ماء))، وللطبراني عن
أبي أمامة رفعه: ولو بتمرة ولو بحبات زبيب الحديث، ويكون ذلك بالخاصية كما بورك في
الثريد والاجتماع على الطعام، أو المراد بالبركة نفي التبعة.
وفي الفردوس من حديث أبي هريرة: ثلاثة لا يحاسب عليها العبد: أكلة السحور وما أفطر
عليه، وما أكل مع الإخوان، أو المراد بها التقوّي على الصيام وغيره من أعمال النهار.
ولابن ماجه والحاكم عن جابر مرفوعًا: استعينوا بطعام السحر على صيام النهار وبالقيلولة
على قيام الليل، ويحصل به النشاط ومدافعة سوء الخلق الذي يثيره الجوع، أو المراد بها الأمور
الأخروية، فإن إقامة السنة توجب الأجر وزيادة.
قال عياض: قد تكون هذه البركة ما يتفق للمتسحر من ذكر أو صلاة أو استغفار وغير
ذلك من زيادات الأعمال التي لولا القيام للسحور لكان الإنسان نائمًا عنها وتاركًا، وتجديد النية
للصوم ليخرج من خلاف من أوجب تجديدها إذا نام بعدها.
قال ابن دقيق العيد: ومما يعلل به استحباب السحور المخالفة لأهل الكتاب لأنه ممتنع
عندهم، وهذا أحد الوجوه المقتضية للزيادة في الأجور الأخروية.
(وعن العرباض) بكسر العين (ابن سارية، قال: دعاني رسول اللَّه عٍَّ إلى السحور في

٢٥٥
الفصل التاسع في سحوره علّ.
قال: هلم إلى الغداء المبارك. رواه أبو داود والنسائي.
وعن أنس قال: قال رسول الله عَّه - وذلك عند السحور -: ((يا أنس إني أريد
الصيام فأطعمني شيئًا))، فأتيته بتمر وإناء فيه ماء، وذلك بعد ما أذن بلال، قال: يا
أنس انظر رجلاً يأكل معي، فدعوت زيد بن ثابت فجاء فقال: إني أريد شربة
سويق وأنا أريد الصيام، فقال رسول الله عَ له: ((وأنا أريد الصيام))، فتسحر معه، ثم
قام فصلى ركعتين ثم خرج إلى الصلاة. رواه النسائي.
وعن زر بن حبيش قال: قلنا لحذيفة: أي ساعة تسحرت مع رسول الله عَّ؟
قال: هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع. رواه النسائي أيضًا.
رمضان، قال: هلم) قال الرضي: جاء متعديًا ولازمًا بمعنى أقبل فيتعدى يإلى، وبمعنى أحضر في
نحو قوله تعالى: ﴿هلم شهداء كم﴾ [الأنعام/١٥٠]، وهو عند الخليل هاء التنبيه ركب معها لم
أمر من قولك: لم اللَّه شعثه، أي: اجمع نفسك إلينا، فلما غير معناه عند التركيب لأنه صار بمعنى
أقبل أو احضر بعدما كان بمعنى أجمع صار كجميع أسماء الأفعال المنقولة عن أصلها.
(إلى الغذاء المبارك) في الدارين على ما رأيت (رواه أبو داود والنسائي.
(وعن أنس قال: قال رسول اللَّه عَّه وذلك عند السحور يا أنس، إني) بشد النون بعد
همزة مكسورة في نسخ صحيحة كثيرة، وفي بعضها إليَّ بلام بدل النون، فإن صحت فالتقدير
ادن إليَّ، فدنا منه فقال: (أُريد الصيام فأطعمني شيئًا، فأتيته بتمر وإناء فيه ماء وذلك بعد
ما أذن بلال) لأنه كان يؤذن بالليل.
(قال: يا أنس انظر رجلاً يأكل معي، فدعوت زيد بن ثابت، فجاء فقال: إني أريد شربة
سويق وأنا أريد الصيام، فقال رسول اللَّه عَله: وأنا أريد الصيام، فتسحر معه ثم قام فصلى
ركعتين) الفجر (ثم خرج إلى الصلاة) أي: الصبح (رواه النسائي).
(وعن زر) بكسر الزاي وشد الراء (ابن حبيش) بضم المهملة وفتح الموحدة وسكون
التحتية وشين معجمة ابن حباشة بمهملة مضمومة فموحدة ثم معجمة الأسدي الكوفي، ثقة جليل
مخضرم، مات سنة إحدى أو اثنتين أو ثلاث وثمانين وهو ابن مائة وسبع وعشرين سنة كما في
التقريب.
(قال: قلنا لحذيفة) ابن اليمان (أي ساعة تسحرت مع رسول اللَّه عَ لَه، قال: هو النهار
إلاَّ أن الشمس لم تطلع) سماه نهارًا مجازًا لقربه منه جدًا بحيث طلع الفجر عقب الفراغ منه
(رواه النسائي أيضًا).

٢٥٦
الفصل التاسع في سحوره عَ ليه.
وعن زيد بن ثابت قال تسحرنا مع رسول الله عَ ليه ثم قمنا إلى الصلاة، قال
أنس بن مالك: قلت: كما كان قدر ما بينهما؟ قال: قدر خمسين آية. رواه
البخاري ومسلم والترمذي والنسائي.
والمراد آية متوسطة، لا طويلة ولا قصيرة لا سريعة ولا بطيئة.
قال ابن أبي جمرة: كان عَّه ينظر ما هو الأرفق بأمته فيفعله، لأنه لو لم
يتسحر لاتبعوه فشق على بعضهم، ولو تسحر في جوف الليل لشق أيضًا على
بعضهم ممن يغلب عليه النوم، فقد يفضي إلى ترك الصبح، أو يحتاج إلى
المجاهدة بالسهر.
وقال القرطبي: فيه دلالة على أن الفراغ من السحور كان قبل طلوع الفجر،
(وعن زيد بن ثابت: قال تسحرنا مع رسول اللَّه عَ لّ) أي: أكلنا السحور بالفتح ما يؤكل
وقت السحر، أما بالضم فهو اسم لنفس الفعل (ثم قمنا إلى الصلاة) أي: صلاة الصبح.
(قال أنس بن مالك: قلت) لزيد: (كم كان قدر ما بينهما؟، قال:) هو (قدر خمسين آية)
برفع قدر خبر المبتدأ، ويجوز النصب خبر كان المقدرة في جواب زيد لا في سؤال أنس لئلا
يصير كان واسمها من قائل والخبر من آخر.
قال المهلب وغيره: فيه تقدير الأوقات بأعمال البدن، وكانت العرب تقدر الأوقات
بالأعمال، كقولهم: قدر حلب شاة وقدر نحر جزور، فعدل زيد بن ثابت عن ذلك إلى التقدير
بالقراءة إشارة إلى أن ذلك الوقت كان وقت العبادة بالتلاوة ولو كانوا يقدرون بغير العمل لقال
مثلاً قدر درجة أو ثلث أو خمس ساعة، قاله الحافظ (رواه البخاري) في الصلاة والصيام
(ومسلم والترمذي والنسائي) وابن ماجه كلهم في الصيام.
(والمراد آية متوسطة لا طويلة ولا قصيرة، لا سريعة ولا بطيئة) في قراءتها بل هي
متوسطة بينهما.
(قال ابن أبي جمرة) بجيم وراء في بيان حكمة تأخير السحور: (كان عَِّ ينظر ما هو
الأرفق بأمته فيفعله، لأنه لو لم يتسحر لأتبعوه فشق على بعضهم، ولو تسحر في جوف
الليل لشق أيضًا على بعضهم ممن يغلب عليه النوم، فقد يفضي إلى ترك صلاة الصبح) في
وقتها (أو يحتاج إلى المجاهدة بالسهر) وهو مشقة عظيمة.
(وقال القرطبي: فيه دلالة على أن الفراغ من السحور كان قبل طلوع الفجر فهو

٢٥٧
الفصل العاشر في إفطاره عَّ في رمضان في السفر وصومه
فهو معارض لقول حذيفة هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع. انتهى.
وأجاب في فتح الباري: بأن لا معارضة، بل يحمل على اختلاف الحال،
فليس في رواية واحد منهما ما يشعر بالمواظبة.
الفصل العاشر
في إفطاره عَّةٍ في رمضان في السفر وصومه
عن جابر أن رسول الله عَّ خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان. فصام
حتى بلغ كراع الغميم، وصام الناس، ثم دعا بقدح من ماء فرفعه حتى نظر الناس
ثم شرب، فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام، فقال: أولئك العصاة، أولئك
معارض لقول حذيفة هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع. انتهى).
(وأجاب في فتح الباري: بأن لا معارضة بل يحمل على اختلاف الحال) فتارة
لا يصله بالنهار بل يكون بينهما قدر قراءة خمسين آية وهو ما أخبر عنه زيد، وتارة يصله به بأنه
يطلع الفجر عقب انتهائه وهو ما أخبر به حذيفة وسماه نهارًا مجازًا، وأفاد قوله: إلا أن الشمس لم
تطلع أن النهار لم يطلع حقيقة (فليس في رواية واحد منهما ما يشعر بالمواظبة) حتى تتأتى
المعارضة.
(الفصل العاشر: في إفطاره عَّهِ في رمضان في السفر وصومه:)
(عن جابر بن عبد اللَّه (أن رسول اللَّه عَ ل خرج عام الفتح إلى مكة) يوم الأربعاء بعد
العصر (في رمضان) سنة ثمان (فصام حتى بلغ كراع) بضم الكاف وفتح الراء مخففة فألف
فعين مهملة (الغميم) بفتح الغين المعجمة وكسر الميم الأولى بعدها تحتية ساكنة: واد أمام
عسفان بثمانية أميال يضاف إليه هذا الكراع جبل أسود متصل به، والكراع كل أنف سال من
جبل أو حرة تشبيهًا بالكراع وهو ما دون الركبة من الساق (وصام الناس، ثم دعا بقدح من ماء
فرفعه؛) بأن وضعه على راحته وهو على راحلته (حتى نظر الناس) إليه (ثم شرب) ليقتدي به
(فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام، فقال: أولئك العصاة، أولئك العصاة) مرتين.
قال عياض: وصفهم بذلك لأنه أمرهم بالفطر لمصلحة التقوّي على الفعل فلم يفعلوا حتى
عزم عليهم بعد.
قال النووي: أو يحمل على من تضرر بالصوم، قال غيرهما أو عبر به مبالغة في حثهم على
الفطر رفقًا بهم.
وقال الطيبي: التعريف في العصاة للجنس، أي: أولئك الكاملون في العصيان المتجاوزولى

٢٥٨
الفصل العاشر في إفطاره عَّه في رمضان في السفر وصومه
العصاة. زاد في رواية: فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام، وإنما ينتظرون فيما
فعلت، فدعا بقدح من ماء بعد العصر. رواه مسلم.
وعن ابن عباس قال: سافر رسول الله عَّله في رمضان، فصام حتى بلغ
عسفان، ثم دعا بإناء من ماء فشرب نهارًا ليراه الناس، وأفطر حتى قدم مكة. وكان
حده، لأنه معَّ إِنما بالغ في الإفطار حتى رفع قدح الماء بحيث يراه كل الناس لكي يتبعوه
ويقبلوا رخصة اللَّه، فمن أبى فقد بالغ في العصيان، كذا قال: ولا ينبغي هذا في حق الصحابة
وقد أمكن غيره.
(زاد في رواية) بعد قوله: فصام الناس (فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام وإنما
ينتظرون) أي: يتأملون، كذا في النسخ من الانتظار والذي في مسلم، وإنما ينظرون بدون مثناة
(فيما فعلت، فدعا بقدح من ماء) لم يختلف في حديث جابر أنه من ماء وهو الصحيح في
حديث ابن عباس، وشك بعض رواته فقال: من ماء أو لبن (بعد العصر) فشرب (رواه) أي:
حديث جابر بالزيادة (مسلم) من طريقين.
(وعن ابن عباس قال: سافر رسول اللَّه عَّله في رمضان) في غزوة فتح مكة فهو من
مرسلات الصحابة لأن ابن عباس لم يكن معه في الفتح وإنما أخذه عن غيره كما قاله أبو الحسن
القابسي، فما يوجد في بعض نسخ المواهب: سافرنا مع رسول اللَّه خطأ صراح مخالف لما في
الصحيحين (فصام حتى بلغ عسفان) بضم العين وإسكان السين وفاء: قرية جامعة على أربعة برد
من مكة.
وفي رواية للشيخين عن ابن عباس أيضًا حتى بلغ الكديد بفتح الكاف وكسر الدال
المهملة الأولى فتحتية فمهملة، فسر في نفس الحديث عند البخاري في المغازي بلفظ: الكديد
الماء الذي بين قديد وعسفان. ومر عن جابر: حتى بلغ كراع الغميم، وهذه أماكن مختلفة،
والقصة واحدة، وجمع عياض بأنها أماكن متقاربة وعسفان يصدق عليها لأن الجميع من عملها؛
وبأنه أخبر بحال الناس ومشقتهم بعسفان وكان فطره بالكديد، وجمعه الثاني إنما يستقيم على
المشهور المعروف أن عسفان على ثمانية وأربعين ميلاً من مكة والكديد على اثنين وأربعين ميلاً
منها لا على نقله هو أن عسفان على ستة وثلاثين ميلاً من مكة، والأول معناه: أنها لتقاربها
لا يضر اختلاف الرواة في تسميتها، لجواز أن كلا من الرواة سمى الموضع الذي أفطر فيه باسم،
إما موضوع له حقيقة أو سماه به مجازًا لقربه مما سماه به غيره (ثم دعا بإناء من ماء) زاد في
رواية للشيخين: فرفعه إلى يديه، وفي أبي داود: إلى فيه، وللبخاري من وجه آخر عن ابن عباس
بإناء من لبن أو ماء فوضعه على راحته أو راحلته بالشك فيهما فيقدم عليه رواية من جزم بالماء،

٢٥٩
الفصل العاشر في إفطاره عَّةٍ في رمضان في السفر وصومه
ابن عباس يقول صام رسول الله عَ ليه في السفر وأفطر، فمن شاء صام ومن شاء
أفطر، رواه البخاري ومسلم.
ولمسلم: أن ابن عباس كان لا يعيب على من صام ولا على من أفطر،
فقد صام رسول الله عَّله في السفر وأفطر.
قال النووي رحمه الله: اختلف العلماء في صوم رمضان في السفر:
فقال بعض أهل الظاهر: لا يصح صوم رمضان في السفر، وإن صامه لم
ينعقد، ويجب قضاؤه، لظاهر الآية ولحديث ((ليس من البر الصيام في السفر))، وفي
الحديث الآخر ((أولئك العصاة)).
لأن القصة واحدة ولا دليل على التعدد كما زعم الداودي قاله الحافظ.
(فشرب نهارًا ليراه الناس) فيعلموا جواز الفطر (وأفطر حتى قدم) وفي رواية: دخل
(مكة) واحتج به مطرف، ومن وافقه من المحدثين وهو أحد قولي الشافعي أن من بيت الصوم
في رمضان في السفر له أن يفطر، ومنعه الجمهور لأنه كان مخيرًا في الصوم والفطر، فلما اختار
الصوم وبيته لزمه وحملوا الحديث على أنه أفطر للتقوّي على العدو والمشقة الحاصلة له ولهم.
(وكان ابن عباس يقول: صام رسول اللَّه عَّه في السفر وأفطر) فيه (فمن شاء صام)
فيه (ومن شاء أفطر) لكن الصوم أفضل (رواه البخاري) في الصوم وغيره (ومسلم) في الصوم.
(ولمسلم: أن ابن عباس كان لا يعيب) لفظ مسلم عن طاوس عن ابن عباس قال:
لا تعب.
قال المصنف: بفتح الفوقية وكسر المهملة (على من صام ولا على من أفطر، فقد صام
رسول اللّه عَّ في السفر وأفطر) وهذا الحديث لم يحضره ابن عباس لأنه كان مع
المستضعفين بمكة. انتهى، أي: أنه مرسل صحابي.
(قال النووي رحمه اللّه: اختلف العلماء في صوم رمضان في السفر، فقال بعض أهل
الظاهر: لا يصح صوم رمضان في السفر وإن صامه لم ينعقد) وعزاه ابن عبد البر لعمرو ابنه
وأبي هريرة وعبد الرحمن بن عوف (ويجب قضاؤه لظاهر الآية:) ﴿فمن كان منكم مريضًا أو
على سفر فعدة من أيام أخر﴾ [البقرة/١٨٤]، فجعل عليه عدة.
(الحديث) الصحيحين عن جابر أن النبي عَّةٍ في سفر، وفي الترمذي في غزوة الفتح:
رأى زحامًا ورجلاً قد ظلل عليه، فقال: ((ما هذا))؟، قالوا: صائم، فقال: ((ليس من البر الصيام
في السفر))) لفظ البخاري، ولفظ مسلم: ((ليس البر أن تصوموا في السفر))، وزاد بعض الرواة:
((عليكم برخصة اللَّه التي رخص لكم) قالوا: ما لم يكن من البر فهو من الإثم (و) يؤيده (في

٢٦٠
الفصل العاشر في إفطاره عَّعليه في رمضان في السفر وصومه
وقال جماهير العلماء وجميع أهل الفتوى: يجوز صومه في السفر، وينعقد
ويجزيه، واختلفوا في أن الصوم أفضل أم الفطر أم هما سواء؟
فقال مالك وأبو حنيفة والشافعي والأكثرون: الصوم أفضل لمن أطاقه بلا
مشقة ظاهرة ولا ضرر، فإن تضرر به فالفطر أفضل، واحتجوا بصومه معَّله، ولأنه
تحصل به براءة الذمة في الحال.
وقال سعيد بن المسيب والأوزاعي وأحمد وإسحق وغيرهم: الفطر أفضل
مطلقًا، وحكاه بعض أصحابنا قولاً للشافعي، وهو غريب، واحتجوا بما سبق لأهل
الظاهر، وبقوله عَّله: ((هي رخصة من الله فمن أخذ بها فحسن ومن أحب أن
يصوم فلا جناح عليه)) وظاهره ترجيح الفطر.
الحديث الآخر «أولئك العصاة))).
قال ابن عبد البر: ولا حجة فيه لأنه عام خرج على سبب، فإن قصر عليه لم تقم به حجة
وإلاَّ حمل على من بلغ حاله مثل حال الرجل، أي: ليس له أن يبلغ هذا بنفسه ولو كان إثمًا
لكان عليه السلام أبعد الناس عنه، ويحتمل أن يريد ليس البر أو ليس هو البر، إذ قد يكون الفطر
أبر منه في حج أو غزوة ليتقوّى عليه وتكون ((من)) زائدة، كما يقال: ما جاءني من أحد، وما
جاءني أُحد.
(وقال جماهير العلماء وجميع أهل الفتوى: يجوز صومه في السفر وينعقد ويجزيه،
واختلفوا في أن الصوم أفضل أم الفطر أم هما سواء) لوقوع الأمرين منه معدّه.
(فقال ملك وأبو حنيفة والشافعي والأكثرون: الصوم أفضلٍ لمن أطاقه بلا مشقة ظاهرة
ولا ضرر، فإن تضرر به فالفطر أفضل) حيث قل الضرر وإلاّ وجب الفطر ولو للحاضر
(واحتجوا بصومه علّ. ولأنه تحصل به براءة الذمة في الحال).
(وقال سعيد بن المسيب والأوزاعي وأحمد وإسحق وغيرهم: الفطر أفضل مطلقًا)
حصل ضرر أم لا؟.
(وحكاه بعض أصحابنا قولاً للشافعي وهو غريب) عنه، والمعروف عنه ما سبق.
(واحتجوا بما سبق لأهل الظاهر) من الآية والحديثين.
(وبقوله عَّله) كما رواه مسلم عن حمزة بن عمرو الأسلمي أنه قال: يا رسول اللَّه أجد بي
قوّة على الصيام في السفر فهل عليّ جناح؟، فقال عَّةِ: ((هي) أنث باعتبار الخبر وهو (رخصة
من اللّه، فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح) أي: لا إثم (عليه)) وظاهره
ترجيح الفطر) لأنه وصفه بالحسن على الفطر لأنه إنما نفى عنه الجناح.