Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
الأول: في جمعه عّ.
جعلها غاية للقصر. والله أعلم.
الفصل الثاني
في الجمع
وفيه فرعان أيضًا:
الأول: في جمعه عَلَّ:
عن أنس قال: كان رسول الله عَّله إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر
الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل فجمع بينهما، فإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل
صلى الظهر ثم ركب.
وفي رواية: أنه كان إذا أراد أن يجمع بين صلاتين في السفر أخر الظهر
حتى يدخل أول وقت العصر.
وفي أخرى: كان إذا عجل به السير يؤخر الظهر إلى وقت العصر فيجمع
يجيء عنه عَّه أنه أقام في حالة السفر أكثر من تلك المدة جعلها غاية للقصر، والله أعلم)
وهذا كله اغترفه المصنف من الفتح بلا عزو، قال: وقد اختلف العلماء في ذلك على أقوال كثيرة.
(الفصل الثاني: في الجمع: وفيه فرعان أيضًا) كالذي قبله.
(الأول: في جمعه عَّة) بين الظهرين وبين العشاءين (عن أنس قال: كان
رسول اللَّه عَّل إذا ارتحل قبل أن تزيغ) بزاي وغين معجمة، أي: تميل (الشمس أخر الظهر
إلى وقت العصر، ثم نزل فجمع بينهما) في وقت العصر (فإن زاغت) مالت (الشمس قبل أن
يرتحل صلى الظهر ثم ركب) مقتضاه أنه كان لا يجمع بين الصلاتين إلاّ في وقت الثانية
منهما، وبه احتج من أبى جمع التقديم، لكن روى هذا الحديث إسحق بن راهويه، فقال: صلى
الظهر والعصر جميعًا ثم ارتحل، وكذا أخرجه الإسمعيلي والحاكم في الأربعين، وفي زيادة
والعصر: قدح لا يضر.
(وفي رواية) عن أنس (أنه) قال: (كان) النبي عَّهِ (إذا أراد أن يجمع بين صلاتين في
السفر أخر الظهر حتى يدخل أول وقت العصر) ثم يجمع بينهما كما هو بقية الرواية، أي:
جمع تأخير بدلیل تعبيره بثم.
(وفي أخرى) عن أنس: (كان) النبي عَّةٍ (إذا عجل) بفتح العين وكسر الجيم أسرع
وحضر (به السير) ونسبة الفعل إليه مجاز وتوسع (يؤخر الظهر إلى وقت العصر فيجمع

١٦٢
الأول: في جمعه عَّ
بينهما، ويؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء، رواه البخاري ومسلم وأبو
داود.
وفي رواية للبخاري: كان يجمع بين هاتين الصلاتين في السفر، يعني:
المغرب والعشاء.
وفي حديث ابن عباس: كان ◌َِّ يجمع بين صلاتي الظهر العصر إذا كان
على ظهر سير، ويجمع بين المغرب والعشاء، رواه البخاري.
ولمسلم: جمع بين الصلاة في سفرة سافرها في غزوة تبوك، فجمع بين
الظهر والعصر، والمغرب والعشاء.
وله ولمالك وأبي داود والنسائي: أنهم خرجوا معه عَّه في غزوة تبوك،
بينهما) جمع تأخير (ويؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء) زاد مسلم: حين يغيب
الشفق (رواه البخاري ومسلم وأبو داود).
(وفي رواية للبخاري) عن أنس أن رسول اللَّه عَ لَّه (كان يجمع بين هاتين الصلاتين في
السفر، يعني المغرب والعشاء) يحتمل جمع التقديم والتأخير لكن يعينه حديث ابن عمر في
الصحيحين: ((رأيت رسول اللَّه عَ له إذا أعجله السير في السفر يؤخر صلاة المغرب إلى أن يغيب
الشفق حتى يجمع بينها وبين العشاء)).
(وفي حديث ابن عباس: كان عَّ يجمع بين صلاتي الظهر والعصر) جمع تأخير (إذا
كان على ظهر سير) بالإضافة لأكثر الرواة، وللكشميهني على ظهر بالتنوين يسير بلفظ المضارع
بتحتية مفتوحة أوله، قال الطيبي: ظهر سير للتأكيد كقوله الصدقة عن ظهر غنى، يقع لفظ ظهر
في مثل هذا اتساعًا للكلام كأن السير كان مسندًا إلى ظهر قوي من المطي مثلاً، وقال غيره:
جعل للسير ظهرًا، لأن الراكب ما دام سائرًا كأنه راكب ظهر، وفيه جناس التحريف بين الظهر
وظهر (ويجمع بين المغرب والعشاء، رواه البخاري ولمسلم).
عن ابن عباس: أن رسول اللَّه عَّةٍ (جمع بين الصلاة في سفرة سافرها في غزوة تبوك)
سنة تسع (فجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء).
قال عياض: لم تفسر في شيء من الروايات، أي: عن ابن عباس صورة الجمع، وفسرها
في حديث معاذ، فذكر رواية أبي داود الآتية.
(وله) أي: لمسلم في الفضائل، لا في هذا الباب من طريق ملك بن أنس. (ولملك) في
الموطأ (وأبي داود والنسائي) كلهم عن معاذ بن جبل (أنهم) أي: الصحابة (خرجوا معه عد اله

١٦٣
الأول: في جمعه ◌ّ
فكان عليه الصلاة والسلام يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، فأخروا
الظهر يومًا، ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعًا، ودخل ثم خرج فصلى المغرب
والعشاء جميعًا.
وفي رواية أبي داود والترمذي من حديث معاذ بن جبل: كان في غزوة تبوك
إذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين الظهر والعصر، فإن رحل قبل أن تزيغ
الشمس أخر الظهر حتى ينزل للعصر، وفي المغرب مثل ذلك: إن غابت الشمس
قبل أن يرتحل جمع بين المغرب والعشاء، وإن ارتحل قبل أن تغيب أخر المغرب
حتى ينزل العشاء، ثم يجمع بينهما.
في غزوة تبوك، فكان عليه الصلاة والسلام يجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء) أي:
جمع تأخير، كذا حمله الباجي (فأخروا الظهر) لفظ الموطأ ومسلم: فأخر الصلاة (يومًا ثم خرج
فصلى الظهر والعصر جميعًا) جمع تأخير، وحمله بعضهم على الجمع الصوري بأن صلى الظهر
في آخر وقتها والعصر في أوله، ورده الخطابي وابن عبد البر وغيرهما بأن الجمع رخصة، فلو
كان صوريًا لكان أعظم ضيقًا من الإتيان بكل صلاة في وقتها، لأن أوائل الأوقات وأواخرها مما
لا يدركه أكثر الخاصة فضلاً عن العامة، وصريح الأخبار أن الجمع في وقت إحدى الصلاتين
وهو المتبادر إلى الفهم من لفظ الجمع (ودخل ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعًا).
قال الباجي: مقتضاه أنه مقيم غير سائل، لأنه إنما يستعمل غالبًا في الدخول إلى الخباء
والخروج منه، إلا أن يريد دخل إلى الطريق مسافرًا، ثم خرج عن الطريق للصلاة، ثم دخله للسير
وفيه بعد، وكذا نقله عياض، واستبعده ولا شك في بعده وفيه جمع المسافر نازلاً وسائرًا
وكأنّه عَُّله فعله لبيان الجواز، وأكثر عادته ما يدل عليه حديث أنس السابق، وقد قال المالكية
والشافعية: ترك الجمع أفضل للمسافر، وعن ملك رواية بكراهته. وهذه الأحاديث تخصص
الأوقات التي بينها جبريل وبينها النبي ◌َّله للأعرابي بقوله في آخرها: ((الوقت ما بين هذين)).
(وفي رواية أبي داود والترمذي من حديث) شيخهما قتيبة بن سعيد عن الليث، عن
يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل عامر بن واثلة (معاذ بن جبل:) أن النبي عَّهِ (كان في غزوة
تبوك إذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين الظهر والعصر) جمع تقديم (فإن رحل قبل
أن تزيغ الشمس أخر الظهر حتى ينزل للعصر) فيصليهما جميعًا كما في الرواية (وفي
المغرب) يفعل (مثل ذلك) وأوضحه فقال: (إن غابت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين
المغرب والعشاء، وإن ارتحل قبل أن تغيب أخر المغرب حتى ينزل للعشاء ثم يجمع
بينهما) تأخيرًا، وهذا الحديث أعله جماعة من الأئمة بتفرد قتيبة به عن الليث، بل ذكر البخاري

١٦٤
الفرع الثاني: في جمعه عَّهِ بجمع ومزدلفة
الفرع الثاني: في جمعه عَِّ بجمع ومزدلفة
عن ابن عمر: أنه مَِّ صلى المغرب والعشاء بالمزدلفة جميعًا. رواه
البخاري ومسلم ومالك وأبو داود. زاد البخاري في رواية: كل واحدة منهما بإقامة
ولم يسبح بينهما.
ولمسلم: جمع بين المغرب والعشاء بجمع، وصلى المغرب ثلاث ركعات،
وصلى العشاء ركعتين.
أن بعض الضعفاء أدخله على قتيبة، حكاه الحاكم وله طريق آخر عند أبي داود من رواية
هشام بن سعد عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ وهشام مختلف فيه، وقد خالفه الحفاظ
من أصحاب أبي الزبير كلملك وسفين الثوري وقرة بن خالد وغيرهم، فلم يذكروا في روايتهم
جمع التقديم، وبه احتج من أباه، وجاء فيه حديث آخر عن ابن عباس مرفوعًا بنحوه عند أحمد
وفيه راو ضعيف، وله شاهد بنحوه عند البيهقي عن ابن عباس برجال ثقات إلاّ أنه مشكوك في
رفعه والمحفوظ وقفه، وقد قال أبو داود: ليس في تقديم الوقت حديث قائم.
(الفرع الثاني: في جمعه عَّ بجمع) أي: عرفة، قال المجد: الجمع كالمنع تأليف
المتفرق، ثم قال: ويوم جمع يوم عرفة (ومزدلفة) وتسمى جمعًا أيضًا لاجتماع آدم وحواء بها لما
أهبطا أو لغير ذلك، وهي أشهر في التسمية بجميع من عرفة.
(عن ابن عمر أنه عَّهِ صلى المغرب والعشاء بالمزدلفة جميعًا) أي: جمع بينهما
جمع تأخير، كما دل على ذلك روايات أخر منها التي تليها، وإن كان ليس في اللفظ من حيث
هو ما يدل عليه، لأن جميعًا تأكيد لصلى بالمزدلفة، فأما جمعهما فلا يدل عليه، وإن كان الواقع
أنه جمع بينهما للروايات الأخر، ولأنه إنما نفر من عرفة بعد الغروب، فلا يمكن أن يصل المزدلفة
قبل العشاء (رواه البخاري) من طريق ابن أبي ذئب (ومسلم) عن يحيى، عن لملك (وملك) في
الموطأ (وأبو داود) عن القعنبي، عن ملك، وهو وابن أبي ذئب عن ابن شهاب، عن سالم بن
عبد اللَّه بن عمر، عن أبيه.
(زاد البخاري في رواية) لهذا الحديث: (كل واحدة منهما بإقامة ولم يسبح بينهما)
أي: لم ينتفل لإخلاله بالجمع الذي يجعلهما كصلاة واحدة فوجب الولاء كركعات الصلاة،
ولولا اشتراط الولاء لما ترك عَّةِ الرواتب (ولمسلم) أن النبي عَّ (جمع بين المغرب
والعشاء بجمع) بفتح الجيم وإسكان الميم، أي: المزدلفة (وصلى المغرب ثلاث ركعات
وصلى العشاء ركعتين) قصرًا.

١٦٥
الفصل الثالث في صلاته عَِّ النوافل في السفر
وفي حديث أبي أيوب الأنصاري، عند البخاري ومسلم: جمع في حجة
الوداع بين المغرب والعشاء في المزدلفة.
وفي رواية ابن عباس، عند النسائي: صلى المغرب والعشاء بإقامة واحدة.
وفي رواية جعفر بن محمد عن أبيه عند أبي داود: صلى الظهر والعصر
بأذان واحد بعرفة، ولم يسبح بينهما وإقامتين، وصلى المغرب والعشاء بجمع بأذان
واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما.
الفصل الثالث
في صلاته عَّةُ النوافل في السفر
عن ابن عمر قال: سافرت مع النبي عَّه وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا
(وفي حديث أبي أيوب) خالد (الأنصاري عند البخاري ومسلم؛) أنه عَّه (جمع في
حجة الوداع بين المغرب والعشاء في المزدلفة) جمع تأخير.
(وفي رواية ابن عباس عند النسائي: صلى المغرب والعشاء بإقامة واحدة) وبه قال
بعض الأئمة، قال لملك والشافعي وغيرهما بإقامتين لحديث أمامة في الصحيحين، ثم أقيمت
الصلاة فصلى المغرب، ثم أقيمت العشاء فصلاها واختلف هل يؤذن لكل منهما وهو قول ملك
أولاً وهو قول الشافعي.
(وفي رواية جعفر بن محمد عن أبيه عند أبي داود: صلى الظهر والعصر بأذان واحد
بعرفة ولم يسبح) أي: ينتفل (بينهما وإقامتين، وصلى المغرب والعشاء بجمع) أي: مزدلفة
(بأذان واحد وإقامتين) وبه قال الشافعي في القديم وابن الماجشون واختاره الطحاوي (ولم
يسبح بينهما) لئلا يخل بالجمع.
(الفصل الثالث: في صلاته عَّ النوافل في السفر) أي: بيان ما كان يفعله من صلاتها
تارة وعدمها أخرى.
(عن ابن عمر قال: سافرت مع النبي عَّه) عدة أسفار في زمانه (و) سافرت مع (أبي
بكر) في خلافته (و) مع (عمر) في خلافته (و) مع (عثمان) في خلافته، فالمراد أنه سافر مع
كل في الزمن الذي تنسب إليه المعية بكونه متبوعًا، ولا يتوهم أن المراد مجتمعين في سفر واحد،
لأنهم إذا كانوا مع النبي عَّه لا ينسب إلى واحد منهم فعل، ولا أنه يكون متبوعًا حتى يقول معه،
وكذا إذا كان الأمير الصديق، فإنما تنسب ألمعية إليه، وهكذا والأحاديث صريحة في هذا.
(فكانوا يصلون الظهر والعصر ركعتين ركعتين) بالتكرار، لإفادة عموم التثنية لكل منهما.

١٦٦
الفصل الثالث في صلاته عَِّ النوافل في السفر
يصلون الظهر والعصر ركعتين ركعتين، ولا يصلى قبلها ولا بعدها، وقال ابن عمر:
لو كنت مصليًا قبلها أو بعدها لأتممتها. رواه الترمذي.
وفي رواية: صحبت النبي عَِّ فلم أره يسبح في السفر، أي يتنفل للرواتب
التي قبل الفرائض وبعدها. وذلك مستفاد من قوله في الرواية الأخرى، فكان لا
يزيد في السفر على ركعتين.
قال ابن دقيق العيد: وهذا اللفظ يحتمل أن يريد به: لا يزيد على عدد
قال الحافظ: وفي ذكر عثمن إشكال لأنه كان في آخر أمره يتم، فيحمل على الغالب، أو
المراد أنه كان لا ينتفل في أول أمره ولا في آخره، أو أنه إنما كان يتم إذا كان نازلاً، وأما إذا
كان سائرًا فيقصر، وهذا أولى. انتهى، يعني لما في مسلم عن ابن عمر: صحبت النبي ◌َّه في
السفر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى
قبضه الله، وصحبت عمر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت عثمن فلم يزد على
ركعتين حتى قبضه الله، وقد قال الله تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾
[الأحزاب/٢١] مع أن مسلمًا روى أيضًا عن ابن عمر: أن عثمن صلاها بمنى ركعتين ثمان سنين
أو ست سنين، ثم أتمها بعد، وقد جمع أيضًا بأنه كان يتم بمنى ويقصر في غيرها (ولا يصلى)
بضم الياء وفتح اللام مشددة مبني للمفعول، أي: ما كان أحد منهم يصلي نفلاً (قبلها ولا
بعدها) بالإفراد، أي: الفريضة، ويقع في نسخ قبلهما: ولا بعدهما بالتثنية، فإن كانت صحيحة
فالضمير للظهر والعصر.
(وقال ابن عمر: لو كنت مصليًا) أي: مريدًا للصلاة (قبلها أو بعدها) نفلاً (لأتممتها)
لكني لا أريد ذلك لأني لم أره عَّ يفعله والخير في اتباعه (رواه الترمذي) بهذا اللفظ وهو في
الصحیحین بنحوه.
(وفي رواية) عن ابن عمر عند الشيخين، قال: (صحبت النبي عَّ فلم أره يسبح في
السفر) وقد قال الله تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ [الأحزاب/٢١]، (أي:
يتنفل للرواتب التي قبل الفرائض وبعدها) سميت النافلة تسبيحًا من تسمية الكل باسم الجزء
لاشتمالها عليه، والتسبيح في الفريضة نافلة فناسب تسميتها به (وذلك مستفاد من قوله في
الرواية الأخرى) عند البخاري عقب التي قبلها عن ابن عمر: صحبت رسول اللَّه عَ له (فكان لا
يزيد في السفر على ركعتين).
(قال ابن دقيق العيد: وهذا اللفظ) الثاني (يحتمل أن يريد به لا يزيد على عدد ركعات

١٦٧
الفصل الثالث في صلاته عَِّ النوافل في السفر
ركعات الفرض، فيكون كناية عن نفي الاتمام، والمراد به الإخبار عن المداومة
على القسر، ويحتمل أن يريد: لا يزيد نفلاً، ويحتمل أن يريد ما هو أعم من
ذلك.
وفي رواية مسلم: صحبت ابن عمر في طريق مكة، فصلى لنا الظهر
ركعتين، ثم أقبل وأقبلنا معه، حتى جاء رحله فجلس وجلسنا معه، فحانت منه
التفاتة فرأى ناسًا قيامًا، فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قلت: يسبحون، فقال: لو كنت
مسبحًا لأتممت.
قال النووي: وأجابوا عن قول ابن عمر هذا بأن الفريضة متحتمة، فلو
شرعت تامة لتحتم إتمامها، وأما النافلة فهي إلى خيرة المصلي، فطريق الرفق به أن
تكون مشروعة، ويخير فيها. انتهى.
الفرض فيكون كناية عن نفي الإتمام، والمراد به الإخبار عن المداومة على القصر) للرباعية
(ويحتمل أن يريد لا يزيد نفلاً، ويحتمل أن يريد ما هو أعم من ذلك) الشامل للقصر وترك
التنفل.
(وفي رواية مسلم) ما يدل على الثاني، فإنه أخرجه من الوجه الذي أخرجه البخاري منه،
ولفظه عن عيسى بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، عن أبيه قال: (صحبت ابن عمر)
يعني: عمه عبد اللَّه (في طريق مكة فصلى لنا) باللام (الظهر ركعتين، ثم أقبل وأقبلنا معه
حتى جاء رحله) أي: وصل منزله (فجلس وجلسنا معه فحانت) أي: وقعت (منه التفاتة) بلا
قصد (فرأى ناسًا قيامًا، فقال: ما يصنع هؤلاء؟، قلت: يسبحون) أي: يتنفلون (فقال: لو كنت
مسبحًا لأتممت) صلاتي يا ابن أخي ولم أقصر.
قال المازري: وبيان الملازمة أن القصر شرع تخفيفًا، فلو شرعت النافلة فيه لكان إتمام
الفرض أولى، واحتج ابن عمر لما قال بقوله: صحبت رسول اللّه عَّة، فلم يزد على ركعتين
حتى قبضه اللَّه إلى آخر ما قدمته، وذهب الجمهور إلى استحباب النوافل في السفر للأحاديث
المطلقة في ندب الرواتب.
(قال النووي: وأجابوا عن قول ابن عمر هذا) أي: لو كنت ... الخ (بأن الفريضة
متحتمة، فلو شرعت تامة لتحتم إتمامها) أي: وجب فيعصي بتركه (وأما النافلة فهي إلى خيرة
المصلي) إن شاء صلى وأثيب، وإن شاء ترك ولا شيء عليه (فطريق الرفق به أن تكون
مشروعة ويخير فيها. انتهى).

١٦٨
الفصل الثالث في صلاته عَِّ النوافل في السفر
وتعقب: بأن مراد ابن عمر بقوله: ((لو كنت مسبحًا لأتممت)) يعني أنه لو
كان مخيرًا بين الإتمام وصلاة الراتبة لكان الإتمام أحب إليه، لكنه فهم من القصر
التخفيف، فلذلك كان لا يصلي الراتبة ولا يتم.
وفي البخاري، من حديث ابن عمر: كان عَّةٍ يوتر على راحلته، وبوب
عليه ((باب الوتر في السفر))، وأشار به إلى الرد على من قال: ((أنه لا يسن الوتر في السفر))،
وهو منقول عن الضحاك، وأما قول ابن عمر: ((لو كنت مسبحًا في السفر
لأتممت)) كما أخرجه مسلم، فإنما أراد به راتبة المكتوبة، لا النافلة المقصودة
كالوتر، وذلك بيّن من سياق الحديث المذكور عند الترمذي من وجه آخر بلفظ
(لو كنت مصليًا قبلها أو بعدها لأتممت)) وأما حديث عائشة عند البخاري:
أنه معَِّ كان لا يدع أربعًا قبل الظهر وركعتين بعدها فليس بصريح في فعله ذلك
في السفر، ولعلها أخبرت عن أكثر أحواله وهو الإقامة، والرجال أعلم بسفره من
النساء.
(وتعقب بأن مراد ابن عمر بقوله: لو كنت مسبحًا لأتممت، يعني أنه لو كان مخيرًا
بين الإتمام وصلاة الراتبة لكان الإتمام أحب إليه، لكنه فهم من القصر) الواقع من النبي عليه.
فعلاً وأمرًا (التخفيف) على المسافر، وهو يتناول ترك الإتمام وترك النوافل (فلذلك كان) ابن عمر
(لا يصلي الراتبة ولا يتم) في السفر.
(وفي البخاري) ومسلم (من حديث ابن عمر: كان عَّلِ يوتر على راحلته، وبوب
عليه) البخاري (باب الوتر في السفر وأشار به) عبارة الحافظ أشار بهذه الترجمة (إلى الرد
على من قال: أنه لا يسن الوتر في السفر وهو منقول عن الضحاك، وأما قول ابن عمر: لو
كنت مسبحًا في السفر لأتممت) الفريضة (كما أخرجه مسلم) وأبو داود (فإنما أراد به راتبة
المكتوبة لا النافلة المقصودة كالوتر، وذلك بيِّن من سياق الحديث المذكور عند الترمذي
من وجه آخر، بلفظ: لو كنت مصليًا قبلها) أي: الفريضة (أو بعدها لأتممت) ومر لفظه قريبًا
زاد الحافظ: ويحتمل أن تكون التفرقة بين نوافل النهار ونوافل الليل، فإن ابن عمر كان يتنفل
على راحلته وعلى دابته في الليل وهو مسافر، وقد قال مع ذلك ما قال، وقد جمع ابن بطال بين
ما اختلف عن ابن عمر بأنه كان يمنع التنفل على الأرض ويقول به على الدابة.
(وأما حديث عائشة عند البخاري: أنه عٍَّ كان لا يدع أربعًا قبل الظهر وركعتين
بعدها، فليس بصريح في فعله ذلك في السفر، ولعلها أخبرت عن أكثر أحواله وهو الإقامة
والرجال أعلم بسفره من النساء).

١٦٩
الفصل الثالث في صلاته عَّ النوافل في السفر
وأجاب النووي - تبعًا لغيره - بما لفظه: لعل النبي عَّه كان يصلي الرواتب
في رحله ولا يراه ابن عمر، أو لعله تركها في بعض الأقات لبيان الجواز. انتهى
وفي رواية الترمذي من حديث ابن عمر قال: صليت مع رسول الله عَ ليه
الظهر في السفر ركعتين، وبعدها ركعتين.
وفي رواية: صليت معه في الحضر والسفر، فصليت معه في الحضر الظهر
أربعًا وبعدها ركعتين. وصليت معه في السفر الظهر ركعتين وبعدها ركعتين، والعصر
ركعتين ولم يصل بعدها شيئًا، والمغرب في الحضر والسفر سواء ثلاث ركعات لا
تنقص في حضر ولا سفر، وهي وتر النهار وبعدها ركعتين.
وفي حديث أبي قتادة عند مسلم في قصة النوم عن صلاة الصبح: أنه عَ ليه
صلى ركعتين قبل الصبح، ثم صلى الصبح كما كان يصلي.
(وأجاب النووي تبعًا لغيره بما لفظه: لعل النبي عَةٍ كان يصلي الرواتب في رحله
ولا يراه ابن عمر، أو لعله تركها في بعض الأوقات لبيان الجواز) ولخشية اقتدائهم به،
فيشتغلون بالنوافل فيفوتون مصالح السفر. (انتهى).
قال الحافظ: وأظهر من هذا أن نفي التطوّع في السفر محمول على ما بعد الصلاة
خاصة، فلا يتناول ما قبلها ولا ما لا تعلق له بها من النوافل المطلقة، كالتهجد والوتر والضحى،
والفرق بين ما قبلها وما بعدها أن التطوّع قبلها لا يظن أنه منها، لأنه ينفصل عنها بالإقامة وانتظار
الإمام غالبًا ونحو ذلك بخلاف ما بعدها، فإنه في الغالب يتصل بها، فقد يظن أنه منها.
(وفي رواية الترمذي من حديث ابن عمر، قال: صليت مع رسول اللَّه عَِّ الظهر في
السفر ركعتين وبعدها ركعتين) لا ينافي هذا قوله أولاً: ولا يصلي قبلها ولا بعدها، لأنه سافر
معه مرات، ففي بعضها رآه، وفي بعضها لم يره يصلي، فأخبر عنه بما رأى.
(وفي رواية) عنه: (صليت معه) عَِّ (في الحضر والسفر، فصليت معه في الحضر
الظهر أربعًا وبعدها ركعتين، وصليت معه في السفر الظهر ركعتين وبعدها ركعتين والعصر
ركعتين، ولم يصل بعدها شيئًا) لأنه لا يتنفل بعدها (والمغرب في الحضر والسفر سواء
ثلاث ركعات لا تنقص في حضر ولا سفر وهي وتر النهار وبعدها ركعتين).
(وفي حديث أبي قتادة عند مسلم في قصة النوم عن صلاة الصبح، أنه معَّه صلى
ركعتين قبل الصبح ثم صلى الصبح كما كان يصلي) أي: في الأداء، زاد الحافظ ولمسلم
من حديث أبي هريرة في هذه القصة أيضًا، ثم دعا بماء فتوضأ ثم صلى سجدتين، أي: ركعتين،

١٧٠
الفصل الرابع في صلاته عَّ التطوّع في السفر على الدابة
وقول صاحب ((الهدي)) إنه لم يحفظ عنه عَّله أنه صلى سنة صلاة قبلها ولا
بعدها في السفر إلا ما كان من سنة الفجر. يرد على إطلاقه ما قدمناه في رواية
الترمذي من حديث ابن عمر. وما رواه أبو داود والترمذي من حديث البراء بن
عازب قال: سافرت مع النبي عَُّ ثمانية عشر سفرًا فلم أره ترك ركعتين إذا زاغت
الشمس قبل الظهر، وكأنه لم يثبت عنده ذلك، لكن الترمذي استغربه، ونقل عن
البخاري أنه رآه حسنًا، وقد حمله بعض العلماء على سنة الزوال لا على الراتبة قبل
الظهر.
الفصل الرابع
في صلاته علّبيّة التطوّع في السفر على الدابة
عن ابن عمر: كان رسول الله عَ لّه يصلي سبحته حيثما توجهت به ناقته.
ثم أقيمت الصلاة فصلى الغداة. وللدارقطني وابن خزيمة عن بلال في هذه القصة، فأمر بلالاً فأذن
ثم توضأ فصلوا ركعتين ثم صلوا الغداة ونحوه للدارقطني عن عمران بن حصين.
(وقول صاحب الهدي) ابن القيم؛ (أنه لم يحفظ عنه عَّ أنه صلى سنة صلاة قبلها
ولا بعدها في السفر إلاّ ما كان من سنة الفجر يرد على إطلاقه ما قدمناه) قريبًا (في رواية
الترمذي من حديث ابن عمر) من قوله وبعدها، أي: الظهر ركعتين وبعد المغرب ركعتين (و)
يرد عليه أيضًا (ما رواه أبو داود والترمذي من حديث البراء بن عازب، قال: سافرت مع
النبي عَّ ثمانية عشر سفرًا فلم أره ترك ركعتين إذا زاغت) بزاي وغين معجمة، مالت
(الشمس قبل الظهر وكأنه لم يثبت عنده ذلك، لكن الترمذي استغربه) أي: قال: حديث
غريب فقط ولم يضعفه.
(ونقل عن) شيخه (البخاري أنه رآه حسنًا) والحسن لا ينافي الغرابة، لأنها تأتي بمعنى
التفرد (وقد حمله بعض العلماء على سنة الزوال لا على الراتبة قبل الظهر) فلا ينافي عدم
صلاته الرواتب لأنها ليست منها على هذا الوجه.
(الفصل الرابع: في صلاته عَّه التطوّع في السفر على الدابة:
عن ابن عمر قال: كان رسول اللَّه عَِّ يصلي) في السفر (سبحته) أي: نافلته، والتسبيح
حقيقة في قول سبحان اللَّه، فإذا أطلق على الصلاة فهو من إطلاق اسم البعض على الكل، أو
لأن المصلى منزه للَّه سبحانه بإخلاص العبادة والتسبيح تنزيه فيكون من باب الملازمة، وأما
اختصاص ذلك بالنافلة فهو عرف شرعي (حيثما توجهت به ناقته) في جهة سفره لما علم أن

١٧١
الفصل الرابع في صلاته عَّه التطوّع في السفر على الدابة
وفي رواية: يصلي وهو مقبل من مكة إلى المدينة حيث كان وجهه وفيه
نزلت: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ [البقرة/١١٥].
وفي رواية: رأيته معَّه يصلي على حمار وهو موجه إلى خيبر.
وفي رواية: أنه كان يوتر على البعير، رواه مسلم.
وقد أخذ بهذه الأحاديث فقهاء الأمصار، في جواز التنفل على الراحلة في
السفر حيث توجهت، إلا أن أحمد وأبا ثور كانا يستحبان أن يستقبل المصلي
القبلة بالتكبير حال ابتداء الصلاة. والحجة لذلك ما في حديث أنس عند أبي داود
أنه عَّه كان إذا أراد أن يتطوّع في السفر استقبل بناقته القبلة ثم صلى حيث
الراكب لا يترك مركوبه هملاً يسير كيف اتفق فصوب طريقه بدل من القبلة.
(وفي رواية) عن سعيد بن جبير عن ابن عمر، قال: كان رسول اللَّه عَّهِ (يصلي وهو
مقبل من مكة إلى المدينة) على الراحلة (حيث كان وجهه، قال: وفيه نزلت ﴿فأينما تولوا
فثم وجه اللَّهِ﴾) وقيل: لما حولت القبلة وأنكرت اليهود، وقيل: غير ذلك.
قال الرازي: فإن قيل: أي الأقوال أقرب إلى الصواب، فالجواب أن الآية تشعر بالتخيير
وإنما يثبت في صورتين إحداهما في التطوّع على الراحلة، والثانية في السفر عند تعذر الاجتهاد
في الظلمة أو غيرها، ففي هذين الوجهين المصلي مخير.
(وفي رواية) عن عمرو بن يحيى المازني عن سعيد بن يسار، عن ابن عمر قال:
(رأيته عَِّ يصلي على حمار وهو موجه) بكسر الجيم المشددة، أي: متوجه (إلى خيير) بخاء
معجمة آخره راء مهملة، أو قاصد أو مقابل بوجهه إليها.
(وفي رواية) عن سعيد بن يسار عن ابن عمر: (أنه) عَِّ (كان يوتر) يصلي الوتر (على
البعير) في السفر، وإنما يجب الوتر عليه بالحضر وعلى وجوبه عليه مطلقًا، فمن خصائصه أيضًا
فعله على البعير (رواه) أي: المذكور من الروايات الأربع (مسلم) والأخيرة رواها البخاري بلفظها
والأولى والثانية عنده بنحوهما، وإنما من أفراده الثالثة.
(وقد أخذ بهذه الأحاديث فقهاء الأمصار في جواز التنفل على الراحلة في السفر
حيث توجهت) سواء كان إلى القبلة أو غيرها، فصوبها بدل لا يجوز العدول عنه إلاّ إلى القبلة
(إلاَّ أن أحمد وأبا ثور) إبراهيم بن خالد الفقيه (كانا يستحبان أن يستقبل المصلي القبلة
بالتكبير حال ابتداء الصلاة) كذا خصهما تبعًا للفتح مع أن الشافعية اشترطوا الاستقبال في
الإحرام إن سهل كما في البهجة وشرحها (والحجة لذلك ما في حديث أنس عند أبي داود)
بإسناد حسن؛ (أنه عَّم كان إذا أراد أن يتطوّع في السفر استقبل بناقته القبلة، ثم صلى حيث

١٧٢
الفصل الرابع في صلاته عَّه التطوّع في السفر على الدابة
توجهت ركابه.
وذهب الجمهور إلى جواز التنفل على الدابة سواء كان السفر طويلاً أو
قصيرًا، إلا مالكًا فخصه بالسفر الطويل، وحجته أن هذه الأحاديث إنما وردت في
أسفاره مَِّ، ولم ينقل عنه أنه عَّه سافر سفرًا قصيرًا فصنع ذلك. وحجة الجمهور
مطلق الأخبار في ذلك.
وقوله: ((يصلي على حمار))، قال النووي: قال الدارقطني وغيره: هذا غلط
من عمرو بن يحيى المازني، وإنما المعروف في صلاته عّلّهِ على راحلة أو بعير.
والصواب أن الصلاة على الحمار من فعل أنس كما ذكره مسلم. ثم قال: في
توجهت ركابه) أي: إلى جهة قصده الذي وجهها إليه.
(وذهب الجمهور إلى جواز التنفل على الدابة سواء كان السفر طويلاً أو قصيرًا إلاَّ
مالكًا فخصه بالسفر الطويل) وهو سفر القصر (وحجته أن هذه الأحاديث إنما وردت في
أسفاره عَّه ولم ينقل عنه أنه معَِّ سافر سفرًا قصيرًا فصنع ذلك) فيقصر على مورد النص ولا
يتعداه إلى القصير، لأن الأصل استقبال القبلة، خص منه ذلك بالفعل النبوي فبقي ما عداه على
الأصل.
(وحجة الجمهور مطلق الأخبار في ذلك) لأنها ليس فيها تحديد سفر ولا تخصيص
مسافة، فشملت كل ما يسمى سفرًا، لكن حصول الفعل النبوي في الطويل قاض للملك.
(وقوله: يصلي على حمار، قال النووي: قال الدارقطني وغيره) كالنسائي (هذا غلط
من عمرو) بفتح العين (ابن يحيى المازني، وإنما المعروف) في حديث ابن عمر (في صلاته
عليه السلام) لفظ (على راحلته) كما في الصحيحين لمسلم على ناقته (أو) على (بعير) كما
في رواية أخرى لهما فليست، أو للشك من الراوي كما يوهم (والصواب أن الصلاة على
الحمار من فعل أنس كما ذكره) أي: رواه (مسلم) وكذا البخاري عن أنس.
قال ابن سيرين: تلقينا أنس بن لملك حين قدم من الشام، فرأيته يصلي على حمار ووجهه
ذلك الجانب، يعني عن يسار القبلة، فقلت له: رأيتك نصلي لغير القبلة، قال: لولا أني رأيت
رسول اللَّه عَّلم يفعله لم أفعله.
قال الحافظ: هل يؤخذ منه أن النبي عَّةِ صلى على حمار، فيه احتمال نازع فيه
الإسمعيلي بأنه خبر أنس إنما هو في صلاته عَّه راكبًا تطوّعًا لغير القبلة، فإفراد البخاري الترجمة
في الحمار من جهة السنة لا وجه له عندي. انتهى، أي: بقوله باب صلاة التطوّع على الحمار،
وساق حديث أنس المذكور، لكن قال الحافظ: قد روى السراج من طريق يحيى بن سعيد عن

١٧٣
الفصل الرابع في صلاته عَّة التطوّع في السفر على الدابة
تغليط راويه نظر لأنه ثقة نقل شيئًا محتملاً، فلعله كان الحمار مرة والبعير مرة أو
مرات، لكن قد يقال: إنه شاذ مخالف لرواية الجمهور، والشاذ مردود. انتهى
وعن يعلى بن مرة عن أبيه عن جده، أنهم كانوا مع النبي عَّه في مسيره
فانتهوا إلى مضيق فحضرت الصلاة فمطروا، السماء من فوقهم والبلة من أسفلهم،
فأذن رسول الله عَّ وهو على راحلته، فصلى بهم يومىء إيماء، يجعل السجود
أخفض من الركوع. رواه الترمذي.
أنس، أنه رأى النبي عَّ يصلي على حمار وهو ذاهب إلى خيبر إسناده حسن وله شاهد عند
مسلم، فذكر حديثه هذا ثم قال: فهذا يرجح الاحتمال الذي أشار إليه البخاري. (ثم قال)
النووي: (وفي تغليط راويه نظر لأنه ثقة نقل شيئًا محتملاً، فلعله كان الحمار مرة والبعير مرة
أو مرات) فحدث ابن عمر بكل منهما (لكن قد يقال إنه شاذ مخالف لرواية الجمهور والشاذ
مردود) وإن كان راويه ثقة. (انتهى) كلام النووي، لكن أشار الحافظ إلى دفع الشذوذ بأن
عمرو بن يحيى تابعه في شيخ شيخه أنس عند السراج بإسناد حسن كما رأيت، وكذا تابعه
شقران، قال: رأيت رسول اللَّه عَّه متوجهًا إلى خيبر على حمار يصلي عليه، أخرجه الطبراني.
(وعن يعلى بن مرة) بن وهب بن جابر الثقفي شهد الحديبية وما بعدها وأبوه مرة يقال
إن له صحبة، فإن ثبت الإسناد كما في التقريب فالصواب حذف قوله (عن أبيه عن جده) إذ لا
صحبة لجده قطعًا، والحديث إنما هو ليعلى نفسه كما قدمه المصنف في المقصد الأول (أنهم
كانوا) أي: الصحابة (مع النبي عَّ في مسيره، فانتهوا إلى مضيق:) محل ضيق في الطريق
(فحضرت الصلاة فمطروا السماء) أي: المطر (من فوقهم والبلة) بكسر الموحدة: البلل (من
أسفلهم، فأذن رسول اللَّه عَّ، وهو على راحلته) ناقته الصالحة، لأن يرحل عليها (فصلى بهم
يوميء) بالهمز (إيماء يجعل السجود) أي: الإيماء له (أخفض من) إيماء (الركوع) تمييزًا بينهما
وليكون البدل على وفق الأصل (رواه الترمذي) هكذا في النسخ الصحيحة خلاف ما في نسخ
البيهقي، والصواب الترمذي كما مر في المقصد الأول، ومر أن بعض الناس تعلق بقوله فأذن
على أنه عَِّ أذن بنفسه، وأن الحافظ تبعًا للسهيلي رده بأن أحمد رواه من الوجه الذي رواه منه
الترمذي، فقال: فأمر بلالاً فأذن، فعلم أن في رواية الترمذي اختصارًا وأن قوله ((أذن)) معناه أمر،
لأن المفصل يقضي على المجمل لا سيما والمخرج متحد.

١٧٤
القِسمُ الرَّابع في ذكر صلاته عَِّ الخوف
القِسْمُ الرَّابِع
في ذكر صلاته عَّة الخوف
عن جابر قال: أقبلنا مع رسول الله عٍَّ حتى إذا كنا بذات الرقاع، فإذا
أتينا على شجرة ظليلة تركناها للنبي عليه، فجاء رجل من المشركين وسيف
رسول الله عَ ◌ّه معلق بالشجرة، فاخترطه فقال: تخافني؟ فقال: لا، فقال: من
يمنعك مني؟ قال: الله، قال فهدده أصحاب النبي عَّله، فعمد السيف وعلقه،
فأقيمت الصلاة، فصلى بطائفة ركعتين، ثم تأخروا، وصلى بالطائفة الأخرى
ركعتين، فكان للنبي عَّه أربع ركعات، وللقوم ركعتان. رواه البخاري
(القسم الرابع: في ذكرٍ صلاته عَِّ الخوف) أي: صلاة الفرض فيه (عن جابر) بن
عبد اللَّه (قال: أقبلنا مع رسول اللَّه عَِّ حتى إذا كنا) بالموضع الذي سميت غزوتنا إليه (بذات
الرقاع) جمع رقعة، سميت الغزوة بذلك لأنهم عصبوا أرجلهم بالخرق لما رقت وقطعت الأرض
جلودها من الحفاء أو لغير ذلك وهي غزوة بني محارب وبني ثعلبة وأنمار، فليس المراد أن ذات
الرقاع اسم موضع كما قد يتوهم، وقد مر ذلك موضحًا في المغازي (فإذا أتينا) إذا ظرفية لا
شرطية، أي: ففي وقت إتياننا (على شجرة ظليلة) ذات ظل (تركناها للنبي عليه) لينزل تحتها
فيستظل بها.
وفي رواية للبخاري عن جابر أنه غزا مع النبي عٍَّ قبل نجد فلما قفل قفل معه،
فأدركتهم القافلة في واد كثير العضاء، فنزل عٍَّ وتفرق الناس يستظلون بظل الشجر، ونزل عَّ اليه
تحت سمرة فنمنا نومة (فجاء رجل من المشركين) اسمه غورث، بمعجمة أوله ومثلثة آخره وزن
جعفر، وحكي غويرث بالتصغير (وسيف رسول اللَّه عَّله معلق بالشجرة فاخترطه) بخاء معجمة
ساكنة وطاء مهملة، يعني سله من غمده (فقال: تخافني، فقال: ((لا))، فقال: من يمنعك مني؟)
زاد في رواية للبخاري ثلاث مرات، وهو استفهام إنكاري، أي: لا يمنعك مني أحد؟ (قال:
(اللَّه))) يمنعني منك (قال: فهدده أصحاب النبي عَّرِ، فعمد السيف وعلقه) بالشجرة.
قال الحافظ: ظاهره يشعر أنهم حضروا القصة، وأنه إنما رجع عما كان عزم عليه بالتهديد
وليس كذلك، ففي رواية البخاري في الجهاد بعد قوله قلت: اللَّه فشام السيف بفاء ومعجمة،
أي: أغمده وهي من الأضداد شامه استله وأغمده، وكان الأعرابي لما شاهد ذلك الثبات العظيم
وعرف أنه حيل بينه وبينه وتحقق صدقه وعلم أنه لا يصل إليه شام السيف وأمكن من نفسه
(فأقيمت الصلاة فصلى بطائفة ركعتين) لفظ البخاري ولفظ مسلم: فصلى بالطائفة، أي:
الأولى ركعتين (ثم تأخروا وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين، فكان للنبي عَّةِ أربع ركعات

١٧٥
القِسمُ الرَّابع في ذكر صلاته عَِّ الخوف
ومسلم.
ولمسلم: فصففنا صفين خلف رسول الله عَّه، والعدو بيننا وبين القبلة فكبر
النبي عَّه وكبرنا جميعًا، ثم ركع وركعنا جميعًا، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا
جميعًا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه، وقام الصف المؤخر في نحر
العدو، فلما قضى النبي عَّة السجود وقام الصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر
بالسجود وقاموا، ثم تقدم الصف المؤخر وتأخر الصف المقدم، ثم ركع النبي عَ لَه.
وركعنا جميعًا، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعًا، ثم انحدر بالسجود والصف
الذي يليه - الذي كان مؤخرًا في الركعة الأولى - فقام الصف المؤخر في نحر
العدو، فلما قضى النبي عَّةُ السجود والصف الذي يليه، انحدر الصف المؤخر
وللقوم ركعتان)، قال النووي: أي: صلى بالطائفة الأولى ركعتين وسلم وسلموا والثانية كذلك، فكان متنفلاً
وهم مفترضون. انتهى).
وتعقب بأنه لم يسلم من الفرض في حديث جابر المذكور في الصحيح، فالأظهر أن
معنى: وللقوم ركعتان، أي: في الجماعة والركعتان أتموهما لأنفسهم، ويكون فعل ذلك لبيان
جواز الإتمام في السفر (رواه البخاري) في الجهاد وفي المغازي (ومسلم) في الصلاة
(ولمسلم) هنا عن جابر، قال: شهدت مع رسول اللّه عَ له صلاة الخوف (فصفنا) بشد الفاء،
وفي رواية: (فصففنا)، أي: النبي عَِّ (صفين) صف (خلف رسول اللَّه عَ لَه) أي: وصف مؤخر
عنه (والعدو بيننا وبين القبلة، فكبر النبي عَ﴾ وكبرنا) عقبه (جميعًا، ثم ركع وركعنا جميعًا
ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا) معه (جميعًا) رؤوسنا، وجميعًا هنا للتأكيد (ثم انحدر
بالسجود) الانحدار يقتضي السرعة في الهوي، وبالسجود يتعلق بانحدر والباء للمصاحبة، أي:
ملتبسًا بالسجود، أو بمعنى اللام وتسمى لام التعليل (و) كذا (الصف الذي يليه) معه وهو
الأقرب (وقام الصف المؤخر في نحر العدوّ) أي: قبل وجوههم وصدورهم من النحر الذي هو
موضع القلادة من الصدر (فلما قضى النبي عَّ السجود) أي: انفصل منه، والمراد الجنس
فيعم السجدتين (وقام الصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود وقاموا، ثم تقدم
الصف المؤخر وتأخر الصف المقدم، ثم ركع النبي ◌َّله وركعنا جميعًا) هذا يقتضي أن
الحراسة إنما كانت في السجود لا غير، وأن العدو كان في جهة القبلة (ثم رفع رأسه من الركوع
ورفعنا جميعًا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه الذي كان مؤخرًا في الركعة الأولى)
صفة أخرى للصف، أو للذي، أو بدل منها (فقام الصف المؤخر في نحر العدو، فلما قضى
النبي عَّلِ السجود والصف) بالرفع (الذي يليه) موضعه رفع صفة الصف (انحدر الصف

١٧٦
القِسْمُ الرَّابع في ذكر صلاته عَِّ الخوف
بالسجود، فسجدوا ثم سلم النبي عَّةٍ وسلمنا جميعًا.
ولمسلم والبخاري أيضًا من حديث يزيد بن رومان عن صالح بن خوّات
عمن صلى معه عَّلٍ يوم ذات الرقاع صلاة الخوف: أن طائفة صفت معه، وطائفة
وجاه العدو، فصلى بالتي معه ركعة ثم ثبت قائمًا، وأتموا لأنفسهم ثم انصرفوا
فصفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من
صلاته، ثم ثبت جالسًا وأتموا لأنفسهم، ثم سلم بهم.
قال مالك: وذلك أحسن ما سمعت في صلاة الخوف.
المؤخر بالسجود، فسجدوا ثم سلم النبي عَّهِ وسلمنا جميعًا) عقبه، وهذه صفة غير السابقة،
صلاها مقصورة وصلوا جميعًا معه، وكانت العصر كما في رواية تلي هذه عند مسلم.
(ولمسلم) هنا (والبخاري أيضًا) في المغازي، كلاهما (من حديث) لملك عن (يزيد بن
رومان) بضم الراء المدني مولى آل الزبير، مات سنة ثلاثين ومائة (عن صالح بن خوّات) بفتح
الخاء المعجمة والواو المشددة فألف ففوقية ابن جبير بن النعمان الأنصاري المدني، تابعي، ثقة
وأبوه صحابي أول مشاهده أحد، وقيل: شهد بدر (عمن صلى معه عَّة) قيل: هو سهل بن أبي
حثمة.
قال الحافظ: والراجح أنه أبوه كما جزم به النووي في تهذيبه تبعًا للغزالي، وذلك لأن
أبا أويس رواه عن يزيد شيخ ملك، فقال عن صالح، عن أبيه: ويحتمل أن صالحًا سمعه من أبيه
ومن سهل فأبهمه تارة، وعينه أخرى، لكن قوله: (يوم ذات الرقاع) يعين أن المبهم أبوه، إذ ليس
في روايته عن سهل أنه صلاها معه عَّه، ويؤيده أن سهلاً لم يكن في سن من يخرج في الغزاة
لصغره، لأنه ◌ٍَّ مات وهو ابن ثمان سنين، كما جزم به الطبري وابن حبان وابن السكن
وغيرهم، لكن لا يلزم أن لا يرويها، فروايته لها مرسل صحابي، فقوي تفسير المبهم بخوات
(صلاة الخوف، أن طائفة صفت) هكذا في أكثر الأصول، وفي بعضها: صلت.
قال النووي: وهما صحيحتان (معه) عَّ. (و) صفت (طائفة) بالرفع، أي: اصطفوا، يقال:
صف القوم إذا صاروا صفًّا (وجاه) بكسر الواو وضمها، أي: مقابل (العدو، فصلى بالتي معه
ركعة، ثم ثبت) حال كونه (قائمًا وأتموا) أي: الذين صلوا معه الركعة (لأنفسهم) ركعة أخرى
(ثم انصرفوا فصفوا وجاه العدو وجاءت الطائفة الأخرى) التي كانت وجاء العدو (فصلى بهم
الركعة التي بقيت من صلاته، ثم ثبت جالسًا) لم يخرج من صلاته (وأتموا لأنفسهم) الركعة
الأخرى (ثم سلم بهم، قال الملك: وذلك أحسن ما سمعت في صلاة الخوف، وما ذهب إليه

١٧٧
القِسْمُ الرَّابع في ذكر صلاته عَ لِّ الخوف
وما ذهب إليه مالك من ترجيح هذه الكيفية وافقه الشافعي وأحمد على
ترجيحها لسلامتها من كثرة المخالفة، ولكونها أحوط لأمر الحرب.
وعن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، قال: غزوت مع رسول الله عَ لَه قبل
نجد، فوازينا العدو، فصاففنا لهم، فقام رسول الله عَّه يصلي بنا، فقامت طائفة
معه، وأقبلت طائفة على العدو، وركع رسول الله عَ له ومن معه، وسجد سجدتين،
ملك من ترجيح هذه الكيفية وافقه الشافعي وأحمد على ترجيحها لسلامتها من كثرة
المخالفة ولكونها أحوط لأمر الحرب) إلا أن مالكًا رجع عن إتمامهم لأنفسهم، ثم سلام الإمام
بهم إلى ما رواه هو وغيره عن يحيى بن سعيد، عن القسم بن محمد، عن صالح بن خوات،
عن سهل بن أبي حثمة: أن الطائفة الأولى إذا قام الإمام يتمون لأنفسهم، ثم يسلمون
وينصرفون، ثم تأتي الأخرى فيصلي بهم الركعة ويسجد بهم، ثم يسلم فيقومون فيركعون
الركعة ثم يسلمون.
قال ابن عبد البر: وإنما اختاره ورجع إليه للقياس على سائر الصلوات أن الإمام لا ينتظر
المأموم، وأن المأموم إنما يقضي بعد سلام الإمام.
(و) في الصحيحين واللفظ للبخاري من طريق الزهري (عن سالم بن عبد الله بن عمر،
عن أبيه قال: غزوت مع رسول اللَّه عَّه قبل) بكسر القاف وفتح الموحدة، أي: جهة (نجد)
وهي غزوة ذات الرقاع ونجد كل ما ارتفع من بلاد العرب من تهامة إلى العراق (فوازينا) بالزاي
قابلنا (العدو) قال الجوهري: يقال آزيت، يعني بهمزة ممدودة لا بالواو، والذي يظهر أن أصلها
الهمزة، فقلبت واوًا قاله الحافظ: (فصاففنا لهم) باللام، كذا رواه المستملي والسرخسي،
ولغيرهما: فصاففناهم (فقام رسول اللَّه عَّه يصلي لنا) أي: لأجلنا أو بنا (فقامت طائفة معه) زاد
في رواية تصلي (وأقبلت طائفة على العدو وركع رسول اللَّه عَّه ومن معه وسجد سجدتين.)
زاد عبد الرزاق عن ابن جريج عن الزهري: مثل نصف صلاة الصبح وفيه إشارة إلى أنها كانت
غيرها فهي رباعية، ويأتي في المغازي ما يدل على أنها كانت العصر، قاله الحافظ: (ثم انصرفوا مكان
الطائفة التي لم تصل) فقاموا في مكانهم في وجه العدو (فجاؤوا) أي: الطائفة الأخرى
التي كانت تحرس (فركع رسول اللَّه عَّه بهم ركعة وسجد سجدتين ثم سلم، فقام كل
واحد منهم فركع لنفسه ركعة وسجد سجدتين).
قال الحافظ: لم تختلف الطرق عن ابن عمر في هذا، فظاهره أنهم أتموا في حالة واحدة،
ويحتمل أنهم أتموا على التعاقب وهو الراجح من حيث المعنى، وإلا فيستلزم ضياع الحراسة
المطلوبة وإفراد الإمام وحده، ويرجحه رواية أبي داود عن ابن مسعود، بلفظ: ثم سلم فقام هؤلاء،

١٧٨
القِسْمُ الرَّابع في ذكر صلاته عَِّ الخوف
ثم انصرفوا مكان الطائفة التي لم تصل، فجاؤوا فركع رسول الله عَ ليه بهم ركعة
وسجد سجدتين ثم سلم، فقام كل واحد منهم فركع لنفسه ركعة وسجد
سجدتين.
وفي حديث جابر: أنه عَِّ كان يصلي بالناس صلاة الظهر في الخوف
ببطن نخل، فصلى بطائفة ركعتين ثم سلم ثم جاءت طائفة أخرى فصلى بهم
ركعتين ثم سلم، رواه البغوي في شرح السنة.
وعنه: أنه مَِّ نزل بين ضجنان وعسفان، فقال المشركون: لهؤلاء صلاة
هي أحب إليهم من آبائهم وأبنائهم وأمهاتهم، وهي العصر، فأجمعوا أمركم فتميلوا عليهم
ميلة واحدة، وإن جبريل أتى النبي عٍَّ فأمره أن يقسم أصحابه شطريه، فيصلي
بهم، وتقوم طائفة أخرى وراءهم وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم، فتكون لهم ركعة
أي: الطائفة الثانية، فقضوا لأنفسهم ركعة ثم سلموا ثم ذهبوا، ورجع أولئك إلى مقامهم فصلوا
نفسهم ركعة ثم سلموا، قال: ورجح ابن عبد البر هذه الكيفية الواردة في حديث ابن عمر على
عيرها لقوة الإسناد ولموافقة الأصول في أن المأموم لا يتم صلاته قبل سلام إمامه، وقَد جوزها
الشافعي وأحمد وغيرهما، وظاهر كلام المالكية امتناعها، ونقل عن الشافعي أنها منسوخة ولم
یثبت عنه.
(وفي حديث جابر أنه عٍَّ كان يصلي بالناس صلاة الظهر في الخوف ببطن
نخل:) محل بين مكة والمدينة (فصلى بطائفة ركعتين ثم سلم، ثم جاءت طائفة أخرى
فصلى بهم ركعتين ثم سلم، رواه البغوي في شرح السنة) وكذا البيهقي في المعرفة بسند
فيه ضعف وانقطاع، ورواه الدارقطني بنحوه من وجه آخر فيه عنبسة بن سعيد ضعفه غير واحد.
(وعنه) أي: جابر أيضًا (أنه عَُّ نزل بين ضجنان) بفتح الضاد المعجمة وسكون الجيم
ونونين بينهما ألف بزنة فعلان غير منصرف، قال في الفائق: جبل بينه وبين مكة خمسة
وعشرون ميلاً (وعسفان) زاد في رواية مسلم عن جابر: غزونا مع رسول اللَّه عَُّلَّه قومًا من
جهينة، فقاتلونا قتالاً شديدًا، فلما صلينا الظهر قال المشركون: لو ملنا عليهم ميلة لاقتطعناهم،
فأخبر جبريل رسول اللَّه عَِّ ذلك، فذكر ذلك لنا رسول اللَّه عَّله، قال: (فقال المشركون:
لهؤلاء صلاة هي أحب إليهم من آبائهم وأبنائهم وأمهاتهم) زاد الدارقطني: ومن أنفسهم (وهي
العصر، فاجمعوا أمركم:) اعزموا على أمر تفعلونه (فتميلوا عليهم ميلة واحدة؛) بأن تحملوا
عليهم فتأخذوهم (وأن جبريل أتى النبي عَّ. فأمره أن يقسم أصحابه شطرين) أي: طائفتين
(فيصلي بهم وتقوم طائفة أخرى وراءهم) يحرسون حتى تصلي الطائفة الأولى (وليأخذوا

١٧٩
القِسمُ الرَّابع في ذكر صلاته عَِّ الخوف
ولرسول الله عَ لّه ركعتان. رواه الترمذي والنسائي.
قال ابن حزم: وقد صح فيها - يعني صلاة الخوف - أربعة عشر وجهًا.
وبينها في جزء مفرد.
وقال ابن العربي في (القبس)): جاء فيها روايات كثيرة، أصحها ست عشرة
رواية مختلفة، ولم يبينها. وقال النووي نحوه في شرح مسلم ولم يبينها أيضًا.
وقد بينها الحافظ زين الدين العراقي في شرح الترمذي وزاد وجهًا آخر،
فصارت سبعة عشر وجهًا، لكن يمكن أن تتداخل.
وقال صاحب ((الهدي)): أصولها ست صفات، وبلغها بعضهم أكثر، وهؤلاء
كلما رأوا اختلاف الرواة في قصة جعلوا ذلك وجهًا من فعله عَّه، وإنما هو من
اختلاف الرواة. انتهى.
وهذا هو المعتمد، وأشار إليه الحافظ العراقي بقوله: يمكن تداخلها.
وقد حكى ابن القصار المالكي: أن النبي عَِّ صلاها عشر مرات، وقال ابن
العربي: أربعًا وعشرين، وقال الخطابي: صلاها عليه الصلاة والسلام في أيام
حذرهم وأسلحتهم) معهم إلى أن يصلوا (فتكون لهم ركعة) مع الجماعة والأخرى أتموها
لأنفسهم (ولرسول اللَّه عَ ◌ّ ركعتان) كلاهما مع الجماعة (رواه الترمذي والنسائي) وأصله في
مسلم.
(قال ابن حزم: وقد صح فيها، يعني: صلاة الخوف أربعة عشر وجهًا وبينها في جزء
مفرد، وقال ابن العربي في القبس) على موطأ لملك بن أنس (جاء فيها) أي: في صفتها
(روايات كثيرة أصحها ست عشرة رواية مختلفة ولم يبينها).
(وقال النووي نحوه في شرح مسلم: ولم يبينها أيضًا، وقد بينها الحافظ زين الدين)
عبد الرحيم (العراقي في شرح الترمذي، وزاد وجهًا آخر: فصارت سبعة عشر وجهًا، لكن)
قال: (يمكن أن تتداخل، وقال صاحب الهدى: أصولها ست صفات وبلغها بعضهم أكثر،
وهؤلاء كلما رأوا اختلاف الرواة في قصة جعلوا ذلك وجهًا من فعله عَّهِ، وإنما هو من
اختلاف الرواة. انتهى، وهذا هو المعتمد وأشار إليه الحافظ العراقي بقوله: يمكن تداخلها،
وقد حكى ابن القصار) أبو الحسن علي (المالكي أن النبي عَّه. صلاها عشر مرات، وقال
ابن العربي:) صلاها (أربعًا وعشرين) مرة.
(وقال الخطابي: صلاها عليه الصلاة والسلام في أيام مختلفة بأشكال متباينة يتحرى

١٨٠
الأول في عدد التكبيرات
مختلفة بأشكال متباينة، يتحرى فيها ما هو الأحوط للصلاة، والأبلغ للحراسة، فهي
على اختلاف صورها متفقة المعنى. انتهى
وفي كتب الفقه تفاصيل لها كثيرة، وفروع يطول ذكرها. حكاها في فتح
الباري.
القِسْمُ الخَامِس
في ذكر صلاته عليٌّ على الجنازة
وفيه فروع أربعة:
الأول في عدد التكبيرات:
عن أبي هريرة أنه عَّ نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه. وخرج بهم
إلى المصلى فصفهم وكبر عليه أربع تكبيرات. رواه البخاري ومسلم.
فيها ما هو الأحوط للصلاة والأبلغ للحراسة، فهي على اختلاف صورها متفقة المعنى.
انتھی).
وفي كتب الفقه تفاصيل لها كثيرة وفروع يطول ذكرها، حكاها في فتح الباري.
وقال السهيلي: اختلف الفقهاء في الترجيح، فقالت طائفة: يعمل منها بما هو أشبه بظاهر
القرآن، وقالت طائفة: يجتهد في طلب أخيرها، فإنه الناسخ لما قبله، وطائفة: يؤخذ بأصحها نقلاً
وأعلاها رواة، وطائفة: يؤخذ بجميعها على حسب اختلاف أحوال الخوف، فإذا اشتد أخذ
بأيسرها. انتهى.
(القسم الخامس: في ذكر) صفة (صلاته عَّ على الجنازة) بفتح الجيم وكسرها
وهو أفصح، وقيل: بالكسر للنعش، وبالفتح للميت، ولا يقال نعش إلاّ إذا كان عليه الميت
(وفيه فروع أربعة:
الأول: في عدد التكبيرات: عن أبي هريرة أنه عَّ نعى النجاشي) بفتح النون على
المشهور، وحكي كسرها وخفة الجيم، وخطيء من شددها وتشديد الياء وحكي تخفيفها،
ورجحه الصغاني وهو لقب لكل من ملك الحبشة، أي: أخبر بموته (في اليوم الذي مات فيه)
في رجب سنة تسع، ففيه الإعلام ليجتمع الناس للصلاة والنعي المنهي عنه هو ما يكون معه
صياح (وخرج بهم إلى المصلى) مكان ببطحان، فقوله في رواية ابن ماجه: فخرج وأصحابه
إلى البقيع، أي: بقيع بطحان، أو المراد بالمصلى موضع معد للجنائز بيقيع الفرقد غير مصلى
العيدين، والأول أظهر، قاله الحافظ: (فصفهم) قال جابر: كنت في الصف الثاني، رواه النسائي،