Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
الفصل الأول في صلاته عَّةِ الكسوف
يزني عبده أو تزني أمته، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيرًا،
ألا هل بلغت)).
أي لو تعلمون من عظم انتقام الله من أهل الجرائم وشدة عقابه وأهوال
القيامة، وما بعدها. كما علمت وترون النار كما رأيت في مقامي هذا وفي غيره
لبكيتم كثيرًا، ولقلَّ ضحككم لتفكركم فيما علمتموه.
وفي حديث عائشة عند البخاري: فخرج إلى المسجد، فصف الناس وراءه،
فكبرنا فاقتراً رسول الله عَّ له قراءة طويلة، ثم كبر فركع ركوعًا طويلاً، ثم قال:
(سمع الله لمن حمده)، فقام ولم يسجد، وقرأ قراءة طويلة، وهي أدنى من القراءة
في إثارة النفوس وغلبة الغضب ناسب ذلك تخويفهم في هذا المقام من مؤاخذة رب العزة؛ (أَن
يزني عبده أَو تِزِني أُمته) متعلق بأَغير، وحذف من قبل أَن قياس مستمر، وتخصيصهما بالذكر
رعاية لحسن الأدب مع اللَّه لتنزهه عن الزوجة والأهل ممن تتعلق بهم الغيرة غالبًا (واللّه) لفظ
الموطأ والصحيحين: يا أمة محمد واللَّه بتكرير النداء تنبيهًا على ما بينه من الفزع إلى اللَّه (لو
تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيرًا، أَلاً) بالفتح والتخفيف (هل بلَّغت) ما أُمرت به
من الإِحذار والإنذار وغير ذلك مما أرسلت به، وهذا أَعني: ألا هل بلغت من رواية مسلم من
طريق عبد الله بن نمير عن هشام عن عروة عن عائشة، وليست في رواية البخاري من طريق الملك
عن هشام (أَي: لو تعلمون من عظم انتقام اللَّه من أَهل الجرائم وشدة عقابه وأهوال القيامة
وما بعدها) أَي: الأهوال (كما علمت، وترون النار كما رأيت في مقامي هذا وفي غيره
لبكيتم كثيرًا ولقلٍ ضحككم لتفكركم فيما علمتموه) قيل: معنى القلة هنا العدم والتقدير
لتركتم الضحك، أَو لم يقع منكم إِلاَّ نادرًا لغلبة الخوف واستيلاء الحزن، وقيل: معناه لو دام
علمكم كما دام علمي، لأن علمه متواصل بخلاف غيره، وقيل: معناه لو علمتم من سعة رحمة
اللَّه وحلمه وغير ذلك ما علم لبكيتم على ما فاتكم من ذلك.
(وفي حديث عائشة عند البخاري) ومسلم وغيرهما قالت: خسفت الشمس في حياة
النبي عَّهِ (فخرج إلى المسجد) لا الصحراء لخوف الفوات بالانجلاء والمبادرة إلى الصلاة
مشروعة (فصف الناس) بالرفع، أي: اصطفوا، ويجوز النصب والفاعل محذوف وهو النبي عليه.
قاله الحافظ: فأَفاد أن الرواية بالرفع (وراءه) خلفه (فكبرنا) تكبيرة الإحرام (فاقتراً؛) أي: قرأ
(رسول اللَّه عَّ قراءة طويلة) نحوًا من سورة البقرة (ثم كبر فركع ركوعًا طويلاً) مسبحًا فيه
قدر مائة آية من البقرة (ثم قال: سمع اللَّه لمن حمده) أَي: أَجابٍ دعاءه (فقام) من الركوع
(ولم يسجد، وقرأ قراءة طويلة وهي أدنى) أَي: أَقل (من القراءة الأولى) وهي نحو من سورة

١٠٢
الفصل الأول في صلاته عَِّ الكسوف
الأولى، وزاد في رواية: ((ربنا ولك الحمد)).
واستدل به على استحباب الذكر المشروع في الاعتدال في أول القيام
الثاني من الركعة الأولى.
واستشكله بعض متأخري الشافعية من جهة كونه قيام قراءة لا قيام اعتدال،
بدليل، اتفاق العلماء ممن قال بزيادة الركوع في كل ركعة على قراءة الفاتحة
فيه، وإن كان محمد بن مسلمة المالكي خالف فيه.
والجواب: إن صلاة الكسوف جاءت على صفة مخصوصة، فلا مدخل
للقياس فيها، بل كل ما ثبت أنه معَِّ فعله فيها كان مشروعًا، لأنها أصل برأسها.
وبهذا رد الجمهور على من قاسها على صلاة النافلة، حتى منع من زيادة الركوع
فيها، فصلاة الكسوف أشبه شيء بصلاة العيد ونحوها، مما يجمع فيه من مطلق
النوافل، فامتازت صلاة الجنازة بترك الركوع والسجود، وصلاة العيد بزيادة
التكبيرات، وصلاة الخوف بزيادة الأفعال الكثيرة واستدبار القبلة، وكذلك اختصت
صلاة الكسوف بزيادة الركوع، فالآخذ به جامع بين العملين النص والقياس،
آل عمران. (وزاد في رواية) للبخاري ومسلم: (ربنا ولك الحمد). قال المصنف: بالواو.
(واستدل به على استحباب الذكر المشروع في الاعتدال) وهو سمع اللَّه ... الخ
(في أول القيام الثاني من الركعة الأولى، واستشكله بعض متأخري الشافعية من جهة كونه
قيام قراءة لا قيام اعتدال بدليل اتفاق العلماء ممن قال بزيادة الركوع في كل ركعة على
قراءة الفاتحة فيه) متعلق باتفاق (وإِن كان محمد بن مسلمة المالكي خالف فيه) فقال
لا يقرأ الفاتحة (والجواب؛ أن صلاة الكسوف جاءت على صفة مخصوصة، فلا مدخل
للقياس فيها، بل كل ما ثبت أنه مَّ فعله فيها كان مشروعًا، لأَنها أَصل برأسها) لا تقاس
بغيرها (وبهذا رد الجمهور على من قاسِها على صلاة النافلة حتى منع من زيادة الركوع
فيها، فصلاة الكسوف) عبارة الفتحِ، وقد أَشار الطحاوي إِلى أَن قول أَصحابهِ أَحرى في القياس
على صلاة النوافل، لكن اعترض بأن القياس مع وجود النص يضمحل، وبأن صلاة الكسوف
(أَشبه شىء بصلاة العيد ونحوها مما يجمع فيه من مطلق النوافل) بيان لما (فامتازت صلاة
الجنازة بترك الركوع والسجود، وصلاة العيد بزيادة التكبيرات، وصلاة الخوف بزيادة
الأفعال الكثيرة واستدبار القبلة، وكذلك اختصت صلاة الكسوف بزيادة الركوع، فالآخذ به
جامع بين العملين النص والقياس) كذا في نسخ بدل من العملين.

١٠٣
الفصل الأول في صلاته عَّةِ الكسوف
بخلاف من لم يعمل به.
وقد تبين أن لصلاة الكسوف هيئة تخصها من التطويل الزائد على العادة في
القيام وغيره، ومن زيادة ركوع في كل ركعة، وقد وردت زيادة في ذلك من
طريق أخرى، فعند مسلم من وجه آخر عن عائشة، وآخر عن جابر أن في كل ركعة
ثلاث ركوعات، وعنده من وجه آخر عن ابن عباس: أن في كل ركعة أربع
ركوعات، ولأبي داود من حديث أبي بن كعب، والبزار من حديث علي: أن في
كل ركعة خمس ركوعات ولا يخلو إسناد منها من علة.
ونقل ابن القيم في ((الهدي)) عن الشافعي وأحمد والبخاري: أنهم كانوا
يعدون الزيادة على الركوعين في كل ركعة غلطًا من بعض الرواة، فإن أكثر طرق
الحديث يمكن رد بعضها إلى بعض، ويجمعها أن ذلك كان يوم موت إبراهيم عليه
وفي أُخرى بين العمل بالإِفراد النص والقياس بدون ياء (بخلاف من لم يعمل به) فقد
خالف النص (وقد تبين أن لصلاة الكسوف هيئة تخصها من التطويل الزائد على العادة في
القيام وغيره) كالركوع والسجود (ومن زيادة ركوع في كل ركعة) وذلك مما يوضح أنها
أَصل برأسها، وقد وافق عائشة على رواية ذلك ابن عباسٍ وابن عمرو في الصحيحين، وأسماء بنت
أبي بكر عند البخاري، وجابر عند مسلم، وعلي عند أحمد، وأبو هريرة عند النسائي، وابن عمر
عند البزار، وأبو سفين عند الطبراني، وفي رواياتهم زيادة رواها الحفاظ الثقات، فالأخذ بها أَولى
من إلغائها، وبذلك قال جمهور أهل العلم من أَهل الفتيا: هكذا في الفتح قبل قوله: (وقد وردت
زيادة في ذلك من طرق أخرى).
(فعند مسلمٍ من وجه آخر عن عائشة، وآخر عن جابر؛ أَن في كل ركعة ثلاث
ركوعات، وعنده) أَي: مسلم (من وجه) أَي: طريق (آخر عن ابن عباس؛ أَن في كل ركعة
أربع ركوعات) ولفظه عن طاوس، عن ابن عباس: صلى رسول اللَّه عَّ حين كسفت الشمس
ثماني ركعاتٍ في أربع سجدات، وعن علي مثله.
(ولأبي داود من حديث أَبي بن كعب والبزار من حديث علي: أَن في كل ركعة
خمس ركوعات، ولا يخلو إِسناد منها عن علة).
قال الحافظ: وقد أوضح ذلك البيهقي وابن عبد البر.
(ونقل ابن القيم في الهدي عن الشافعي، وأحمد والبخاري؛ أنهم كانوا يعدون الزيادة
على الركوعين في كلٍ ركعة غلطًا من بعض الرواة، فإِن أكثر طرق الحديث يمكن رد بعضها
إلى بعض، ويجمعها أَن ذلك كان يوم موت إِبراهيم ابنه عليه السلام وإِذا اتحدت القصة

١٠٤
الفصل الأول في صلاته عَِّ الكسوف
السلام، وإذا اتحدت القصة تعين الأخذ بالراجح.
وقال ابن خزيمة وابن المنذر والخطابي وغيرهم من الشافعية: يجوز العمل
بجميع ما ثبت من ذلك. وهو من الاختلاف المباح، وقواه النووي في شرح
مسلم.
وأبدى بعضهم أن حكمة الزيادة في الركوع والنقص كان بحسب سرعة
الانجلاء وبطئه، فحين وقع الانجلاء في أول ركوع اقتصر على مثل النافلة، وحين
أبطأ زاد ركوعًا، وحين زاد في الإبطاء زاد ثالثًا، وهكذا إلى غاية ما ورد في ذلك.
وتعقبه النووي وغيره: بأن إبطاء الانجلاء وعدمه لا يعلم في أول الحال،
ولا في الركعة الأولى، وقد اتفقت الروايات على أن عدد الركوع في الركعتين
سواء، وهذا يدل على أنه مقصود في نفسه، منوي من أول الحال. انتهى ملخصًا
من فتح الباري.
تعين الأخذ بالراجح)، وجمع بعضهم بين هذه الأحاديث بتعدد الواقعة، فإِن الكسوف وقع مرًا، فيكون كل
من هذه الأَوجه جائزًا وإلى ذلك نحا إسحق، لكن لم تثبت عنده الزيادة على أربع ركوعات.
(وقال ابن خزيمة وابن المنذر والخطابي وغيرهم من الشافعية: يجوز العمل بما ثبت
من ذلك وهو من الاختلاف المباح، وقوَّاه النووي في شرح مسلم) إِعمالاً لكل الأحاديث.
(وأَبدى بعضهم؛ أَن حكمة الزيادة في الركوع والنقص كان بحسب سرعة الانجلاء
وبطئه، فحين وقع الانجلاء في أول ركوع اقتصر على مثل النافلة) فصلى ركعتين (وحين أَبطأ
زاد ركوعًا، وحين زاد في الإبطاء زاد ثالثًا، وهكذا إلى غاية ما ورد في ذلك) وهو خمس
ركوعات على ما مر.
(وتعقبه النووي وغيره، بأَن إِبطاء الانجلاء وعدمه لا يعلم في أول الحال، ولا في
الركعة الأولى، وقد اتفقت الروايات على أن عدد الركوع في الركعتين سواء، وهذا يدل
على أنه مقصود في نفسه منوي من أَوَّلِ الحال. انتهى ملخصًا مِن فتح الباريٍ) ظاهر
المصنف أَنه لم يجب عن هذا التعقب مع أَن عقبه في الفتح ما لفظه، وأُجيب بإحتمال أَن يكون
الاعتماد على الركعة الأولى، وأما الثانية فهي تبع لها، فمهما اتفق وقوعه في الأولى بسبب بطء
الانجلاء يقع مثله في الثانية ليساوي بينهما، ومن ثم قال أَصبغ: إِذا وقع الانجلاء في أَثنائها
تصلى الثانية كالعادة، وعلى هذا فيدخل المصلي فيها على نية مطلق الصلاة، ويزيد في الركوع

١٠٥
الفصل الأول في صلاته عَّةِ الكسوف
وعند الإمام أحمد: أنه عٍَّ لما سلم حمد الله وأثنى عليه، وشهد أن لا إله
إلا الله، وشهد أنه عبده ورسوله، ثم قال: ((يا أيها الناس، أنشدكم بالله إن كنتم
تعلمون أني قصرت عن شيء من تبليغ رسالات ربي لما أخبر تموني ذلك» فقام
رجل فقال: نشهد أنك قد بلغت رسالات ربك ونصحت لأمتك وقضيت الذي
عليك، ثم قال: ((وأيم الله لقد رأيت منذ قمت أصلي ما أنتم لاقوه من أمر دنياكم
وآخرتكم، وإنه والله لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذابًا، آخرهم الأعور
بحسب الكسوف، ولا مانع من ذلك.
وأجاب بعض الحنفية عن زيادة الركوع، فحمله على رفع الرأس لرؤية الشمس هل انجلت
أَم لا؟ فإِذا لم يرها انجلت رجع إلى ركوعه، ففعل ذلك مرة أو مرارًا، فظنه بعض من رآه يفعل
ذلك ركوعًا زائدًا، وتعقب بالأحاديث الصريحة في أنهِ أطال القيام بين الركوعين، ولو كان الرفع
لرؤية الشمس فقط لم يحتج إلى تطويل، ولا سيما الأخبار الصريحة أنه قال: ذكر الاعتدال، ثم
شرع في القراءة، فكل ذلك يرد هذا الحمل، ولو كان كما زعم هذا القائل لكان فيه إِخراج
لفعله عَِّ عن العبادة المشروعة، أَو لزم منه إثبات هيئة في الصلاة لا عهد بها، وهو ما فر منه.
انتهى.
(وعند الإِمام أحمد أَنه ◌ٍِّ لما سلم) من صلاة الكسوف (حمد اللَّه وأثنى عليه)
عطف عام على خاص (وشهد أن لا إله إِلاَّ اللَّه، وشهد أنه عبده ورسوله) بتقديم العبودية، لأن
له بها مزيد اختصاص، ولأنه كان عبدًا قبل أن يكون رسولاً (ثم قال: يا أيها الناس أَنشدكم:)
أسألكم (باللّه إن كنتم تعلمون إِني قصرت عن شيء من تبليغ رسالات ربي) لعل المعنى في
بيان مجمل ما أُرسل به، كالصلاة والزكاة والحج ونحوها مما أجمل في القرآن، وبينه عَ لّه
بالقول والفعل، كما قال تعالى: ﴿لتبين للناس ما نزل إليهم وإِلاَّ فهم لا يعلمون﴾ [النحل/٤٤]
الآية، ما أَرسل بتبليغه، وإِذا بلغهم لم يكن مقصورًا (لما) بالفتح والتشديد، بمعنى ألاّ (أَخبرتموني ذلك فقام
رجل: نشهد) بنون الجماعة إِشارة إِلى أنه متكلم عن نفسه وعن جميع
الحاضرين؛ (أنك قد بلغت رسالات ربك) جميعها ولم تكتم شيئًا (ونصحت لأمتك وقضيت
الذي عليك، ثم قال) عَّهِ: (وأَيمِ اللَّهِ) قسم (لقد رأيت منذ قمت أصلي) الكسوف (ما أَنتم
لاقوه من أمر دنياكم وآخرتكم وأنه) أَي: الشأن (واللَّه) أقسم للتأكيد (لا تقوم الساعة) القيامة
(حتى يخرج ثلاثون كذابًا).
زاد في رواية: كلهم يزعم أنه رسول اللَّه وأَنا خاتم النبيين لا نبي بعدي، وليس المراد من
ادعى النبوَّة مطلقًا، لأنهم لا يحصون كثرة لكون غالبهم ينشأ لهم ذلك من جنون أو سوداء، وإنما

١٠٦
الفصل الأول في صلاته معَِّ الكسوف
الدجال، من تبعه لم ينفعه صالح من عمله)).
وفي البخاري: قالت عائشة وأسماء: خطب النبي عَّةٍ.
وقد اختلف في الخطبة فيه، فاستحبها الشافعي وإسحق وأكثر أهل
الحدیث.
وقال ابن قدامة: لم يبلغنا عن أحمد ذلك.
وقال صاحب الهداية من الحنفية: ليس في الكسوف خطبة لأنه لم ينقل.
وتعقب بأن الأحاديث ثبتت فيه، وهي ذات كثرة.
والمشهور عند المالكية أنه لا خطبة لها، مع أن مالكًا روى الحديث وفيه
ذكر الخطبة، وأجاب بعضهم بأنه عَّهُ لم يقصد بها الخطبة بخصوصها، وإنما أراد
المراد من قامت له شوكة، كمسيلمة والأَسود (آخرهم الأَعور) عينه اليمنى، وروي اليسرى،
وجمع بأَن إِحداهما مطموسة والأخرى معيبة والعور العيب (الدجال) الذي يزعم الإلهية (من تبعه
لم ينفعه صالح من عمله) لأنه كفر.
(وفي البخاري) تعليقًا (قالت عائشة وأَسماء) بنتا الصديق: (خطب النبي عَّهِ) في
الكسوف، أما حديث عائشة فرواه البخاري ومسلم عنهما بلفظ: ثم انصرف وقد تجلت الشمس
فخطب الناس، وأما حديث أَسماء فأَخرجاه عنها بلفظ: فانصرف رسول اللَّه عَِّ وقد تجلت
الشمس، فخطبٍ فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أَما بعد.
(وقد اختلف في الخطبة فيه، فاستحبها الشافعي وإسحق) ابن راهويه (وأكثر أهل
الحديث. وقال ابن قدامة: لم يبلغنا عن أحمد) بن حنبل (ذلك) أي استحبابها.
(وقال صاحب الهداية من الحنفية ليس في الكسوف خطبة، لأنه) أَي: المذكور (لم
ينقل، وتعقب بأَن الأحاديث ثبتت فيه وهي ذاتٍ كثرة، والمشهور عند المالكية أن لا خطبة
لها مع أَن مالكًا) في الموطأ (روى الحديث) أي: حديث عائشة (وفيه ذكر الخطبة) لأَنه
حملها على الوعظ، فقال: يستحب الوعظ بعد الصلاة.
قال العلامة بهرام: وإِنما لم نقل بالخطبة، وإِن سمت عائشة ما ذكره عَّ خطبة، لأَن
جماعة من الصحابة منهم علي وابن عباس وجابر وأبو هريرة نقلوا صفة صلاة الكسوف، ولم يقل
أَحد منهم أنه خطب فيها، ولا يجوز أنه خطب، وأغفلوه مع نقل كل واحد ما يتعلق بتلك
.الحال، فوجب حمل تسمية عائشة خطبة على معنى أنه أتى بكلام منظوم فيه حمد وصلاة
وموعظة على سبيل ما يأتي في الخطبة. انتهى.
(وأَجاب بعضهم بأنه عَّةِ لم يقصد بها الخطبة بخصوصها، وإِنما أَراد أَن يبين لهم

١٠٧
الفصل الأول في صلاته عَّةِ الكسوف
أن يبين لهم الرد على من يعتقد أن الكسوف لموت بعض الناس.
وتعقب بما في الأحاديث الصحيحة من التصريح بالخطبة، وحكاية شرائطها
من الحمد والثناء والموعظة وغير ذلك مما تضمنته الأحاديث، فلم يقتصر على
الإعلام بسبب الكسوف، والأصل مشروعية الاتباع، والخصائص لا تثبت إلا
بدلیل، انتهى.
وعن المغيرة بن شعبة عند البخاري: كسفت الشمس على عهد
رسول الله عَّ يوم مات إبراهيم، فقال الناس: كسفت الشمس لموت إبراهيم، فقال
رسول الله عَ له: ((إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد
ولا لحياته، فإذا رأيتموهما فصلوا وادعوا الله)).
وإبراهيم هو ابن النبي عَّهِ، وقد ذكر جمهور أهل السير أنه مات في السنة
الرد على من يعتقد أن الكسوف لموت بعض الناس) لأنهم قالوا: كسفت لموت إِبراهيم
(وتعقب بما في الأحاديث الصحيحة من التصريح بالخطبة وحكاية شرائطها من الحمد
والثناء والموعظة وغير ذلك مما تضمنته الأحاديث، فلم يقتصر على الإعلام بسبب
الكسوف) لكن يرد على هذا أَن القائلين بالخطبة قالوا: المستحب خطبتان كالجمعة، فلا
يجزي واحدة، وليس في شيء من الأحاديث تصريح بأنه خطب خطبتين، فتعين حمل الخطبة
على الوعظ المستحب بعد الصلاة، كما قال الملك: (والأصل مشروعية الإتباع والخصائص
لا تثبت إِلاَّ بدليل. انتهى) مثله في الفتح، ولعل ثم من أجاب بأن الخطبة من خصائصه حتى
رد عليه بذلك، وإلا فليس لهذا تعلق بما قبله.
(وعن المغيرة بن شعبة عند البخاري) ومسلم قال: (كسفت الشمس على عهد
رسول اللَّه عٍَّ يوم مات إِبراهيم) آخر أولاده عليه السلام (فقال الناس: كسفت الشمس لموت
إِبراهيم) بفتح الكاف والسين والفاء (فقال رسول اللَّه عَّ له: ((إِن الشمس والقمر آيتان من آيات
اللّه) الدالة على عظم قدرته (لا ينكسفان) بتحتية مفتوحة فنون ساكنة فكاف مكسورة (لموت
أحد) كما زعموا (ولا لحياته) كما قد يتوهم (فإذا رأيتموهما) بالتثنية لبعض رواة الصحيحين،
وكذا رواه الإِسمعيلي، أي: إذا رأيتم كسوف كل منهما لاستحالة وقوع ذلك فيهما معًا في حالة
واحدة عادة وإِن جاز في القدرة الإلهية.
وفي رواية: فإِذا رأَيتموهاِ، أَي: الآيات، وفي أُخرى: فإذا رأيتم بحذف المفعول، أَي: شيئًا
من ذلك، وللإِسمعيلي: فإِذا رأَيتم ذلك (فصلوا وادعوا اللَّه)، وفي رواية للبخاري: ((فادعوا الله
وصلوا حتى ينجلي)) (وإِبراهيم هو ابن النبي عَّه) من مارية القبطية.

١٠٨
الفصل الأول في صلاته عَّةِ الكسوف
العاشرة من الهجرة، فقيل في ربيع الأول، وقيل في رمضان، وقيل في ذي
الحجة، والأكثر على أنها وقعت في عاشر الشهر، وقيل في رابعه وقيل في رابع
عشره، ولا يصح شيء منها على قول ذي الحجة، لأن النبي عَ ◌ّه كان بمكة إذ
ذاك في الحج، وقد ثبت أنه شهد وفاته، وكانت بالمدينة بلا خلاف.
نعم قيل إنه مات سنة تسع، فإن ثبت فيصح، وجزم النووي بأنها كانت سنة
الحديبية فلعل ذلك كان في آخر ذي القعده حين رجع منها.
وفي هذا الحديث إبطال ما كان أهل الجاهلية يعتقدونه من تأثير الكواكب
في الأرض. قال الخطابي: كانوا في الجاهلية يعتقدون أن الكسوف يوجب
حدوث تغير في الأرض، من موت أو ضرر، فأعلم النبي عَِّ أنه اعتقاد باطل، وأن
الشمس والقمر خلقان مسخران لله، ليس لهما سلطان في غيرهما، ولا قدرة للدفع
عن أنفسهما.
(وقد ذكر جمهور أهل السير أَنه مات في السنة العاشرة من الهجرة، فقيل: في ربيع
الأول) منها (وقيل: في رمضان، وقيل: في ذي الحجة، والأكثر على أنها وقعت فِي عاشر
الشهرِ، وقيل: في رابعه، وقيل: في رابع عشره) وفي هذا رد على زعم أَهل الهيئة أَنْهُ لا يقع
في الأوقاتِ المذكورة، وقد فرض لملك والشافعي اجتماع عيد وكسوف، واعترضه بعض من
اعتمد قول أَهل الهيئة، وانتدب أَهل المذهبين لدفع قول المعترض فأَصابوا (ولا يصح شيء منها)
أَي: هذه الأقوال الثلاثة (علىٍ قول) أَنه مات في (ذي الحجة، لأَن النبي ◌َِّ كان بمكة
إِذ ذاك في الحج، وقد ثبت أنه شهد) أَي: حضر (وفاته) أَي: إِبراهيم (وكانت بالمدينة بلا
خلاف، نعم قيل: إِنه مات سنة تسع، فإِن ثبت فيصح) أَنه كانٍ في ذي الحجة.
(وجزم النووي بأنها كانت سنة الحديبية) واستشكل بأنه كان حينئذ بالحديبية وموت
إِيزهيم بالمدينة، ويجاب بأنه رجع من الحديبية في آخر ذي القعدة (فلعل ذلك كان في آخر
دة، القعدة حين رجع منها، وفي هذا الحديث إبطال ما كان أهل الجاهلية يعتقدونه من
تأثير الكواكب في الأرض).
(قال الخطابي: كانوا في الجاهلية يعتقدون أن الكسوف يوجب حدوث تغير في
الأرض من موت أَو ضرر، فأَعلم النبي صَ لِ أَنه اعتقاد باطل، وأَن الشمس والقمر خلقان
مسخران للَّه ليس لهما سلطان في غيرهما ولا قدرة للدفع عن أنفسهما) وفيه ما كان عليه
النبي عَ لِّ من الشفقة على أُمته وشدة الخوف من ربه.

١٠٩
الفصل الأول في صلاته عَّةِ الكسوف
وعن عبد الله بن عمرو قال: لما كسفت الشمس على عهد رسول الله عَليه
نودي: أن الصلاة جامعة. رواه البخاري.
وقوله: ((أن)) بفتح الهمزة وتخفيف النون، وهي المفسرة.
أن له ولمسلم، من حديث عائشة: بعث النبي عَّهِ مناديًا ينادي: أن الصلاة
جامعة.
قال ابن دقيق العيد: هذا الحديث حجة لمن استحب ذلك.
وقد أجمعوا على أنه لا يؤذن له ولا يقام.
وروى ابن حبان أنه عَّهِ صلى في كسوف الشمس والقمر ركعتين مثل
صلاتكم، وأخرجه الدارقطني أيضًا.
وفيه: رد على من أطلق - كابن رشيد - أنه عَّةٍ لم يصل في كسوف القمر،
(وعن عبد الله بن عمرو) بفتح العين ابن العاصي (قال: لما كسفت) بفتحات (الشمس
على عهد رسول اللَّه عَِّ نودي أَن الصلاة جامعة).
قال الحافظ، وللكشميهني: نودي بالصلاة جامعة بالنصب فيهما على الحكاية، ونصبت
الصلاة في الأصل على الإغراء وجامعة على الحال، أَي احضروا الصلاة في حالة كونها جامعة،
وبرفعهما على أَن الصلاة مبتدأ، وجامعة خبره ومعناه ذات جامعة، وقيل: جامعة صفة والخبر
محذوف تقديره احضروها، وعن بعض العلماء: يجوز نصبهما ورفعهما، ورفع الأول ونصب
الثاني وعكسه (رواه البخاري) ومسلم.
(وقوله؛ أن بفتح الهمزة وتخفيف النون وهي المفسرة) فالصلاة مبتدأ خبره جامعة،
زاد المصنف كالحافظ: وروي بكسر الهمزة وتشديد النون والخبر محذوف تقديره إِن الصلاة
ذات جامعة، أي: حاضرة (وله) أي: البخاري (ولمسلم من حديث عائشة؛) أَن الشمس
خسفت على عهد رسول اللَّه عَّهِ، فـ (بعث عَّ مناديًا ينادي إِن الصلاة جامعة) وظاهر
الحديث أن ذلك كان قبل اجتماع الناس، وليس فيه أنه بعد اجتماعهم نودي الصلاة جامعة
حتى يكون ذلك بمنزلة الإقامة التي يعقبها الفرض.
(قال ابن دقيق العيد: هذا الحديث حجة لمن استحب ذلك، وقد أَجمعوا على أنه
لا يؤذن له ولا يقام) أَي: الكسوف.
(وروى ابن حبان) عن أبي بكرة (أَنه ◌َِّ صلى في كسوف الشمس والقمر ركعتين
بمثل صلاتكم) النوافل المعتادة بدون زيادة قيامين وركوعين (وأخرجه الدارقطني أيضًا، وفيه رد

١١٠
الفصل الأول في صلاته عَّةِ الكسوف
ومنهم من أول قوله: ((صلى)) أي أمر بالصلاة، جمعًا بين الروايتين.
وقال ابن القيم في ((الهدي): لم ينقل أنه عَّه صلى في كسوف القمر في
جماعة، لكن حكى ابن حبان في السيرة له: أن القمر خسف في السنة الخامسة،
فصلى النبي عَّ بأصحابه صلاة الكسوف، فكانت أول صلاة كسوف في
الإسلام، وهذا إن ثبت انتفى التأويل المذكور. وقد جزم به مغلطاي في سيرته
المختصرة، وتبعه الحافظ زين الدين العراقي في نظمها.
وفي البخاري من حديث عائشة: جهر النبي عٍَّ في صلاة الخسوف
بقراءته. فإذا فرغ من قراءته كبر فركع، وإذا رفع من الركعة قال: سمع الله لمن
حمده ربنا ولك الحمد، ثم يعاود القراءة في صلاة الكسوف، أربع ركعات في
ركعتين وأربع سجدات.
واستدل به عن الجهر فيها بالنهار، وحمله جماعة ممن لم ير ذلك على
كسوف القمر. قال الحافظ ابن حجر: وليس بجيد، لأن الاسماعيلي روى هذا
الحديث من وجه آخر عن الوليد بلفظ كسفت الشمس في عهد رسول الله عَ به،
علي من أَطلق كابن رشيد) بضم الراء مصغرًا؛ (أَنْه عٍَّ لم يصل في كسوف القمر، ومنهم
من أَول قوله صلى، أَي: أمر بالصلاة جمعًا بين الروايتين) بالنفي والإِثبات.
(وقال ابن القيم في الهدي: لِمٍ ينقل أَنّه عَّ صلى في كسوف القمر في جماعة،
لكن حكى ابن حبان في السيرة له أن القمر خسف) بفتحات (في السنة الخامسة) من
الهجرة (فصلى النبي عَّ بأصحابه صلاة الكسوف، فكانت أول صلاة كسوف في الإِسلام،
وهذا إِن ثبت انتفى التأويل المذكور، وقد جزم به مغلطاي في سيرته المختصرة) المسماة بالإشارة
(وتبعه الحافظ زين الدين العراقي في نظمها) فيفيد قوته.
(وفي البخاري) ومسلم (من حديث عائشة: جهر النبي عٍَّ في صلاة الخسوف)
بالخاء (بقراءته، فإذا فرغ من قراءته كبر فركع، وإِذا رفع) رأسه (من الركعة قال: سمع اللَّه
لمن حمده ربنا ولك الحمد) بالواو (ثم يعاود القراءة في صلاة الكسوف أربع ركعات في
ركعتين وأَربع سجدات).
قال المصنف: ينصب أَربع عطفًا على أَربع السابق (واستدل به عن الجهر فيها بالنهار،
وحمله جماعة ممن لم ير ذلك على كسوف القمر).
(قال الحافظ ابن حجر: وليس بجيد، لأن الإِسمعيلي روى هذا الحديث من وجه آخر
عن الوليد) بن مسلم الدمشقي راوي هذا الحديث، عن عبد الرحمن بن نمر - بفتح فكسر - عن

١١١
الفصل الأول في صلاته عَّةِ الكسوف
وفي مسند أبي داود الطيالسي أنه عِ ◌ّهِ جهر بالقراءة في صلاة الكسوف. وقد ورد
الجهر فيها عن علي مرفوعًا وموقوفًا. أخرجه ابن خزيمة وغيره.
وقال به صاحبا أبى حنيفة وأحمد وإسحاق وابن خزيمة وابن المنذر وغيرهما
من محدثي الشافعية وابن العربي من المالكية.
وقال الطبري: يخير بين الجهر والإسرار.
وقال الأئمة الثلاثة: يسر في الشمس ويجهر في القمر.
واحتج الشافعي بقول ابن عباس: ((قرأ نحوًا من سورة البقرة)) لأنه لو جهر
لم يحتج إلى التقدير. وقد روى الشافعي تعليقًا عن ابن عباس أنه صلى إلى جنب
النبي عَّه في الكسوف فلم يسمع منه حرفًا، ووصله البيهقي من ثلاث طرق
الزهري، عن عروة، عن عائشة (بلفظ: كسفت) بفتحات (الشمس في عهد رسول اللَّه عَ لَّهِ)
فصرح بالشمس.
(وفي مسند أبي داود) سليمن بن داود (الطيالسي؛ أَنه ◌َّ جهر بالقراءة في صلاة
الكسوف) لم يذكر الحافظ هذا دليلاً على أنه في كسوف الشمس، إذ لا تصريح فيه بذلك،
وإِنما ذكره بعد ذلك في قول البخاري: تابعه سليمن بن كثير في الجهر، فقال: يعني بإِسناده
المذكور، وهذه المتابعة وصلها أحمد عن عبد الصمد، عن سليمان بلفظ: خسفت الشمس على
عهد النبي عَّةِ، فَأَتَى فكبر، فكبر الناس، ثم قرأً فجهر بالقراءة، الحديث.
ورويناه في مسند الطيالسي عن سليمن بهذا الإسناد مختصرًا: أن النبي عَِّ جهر
بالقراءة في صلاة الكسوف (وقد ورد الجهر فيها عن علي مرفوعًا) إلى النبي عَّهِ (وموقوفًا)
على علي (أخرجه ابن خزيمة وغيره، وقال به صاحبا أبي حنيفة) محمد وأبو يوسف (وأحمد
وإسحق) بن راهويه (وابن خزيمة وابن المنذر وغيرهما من محدثي الشافعية وابن العربي من
المالكية) ومحدثيهم (وقال الطبري) محمد بن جرير: (يخير بين الجهر والإسرار) لاختلاف
الأحاديث.
(وقال الأئمة الثلاثة) أبو حنيفة ولملك والشافعي: (يسر في الشمس ويجهر في القمر،
واحتج الشافعي بقول ابن عباس) في الصحيحين: (قرأ نحوًا من سورة البقرة، لأنه لو جهر لم
يحتج إلى التقدير) بل كان يصرح بخصوص ما قرأ به، زاد الحافظ وتعقب باحتمال أن يكون
بعيدًا منه (و) لكن (قد روى الشافعي تعليقًا) أي: بغير إسناد (عن ابن عباس أنه صلى إلى
جنب النبي عَّةٍ في الكسوف فلم يسمع منه حرفًا) فهذا يدفع ذلك الاحتمال (ووصله

١١٢
الفصل الثاني في صلاته عَّة. صلاة الاستسقاء
أسانيدها واهية. وعلى تقدير صحتها فمثبت الجهر معه قدر زائد فالأخذ به أولى.
قال ابن العربي: الجهر عندي أولى، لأنها صلاة جماعة ينادي لها ويخطب
فأشبهت العيد والاستسقاء. انتهى ملخصًا والله أعلم.
الفصل الثاني
في صلاته علَّةٍ، صلاة الاستسقاء
اعلم أن الاستسقاء طلب السقيا من الله تعالى عند الحاجة إليها، كما
تقول: استعطى: أي طلب العطاء.
ولم يخالف أحد من العلماء في سنية الصلاة في الاستسقاء إلا أبو حنيفة
محتجًا بأحاديث، الاستسقاء التي ليس فيها صلاة.
واحتج الجمهور بالأحاديث الثابتة في الصحيحين وغيرهما: أنه عَ ◌ّه صلى
الاستسقاء ركعتين. وأما الأحاديث التي ليس فيها الصلاة، فبعضها محمول على
البيهقي من ثلاث طرق أسانيدها واهية) ضعيفة جدًا (وعلى تقدير صحتها فمثبت الجهر
معه قدر زائد، فالأخذ به أولى) أحق لجواز أن عدم سماع ابن عباس وهو بجنبه لمانع قام به
حينئذ، زاد الحافظ: وإن ثبت التعدد، فيكون فعل ذلك لبيان الجواز، وهكذا الجواب عن حديث
سمرة عند ابن خزيمة والترمذي: لم يسمع له صوتًا أنه إن ثبت لا يدل على نفي الجهر.
(قال ابن العربي: الجهر عندي أولى) من السر (لأنها صلاة جماعة ينادي لها
ويخطب) فيه شيء، إذ هو استدلال بمختلف فيه، إذ النداء والخطبة مختلف فيهما (فأشبهت
العيد والاستسقاء. انتهى) كلام الحافظ ابن حجر (ملخصًا، والله أعلم) بحقيقة ما فعل هل
جهر أو أسر.
(الفصل الثاني: في صلاته عَّهِ، صلاة الاستسقاء)
(اعلم أن الاستسقاء) لغة كما في الفتح: طلب سقي الماء من الغير للنفس أو للغير،
وشرعًا (طلب السقيا من اللَّه تعالى عند الحاجة إليها) لحصول الجدب (كما تقول
استعطى، أي: طلب العطاء) فالسين للطلب (ولم يخالف أحد من العلماء في سنية الصلاة
في الاستسقاء) ركعتين (إلاَّ أبو حنيفة) فقال: بدعة (محتجًا بأحاديث الاستسقاء التي ليس
فيها صلاة، واحتج الجمهور بالأحاديث الثابتة في الصحيحين وغيرهما) من طرق عديدة
(أنه عَّ صلى الاستسقاء ركعتين) فهذا نص صريح في محل النزاع.
(وأما الأحاديث التي ليس فيها الصلاة، فبعضها محمول على نسيان الراوي،

١١٣
الفصل الثاني في صلاته عَه صلاة الاستسقاء
نسيان الراوي، وبعضها كان للخطبة الجمعة، وتعقبه صلاة الجمعة فاكتفي بها،
ولو لم يصل أصلاً كان بيانًا لجواز الاستسقاء بالدعاء بلا صلاة، ولا خلاف في
جوازه، وتكون الأحاديث المثبتة للصلاة مقدمة لأن فيها زيادة علم، ولا معارضة
بینھما.
والاستسقاء أنواع:
الأول: الاستسقاء بصلاة ركعتين وخطبتين، وبتأهب قبله بصدقة وصيام
وتوبة، وإقبال على الخير ومجانبة الشر ونحو ذلك من طاعة الله تعالى.
قال ابن عباس: خرج رسول الله عٍَّ إلى الإستسقاء متبذلاً متواضعًا متخشعًا
متضرعًا حتى أتى المصلى، فرقى المنبر، فلم يخطب خطبتكم هذه ولكن لم يزل
وبعضها كان للخطبة الجمعة، وتعقبه صلاة الجمعة، فاكتفى بها) كما اكتفى بخطبة الجمعة
عن خطبة الاستسقاء (ولو لم يصل أصلاً كان بياناً لجواز الاستسقاء بالدعاء بلا صلاة ولا خلافه في
جوازه، وتكون الأحاديث المثبتة للصلاة مقدمة، لأن فيها زيادة علم) من راويها على من لم
يروها (ولا معارضة بينهما) أي: بين الأحاديث التي لا صلاة فيها وبين التي فيها الصلاة
(والاستسقاء أنواع) خمسة على ما عد.
(الأول: الاستسقاء بصلاة ركعتين وخطبتين) كالعيد (وبتأهب) استعداد (قبله بصدقة
وصيام) استحبابًا، ولا يأمر بهما الإمام (وتوبة) ويأمر بها (وإقبال على الخير ومجانبة الشر
ونحو ذلك من طاعة اللّه تعالى) رجاء الإجابة، فمبني الاستسقاء الاستغفار والتوجه إلى اللّه
بجوامع الهمة، شكا رجل إلى الحسن البصري الجدب، فقال: استغفر الله، وآخر الفقر وآخر قلة
النسل وآخر قلة ريع أرضه، فأمرهم كلهم بالاستغفار، فقال له الربيع بن صبيح: أتاك رجال
يشكون أبوابًا، فأمرتهم كلهم بالاستغفار، فتلا قوله تعالى: ﴿استغفروا ربكم إنه كان غفارًا يرسل
السماء عليكم مدرارا ويمدكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارًا﴾ [هود/،
٥٢].
(قال ابن عباس: خرج رسول اللَّه عَ لَّه إلى الاستسقاء مبتذلاً) أي: لابسًا ثوب البذلة
بالكسر، وهو الثوب الخلق وما لا يصان من الثياب (متواضعًا) زيادة على عادته (متخشعًا
متضرعًا).
قال القاموس: تخشع تضرع وهو الخضوع والذلة والاستكانة، والخشوع الخضوع أو
قريب منه، أو هو في البدن، والخشوع في البصر والصوت والسكون والتذلل.
(حتى أتى المصلى) المكان المعروف بالمدينة (فرقي) بكسر القاف وقد تفتح، أي:

١١٤
الفصل الثاني في صلاته عٍَّ صلاة الاستسقاء
في الدعاء والتضرع والتكبير، ثم صلى ركعتين كما يصلي في العيد. رواه الترمذي
وغيره.
وفي حديث عبد الله بن زيد المازني، قال: خرج رسول الله عٍَّ إلى هذا
المصلى يستسقي، ثم استقبل القبلة وقلب رداءه، ثم صلى. رواه البخاري ومسلم.
وفي رواية: خرج بالناس إلى المصلى يستسقي فصلى بهم ركعتين جهر
فيهما بالقراءة واستقبل يدعو، ورفع يديه وحول رداءه.
صعد (المنبر فلم يخطب خطبتكم هذه، ولكن لم يزل في الدعاء والتضرع والتكبير، ثم
صلى ركعتين كما يصلي في العيد، رواه الترمذي) وقال: حسن صحيح (وغيره) أحمد وباقي
الأربعة أصحاب السنن.
(وفي حديث عبد الله بن زيد) بن عاصم بن كعب الأنصاري (المازني) بكسر الزاي
صاحب حديث الوضوء، لا عبد الله بن زيد بن عبد ربه صاحب رؤيا الأذان كما زعم سفين بن
عببنة، وقد وهمه البخاري.
قال الحافظ: وقد اتفقا في الاسم واسم الأب والنسبة إلى الأنصار، ثم الخزرج والصحبة،
والرواية: وافترقا في الجد والبطن الذي من الخزرج، لأن فخذ عاصم من مازن وفخذ عبد ربه من
الخزرج.
(قال: خرج رسول اللّه عَلَّةٍ إلى هذا المصلى:) المكان الذي يصلي فيه بالصحراء،
لأنه أبلغ في التواضع وأوسع للناس، زاد في رواية: بالناس (يستسقي) يطلب من اللَّه السقي
بدعائه وتضرعه، فهو حال من النبي عَّه، أي: خرج حال كونه مستسقيًا، ويحتمل أن يكون
يستسقي مقدرًا بلام كي محذوفة، أي: خرج لكي يستسقي.
وفي أكثر الروايات: فاستسقى (وقلب) ولبعض الرواة: وحوّل (رداءه ثم صلى) ركعتين
(رواه البخاري ومسلم) بطرق متعددة، إلاّ أن لفظ: ثم إنما وقع في رواية لهما، وأكثر الروايات
عندهما وعند غيرهما، وصلى ركعتين بالواو وهي لا تقتضي الترتيب، وفي كثير من الأحاديث:
التصريح بأنه عَّ خطب بعد الصلاة، فعلم أن لفظه: ثم وهم من الراوي، قاله المصنف على
مسلم.
(وفي رواية) لأبي داود عن عبد اللَّه بن زيد: (خرج بالناس إلى المصلى) حال كونه
(يستسقي) أي: مستسقيًا، أو لكي يستسقي (فصلى بهم ركعتين، جهر فيهما بالقراءة،
واستقبل) القبلة (يدعو) اللَّه تعالى، ففي رواية في الصحيح: وجعل ظهره إلى الناس واستقبل
القبلة (ورفع يديه وحول رداءه) وبين صفة التحويل بقوله: (وجعل عطافه) بكسر العين، أي:

١١٥
الفصل الثاني في صلاته عَّهِ صلاة الاستسقاء
وجعل عطافه الأيمن على عاتقه الأيسر وجعل عطافه الأيسر على عاتقه الأيمن
ثم دعا الله.
قال الحافظ ابن حجر: ولم أقف في شيء من طرق حديث عبد الله بن زيد
على سبب ذلك ولا على صفته عَّهِ حال الذهاب إلى المصلى، ولا على وقت
ذهابه، وقد وقع ذلك في حديث عائشة عند أبي داود وابن حبان قالت: شكا
الناس إلى رسول الله عَّه قحط المطر، فأمر بمنبر فوضع له في المصلى، ووعد
الناس يومًا يخرجون فيه، فخرج حين بدا حاجب الشمس، فقعد على المنبر فكبر
وحمد لله، ثم قال: إنكم شكوتم جدب دياركم، واستئجار المطر عن إبان زمانه،
وقد أمركم الله أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم، ثم قال: ﴿الحمد لله رب
جانبه، وفي النهاية: العطاف والعطف الرداء، سمي عطافًا لوقوعه على عطفي الرجل وهما ناحيتا
عنقه (الأيمن على عاتقه الأيسر، وجعل عطافه الأيسر على عاتقه الأيمن ثم دعا اللَّه) تعالى.
(قال الحافظ ابن حجر: ولم أقف في شيء من طرق حديث عبد الله بن زيد)
المذكور (على سبب ذلك ولا على صفته عٍَّ حال الذهاب إلى المصلى ولا على وقت
ذهابه، وقد وقع ذلك في حديث عائشة عند أبي داود وابن حبان، قالت: شكا الناس إلى
رسول اللَّه عَِّ قحط المطر) بفتح القاف وسكون الحاء، أي: احتباسه مصدر قحط كنفع
وتعب وعنى كما في القاموس وغيره (فأمر بمنبر، فوضع له في المصلى ووعد الناس يومًا
يخرجون فيه، فخرج حين بدأ) ظهر (حاجب الشمس) أي: ضوءها (فقعد على المنبر) إلى
هنا ما نقله الحافظ قائلاً: الحديث لأنه لم يتعلق غرضه بباقيه، وذكر ما في غرضه بقوله، وفي
حديث ابن عباس عند أحمد وأصحاب السنن: خرج عَِّ مبتذلاً متواضعًا متضرعًا حتى أتى
المصلى فرق المنبر، وفي حديث أبي الدرداء عند البزار والطبراني: قحط المطر، فسألنا نبي اللَّه
أن يستسقي لنا، فغدا نبي الله ... الحديث. انتهى، فأفاد أن حديث عائشة بين السبب ووقت
الذهاب، كما بين الثاني أيضًا حديث أبي الدرداء وصفته حال الذهاب عن ابن عباس، وكأن
المصنف أسقطه لأنه قدمه، لكنه أوهم أن الحافظ نقض ما ترجم به وليس كذلك، وأوهم أنه
ذكر حديث عائشة بتمامه، ولا كذلك، وإنما المصنف اعتنى بذكره تتميمًا للفائدة ببيان ما دعا
به، فقعد على المنبر (فكبر وحمد الله، ثم قال: إنكم شكوتم جدب) بالدال المهملة عدم
خصب (دياركم واستئخار) أي: تأخر (المطر)، فالسين للتأكيد (عن إبان) بكسر الهمزة حين
(زمانه) فالإضافة بيانية، وقيل: معنى إبان أوّل، فالإضافة على بابها (وقد أمركم اللَّه أن تدعوه
ووعدكم أن يستجيب لكم) فقال: ﴿ادعوني أستجب لكم﴾، [غافر/٦٠] (ثم قال: ﴿الحمد لله

١١٦
الفصل الثاني في صلاته عَل صلاة الاستسقاء
العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين﴾، الذي لا إله إلا هو، يفعل ما يريد،
اللهم أنت الله الذي لا إله إلا أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث، واجعل
ما أنزلت لنا قوة وبلاغًا إلى حين، ثم رفع يديه حتى بدا بياض إبطيه، ثم حول إلى
الناس ظهره، واستقبل القبلة - وحول - رداءه وهو رافع يديه، ثم أقبل على الناس،
ونزل فصلى ركعتين، فأنشأ الله سحابًا، فرعدت وبرقت، ثم أمطرت بإذن الله، فلم
يأت مسجده حتى سالت السيول، فلما رأى ذلك وسرعتهم إلى الكن ضحك حتى بدت
نواجذه، فقال: أشهد أن الله على كل شىء قدير، وأني عبد الله ورسوله)).
وقد حكى ابن المنذر الاختلاف في وقتها، والراجح أنه لا وقت لها معين،
وإن كان أكثر أحكامها كالعيد، لكنها تخالفه بأنها لا تختص بيوم معين، وهل
تصنع بالليل؟ استنبط بعضهم من كونه عَلَّة جهر بالقراءة فيها بالنهار، أنها نهارية
رب العالمين﴾) أي: مالك جميع الخلق من إنس وملائكة وجن ودواب وغيرهم، وكل منها
يسمى عالمًا، وغلب في جمعه بالياء والنون أولو العلم على غيرهم وهو من العلامة، لأنه
علامة على موجده ((الرحمن الرحيم)) أي: ذي الرحمة وهي إرادة الخير لأهله (﴿ملك يوم
الدين)) الجزاء وهو يوم القيامة، وخص بالذكر لأنه لا ملك ظاهرًا فيه لأحد إلاَّ اللَّه تعالى
لمن الملك اليوم للَّه، ومن قرأ لملك، فمعناه مالك الأمر كله في يوم القيامة، أي: هو
موصوف بذلك دائمًا كغافر الذنب، فيصح وقوعه صفة للمعرفة (الذي لا إله) أي: لا معبود
بحق في الوجود (إلاّ هو يفعل ما يريد) لا يعجزه شيء (اللهم أنت الله الذي لا إله إلاَّ أنت الغني ونحن
الفقراء أنزل علينا الغيث) أي: المطر (واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغًا إلى حين)
تنقضي آجالنا (ثم رفع يديه حتى بدا بياض إبطيه) لمبالغته في رفعهما (ثم حول إلى الناس
ظهره) أي: جعله إليهم (واستقبل القبلة وحول رداءه وهو رافع يديه، ثم أقبل على الناس
ونزل) عن المنبر (فصلى ركعتين فأنشأ اللَّه سحابًا) أي: غيمًا جمع سحابة، ويجمع أيضًا على
سحب وسحائب (فرعدت) أي: السحاب والإسناد مجازي (وبرقت:) لمعت (ثم أمطرت بإذن
الله، فلم يأت مسجده حتى سالت السيول) لكثرة المطر (فلما رأى ذلك وسرعتهم إلى
الكن) بالكسر وشد النون (ضحك حتى بدت:) ظهرت (نواجذه) بجيم وذال معجمة (فقال:
(أشهد أن اللَّه على كل شيء قدير) ومنه ما شاهدتم في الحال (وأني عبد الله ورسوله)))
فأجاب دعائي سريعًا.
(وقد حكى ابن المنذر الاختلاف في وقتها، والراجح أنه لا وقت لها معين وإن كان
أكثر أحكامها كالعيد، لكنها تخالفه بأنها لا تختص بيوم معين وهل تصنع بالليل، استنبط

١١٧
الفصل الثاني في صلاته عَّدٍ صلاة الاستسقاء
كالعيد، وإلا فلو كانت تصلي بالليل لأسر فيها بالنهار وجهر بالليل كمطلق
النوافل.
ونقل ابن قدامة الإجماع على أنها لا تصلى في وقت الكراهة.
وأفاد ابن حبان أن خروجه عٍَّ إلى المصلى للاستسقاء كان في شهر
رمضان سنة ست من الهجرة.
وذكر الواقدي: أن طول ردائه معَّه كان ستة أذرع في ثلاثة أذرع، وطول
إزاره أربعة أذرع وشبرين في ذراعين وشبر، كان يلبسهما في الجمعة والعيدين.
وقد روى أبو داود عن عباد: استسقى عَّه وعليه خميصة سوداء فأراد أن
بعضهم من كونه عَّ جهر بالقراءة فيها بالنهار أنها نهارية كالعيد، وإلاَّ فلو كانت تصلى
بالليل لأسر فيها بالنهار وجهر بالليل، كمطلق النوافل) نازعه شيخنا بأن لا دلالة في صلاتها
نهارًا على أنها لا تفعل بالليل، بل يدل على أنها لا تختص بالليل، وقد صرح في شرح البهجة
بأن جميع الليل والنهار وقت لها كما لا تختص بيوم.
(ونقل ابن قدامة الإجماع على أنها لا تصلى في وقت الكراهة) ولعل هذا الإجماع
قبل حدوث الآراء في مذهب الشافعي، فلا ينافي أنها لا تختص بوقت العيد على الأصح في
المنهاج، قال شارحه: ولا بوقت من الأوقات، بل تجوز ولو بوقت كراهة، لأنها ذات سبب.
انتھی.
ومذهب لملك أن وقتها من حل النافلة للزوال كالعيد، لكن لا تختص بيوم.
(وأفاد ابن حبان أن خروجه عَّةٍ إلى المصلى للاستسقاء كان في شهر رمضان سنة
ست من الهجرة).
(وذكر الواقدي) محمد بن عمر بن واقد؛ (أن طول ردائه عَ لَّه كان ستة أذرع في)
عرض (ثلاثة أذرع، وطول إزاره أربعة أذرع، وشبرين في) عرض (ذراعين وشبر، كان يلبسهما
في الجمعة والعيدين).
زاد الحافظ: ووقع في شرح الأحكام لابن بزيزة ذرع الرداء، كالذي ذكره الواقدي في
ذرع الإزار والأول أولى.
(وقد روى أبو داود عن عباد) بفتح المهملة والموحدة الثقيلة ابن تميم بن زيد بن عاصم
الأنصاري راوي الحديث عن عمه عبد الله بن زيد، ووقع في بعض نسخ ابن ماجه عن عباده،
عن أبيه، عن عبد الله بن زيد.
قال الحافظ في الفتح: قوله عن أبيه زيادة وهي وهم، والصواب حذفه كما في النسخ

١١٨
الفصل الثاني في صلاته عَِّ صلاة الاستسقاء
يأخذ بأسفلها فيجعله أعلاها، فلما ثقلت عليه قلبها على عاتقه.
وقد استحب الشافعي في الجديد فعل ما همّ به النبي عَ لّه من تنكيس
الرداء مع التحويل الموصوف. وزعم القرطبي تبعًا لغيره أن الشافعي اختار في
الجديد تنكيس الرداء لا تحويله، والذي في الأم ما ذكرته.
والجمهور على استحباب التحويل فقط، ولا ريب أن الذي استحبه الشافعي
أحوط. وعن أبي حنيفة وبعض المالكية: لا يستحب شيء من ذلك.
واستحب الجمهور أن يحول الناس بتحويل الإمام، ويشهد له ما رواه أحمد
من طريق عباد في هذا الحديث بلفظ: وحول الناس معه.
وقال الليث وأبو يوسف: يحول الإمام وحده. واستثنى ابن الماجشون النساء
فقال: لا یستحب في حقهن.
المعتمدة من ابن ماجه.
(استسقى عٍَّ وعليه خميصة) بفتح المعجمة وكسر الميم وإسكان التحتية وفتح
المهملة كساء من صوف (سوداء، فأراد أن يأخذ بأسفلها فيجعله أعلاها، فلما ثقلت عليه
قلبها على عاتقه، وقد استحب الشافعي في الجديد فعل ما هم به النبي عَّ من تنكيس
الرداء مع التحويل الموصوف) بأن يجعل الأسفل الذي على الأيسر على عاتقه الأيمن، وما
على الأيمن على عاتقه الأيسر، فيحصل التحويل والتنكيس معًا.
(وزعم القرطبي) في المفهم (تبعًا لغيره أن الشافعي اختار في الجديد تنكيس الرداء
لا تحويله، والذي في الأم ما ذكرته) من استحبابهما (والجمهور على استحباب التحويل
فقط) بلا تنكيس لانفراد رواية عمارة بن غزية عن عباد في حديث عبد الله بن زيد بأنه هم بذلك
(ولا ريب أن الذي استحبه الشافعي أحوط، وعن أبي حنيفة وبعض المالكية: لا يستحب
شىء من ذلك) التحويل والتنكيس (واستحب الجمهور أن يحول الناس بتحويل الإمام،
ويشهد له ما رواه أحمد من طريق عباد) بن تميم عن عمه (في هذا الحديث، بلفظ: وحول
الناس معه) عَّةٍ أرديتهم.
(وقال الليث وأبو يوسف: يحوّل الإمام وحده، واستثنى) عبد الملك (بن الماجشون
النساء، فقال: لا يستحب في حقهن) وهو وجيه لأنهن عورة.
زاد الحافظ: ثم ظاهر قوله: فقلت رداءه أن التحويل وقع بعد فراغ الاستسقاء وليس
كذلك، بل المعنى فقلب رداءه في أثناء الاستسقاء، وقد بينه لملك في روايته المذكورة، ولفظه:

١١٩
الفصل الثاني في صلاته عَلّه صلاة الاستسقاء
واختلف في حكمة هذا التحويل فجزم المهلب بأنه للتفاؤل بتحويل الحال
عما هي عليه. وتعقبه ابن العربي بأن من شرط الفأل أن لا يقصد إليه، قال: وإنما
التحويل أمارة بينه وبين ربه، قيل له حول رداءك ليتحول حالك. وتعقب بأن الذي
يجزم به يحتاج إلى نقل، والذي رده ورد فيه حديث رجاله ثقات، أخرجه
الدارقطني والحاكم من طريق جعفر بن محمد بن علي عن أبيه عن جابر. ورجح
الدارقطني إرساله. وعلى كل حال فهو أولى من القول بالظن.
واستدل بقوله في حديث عائشة: (ثم صلى ركعتين)) بعد قوله: ((فقعد على
المنبر)) على أن الخطبة في الاستسقاء قبل الصلاة، وهو مقتضى حديث ابن عباس،
حول رداءه حين استقبل القبلة.
ولمسلم من رواية يحيى بن سعيد عن أبي بكر بن محمد، وأنه لما أراد أن يدعو استقبل
القبلة وحول رداءه، وأصله للمصنف، أي: البخاري كما سيأتي بعد أبواب، وله من رواية الزهري
عن عباد: فقام فدعا اللَّه قائمًا، ثم توجه قبل القبلة وحول رداءه، فعرف بذلك أن التحويل وقع
في أثناء الخطبة عند إرادة الدعاء.
(واختلف في حكمة هذا التحويل، فجزم المهلب بأنه للتفاؤل بتحويل الحال عما
هي عليه) من الجدب إلى الخصب (وتعقبه ابن العربي؛ بأن من شرط الفأل أن لا يقصد
إليه، قال: وإنما التحويل أمارة) علامة (بينه وبين ربه، قيل له:) ولو بالإلهام (حوّل رداءك
ليتحول حالك).
(وتعقب بأن الذي جزم به يحتاج إلى نقل، والذي رده ورد فيه حديث رجاله ثقات،
أخرجه الدارقطني والحاكم من طريق جعفر الصادق (بن محمد بن علي) زين العابدين بن
الحسين (عن أبيه) محمد الباقر (عن جابر بن عبد اللَّه (ورجح الدارقطني إرساله) بحذف
جابر (وعلى كل حال فهو أولى من القول بالظن).
زاد الحافظ: وقال بعضهم: إنما حول رداءه ليكون أثبت على عاتقه عند رفع يديه في
الدعاء، فلا يكون سنة في كل حال، وأجيب بأن التحويل من جهة إلى جهة لا يقتضي الثبوت
على العائق، فالحمل على المعنى الأول أولى، فإن الاتباع أولى من تركه لمجرد احتمال
الخصوص.
(واستدل بقوله في حديث عائشة: ثم صلى ركعتين بعد قوله: فقعد على المنبر على
أن الخطبة في الاستسقاء قبل الصلاة وهو مقتضى حديث ابن عباس) السابق أيضًا لقوله:

١٢٠
الفصل الثاني في صلاته معَّهِ صلاة الاستسقاء
لكن وقع عند أحمد في حديث عبد الله بن زيد التصريح بأنه بدأ بالصلاة قبل
الخطبة، وكذا في حديث أبي هريرة عند ابن ماجه، حيث قال: فصلى بنا ركعتين
بغير أذان ولا إقامة، والمرجح عند الشافعية والمالكية الثاني.
ولم يقع في شيء من طرق حديث عبد الله بن زيد صفة الصلاة المذكورة
وهي ركعتان ولا ما يقرأ فيها، وقد أخرج الدارقطني من حديث ابن عباس أنه يكبر
فيهما سبعًا وخمسًا كالعيد، وأنه يقرأ فيهما بـ ((سبح)) و((هل أتاك)). وفي إسناده
مقال. لكن أصله في السنن بلفظ: ثم صلى ركعتين كما يصلي في العيدين. فأخذ
بظاهره الشافعي فقال يكبر فيهما.
الثاني: استسقاؤه عليه الصلاة والسلام في خطبة الجمعة.
خرج حتى أتى المصلى فرقي المنبر (لكن وقع عند أحمد في حديث عبد الله بن زيد
التصريح بأنه بدأ بالصلاة قبل الخطبة، وكذا في حديث أبي هريرة عند ابن ماجه، حيث
قال: فصلى بنا ركعتين بغير أذان ولا إقامة) وكل منهما صريح، فيقدم على المحتمل
(والمرجح عند الشافعية والمالكية الثاني) أي: الصلاة قبل الخطبة، وإليه رجع لملك.
قال الحافظ: ويمكن الجمع بين مختلف الروايات؛ بأنه معدّل بدأ بالدعاء ثم صلى ركعتين،
ثم خطب، فاقتصر بعض الرواة على شيء، وبعضهم على شيء، وعبر بعضهم عن الدعاء
بالخطبة، فلذا وقع الاختلاف، قال: وقال القرطبي: يعتضد القول بتقديم الصلاة على الخطبة
بمشابهتها بالعيد، وكذا ما تقرر من تقديم الصلاة أمام الحاجة (ولم يقع في شيء من طرق
حديث عبد الله بن زيد صفة الصلاة المذكورة، وهي ركعتان) بإجماع من قال بها (ولا
ما يقرأ فيها).
(وقد أخرج الدارقطني من حديث ابن عباس أنه يكبر فيهما سبعًا وخمساً كالعيد، وأنه
يقرأ فيهما ب﴿سبح﴾ و﴿هل أتاك﴾، وفي إسناده مقال، لكن أصله في السنن) الأربع (بلفظ:
ثم صلى ركعتين كما يصلي في العيدين، فأخذ بظاهره الشافعي، فقال: يكبر فيهما) سبعًا
وخمسًا، ولم يأخذ به غيره كملك لضعف الرواية المصرحة بالتكبير، ولما يطرق الثانية من
احتمال نقص التشبيه.
زاد الحافظ: ونقل الفاكهي شيخ شيوخنا عن الشافعي استحباب التكبير حال الخروج إليها
كما في العيد وهو غلط منه عليه.
(الثاني: استسقاؤه عليه الصلاة والسلام في خطبة الجمعة: عن أنس أن رجلاً قال