Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
الباب الخامس في ذكر صلاته عَّةِ الضحى
غير أنه يتم الركوع والسجود. قالت في رواية أخرى: وذلك ضحى. ولمسلم: أن
رسول الله عَّه صلى في بيتها عام الفتح في ثوب واحد، قد خالف بين طرفيه.
وللنسائي: أنها ذهبت إلى النبي عَ ليه عام الفتح فوجدته يغتسل وفاطمة بنته تستره
بثوب. فسلمت عليه فقال: من هذه؟ فقلت: أنا أم هانىء، فلما فرغ من غسله قام
فصلى ثماني ركعات ملتحفًا في ثوب واحد. ولأبي داود: أن رسول الله عَ له يوم
فتح مكة صلى سبحة الضحى ثماني ركعات يسلم من كل ركعتين.
ستره في ابتداء الغسل والآخر في أَثنائه، انتهى. وهو حسنٍ إِلاَّ أَن قوله أولاً - ظاهره أنه اغتسل
في بيتها، ووقع في الموطأ ومسلم من طريق أبي مرة، عنها أنها ذهبت إلى النبي عٍَّ وهو بأَعلى
مكة فوجدته يغتسل - عجيب، فإِنه في البخاري في الغسل والصلاة وأواخر الجزية من طريق
لملك كما علم، وليس في المواضع الثلاث ولا الموطأ قوله: وهو بأعلى مكة، وإنما هو في
إحدى روايات مسلم (وٍصلى ثمان ركعات) بدون ياء بعد النون، وفي رواية: ثماني بالياء.
زاد كريب عن أم هانيء: يسلم من كل ركعتين، أخرجه ابن خزيمةٍ وفيه رد على من
تمسك به في صلاتها موصولة سواء صلى ثمانياً أَو أَقل، وللطبراني عن ابن أبي أوفى أَنّه صلى
الضحى ركعتين، فسألته امرأته، فقالٍ: إِن النبي عَّه صلى يوم الفتح ركعتين، وهو محمول على
أَنه رأَى من صلاته ركعتين، ورأت أُم هانيء بقية الثمان وهذا يقوى أنه صلاها مفصولة (فلم أر
صلاة قط أَخف منها) أَي من صلاته معَّه، وللبخاري: فما رأَيته صلى صلاة أخف منها (غير أَنه
يتم الركوع والسجود) ولمسلم عن عبد الله بن الحراث، عن أم هانيء: لا أَدري أَقيامه فيها
أَطول أَم ركوعه أَم سجوده، كل ذلك متقارب.
(قالت في رواية أخرى) عند الشيخين: (وذلك ضحى) أَي صلاة ضحى (ولمسلم) من
طريق أبي مرة عن أَم هانيء؛ (أن رسول اللَّه عَّهِ صلى في بيتها عام الفتح في ثوب واحد
قد خالف بين طرفيه) هو الاضطباع المعروف، وهذا اللفظ يؤيد الجمع المتقدم عن الحافظ:
(وللنسائي أنها ذهبت إِلى النبي عَِّ عام الفتح فوجدته يغتسل) تنظيفًا لما عليه من
الغبار، كما جاء في الحديث: فجاء وعلى وجهه وهج الغبار، فأمر فاطمة، أَو كان غسلاً شرعيًا
(وفاطمة بنته تستره بثوب) جملتان حاليتان، وفيه ستر المحارم عند الاغتسال وذلك حسن
(فسلمت عليه، فقال:) بعد رد السلام ولم يكره للعلم به (من هذه)؟) يدل علىٍ أَن الستر
كان كثيفًا وعلم أنها امرأة، لأن ذلك الموضع لا يدخل عليه فيه الرجال (فقلت: أَنَا أُم هانيء)
بنت أَبي طالب (فلما فرغ من غسله) بضم الغين (قام فصلى ثماني ركعات ملتحفًا في ثِب
واحد) وعجب من عزو المصنف، ذلك للنسائي فقط مع أنه في الصحيحين بهذا اللفظ (ولأبي

٢٢
الباب الخامس في ذكر صلاته عَّةِ الضحى
وقد استدل بحديث البخاري ومسلم على استحباب تخفيف صلاة
الضحى، وفيه نظر، لاحتمال أن يكون السبب فيه التفرغ لمهمات الفتح لكثرة
شغله به، وقد ثبت من فعله معَّهِ أنه صلى الضحى فطوّل فيها، أخرجه ابن أبي
شيبة من حديث حذيفة.
وأما حديث أم سلمة فرواه الحاكم من طريق إسحاق بن بشر المحاربي،
قالت: كان عَّه يصلي الضحى ثنتي عشرة ركعة.
قلت: وروي عن ابن جبير بن مطعم عن أبيه: أنه رأى النبي عَّه يصلي
الضحى ست ركعات. رواه الحاكم أيضًا.
وعن أنس بن مالك قال: رأيت رسول الله عَ لّهِ صلى في السفر سبحة
الضحى ثماني ركعات. رواه أحمد، وصححه ابن خزيمة والحاكم.
داود) عن كريب عن أُم هانيء؛ (أَن رسول اللَّه ◌ُّل يوم فتح مكة صلى سبحة الضحى)
بالإِضافة، أي صلى نافلتها (ثمان ركعات يسلم من كل ركعتين) فصلاها مفصولة.
(وقد استدل بحديث البخاري ومسلم) المذكور أولاً (على استحباب تخفيف صلاة
الضحى وفيه نظر) كما قال الحافظ (لاحتمال أن يكون السبب فيه التفرغ لمهمات الفتح
لكثرة شغله به، وقد ثبت من فعله عَلِ أنه صلى الضحى فطوّل فيها، أخرجه ابن أبي شيبة
من حديث حذيفة) بن اليمان. (وأما حديث أم سلمة فرواه الحاكم من طريق إسحق بن بشر
المحاربي) عنها (قالت: كان عَّةٍ يصلي الضحى ثنتي عشرة ركعة) ليس صريحًا أن
الجميع منوي به الضحى لجواز أن ما زاد على الثمان من النفل المطلق كما أومأ إليه الحافظ
بقوله: استدل بحديث أم هانيء على أن أكثر الضحى ثمان ركعات، ثم ذكر ما نقله المصنف
بعد قليل بقوله: واستبعده السبكي، إلى قوله: ففرق بين الأكثر والأفضل، ثم قال: ولا يتصوّر ذلك
إلا فيمن صلى الإثني عشرة بتسليمة واحدة، فأما من فصل فما زاد على الثمان يكون نفلاً مطلقًا
وتأتي عبارته.
(قلت: وروي) زيادة علي من عد الحاكم من الصحابة خمسة وهم: جبير وأنس وعلي
وأبو بكرة وجابر، فروي (عن ابن جبير بن مطعم) بن عدي النوفلي (عن أبيه أنه رأى
النبي ◌َّ﴾ يصلي الضحى) زاد في نسخ (ست ركعات، رواه الحاكم أيضًا) ففاته عده مع
كونه رواه. (وعن أنس بن مالك قال: رأيت رسول اللَّه عَّ صلى في السفر سبحة) أي:

٢٣
الباب الخامس في ذكر صلاته عَِّ الضحى
وعن علي: أن رسول الله عٍَّ كان يصلي من الضحى، رواه النسائي في
سننه الكبرى وأحمد وأبو يعلى، وإسناده جيد.
وعن ابن عمر أن رسول الله عَّله كان لا يصلي من الضحى إلا يومين، يوم
يقدم مكة ويوم يقدم المدينة
وعن أبي بكرة عند ابن عدي في الكامل من رواية عمرو بن عبيد عن
الحسن عن أبي بكرة قال: كان رسول الله عَلَّهِ يصلي الضحى، فجاء الحسن وهو
غلام فلما سجد ركب الحسن على ظهره. الحديث، وعمرو بن عبيد متروك.
وعن جابر بن عبد الله أن النبي عَِّ صلى الضحى ست ركعات رواه
الحاكم.
قال الشيخ ولي الدين العراقي: وقد ورد فيها أحاديث كثيرة صحيحة
مشهورة، حتى قال محمد بن جرير الطبري: أنها بلغت حد التواتر. قال ابن العربي:
صلاة (الضحى ثماني) بفتح الياء (ركعات رواه أحمد وصححه ابن خزيمة والحاكم، وعن
علي أن رسول اللَّه عَّةٍ كان يصلي من الضحى) من للتبعيض باعتبار الوقت، أي بعض
الضحى، أي وقته، أو أنها بمعنى في (رواه النسائي في سننه الكبرى) وليست هي إحدى الكتب
الستة. (وأحمد وأبو يعلى وإسناده جيد) أي مقبول.
(وعن ابن عمر أن رسول اللَّه عَلٍ كان لا يصلي من الضحى إلا يومين، يوم يقدم
مكة، ويوم يقدم المدينة) فليست صلاة الضحى إنما هي صلاة القدوم من السفر، وكان يقدم
ضحی لأنه نهى عن الطروق ليلاً.
(وعن أبي بكرة) نفيع بن الحارث (عند ابن عدي في الكامل من رواية عمرو) بفتح
العين (ابن عبيد) مصغر التميمي البصري المعتزلي المشهور (عن الحسن) البصري (عن أبي
بكرة قال: كان رسول اللَّه عٍَّ يصلي الضحى فجاء الحسن) بن علي (وهو غلام فلما
سجد) المصطفى (ركب الحسن على ظهره) أي ظهر جده (الحديث. وعمرو بن عبيد
متروك.) قال في التقريب: كان داعيًا إلى بدعته اتهمه جماعة مع أنه كان عابدًا.
(وعن جابر بن عبد اللَّه) رضي اللَّه عنهما (أن النبي ◌َّ صلى ست ركعات، رواه
الحاكم) والطبراني في الأوسط.
(قال الشيخ ولي الدين العراقي) أحمد الحافظ صاحب التصانيف العديدة المفيدة (وقد
ورد فيها أحاديث كثيرة صحيحة مشهورة حتى قال محمد بن جرير الطبري: أنها بلغت حد

٢٤
الباب الخامس في ذكر صلاته عَ ل الضحى
وهي كانت صلاة الأنبياء قبل محمد صلوات الله وسلامه عليه، قال الله تعالى
مخبرًا عن داود: ﴿إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق﴾ فأبقى الله
تعالى من ذلك في دين محمد ((العصر)) ونسخ صلاة الإشراق.
واحتج القائلون بالنفي بحديث عائشة: أن كان رسول الله عَّةٍ ليدع العمل
وهو يحب أن يعمل خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم - وما سبح
رسول الله عَّله سبحة الضحى قط، وإني لأسبحها، رواه البخاري ومسلم ومالك
التواتر. قال ابن العربي: وهي كانت صلاة الأنبياء قبل محمد صلوات الله وسلامه عليه،
قال اللَّه تعالى مخبرًا عن داود: ﴿إنا سخرنا الجبال معه يسبحن﴾﴾ [ص/١٨] بتسبيحه
(بالعشي) وقت صلاة العصر (﴿والإشراق)) [ص/١٨] وقت صلاة الضحى، وهي أن تشرق
الشمس ويتناهى ضوءها (فأبقى الله تعالى من ذلك في دين محمد) عَّة (العصر ونسخ
صلاة الإشراق) أي وجوبها. وفي نسخ بدل نسخ وتسبيح صلاة الإشراق، أي وأبقى تسبيح.
ومعلوم أن الإبقاء في العصر للوجوب، وفي الثاني للاستحباب. أخرج سعيد بن منصور عن
ابن عباس قال: طلبت صلاة الضحى في القرآن فوجدتها ههنا يسبحن بالعشي والإشراق.
وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: لم أر صلاة الضحى في موضع من القرآن إلا في
قوله: ﴿يسبحن بالعشي والإشراق﴾ [ص/١٨].
وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه عن ابن عباس قال: كنت أمر بهذه الآية فما
أدري ما هي حتى حدثتني أم هانيء أن النبي عَّهُ دخل عليها يوم الفتح فدعا بوضوء فتوضأ ثم
صلى الضحى ثم قال: ((يا أم هانيء هذه صلاة الإشراق)).
وروى ابن أبي شيبة والبيهقي عن ابن عباس قال: إن صلاة الضحى لفي القرآن وما يغوض
عليها إلا غواص في قوله تعالى: ﴿في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له
فيها بالغدوّ والآصال﴾ [النور/٣٦].
وروى الأصفهاني في الترغيب عن عوف العقيلي في قوله تعالى: ﴿إنه كان للأوّابين
غفورًا﴾ [الإسراء/٢٥]، قال: الذين يصلون الضحى. (واحتج القائلون بالنفي بحديث عائشة:
أن) محققة من الثقيلة أي أنه (كان رسول اللَّه ◌َّ ليدع العمل وهو يحب أن يعمل) بفتح
التحتية. وفي رواية: أن يعمله بالضمير (خشية) بالنصب، أي لأجل خشية (أن يعمل به الناس
فيفرض عليهم) يالنصب عطفًا على يعمل، وليس المراد تركه أصلاً، وقد فرض عليه، أو
استحب، بل ترك أمرهم أن يعملوا معه لما مر أنهم لما اجتمعوا في رمضان للتهجد معه لم
يخرج إليهم في الليلة الرابعة، ولا شك أنه صلى حزبه تلك الليلة. (وما سبح رسول اللَّه) إنما

٢٥
الباب الخامس في ذكر صلاته عَّ الضحى
وأبو داود.
وبحديث مورق العجلي قال: قلت لابن عمر، أتصلي الضحى؟ قال: لا،
قلت: فعمر؟ قال: لا، قلت: فأبو بكر قال: لا، قلت: فالنبيِ عَ لِ؟ قال: لا أخاله.
رواه البخاري.
وقوله: ((لا أخاله) أي لا أظنه، وهو بكسر الهمزة وتفتح أيضًا، والخاء
معجمة.
وقول الشعبي: سمعت ابن عمر يقول: ما ابتدع المسلمون أفضل من صلاة
الضحى.
وروى عن مجاهد قال: دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد، فإذا ابن عمر
قالت عند من عزاه لهم ما رأيت رسول اللَّه (عَّ) يصلي (سبحة الضحى قط) بضم السين، أي
نافلته، وأصلها من التسبيح خصت به النافلة لأنه في الفريضة نافلة، فقيل لصلاة النافلة سبحة
لأنها كالتسبيح في الفريضة (وإني لأسبحها) أي لأصليها، لأنه بلغها أن النبي عَّ صلاها. وفي
رواية: لأستحبها من الاستحباب، والروايتان لأصحاب الموطأ.
قال الحافظ: ولكل وجه، ولكن الأول يقتضي الفعل، والثاني لا يستلزمه (رواه البخاري)
من طريق مالك وابن أبي ذئب (ومسلم) من طريق مالك (ومالك) في الموطأ (وأبو داود) من
طريقه، ومالك وابن أبي ذئب عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة أنها قالت: ما رأيت
رسول اللَّه ◌ٍِّ يصلي سبحة الضحى قط، وإني لأُسبحها وإن كان رسول اللَّه عَّة ... الخ. فقدم
فيه المصنف وأخر وقال: ما سبح مع أن الذي قالته ما رأيته يصلي، وذلك ليس نفيًا مطلقًا فهذا
اختصار مخل. (و) احتجوا أيضًا (بحديث مورق) بفتح الواو وكسر الراء الثقيلة وبقاف، ابن
مشمرج بضم الميم وفتح المعجمة وسكون الميم وكسر الراء وجيم، ابن عبد اللَّه (العجلي) أبي
المعتمر البصري، ثقة عابد. مات بعد المائة وما له في البخاري عن ابن عمر سوى هذا الحديث.
(قال: قلت لابن عمر: أتصلي الضحى؟ قال: لا) أصليها (قلت: فعمر؟ قال: لا) أي لم يصلها
(قلت: فأبو بكر؟ قال: لا، قلت: فالنبيِ عَّ له؟ قال: لا أخاله) أي لا أظنه صلاها (رواه
البخاري) من إفراده عن مسلم.
(وقوله: لا أخاله، أي لا أظنه وهو بكسر الهمزة وتفتح أيضًا والخاء معجمة و) احتجوا
أيضًا بـ (ـقول الشعبي) عامر (سمعت ابن عمر يقول: ما ابتدع المسلمون أفضل من صلاة
الضحى) فسماها بدعة.

٢٦
الباب الخامس في ذكر صلاته عَّ الضحى
جالس عند حجرة عائشة، وإذا الناس في المسجد يصلون صلاة الضحى، فسألناه
عن صلاتهم فقال: بدعة.
وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن الحكم بن الأعرج قال: سألت ابن
عمر عن صلاة الضحى فقال: بدعة ونعمت البدعة.
وروى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن سالم عن أبيه قال: لقد قتل عثمان وما
أحد يسبحها، وما أحدث الناس شيئًا أحب إلي منها.
قلت: وقد جمع العلماء بين هذه الأحاديث، بأنه عَِّ كان لا يداوم على
صلاة الضحى مخافة أن تفرض على أمته فيعجزوا عنها، وكان يفعلها كما صرحت
به عائشة كما تقدم، وكما ذكرته أم هانىء وغيرها.
وقول عائشة: ((ما رأيته صلاها)) لا يخالف قولها: ((كان يصليها)) لأنه عَ ◌ّه
كان لا يكون عندها في وقت الضحى إلا في النادر من الأوقات، لأنه قد يكون
مسافرًا، وقد يكون حاضرًا، وفي الحضر قد يكون في المسجد، وقد يكون في
(وروى) عنه سعيد بن منصور بإسناد صحيح (عن مجاهد قال: دخلت أنا وعروة بن
الزبير المسجد فإذا ابن عمر جالس عند حجرة عائشة، وإذا الناس في المسجد يصلون
صلاة الضحى فسألناه عن صلاتهم فقال: بدعة) أي حسنة، بدليل ما قبله وما بعده، ويأتي
للمصنف قريبا ثلاث محامل في تسميتها بدعة.
(وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن الحكم بن) عبد الله بن إسحق بن (الأعرج)
فنسب لجد أبيه البصري ثقة من رجال مسلم. (قال: سألت ابن عمر عن صلاة الضحى فقال:
بدعة) حسنة لقوله (ونعمت البدعة) لأنها تجمع المحاسن كلها.
(وروى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن سالم، عن أبيه قال: لقد قتل عثمان وما أحد
يسبحها) أي يصلي الضحى (وما أحدث الناس شيئًا أحب إليّ منها) لأنها عبادة (قلت: وقد
جمع العلماء بين هذه الأحاديث) بالنفي والإثبات (بأنه عٍَّ كان لا يداوم على صلاة
الضحى مخافة أن تفرض على أمته فيعجزوا عنها) بكسر الجيم مضارع عجز يفتحها (وكان
يفعلها كما صرحت به عائشة كما تقدم، وكما ذكرته أم هانيء) وحديثها أصح شيء ورد في
الباب كما نقله الترمذي عن أحمد (وغيرها) من الصحابة الذين عدهم آنفًا. (وقول عائشة:
ما رأيته صلاها لا يخالف قولها كان يصليها) أربعًا ويزيد ما شاء اللَّه (لأنه عَِّ كان لا يكون
عندها في وقت الضحى إلا في النادر من الأوقات، لأنه قد يكون مسافرًا، وقد يكون

٢٧
الباب الخامس في ذكر صلاته عَّةِ الضحى
بيت من بيوت زوجاته، أو غيرها وما رأته صلاها في تلك الأوقات النادرة، فقالت:
ما رأيته، وعلمت بغير رؤية أنه كان يصليها بإخباره عَ لِ أو بإخبار غيره، فروت
ذلك.
وقول ابن عمر: ((لا أخاله)) توقف، وكأن سبب توقفه أنه بلغه عن غيره أنه
صلاها ولم يثق بذلك عمن ذكره.
وأما قوله: ((إنها بدعة) فمؤول على أنه لم يبلغه الأحاديث المذكورة، أو أنه
أراد أنه عَّمِ لم يداوم عليها، أو أن إظهارها في المساجد ونحوها بدعة، وإنما
سنته النافلة في البيوت والله أعلم.
وبالجملة: فليس في أحاديث ابن عمر هذه ما يدفع مشروعية صلاة
الضحى، لأن نفيه محمول رؤيته، لا على عدم الوقوع في نفس الأمر، أو الذي
نفاه صفة مخصوصة كما قدمناه. وقد روى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود أنه رأى
قومًا يصلونها فأنكر عليهم وقال: إن كان ولا بد ففي بيوتكم.
حاضرًا، وفي الحضر قد يكون في المسجد، وقد يكون في بيت من بيوت زوجاته أو
غيرها، وما رأته صلاها في تلك الأوقات النادرة، فقالت: ما رأيته) فإنما نفت رؤيتها (وعلمت
بغير رؤية أنه كان يصليها) إما (بإخباره عَّةٍ) لها (أو بإخبار غيره، فروت ذلك) جزمًا عند
مسلم، وحاصله أنها أخبرت في الإنكار عن مشاهدتها، وفي الإثبات عن غيرها. (وقول
ابن عمر: لا أخاله توقف) منه لأنه لم يجزم عنه بفعل ولا بترك (وكأن سبب توقفه أنه بلغه عن
غيره أنه صلاها ولم يثق بذلك عمن ذكره) وقد جاء عنه الجزم بأنها محدثة. فروى سعيد بن
منصور عن مجاهد عن ابن عمر أنها محدثة، وأنها لمن أحسن ما أحدثوا، كما في الفتح ناقلاً
فيه ما قدمه المصنف قبل ذكر الجمع، لأنه كله فيه الجزم بأنها محدثة.
(وأما قوله: إنها بدعة، فمؤوّل على أنه لم يبلغه الأحاديث المذكورة) إذ لو بلغته لم
يسعه قول ذلك (أو أنه أراد أنه عَّةٍ لم يداوم عليها) فسمى المداومة عليها بدعة (أو أن
إظهارها في المساجد ونحوها بدعة، وإنما سنته النافلة في البيوت، واللَّه أعلم) بما أراد
(وبالجملة فليس في أحاديث ابن عمر هذه ما يدفع مشروعية صلاة الضحى، لأن نفيه
محمول على رؤيته لا على عدم الوقوع في نفس الأمر) فيقدم عليه رواته من أثبت على
القاعدة (أو الذي نفاه صفة مخصوصة) من المداومة أو الإظهار (كما قدمناه) قريبًا جدًا.
(وقد روى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود أنه رأى قومًا يصلونها فأنكر عليهم) صلاتها

٢٨
الباب الخامس في ذكر صلاته عَّةِ الضحى
وذهب آخرون إلى استحباب فعلها غبًا، فتصلى في بعض الأيام دون بعض،
وكان ابن عباس يصليها يومًا ويدعها عشرة أيام.
وذهب آخرون: إلى أنها إنما تفعل لسبب من الأسباب، وأنه عليه الصلاة
والسلام إنما صلاها يوم الفتح من أجل الفتح، وكان الأمراء يسمونها صلاة الفتح.
متمسكين بما قاله القاضي عياض وغيره: أن حديث أم هانىء ليس بظاهر في أنه
عليه الصلاة والسلام قصد سنة الضحى، وإنما فيه أنها أخبرت عن وقت صلاته،
قال: وقد قيل إنها كانت قضاء عما شغل عنه تلك الليلة من حزبه فيها.
وتعقبه النووي: بأن الصواب صحة الاستدلال به، لما رواه أبو داود من
طريق كريب عن أم هانىء أنه عَّهِ صلى سبحة الضحى. ولمسلم: في كتاب
الطهارة من طريق أبي مرة عن أم هانىء في قصة اغتساله عَ له يوم الفتح، ثم صلى
بين الناس (وقال: إن كان ولا بد ففي بيوتكم) صلوها، وهذا يؤيد التأويل المذكور كما في
الفتح. (وذهب آخرون إلى استحباب فعلها غبًا) بالكسر وقتًا بعد وقت كما قال (فتصلى في
بعض الأيام دون بعض) بحيث لا يواظب عليها. (وكان ابن عباس يصليها يومًا ويدعها عشرة
أيام) الذي في الفتح عن ابن عباس كان يصليها عشرًا ويدعها عشرًا. وقال الثوري عن منصور:
كان يكرهون المحافظة عليها كالمكتوبة. وعن سعيد بن جبير: إني لأُدعها وأنا أحبها مخافة
أن أراها حتمًا عليّ، انتهى. وتجويز أن ابن عباس كان يظهر فعلها يومًا ويترك إظهاره عشرة
أيام بعيد.
(وذهب آخرون إلى أنها إنما تفعل لسبب من الأسباب) واحتجوا بأنه عَّةِ لم يفعلها إلا
لسبب، فاتفق وقوعها وقت الضحى وتعددت الأسباب فصلاها يوم بشر برأس أبي جهل شكرًا.
وفي بيت عتبان إجابة لدعوته، وإذا قدم من سفر للقدوم (وأنه عليه الصلاة والسلام إنما صلاها
يوم الفتح) لمكة (من أجل الفتح) شكرًا عليه (وكان الأمراء يسمونها صلاة الفتح) وأن سنة
الفتح أن تصلى ثمان ركعات، ونقله الطبري عن فعل خالد بن الوليد لما فتح الحيرة (متمسكين
بما قاله القاضي عياض وغيره أن حديث أم هانيء ليس بظاهر في أنه عليه الصلاة والسلام
قصد سنة الضحى، وإنما فيه أنها أخبرت عن وقت صلاته) بقولها: وذلك ضحى.
(قال) عياض: (وقد قيل: إنها كانت قضاء عما شغل عنه تلك الليلة من حزبه) أي
ورده الذي كان يصليه (فيها) باشتغاله بالفتح (وتعقبه النووي بأن الصواب صحة الاستدلال به)
أي بحديث أم هانيء (لما رواه أبو داود) بإسناد صحيح (من طريق كريب عن أم هانيء أنه
-عَّ صلى سبحة الضحى) أي نافلته (ولمسلم في كتاب الطهارة من طريق أبي مرة) بضم

٢٩
الباب الخامس في ذكر صلاته عَ له الضحى
ثمانٍ ركعات سبحة الضحى. وروى ابن عبد البر في (التمهيد)) من طريق عكرمة بن
خالد عن أم هانىء قالت: قدم رسول الله عَّه مكة فصلى ثماني ركعات، فقلت:
ما هذه الصلاة؟ قال: هذه صلاة الضحى.
واستدل به على أن أكثر الضحى ثمان ركعات.
واستبعده السبكي. ووجّه بأن الأصل في العبادة التوقف، وهذا أكثر ما ورد
من فعله عليه السلام. وقد ورد من فعله دون ذلك كحديث ابن أبي أوفى: أنه
عليه الصلاة والسلام صلى الضحى ركعتين، أخرجه ابن عدي.
وأما ما ورد من قوله عليه الصلاة والسلام مما فيه زيادة على ذلك كحديث
أنس مرفوعًا: ((من صلى الضحى ثنتي عشرة ركعة بنى الله له قصراً في الجنة))
الميم وشد الراء (عن أم هانيء في قصة اغتساله عَّةٍ يوم الفتح) لمكة (ثم صلى ثماني)
بفتح الياء (ركعات سبحة الضحى.) فالتصريح في هاتين الطريقين بسبحة الضحى، يعين أن قوله
في تلك الطريق وذلك ضحى، أي صلاته، لا الإخبار عن الوقت لأن الحديث يفسر بعضه بعضًا
لا سيما مع اتحاد المخرج وهو حديث واحد.
(وروى ابن عبد البر في التمهيد) لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (من طريق
عكرمة بن خالد) بنِ العاصي بن هشام المخزومي ثقة من رجال الصحيحين (عن أم هانيء
قالت: قدم رسول اللَّه عَّةٍ مكة فصلى ثمان ركعات، فقلت: ما هذه الصلاة؟ قال: ((هذه
صلاة الضحى)) فهذا نص صريح لا يقبل التأويل. (واستدل به على أن أكثر الضحى ثمان
ركعات) وهو المرجح عند الشافعية والمالكية (واستبعده السبكي) لأنه مجرد فعل لا دلالة فيه
على أن الثمان أكثرها (و) لكن (وجه بأن الأصل في العبادة التوقف) بأن يقتصر على الوارد ولا
يتجاوزه إلى غيره إلا بدليل (وهذا أكثر ما ورد من فعائه عليه السلام) فلا يزاد عليه، وما ورد
عن أم سادمة أنه عٍَّ كان يصلي الضحى ثنتي عشرة ركعة ليس فيه أن الجميع نوى به
الضحى، فيجوز أن الزائد نفل مطلق كما مر. (وقد ورد من فعله دون ذلك كحديث ابن أبي
أوفى أنه عليه الصلاة والسلام صلى الضحى ركعتين، أخرجه ابن عدي) ومثله في حديث
عتبات، وحديث عائشة: كان يصلي أربعًا، وحديث جابر: أنه صلى الضحى ست ركعات. (وأما
ما ورد من قوله عليه الصلاة والسلام مما فيه زيادة على ذلك كحديث أنس مرفوعًا: ((من
صلى الضحى ثنتي عشرة ركعة بنى اللَّه له قصرًا في الجنة) من ذهب)) كما هو بقية
الحديث ..

٣٠
الباب الخامس في ذكر صلاته عَ للِ الضحى
أخرجه الترمذي واستغربه وليس في إسناده من أطلق عليه الضعف. ومن ثم قال
الروياني: ومن تبعه أكثرها ثنتا عشرة ركعة.
فقال النووي في شرح المهذب: فيه حديث ضعيف، كأنه يشير إلى حديث
أنس، لكن إذا ضم إليه حديث أبي الدرداء رفعه، وفيه ((ومن صلى ثنتي عشرة
ركعة بنى الله له بيتا في الجنة)) رواه الطبراني. وحديث أبي ذر عن البزار، وفي
إسناده ضعف أيضًا، قوى وصلح للاحتجاج به.
ونقل الترمذي عن أحمد: أن أصح شيء ورد في الباب حديث أم هانىء،
وهو كما قال، ولهذا قال النووي في الروضة: أفضلها ثمان، وأكثرها ثنتا عشرة،
ففرق بين الأكثر والأفضل.
قال الزين العراقي: يحتمل أن الضحى مفعول ((صلى))، وقوله: ثنتي عشرة، بدل، وأن
يكون الضحى ظرفًا، أي من صلى وقت الضحى (أخرجه الترمذي) وابن ماجه (واستغربه)
الترمذي (و) لكن (ليس في إسناده من أطلق عليه الضعف) فيصلح للحجة وإن كان غريبًا
لأن الغرابة لا تستلزم الضعف. (ومن ثم قال الروياني ومن تبعه أكثرها اثنتا عشرة) ركعة.
(فقال النووي في شرح المهذب) جواب قوله وأما ما ورد من قوله (فيه حديث
ضعيف) فلا يعارض ما دل عليه الحديث الصحيح أن أكثرها ثمان (كأنه) أي النووي (يشير إلى
حديث أنس) المذكور (لكن إذا ضم إليه حديث أبي الدرداء رفعه) أي قال: قال عَ له: ((من
صلى الضحى ركعتين لم يكتب من الغافلين، ومن صلى أربعًا كتب من القانتين، ومن صلى ستًا
كفى ذلك اليوم، ومن صلى ثمانيًا كتب من العابدين)). (وفيه) عقب هذا ((ومن صلى ثنتي
عشرة ركعة بنى الله له بيتا في الجنة)) رواه الطبراني).
قال الحافظ: وفي إسناده ضعف أيضًا (و) له شاهد وهو (حديث أبي ذر عن البزار،
وفي إسناده ضعف أيضًا قوي وصلح للاحتجاج به) جواب ((إذا)) في قوله لكن إذا ضم وليس
جوابها قوله رفعه كما توهمه جاهل لأنه في موضع الصفة الحديث، والجواب أنه وإن صلح
للحجية لكن احتمال أن الضحى ظرف قدح في الاستدلال به فمن ثم لم يقل به الجمهور.
(ونقل الترمذي عن أحمد إن أصح شيء) أي حديث (ورد في الباب) أي باب صلاة الضحى
(حديث أم هانيء وهو كما قال) لأنه متفق عليه. (ولهذا قال النووي في الروضة: أفضلها
ثمان) لصحة حديثه (وأكثرها ثنتا عشرة) عملاً بحديث أنس (ففرق بين الأكثر والأفضل).
قال الحافظ: ولا يتصوّر ذلك إلا فيمن صلى الاثنتي عشرة ركعة بتسليمة واحدة فإنها

٣١
الباب الخامس في ذكر صلاته عَِّ الضحى
وأجاب القائلون بأنها لا تفعل إلا بسبب عن قول أبي هريرة المروي في
البخاري أوصاني خليلي عَّه بثلاث، لا أدعهن حتى أموت، صوم ثلاثة أيام من
كل شهر وصلاة الضحى الحديث، بأنه قد روي أن أبا هريرة كان يختار درس
تقع نفلاً مطلقًا عند من يقول: إن أكثر سنة الضحى ثمان ركعات، فأما من فصل فإنه يكون
صلى الضحى، وما زاد على الثمان يكون نفلاً مطلقًا، فتكون صلاة اثنتي عشرة في حقه أفضل
من ثمان لكونه أتى بالأفضل، وزاد وقد ذهب قوم منهم أبو جعفر الطبري، وبه جزم الحليمي
والروياني من الشافعية أنه لا حد لأكثرها.
وروي عن إبراهيم النخعي قال: سأل رجل الأسود بن يزيد كم أصلي الضحى؟ قال: كم
شئت. وحديث عائشة كان يصلي الضحى أربعًا ويزيد ما شاء اللَّه، هذا الإطلاق قد يحمل على
التقييد، فيؤكد أن أكثرها اثنتا عشرة. وذهب آخرون إلى أن أفضلها أربع ركعات، حكاه الحاكم
في كتابه المفرد في صلاة الضحى عن جماعة من أئمة الحديث لكثرة الأحاديث الواردة في
ذلك كحديث عائشة المذكور. وحديث الترمذي عن أبي الدرداء وأبي ذر مرفوعًا عن اللَّه تعالى:
(ابن آدم اركع لي أربع ركعات من أول النهار أكفك آخره)). وحديث نعيم بن همار عند النسائي
وأبي أمامة وعبد الله بن عمرو والنواس بن سمعان عند الطبري، وعقبة بن عامر وأبي مرة الطائفي
عند أحمد؛ كلهم بنحوه. وحديث أبي موسى رفعه من صلى الضحى أربعًا بنى اللَّه له بيتًا في
الجنة، أخرجه الطبراني في الأوسط. وحديث أبي أمامة مرفوعًا: «أتدرون قوله: ﴿وإبراهيم الذي
وفى﴾ [النجم/٣٧]، قال: ((وفي عمل يومه بأربع ركعات الضحى))، أخرجه الحاكم انتهى.
(وأجاب القائلون: بأنها لا تفعل إلا بسبب) كشكر على فتح ونحوه (عن قول أبي
هريرة المروي في البخاري) في الصلاة والصوم ومسلم والنسائي في الصلاة. (أوصاني
خليلي عَّه) صديقي الخالص الذي تخللت صحبته قلبي فصارت في خلاله، أي باطنه ولا
يعارضه حديث: لو كنت متخذًا خليلاً غير ربي لاتخذت أبا بكر، لأن الممتنع أن يتخذ
هو عَِّ خليلاً لا أن غيره يتخذه خليلاً، ولا يقال المخاللة تكون من الجانبين لأنا نقول إنما نظر
الصحابي إلى أحد الجانبين فأطلق ذلك، أو لعله أراد مجرد الصحبة أو المحبة (بثلاث لا
أدعهن حتى أموت) يحتمل أنه من جملة الوصية، أي: وأوصاني أن لا أدعهن، ويحتمل أنه من
أخبار الصحابي عن نفسه (صوم ثلاثة أيام) بالخفض، بدل من قوله بثلاث، ويجوز الرفع خبر
مبتدأ محذوف (من كل شهر) الذي يظهر لي أنها البيض، ويأتي تفسيرها في كتاب الصوم
(وصلاة الضحى) زاد أحمد كل يوم، وللبخاري في الصوم، ومسلم هنا وركعتي الضحى.
قال ابن دقيق العيد: ذكر الأقل الذي يوجد التأكيد بفعله، وفيه استحباب صلاة الضحى
وإن أقلها ركعتان وعدم مواظبة النبي عَّم على فعلها لا ينافي ندبها لأنه حاصل بدلالة القول

٣٢
الباب الخامس في ذكر صلاته عَّةِ الضحى
الحديث بالليل على الصلاة، فأمره بالضحى بدلاً عن قيام الليل، ولهذا أمره أن لا
ينام إلا على وتر، ولم يأمر بذلك أبا بكر ولا عمر ولا سائر الصحابة. انتهى.
قال الحافظ ابن حجر: وهذه الوصية لأبي هريرة قد ورد مثلها لأبي الدرداء
فيما رواه مسلم، ولأبي ذر فيما رواه النسائي، قال: والحكمة في الوصية على
المحافظة على ذلك تمرين النفس على جنس الصلاة والصيام ليدخل في الواجب
منهما بانشراح، ولينجبر ما لعله يقع من نقص.
ومن فوائد صلاة الضحى أنها تجزى عن الصدقة التي تصبح على مفاصل
الإنسان ثلثمائة وستون مفصلاً، كما أخرجه مسلم من حديث أبي ذر، قال فيه:
ويجزي من ذلك ركعتا الضحى.
وليس من شرط الحكم أن يتظافر عليه أدلة القول والفعل لكن ما واظب عَ لّه على فعله مرجح
على ما لم يواظب عليه، قاله كله الحافظ (الحديث) تتمته: ونوم على وتر، وللبخاري في الصوم
ومسلم هنا: وأن أوتر قبل أن أنام فيه، ندب تقديم الوتر على النوم، وذلك في حق من لم يثق
بالاستيقاظ، ويتناول من يصلي بين النومين (بأنه قد روي أن أبا هريرة كان يختار درس الحديث
بالليل على الصلاة فأمره بالضحى بدلاً عن قيام الليل) فإنما هو لسبب (ولهذا أمره أن لا ينام إلا
على وتر، ولم يأمر بذلك أبا بكر ولا عمر ولا سائر) أي باقي (الصحابة، انتهى) الجواب.
(قال الحافظ ابن حجر: وهذه الوصية لأبي هريرة قد ورد مثلها لأبي الدرداء فيما
رواه مسلم.) قال: ((أوصاني حبيبي عَ ل بثلاث لا أدعهن ما عشت بصيام ثلاثة أيام من كل
شهر وصلاة الضحى وبأن لا أنام حتى أوتر)) (ولأبي ذر فيما رواه النسائي قال) الحافظ:
(والحكمة في الوصية على المحافظة على ذلك تمرين النفس على جنس الصلاة والصيام
ليدخل في الواجب منهما بانشراح ولينجبر ما لعله يقع من نقص) لم يعلم به (ومن فوائد
صلاة الضحى أنها تجزي) بفتح التحتية من جزى وضمها من أجزأ، أي يكفي (عن الصدقة
التي تصبح على مفاصل الإنسان ثلاثمائة) كذا في النسخ، ولفظ الفتح وهي ثلاثمائة وهو
واضح وعلى سقوطها فهو خبر مبتدأ محذوف، أي هي ويقع في بعض النسخ الثلاثمائة بزيادة
أل، وفي جوازه كلام مذكور في النحو (وستون مفصلاً كما أخرجه مسلم من حديث أبي ذر)
عن النبي ◌َّه أنه قال: ((يصبح على كل سلامي صدقة فكل تسبيحة صدقة وكل تحميدة صدقة
وكل تهليلة صدقة وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن المنكر صدقة)). (قال فيه) عقب هذا
(ويجزي) ضبطه المصنف بفتح الياء وضمها (من ذلك) أي عن تلك الصدقات (ركعتا

٣٣
الباب الخامس في ذكر صلاته عَّهِ الضحى
وقد ذكر أصحابنا الشافعية أنها أفضل التطوع بعد الرواتب، لكن النووي في
شرح المهذب قدم عليها صلاة التراويح فجعلها في الفضل بين الرواتب والضحى.
وحكى الحافظ أبو الفضل عبد الرحيم العراقي في شرح الترمذي: أنه اشتهر
بين العوام أن من صلى الضحى ثم قطعها يعمى، فصار كثير من الناس يتركها
أصلاً لذلك، وليس لما قالوه أصل، بل الظاهر أنه مما ألقاه الشيطان على ألسنة
العوام ليحرمهم الخير الكثير، لا سيما مع ما وقع في حديث أبي ذر واقتصر في
الوصية للثلاثة المذكورين على الثلاثة المذكورة في الحديث، لأن الصلاة والصيام
أشرف العبادات البدنية، ولم يكن المذكورون من أصحاب الأموال فكان يجزيهم
ذلك من الصدقة عن السلامي، كما في الحديث والله أعلم.
الضحى) لفظ مسلم ركعتان يركعهما من الضحى، أي لأن الصلاة عمل بجميع أعضاء البدن
فإذا صلى فقد قام كل عضو بوظيفته التي عليه في الأصل، وفيه بيان عظيم فضل صلاة الضحى
وجسيم أجرها، وفيه أن العبد لم يوجب على اللَّه شيئًا من الثواب بعمله، لأن أعماله كلها لو
قوبلت بإزاء ما وجب عليه من الشكر على عضو واحد لم تف به. (وقد ذكر أصحابنا الشافعية
أنها أفضل التطوّع بعد الرواتب، لكن النووي في شرح المهذب قدم عليها صلاة التراويح
فجعلها في الفضل بين الرواتب والضحى) وهو المعتمد عندهم.
(وحكى الحافظ أبو الفضل عبد الرحيم العراقي في شرح الترمذي أنه اشتهر بين
العوام أن من صلى الضحى ثم قطعها يعمى فصار كثير من الناس يتركها أصلاً لذلك)
الخوف العمى إن قطعها (وليس لما قالوه أصل) في حديث ولا أثر (بل الظاهر أنه مما ألقاه
الشيطان على ألسنة العوام ليحرمهم الخير الكثير) الحاصل لمن صلى الضحى (لا سيما مع
ما وقع في حديث أبي ذر) من أجزائها عن صدقات المفاصل واستعمل لا سيما بلا واو على
قول من أجازه مستدلاً بقول الشاعر:
في بالعقود وبالإيمان لا سيما عقد وفاء به من أعظم القرب
فخففها وحذف الواو وفي الغنى وغيره عن ثعلب من استعملها على خلاف قوله:
ولا سيما يوم بدارة جلجل
فهو مخطىء (واقتصر في الوصية للثلاثة المذكورين) أبي هريرة وأبي الدرداء وأبي ذر
(على الثلاثة المذكورة في الحديث) الصوم والضحى والوتر قبل النوم، (لأن الصلاة والصيام
أشرف العبادات البدنية ولم يكن) الثلاثة (المذكورون من أصحاب الأموال فكان يجزيهم
ذلك من الصدقة) فحواه أن الغني لا يجزيه الضحى وبه صرح بعضهم (عن السلامي) بضم

٣٤
الباب الخامس في ذكر صلاته عَّ الضحى
وروى الحاكم من طريق أبي الخير عن عقبة بن عامر قال: أمرنا
رسول الله عٍَّ أن نصلي الضحى بسور منها: ﴿والشمس وضحاها﴾ و﴿الضحى
والليل﴾ ومناسبة ذلك ظاهرة جدًا والله أعلم.
تنبيه: قال شيخ الإسلام ابن حجر: قول عائشة في الصحيح ((ما رأيت
رسول الله عَّهُ يسبح سبحة الضحى)) يدل على ضعف ما روي عنه عَّ له أن صلاة
الضحى كانت واجبة عليه. وقد عدها جماعة من العلماء من خصائضه عَّه. ولم
يثبت ذلك في خبر صحيح.
وقول الماوردي في ((الحاوي)) إنه عَُّ واظب عليها بعد يوم الفتح إلى أن
مات. يعكر عليه ما رواه مسلم في حديث أم هانىء: ((أنه لم يصلها قبل ولا بعد))
ولا يقال: إن نفي أم هانىء لذلك يلزم منه العدم، لأنا نقول: يحتاج من أثبته إلى
المهملة وفتح اللام والميم مخففًا، جمع سلامية، وهي الأنامل من أنملة الأصابع، وقيل واحده
وجمعه سواء، ويجمع على سلاميات وهي التي بين كل مفصلين من أصابع الإنسان، وقيل هي
كل عظم مجوف من صغار العظم، وقيل هي في الأصل عظام الأصابع والأكف والأرجل، ثم
استعمل في سائر عظام الجسد، قاله المصنف في شرح مسلم (كما في الحديث) السابق. زاد
الحافظ: وخصت الصلاة بشيئين لأنها تقع ليلاً ونهارًا بخلاف الصيام (والله أعلم) بمراد رسوله.
(وروى الحاكم من طريق أبي الخير) مرثد، براء ساكنة فمثلثة، ابن عبد الله المصري
(عن عقبة بن عامر قال: أمرنا رسول اللَّه عَّةِ أن نصلي الضحى بسور منها ﴿والشمس
وضحاها﴾ ﴿والضحى والليل﴾ ومناسبة ذلك ظاهرة جدًا والله أعلم).
(تنبيه قال شيخ الإسلام ابن حجر) الحافظ من العلماء (قول عائشة في الصحيح:
ما رأيت رسول اللَّه عَ لّه يسبح سبحة الضحى يدل على ضعف ما روي عنه عَّة أن صلاة الضحى
كانت واجبة عليه و) لذلك (قد عدها جماعة من العلماء من خصائصه ولم يثبت ذلك في
خبر صحيح) وخبر: ((ثلاث هن عليّ فرائض ولكم تطوّع النحر والوتر وركعتا الضحى))، رواه
البيهقي وضعفه هو وغيره ويؤخذ منه لو صح أن الواجب عليه أقله ركعتان (وقول الماوردي في
الحاوي) كتاب له في الفقه (أنه عَّ واظب عليها بعد يوم الفتح إلى أن مات يعكر عليه
ما رواه مسلم في حديث أم هانيء أنه لم يصلها قبل ولا بعد) لكن لفظ مسلم عن عبد اللَّه
بن الحرث عن أم هانيء في آخر الحديث قالت: فلم أره سبحها قبل ولا بعد فإنما نفت رؤيتها (ولا
يقال أن نفي أم هانيء لذلك يلزم منه العدم) أي عدم صلاته إياها في غير يوم الفتح (لأنا

٣٥
الباب الخامس في ذكر صلاته عَ الضحى
دليل، ولو وجد لم يكن حجة، لأن عائشة ذكرت أنه كان إذا عمل عملاً أثبته،
فلا تستلزم المواظبة على هذا الوجوب عليه، انتهى.
وقال ابن العربي في ((عارضة الأحوذي)): أنا أبو الحسن الأزدي أنا طاهر، أنا
علي، قال: أخبرنا أبو العباس عبد الله بن عبد الرحمن العسكري، قال: أنبأنا الحسين
الختني، أخبرنا أبو غسان أنبأنا قيس عن جابر عن عكرمة عن ابن عباس قال قال
رسول الله عَّله: ((كتب علي النحر ولم يكتب عليكم وأمرت بصلاة الضحى ولم
تؤمروا بها)). رواه الدارقطني.
نقول يحتاج من أثبته إلى دليل، ولو وجد لم يكن حجة لأن عائشة ذكرت أنه) عَ بٍّ (كان
إذا عمل عملاً أثبته) أي واظب عليه (فلا تستلزم المواظبة) المداومة (على هذا) الذي قالته
عائشة (الوجوب عليه، انتهى) كلام الحافظ.
(قال ابن العربي) الحافظ أبو بكر محمد (في عارضة الأحوذي) على كتاب الترمذي.
قال ابن خلكان: العارضة القدرة على الكلام والأحوذي - بفتح الهمزة وسكون المهملة وفتح
الواو وكسر المعجمة وتحتية مشددة - الخفيف في الشيء لحذقه. وقال الأصمعي: الأحوذي
المشمر في الأمور القاهر لها لا يشذ عليه منها شيء. (أنا) اختصار لا خبر (أبو الحسن) وفي
نسخة أبو الخير (الأزدي:) قال (أنا طاهر) قال (أنا علي)
(قال: أخبرنا أبو العباس عبد اللَّه بن عبد الرحمن العسكري قال: أنبأنا الحسين
الختني) بضم المعجمة وفتح الفوقية خفيفة وبعضهم يشددها، نسبة إلى ختن من بلاد الترك.
قال: (أخبرنا أبو غسان) قال: (أنبأنا قيس عن جابر) بن يزيد الجعفي ضعيف رافضي (عن
عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه عَّهِ: كتب) أي فرض (عليّ النحر ولم يكتب
عليكم) أي لم يفرض فلا ينافي ندبه (وأمرت بصلاة الضحى) أمر إيجاب بدليل قوله (ولم
تؤمروا بها) وجوبًا بل استحبابًا (ورواه الدارقطني) وأحمد وهو ضعيف من جميع طرقه،
وصححه الحاكم فذهل، قاله الحافظ.

٣٦
القِسْمُ الثّاني في صلاته عَِّ النوافل وأحكامها
القِسمُ الثّاني
في صلاته عَلَّةُ النوافل وأحكامها
وفيه بابان:
الأول في النوافل المقرونة بالأوقات
وفيه فصلان:
الفصل الأول
في رواتب الصلوات الخمس والجمعة وفيه فروع سبعة
الأول في أحاديث جامعة لرواتب مشتركة
عن نافع عن ابن عمر: أن رسول الله عَّه كان يصلي قبل الظهر، ركعتين،
وبعدها ركعتين، وبعد المغرب ركعتين في بيته، وبعد صلاة العشاء ركعتين، وكان
لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف فيصلي في بيته ركعتين. قال: وأخبرتني
حفصة أن رسول الله عَّةٍ كان إذا سكت المؤذن من الأذان لصلاة الصبح، وبدا له
(القسم الثاني في صلاته عَّ النوافل وأحكامها) كمواظبة وسر وجهر وتطويل
وتخفيف. (وفيه بابان: الأول: في النوافل المقرونة بالأوقات، وفيه فصلان، الفصل الأول:
في رواتب الصلوات الخمس والجمعة، وفيه فروع سبعة الأول: في أحاديث جامعة لرواتب
مشتركة: عن نافع عن ابن عمر أن رسول اللَّه عَ لَّه كان يصلي قبل الظهر ركعتين وبعدها
ركعتين وبعد المغرب ركعتين في بيته) يرجع للمغرب. قال الحافظ: فيه أن نوافل الليل في
البيت أفضل من المسجد بخلاف رواتب النهار. وحكى ذلك عن مالك والثوري وفيه نظر،
والظاهر أنه لم يقع عن عمد وإنما كان عَّ يتشاغل بالناس في النهار غالبًا وبالليل يكون في بيته
انتهى. (وبعد صلاة العشاء ركعتين) زاد ابن وهب وجماعة من رواة الموطأ في بيته (وكان
لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف فيصلي في بيته ركعتين) لفظ البخاري كالموطأ
فيصلي ركعتين.
قال المصنف حتى ينصرف من المسجد إلى بيته فيصلي فيه ركعتين انتهى. نعم رواه
يحيى بن بكير في الموطأ في بيته، وإنما النزاع في عزوه للبخاري وإن كان المعنى في بيته.
(قال) ابن عمر. (وأخبرتني حفصة) أخته أم المؤمنين (أن رسول اللَّه عَّم كان إذا سكت
المؤذن من الأذان لصلاة الصبح وبدا له الصبح) أي ظهر واستنار (صلى ركعتين خفيفتين)

٣٧
الفصل الأول في رواتب الصلوات الخمس والجمعة/ الفرع الأول
الصبح صلى ركعتين خفيفتين قبل أن تقام الصلاة. رواه البخاري.
فهذه عشر ركعات، لأن الركعتين بعد الجمعة لا يجتمعان مع الركعتين بعد
الظهر، إلا لعارض، بأن يصلي الجمعة وسنتها التي بعدها، ثم يتبين له فسادها
فيصلي الظهر ويصلي بعدها سنتها كما نبه عليه الشيخ ولي الدين العراقي.
واختلف في دلالة لفظ ((كان)) على التكرار، وصحح ابن الحاجب أنها تقتضيه،
قال: وهذا استفدناه من قولهم: كان حاتم يقري الضيف، وصحح الإمام فخر الدين
في ((المحصول)) أنها لا تقتضيه، لا لغة ولا عرفًا، وقال النووي في شرح مسلم،
هما ركعتا الفجر (قبل أن تقام الصلاة، رواه البخاري) في الجمعة عن عبد اللَّه بن يوسف عن
مالك عن نافع بدون قوله وأخبرتني حفصة .. الخ، فرواه بعد ذلك في أبواب التطوّع من طريق
عبيد اللّه عن نافع عن ابن عمر قال: صليت مع النبي عٌَّ سجدتين قبل الظهر، وسجدتين بعد
الظهر، وسجدتين بعد العشاء، وسجدتين بعد الجمعة، فأما المغرب والعشاء ففي بيته. وحدثتني
حفصة أنه كان يصلي ركعتين خفيفتين بعدما يطلع الفجر وكانت ساعة لا أدخل عليه فيها،
ورواه أيضًا من طريق أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: حفظت من النبي عَِّ عشر ركعات،
ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في
بيته، وركعتين قبل الصبح كانت ساعة لا يدخل على النبي عَّه فيها. حدثتني حفصة فذكره
باللفظ الذي ساقه المصنف فهو وإن صدق في العزو للبخاري لكنه يوهم أنه ساقه كما ذكره
وليس كذلك كما علم. (فهذه عشر ركعات) ولم تكن اثنتي عشرة بركعتي الجمعة (لأن
الركعتين بعد الجمعة لا يجتمعان مع الركعتين بعد الظهر إلا لعارض بأن يصلي الجمعة
وسنتها التي بعدها ثم يتبين له فسادها) بشيء من المفسدات (فيصلي الظهر ويصلي بعدها
سنتها كما نبه عليه) أي على هذا التصوير (الشيخ ولي الدين العراقي) على أن اجتماعهما إنما
هو في الصورة إذ المعدوم شرعًا كالمعدوم حسًا. (واختلف في دلالة لفظ كان على التكرار،
وصحح ابن الحاجب أنها تقتضيه) أي تستلزمه فليست موضوعة للدلالة على التكرار، وإنما هي
موضوعة لثبوت الفعل في الماضي.
(قال) ابن الحاجب: (وهذا استفدناه من قولهم كان حاتم) الطائي (يقري الضيف) فإن
ذكر ذلك في مقام المدح يقتضي التكرار، إذ المرة الواحدة لا مدح فيها. (وصحح الإمام فخر
الدين) الرازي (في المحصول) اسم كتاب له في الأصول (أنها لا تقتضيه لا لغة) لأن مدلولها
لغة إنما هو ثبوت الفعل في الماضي والحجة له حديث كان عَّه يبعث عبد الله بن رواحة
يخرص تمر خيبر، وإنما بعثه مرة واحدة (ولا عرفًا).

٣٨
الفصل الأول في رواتب الصلوات الخمس والجمعة/ الفرع الأول
إنه المختار الذي عليه الأكثرون والمحققون من الأصوليين. وذكر ابن دقيق العيد
أنها تقضيه عرفًا.
فعلى هذا: ففي الحديث دلالة على تكرر فعل هذه النوافل من النبي عليه.
وأنه كان هذا دأبه وعادته.
وعن عائشة رضي الله عنها: كان عَّهِ يصلي في بيته قبل الظهر أربعًا ثم
يخرج فيصلي بالناس الظهر، ثم يدخل فيصلي ركعتين، وكان يصلي بالناس
المغرب ثم يدخل فيصلي ركعتين، ثم يصلي بالناس العشاء ويدخل بيتي فيصلي
ركعتين، الحديث، وفي آخره: وكان إذا طلع الفجر صلى ركعتين. رواه مسلم.
فهذه ثنتا عشرة ركعة.
وعنها: أنه معَّهِ لا يدع أربعًا قبل الظهر، وركعتين قبل الغداة. وفي رواية:
ولم يكن يتركهما سرًا ولا علانية، في سفر ولا حضر ركعتان قبل الصبح وركعتان
بعد العصر. رواه البخاري ومسلم.
(وقال النووي في شرح مسلم: إنه المختار الذي عليه الأكثرون المحققون من
الأصوليين، وذكر ابن دقيق العيد أنها تقضيه عرفًا) وهو الراجح (فعلى هذا ففي الحديث
دلالة على تكرر فعل هذه النوافل من النبي عَّهِ وأنه) أي الشأن (كان هذا دأبه وعادته)
عطف تفسير. (وعن عائشة رضي الله عنها) قالت: (كان عَّه يصلي في بيته قبل الظهر أربعًا
ثم يخرج) إلى المسجد (فيصلي بالناس الظهر ثم يدخل) بيته (فيصلي ركعتين) فيه (وكان
يصلي بالناس المغرب ثم يدخل) البيت (فيصلي ركعتين) راتبة المغرب (ثم يصلي بالناس
العشاء ويدخل بيتي فيصلي ركعتين، الحديث) ذكر فيه صلاته بالليل (وفي آخره وكان
إذا طلع الفجر صلى ركعتين) قبل الصبح (رواه مسلم) عن عبد الله بن شقيق عنها (فهذه ثنتا
عشرة ركعة، وعنها) أي عائشة (أنه عٍَّ كان لا يدع) يترك (أربعًا قبل الظهر) يأتي للمصنف
قريبًا الجمع بينه وبين حديث ابن عمر (وركعتين قبل الغداة) أي الصبح وهما ركعتا الفجر.
(وفي رواية) عن عائشة (و) صلاتان (لم يكن يتركهما سرًا ولا علانية في سفر ولا
حضر) وأبدلت من صلاتان المقدر وهو ملفوظ به في مسلم قولها (ركعتان قبل الصبح).
وفي رواية بين النداءين، أي أذان الصبح وإقامته، وفي أخرى خفيفتان بين النداء والإقامة
(وركعتان بعد العصر) هما الركعتان اللتان بعد الظهر كان شغل عنهما لما أتاه ناس من عبد
القيس مسلمين فصلاهما بعد العصر، وكان إذا صلى صلاة ثبتها كما في الصحيح عن عائشة،
يعني داوم عليها، وهذا من خصائصه (رواه البخاري ومسلم) أي رويا حديث عائشة المذكور

٣٩
الثاني في ركعتي الفجر
الثاني في ركعتي الفجر
قالت عائشة: لم يكن عَّ على شيء من النوافل أشد تعاهدًا منه على
ركعتي الفجر. رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي.
ولمسلم: ((لهما أحب ألي من الدنيا جميعها)).
وكان يصليهما إذا سكت المؤذن بعد أن يستنير الفجر ويخففهما. رواه
الشيخان وهذا لفظ النسائي.
واختلف في حكمة تخفيفهما فقيل: ليبادر إلى صلاة الصبح في أول .
بروايتيه إلا أن لفظ البخاري: ركعتان لم يكن يدعهما، أي يتركهما، ولفظ مسلم في آخر حديث
بلفظ وصلاتان الخ، وهما المراد بقولها ركعتان لأنها فسرتهما بعده بأربع (الثاني في ركعتي
الفجر قالت عائشة: لم يكن عَّهِ على شىء من النوافل أشد تعاهدًا) أي تفقدًا وتحفظًا.
وعند ابن خزيمة أشد معاهدة (منه على ركعتي الفجر).
وفي رواية لمسلم: ما رأيته إلى شيء من الخير أسرع منه إلى الركعتين قبل الفجر. زاد
ابن خزيمة ولا إلى غنيمة (رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي) وفيه دليل على عظم
فضلهما. قال الطيبي على متعلقه بتعاهد، ويجوز تقديم معمول التمييز عليه والتعهد المحافظة
على الشيء ورعاية حرمته، قال: والظاهر أن خبر لم يكن على شيء، أي لم يكن يتعاهد وأشد
تعاهدًا حال أو مفعول مطلق على تأويل أن يكون التعاهد متعاهدًا كقوله تعالى: ﴿يخشون الناس
كخشية الله﴾ [النساء/٧٧]، أو أشد خشية على الوجهين.
(ولمسلم) عن عائشة عن النبي عَّهِ أنه قال في شأن الركعتين عند طلوع الفجر: ((لهما
أحب إليّ من الدنيا جميعها)).) وفي مسلم أيضًا عن عائشة مرفوعًا": ((ركعتا الفجر خير من
الدنيا وما فيها))، أي متاعها الصرف فلا يرد أن من جملة متاعها الفجر، فإن قيل: لا خصوصية
للفجر بل تسبيحة أو تكبيرة خير فضلاً عن ركعتين نافلة فضلاً عن ركعتي الفجر، أجاب الأبي
بأن الخصوصية مزية النص عليهما دون غيرهما، فإنه يدل على تأكيدهما وکونهما خيرًا من الدنيا
لا يقتضي ذم الدنيا انتهى.
وقال الطيبي: إن حملت الدنيا على أعراضها وزهرتها فالخير، أما على زعم من يرى فيها
خيرًا ويكون من باب، أي الفريقين خير مقامًا، وإن حمل على الإنفاق في سبيل اللَّه فتكون هاتان
الركعتان أكثر ثوابًا. (وكان يصليهما إذا سكت المؤذن بعد أن يستشير) أي يضيء ويطلع
(الفجر ويخففهما) زادت في رواية للشيخين حتى إني أقول هل قرأ فيهما بأمّ القرآن أم لا؟ (رواه

٤٠
الثاني في ركعتي الفجر
الوقت، وبه جزم القرطبي، وقيل: ليستفتح صلاة النهار بركعتين خفيفتين، كما
كان يصنع في صلاة الليل كما تقدم، ليدخل في الفرض أو ما شابهه في الفضل
بنشاط واستعداد تام.
وقد ذهب بعضهم إلى إطالة القراءة فيهما، وهو قول أكثر الحنفية، ونقل
عن الشعبي، وأورد البيهقي فيه حديثًا مرفوعًا من مرسل سعيد بن جبير، وفي سنده
راو لم يسم، وخص بعضهم ذلك بمن فاته شيء من قراءته في صلاة الليل،
فيستدركها في ركعتي الفجر، وأخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح عن الحسن
البصري.
وكان كثيرًا ما يقرأ في الركعة الأولى منهما ﴿قولوا آمنا باللَّه وما أنزل
إلينا﴾ [البقرة/١٣٦] الآية التي في البقرة، وفي الآخرة منهما ﴿قل يا أهل الكتاب
تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم﴾ إلى قوله ﴿اشهدوا بأنا مسلمون﴾ [آل
عمران/٦٤]. رواه مسلم وأبو داود والنسائي من رواية ابن عباس.
الشيخان وهذا لفظ النسائي.) وأما لفظ الشيخين فقريب منه. (واختلف في حكمة تخفيفهما
فقيل ليبادر إلى صلاة الصبح في أول الوقت وبه جزم القرطبي) في المفهم (وقيل
ليستفتح صلاة النهار بركعتين خفيفتين كما كان يصنع في صلاة الليل كما تقدم ليدخل
في الفرض أو ما شابهه في الفضل) في الجملة وإلا فثواب الفرض يزيد على النفل بسبعين
درجة، ويعاقب على ترك الفرض بخلاف النفل (بنشاط واستعداد تام) إذ لو طوّلهما لربما نقص
تمام ذلك، وكان المراد التشريع إذ هو لا يسأم من العبادة ولا يأتي بها بلا نشاط. (وقد ذهب
بعضهم إلى) استحباب (إطالة القراءة فيهما وهو قول أكثر الحنفية، ونقل عن الشعبي) من
التابعين (وأورد البيهقي فيه) أي تطويل القراءة (حديثًا مرفوعًا من مرسل سعيد بن جبير، وفي
سنده راو لم يسم) فهو ضعيف مع إرساله فلا حجة فيه خصوصًا مع معارضة الحديث
الصحيح. (وخص بعضهم ذلك بمن فاته شيء من قراءته في صلاة الليل فيستدركها في
ركعتي الفجر.) زاد في الفتح: ونقل ذلك عن أبي حنيفة (وأخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح
عن الحسن البصري) وهو وجيه لولا معارضته المتفق على صحته (وكان كثيرًا ما يقرأ في
الركعة الأولى منهما ﴿قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا﴾ الآية التي في البقرة وفي) الركعة
(الآخرة منهما: ﴿قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم﴾ إلى قوله:
﴿اشهدوا بأنا مسلمون﴾﴾ [آل عمران/٦٤] وخص هاتين الآيتين لما فيهما من ذكر الإيمان
وإخلاص التوحيد ليفتتح نهاره بذلك (رواه مسلم وأبو داود والنسائي من رواية) أي حديث