Indexed OCR Text
Pages 521-540
٥٢١ الباب الثاني في ذكر صلاته معَّ الجمعة من القرءان ويذكر الناس. وله في رواية أخرى: كان لا يطيل الموعظة بها يوم الجمعة، إنما هي كلمات يسيرات. وعن عمرو ابن حريث أنه معَّ خطب وعليه عمامة سوداء قد أرخى طرفها بین کتفیه. رواه مسلم. قال ابن القيم في الهدي: وكان عليه الصلاة والسلام إذا اجتمع الناس خرج إليهم وحده من غير شاويش يصيح بين يديه، ولا لبس طيلسان ولا طرحة ولا سواد، فإذا دخل المسجد سلم عليهم، فإذا صعد المنبر استقبل الناس بوجهه وسلم عليهم ثم يجلس، ويأخذ بلال في الأذان، فإذا فرغ منه قام عَ لِّ فخطب من الخطبة، (ويذكر الناس:) يعظهم بما يلين القلوب، (وله،) أي: لأبي داود (في رواية أخرى،) وصححها الحاكم عن جابر بن سمرة: (كان) عَّةٍ (لا يطيل الموعظة،) أي: الأمر بالطاعة والوصية (بها يوم الجمعة) لئلا يمل السامعون، (إنما هي،) أي: الموعظة هكذا في النسخ الصحيحة هي بالتأنيث، وهو الذي في أبي داود والحاكم، فما في نسخ إنما هو تحريف وإن أمكن توجيهه بأن يقال، أي: ما يأتي به أو وعظه المفهوم من الموعظة، إنما هو (كلمات يسيرات) في الغالب، فإن عرض ما يقتضي التطويل طول، (وعن عمرو))) بفتح العين (ابن حريث،) بمهملة ومثلثة مصغر، ابن عمرو بن عثمان بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي، المخزومي، صحابي صغير، مات سنة خمس وثمانين (أنه لمٌَّ خطب) الناس، أي: وعظهم يوم فتح مكة كما في حديث جابر في مسلم والسنن، (وعليه عمامة سوداء) إشارة إلى السؤدد والنصر وظهوره على جميع الأديان، لأن جميع الألوان ترجع إلى الأسود ولا يرجع هو إلى لون منها (قد أرخى طرفها) بالإفراد التثنية كما وقع في بعض النسخ، قاله عياض. وقال القرطبي: شرحًا للتثنية، يعني بهما الأعلى والأسفل (بين كتفيه، رواه مسلم) ولأبي الشيخ عن ابن عمر: کان ټګے یدیر کور العمامة على رأسه ويغرسها من ورائه وپرخي لها ذوابة. قال الحافظ العراقي: مقتضاه أن الذي كان يرسله بين كتفيه من الطرف الأعلى. (قال ابن القيم في الهدي) النبوي: (وكان عليه الصلاة والسلام إذا اجتمع الناس خرج إليهم وحده من غير شاويش يصيح بين يديه ولا لبس طيلسان ولا طرحة ولا سواد،) كما يفعل ذلك ببعض البلاد، (فإذا دخل المسجد سلم عليهم، فإذا صعد المنبر استقبل الناس بوجهه وسلم عليهم، ثم يجلس) كما رواه البيهقي عن ابن عمر: كان إذا دنا من منبره يوم الجمعة سلم على من عنده من الجلوس، فإذا صعد المنبر استقبل الناس بوجهه ثم سلم، ٥٢٢ الباب الثاني في ذكر صلاته عَلَّةِ الجمعة غير فصل بين الأذان والخطبة، لا بإيراد خبر ولا غيره، ولم يكن يأخذ بيده سيفًا ولا غيره، وإنما كان يعتمد على قوس أو عصا قبل أن يتخذ المنبر، وكان يأمر الناس بالدنو منه، ویأمرهم بالإنصات. انتهى. وينظر في قوله: ((ولم يكن يأخذ بيده سيفًا ولا غيره، وإنما كان يعتمد على قوس أو عصا قبل أن يتخذ المنبر. وكان عَِّ يقرأ بسورة الجمعة في الركعة الأولى، و﴿إذا جاءك المنافقون﴾، [المنافقون/١] في الثانية. رواه مسلم والترمذي وأبو داود. والحكمة في قراءته عَّة بسورة الجمعة، اشتمالها على وجوب الجمعة ضعفه ابن حبان وابن القطان وغيرهما، (ويأخذ بلال في الأذان، فإذا فرغ منه قام مَّةِ فخطب من غير فصل بين الأذان والخطبة لا بايراد خبر،) أي: حديث (ولا غيره،) فالترقية بدعة مكروهة إلا أن يشترطها واقف فيعمل بها، ولا تضر في حصول سنة الأذان بين يدي الخطيب، قال في المدخل: العجب من الإنكار على الملك بعمل أهل المدينة، وهؤلاء يفعلون الترقية محتجين بعمل أهل الشام. انتهى. ولا حجة لهم في أنه عَّ قال لجرير في حجة الوداع: استنصت الناس كما لا يخفى، (ولم يكن يأخذ بيده سيفًا ولا غيره؛ وإنما كان يعتمد على قوس أو عصا قبل أن يتخذ المنبر، وكان يأمر الناس بالدنو،) أي: القرب (منه ويأمرهم بالإنصات) ليفهموا ما يقوله على وجهه ویعملوا به. (انتھی). (وينظر في قوله: ولم يكن يأخذ بيده سيفًا ولا غيره، وإنما كان يعتمد على قوس أو عصا قبل أن يتخذ المنبر،) فإنه مخالف لما مر أنه كان يخطب متوكئًا على قوس أو عصا، كيف، وفي أبي داود: كان إذا قام يخطب أخذ عصا، فتوكا عليها وهو على المنبر. (وكان عٍَّ يقرأ بسورة الجمعة في الركعة الأولى، و) بسورة (﴿إذا جاءك المنافقون﴾ في) الركعة (الثانية، رواه مسلم والترمذي وأبو داود) من طريق عبيد الله بن أبي رافع، قال: استخلف مرون أبا هريرة على المدينة، وخرج إلى مكة، فصلى لنا أبو هريرة الجمعة، فقرأ بعد سورة الجمعة في الركعة الآخرة: ﴿إذا جاءك المنافقون﴾، قال: فأدركت أبا هريرة حين انصرف، فقلت: إنك قرأت بسورتين، كان علي بن أبي طالب يقرأ بهما بالكوفة، فقال أبو هريرة: إني سمعت رسول اللَّه عَ له يقرأ بهما يوم الجمعة، فيستحب قراءتهما في الجمعة للاتباع. (والحكمة) كما نقله النووي عن العلماء (في قراءته علبة بسورة الجمعة اشتمالها على ٥٢٣ الباب الثاني في ذكر صلاته مد الجمعة وغير ذلك، مما فيها من القواعد، والحث على التوكل والذكر وغير ذلك. وقراءة سورة المنافقين لتوبيخ حاضريها منهم وتنبيههم على التوبة وغير ذلك مما فيها من القواعد، لأنهم ما كانوا يجتمعون في مجلس أكثر من اجتماعهم فيها. وفي حديث النعمان بن بشير عند مسلم: وكان يقرأ في العيدين وفي الجمعة بـ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾، [الأعلى/١] و﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾، [الغاشية/ ١]. وجوب الجمعة، وغير ذلك) من أحكامها، كقوله: فاسعوا إلى ذكر اللّه وذروا البيع، وغير ذلك (مما فيها من القواعد والحث على التوكل والذكر وغير ذلك، وقراءة سورة المنافقين لتوبيخ حاضريها منهم،) أي: من المنافقين (وتنبيههم على التوبة وغير ذلك مما فيها من القواعد، لأنهم ما كانوا يجتمعون في مجلس أكثر من اجتماعهم فيها،) أي: الجمعة خوفًا مما صدر منه عَّهُ من الوعيد الشديد بتحريق بيوتهم ونحو ذلك، فإذا كانوا حاضرين يحصل لهم بسماع هذه السورة الدالة على قبح حالهم وشناعة مآلهم التوبيخ العظيم والزجر البليغ. (وفي حديث النعمان بن بشير عند مسلم) قال: (كان) عَّهِ (يقرأ في) صلاة (العيدين وفي) صلاة (الجمعة بسبح اسم ربك الأعلى) في الأولى، (وهل أتاك حديث الغاشية) في الثانية. قال القرطبي: لعل قراءته بسورة الجمعة والمنافقين كان في أول الأمر، فلما عقل الناس أحكام الجمعة وحصل توبيخ المنافقين عدل عنهما إلى قراءة ﴿سبح﴾، و﴿هل أتاك﴾ لما تضمنتا من الوعظ والتذكير ليخف على الناس. وتعقبه المصنف بأن رواية أبي هريرة السابقة لقراءته عَّبية لهما واختياره لقراءتهما فيها بعده، وكذا اختيار علي لهما أيضًا، يدل على أنه عَّهِ ما ترك قراءتهما في الجمعة في آخر أمره أيضًا بل ربما يقرأهما ربما يقرأ غيرهما، فإن اسلام أبي هريرة متأخر، والصحابة إنما يأخذون الآخر فالآخر من فعله عَ .. انتهى. وبقية الحديث عند مسلم: وإذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد يقرأ بهما أيضًا في الصلاتين. وفي مسلم أيضًا أن الضحاك بن قيس كتب إلى النعمان بن بشير يسأله، أي: شىء قرأه رسول اللَّه عَّ يوم الجمعة سوى سورة الجمعة، فقال: كان يقرأ ﴿هل أتاك﴾، وظاهره أنه كان يقرأ في الأولى الجمعة، فيكون يقرأ بذلك في أوقات وبالآخرة في أوقات بحسب المصالح وإرشاد السامعين وبيان الجواز" وعدم اختصاص سورة بذلك على وجه الحتم. ٥٢٤ الباب الثاني في ذكر صلاته معَّة الجمعة وقد اختلف في العدد الذي تنعقد بهم الجمعة، وللعلماء فيه خمسة عشر قولاً. أحدها : تصح من الواحد، نقله ابن حزم. الثاني : اثنان كالجماعة، وهو قول النخعي وأهل الظاهر. الثالث : اثنان مع الإمام، عند أبي يوسف ومحمد والليث. الرابع : ثلاثة معه، عند أبي حنيفة وسفيان الثوري. الخامس : سبعة، عند عكرمة. السادس : تسعة، عند ربيعة. السابع : اثنا عشر، عند ربيعة أيضًا في رواية. الثامن : مثله غير الإمام، عند إسلق. التاسع : عشرون في رواية ابن حبيب عن مالك. العاشر: ثلاثون، كذلك، الحادي عشر: أربعون بالإمام عند إمامنا الشافعي، واشترط كونهم أحرارًا، بالغين عقلاء، مقيمين لا يظعنون شتاءً ولا صيفًا إلا لحاجة، وأن يكونوا حاضرين (وقد اختلف في العدد الذي تنعقد بهم الجمعة، وللعلماء فيه خمسة عشر قولا، أحدها تصح من الواحد،) لأنه يعظ نفسه، (نقله) محمد (بن حزم) الظاهري. (الثاني: اثنان كالجماعة وهو قول النخعي) إبراهيم بن يزيد (وأهل الظاهر) داود وأتباعه. زاد الحافظ والحسن بن حيي، (الثالث: اثنان مع الإمام عند أبي يوسف) يعقوب ((محمد) بن الحسن (والليث) بن سعد (الرابع: ثلاثة معه عند أبي حنيفة وسفين الثوري الخامس: سبعة) (بسين قبل الموحدة) (عند عكرمة، السادس: تسعة) (بفوقية قبل السين) (عند ربيعة) بن أبي عبد الرحمن، (السابع: اثنا عشر عند ربيعة أيضًا في رواية) فله قولان، (الثامن: مثله غير الإمام عند اسحق) بن راهويه، (التاسع: عشرون في رواية) عبد الملك (بن حبيب عن ملك، العاشر: ثلاثون كذلك. الحادي عشر: أربعون بالإمام عند إمامنا الشافعي، واشترط كونهم أحرارًا بالغين، عقلاء مقيمين لا يطعنون شتاء ولا صيفًا إلا لحاجة،) ثم يعودون فلا يكفي إقامتهم المجردة في حسبانهم من العدد، فتجب عليهم ولا تنعقد بهم، (وأن يكونوا ٥٢٥ الباب الثاني في ذكر صلاته عَلِّ الجمعة من أول الخطبة إلى أن تقام الجمعة. وحجة الإمام الشافعي: ما رواه الدارقطني وابن ماجه والبيهقي في الدلائل عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال: كنت قائد أبي حين ذهب بصره، فإذا خرجت به إلى الجمعة فسمع الأذان صلى على أبي أمامة واستغفر له، قال فمكث كذلك حينًا لا يسمع الأذان في الجمعة إلا فعل ذلك، فقلت: يا أبت، استغفارك لأبي أمامة كلما سمعت أذان الجمعة ما هو؟ قال: يا بني، هو أول من جمّع بالمدينة، قال: قلت له: كم كنتم يومئذ؟ قال: أربعون رجلاً. وقال جابر بن عبد الله: مضت السنة أن في كل ثلاثة إمامًا، وفي كل أربعين فما فوق ذلك جمعة. خرجه الدارقطني. وروى البيهقي عن ابن مسعود: أنه عَُّ جمّع بالمدينة وكانوا أربعين رجلاً. حاضرين من أول الخطبة إلى أن تقام الجمعة،) أي: تصلى. (وحجة الإمام الشافعي ما رواه الدارقطني وابن ماجه والبيهقي في الدلائل) النبوية (عن عبد الرحمن بن كعب بن لملك) الأنصاري المدني، ثقة من كبار التابعين، ويقال: ولد في عهد النبي عَّة، (قال: كنت قائد أبي) كعب بن لملك (حين ذهب بصرة، فإذا خرجت به إلى الجمعة فسمع الأذان صلى على أبي أمامة) أسعد بن زرارة النجاري، شهد العقبات الثلاث ولا نزاع أن كنيته أبو أمامة، وممن صرح بذلك المصنف في العقبة، أي: دعا له (واستغفر له، قال: فمكث،) بضم الكاف وفتحها، (كذلك حيناً) زمانًا (لا يسمع الأذان في الجمعة الا فعل ذلك) الدعاء والاستغفار، (فقلت: يا أبت استغفارك لأبي إمامة كلما سمعت أذان الجمعة ما هو٤) أي: ما سببه، (قال: يا بني هو أول من جمع) بنا (بالمدينة). زاد في رواية البيهقي في بقيع الخضمات، (قال: قلت له: كم كنتم يومئذ؟، قال: أربعون رجلاً) نصلي أو نفعلها، ولا خفاء في أن إخباره بأنهم أربعون يومئذ لا دلالة فيه يوجه على انحصار صحتها في هذا العدد. (وقال جابر بن عبد الله: مضت السنة ان في كل ثلاثة إماما، وفي كل أربعين فما فوق ذلك جمعة، خرجه الدارقطني،) فمفهوم فما فوق أن ما نقص لا يكون جمعة. (وروى البيهقي عن ابن مسعود أنه عَّ جمع بالمدينة وكالوا أربعين رجلاً) لا دلالة فيه أيضًا على أنها لا تصح بدونهم، لأنه حكاية حال فعلية، واستشعر ذلك فتكلف دفعه، بقوله: ٥٢٦ الباب الثاني في ذكر صلاته عَّ الجمعة قال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري الخزرجي: قال في ((المجموع)): قال أصحابنا: وجه الدلالة أن الأمة أجمعوا على اشتراط العدد، والأصل الظهر، ولا تتم الجمعة إلا بعدد ثبت فيه توقيف، وقد ثبت جوازها بأربعين، وثبت: ((صلوا كما رأيتموني أصلي))، ولم يثبت صلاته لها بأقل من ذلك، فلا تجوز بأقل منه. قال: وأما خبر انفضاضهم فلم يبق إلا اثنا عشر رجلاً، فليس فيه أن ابتداءها كان باثني عشر، بل يحتمل عودهم، أو عود غيرهم مع سماعهم أركان الخطبة. وفي مسلم؛ ((انفضوا في الخطبة)) وفي رواية البخاري ((انفضوا في الصلاة)) وهي محمولة على الخطبة جمعًا بين الأخبار. انتهى. (قال شيخ الإسلام زكريا) بن أحمد (الأنصاري الخزرجي، قال) النووي: (في المجموع) شرح المهذب، (قال أصحابنا: وجه الدلالة أن الأمة اجمعوا على اشتراط العدد،) كيف هذا الإجماع مع أول الأقوال أنها تصح من الواحد، (والأصل الظهر) بناء على أنها بدل، والراجح عندهم أنها فرض يومها، (ولا تتم الجمعة إلا بعدد ثبت فيه توقيف، وقد ثبت جوازها بأربعين، وثبت «صلوا كما رأيتموني أصلي))، ولم يثبت صلاته لها بأقل من ذلك، فلا تجوز بأقل منه) وهذا مع ما فيه من التعسف وبنائه على حكاية إجماع منقوضة، وعلى قول ضعيف عندهم في مقام المنع، إذ نفي ثبوت صلاته بأقل دعوى نفي بلا دليل. (قال: وأما خبر انفضاضهم،) أي انصرافهم، (فلم يبق إلا اثنا عشر رجلاً،) قيل: هم العشرة وبلال وابن مسعود، وفي رواية عمار: بدل ابن مسعود، حكاه السهيلي، وعند العقيلي عن ابن عباس، أن منهم الخلفاء الأربعة وابن مسعود، وأناسًا من الأنصار، وفي مسلم: منهم جابر، وفي تفسير اسمعيل ابن أبي زياد أن سالمًا مولى أبي حذيفة، منهم: (فليس فيه أن ابتداءها كان باثني عشر، بل يحتمل عودهم أو عود غيرهم مع سماعهم أركان الخطبة، وفي مسلم) ما معناه: (انفضوا في الخطبة،) ولفظه: ورسول اللَّه عَّله يخطب، وفي رواية له: بينا النبي عَّه قائم، زاد الترمذي وغيره يخطب، (وفي رواية البخاري: انفضوا في الصلاة،) ولفظه: بينما نحن نصلي مع النبي عٍَّ إذ أقبلت عبير تحمل طعامًا، (وهي محمولة على الخطبة جمعًا بين الأخبار) فمعنى نصلي ننتظر الصلاة من تسمية الشىء بما قاربه. (انتهى) كلام المجموع ردًا على من استدل على صحتها باثني عشر بهذا الحديث المتفق عليه بما ذكره من الاحتمالين البعيدين أو الممنوعين؛ فإن وجه الدلالة من الحديث أن العدد المعتبر في الابتداء يعتبر في الدوام، فلما لم تبطل الجمعة بانفضاض الزائد على الاثني عشر دل على أنه كاف، وبسط الجدال يطول بلا طائل. ٥٢٧ الباب الثاني في ذكر صلاته عَّمِ الجمعة الثاني عشر: أربعون غير الإمام عند إمامنا الشافعي أيضًا، وبه قال عمر بن عبد العزيز وطائفة. الثالث عشر: خمسون، عند أحمد في رواية، وحكيت عن عمر ابن عبد العزيز. الرابع عشر : ثمانون، حكاه المازري. الخامس عشر : جمع کثیر بغير حصر. ولعل هذا الأخير أرجحها من حيث الدليل. قاله في فتح الباري، والله أعلم. (الثاني عشر: أربعون غير الإمام عند إمامنا الشافعي أيضًا، وبه قال عمر بن عبد العزيز: وطائفة) حملاً لقول كعب أربعون رجلاً على غير الإمام، (الثالث عشر: خمسون عند أحمد في رواية، وحكيت عن عمر بن عبد العزيز) أيضًا، (الرابع عشر: ثمانون، حكاه المازري، الخامس عشر: جمع كثير بغير حصر) في عدد معين، (لعل هذا الأخير أرجحها من حيث الدليل،) إذ لم يسلم دليل من أدلة من حصر من القادح، (قاله في فتح الباري)) أي: قال حكاية الأقوال المذكورة مجردة دون قوله، واشتراط كونهم إلى قوله الثاني عشر، فإنه ليس فيه، فلو حكاه على وجهه وأخر قوله واشتراط إلى آخر ما زاده لكان المناسب، (والله أعلم) بالحق من تلك الأقوال. ٥٢٨ الباب الثالث في ذكر تهجده صلوات الله وسلامه عليه الباب الثالث في ذكر تهجده صلوات الله وسلامه عليه قال الله تعالى له عليه الصلاة والسلام: ﴿ومن الليل فتهجد به﴾ [الإسراء/ ٧٩] أي بالقرءان، والمراد منه الصلاة المشتملة على القرءان. والهجود في اللغة: النوم، وعن أبي عبيدة: الهاجد: النائم، والهاجد: المصلي بالليل، وعن الأزهري: الهاجد: النائم، وقال المازني: التهجد: الصلاة بعد الرقاد، ثم صلاة أخرى بعد رقدة، ثم صلاة أخرى بعد رقدة، قال: وهكذا كانت صلاة رسول الله الباب الثالث: في ذكر تهجده صلوات الله وسلامه عليه وما يتعلق بذلك من الأحكام وفضل التهجد، (قال اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام: ﴿ومن الليل فتهجد به﴾، أي: بالقرآن، والمراد منه)، أي: من الضمير في به (الصلاة المشتملة على القرآن والهجود في اللغة: النوم،) فمعنى تهجدًا ترك النوم بالاشتغال بالصلاة، وفي البخاري رواية أبي ذر الهروي: فتهجد به: اسهر به، قال الحافظ: وحكاه الطبري أيضًا، وفي المجاز لأبي عبيدة قوله: فتهجد به، أي: اسهر بصلاة الليل، وتفسير التهجد بالسهر معروف في اللغة، وهو من الأضداد، يقال: تهجد إذا سهر، وتهجد إذا نام، حكاه الجوهري وغيره، ومنهم من فرق بينهما، فقال: هجدت نمت، وتهجدت سهرت، حكاه أبو عبيدة وصاحب العين؛ فعلى هذا أصل الهجود النوم، ومعني تهجدت طرحت عني النوم. ٠ (وعن أبي عبيدة) بضم أوله آخره هاء تأنيث معمر بن المثنى التيمي، مولاهم البصري، النحوي اللغوي، صدوق، اخباري، رمي برأي الخوارج، مات سنة ثمان ومائتين، وقيل بعد ذلك، وقد قارب المائة (الهاجد: النائم والهاجد: المصلي بالليل،) فهو من الأضداد، (وعن الأزهري الهاجد: النائم،) والجمع هجود، (وقال المازني) أبو عثمن: (التهجد: الصلاة بعد الرقاد،) أي: النوم ليلاً هنا وإن كان الأصح لغة أن الرقاد النوم ليلاً أو نهارًا للمقابلة في قوله تعالى: ﴿وتحسبهم أيقاظًا وهم رقود﴾ [الكهف: ١٨]، (ثم) بعد الصلاة الأولى (صلاة») فرفع مبتدأ حذف خبره (أخرى بعد رقده،) أي: نومة، (ثم صلاة أخرى،) كذلك (بعد رقدة، قال: وهكذا كانت صلاة رسول اللَّه عَّه)) وقال الطبري: التهجد السهر بعد نومه، ثم ساقه عن جماعة ٥٢٩ الباب الثالث في ذكر تهجده صلوات الله وسلامه عليه وقوله: ﴿نافلة لك﴾ أي عبادة زائدة في فرائضك، ويمكن نصرة هذا القول بأن قوله: ﴿فتهجد﴾ أمر، وصيغة الأمر للوجوب، فوجب كون هذا التهجد واجبًا، وروى الطبري عن ابن عباس أن النافلة أي الزيادة للنبي عَّ خاصة، لأنه أمر بقيام الليل، وكتب عليه دون أمته، وإسناده ضعيف. . وقيل معناه: زيادة لك خالصة، لأن تطوع غيره يكفر ما على صاحبه من ذنب، وتطوعه هو عَّ يقع خالصًا له لكونه لا ذنب عليه، فكل طاعة يأتي بها عليه الصلاة والسلام سوى المكتوبة إنما تكون لزيادة الدرجات، وكثرة الحسنات، فلهذا سمي نافلة بخلاف الأمة، فإن لهم ذنوبًا محتاجة إلى الكفارات، فهذه الطاعات يحتاجون إليها لتكفير الذنوب والسيئات. من السلف. (وقوله: ﴿نافلة لك﴾، أي: عبادة زائدة في فرائضك،) أي: الأمور المفروضة عليك صلاة أو غيرها خصصت بها دون أمتك، لأن النفل لغة الزيادة، فلا ينافي أنه واجب عليه زيادة في رفع درجاته؛ (ويمكن نصرة هذا القول،) أي: تقويته ببيان دليله؛ (بأن قوله) تعالى: (﴿فتهجد﴾ أمر، وصيغة الأمر للوجوب) وضعا، (فوجب كون هذا التهجد واجبًا) عليه عَـ كما هو قول الأكثر ولملك. (وروى الطبري) محمد بن جرير: ونسخة الطبراني تصحيف، فالذي في الفتح الطبري، (عن ابن عباس أن النافلة، أي: الزيادة للنبي عَّ خاصة) دون غيره والهاء للتأكيد، (لأنه أمر بقيام الليل،) بقوله تعالى: ﴿يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلاً﴾ [المزمل: ٢٠١]، (وكتب) فرض (عليه دون أمته وإسناده ضعيف،) لكن تقوى بالأمر في الآية، (وقيل: معناه زيادة لك خالصة) من الشوائب، (لأن تطوع غيره يكفر ما على صاحبه من ذنب) من الصغائر، (وتطوعه هو عَُّ يقع خالصًا له) لا شائبة فيه من جبر واجب يفعله، إذ لا يقع خلل في شىء من عباداته، (لكونه لا ذنب عليه). زاد الحافظ: وروى معنى ذلك الطبري وابن أبي حاتم عن مجاهد بإسناد حسن، وعن قتادة كذلك، ورجح الطبري الأول، وليس الثاني ببعيد من الصواب، (فكل طاعة يأتي بها عليه الصلاة والسلام سوى المكتوبة إنما تكون لزيادة الدرجات وكثرة الحسنات،) إذ لا ذنب تكفره الطاعات، (فلهذا سمي نافلة) أي: زيادة (بخلاف الأمة، فإن لهم ذنوبًا محتاجة إلى الكفارات، فهذه الطاعات يحتاجون إليها لتكفير الذنوب والسيئات،) كما قال تعالى: ﴿إِن ٥٣٠ الباب الثالث في ذكر تهجده صلوات الله وسلامه عليه وروى مسلم من طريق سعد ابن هشام عن عائشة قالت: إن الله افترض قيام الليل في أول هذه السورة، تعني: ﴿يا أيها المزمل﴾ [المزمل/١]، فقام النبي عَّ. هو وأصحابه حولاً، حتى أنزل الله في آخر هذه السورة التخفيف، فصار قيام الليل تطوعًا بعد فرضه. وروى محمد بن نصر في قيام الليل من طريق سماك عن ابن عباس شاهدًا لحديث عائشة في أن بين الإيجاب والنسخ سنة. الحسنات يذهبن السيئات﴾ [هود: ١١٤]. (وروى مسلم من طريق سعد،) بسكون العين (ابن هشام) بن عامر الأنصاري المدني، ثقة، من رجال الجميع، استشهد بأرض الهند، (عن عائشة:) أوله عن سعد، قلت لعائشة: أنبئيني عن قيام رسول اللَّه عَّله، فقالت: ألست تقرأ ﴿يا أيها المزمل﴾، قلت: بلى، (قالت: إن الله فترض،) أي: فرض (قيام الليل في أول هذه السورة، تعني) عائشة: (﴿يا أيها المزمل) قم الليل إلا قليلاً﴾، (فقام النبي ◌َّة هو وأصحابه حولاً) حذف منه، وأمسك اللَّه خاتمتها اثني عشر شهرًا (حتى أنزل الله في آخر هذه السورة التخفيف) في قوله: ﴿فاقرأوا ما تيسر منه﴾ [المزمل: ٢٠]، (فصار قيام الليل تطوعًا بعد فرضه،) وهذا ظاهر في أنه كان فرضًا عليه وعلى الناس، وقيل: فرض عليه وحده مندوب لغيره، لأنه خصه بالخطاب ((بيا أيها المزمل))، وقيل: لم يفرض لقوله نصفه أو انقص منه قليلاً أو زد عليه، إذ ليست صيغة وجوب. (وروى محمد بن نصر في قيام الليل من طريق سماك،) بكسر السين وخفة الميم : وكاف ابن الوليد الحنفي اليمامي، ثم الكوفي، (عن ابن عباس شاهدًا لحديث عائشة في أن بين الإيجاب والنسخ سنة،) وكذا أخرجه محمد بن نصر عن أبي عبد الرحمن السلمي والحسن وعكرمة وقتادة بأسانيد صحيحة عنهم، وإنما احتاج حديث عائشة مع صحته إلى شاهد، لأنها خولفت؛ فروى ابن جرير عن سعيد بن جبير، قال: لما أنزل اللَّه على نبيه ﴿يا أيها المزمل﴾ مكث النبي عَِّ على هذه عشر سنين يقوم الليل كما أمره الله، وكانت طائفة من أصحابه يقومون معه، فأنزل اللَّه بعد عشر سنين: ﴿إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل﴾ [المزمل: ٢٠]، إلى قوله: ﴿فأقيموا الصلاة﴾، فخفف اللَّه عنهم بعد عشر سنين. قال الحافظ: ومقتضى ذلك، أي: حديث عائشة ومن وافقها أن النسخ وقع بمكة، لأن الإيجاب متقدم عن فرض الخمس ليلة الإسراء وكانت قبل الهجرة بأكثر من سنة. ٥٣١ الباب الثالث في ذكر تهجده صلوات الله وسلامه عليه وحكى الشافعي عن بعض أهل العلم أن آخر السورة نسخ افتراض قيام الليل إلا ما تيسر منه، ثم نسخ فرض ذلك بالصلوات الخمس. وروى محمد بن نصر من حديث جابر أن نسخ قيام الليل وقع لما توجهوا مع أبي عبيدة في جيش الخبط، وكان ذلك بعد الهجرة، لكن في إسناده علي بن زید ابن جدعان، وهو ضعيف. فوجوب قيام الليل قد نسخ في حقنا. وهل نسخ في حقه عَّه؟ أم لا أكثر الأصحاب: لا، والصحيح: نعم، ونقله الشيخ أبو حامد عن النص. (وحكى الشافعي عن بعض أهل العلم أن آخر السورة نسخ افتراض قيام الليل إلا ما تيسر منه، ثم نسخ فرض ذلك بالصلوات الخمس) واستشكل محمد بن نصر ذلك بأن الآية تدل على أن قوله تعالى: ﴿فاقرأوا ما تيسر منه﴾ [المزمل: ٢٠]، إنما نزلت بالمدينة لقوله فيها: ﴿وآخرون يقاتلون في سبيل اللّه﴾، والقتال إنما وقع بالمدينة لا بمكة والإسراء كان قبل ذلك. قال الحافظ: وما استدل به غير واضح، لأن قوله تعالى ﴿علم أن سيكون﴾ [المزمل: ٢٠] ظاهر في الاستقبال، فكأنه سبحانه امتن عليهم بتعجيل التخفيف قبل وجود المشقة التي علم أنها ستقع. (وروى محمد بن نصر من حديث جابر أن نسخ قيام الليل وقع لما توجهوا مع أبي عبيدة) عامر بن الجراح (في جيش الخبط،) بفتح المعجمة والموحدة وطاء مهملة، (وكان ذلك بعد الهجرة) بمدة، (لكن في إسناده علي بن زید) بن عبد الله بن زهیر بن عبد الله (بن جدعان،) بضم الجيم وسكون الدال وعين مهملتين نسب إلى جد جده لشهرته التيمي القرشي الحجازي، ثم البصري، مات سنة إحدى وثلاثين ومائة (وهو ضعيف،) فلا حجة فيه لدعوى أن الآية الناسخة للوجوب مدنية وهو مخالف لما عليه الأكثر أن السورة كلها مكية؛ نعم ذكر النحاس أنها مكية إلا الآية الأخيرة. (فوجوب قيام الليل قد نسخ في حقنا) بإجماع، وشذ بعض التابعين فأوجبه ولو قدر حلب شاة. (وهل نسخ في حقه عَّة أم لا؟ أكثر الأصحاب) الشافعية (لا) أي: لم ينسخ في حقه (والصحيح نعم) نسخ (ونقله الشيخ أبو حامد عن النص) للإمام الشافعي، قال النووي: وهو الأصح أو الصحيح، ففي مسلم عن عائشة ما يدل عليه: انتهى. ٥٣٢ الباب الثالث في ذكر تهجده صلوات الله وسلامه عليه وقالت عائشة: قام عَّةٍ حتى تورمت قدماه، وفي رواية: حتى تفطرت قدماه، فقلت له: لم تصنع هذا يا رسول الله، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: ((أفلا أكون عبدًا شكورًا))، قالت: فلما بدن وكثر لحمه صلى جالسًا، فإذا أراد أن يركع قام فقرأ ثم ركع. رواه البخاري ومسلم. يعني: حديثها السابق ودلالته ليست بقوية لاحتماله، (وقالت عائشة) رضي الله عنها: (قام ◌َّاتٍ حتى تورمت قدماه) غلظت وانتفخت من كثرة التهجد، (وفي رواية) عن عائشة أن نبي اللَّه عَّ كان يقوم من الليل (حتى تفطرت) أي: تشققت (قدماه) من كثرة القيام. قال البخاري: والفطور الشقوق انفطرت: انشقت، والنسائي عن أبي هريرة حتى تزلع قدماه، بزاي وعين مهملة، قال الحافظ: ولا اختلاف بين هذه الروايات إذ حصل الانتفاخ والورم وحصل الزلع والتشقق، (فقلت له: لم تصنع هذا يا رسول اللَّه وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟، قال: أفلا أكون عبدا شكورًا) كثير الشكر، وخص العبد بالذكر إشعارًا بغاية الإكرام والقرب من اللّه تعالى، والعبودية ليست إلا بالعبادة والعبادة عين الشكر. (قالت) عائشة: (فلما بدن) بفتح الموحدة والدال المهملة كذا رواه العذري وارتضاه أبو عبيد، أي: كبر وأسن، وقال عياض بدن بضم الدال مخففة، كذا رويناه عن الأكثر وعن العبدري بالتشديد وأراه إصلاحًا، وقال أبو عبيد: من رواه بضم الدال المخففة فليس له معنى، لأنه من البدانة وهي كثرة اللحم ولم يكن عَّ سمينا ولا ينكر التخفيف فقد صحت به الرواية، وقد جاء معناه مفسرًا من قول عائشة: فلما كبر وأخذ اللحم، وفي رواية أسن وكثر لحمه وقول أبي عبيد لم يكن ذلك وصفه لعلّ. صحيح، لأنه لم يكن في أصل خلقته بادنا كثير اللحم لكنه لما أسن، وضعف عن كثير مما كان يتحمله في حال النشاط من الأعمال الشاقة استرخى لحمه، وزاد على ما كان في أصل خلقته زيادة يسيرة بحيث يصدق عليه ذلك الاسم، قاله القرطبي. وقال النووي: الذي ضبطناه ووقع في أكثر نسخ بلادنا بالتشديد (وكثر لحمه صلى جالسًا فإذا أراد أن يركع قام، فقرأ) في رواية للشيخين حتى إذا بقي نحو من ثلاثين آية أو أربعين آية قام فقرأهن، (ثم ركع، رواه البخاري ومسلم) ولا يخالفه حديث عائشة في مسلم أيضًا كان إذا قرأ وهو قائم ركع وسجد وهو قائم، وإذا قرأ قاعدًا ركع وسجد وهو قاعد لحمله على حالته الأولى قبل أن يدخل في السن جمعًا بين الحديثين؛ ولأبي داود ٥٣٣ الباب الثالث في ذكر تهجده صلوات الله وسلامه عليه والفاء في قوله: ((أفلا أكون)) للسببية، وهي عن محذوف تقديره: أأترك تهجدي؟ فلا أكون عبدا شكورًا، والمعنى: إن المغفرة سبب لكون التهجد شكرًا، فكيف أتركه؟ قال ابن بطال: في هذا الحديث أخذ الإنسان على نفسه بالشدة في العبادة، وإن أضر ذلك بيدنه، لأنه عَّهِ إذا فعل ذلك مع علمه بما سبق له، فكيف بمن لم يعلم بذلك فضلاً عمن لم يأمن أنه استحق النار. انتهى. ومحل ذلك - كما قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري - ما لم يفض ذلك إلى الملال، لأن حال النبي عَّ كانت أكمل الأحوال، فكان لا يمل من عبادة ربه، وإن أضر ذلك ببدنه، بل صح أنه عليه الصلاة والسلام قال: ((وجعلت قرة عيني في الصلاة)) كما أخرجه النسائي من حديث أنس، فأما غيره عَّهِ فإذا لما أسن وحمل اللحم اتخذ عمودًا في وصححه الحاكم من أم قيس بنت محصن انه عـ مصلاه يعتمد عليه. (والفاء في قوله: (أفلا أكون)) للسببية وهي) ناشئة (عن محذوف تقديره أأترك تهجدي) لما غفر لي (فلا أكون عبداً شكورًا، والمعنى أن المغفرة سبب لكون التهجد شكرًا فكيف أتركه،) كأن المعنى ألا أشكره وقد أنعم علي وخصني بخير الدارين، فإن شكورًا من أبنية المبالغة يستدعي نعمة عظيمة. (قال ابن بطال: في هذا الحديث أخذ الإنسان على نفسه بالشدة في العبادة وإن أضر ذلك ببدنه، لأنه عَّ إذا فعل ذلك مع علمه بما سبق له) من اللَّه تعالى (فكيف بمن لم يعلم بذلك فضلاً عمن لم يأمن أنه استحق النار انتهى). (ومحل ذلك كما قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: ما لم يفض ذلك إلى الملال) السآمة، (لأن حال النبسي عَّ كانت أكمل الأحوال، فكان لا يمل) بفتح الميم (من عبادة ربه وإن أضر ذلك ببدنه) الشريف، (بل صح أنه عليه الصلاة والسلام قال:) ((حبب إليّ من دنياكم النساء والطيب (وجعلت قرة عيني) بردها من الفرح والسرور (في الصلاة))،) لأنها محل المناجاة ومعدن المصافاة فلا يحصل له سآمة وان شقت عليه. وفي حديث: ((قال لي جبريل قد حببت إليك الصلاة فخذ منها ما شئت))، (كما أخرجه ٥٣٤ الباب الثالث في ذكر تهجده صلوات الله وسلامه عليه خشي الملل ينبغي له أن لا يكد نفسه، وعليه يحمل قوله عَّه: ((خذوا من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا)). انتهى. لكن ربما دست النفس أو الشيطان على المجتهد في العبادة بمثل ما ذكر، خصوصًا إذا كبر، فتقول له: قد ضعفت وكبرت فأبق على نفسك لئلا ينقطع عملك بالكلية، وهذا وإن كان ظاهره جميلاً لكن فيه دسائس، فإنه إن أطاعه فقد يكون استدراجًا يؤول به إلى ترك العمل شيئًا فشيئًا، إلى أن ينقطع العمل بالكلية، وما ترك سيد المرسلين، المغفور له، شيئًا من عمله بعد كبره. نعم كان يصلي بعض ورده جالسًا بعد أن كان يقوم حتى تفطرت قدماه، : النسائي من حديث أنس) ومر الكلام عليه مبسوطًا (فأما غيره عَّلآه) قسيم قوله: فكان لا يمل من عبادة ربه والفاء واقعة في جواب شرط مقدر هو، وحيث علم ذلك علم أن غيره ليس مثله، (فإذا خشي الملل ينبغي له أن لا يكد،) بضم الكاف، أي: يتعب (نفسه) بحيث يؤدي إلى السآمة، (وعليه يحمل قوله عَُّلِّ خذوا من الأعمال) صلاة وغيرها (ما تطيقون، فإن اللَّه لا يمل) من الثواب (حتى تملوا) من العمل وإسناد الملال إليه سبحانه على طريق الازدواج والمشاكلة والعرب تذكر أحد اللفظين موافقة للآخر وإن تخالفًا معنى قال تعالى: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ [الشورى: ٤٠]، وإلا فالملال على اللَّه محال، وقيل فيه غير ذلك (انتهى). (لكن ربما دست) أتت بأمر خفي من دسه في التراب (النفس أو الشيطان على المجتهد في العبادة بمثل ما ذكر خصوصًا إذا كبر) بكسر الباء أسن (فتقول له قد ضعفت) بضم العين (وكبرت فأبق) بقطع الهمزة (على نفسك،) أي: ارحمها (لئلا ينقطع عملك بالكلية،) أي: جملة (وهذا وإن كان ظاهره جميلاً) حسنًا (لكن فيه دسائس) جمع دسة أمور خفية، (فإنه إن أطاعه فقد يكون استدراجًا يؤول به إلى ترك العمل شيئًا فشيئًا إلى أن ينقطع العمل بالكلية) الجملة (وما ترك سيد المرسلين المغفور له) الممنوع المستور عن الوقوع في ذنب (شيئًا من عمله بعد كبره،) أي: دخوله في السن؛ (نعم كان يصلي بعض ورده جالسًا بعد أن كان يقوم حتى تفطرت) تشققت (قدماه) وفي مسلم عن عائشة: كان عٍَّ إذا صلى صلاة أحب أن يداوم عليها، وكان إذا غلبه نوم أو وجع عن قيام الليل صلى بالنهار ثنتي عشرة . ركعة، ولا أعلم نبي اللَّه قرأ القرآن كله في ليلة ولا صلى ليلة إلى الصبح ولا صام شهرًا كاملاً غير رمضان، (فكيف بمن أثقلت ظهره الأوزار ولا يأمن من عذاب النار أن يغفل،) بضم الفاء ٥٣٥ ذكر سياق صلاته منێ بالليل فكيف بمن أثقلت ظهره الأوزار، ولا يأمن من عذاب النار، أن يغفل حال شبيبته، ويتوانى عند ظهور شيبته، فينبغي للإنسان أن يستعد قبل حلول شيبه. ((اغتنم خمسًا قبل خمس: وشبابك قبل هرمك)) فإن من شاب فقد لاح صبح سواد ليل شعره، وقد قال الله تعالى منذرًا لمن يدخل في الصباح: ﴿إِن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب﴾، [هود/٨١] فكيف بقرب من دخل في الصباح، وظهر كوكب نهاره في أفق رأسه ولاح؟! قال القرطبي: ظن من سأله عَّله عن سبب تحمله المشقة في العبادة أنه إنما يعبد الله خوفًا من الذنوب، وطلبًا للمغفرة والرحمة، فمن تحقق أنه غفر له لا (حال شبيبته) صباه (ويتوانى،) أي: يتكاسل عند ظهور شيبته بياض شعره المؤذن بالرحيل، (فينبغي للإنسان أن يستعد قبل حلول شيبه) المؤدي إلى العجز عن الطاعة فيندم على ما فرط في جنب اللَّه، أي: طاعته، وقد أرشد إلى ذلك النبي عَّه بقوله: ((اغتنم خمسًا قبل خمس،) أي: افعل خمسة أشياء قبل حصول خمسة أشياء إلى أن قال في الخصلة الرابعة (وشبابك قبل هرمك))) أي: اغتنم الطاعة حال قدرتك قبل هجوم عجز الكبر عليك، (فإن من شاب فقد لاح صبح سواد ليل شعره،) أي: بياضه الساطع المزيل للسواد وآثاره كناية عن الموت المزيل للحياة اللازم للشيخوخة عادة فطلوع النهار بعد سواد الليل مزيل لآثاره، كما أن قوة بياض الشعر واستكمالها مزيل لسواده الذي هو علامة الشبوبية وبلوغ الآمال. (وقد قال اللَّه تعالى منذرًا لمن يدخل في الصباح) الذي أوعدوا بحلول العذاب فيه عليهم: (﴿إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب﴾ فكيف بقرب من دخل في الصباح) بالفعل كناية عن الدخول في علامات الموت (وظهر كوكب نهاره في أفق،) بضم الهمزة والفاء وتسكن، أي: ناحية (رأسه ولاح) ولفظ الحديث لتتميم الفائدة عن ابن عباس، رفعه: ((اغتنم خمسًا قبل خمس حياتك قبل موتك وصحتك قبل سقمك وفراغك قبل شغلك وشبابك قبل هرمك وغناك قبل فقرك)). أخرجه البيهقي في الشعب وشيخه الحاكم، وقال: صحيح على شرطهما عن ابن عباس، ورواه النسائي والبيهقي وأبو نعيم عن عمرو بن ميمون مرسلاً، قال: قال رسول اللَّه عَلَّه الرجل وهو يعظه «اغتنم خمسًا)) فذكره. (قال القرطبي) أبو العباس في المفهم: (ظن من سأله عَدُ عن سبب تحمله المشقة في العبادة) بقوله: لم تصنع هذا وقد غفر اللَّه لك، (أنه إنما يعبد) بالبناء للمفعول (اللَّه خوفًا من ٥٣٦ ذکر سیاق صلاته ێ بالليل يحتاج إلى ذلك، فأفادهم النبي عَِّ أن هناك طريقًا آخر للعبادة، وهو الشكر على المغفرة، واتصال النعمة لمن لا يستحق عليه فيها شيئًا، فيتعين كثرة الشكر على ذلك، والشكر: الاعتراف بالنعمة والقيام بالخدمة، فمن كثر ذلك منه سمي شكورًا، ومن ثم قال الله تعالى: ﴿وقليل من عبادي الشكور﴾، [سبأ/١٣]. وفيه: ما كان النبي عَّم عليه من الاجتهاد في العبادة والخشية من ربه، قال العلماء: إنما ألزم الأنبياء أنفسهم بشدة الخوف لعلمهم بعظيم نعم الله عليهم، وأنه ابتدأهم بها قبل استحقاقها، فبذلوا مجهودهم في عبادته ليؤدوا بعض شكره، مع أن حقوق الله أعظم من أن يقوم بها العباد، والله أعلم. ذكر سياق صلاته علية بالليل عن شريح ابن هانىء قالت عائشة رضي الله عنها: ما صلى رسول الله عَليه الذنوب وطلبًا للمغفرة والرحمة، فمن تحقق أنه غفر له لا يحتاج إلى ذلك، فأفادهم النبي ◌َّة) بجوابه لهم بقوله: (أفلا أكون عبدًا شكورًا)) (أن هناك طريقًا آخر للعبادة وهو الشكر على المغفرة و) على (اتصال النعمة لمن لا يستحق عليه فيها شيئًا، فيتعين كثرة الشكر على ذلك والشكر الاعتراف بالنعمة والقيام بالخدمة) للمنعم؛ بأن يفعل ما أمره به، بل ما يعلم أن فيه قيامًا بحقه وإن لم يأمره؛ (فمن كثر ذلك منه سمي شكورًا، من ثم قال اللَّه تعالى: ﴿وقليل من عبادي الشكور﴾،) أي: المتوفر على أداء الشكر بقلبه ولسانه وجوارحه أكثر أوقاته، ومع ذلك لا يؤدي حقه، لأن توفيقه للشكر نعمة تستدعي شكرًا آخر إلى غير نهاية، ولذلك قيل: الشكور من يرعى عجزه عن الشكر، قاله البيضاوي (وفيه:) أي: الحديث (ما كان النبي عَّه. عليه من الاجتهاد في العبادة والخشية من ربه، قال العلماء: إنما ألزم الأنبياء أنفسهم بشدة الخوف)، حيث داوموا على المحافظة على شدة الخوف من اللَّه تعالى (لعلمهم بعظيم نعم الله عليهم، وأنه ابتدأهم بها قبل استحقاقها، فبذلوا مجهودهم في عبادته ليؤدوا بعض شكره مع أن حقوق الله أعظم من أن يقوم بهاب العباد واللَّه أعلم). (ذكر سياق صلاته عَّ بالليل) النوافل: أي ما سيق فيها مصدر بمعنى اسم المفعول. (عن شريح) بضم الشين المعجمة وآخره مهملة مصغر (ابن هانىء) بن يزيد الحارثي المذحجي أبي المقدام الكوفي التابعي الكبير الثقة، روى له مسلم وأصحاب السنن والبخاري في الأدب المفرد، وقتل مع ابن أبي بكرة بسجستان، ومن ذريته شريح بن هانىء الحارثي الأصغر مجهول لا رواية له في شىء من الكتب الستة، وإنما ذكره في التقريب للتميز فليس هو المراد، (قالت ٥٣٧ ذكر سياق صلاته عند بالليل العشاء قط فدخل بيتي إلا صلى أربع ركعات أو ست ركعات. رواه أبو داود. وكان عٍَّ يقوم إذا سمع الصارخ رواه البخاري ومسلم عن عائشة. وهو يصرخ في النصف الثاني. وقالت عائشة: كان عليه الصلاة والسلام ينام أول الليل ويقوم آخره، فيصلي ثم يرجع إلى فراشه فإذا أذن المؤذن وثب، فإن كانت به حاجة اغتسل، وإلا توضأ عائشة رضي الله عنها: ما صلى رسول اللَّه عَّ العشاء قط فدخل بيتي إلا صلى أربع ركعات) تارة، (أو ست ركعات) أخرى، فأو للتنويع لا للشك على الظاهر، (رواه أبو داود وكان عَّ يقوم إذا سمع الصارخ))) أي الديك، لأنه يكثر الصياح في الليل، (رواه البخاري) في الرفاق، وفي موضعين من الصلاة (ومسلم) وأبو داود والنسائي كلهم في الصلاة (عن عائشة وهو يصرخ في النصف الثاني. قال الحافظ: وقع في مسند الطيالسي في هذا الحديث، والصارخ: الديك والصرخة: الصيحة الشديدة وجرت العادة أن الديك يصيح عند نصف الليل غالبًا، قاله محمد بن نصر، قال ابن التين: هو موافق لقول ابن عباس نصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل، وقال ابن بطال: الصارخ يصرخ عند ثلث الليل، فكأنه كان يتحرى الوقت الذي ينادي فيه هل من سائل كذا. انتھی. وروى أحمد وأبو داود وابن ماجه بإسناد جيد عن زيد بن خالد الجهني، مرفوعًا: «لا تسبوا الديك، فإنه يوقظ للصلاة))، وفي لفظ: ((فإنه يدعوا إلى الصلاة))، قال المصنف: وليس المراد أنه يقول بصراحة حقيقة الصلاة، بل جرت العادة أنه يصرخ صرخات متتابعات عند طلوع الفجر، وعند الزوال فطرة فطره اللَّه عليها ويذكر الناس بصراخه الصلاة. وفي الطبراني مرفوعًا، ((إن للَّه ديكًا أبيض جناحاه موشحان بالزبرجد والياقوت واللؤلؤ جناح بالمشرق وجناح بالمغرب رأسه تحت العرش وقوائمه في الهواء يؤذن في كل سحر يسمع تلك الصيحة أهل السموات والأرض إلا الثقلين، فعند ذلك تجيبه ديوك الأرض، فإذا دنا يوم القيامة، قال الله: ضم جناحيك وغض صوتك، فتعلم أهل السموات والأرض إلا الثقلين أن الساعة قد اقتربت)؛ وله وللبيهقي وابن عدي وضعفه عن جابر رفعه: ((إن لله ديكا رجلاه في التخوم وعنقه تحت العرش مطوية، فإذا كان هنة من الليل صاح سبوح قدوس فصاحت الديكة)). (وقالت عائشة: كان عليه الصلاة والسلام ينام أول الليل ويقوم آخره) لفضله، ولأنه أقرب إلى الإجابة (فيصلي) حزبه، أي: أن هذا كان آخر فعله أو أغلب حاله وإلا فقد قالت عائشة: من كل الليل أوتر عَّه من أوله وآخره وأوسطه وانتهى وتره إلى السحر، (ثم يرجع إلى ٥٣٨ ذكر سياق صلاته معَّه بالليل ثم خرج. رواه الشيخان. وقالت أيضًا: كان عليه الصلاة والسلام ربما اغتسل في أول الليل، وربما اغتسل في آخره، وربما أوتر في أول الليل، وربما أوتر في آخره، وربما جهر بالقراءة، وربما خفت. وقالت أم سلمة كان يصلي بنا ثم ينام قدر ما صلى، ثم يصلي قدر ما نام، ثم ينام قدر ما صلى حتى يصبح. رواه أبو داود النسائي، والترمذي. فراشه) في رواية مسلم، ثم إن كانت له حاجة إلى أهله قضى حاجته ثم ينام، أي: ليستريح من تعب القيام وينشط لصلاة الصبح والنوم بعد قيام الليل مستحسن، لأنه يذهب تعب السهر وصفرة الوجه، (فإذا أذن المؤذن) ولمسلم: فإذا كان عند النداء الأول (وثب) بمثلثة وموحدة نهض وقام بسرعة ففيه النشاط للعبادة، زاد الأسود عند مسلم: ولا واللَّه ما قالت قام، (فإن كانت به حاجة) للغسل بأن جامع قبل أن ينام (اغتسل) وللأسود عند مسلم، عنها: فأفاض عليه الماء ولا واللَّه ما قالت اغتسل وأنا أعلم ما تريد، قال الحافظ: وكان بعض الرواة ذكره بالمعنى وحافظ بعضهم على اللفظ، (وإلا) يكن جامع (توضأ،) زاد مسلم: ثم صلى ركعتين، (ثم خرج) إلى المسجد للصلاة، وفي التعبير بثم فائدة هي أنه كان يقضي حاجته من نسائه بعد إحياء الليل بالتهجد، فإن الجدير به أداء العبادة قبل قضاء الشهوة مع أنها في حقه عبادة مطلقًا، قال الطيبي: ويمكن أن ثم هنا لتراخي الأخبار؛ أخبرت أولا أن عادته كانت مستمرة بنوم أول الليل وقيام آخره، ثم يتفق أحيانًا أن يقضي حاجته ثم ينام في كلتا الحالتين، فإذا انتبه عند النداء الأول اغتسل إن كان جنبًا وإلا توضأ، (رواه الشيخان) واللفظ للبخاري، (وقالت) عائشة (أيضًا: كان عليه الصلاة والسلام ربما اغتسل في أول الليل) من الجنابة، (وربما اغتسل في آخره) بعد النوم على وضوء وان كان جنبًا كما دلت عليه الأخبار الجياد، كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وغلطوا رواية من روى كان ينام وهو جنب من غير أن يمس ماء، وعلى تقدير صحته ففعله أحيانًا لبيان الجواز. (وربما أوتر في أول الليل وربما أوتر في آخره،) وهو أغلب أحواله، (وربما جهر) أعلن (بالقراءة وربما خفت) أسر بها لبيان الجواز وإن كان الأفضل في صلاة الليل الجهر، (وقالت أم سلمة) هند أم المؤمنين: (كان) عَِّ (يصلي بنا) بعد صلاة العشاء والتسبيح ما شاء، كما في رواية النسائي التالية: (ثم ينام قدر ما صلى، ثم يصلي قدر ما نام، ثم ينام قدر ما صلى حتى يصبح، رواه أبو داود والنسائي والترمذي،) ولا يعارضه حديث عائشة قبله، لأن كلاً منها ومن أم سلمة أخبر بما شاهده من حاله. ٥٣٩ ذکر سياق صلاته مێ بالليل وفي رواية للنسائي: كان يصلي العتمة، ثم يسبح ثم يصلي بعدها ما شاء الله من الليل ثم ينصرف فيرقد مثل ما صلى ثم يستيقط من نومه فيصلي مثل ما نام، وصلاته تلك الآخرة تكون إلى الصبح. وعن أنس قال: ما كنا نشاء أن نرى رسول الله عَّهه في الليل مصليًا إلا رأيناه، ولا نشاء أن نراه نائمًا إلا رأيناه. وكان إذا استيقظ من الليل قال: ((لا إله إلا أنت سبحانك اللهم وبحمدك، استغفرك لذنبي، وأسألك رحمتك، اللهم زدني علمًا ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني، وهب لي من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب)). رواه أبو داود من حديث عائشة. وعنها: كان عليه الصلاة والسلام إذا هب من الليل كبر الله عشرًا، (وفي رواية للنسائي) أيضًا عن أم سلمة: (كان يصلي العتمة) (بفتحتين) العشاء، وصح النهي عن تسميتها عتمة، (ثم يسبح، ثم يصلي بعدها ما شاء اللَّه من الليل، ثم ينصرف) من الصلاة (فيرقد مثل،) أي: قدر (ما صلى، ثم يستيقظ من نومه ذلك فيصلي مثل ما نام، وصلاته تلك الآخرة تكون إلى الصبح) أحيانًا، فلا يخالف قوله عائشة، فإذا أذن المؤذن ... الخ. (وعن أنس قال: ما كنا نشاء أن نرى رسول اللَّه عَّه في الليل مصليًا، إلا رأيناه مصليًا، (ولا نشاء أن نراه نائمًا إلا رأيناه). قال الحافظ: أي أن صلاته ونومه كان يختلف بالليل ولا يرتب وقتًا معينًا؛ بل بحسب ما تيسر له القيام، ولا يعارضه قول عائشة: كان إذا سمع الصارخ قام، فإن عائشة تخبر عما لها عليه اطلاع، وذلك ان صلاة الليل كانت تقع منه غالبًا في البيت، فخبر أنس محمول على ما وراء ذلك، وعنها: من كل الليل أوتر، فدل على أنه لا يخص الوتر بوقت بعينه، (رواه النسائي) والبخاري في قيام الليل وفي الصيام عن أنسى: كان عٍَّ لا تشاء أن تراه من الليل مصليًا إلا رأيته، ولا نائمًا إلا رأيته، (وكان إذا استيقظ،) أي: انتبه (من الليل قال: ((لا إله إلا أنت سبحانك اللهم وأسبح (بحمدك، أستغفرك لذنبي) هضمًا لنفسه واستقصارًا لعمله واعترافًا بالعبودية، (واسألك رحمتك، اللهم زدني علمًا) عملا بقوله تعالى: ﴿وقال رب زدني علمًا﴾ [طه: ١١٤]، (ولا تزغ) تمل عن الحق (قلبي بعد إذ هديتني) أرشدتني إليه (وهب لي من لدنك) من عندك (رحمة) تثبيتًا (إنك أنت الوهاب))، رواه أبو داود من حديث عائشة) فيه تقصير، فقد رواه البخاري من حديثها، (وعنها) أيضًا (كان عليه الصلاة والسلام إذا هب) بهاء ٥٤٠ ذكر سياق صلاته مێ بالليل وحمدالله عشرًا، وقال: ((سبحان الله وبحمده)) عشرًا، وقال: ((سبحان الملك القدوس)) عشرًا، واستغفر الله عشرًا، وهلل عشرًا، ثم قال: ((اللهم إني أعوذ بك من ضيق الدنيا وضيق يوم القيامة)) عشرًا، ثم يفتتح الصلاة. رواه أبو داود: وقد روی حدیث قيامه بالليل ووتره عائشة وابن عباس. قال ابن القيم: وإذا اختلف ابن عباس وعائشة في شيء من أمر قيامه عليه الصلاة والسلام بالليل، فالقول قول عائشة، لكونها أعلم الخلق بقيامه بالليل. انتھی. فأما حديث ابن عباس فرواه البخاري ومسلم بلفظ: بت عند خالتي ميمونة ليلة والنبي عَّ عندها، فتحدث رسول اللّه عَّ له مع أهله ساعة ثم رقد، فلما كان ثلث الليل الآخر أو نصفه قعد ينظر إلى السماء، فقراً: ﴿إِن في خلق السموات مفتوحة فموحدة ثقيلة) انتبه من النوم (من الليل كبر الله،) أي: قالِ اللَّه أكبر (عشرًا وحمد الله،) أي: قال الحمد لله (عشرًا) من المرات، (وقال: سبحان الله وبحمده عشرًا، وقال: سبحان الملك) بكسر اللام (القدوس،) وهما من أسمائه في القرآن (عشرًا وأستغفر الله))) أي قال: ((اللهم اغفر لي واهدني وارزقني)) كما في رواية (عشرًا، وهلل،) قال: لا إله إلا اللَّه (عشرًا، ثم قال: ((اللهم إني أعوذ بك من ضيق الدنيا وضيق يوم القيامة)) عشرًا، ثم يفتتح الصلاة) المعتادة له بالليل، (رواه أبو داود) في السنن. (وقد روى) فعل مفعوله (حديث قيامه بالليل ووتره) وفاعله (عائشة وابن عباس) وفي حديثهما بعض اختلاف. (قال ابن القيم: وإذا اختلف ابن عباس وعائشة في شىء من أمر قيامه عليه الصلاة والسلام بالليل، فالقول قول عائشة لكونها أعلم الخلق بقيامه بالليل،) كما اعترف بذلك ابن عباس لمن سأله عن وتره ألا أدلك على أعلم أهل الأرض بوتر رسول اللَّه عَلآه؟ قال: من قال: عائشة، رواه مسلم. (انتهى) قول ابن القيم. (فأما حديث ابن عباس، فرواه البخاري ومسلم بلفظ: بت عند خالتي ميمونة ليلة والنبي عَّ عندها) في ليلتها، زاد في رواية: لأنظر كيف صلاة رسول اللَّه عَّه بالليل، وفي أخرى فقلت لها: إذا قام فأيقظيني، (فتحدث رسول اللَّه عَّةٍ مع أهله) زوجه ميمونة (ساعة) مدة من الزمان، (ثم رقد، فلما كان ثلث الليل الآخر) بالرفع صفة ثلث (أو نصفه،) وفي رواية: فنام حتى إذا انتصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل فتردد في ذلك لخفائه عليه، لأنه كان حينئذ ابن عشر سنين فتحرى القول في الرواية وترك المسامحة فيها، وإلا فقيامه عَّةٍ إنما كان