Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
الفرع الرابع عشر في ذكر تسليمه من الصلاة
في الفرض. وادعى بعض المالكية أنه منسوخ، وبعضهم أنه خاص به عَّهِ،
وبعضهم أنه كان لضرورة، وكلها مردودة ولا دليل عليها ولا ضرورة إليها، بل
الحديث صحيح صريح في جواز ذلك، وليس فيه ما يخالف الشرع، لأن الآدمي
طاهر، وما في جوفه من النجاسة معفو عنها لكونها في معدته، وثياب الأطفال
وأجسادهم محمولة على الطهارة، ودلائل الشرع متظاهرة على هذا، والأفعال في
الصلاة لا تبطلها إذا قلَّت أو تفرقت، وفعله عليه السلام للجواز، وتنبيهًا على هذه
الفرض) لأن المازري وعياضًا والقرطبي استبعدوا ذلك بأن إمامته في النافلة ليست بمعهودة،
والاستبعاد لا يمنع الوقوع، وقد أم في النفل في قصتي مليكة وعتبان وغيرهما.
وأما رواية أبي داود: بينا نحن ننتظر رسول اللَّه عَّه في الظهر أو العصر وقد دعاه بلال
إلى الصلاة، إذ خرج إلينا وأمامة على عاتقه، فقام في مصلاه، فقمنا خلفه، فكبر وكبرنا وهي في
مكانها فقد أعله ابن عبد البر؛ بأن أبا داود رواه من طريق ابن اسحق عن المقبري، وقد رواه
الليث عن المقبري، أي: عند البخاري، فلم يقل في الظهر أو العصر، فلا دلالة فيه على أنه في
فريضة. انتهى.
(وادعى بعض المالكية انه منسوخ) إشارة لقول أبي عمر لعله نسخ بتحريم العمل في
الصلاة، ورد بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، وبأن هذه القصة كانت بعد قوله عَ له: ((إن في
الصلاة لشغلاً)، لأنه كان قبل الهجرة بمدة، (وبعضهم) فيما نقله عياض؛ (أنه خاص به عَ ليه)
لعصمته من أن تبول وهو حاملها، ورد بأن الأصل عدم الاختصاص، وبأنه لا يلزم من ثبوته في أمر
ثبوته في غيره بلا دليل، ولا دخل للقياس في مثله، (وبعضهم) ورواه أشهب وابن نافع عن لملك
(أنه كان لضرورة) حيث لم يجد من يكفيه أمرها، وقال بعض أصحابه، لأنه لو تركها لبكت
وشغلت سره أکثر من شغله بحملها.
وقال الباجي: إن وجد من يكفيه أمرها جاز في النافلة دون الفريضة، وان لم يجد جاز
فيهما، (وكلها مردودة ولا دليل عليها ولا ضرورة إليها، بل الحديث صحيح صريح في
جواز ذلك) لكنه صادق بالكراهة، لاسيما وهو يفعل المكروه لغيره لبيان الجواز، أي: عدم منعه،
(وليس فيه ما يخالف الشرع، لأن الآدمي طاهر وما في جوفه من النجاسة معفو عنها) راعى
معنى مالا لفظها: فأنت، لأن من البيان والبيان عين المبين، فكأنه قال: والنجاسة التي في جوفه
معفو عنها، (لكونها في معدته، وثياب الأطفال وأجسادهم محمولة على الطهارة،) وفي
نسخة مبنية على الطهارة، وكأنه أريد بالبناء الحمل، (ودلائل الشرع متظاهرة على هذا،
والأفعال في الصلاة لا تبطلها إذا قلت) بأن نقصت عن ثلاث (أو) كثرت و (تفرقت) فإن

٤٠٢
الفرع الرابع عشر في ذكر تسليمه من الصلاة
القواعد التي ذكرتها.
وهذا يرد على ما ادعاه أبو سليمان الخطابي: أن هذا الفعل يشبه أن يكون
بغير تعمد لحملها في الصلاة، لكنها كانت تتعلق به عليه الصلاة والسلام فلم
يدفعها، فإذا قام بقيت معه من غير فعله، قال: ولا يتوهم أنه حملها ووضعها مرة
بعد أخرى، لأنه عمل كثير، ويشغل القلب، وإذا كان علم الخميصة شغله فكيف
لا يشغله هذا؟
هذا كلام الخطابي، وهو باطل، ودعوى مجردة، ومما يرده قوله في صحيح
مسلم: ((فإذا قام حملها، وإذا رفع من السجود أعادها)) وقوله في رواية غير مسلم:
((خرج حاملاً أمامة وصلى)) وذكر الحديث. وأما قضية الخميصة فإنها تشغل القلب
بلا فائدة، وحمل أمامة لا نسلم أنه يشغل القلب، وإن شغله فيترتب عليه فوائد،
{ إلت بطلت بثلاث ما لم يكن خفيفًا، كتحريك أصابعه في سبحة أو حك مع قرار الكف، كما
هو مذهب الشافعية، (وفعله عليه السلام للجواز،) وهو صادق بالكراهة، (وتنبيهًا على هذه
القواعد التي ذكرتها) من أول قوله، لأن الآدمي إلى هنا، لكن هذا إنما يرد على من علل
بالنجاسة أو الفعل الكثير.
أما من علل الكراهة بالشغل في الصلاة، فلا يرد عليه شىء من ذلك، (وهذا يرد على ما
ادعاه أبو سليمن الخطابي أن هذا الفعل يشبه أن يكون بغير تعمد لحملها في الصلاة،
لكنها،) أي: الصبية (كانت تتعلق به عليه الصلاة والسلام،) إذا سجد، لأنها ألفته، (فلم
يدفعها، فإذا قام بقيت معه من غير فعله) فيقل العمل.
(قال) الخطابي: (ولا يتوهم أنه حملها ووضعها مرة بعد أخرى، لأنه عمل كثير ويشغل
القلب) وكلاهما لا يجوز في الصلاة، (وإذا كان علم الخميصة شغله، فكيف لا يشغله هذا)
الفعل، (هذا كلام الخطابي، وهو باطل ودعوى مجردة) عن دليل.
(ومما يرده قوله في صحيح مسلم: فإذا قام حملها، وإذا رفع من السجود أعادها)
فهذا صريح في أن فعل الحمل والوضع منه ولا حمد، وإذا قام حملها فوضعها على رقبته.
(وقوله في رواية غير مسلم خرج حاملاً أمامة، وصلى وذكر الحديث) ولأبي داود:
حتى إذا أراد أن يركع أخذها فوضعها، ثم ركع وسجد، حتى إذا فرغ من سجوده وقام أخذها
فردها في مكانها.
(وأما قضية الخميصة، فإنها تشغل القلب بلا فائدة، وحمل أمامة لا نسلم أنه يشغل

٤٠٣
الفرع الرابع عشر في ذكر تسليمه من الصلاة
وبيان قواعد مما ذكرناه وغيره، فاحتمل ذلك الشغل لهذه الفوائد بخلاف
الخميصة.
والصواب الذي لا يعدل عنه أن الحديث كان للبيان والتنبيه على هذه
القواعد، فهو جائز لنا وشرع مستمر إلى يوم الدين انتهى.
وكان عَّهِ يصلي فيجيء الحسن أو الحسين فيركب على ظهره، فيطيل
السجدة كراهية أن يلقيه عن ظهره.
وكان يرد السلام بالإشارة على من يسلم عليه وهو في الصلاة.
قال جابر: بعثني رسول الله عَلَّهِ لحاجة، فأدركته وهو يصلي فسلمت عليه،
فأشار إلي، رواه مسلم.
وقال عبد الله بن مسعود: لما قدمت من الحبشة أتيت النبي عَّه وهو
يصلي، فسلمت عليه، فأوما برأسه، رواه البيهقي.
وكان عَّةٍ يصلي وعائشة معترضة بينه وبين القبلة، فإذا سجد غمزها بيده
القلب، وإن شغله فيترتب عليه فوائد وبيان قواعد مما ذكرناه وغيره، فاحتمل ذلك الشغل
لهذه الفوائد بخلاف الخميصة) فلا فائدة فيها أصلاً فافترقا.
(والصواب الذي لا يعدل عنه أن الحديث كان للبيان والتنبيه على هذه القواعد، فهو
جائز لنا) أن نفعل مثلہ (وشرع مستمر إلى يوم الدين، انتھی) کلام النووي.
(وكان عَّ يصلي فيجىء الحسن أو الحسين) أو للتنويع، (فيركب على ظهره
فيطيل السجدة كراهية أن يلقيه عن ظهره) سريعًا فيتأذى، (وكان يرد السلام بالإشارة على
من يسلم عليه وهو في الصلاة،) ففيه أنه يجب على المصلي رد السلام بالإشارة.
(قال جابر: بعثني رسول اللَّه عٍَّ لحاجة) وكان ذلك في غزوة بني المصطلق كما في
مسلم (فأدركته) لما رجعت من الحاجة (وهو يصلي، فسلمت عليه، فأشار إليَّ) ردّا
لسلامي، وقوله في رواية البخاري: فلم يرد علي معناه باللفظ، (رواه مسلم) والبخاري بنحوه.
(وقال عبد اللّه بن مسعود: لما قدمت من الحبشة أتيت النبي عَّه وهو يصلي
فسلمت عليه فأوماً) أشار (برأسه) لرد السلام، (رواه البيهقي،) وفيهما جواز السلام على
المصلي بلا كراهة، وهو قول لملك في المدونة وأحمد والجمهور، وقال في رواية ابن وهب:
یکره، وكذا قال عطاء والشعبي وجابر.
(وكان عَِّ يصلي وعائشة معترضة بينه وبين القبلة) اعتراض الجنازة، كما في نفس

٤٠٤
الفرع الرابع عشر في ذكر تسليمه من الصلاة
فقبضت رجليها، وإذا قام بسطتهما. رواه البخاري.
وكان عليه السلام لا يلتفت في صلاته. في البخاري عن عائشة قالت:
سألت رسول الله عَّ لهم عن الالتفات في الصلاة قال: ((هو اختلاس يختلسه الشيطان
من صلاة العبد)).
الحديث، أي: اعتراضًا كاعتراض الجنازة بأن تكون نائمة بين يديه من جهة يمينه إلى جهة
يساره، كما تكون الجنازة بين يدي المصلي عليها، (فإذا سجد غمزها،) أشار أو طعن (بيده،)
أي بأصبعه كما قاله البرهان الحلبي، قائلاً: إن ذلك جاء في رواية، (فقبضت رجليها، وإذا قام
بسطتهما،) قالت عائشة في رواية للشيخين: والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح، يعني: إذ لو
كانت لقبضت رجلي عند إرادة السجود ولما أحوجته للغمز فهو اعتذار، وفيه دلالة لمذهب
ملك أن لمس المرأة بلا لذة لا ينقض الوضوء، لأن شأن المصلي عدم اللذة، لا سيما النبي عَهُ،
واحتمال الحائل الأصل عدمه أو الخصوصية، فهي لا تثبت بالاحتمال، وعلى أن المرأة لا تبطل
صلاة من صلى إليها، وعليه الشافعي وأبو حنيفة ولملك مع كراهته لذلك لئلا يتذكر منها
ما يشغله عن الصلاة أو يبطلها، والنبي عَّةُ معصوم، (رواه البخاري) ومسلم وأبو داود وابن ماجه
من حديث عائشة بطرق عديدة وألفاظ متقاربة.
(وكان عليه السلام لا يلتفت في صلاته) لأنه ينقص الخشوع، أو لترك استقبال القبلة
ببعض البدن والإجماع على كراهته، والجمهور أنها للتنزيه، وقال الظاهرية: يحرم إلا لضرورة،
وقد قال عَِّ: ((لا يزال اللَّه مقبلاً على العبد في صلاته ما لم يلتفت، فإذا صرف وجهه عنه
انصرف)، رواه أبو داود والنسائي وابن خزيمة، وزاد: ((فإذا صليتم فلا تلتفوا)).
(في البخاري. عن عائشة قالت: سألت رسول اللَّه عٍَّ عن الالتفات في الصلاة، قال:
هو اختلاس) أي: اختطاف بسرعة، وفي النهاية: افتعال من الخلسة، وهي ما يؤخذ سلبًا مكابرة
وفيه نظر، وقال غيره: المختلس الذي يختطف من غير غلبة ويهرب ولو مع معاينة المالك،
والناهب يأخذ بقوة، والسارق من يأخذ خفية، فلما كان الشيطان قد يشغل المصلي عن صلاته
بالالتفات إلى شىء ما بغير حجة يقيمها أشبه المختلس (يختلسه) (بالضمير) للكشميهني،
وللأكثر: يختلس بلا ضمير (الشيطان من صلاة العبد).
قال ابن بريزة: أضيف إلى الشيطان، لأن فيه انقطاعًا من ملاحظة التوجه إلى الحق
سبحانه، وقال الطيبي: سمي اختلاسًا تصويرًا لقبح تلك الفعلة من المختلس، لأن المصلي يقبل
عليه الرب تعالى والشيطان مرتصد له ينتظر فوات ذلك عليه، فإذا التفت اغتنم الشيطان الفرصة
فسليه تلك الحالة.

٤٠٥
الفرع الرابع عشر في ذكر تسليمه من الصلاة
وروى أبو داود من حديث سهل بن الحنظلية: أنه عَّه قال يوم حنين: ((من
يحرسنا الليلة))؟ قال أنس بن أبي مرثد الغنوي: أنا يا رسول الله، قال: ((اركب)،
فركب فرسًا له، فقال: ((استقبل هذا الشعب حتى تكون في أعلاه))، فلما أصبحنا
ثُوَّب بالصلاة، فجعل عَّةٍ وهو يصلي يلتفت إلى الشعب، حتى إذا قضى الصلاة
قال: أبشروا قد جاء فارسكم.
فهذا الالتفات من الاشتغال بالجهاد في الصلاة، وهو يدخل في مداخل
العبادات، كصلاة الخوف، وقريب منه قول عمر - رضي الله عنه - إني لأجهز
الجيش وأنا في الصلاة، فهذا جمع بين الصلاة والجهاد، ونظيره التفكر في معاني
وقال غيره: الحكمة في جعل سجود السهو حابرا للمشكوك فيه دون الالتفات، وغيره
مما ينقص الخشوع أن السهو لا يؤاخذ به المكلف، فشرع له الجبر دون العمد ليتيقظ العبد له
فيجتنبه.
(وروى أبو داود) والنسائي وغيرهما من حديث سهل بن الحنظلية، صحابي، أنصاري،
أوسي، والحنظلية أمه، أو من أمهاته، واختلف في اسم أبيه؛ (أنه عَّ قال يوم حنين: ((من
يحرسنا الليلة))؟، قال أنس بن أبي مرثد) بفتح الميم وسكون الراء وفتح المثلثة، واسمه كناز،
بفتح الكاف وشد النون وزاي، ابن الحصين (الغنوي) بمعجمة ونون مفتوحتين نسبة إلى غنى بن
يعصر، صحابي ابن صحابي.
قال ابن منده: كان بينه وبين ابنه في السن عشرون سنة، ويكنى أبا يزيد، ومات سنة
عشرين (أنا يا رسول الله، قال: ((اركب)»، فركب فرسا له، فقال: ((استقبل هذا الشعب حتى
تكون في أعلاه)»).
قال سهل بن الحنظلية: (فلما أصبحنا ثوب) بضم المثلثة وكسر الواو ثقيلة، نودي
(بالصلاة، فجعل عَّه وهو يصلي يلتفت إلى الشعب، حتى إذا قضى الصلاة) أتمها، (قال:
أبشروا قد جاءكم فارسكم).
وفي بقية الحديث، فقال له عَّةُ: ((هل نزلت الليلة))، قال: لا إلا مصليًا أو قاضي حاجة،
فقال: ((قد أوجبت، فلا عليك أن لا تعمل بعدها)).
قال في الإصابة: إسناده على شرط الصحيح، (فهذا الالتفات من الاشتغال بالجهاد في
الصلاة، وهو يدخل في مداخل العبادات كصلاة الخوف،) فلا كراهة فيه ولا يمنع الإقبال،
(وقريب منه قول عمر رضي الله عنه: إني لأجهز الجيش،) أي أدبر تجهيزه (وأنا في الصلاة،
فهذا جمع بين الصلاة والجهاد) ولا ضير في ذلك، (ونظيره التفكر في معاني القرآن

٤٠٦
الفرع الرابع عشر في ذكر تسليمه من الصلاة
القرآن واستخراج كنوز العلم منه.
وكان ◌َ يصلي فعرض له الشيطان ليقطع عليه صلاته، فأخذه عَّه وخنقه
حتی سال لعابه علی یدیه.
واستخراج كنوز العلم منه) فإنه لا يضر الصلاة حيث لا يذهل عن شىء منها، (وكان جية.
يصلي فعرض له الشيطان) إبليس.
لكن في رواية للبخاري أن عفريتًا من الجن تفلت عليَّ، قال الحافظ: وهو ظاهر في أن
المراد بالشيطان في هذه الرواية غير إبليس كبير الشياطين (ليقطع عليه صلاته) أذية له وإن كان
لا تسليط له في قول ولا فعل ولا سبيل له إلى وسوسته، ولعبد الرزاق: عرض لي في صورة هر،
ولمسلم عن أبي الدرداء: جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي، ففهم ابن بطال وغيره أنه
عرض على صورته التي خلق عليها، وأن رؤيته كذلك خاص به علم، وأما غيره فلا لآية ﴿أنه
يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم﴾ [الأعراف/٢٧] مردود، (فأخذه ◌ٍَّ وخنقه) خنقًا شديدًا
(حتى سال لعابه) أي: الشيطان (على يديه) عَّدٍ، وللنسائي من حديث عائشة: فأخذته،
فصرعته، فخنقته حتى وجدت برد لسانه على يدي.
والحديث في الصحيحين والنسائي، واللفظ للبخاري عن أبي هريرة، عن النبي مَ نلا. قال:
إن عفريتا من الجن تفلت علي البارحة - أو كلمة لمحوها - ليقطع علي الصلاة، فأمكنني اللَّه
منه، فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تصبحوا وتنظروا إليه كلكم، فذكرت
قول أخي سليمن: ﴿رب اغفر لي وهب لي ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب﴾،
فرددته خاسًا، أي: مطرودًا وتفلت))، بالفاء وشد اللام، أي: عرض لي فلتة، أي: بغتة.
وقال القزاز: يعني توثب، وفي رواية: عرض لي فشد علي قال صاحب المنتهى: كل زائل
بارح، ومنه سميت البارحة وهي أدنى ليلة زالت، ثم لا يشكل مع هذا قوله عَل لعمر: والذي
نفسي بيده ما لقیك الشيطان سالگا فجا قط إلا سلك فجا غیر نجك، رواه الشيخان، لأنه ليس
فيه إلا فراره من مشاركته في سلوك الطريق لشدة بأسه خوفًا أن يفعل به شيئًا، وهذا لا يقتضي
عصمته، فلا يمنع من وسوسته له بحسب ما تصل إليه قدرته، بخلاف النبي ◌ٍَّ، فلا سبيل له
إلى وسوسته بوجه، وتعرضه له وتفلته عليه، إنما هو من الأذى الحسي، سلمنا أن عدم تسليطه
على عمر بالوسوسة يؤخر بطريق مفهوم الموافقة، لأنه إذا امتنع من سلوك الطريق، فأولى أن
لا يلابسه بحيث يتمكن من وسوسته له، لأنه يمكن كما قال الحافظ؛ أن عمر حفظ من الشيطان،
ولا يلزم من ذلك ثبوت العصمة له، لأنها في حق النبي واجبة، وفي حق غيره ممكنة. انتهى.
وأما قوله تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقي الشيطان في

٤٠٧
الفرع الرابع عشر في ذكر تسليمه من الصلاة
وهو
وروى مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه قال: أتيت النبي
يصلي، ولجوفه أزيز كأزيز المرجل، يعني يبكي، وفي رواية: لصدره أزيز كأزيز
الرحى من البكاء. رواه أحمد.
ولم يكن عَّلِ يغمض عينيه في صلاته.
٤: أميطي
وعن أنس قال: كان قرام لعائشة سترت به جانب بيتها، فقال
أمنيته﴾ [الحج: ٥٢]، فعنها أجوبة، أصحها أن المراد بتمني تلا كما فسر فسره ابن عباس، كما
قال تعالى: ﴿لا يعلمون الكتاب إلا أماني﴾، أي تلاوة، فقوله في أمنيته: أي تلاوته، فأخبر تعالى
أن سنته في رسله أنهم إذا قالوا قولاً زاد الشيطان فيه من قبل نفسه، لا أنهم يقولون هم ذلك،
كما صوبه عياض تبعًا للحافظ أبي بكر محمد بن العربي القاضي تبعًا لابن جرير، فليس فيه أنه
يلقي إليهم الوسوسة، لكنهم لا يعلمون بما يلقي لعصمتهم، كما زعمه بعض الصوفية تعلقًا بظاهر
الآية، ومر الكلام عليها مبسوطًا في المقصد الأول.
(وروى مطرف) بضم الميم وفتح الطاء المهملة وكسر الراء ثقيلة (ابن عبد الله بن
الشخير) بكسر الشين والخاء المعجمتين الثانية شديد وسكون التحتية، وبالراء العامري الحرشي
بفتح المهملتين، ثم معجمة أبو عبد الله البصري، ثقة، عابد، فاضل، مات سنة خمس وتسعین،
(عن أبيه) عبد الله بن الشخير ابن عوف العامري، صحابي من مسلمة الفتح، (قال: أتيت
النبي عَّ وهو يصلي ولجوفه أزيز) بزايين منقوطتين بينهما تحتية ساكنة، أي: صوت (كأزيز
المرجل:) بكسر الميم وسكون الراء وفتح الجيم ولام، قدر من النحاس عند غليانها (يعني
بيكي) لغلبة الخشية عليه، يسيل دمعه فيسمع لجوفه ذلك ولا يرد أن شدة البكاء في الصلاة
تبطلها، لأن بكاءه عَ لم يكن بصوت، بل تدمع عيناه حتى تهملا كما قدمه المصنف في
بحث ضحكه من شمائله مد.
(وفي رواية: لصدره أزيز كأزيز الرحى) أي: صوت كصوتها (من البكاء) من خشية الله،
يقال: أزت الرحى إذا صوتت، (رواه) أي: المذكور من الروايتين (أحمد) وأبو داود والنسائي،
وصححه ابنا خزيمة وحبان، (ولم يكن د يغمض) بضم التحتية وسكون المعجمة وميم
مخففة مكسورة من أغمض إغماضًا، وبضمها وفتح المعجمة وشد الميم مكسورة من غمض
تغميضًا (عينيه) أي: يطبق أجفانهما (في صلاته) لأنه غير مشروع، (وعن أنس قال: كان قرام)
(بكسر القاف وتخفيف الراء) ستر رقيق من صوف ذو ألوان أو رقم ونقوش (لعائشة سترت به
جانب بيتها، فقال) لها (: ((أميطي،) أي: أزيلي وزنًا ومعنى (عنا قرامك هذا، فإنه) أي:

٤٠٨
الفرع الرابع عشر في ذكر تسليمه من الصلاة
عنا قرامك هذا فإنه لا يزال تصاوير تعرض لي في صلاتي)). البخاري.
فلو كان يغمض عينيه لما عرضت له في صلاته، وقد اختلف الفقهاء في
كراهته، والحق أن يقال: إن كان تفتيح العين لا يخل بالخشوع فهو أفضل، وإن
كان يحول بينه وبين الخشوع كأن يكون في قبلته زخرفة أو غيرها مما يشغل قلبه
فلا يكره التغميض قطعًا بل ينبغي أن يكون مستحبًا في هذه الحالة.
وقد كانت صلاته عَّ له متوسطة، عارية عن الغلو كالوسوسة في عقد النية،
ورفع الصوت بها، والجهر بالأذكار والدعوات التي شرعت سرًا، وتطويل ما السنة
تخفيفه، كالتشهد الأول، إلى غير ذلك مما يفعله كثير ممن ابتلي بداء الوسوسة،
عافانا الله منها.
وهي نوع من الجنون، وصاحبها بلا ريب مبتدع مستنبط في أفعاله وأقواله
الشأن (لا يزال تصاوير) بغير ضمير.
وفي رواية: تصاويره بإضافته إلى الضمير فضمير فإنه، قال الحافظ: يحتمل عوده للثوب
(تعرض) بفتح أوله وكسر الراء تلوح، وللإسلمعيلي تعرض بفتح العين وشد الراء، وأصله تتعرض
(لي في صلاتي) ولم يعد الصلاة ولم يقطعها، وفي رواية للنسائي: فإني إذا رأيته ذكرت الدنيا،
(رواه البخاري) في الصلاة واللباس والنسائي، (فلو كان يغمض لما عرضت) تصاويره (له في
صلاته.
(وقد اختلف الفقهاء في كراهته) لما فيه من التعمق في الدين وعدم كراهته، (والحق
أن يقال: إن كان تفتيح العين لا يخل بالخشوع فهو أفضل) اتباعًا للفعل النبوي، (وإن كان
يحول بينه وبين الخشوع، كأن يكون في قبلته زخرفة أو غيرها مما يشغل قلبه، فلا يكره
التغميض قطعًا، بل ينبغي أن يكون مستحبًا في هذه الحالة) لكونه وسيلة إلى عدم ذهاب
الخشوع المطلوب.
(وقد كانت صلاته مظلة متوسطة عارية عن الغلو) أي: التشديد ومجاوزة الحد، قال
تعالى: ﴿لا تغلوا في دينكم﴾ [النساء: ١٧١]، وقال صلى الله عليه وسلم: ((إياكم والغلو في
الدين، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين))، رواه أحمد والنسائي: (كالوسوسة في عقد
النية ورفع الصوت بها، والجهر بالاذكار والدعوات التي شرعت سرا،) كالتسبيح والدعاء
في الركوع والسجود، (وتطويل ما السنة تخفيفه، كالتشهد الأول) وتقصير الثانية عن الأولى
(إلى غير ذلك مما يفعله كثير ممن ابتلي بداء الوسوسة، عافانا الله منها، وهي نوع من
الجنون، وصاحبها بلا ريب) بلا شك (مبتدع مستنبط في أفعاله وأقواله شيئًا لم يفعله

٤٠٩
الفرع الرابع عشر في ذكر تسليمه من الصلاة
شيئًا لم يفعله النبي عَّهِ، ولا أحد من الصحابة. وقد قال عليه السلام: ((إن خير
الهدي هدي محمد عَّله، وشر الأمور محدثاتها))، وعنه أيضًا: ((وإياكم ومحدثات
الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار)).
ومما نسب إلى إمام الحرمين: الوسوسة نقص في العقل، جهل بأحكام
الشرع.
ومن غرائب ما يتفق هؤلاء الموسوسين، أن بعضهم يشتغل بتكرير الطهارة
حتى تفوته الجماعة، وربما فاته الوقت، ومنهم من يشتغل في النية حتى تفوته
التكبيرة، وربما تفوته ركعة أو أكثر، ومنهم من يحلف أن لا يزيد على هذه التكبيرة
ثم يكذب.
ومن العجب أن بعضهم يتوسوس في حال قيامه حتى يركع الإمام، فإذا
خشي فوات الركوع كبر سريعًا وأدركه، فمن لم تحصل له النية في القيام الطويل
النبي عَّة) ولم يقله (ولا أحد من الصحابة).
(وقد قال عليه السلام) أثناء حديث في مسلم وغيره عن جابر ((إن خير الهدى هدى
محمد عَّة،) بفتح الهاء وسكون الدال فيهما، أي أحسن الطرق طريقه وسمته وسيرته، (وشر
الأمور محدثاتها))) جمع محدثة، وهي ما لم يعرف من كتاب ولا سنة ولا إجماع.
قال الطيبي وغيره: روي ((شر) بالنصب عطفًا على اسم إن وهو الأشهر، وبالرفع عطفًا
على محل إن مع اسمها، (وعنه) عَّة (أيضًا: ((وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة
بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار))،) أي صاحبها. (ومما نسب إلى إمام
الحرمين الوسوسة نقص في العقل وجهل بأحكام الشرع،) إذ لو كان عاقلاً أو عالمًا
ما توسوس، (ومن غرائب ما يتفق هؤلاء الموسوسين) بفتح الواو اسم مفعول، أي: الموسوس
إليهم من الشيطان، ففيه حذف وإيصال.
وفي التنزيل: فوسوس إليه الشيطان (أن بعضهم يشتغل بتكرار الطهارة حتى تفوته
الجماعة، وربما فاته الوقت) رأسًا.
(ومنهم من يشتغل في النية حتى تفوته التكبيرة، وربما تفوته ركعة أو أكثر،) وربما فاتته
الصلاة مع الإمام رأسًا.
(ومنهم من يحلف أنه لا يزيد على هذه التكبيرة، ثم يكذب) فيزيد، (ومن العجب أن
بعضهم يتوسوس في حال قيامه حتى يركع الإمام، فإذا خشي فوات الركوع كبر سريعًا

٤١٠
الفرع الرابع عشر في ذكر تسليمه من الصلاة
حال فراغ باله، فكيف حصل له في الوقت الضيق مع شغل باله بفوات الركعة.
ومنهم من يكثر التلفظ بالتكبير، حتى يشوش على غيره من المأمومين، ولا
ريب أن ذلك مكروه، ومنهم من يزعج أعضاءه، ويحني جبهته، ويقيم عروق عينيه،
ويصرخ بالتكبير كأنه يكبر على العدو، ومنهم من يغسل عضوه غسلاً يشاهده
ويبصره، ويكبر ويقرأ بلسانه، ويسمع بأذنه، ويعلمه بقلبه، ومع ذلك يصدق
الشيطان في إنكاره يقين نفسه وجحده لما رآه ببصره، ولما سمعه بأذنه.
وقد سأل رجل أبا الوفاء بن عقيل فقال: إني أكبر وأقول ما كبرت، وأغسل
العضو في الوضوء وأقول ما غسلته، فقال ابن عقيل: دع الصلاة فإنها لا تجب
عليك، فقال: له: كيف ذلك؟ فقال لأن النبي عَّلـ قال: رفع القلم عن المجنون
حتى يفيق، ومن يكبر ثم يقول ما كبرت فليس بعاقل، والمجنون لا تجب عليه
الصلاة.
وأدركه، فمن لم تحصل له النية في القيام الطويل حال فراغ باله، فكيف حصل له في
الوقت الضيق مع شغل باله بفوات الركعة،) وهذا بيان لوجه العجب.
(ومنهم من يكثر التلفظ بالتكبير حتى يشوش على غيره من المأمومين، ولا ريب أن
ذلك مكروه،) بل قد یحرم.
(ومنهم من يزعج أعضاءه ويحني جبهته ويقيم عروق عينيه ويصرخ بالتكبير، كأنه
يكبر على العدو) في الحرب.
(ومنهم من يغسل عضوه غسلاً يشاهده ببصره ويكبر ويقرأ بلسانه ويسمع بأذنه ويعلمه
بقلبه، ومع ذلك يصدق الشيطان في إنكاره يقين نفسه وجحده لما رآه ببصره ولما سمعه
بأذنه).
(وقد سأل رجل أبا الوفاء بن عقيل، فقال: إني أكبر وأقول ما كبرت، وأغسل العضو
في الوضوء وأقول ما غسلته، فقال ابن عقيل: دع الصلاة، فإنها لا تجب عليك،) وليس أمرًا
حقيقيًا، بل أتى به ليبين له خطأه، وأن حاله كالمجنون، وهذا من حسن الخطاب، إذ لو قال له
ابتداء أنت مجنون، لأنكر عليه ولم ينتفع بكلامه ولم يصغ له، (فقال له: كيف ذلك؟) أي:
لا تجب علي وأنا مكلف، (فقال: لأن النبي ◌َّ قال: ((رفع القلم عن المجنون حتى
يقيق)) من جنونه، (ومن يكبر ثم يقول: ما كبرت، فليس بعاقل، والمجنون لا تجب عليه

٤١١
الفرع الخامس عشر في ذكر قوته مج﴾
فمن أراد التخلص من هذه البلية فليتبع سنة نبيه عليه السوية، ويقتدي بملته
الحنيفة، فإن غلب عليه الأمر وضاقت عليه المسالك فليتضرع إلى الله ويبتهل إليه
في کشف ذلك.
الفرع الخامس عشر
صَلىالله
في ذكر قنوته عَادٍ
ليعلم أن القنوت يطلق على القيام، والسكوت، ودوام العبادة، والدعاء
والتسبيح، والخضوع.
كما قال تعالى: ﴿وله من في السموات والأرض كل له قانتون﴾ [الروم/
٢٦].
وقال تعالى: ﴿أمن هو قانت آناء الليل ساجدًا وقائمًا﴾، الآية، [الزمر/٩].
وقال تعالى: ﴿وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين﴾،
[التحريم/١٢].
الصلاة، فمن أراد التخلص من هذه البلية فليتبع سنة نبيه عَ السوية) أي: المستقيمة، وفي
نسخة: السنية، أي: المرتفعة، والأولى أنسب هنا كما لا يخفى، (ويقتدي بملته الحنيفة، فإن
غلب عليه الأمر وضاقت عليه المسالك، فليتضرع إلى اللّه ويبتهل إليه في كشف ذلك)
لعل اللَّه تعالى بفضله يكشفه واللَّه أعلم.
(الفرع الخامس عشر: في ذكر قنوته حية)
لفظًا ومحلاً (ليعلم أن القنوت يطلق على القيام) في الصلاة كما قيد به المجد
والمصباح، وزاد: ومنه أفضل الصلاة طول القنوت (والسكوت،) ومنه: وقوموا لله قانتين، وفي
البيضاوي: ذاكرين له في القيام والقنوت: الذكر فيه، وقيل: خاشعين، وقال ابن المسيب: المراد به
القنوت في الصبح (ودوام العبادة والدعاء والتسبيح والخضوع، كما قال تعالى: ﴿وله من في
السموات والأرض﴾) خلقًا وعبيدًا وملكًا، (﴿كل له قانتون﴾) خاضعون مطيعون.
(وقال تعالى: ﴿أمن﴾) (بتخفيف الميم)، وفي قراءة أمن بمعنى، بل والهمزة (﴿هو
قانت﴾) قائم بوظائف الطاعات (﴿آناء الليل)) ساعاته: جمع أنا (بكسر الهمزة وفتحها) وأنو،
وأني (بالواو والياء مع كسر الهمزة فيهما)، فهي أربع لغات كما في شرح المصابيح (﴿ساجدًا
وقائمًا﴾) في الصلاة (الآية).
(وقال تعالى: وصدقت:) آمنت مريم (بكلمات ربها) شرائعه (وكتبه) المنزلة (وكانت

٤١٢
الفرع الخامس عشر في ذكر قنوته عـ
والمراد به هنا: الدعاء في محل مخصوص من القيام.
وعن أنس قال: بعث النبي عَّةٍ سبعين رجلاً يقال لهم القراء، فعرض لهم
حيان من سليم، وعل وذكوان، عند بئر يقال لها بئر معونة، فقتلوهم، فدعا عليهم
النبي عليه شهرًا في صلاة الغداة، وذلك بدء القنوت، وما كنا نقنت. قال
عبد العزيز بن صهيب: فسأل رجل أنسًا عن القنوت أبعد الركوع أو عند فراغ
القراءة؟ قال: بل عند فراغ القراءة (وفي) رواية (أخرى قنت شهراً بعد الركوع على
أحياء من العرب).
وفي أخرى قنت شهرًا بعد الركوع في صلاة الصبح يدعو على رعل وذكوان،
من القانتين﴾) من القوم المطيعين، فعدل عن القانتات لذلك ولرعاية الفواصل، (والمراد به هنا
الدعاء في محل مخصوص من القيام).
قال الحافظ: وذكر ابن العربي؛ أن القنوت ورد لعشرة معان، فنظمها شيخنا الحافظ زين
الدين العراقي، كما أنشدنا لنفسه إجازة غير مرة:
مزيدًا على عشر معاني مرضيه
ولفظ القنوت أعدد معانيه تجد
دعاء خشوع والعبادة طاعة إقامتها إقراره بالعبودية
سكوت صلاة والقيام وطوله كذاك دوام الطاعة الرابح القنية
(وعن أنس قال: بعث النبي عَّهُ سبعين رجلاً) لحاجة كما في رواية للبخاري، وهي: أن
رعلا وغيرهم استمدوه، فأمدهم بالسبعين وكان (يقال لهم القراء) جمع قارىء لكثرة قراءتهم، أو
هي الدعاء للإسلام كما عند ابن إسحق، (فعرض لهم) للسبعين (حيان،) بفتح المهملة والتحتية
المشددة تثنية حي، أي: جماعة (من سليم،) بضم السين أحدهما (رعل) بكسر الراء وسكون
المهملة ولام، (و) الآخر (ذكوان،) بفتح المعجمة وسكون الكاف آخره نون غير منصرف (عند
بئر يقال لها بئر معونة،) بفتح الميم وضم العين وإسكان الواو فنون فهاء.
زاد في رواية للبخاري: فقال القوم: واللَّه ما إياكم أردنا، إنما نحن مجتازون في حاجة
للنبي مَّة، (فقتلوهم) إلا كعب بن زيد قيس بن لملك، فتركوه وبه رمق، فارتث من بين
القتلى، فعاش حتى استشهد يوم الخندق، (فدعا عليهم النبي عَِّ شهرًا في صلاة الغداة،)
أي: الصبح، (وذلك بدء القنوت وما كنا نقنت) قبل ذلك.
(قال عبد العزيز بن صهيب) بضم المهملة وفتح الهاء فتحتية فموحدة، راوي الحديث
عن أنس: (فسأل رجل) هو عاصم الأحول (أنسا عن القنوت، أبعد الركوع أم عند فراغ
القراءة؟، قال) أنس: (بل عند فراغ القراءة) وقبل الركوع.
(وفي) رواية (أخرى) في الصحيح عن أنس: (قنت شهرًا بعد الركوع يدعو على أحياء

٤١٣
الفرع الخامس عشر في ذكر قنوته مل.
ويقول: ((عصية عصت الله ورسوله)).
وفي أخرى: بعث عَّهِ سرية يقال لهم: ((القراء)) فأصيبوا، فما رأيت
◌َّةُ وجد على شيء ما وجد عليهم، فقنت شهرًا في صلاة الفجر. هذه
رسول الله صلى الله
رواية البخاري ومسلم.
وللبخاري: كان القنوت في المغرب والفجر.
وفي رواية أبي داود والنسائي: قنت في صلاة الصبح بعد الركوع، وفي
أخرى: قنت شهرًا ثم تركه.
وفي أخرى للنسائي: قنت شهرًا يلعن رعلاً وذكوان ولحيان.
من العرب))) بفتح الهمزة وسكون الحاء جمع حي.
(وفي) رواية (أخرى) في الصحيح أيضًا عن أنس: (قنت شهرًا بعد الركوع في صلاة
الصبح يدعو على رعل وذكوان، ويقول: ((عصية) (بضم العين) مصغر (عصت الله ورسوله)))
أشد العصيان بالكفر ونقض العهد، فليس بيانًا لوجه التسمية، بل بيانًا لما هم عليه من الفعل القبيح.
(وفي) رواية (أخرى) في الصحيح أيضًا عن أنس: (بعثَّ سرية) سبعين رجلاً (يقال
لهم القراء) لكثرة قراءتهم وكانوا يحتطيون بالنهار ويشترون به الطعام للفقراء وأهل الصفة ويأتون
بالحطب تارة إلى حجر أزواجه عَّة ويصلون بالليل ويتدارسون القرآن، (فأصيبوا:) قتلوا (فما
رأيت رسول اللَّه عَلّه وجد) (بجيم)، أي حزن (على شىء ما وجد عليهم،) لأنه ما بعثهم
لقتال إنما هم مبلغون رسالته وداعون إلى الإسلام، وقد جرت عادة العرب قديمًا؛ أنهم لا يقتلون
الرسل، ولنقضهم العهد الذي كان بينهم وبينه عَّهُ (فقنت شهرًا في صلاة الفجر،) أي الصبح،
(هذه رواية البخاري ومسلم،) ومرت القصة في المغازي، (وللبخاري) عن أنس قال: (كان
القنوت في المغرب والفجر) أي: الصبح لكونهما طرفي النهار لزيادة شرف وقتهما رجاء إجابة
الدعاء.
(وفي رواية أبي داود والنسائي) عن أنس: (قنت) عَّ (في صلاة الصبح بعد
الركوع، وفي أخرى: قنت شهرًا ثم تركه) لما نزل: ﴿ليس لك من الأمر شىء﴾ [آل
عمران: ١٢٨].
(وفي أخرى للنسائي) عن أنس: (قنت شهرًا يلعن رعلاً وذکوان ولحیان،) بكسر اللام
وفتحها، وإنما عزاه للنسائي مع أن في البخاري في المغازي عن أنس: فقنت شهرًا يدعو في
الصبح على إحياء من أحياء العرب على رعل وذكوان وعصية وبني لحيان، لأن في رواية النسائي

٤١٤
الفرع الخامس عشر في ذكر قنوته معَّاية
وعن ابن عباس: قنت عَِّ شهرًا متتابعًا، في الظهر والعصر والمغرب
والعشاء وصلاة الصبح، في دبر كل صلاة، إذا قال: ((سمع الله لمن حمده)) من
الركعة الأخيرة، يدعو على أحياء من سليم، على رعل وذكوان وعصية، ويؤمّن من
خلفه. رواه أبو داود.
وعن ابن عمر: أنه سمع رسول الله عَّ إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة
الأخيرة من الفجر يقول: ((اللهم العن فلانًا وفلانًا وفلانًا))، بعدما يقول: ((سمع الله
بيان أن المراد بالدعاء اللعن.
قال الحافظ: ومجموع ما جاء عن أنس أن القنوت للحاجة بعد الركوع لا خلاف عنه في
ذلك، وأما لغير الحاجة، فالصحيح عنه أنه قبل الركوع، وقد اختلف عمل الصحابة في ذلك
والظاهر أنه من الاختلاف المباح، قال: وظهر لي أن الحكمة في جعله قنوت النازلة في الاعتدال
دون السجود مع أنه مظنة الإجابة كما ثبت أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد وثبوت الأمر
بالدعاء فيه أن المطلوب من قنوت النازلة أن يشارك المأموم الإمام في الدعاء ولو بالتأمين، ومن
ثم اتفقوا على أنه يجهر به بخلاف القنوت في الصبح، فاختلف في محله والجهر به. انتھی.
(وعن ابن عباس) قال: (قنت عَِّ شهرًا متتابعًا) متواليًا (في الظهر والعصر والمغرب
والعشاء وصلاة الصبح في دبر كل صلاة،) أي: قبل الفراغ منها أخذًا من قوله: (إذا قال
سمع اللَّه لمن حمده من الركعة الأخيرة) وعبر بالدبر لقربه من الآخر (يدعو على أحياء))) بفتح
فسكون جمع حي (من سليم،) بضم السين (على رعل وذكوان وعصية ويؤمن من خلفه)
على دعائه، (رواه أبو داود) وصححه الحاكم وهو من مرسلات الصحابة، لأن ابن عباس كان
حينئذ بمكة مع أبويه فلم يشاهد ذلك، وفيه أن الدعاء على الكفار والظلمة جائز في الصلاة
ولا یفسدها.
(وعن ابن عمر أنه سمع رسول اللَّه عَّهُ إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة
من الفجر،) أي: الصبح بعد أن كسرت رباعيته يوم أحد، (يقول: ((اللهم العن فلانا وفلانا
وفلانا)) هم صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو والحرث بن هشام، كما رواه البخاري في غزوة
أحد عن سالم بن عبد الله بن عمر مرسلاً، ووصله أحمد والترمذي، وزاد في آخره: فتيب عليهم
كلهم، وسمى الترمذي في روايته أبا سفين بن حرب، وفي كتاب ابن أبي شيبة منهم العاصي بن
هشام، قال في مقدمة فتح الباري وهو وهم، فإن العاصي قتل بيدر قبل ذلك، قال: ونقل السهيلي
عن الترمذي فيهم عمرو بن العاصي، فوهم في نقله. انتهى.
فقد رجم بالغيب من قال: لعله لعنهم لعلمه بموتهم على الكفر (بعدما يقول سمع اللّه

٤١٥
الفرع الخامس عشر في ذكر قنوته عَّه.
لمن حمده، ربنا ولك الحمد)، فأنزل الله عليه ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾، إلى
قوله: ﴿فإنهم ظالمون﴾، [آل عمران/١٢٨]، رواه البخاري.
وعن أبي هريرة: كان عَّ إذا رفع رأسه من الركعة الثانية، قال: ((اللهم أنج
الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة والمستضعفين بمكة، اللهم
لمن حمده ربنا ولك الحمد) بإثبات الواو، وفي رواية: بإسقاطها، (فأنزل اللَّه عليه ليس لك
من الأمر شيء) إنما أنت عبد مأمور بإنذارهم وجهادهم وشىء اسم ليس ولك خبر ومن الأمر
حال من شىء، لأنها صفة مقدمة (إلى قوله: فإنهم ظالمون) بالكفر، (رواه البخاري) في غزوة
أحد والتفسير والاعتصام، وفيه أن سبب نزولها الدعاء على هؤلاء، وعورض بما رواه مسلم وأحمد
والترمذي والنسائي عن أنس، قال: كسرت رباعيته عَّ له يوم أحد، وشج وجهه فجعل الدم يسيل
على وجهه، وجعل يمسحه ويقول: ((كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم))،
فأنزل اللَّه: ﴿ليس لك من الأمر شىء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون﴾ [آل
عمران: ١٢٨]، وجمع الحافظ بأنه دعا على المذكورين في صلاته بعدما وقع له يوم أحد،
فنزلت الآية فيما وقع له وفيما نشأ عنه من الدعاء عليهم، قال: لكن يشكل ذلك بما في مسلم
عن أبي هريرة؛ أنه عَّله. كان يقول في الفجر: ((اللهم العن لحيان ورعلا وذكوان وعصية)) حتى
أنزل الله ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾، ووجه الأشكال أن الآية نزلت في قصة أحد وقصة رعل
وذكوان بعدها، ثم ظهرت لي علة الخبر، وأن فيه أدراجًا، فإن قوله: حتى أنزل اللَّه منقطع من
رواية الزهري عمن بلغه بين ذلك مسلم، وهذا البلاغ لا يصح لما ذكرته، ويحتمل أن قصتهم
كانت عقب ذلك، وتأخر نزول الآية عن سببها قليلاً، ثم نزلت في جميع ذلك، وقال في محل
آخر فيه بعد، والصواب أنها نزلت بسبب قصة أحد. انتهى.
وقدمت ذلك في غزوتها، وقال صاحب اللباب: اتفق أكثر العلماء على نزولها في قصة
أحد.
(وعن أبي هريرة) قال: (كان) النبي (عَّ إذا رفع رأسه من الركعة الثانية) من صلاة
الصبح، (قال: اللهم انج،) بكسر الجيم بعد همزة القطع وهي للتعدية، يقال: نجا فلان وانجيته
(الوليد بن الوليد) المخزومي أخا خالد، أسلم وعذب في اللّه ثم نجا وهاجر ومات في العهد
النبوي، (وسلمة)) بسين أوله (ابن هشام) المخزومي أخ أبي جهل، أسلم قديمًا وهاجر إلى
الحبشة، ثم قدم مكة فمنعوه وعذبوه، ثم هاجر بعد الخندق وشهد مؤتة، واستشهد بمرج
الصفراء، وقيل: بأجنادين (وعياش،) بتحتية وشين معجمة (ابن أبي ربيعة) المخزومي من
السابقين المعذبين في اللَّه، (و) أنج (المستضعفين بمكة) عطف عام على خاص وهؤلاء قوم

٤١٦
الفرع الخامس عشر في ذكر قنوته عـ
اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف».
وفي رواية: في صلاة الفجر. وفي رواية: ثم بلغنا أنه ترك ذلك لما أنزل الله
تعالى عليه: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾، رواه البخاري ومسلم.
وعن البراء: كان عَُّ يقنت في صلاة الصبح والمغرب. رواه مسلم والتر.
ولأبي داود: في صلاة الصبح ولم يذكر المغرب.
وعن أبي مالك الأشجعي قال: قلت لأبي: يا أبت إنك قد صليت خلف
أسلموا من أهل مكة، فعذبهم الكفار ثم نجوا ببركة دعائه عَّهِ وهاجروا إليه.
وروى الحافظ أبو بكر ابن زياد النيسابوري عن جابر قال: رفع عَّه رأسه من الركعة
الأخيرة من صلاة الصبح صبيحة خمس عشرة من رمضان، فقال: ((اللهم أنج)) الحديث، وفيه:
فدعا بذلك خمسة عشر يومًا حتى إذا كان صبيحة يوم الفطر ترك الدعاء. (اللهم اشدد) بهمزة
وصل (وطأتك) بفتح الواو وسكون الطاء المهملة وفتح الهمزة، أي: بأسك وعقوبتك (على)
كفار قريش أولاد (مضر اللهم اجعلها،) أي: الوطاة أو السنين أو الأيام (عليهم سنين کسني
يوسف) عليه السلام في بلوغ غاية الشدة وسني جمع سنة وفيه شذوذ أن تغيير مفرده من الفتح
إلى الكسر وكونه جمعًا لغير عاقل وحكمه أيضًا مخالف لجموع السلامة في جواز إعرابه كحين
بالحركات على النون، وكونه منونًا وغير منون منصرفًا وغير منصرف، قاله المصنف: وقال شيخنا
سني بكسر السين وإسكان التحتية مخففة، والأصل كسنين يوسف حذفت النون للإضافة حملا
على جمع المذكر السالم. انتهى.
وقد استجاب اللَّه له فأخذهم القحط والجدب حتى أكلوا الجلود والميتة والجيف، فأتاه
أبو سفين بن حرب وكان على دينهم، فسأله أن يدعو لهم، فاستسقى لهم فسقوا كما في
الصحيحين.
(وفي رواية في صلاة الفجر) بعد قوله: من الركعة الثانية، (وفي رواية: ثم بلغنا أنه
ترك ذلك لما أنزل الله تعالى عليه ﴿ليس لك من الامر شىء﴾، رواه البخاري ومسلم)
بطرق وألفاظ متقاربة.
(وعن البراء) بن عازب قال: (كان عَُّ يقنت في صلاة الصبح والمغرب، رواه مسلم
والترمذي) وروى البخاري مثله عن أنس كما مر، (ولأبي داود) عن البراء (في صلاة الصبح
ولم يذكر المغرب) تقصيرًا من بعض الرواة، أو حذفًا لما نسخ.
(وعن أبي ملك الأشجعي) الكوفي، ثقة، روى له مسلم والأربعة واسمه سعد، بسكون

٤١٧
الفرع الخامس عشر في ذكر قنوته علّة
رسول الله عَّ وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي بن أبي طالب - ههنا بالكوفة خمس
سنين - أكانوا يقنتون؟ قال: أي بني، محدث. رواه الترمذي.
وعن سعيد بن جبير قال: أشهد أني سمعت ابن عباس يقول: إن القنوت في
صلاة الفجر بدعة. رواه الدارقطني.
العين ابن طارق، مات في حدود الأربعين ومائة، (قال: قلت لأبي) طارق بن أشيم بمعجمة وزن
أحمر ابن مسعود الأشجعي، صحابي له أحاديث، قال مسلم، لم يرو عنه غير ابنه (يا أبت إنك
قد صليت خلف رسول اللَّه عَّةٍ وأبي بكر وعمر وعثمن وعلي بن أبي طالب ههنا بالكوفة
خمس سنين) ظرف لصلاته مع علي (أكانوا يقنتون قال، أي:) بفتح فسكون نداء القريب
(بني) تصغير تحبب (محدث،) أي: ما كانوا يقنتون والقنوت محدث، ويحتمل أن يكون مراده
أنه لم يكن من أول فرض الصلاة وإنما حدث بعد الهجرة، فهو نحو قول أنس: وذلك بدء القنوت
وما كنا نقنت، (رواه الترمذي) في جامعه.
(وعن سعيد بن جبير قال: أشهد أني سمعت ابن عباس يقول: إن القنوت في صلاة
الفجر بدعة) حدثت بعده عَّةٍ، ويجوز أنه أراد أنها لم تكن من أول الإسلام على نحو ما جوزناه
في قول طارق محدث، ويؤيده أنه روي أن ابن عباس كان يقنت، (رواه الدارقطني،) فإن ساغ
هذا التأويل، وإلا فالمثبت مقدم على النافي، فقد صح أنه عٍَّ لم يزل يقنت في الصبح حتى
فارق الدينا كما يأتي.
وحكاه الحافظ العراقي عن الخلفاء الأربعة وأبي موسى وابن عباس نفسه والبراء وعن
جماعة من التابعين والأئمة.
وفي الصحيحين عن عاصم بن سليمن الأحول قال: سألت أنس بن لملك عن القنوت،
فقال: قد كان القنوت، قلت: قبل الركوع أو بعده، قال: قبله، قلت: فإن فلانًا أخبرني عنك أنك
قلت بعد الركوع، فقال: كذب إنما قنت عَّةِ بعد الركوع شهرًا أراه كان بعث قومًا يقال لهم
القراء زهاء سبعين رجلاً إلى قوم من المشركين وكان بينهم وبينه عَّةٍ عهد، فغدروهم وقتلوهم،
فقنت شهرًا يدعو عليهم. وفي ابن ماجه بإسناد قوي عن أنس أنه سئل عن القنوت، فقال قبل
الركوع وبعده.
روى ابن المنذر عن أنس: أن بعض الصحابة قنتوا قبل الركوع وبعضهم بعده، وروى
محمد بن نصر عن أنس أن أول من جعل القنوت قبل الركوع، أي دائمًا عثمن لكي يدرك الناس
الركعة.

٤١٨
الفرع الخامس عشر في ذكر قنوته
قال بعض العلماء: الصواب أنه معَّهِ قنت وترك، وكان تركه للقنوت أكثر
من فعله، فإنه قنت عند النوازل للدعاء لقوم، والدعاء على آخرين، ثم تركه لما قدم
من دعا لهم وخلصوا من الأُسر وأسلم من دعا عليهم فجاؤوا تائبين، وكان قنوته
لعارض. فلما زال العارض ترك القنوت.
ولم يكن مختصًا بالفجر، بل كان يقنت في صلاة الفجر والمغرب، ذكره
البخاري في صحيحه عن أنس، وذكره مسلم عن البراء، وصح عن أبي هريرة أنه
قال: والله إني لأنا أقربكم صلاة بصلاة رسول الله عَّه إنه كان يقنت في الركعة الأخيرة
من الصبح بعدما يقول: ((سمع الله لمن حمده))، قال: ابن أبي فديك: ولا
ريب أن رسول الله عَّ فعل ذلك ثم تركه. فهذا رد على القائل بكراهة القنوت
(قال بعض العلماء: الصواب أنه عٍَّ قنت وترك) ليفيد أنه ليس بواجب، (وكان تركه
للقنوت أكثر من فعله،) أي: للحاجة فلا ينافي قول أنس: لم يزل يقنت في الفجر حتى فارق
الدنيا، ويدل له قوله: (فإنه قنت عند النوازل للدعاء لقوم) بالنجاة، (والدعاء على آخرين)
باللعن والقحط، (ثم تركه لما قدم من دعا لهم وخلصوا من الأسر، وأسلم من دعا عليهم
فجاؤوا تأثبين) فسر بذلك (وكان قنوته لعارض، فلما زال العارض ترك القنوت ولم يكن
مختصًا بالفجر،) أي: قنوت النازلة، (بل كان يقنت في صلاة الفجر والمغرب) وبقية الصلوات
كما مر في حديث ابن عباس، أما لغير النازلة، فإنما كان في صلاة الصبح (ذكره) أي: رواه
(البخاري في صحيحه عن أنس وذكره) أي: رواه (مسلم عن البراء) ومر آنفًا، وبه تمسك
الطحاوي في ترك القنوت في الصبح، قال: لأنهم أجمعوا على نسخة في المغرب فيكون
الصبح، كذلك قال الحافظ: ولا يخفي ما فيه، وعارضه بعضهم بأنهم أجمعوا على أنه مَّهِ قنت
في الصبح، ثم اختلفوا هل ترك فنتمسك بما أجمعوا عليه حتى يثبت ما اختلفوا فيه.
(وصح عن أبي هريرة أنه قال: والله إني لأنا أقربكم صلاة بصلاة رسول اللَّه عَفه)
لمواظبتي له وضبطي لصفة صلاته، فأنا أعرف بها منكم، (إنه كان يقنت في الركعة الأخيرة
من الصبح بعدما يقول سمع الله لمن حمده،) أي: في بعض الصلوات، فلا يخالف قول أنس:
كان يقنت قبل الركوع، فأفاد الفعل النبوي جوازه قبل وبعد.
(قال ابن أبي فديك:) بالفاء والدال المهملة مصغر نسبة إلى جد أبيه فهو محمد بن
إسمعيل بن مسلم بن أبي فديك الديلمي، مولاهم المدني أبو إسماعيل، صدوق، روى له الجماعة،
مات سنة مائتين على الصحيح، (ولا ريب أن رسول اللَّه عَلّة فعل ذلك) أي: قنت (ثم تركه،

٤١٩
الفرع الخامس عشر في ذكر قنوته معلّ.
في الفجر مطلقًا عند النوازل وغيرها ويقولون هو منسوخ وفعله بدعة.
وأهل الحديث متوسطون بين هؤلاء وبين من استحبه، ويقولن فعله سنة،
وتركه سنة، ولا ينكرون على من داوم عليه، ولا يكرهون فعله، ولا يرونه بدعة،
ولا فاعله مخالفًا للسنة، من قنت فقد أحسن ومن ترك فقد أحسن. انتهى.
ومذهب الشافعي - رحمه الله - أن القنوت مشروع في صلاة الصبح دائمًا،
في الاعتدال ثانية الصبح، لما رواه أنس: ما زال رسول الله عَّه يقنت في الفجر
حتى فارق الدنيا. رواه أحمد وغيره.
قال ابن الصلاح: قد حكم بصحته غير واحد من الحفاظ، منهم الحاكم
والبيهقي، وأبو عبد الله محمد بن علي البلخي، وفي البيهقي العمل بمقتضاه عن
الخلفاء الأربعة.
فهذا رد على القائل بكراهة القنوت في الفجر مطلقًا عند النوازل وغيرها، ويقولون: هو
منسوخ وفعله بدعة؛) ووجه الرد أن ما فعله عٍَّ لا يكون بدعة، ودعوى النسخ لا دليل عليها
وتركه لا يفيده، فإنه لبيان الجواز، (وأهل الحديث متوسطون بين هؤلاء) الزاعمين أنه بدعة
(وبين من استحبه، يقولون: فعله سنة،) أي: منقول عنه عَّ. (وتركه سنة،) لأنه فعله وتركه،
(ولا ينكرون على من داوم عليه ولا يكرهون فعله ولا يرونه) يعتقدونه (بدعة ولا) يرون
(فاعله مخالفًا للسنة، من قنت فقد أحسن) فعل مستحبًا، (ومن ترك فقد أحسن،) لأنه ما ترك
واجبًا فهو كسائر المستحبات. (انتهى) كلام هذا البعض.
(ومذهب الشافعي رحمه اللَّه أن القنوت مشروع) أي: مستحب (في صلاة الصبح
دائمًا في الاعتدال ثانية الصبح لما رواه أنس: ما زال رسول اللَّه عَّ يقنت في الفجر،)
أي: الصبح (حتى فارق الدنيا) بالوفاة، لكن لم يقيده بما بعد الركوع، فالدليل قاصر عن
الدعوى، وقد قال الحافظ: الصحيح عن أنس أنه قبل الركوع، ولذا قال لملك إنه الأفضل، فإنما
أريد منه الدلالة على مشروعية القنوت لا بقيد كونه بعد الركوع، (رواه أحمد وغيره)
كعبد الرزاق والدارقطني.
(قال ابن الصلاح: قد حكم بصحته غير واحد من الحفاظ، منهم: الحاكم) في
المستدرك (و) تلميذه (البيهقي وأبو عبد الله محمد بن علي البلخي، وفي البيهقي: العمل
بمقتضاه عن الخلفاء الأربعة) أي: أنهم كانوا يقنتون في الصبح دائمًا، ولا يرد ما روى أنهم
كانوا لا يقنتون، لأنه إذا تعارض نفي وإثبات قدم الإثبات، وذلك دليل على عدم النسخ، لأن

٤٢٠
الفرع الخامس عشر في ذكر قنوته علـ
وقال بعضهم: أجمعوا على أنه عَِّ قنت في الصبح، ثم اختلفوا: هل ترك؟
فنتمسك بما أجمعوا عليه حتى يثبت ما اختلفوا فيه. انتهى.
وأما حديث ابن أبي فديك عن عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن
أبيه عن أبي هريرة قال: كان رسول الله عَّله إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة
الثانية من صلاة الصبح يرفع يديه ويدعو بهذا الدعاء: اللهم اهدني فيمن هديت
الخ ... فقال ابن القيم - في زاد المعاد : ما أبين الاحتجاج به لو كان صحيحًا أو
حسنًا، ولكنه لا يحتج بعبد الله هذا، وإن كان الحاكم صحيح حديثه في القنوت،
انتھی.
وهذا الحديث رواه الحاكم وصححه، ورُدَّ عليه، كما قاله ابن القيم، وقد
اتفقوا على ضعف عبد الله بن سعيد.
العمل بالمنسوخ لا يجوز اتفاقًا.
(وقال بعضهم: أجمعوا على إنه عٍَّّ قنت في الصبح، ثم اختلفوا هل ترك) كما ترك
المغرب أم لم يترك، (فنتمسك بما أجمعوا عليه حتى يثبت ما اختلفوا فيه. انتهى.)
ذكره هذا البعض ردًا على دعوى الطحاوي نسخه، بل ثبت أنه واظب عليه حتى فارق
الدنيا.
(وأما حديث ابن أبي فديك) محمد بن اسماعيل (عن عبد الله بن سعيد) بكسر العين
(ابن أبي سعيد) كيسان (المقبري) بضم الموحدة وفتحها أبي عبيد الليثي، مولاهم المدني،
(عن أبيه) سعيد المدني الثقة من رجال الجميع، (عن أبي هريرة قال: كان رسول اللَّه مَ لّه إذا
رفع رأسه من الركوع في الركعة الثانية من صلاة الصبح يرفع يديه ويدعو بهذا الدعاء.
اللهم اهدني فيمن هديت ... الخ) ويأتي قريبًا.
(فقال ابن القيم في زاد المعاد) في هدى خير العباد: (ما أبين) فعل تعجب
(الاحتجاج به)) أي أن دلالته على القنوت في الصبح واضحة (لو كان صحيحًا أو حسنًا،
ولكنه) ضعيف لأنه (لا يحتج بعبد الله هذا) لضعفه (وإن كان الحاكم صحيح حديثه في
القنوت،) لأنه من تساهله في التصحيح. (انتهى).
(وهذا الحديث رواه الحاكم وصححه ورد عليه، كما قاله ابن القيم) كما ترى،
(وقد اتفقوا على ضعف عبد الله بن سعيد،) بل قال في التقريب إنه متروك وإن روى له الترمذي
وابن ماجه.