Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦١ الفصل السادس في غسله عَا. وقيل: إذا أريد به الماء فهو مضموم، وأما المصدر فيجوز فيه الضم والفتح، حكاه ابن سيدة وغيره. وقيل: المصدر بالفتح، والاغتسال بالضم. وقيل: الغّسل - بالفتح -: فعل المغتسل، وبالضم: الماء الذي يغتسل به، وبالكسر: ما يجعل مع الماء كالإشنان. وحقيقة الغسل: جريان الماء على الأعضاء وحقيقة الاغتسال: غسل جميع الأعضاء مع تمييز ما للعبادة عما للعادة بالنية. ووجوب الغسل على الجنب مستفاد من قوله تعالى: ﴿وإن کنتم جنبًا فاطهروا﴾، [المائدة/٦] وقوله تعالى: ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾، [النساء/ ٤٣]. ففي الآية الأولى إجمال، وهو قوله تعالى: ﴿فاطهروا﴾ بينه قوله في الآية مضموم وأما المصدر،) أي الفعل الواقع من المغتسل، ولفظ الفتح: وإذا أريد به الفعل، (فيجوز فيه) أي: الإسم المعبر عنه (الضم والفتح، حكاه ابن سيده) (بكسر السين المهملة وإسكان التحتية) (وغيره). (وقيل: المصدر بالفتح والاغتسال) الحاصل بالمصدر (بالضم) نصب الماء على البدن غسل (بالفتح)، والأثر الحاصل منه للبدن غسل (بالضم)، ويقال فيه: اغتسال. (وقيل: الغسل بالفتح فعل المغتسل، وبالضم الماء الذي يغتسل به، وبالكسر ما يجعل مع الماء كالاشنان) (بضم الهمزة وكسرها لغة). وفي شرح المصنف للبخاري: الغسل (بفتح الغين) أفصح وأشهر من ضمها مصدر بمعنى الاغتسال، وبكسرها اسم لما يغسل به وهو لغة سيلان الماء على الشىء (وحقيقة الغسل جريان الماء على الأعضاء، وحقيقة الاغتسال غسل جميع الأعضاء مع تمييز ما للعبادة عما للعادة بالنية) إذ هي المميزة لذلك، (ووجوب الغسل على الجنب مستفاد من قوله تعالى: ﴿وان كنتم جنبًا فاطهروا﴾) أي: اغتسلوا، ووجه الاستفادة أن صيغة التفعل تدل عليه صريحًا، لأن الوضوء هو الطهارة لا التطهر. (وقوله تعالى: ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾) أي: اجتنبوها حالة السكر، (ففي الآية الأولى إجمال، وهو قوله: ﴿فاطهروا﴾) لأن الطهر فيها محتمل للوضوء والغسل وغيرهما، ٢٦٢ الفصل السادس في غسله عُ الثانية ﴿حتى تغتسلوا﴾. ويؤيده قوله تعالى في الحائض: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن﴾، [البقرة/٢٢٢] المفسر بـ ((اغتسلن)) اتفاقًا. وقد كان رسول الله عَّ يطوف على نسائه بغسل واحد. رواه مسلم من حديث أنس. وعن أبي رافع: طاف النبي عَّ ذات يوم على نسائه يغتسل عند هذه، وعند هذه، قال: قلت يا رسول الله، ألا تجعله غسلاً واحدًا آخرًا، قال: ((هكذا فهي من المجمل الذي لم تتضح دلالته، لكن منع ذلك بعض شراح البخاري بأن صيغة التفعل تدل على الغسل صريحًا، لأن الوضوء هو الطهارة لا التطهر، وعلى الإجمال فقد (بينه قوله في الآية الثانية) في الذكر: (حتى تغتسلوا،) لأن الاغتسال لغة تعميم البدن بالماء، (ويؤيده قوله تعالى في) شأن المرأة (الحائض: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾) من الدم بانقطاعه، (فإذا تطهرن المفسر) هذا الثاني: (باغتسلن اتفاقًا). زاد الحافظ: ودلت آية النساء على أن استباحة الجنب الصلاة، وكذا اللبث في المسجد تتوقف على الاغتسال، (وقد كان رسول اللَّه عَ ل} يطوف على نسائه) يجامعهن (بغسل واحد). قال النووي: يحتمل انه كان يتوضأ بينهما، ويحتمل أن لا ليدل على جواز ترك الوضوء. انتھی. وفيه دلالة على أن القسم ليس بواجب عليه، إذ وطء المرأة في يوم الأخرى ممنوع، لكن قيل: إنه وإن لم يجب عليه، لكنه التزمه تطيبًا لنفوسهن، فيحتمل أن يكون بإذن صاحبة اليوم، أو في يوم لم يثبت فيه قسم، كيوم قدومه من سفر، أو في اليوم الذي بعد كمال الدور، لأنه يستأنف القسم بعد، أو من خصائصه ساعة يطوف فيها من ليل أو نهار لا حق لواحدة منهن فيها، ثم يدخل عند صاحبة النوبة. وفي حديث أنس عند البخاري: كان يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل أو النهار، وهن إحدى عشرة امرأة، وفي رواية: وله يومئذ تسع نسوة، وجمع بأنه ضم إلى التسع أمتيه مارية وريحانة، وأطلق عليهما نساءه تغليبًا وبغير ذلك، كما مر بسط ذلك في الخصائص، (رواه مسلم من حديث أنس) فزاد على رواية البخاري بغسل واحد فلذا عزاه له دونه. (وعن أبي رافع) اسمه أسلم على المشهور من عشرة أقوال سبقت، قال: (طاف النبي عٍَّ ذات يوم على نسائه يغتسل عند هذه وعند هذه) أي: كل من جامعها اغتسل عندها، (قال) أبو رافع: (قلت: يا رسول اللَّه ألا تجعله غسلاً واحدًا آخرًا) (بكسر الخاء)، (قال: هكذا أزكى وأطيب وأطهر، رواه أحمد وأبو داود والنسائي) وفيه استحباب الغسل. ٢٦٣ الفصل السادس في غسله عێ. أزكى وأطيب وأطهر)). رواه أحمد وأبو داود والنسائي. وقد أجمع العلماء على أنه لا يجب الغسل بين الجماعين وأما الوضوء فاستحبه الجمهور، وقال أبو يوسف: إنه لا يستحب، وأوجبه ابن حبيب من المالكية، وأهل الظاهر، لحديث: ((إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فيلتوضأ بينهما وضوءًا)) رواه مسلم. وحمله بعضهم على الوضوء اللغوي، فقال: المراد به غسل الفرج، وقالت عائشة: كان رسول الله عَّةٍ إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه ثم يتوضأ (وقد أجمع العلماء على انه لا يجب الغسل بين الجماعين) سواء كان للجامعة أولاً أو لغيرها، (وأما الوضوء فاستحبه الجمهور، وقال أبو يوسف: انه لا يستحب، وأوجبه ابن حبيب من المالكية، وأهل الظاهر لحديث) أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول اللَّه ستظلّ. (إذا أتى أحدكم أهله،) أي: جامعها، (ثم أراد أن يعود) إلى جماعها (فليتوضأ بينهما وضوءًا) كاملاً. زاد في رواية ابن خزيمة: فإنه أنشط للعود، قال: فدل على أن الأمر للندب والإرشاد. انتھی. ويدل له أيضًا ما رواه الطحاوي عن عائشة: كان عَِّ يجامع، ثم يعود ولا يتوضأ، (رواه مسلم) وأبو داود والترمذي وابن خزيمة، كلهم عن أبي سعيد، (وحمله بعضهم على الوضوء اللغوي، فقال: المراد به غسل الفرج،) ورده ابن خزيمة بما رواه في هذا الحديث، بلفظ: فليتوضأ وضوءه للصلاة. وقال القاضي عياض: الجمهور على غسل الفرج خوف أن تدخل النجاسة في الفرج دون ضرورة مع ما فيه من النظافة التي ينبت عليها الشريعة وتكميل اللذة، لأن ما تعلق به من بلل الفرج وانتشر عليه من المني مفسد للذة الجماع المستأنف، ورطوبة الفرج عندنا نجسة لما يخالطها من النجاسة الجارية عليها كالحيض، والمني. وتعقبه الزواوي بأن تعليله باختلاطه بالحيض وغيره من النجاسات ليس بمحل خلاف، وإنما الخلاف لو كان مغسولاً نظيفًا ليس فيه إلا الرطوبة والبلة خاصة، (وقالت عائشة: كان رسول اللَّه عٍَّ إذا اغتسل) أي: شرع في الغسل، أو أراد الغسل (من الجنابة) أي: لأجلها، فمن سببية (بدأ فغسل يديه) (بالتثنية) قبل إدخالهما في الإناء، (ثم يتوضأ) ولأبي ذر: ثم توضأ (كما يتوضأ للصلاة) احترازًا عن الوضوء اللغوي، وهو غسل اليدين، وظاهره انه يتوضأ وضوءًا ٢٦٤ الفصل السادس في غسله معظافة. كما يتوضأ للصلاة، ثم يدخل أصابعه في الماء فيخلل بها أصول الشعر، ثم يصب على رأسه ثلاث غرفات بيديه، ثم يفيض الماء على جلده كله. رواه البخاري. ويحتمل أن يكون غسلهما للتنظيف مما بهما، ويحتمل أن يكون هو الغسل المشروع عند القيام من النوم. ويدل عليه زيادة ابن عيينه في هذا الحديث عن هشام ((قبل أن يدخلهما في الإناء)) رواه الشافعي والترمذي وزاد أيضاً: «ثم يغسل فرجه)) وكذا لمسلم وأبي داود. وهي زيادة جليلة، لأن تقديم غسله يحصل به الأمن من مسه في أثناء كاملاً ولا يؤخر غسل رجليه، وهو المشهور عن ملك والشافعي، (ثم يدخل أصابعه في الماء، فيخلل بها،) أي بأصابعه التي أدخلها في الماء، ولمسلم: ثم يأخذ الماء فيدخل أصابعه في أصول الشعر، وللبيهقي: ثم يشرب شعره الماء (أصول الشعر) أي شعر رأسه، (ثم يصب على رأسه ثلاث غرفات بيديه:) (بفتح الراء) جمع غرفة على المشهور في جمع القلة، والأصل في مميز الثلاثة أنه من جموع القلة، وهذه رواية الكشميهني والأصيلي، ولغيرهما: ثلاث غرف، (بضم الغين وفتح الراء) جمع كثرة، إما لقيامه مقام جمع القلة، أو بناء على قول الكوفيين إنه جمع قلة، كعشر سور وثماني حجج، (ثم يفيض) (بضم الياء من أفاض)، أي: يسيل (الماء على جلده) أي: بدنه، وقد يكنى بالجلد عن البدن، قاله الرافعي، (كله) أكده دلالة على أنه عم جميع بدنه بالغسل بعدما تقدم دفعا لتوهم إطلاقه على أكثره تجوزًا، واستدل به من لم يشترط الذلك، لأن الإفاضة الإسالة. قال المازري: لا حجة فيه، لأن أفاض بمعنى غسل، فالخلاف فيه قائم، قال الحافظ: ولا يخفی ما فيه. انتهى. ولم يظهر فيه شىء (رواه البخاري) في أول الغسل من طريق لملك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة به ورواه مسلم من طرق عن غيره بنحوه (و) قوله: بدأ فغسل يديه: (يحتمل أن يكون غسلهما للتنظيف مما بهما) مما قد يستقذر، ويقويه حديث ميمونة كما في الفتح (ويحتمل أن يكون هو الغسل المشروع عند القيام من النوم، ويدل عليه زيادة ابن عيينة) سفين (في هذا الحديث عن هشام) عن أبيه عن عائشة: (قبل أن يدخلهما في الإناء رواه الشافعي والترمذي، وزاد أيضًا: ثم يغسل فرجه، وكذا لمسلم) من رواية أبي معوية (وأبي داود) من رواية حماد بن زيد كلاهما عن هشام ولفظ مسلم: كان إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه، ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه، وله من طريق زائدة عن هشام: فغسل يديه قبل أن يدخل يديه في الإناء، (وهي زيادة جليلة لأن تقديم غسله يحصل به إلا من مسه ٢٦٥ الفصل السادس في غسله. الغسل. ويحتمل أن يكون الابتداء بالوضوء قبل الغسل سنة مستقلة، بحيث يجب غسل أعضاء الوضوء مع بقية الجسد، ويحتمل أن يكتفي بغسلها في الوضوء عن إعادته، وعلى هذا فيحتاج إلى نية غسل الجنابة في أول عضو. وإنما قدم أعضاء الوضوء تشريفًا لها، ولتحصل له صورة الطهارتين الصغرى والکبری. ونقل ابن بطال: الإجماع على أن الوضوء لا يجب مع الغسل. وهو مردود، فقد ذهب جماعة منهم أبو ثور وداود وغيرهما إلى أن الغسل لا ينوب عن الوضوء للمحدث. وقوله: ((فيخلل بها أصول الشعر)) أي شعر رأسه، ويدل عليه رواية حماد بن سلمة عن هشام - عند البيهقي -. يخلل بها شق رأسه الأيمن فيتتبع بها أصول في أثناء الغسل) فينتقض الوضوء، (ويحتمل أن يكون الابتداء بالوضوء قبل الغسل سنة مستقلة، بحيث يجب غسل أعضاء الوضوء) بعد ذلك (مع بقية الجسد) إذ لم يغسلهما بنية الفرض. قال الحافظ: ويؤيده التأكيد بقوله: كله، وعليه فينوي المغتسل الوضوء إن كان محدثًا، وإلا فسنة الغسل، (ويحتمل أن يكتفي بغسلها في الوضوء عن إعادته) في الغسل، (وعلى هذا فيحتاج إلى نية غسل الجنابة في أول عضو) من أعضاء الوضوء ليقع غسله عن الجنابة، فهو جواب عما يقال: لا يصح هذا الاحتمال لانتفاء نية رفع الجنابة، فيه بناء على وجوب نيته. قال الحافظ: وإليه جنح الداودي شارح المختصر من الشافعية، فقال: يقدم غسل أعضاء الوضوء، لكن بنية غسل الجنابة، (وإنما قدم أعضاء الوضوء) على هذا الاحتمال (تشريفًا لها، ولتحصل له صورة الطهارتين الصغرى:) الوضوء (والكبرى) الغسل. (ونقل ابن بطال) وتلميذه ابن عبد البر: (الإجماع على أن الوضوء لا يجب مع الغسل) لأنه وضوء وزيادة، (وهو مردود، فقد ذهب جماعة، منهم: أبو ثور وداود وغيرهما إلى أن الغسل لا ينوب عن الوضوء للمحدث). (وقوله: فيخلل بها أصول الشعر، أي: شعر رأسه، ويدل عليه رواية حماد بن سلمة) ابن دينار، (عن هشام) بن عروة عن أبيه، عن عائشة (عند البيهقي) بلفظ: (يخلل بها شق ٢٦٦ الفصل السادس في غسله عَل الشعر، ثم يفعل بشق رأسه الأيسر كذلك. وقال القاضي عياض: احتج به بعضهم على تخليل شعر اللحية في الغسل. إما لعموم قوله: ((أصول الشعر)) وإما بالقياس على شعر الرأس. وفائدة التخليل، أيصال الماء إلى الشعر والبشرة، ومباشرة الشعر باليد ليحصل تعميمه بالماء، وهذا التخليل غير واجب اتفاقًا، إلا إن كان الشعر متلبدًا بشيء يحول بين الماء وبين الوصول إلى أصوله. واختلف في وجوب الدلك، فلم يوجبه الأكثر. ونقل عن مالك والمزني: وجوبه، واحتج له ابن بطال بالإجماع على وجوب إمرار اليد على أعضاء الوضوء عند غسلها، فيجب ذلك في الغسل قياسًا لعدم الفرق بينهما. وتعقب: بأن جميع من لم يوجب الدلك أجازوا غمس اليد في الماء للمتوضىء من غير إمرار، فبطل الإجماع وانتفت الملازمة. رأسه الأيمن، فيتبع بها أصول الشعر، ثم يفعل بشق رأسه الأيسر كذلك) كما فعل في الأيمن. (وقال القاضي عياض: احتج به بعضهم على تخليل شعر اللحية في الغسل اما لعموم قوله أصول الشعر) بقطع النظر عن رواية البيهقي المذكورة، أو لأنها تعطي التخصيص، (وإما بالقياس على شعر الرأس) بجامع أن كلا شعر، (وفائدة التخليل إيصال الماء إلى الشعر والبشرة) أي: الجلد، (و) فائدة (مباشرة) فهو (بالجر عطف) على التخليل (الشعر باليد ليحصل تعميمه بالماء) وتأنيس البشرة لئلا يصيبها بالصب ما تتأذى به، كما في كلام عياض، وهو في الفتح متصلاً بقوله: (وهذا التخليل غير واجب اتفاقًا إلا إن كان الشعر متلبدًا بشىء يحول) يمنع (بين الماء وبين الوصول إلى أصوله،) كصمغ ونحوه. (واختلف في وجوب الدلك، فلم يوجبه الأكثر، ونقل عن ملك) وهو مشهور مذهبه، (والمزني) اسمعيل تلميذ الشافعي (وجوبه) لذاته تعبدًا عند لملك. (واحتج له ابن بطال: بالإجماع على وجوب إمرار اليد على أعضاء الوضوء عند غسلها، فيجب ذلك في الغسل قياسًا لعدم الفرق بينهما) إذ كل طهارة ترفع الحديث. (وتعقب بأن جميع من لم يوجب الدلك أجازوا غمس اليد في الماء للمتوضىء من غير امرار، فبطل الإجماع وانتفت الملازمة) التي ادعاها البطلان. ٢٦٧ الفصل السادس في غسله عليه وفي قوله في هذا الحديث: ((ثلاث غرفات)) استحباب التثليث في الغسل. قال النووي: ولا نعلم فيه خلافًا إلا ما انفرد به الماوردي، فإنه قال: لا يستحب التكرار في الغسل. قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري - ومنه لخصت ما ذكرته - قلت: وكذا قال الشيخ أبو علي السنجي وكذا قال القرطبي. وقالت ميمونة: وضعت له عَّ ماء للغسل، فغسل يديه مرتين أو ثلاثًا، ثم أفرغ على شماله فغسل مذاكيره، ثم مسح يده بالأرض، ثم مضمض واستنشق (وفي قوله في هذا الحديث: ثلاث غرفات استحباب التثليث في الغسل، قال النووي: ولا نعلم فيه خلافًا،) يعني: في مذهبه بدليل قوله: (إلا ما انفرد به الماوردي) من الشافعية، (فإنه قال: لا يستحب التكرار في الغسل) وإلا فمشهور مذهب لملك أن استحباب التثليث خاص بالرأس، كما هو مدلول قول الحديث: ثم يصب على رأسه ثلاث غرفات. (قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: ومنه لخصت ما ذكرته) من أول هذا الفصل، (قلت: وكذا قال الشيخ أبو علي السنجي) في شرح الفروع، (وكذا قال القرطبي،) وحمل التثليث في هذه الرواية على رواية القسم عن عائشة فإن مقتضاها أن كل غرفة كانت في جهة من جهات الرأس، هذا بقية كلام الحافظ، وقوله: وحمل، يعني: القرطبي. (وقالت ميمونة) أم المؤمنين: (وضعت له،) لفظها للنبي (عَّه ماء للغسل) متعلق بمحذوف، أي: كائنًا أو معدًا، وقولها للنبي ظرف لغو متعلق بوضعت، فلم يتعلق حرفا جر متحدا اللفظ والمعنى بعامل واحد، (فغسل يديه) (بالتثنية) للكشميهني، وللمستملي وغيره يده: (مرتين أو ثلاثًا) الشك من الأعمش، كما سيأتي من رواية أبي عوانة عنه، وغفل الكرماني، فقال: الشك من ميمونة، قاله الحافظ: ورده العيني بأن الذي يأتي مرة أو مرتين، ففيه خلط رواية بأخرى، كذا قال: وهو مردود بأن مجىء ذلك عنه في رواية أخرى، وإن بلفظ آخر يعين كون الشك منه دون غيره، فإنه حديث واحد، وقد رواه ابن فضيل عن الأعمش، فصب على يديه ثلاثًا ولم يشك، أخرجه أبو عوانة في مستخرجه. قال الحافظ: فكأن الأعمش كان يشك فيه، ثم تذكر فجزم، لأن سماع ابن فضيل منه متأخر، (ثم أفرغ على شماله، فغسل مذاكيره) جمع ذكر على غير قياس، وقيل: واحده مذكار، كأنهم فرقوا بين العضو وبين خلاف الأنثى. قال الأخفش: هو من الجمع الذي لا واحد له، وقال ابن خروف: إنما جمعه مع أنه ليس ٢٦٨ الفصل السادس في غسله عَـ وغسل وجهه ويديه، ثم أفاض على جسده، ثم تحول عن مكانه فغسل قدميه. رواه البخاري. ولم يقيد في هذه الرواية بعدد، فيحمل على أقل مسمى وهو المرة الواحدة، لأن الأصل عدم الزيادة عليها. وفيه مشروعية المضمضة والاستنشاق في غسل الجنابة، لقوله: (ثم مضمض واستنشق)) وتمسك به الحنفية للقول بوجوبهما. وأجيب: بأن الفعل المجرد لا يدل على الوجوب، إلا إذا كان بيانًا لمجمل في الجسد إلا واحد بالنظر إلى ما يتصل به، يعني: من الخصيتين وحواليهما معًا، وأطلق على الكل اسمه، فكأنه جعل كل جزء من المجموع، كالذكر في حكم الغسل، (ثم مسح يده بالأرض) لما لعله تعلق بها من رائحة أو الزوجة، وبدأ بالفرج لتكون طهارة الحدث بعد طهارة الخبث، وليسلم من نقض طهارة الوضوء لو مسه أثناء اغتساله. قال الحافظ: وفيه تقديم غسل الكفين على غسل الفرج لمن يريد الاغتراف لئلا يدخلهما في الماء، وفيهما ما لعله يستقذر، أما إذا كان الماء في إبريق، مثلاً، فالأولى تقديم غسل الفرج لتتوالى أعضاء الوضوء، وفي رواية: ثم ضرب بشماله الأرض، فدلكها دلكًا شديدًا، (ثم مضمض واستنشق وغسل وجهه ويديه) (بالتثنية) (ثم أفاض) الماء (على جسده، ثم تحول عن مكانه فغسل قدميه). قال القرطبي: كالمازري حكمة تأخيرهما ليصل الافتتاح والاختتام بأعضاء الوضوء (رواه البخاري) بطرق عديدة مدارها على الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس، عن ميمونة، وكذا أخرجه مسلم وأصحاب السنن، (ولم يقيد في هذه الرواية،) أي رواية: عبد الواحد عن الأعمش (بعدد،) بل قال: أفاض الماء على جسده، (فيحمل على أقل مسمى، وهو المرة الواحدة، لأن الأصل عدم الزيادة عليها،) ولذا ترجم عليه البخاري الغسل رة واحدة، قاله ابن بطال وأقره الحافظ، وزعم العيني أن فيه تكلفًا، قال شيخنا البابلي: ولعل رم ـهه أن فيه بأخرة الأمر قصر الحديث على مرة واحدة، مع أنه يتناول المرة، فالأكثر ورده شيخنا لما ذكرته له، بأنه لا تكلف فيه، والتوجيه المذكور ليس بشىء، إذ المرة محققة وما زاد عليها مشكوك فيه. (وفيه مشروعية المضمضة والاستنشاق في غسل الجنابة، لقوله: ثم مضمض واستنشق وتمسك به الحنفية للقول) أي: لقولهم (بوجوبهما) في الغسل. (وأجيب بأن الفعل المجرد لا يدل على الوجوب) لتحققه بغيره، (إلا إذا كان بيانًا ٢٦٩ الفصل السادس في غسله علّ تعلق به الوجوب، وليس الأمر هنا كذلك. وعنها توضأ عَّه وضوءه للصلاة غير رجليه، وغسل فرجه وما أصابه من الأذى، ثم أفاض عليه الماء، ثم نحى رجليه فغسلهما. رواه البخاري. وفيه التصريح بتأخير غسل الرجلين في وضوء الغسل إلى آخره، وهو مخالف لظاهر رواية عائشة. ويمكن الجمع بينهما إما بحمل رواية عائشة على المجاز، أو بحمله على حالة أخرى. وبحسب اختلاف هاتين الحالتين اختلف نظر العلماء. فذهب الجمهور إلى استحباب تأخير غسل الرجلين. وعن مالك: إن كان المكان غير لمجمل تعلق به الوجوب) فيدل عليه من هذه الجهة لا من مجرد الفعل (وليس الأمر هنا كذلك) بل مجرد فعل، (وعنها) من رواية سفين الثوري، عن الأعمش، عن سالم، عن كريب، عن ابن عباس، عن ميمونة قالت: (توضأُ عَلّة. وضوءه للصلاة) احتراز عن اللغوي الذي هو غسل اليدين (غير رجليه،) فأخرهما لتكون البداءة والتمام بأعضاء الوضوء، قاله المازري: (وغسل فرجه وما أصابه من الأذى) من رطوبة فرج المرأة والبول وغيرهما. قال الحافظ: فيه تقديم وتأخير، لأن غسل الفرج كان قبل الوضوء، إذ الواو لا تقتضي الترتيب، وقد بين ذلك ابن المبارك عن الثوري عند البخاري، فأتى بثم الدالة على الترتيب في الجميع، ويأتي في المتن قريبًا لفظ رواية ابن المبارك، (ثم أفاض عليه الماء،) أي على جسده، وللدارقطني: ثم غسل سائر جسده، ولابن ماجه: ثم أفاض على سائر جسده، (ثم نحى رجليه فغسلهما، رواه البخاري) ومسلم وأصحاب السنن، (وفيه التصريح بتأخير غسل الرجلين في وضوء الغسل إلى آخره، وهو مخالف لظاهر رواية عائشة) السابقة، حيث قالت ثم توضأ كما يتوضأ للصلاة، فإن ظاهره أنه لم يؤخر غسل رجليه كما في الفتح، لا من قولها: ثم يفيض الماء علی جلده كله كما وهم فيه الشارح. (ويمكن الجمع بينهما إما بحمل رواية عائشة على المجاز) بأن أطلقت الوضوء مريدة ما عدا غسل رجليه تعبيرًا بالكل عن البعض، وفي شرح المصنف للبخاري حمله القائل بالتأخير على أكثر الوضوء حملاً للمطلق على المقيد. وأجيب بأنه ليس من المطلق والمقيد، لأن ذلك في الصفات لا في غسل جزء وتركه، (أو بحمله على حالة أخرى) بأن يكون فعل عند كل واحدة ما روته، إذ ليس هو غسلاً واحدًا (وبحسب اختلاف هاتين الحالتين اختلف نظر العلماء) في أيهما أفضل، (فذهب الجمهور إلى استحباب تأخير غسل الرجلين) مطلقًا. ٢٧٠ الفصل السادس في غسله معێ﴾. نظيف فالمستحب تأخيرهما، وإلا فالتقديم، وعند الشافعية: في الأفضل قولان، قال النووي: أصحهما وأشهرهما ومختارهما أنه يكمل وضوءه. قال: ولم يقع في شيء من طرق هذا الحديث التنصيص على مسح الرأس في هذا الوضوء، وتمسك به المالكية لقولهم: إن وضوء الغسل لا يمسح فيه الرأس، بل يكتفي فيه بغسلها. وعن جبير بن مطعم قال: قال عَّهِ: ((أما أنا فأفيض على رأسي ثلاثًا)، وأشار (وعن ملك) في رواية: (إن كان المكان غير نظيف، فالمستحب تأخيرهما وإلا فالتقديم) وله وجه، وبه يجمع بين الحدیثین. قال المصنف: وكذا نقل عن الشافعية أيضًا، (وعند الشافعية،) وكذا المالكية (في الأفضل قولان). (قال النووي: أصحهما وأشهرهما ومختارهما أنه يكمل وضوءه،) وكذا هو المشهور عن لملك كما صرح به الفاكهاني وغيره، وبقية كلام النووي؛ لأن أكثر الروايات عن عائشة وميمونة كذلك، كذا قال: وليس في شىء من الروايات عنهما التصريح بذلك، بل هي إما محتملة، كرواية توضأ وضوءه للصلاة، أو ظاهرة في تأخيرهما، كرواية أبي مطوية عن هشام، عن أبيه، عن عائشة عند مسلم، بلفظ. ثم أفاض على سائر جسده، ثم غسل رجليه، وهذه الزيادة تفرد بها أبو معوية دون أصحاب هشام، والمحفوظ في حديث عائشة: توضأ كما يتوضأ للصلاة، يعني: فرواية أبي معوية شاذة، قال: لكني لها شاهد عند أبي داود، عن أبي سلمة، عن عائشة، بلفظ: فإذا فرغ غسل رجليه، ويوافقها أن أكثر الروايات عن ميمونة ظاهرة، أو صريحة في تأخيرهما، كحديث الباب، ورواتها مقدمون في الحفظ والثقة على جميع من رواه عن الأعمش، وقوله من (قال) إنما فعل ذلك لبيان الجواز، متعقب برواية أحمد عن أبي مطوية، عن الأعمش، بلفظ: كان إذا اغتسل من الجنابة الحديث، وفي آخره: ثم يتنحى فيغسل رجليه، ففيه ما يدل على المواظبة، قاله الحافظ ملخصًا. (ولم يقع في شىء من طرق هذا الحديث التنصيص على مسح الرأس في هذا الوضوء) للغسل، (وتمسك به المالكية، لقولهم: إن وضوء الغسل لا يمسح فيه الرأس، بل يكتفى فيه بغسلها) أي الرأس أنثه وهو مذكر، باعتبار أنه قطعة من البدن، وهو تمسك ظاهر، (و) عن زهير بن مطوية عن أبي إسحق، قال: حدثني سليمن بن صرد (عن جبير) (بضم الجيم وفتح الموحدة) (ابن مطعم) بن عدي الصحابي من سادات قريش (قال: قال عَّله:) وفي مستخرج ٢٧١ الفصل السادس في غسله علّ بيديه كلتيهما رواه البخاري. وفيه عن أبي هريرة قال: أقيمت الصلاة، وعدلت الصفوف قيامًا، فخرج إلينا رسول الله عَّه، فلما قام في مصلاه ذكر أنه جنب، فقال لنا: ((مكانكم))، ثم أبي نعيم: ذكروا عند النبي عَِّ الغسل من الجنابة، فقال: ((أما) (بالفتح وشد الميم) (أنا فأفيض) (بضم الهمزة) (على رأسي ثلاثًا)))) أي: ثلاث أكف، وعند أحمد: فآخذ ملء كفي؛ فأصب على رأسي، (وأشار بيديه كلتيهما،) كذا للأكثر، وللكشميهني: كلاهما، وحكى ابن التين أن في بعض الروايات: كلتاهما، وهي مخرجة على من يراها تثنية، وأنها لا تتغير، كقوله: قد بلغا في المجد غايتاها وهكذا القول في رواية الكشميهني، وهو مذهب الفراء في كلا خلافًا للبصريين، ويمكن أن يخرج الرفع فيهما على القطع، وقسيم أما محذوف، وهو في مسلم من طريق أبي الأحوص، عن أبي إسحق، عن سليلمن، عن جبير، قال: تماروا عند النبي عَّه، فقال بعض القوم: أما أنا فأغسل رأسي بكذا وكذا، فذكر الحديث، وله من وجه آخر أن السائلين عن ذلك وفد ثقيف، قاله الحافظ لثبوت القسيم في بعض طرق الحديث، لأنه حديث واحد، طوّله بعض رواته واختصره بعضهم، لا لأن أما تقتضي القسيم، إذ هو لا يجب لها؛ فقد تكون للتأكيد كما قاله الزمخشري وغيره، فلا تحتاج إلى قسيم، إذ مثله لا يجهل ذلك حتى يعترض عليه به، كما فعل العيني، لا سيما والكرماني بيده، وقد قال: إنه لا يجب لها، بل لأن الطرق يفسر بعضها بعضًا كما أشار إليه، ثم قال: ودل قوله ثلاثًا على أن المراد بكذا وكذا أكثر منها، والسياق يشعر بأنه كان لا يفيض إلا ثلاثًا، وهي محتملة لأن تكون للتكرار، ولأن تكون للتوزيع على جميع البدن، لكن يقوي الأول حديث جابر في البخاري: كان عَّةٍ يأخذ ثلاث أكف، فيفيضها على رأسه، ثم یفیض على سائر جسده. قال الحافظ: إن الثلاث للتكرار، ويحتمل أن لكل جهة من الرأس غرفة، كما في حديث القسم عن عائشة، (رواه البخاري) ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه، (وفيه) أي: البخاري، وكذا مسلم وأبو داود والنسائي، (عن أبي هريرة، قال: أقيمت الصلاة وعدلت،) أي: سوّيت (الصفوف قيامًا) جمع قائم نصب حال من مقدر، أي: حال كونهم قائمين، أو مصدر على التمييز المفسر للإبهام، أي: عدلت الصفوف من حيث القيام، (فخرج إلينا رسول الله صريحه أنه بعد الإقامة والتعديل مع أنه قال: إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني)). وأجيب بأنه محمول على الغالب، فما هنا من النادر أو النهي متأخر عنه، فيمكن أنه سبب النهي، (فلما قام في مصلاه) (بضم الميم)، أي موضع صلاته (ذكر) قبل أن يكبر للصلاة كما ٢٧٢ الفصل السادس في غسله رجع فاغتسل ثم خرج إلينا ورأسه يقطر، فكبر فصلينا معه. وقوله: ((ذكر)) أي تذكر، لا أنه قال ذلك لفظًا، وعلم الراوي بذلك من قرائن، أو بإعلامه بعد ذلك. وظاهر قوله: ((فكبر)) الاكتفاء بالإقامة السابقة، فيؤخذ منه جواز التخلل الكثير بين الإقامة والدخول في الصلاة. وعنده أيضًا من حديث ميمونة: وضعت للنبي عَّهُ غسلاً فسترته بثوب، في رواية أخرى للبخاري (أنه جنب، فقال لنا: ((مكانكم))) (بالنصب)، أي الزموه، وفيه إطلاق القول على الفعل، ففي رواية الإسمعيلي؛ فأشار بيده أن مكانكم، ويحتمل أن يكون جمع بین الكلام والإشارة، قاله الحافظ (ثم رجع) إلى الحجرة (فاغتسل، ثم رجع إلينا ورأسه يقطر) من ماء الغسل، ونسبة القطر إلى الرأس مجاز من باب ذكر المحل وإرادة الحال، (فكبر فصلينا معه). (وقوله: ذكر، أي تذكر لا أنه قال ذلك لفظًا و) حيث لم يلفظ به (علم الراوي بذلك من قرائن) الحال (أو بإعلامه) مَِّ (بعد ذلك) أي: بعد السلام من الصلاة، وهذا الثاني متعين، ففي رواية الدارقطني: فصلى بهم، فقال: إني كنت جنبًا، فنسيت أن أغتسل، وإنما يصار إلى القرائن مع عدم النص، (وظاهر قوله: فكبر الاكتفاء بالإقامة السابقة، فيؤخذ منه جواز التخلل الكثير بين الإقامة والدخول في الصلاة). وقال النووي: هو محمول على قرب الزمان، فإن طال فلا بد من إعادتها، قال: ويدل على قرب الزمان في هذا الحديث قوله: ((مكانكم))، وقوله: خرج إلينا ورأسه يقطر. وقال القرطبي في المفهم: مذهب لملك أن التفريق إن كان لغير عذر ابتدأ الإقامة طال الفصل أم لا، وإن كان لعذر فإن طال استأنف الإقامة، وإلا بنى عليها. انتهى. (وعنده) أي: البخاري (أيضًا من حديث ميمونة، قالت: وضعت للنبيِعَّةٍ غسلاً) (بضم الغين)، أي ماء للاغتسال، كما سبق في الرواية التي ساقها المصنف أولاً عن ميمونة، بلفظ: ماء للغسل، (فسترته بثوب،) أي: غطيت رأس الماء، أي: ظرفه، وفيه خدمة الزوجة لزوجها وتغطية الماء، كذا أعاد ضمير سترته للماء الكرماني، وتبعه البرماوي والعيني والمصنف وغيرهم. وقال المولى حسين الكفوي: الضمير للنبي عَّةِ، لأن في رواية للبخاري عن ميمونة: سترت النبي عَّ﴾. وهو يغتسل من الجنابة، والحديث واحد، فترجيعهم الضمير للماء غير صحيح. ٢٧٣ الفصل السادس في غسله } وصب على يديه فغسلهما، ثم صب بيمينه على شماله فغسل فرجه، فضرب بيده الأرض فمسحها، ثم غسلها، فتمضمض واستنشق، وغسل وجهه وذراعيه، ثم صب الماء على رأسه، وأفاض على جسده، ثم تنحى فغسل قدميه، فناولته ثوبًا فلم يأخذه، فانطلق وهو ينفض يديه. وقد استدل بعضهم بقولها: ((فناولته ثوبًا فلم يأخذه)) على كراهة التنشف بعد الغسل. ولا حجة فيه، لأنها واقعة حال يتطرق إليها الاحتمال، فيجوز أن يكون عدم الأخذ لأمر آخر لا يتعلق بكراهة التنشف، بل يتعلق بالخرقة أو غير ذلك. قال انتھی. بل هو صحيح، ولا ينافيه الرواية المذكورة، لأنها سترت الماء أولاً حين وضعته لئلا يصيبه غبار ونحوه، فلما اغتسل عَّهُ سترته، فذكر بعض الرواة ما لم يذكر الآخر، فكشفه، فأخذ الماء (وصب). وفي رواية: فصب (بالفاء) (على يديه) وفي رواية: يده بالإفراد على إرادة الجنس، (فغسلهما، ثم صب بيمينه على شماله، فغسل فرجه) (الفاء) هنا للتعقيب. وأما قوله في رواية أخرى للبخاري أن النبي عَّ اغتسل من الجنابة، فغسل فرجه بيده، فذكر الحديث، فقال الحافظ: هذه الفاء تفسيرية وليست تعقيبية، لأن غسل الفرج لم يكن بعد الفراغ من الاغتسال، (فضرب بيده الأرض فمسحها، ثم غسلها فتمضمض واستنشق وغسل وجهه وذراعيه) مع مرفقيه، (ثم صب الماء على رأسه وأفاض على جسده) الماء (ثم تنحى) عن مكانه (فغسل قدميه) قالت ميمونة: (فناولته ثوبًا فلم يأخذه) وفي رواية: فناولته خرقة، فقال: هكذا ولم يردها (بضم أوله وسكون ثالثه) من الإرادة (مجزوم بحذف الياء)، والأصل يريدها، ومن فتح أوله وشد الدال فقد صحف وأفسد المعنى، وفي المطالع؛ أنها رواية ابن السكن، قال: وهي وهم، وقد رواه أحمد بلفظ، فقال: هكذا، وأشار بيده أن لا أريدها، (فانطلق،) أي ذهب (وهو ينفض يديه) من الماء جملة اسمية وقعت حالاً. (وقد استدل بعضهم بقولها: فناولته ثوبًا فلم يأخذه على كراهة التنشف بعد الغسل ولا حجة فيه، لأنها واقعة حال) فعلية (يتطرق إليها الاحتمال،) وبينه بقوله: (فيجوز أن يكون عدم الأخذ لأمر آخر لا يتعلق بكراهة التنشف، بل يتعلق بالخرقة أو غير ذلك،) إذ لم يتعين في الكراهة. ٢٧٤ الفصل السادس في غسله المهلب: يحتمل تركه الثوب لإبقاء بركة الماء، أو للتواضع، أو لشيء رآه في الثوب من حریر أو وسخ. وقد وقع عند أحمد في هذا الحديث عن الأعمش قال: فذكرت ذلك لإبراهيم النخعي فقال: لا بأس بالمنديل، وإنما رده مخافة أن يصير عادة. وقال التيمي في شرحه: في هذا الحديث دليل على أنه كان يتنشف، ولولا ذلك لم تأته بالمنديل. وقال ابن دقيق العيد: نفضه الماء بيده يدل على أن لا كراهة في التنشف لأن كلاً منهما إزالة. وقال النووي: اختلف أصحابنا في ذلك على خمسة أوجه، أشهرها: أن (قال المهلب) بن أحمد بن أسيد بن أبي صفرة التميمي الأندلسي، من العلماء الراسخين، المتقنين في الفقه والعبادة والنظر، روى عن الأصيلي والقابسي وأبي ذر الهروي وغيرهم، وعنه ابن المرابط وابن الحذاء وغيرهما، وولي قضاء مالقة، وأحيا صحيح البخاري بالأندلس، فقرأه تفقهًا وشرحه، ومات سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة، كما في الديباج وغيره، وليس هو المهلب ابن أبي صفرة التابعي، كما يوهمه نقل ترجمته هنا من التهذيب، إذ معلوم أن التابعي لم يشرح البخاري، فإنما هو شارح البخاري المهلب بن أحمد، إذ قال في شرحه: (يحتمل تركه الثوب لإبقاء بركة الماء، أو للتواضع،) ولا يلزم منه كراهة التنشف، (أو لشىء رآه في الثوب من حرير أو وسخ) فتركه لذلك لا كراهة. (وقد وقع عند أحمد) والإسمعيلي (في هذا الحديث) من رواية أبي عوانة (عن الأعمش) سليمان بن مهران، (قال: ذكرت ذلك) الحديث (لإبراهيم النخعي، فقال: لا بأس بالمنديل،) أي: لا يكره، (وإنما رده مخافة أن يصير عادة،) فيشق عند عدمه تركها. (وقال التيمي) أبو القاسم أحمد بن محمد بن عمر بن ورد، بلفظ المشموم (في شرحه) للبخاري، وهو واسع جدًا: (في هذا الحديث دليل على أنه) عَّةٍ (كان يتنشف، ولولا ذلك لم تأته بالمندیل،) وهذا استدلال جيد. (وقال ابن دقيق العيد: نفضه الماء بيده يدل على أن لا كراهة في التشف، لأن كلاً منهما إزالة،) وهذا قياس ظاهر، وقد اعتل من قال بالكراهة أيضًا بما جاء عن سعيد بن المسيب والزهري أنه يوزن، وتعقب بأن وزنه إنما هو في الآخرة، ولا بد من مفارقته الجسد. (وقال النووي: اختلف أصحابنا في ذلك على خمسة أوجه: أشهرها أن المستحب ٢٧٥ الفصل السادس في غسله مڭ المستحب تركه، وقيل مكروه، وقيل مباح، وقيل مستحب، وقيل مكروه في الصيف مباح في الشتاء. وفي هذا الحديث جواز نفض اليدين من ماء الغسل، وكذا ماء الوضوء، لكن فيه حديث ضعيف أورده الرافعي وغيره، ولفظه: ((لا تنفضوا أيديكم في تركه) وأن فعله خلاف الأولى، (وقيل: مكروه،) لأنه عبادة يكره إزالة أثرها، كدم الشهيد وخلوف فم الصائم. قال القرطبي: ولا يتم قياس ذلك على دم الشهيد، لأن إزالة دمه حرام، وإزالة الخلوف جالسواك جائزة. وقال الزواوي: القياس على الشهيد غير بين، لأن الشهيد سقط عنه التكليف بالموت، ولو جرح أحد في سبيل اللَّه وعاش لزمه غسل دمه، مع أنه أثر عبادة، (وقيل: مباح) بلا كراهة، وهو مذهب ملك. قال النووي: في شرح مسلم وهو الذي نختاره ونعمل به لاحتياج المنع والاستحباب إلى دليل، (وقيل: مستحب) للسلامة من غبار نجس ونحوه، (وقيل: مكروه في الصيف) للترفه، (مباح في الشتاء) لضرورة البرد، وعن ابن عباس: يكره في الوضوء دون الغسل. قال المازري: حجته ما روي أن أم سلمة ناولت النبي عَّةِ الثوب ليتنشف به فلم يأخذه، وقال: إني أحب أن يبقى علي أثر الوضوء، ولم يثبت عنده نص قاطع على الكراهة في الغسل. انٹھی. أو لأن الوضوء لا يكون إلا عبادة بخلاف الغسل، فيكون لتدف وتبرد وتنظف ونحو ذلك. قال النووي: وهذا كله إذا لم تكن حاجة كبرد أو التقاء نجاسة فإن كان فلا كراهة قطعًا. انتھی. وفي الذخائر: وإذا تنشف فالأولى أن لا يكون بذيله وطرف ثوبه ونحوهما، يعني: لما يقال أنه يورث الفقر والنسيان، (وفي هذا الحديث) أيضًا (جواز نفض اليدين من ماء الغسل، وكذا ماء الوضوء) بالقياس عليه، ورجحه في الروضة وشرح المهذب، إذ لم يثبت في النهي عنه شىء، لكن الأشهر تركه، لأن النفض كالتبري من العبادة، فهو خلاف الأولى، ورجحه في التحقيق، وبه جزم في المنهاج، قاله المصنف. (لكن فيه حديث ضعيف أورده الرافعي وغيره، ولفظه: «لا تنفضوا أيديكم في الوضوء، فإنها مراوح الشيطان))، قال ابن الصلاح: لم أجده، وتبعه النووي) قال الحافظ: وقد ٢٧٦ الفصل السادس في غسله الوضوء فإنها مراوح الشيطان، قال ابن الصلاح: لم أجده، وتبعه النووي. وقالت عائشة: كان رسول الله عَّةٍ إذا أراد أن ينام وهو جنب غسل فرجه وتوضأ للصلاة. رواه البخاري. وفيه رد على من حمل الوضوء هنا على التنظيف. وقوله: ((وتوضأ للصلاة)) أي توضوءًا كما يتوضأ للصلاة، أي وضوءًا شرعيفا، لا لغويًا، وليس المراد أنه توضأ لأداء الصلاة. والحكمة فيه أنه يخفف الحدث، ولا سيما على القول بجواز تفريق الغسل، فينويه فيرتفع الحدث عن تلك الأعضاء المخصوصة على الصحيح، ويؤيده ما رواه ابن أبي شيبة بسند رجاله ثقات عن شداد بن أوس الصحابي قال: إذا أجنب أحدكم من الليل ثم أراد أن ينام فليتوضأ، فإنه نصف غسل الجنابة. وقيل: الحكمة فيه أنه إحدى الطهارتين، فعلى هذا يقوم التيمم مقامه، وقد أخرجه ابن حبان في الضعفاء، وابن أبي حاتم في العلل من حديث أبي هريرة، ولو لم يعارضه هذا الحديث الصحيح لم يكن صالحًا لأن يحتج به، (وقالت عائشة: كان رسول اللَّه عَّةٍ إذا أراد أن ينام وهو جنب) جملة حالية (غسل فرجه) مما أصابه من الأذى، (وتوضأ للصلاة). (رواه البخاري) ومسلم وغيرهما، (وفيه رد على من حمل الوضوء هنا على التنظيف) هو الطحاوي محتجًا بأن ابن عمر راوي حديث (إذا توضأ أحدكم فليرقد)) كان يتوضأ وهو جنب، ولا يغسل رجليه كما في الموطأ عن نافع عنه. وأجيب بأنه ثبت تعقيب الوضوء بالصلاة من روايته، ومن رواية عائشة: فيحمل تركه على أنه كان لعذر. (وقوله: وتوضأ للصلاة، أي: وضوءًا كما يتوضأ للصلاة، أي: وضوءًا شرعيًا لا لغويًا،) كان الأنسب أن يؤخر قوله: فيه رد، إلى هنا، (وليس المراد أنه توضأ لأداء الصلاة،) إذ لا يصح مع الجنابة، (والحكمة فيه أنه يخفف الحدث، ولا سيما على القول بجواز تفريق الغسل، فينويه، فيرتفع الحدث عن تلك الأعضاء المخصوصة على الصحيح). (ويؤيده ما رواه ابن أبي شيبة) عبد الله بن محمد بن إبراهيم وهو أبو شيبة (بسند رجاله ثقات عن شداد) (بفتح المعجمة والدال الثقيلة) (ابن أوس الصحابي، قال: إذا أجنب أحدكم من الليل، ثم أراد أن ينام فليتوضأ، فإنه نصف غسل الجنابة). (وقيل: الحكمة فيه أنه إحدى الطهارتين، فعلى هذا يقوم التيمم مقامه). ٢٧٧ النوع الثّاني في ذكر صلاته عَـ روى البيهقي بإسناد حسن عن عائشة أنه معَِّ كان إذا أجنب فأراد أن ينام توضأ أو تيمم. ويحتمل أن يكون التيمم هنا عند عسر وجود الماء، وقيل غير ذلك. انتهى ملخصًا من فتح الباري. النَّوعِ الثَّاني في ذكر صلاته عَ ليه . اعلم أن الصلاة تحصل تحقيق العبودية، وأداء حق الربوبية، وسائر العبادات وسائل إلى تحقيق سر الصلاة. وقد جمع الله تعالى للمصلين في ركعة ما فرق على أهل المسوات، فلله ملائكة في الركوع منذ خلقهم الله تعالى لا يرفعون من الركوع إلى يوم القيامة، وهكذا السجود والقيام والقعود. (وقد روى البيهقي بإسناد حسن عن عائشة أنه معَةٍ كان إذا أجنب،) أي: صار جنبًا، (فأراد أن ينام توضأ أو تيمم،) فهذا يؤيد قيام التيمم مقامه، (ويحتمل أن يكون التيمم هنا عدد عسر وجود الماء) لا مطلقًا، (وقيل غير ذلك) في حكمة الوضوء، فقيل: لأنه أنشط إلى العود أو إلى الغسل. (انتهى ملخصًا من فتح الباري،) أي: جميع ما ذكره في هذا الفصل من التكلم على الأحاديث التي ذكرها بمعنى أنه أتى بما أراده منه لا التلخيص المتعارف. النوع الثاني في ذكر صلاته علي أي: ذكر ما يتعلق بها من بيان مواقيتها وفرضها وغير ذلك. (اعلم أن الصلاة تحصل تحقيق العبودية،) أي: كون المصلي عبدًا بانقياده للَّه تعالى في أوامره، كالسجود الذي حقيقته وضع أشرف الأعضاء بالأرض ولو ترابية بلا حائل، (وأداء حق الربوبية) (بضم الراء)، أي الحق الذي وجب للرب تعالى مما أمر به أو نهى عنه؛ أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، (وسائر) أي باقي (العبادات وسائل إلى تحقيق سر الصلاة) وهو كمال الانقياد إلى اللَّه، (وقد جمع الله تعالى للمصلين في ركعة ما فرق على أهل السموات) من أنواع العبادات، (فللَّه ملائكة في الركوع منذ خلقهم اللَّه تعالى لا يرفعون من الركوع إلى يوم القيامة، وهكذا السجود والقيام والقعود) كما جاءت به الأخبار، (واجتمع فيها أيضًا من العبادات) كذا في نسخ وهي ظاهرة، وفي أخرى من العبوديات، وكأنه سماها بذلك باعتبار القيام بها وانقياد الشخص لها، وإلا فالمذكور من قوله من الطهارة ... الخ، كله عبادات، وقد صرح به في قوله: ٢٧٨ النَّوع الثّاني في ذكر صلاته واجتمع فيها أيضًا من العبادات ما لم يجتمع في غيرها، من الطهارة والصمت واستقبال القبلة، والاستفتاح بالتكبير، والقراءة والقيام والركوع والسجود، والتسبيح في الركوع، والدعاء في السجود، إلى غير ذلك. فهي مجموع عبادات عديدة، لأن الذكر بمجرده عبادة، والقراءة بمجردها عبادة، و کذا کل فرد فرد. وقد أمر نبيه بالصلاة في قوله سبحانه: ﴿اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة﴾، [العنكبوت/٤٥] وقال تعالى: ﴿وامر أهلك بالصلاة واصطبر عليها﴾، [طه/١٣٢]. وفي ذلك - كما نبه عليه صاحب كتاب التنوير أمدنا الله بمدده - إشارة إلى فهي مجموع عبادات (ما لم يجتمع في غيرها من الطهارة والصمت) عن الكلام الأجنبي (واستقبال القبلة والاستفتاح بالتكبير والقراءة والقيام والركوع والسجود والتسبيح في الركوع والدعاء في السجود إلى غير ذلك، فهي مجموع عبادات عديدة، لأن الذكر بمجرده عبادة) فاضلة على غيرها، ولذكر اللَّه أكبر (والقراءة بمجردها عبادة، وكذا كل فرد فرد) مما عده كله عيادة، (وقد أمر نبيه بالصلاة في قوله سبحانه: ﴿اتل ما أوحي إليك من الكتاب﴾،) القرآن تقربًا إلى اللّه بقراءته وتحفظًا لألفاظه واستكشافًا لمعانيه، فإن القارىء المتأمل قد ينكشف له بالتكرار ما لا يتكشف له أول ما قرع سمعه، (﴿وأقم الصلاة) إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾؛ بأن تكون سببًا للانتهاء عن المعاصي حال الاشتغال بها وغيرها من حيث أنها تذكر اللَّه وتورث النفس خشية منه. وقد روى أحمد وغيره عن أبي هريرة، قال: جاء رجل إلى النبي عٍَّ، فقال: إن فلانًا يصلي بالليل، فإذا أصبح سرق، قال: إنه سينهاه ما تقول، ووقع في الكشاف والبيضاوي؛ روي أن فتى من الأنصار كان يصلي مع رسول اللَّه عَي الصلوات، ولا يدع شيئًا من الفواحش إلا ارتكبه، فوصف له عليه السلام، فقال: إن صلاته ستنهاه، فلم يلبث أن تاب، لكن قال الحافظ ولي الدين العراقي: لم أقف عليه وتبعه السيوطي. (وقال تعالى: ﴿وامر أهلك بالصلاة واصطبر﴾،) اصبر (عليها) وداوم، روى ابن مردويه عن أبي هريرة، قال: حين نزلت هذه الآية كان ﴾ يأتي باب علي، فيقول: الصلاة رحمكم اللَّه إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرًا، (وفي ذلك - كما نبه عليه صاحب كتاب التنوير) في إسقاط التدبير التاج ابن عطاء الله مر بعض ترجمته ٢٧٩ النوع الثَّاني في ذكر صلاته عَّ أن في الصلاة تكليفًا للنفوس شاقًا عليها، لأنها تأتي في أوقات ملاذً العباد وأشغالهم، فتطالبهم بالخروج عن ذلك كله إلى القيام بين يديه، والفراغ عما سوى الله، فلذلك قال: ﴿واصطبر عليها﴾. قال: ومما يدل على أن في القيام بالصلاة تكاليف العبودية وأن القيام بها على خلاف ما تقتضيه البشرية، قوله تعالى: ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين﴾ [البقرة/٤٥] فجعل الصبر والصلاة مقترنين إشارة إلى أنه يحتاج في الصلاة إلى الصبر، صبر على ملازمة أوقاتها، وصبر على القيام بمسنوناتها وواجباتها، وصبر يمنع القلوب فيها عن غفلاتها، ولذلك قال تعالى بعد ذلك: ﴿وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين﴾، فأفرد الصلاة بالذكر ولم يفرد الصبر به، إذ لو كان كذلك لقال: وإنه لكبير، فقد يدل على ما قلناه، أو لأن الصبر والصلاة مقترنان متلازمان، فكان أحدهما هو عين الآخر، كما قال تعالى في الآية الآخرى: (أمدنا اللَّه بمدده - إشارة إلى أن في الصلاة تكليفًا للنفوس شاقًا عليها، لأنها تأتي في أوقات ملاذ العباد وأشغالهم، فتطالبهم بالخروج عن ذلك كله،) أي تكون سببًا لخروجهم عن ملاذهم وأشغالهم (إلى القيام بين يديه والفراغ عما سوى اللّه) بفعل الصلاة قبل خروج وقتها، (فلذلك قال ﴿واصطبر عليها)؛ قال: ومما يدل على أن في القيام بالصلاة تكاليف العبودية وأن القيام بها على خلاف ما تقتضيه البشرية قوله تعالى: ﴿واستعينوا﴾) اطلبوا المعونة على أموركم (﴿بالصبر﴾:) الحبس للنفس على ما يكره (﴿والصلاة﴾،) أفردها بالذكر تعظيمًا لشأنها، وفي الحديث: كان عٍَّ إذا حز به أمر بادر إلى الصلاة، وقيل: الخطاب لليهود لما عاقهم عن الإيمان الشره وحب الرياسة أمروا بالصبر وهو الصوم، لأنه يكسر الشهوة، والصلاة لأنها تورث الخشوع وتنفي الكبر، (﴿وإنها﴾،) أي: الصلاة (﴿الكبيرة﴾) ثقيلة (﴿إلا على الخاشعين﴾) الساكنين إلى الطاعة، (فجعل الصبر والصلاة مقترفين إشارة إلى أنه يحتاج في الصلاة إلى الصبر) الكامل، وهو أنواع أشار إليها بقوله: (صبر) بالجر بدل نكرة من معرفة، لكون النكرة موصوفة لفظًا بقوله: كائن (على ملازمة أوقاتها،) أو موصوفة في المعنى، (وصبر على القيام بمسنوناتها وواجباتها) ومستحباتها، (وصير يمنع القلوب فيها عن غفلاتها) لاشتغالها بالصلاة وإعراضها عن الدنيا، (ولذلك قال تعالى بعد ذلك: ﴿وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين﴾، فأفرد الصلاة بالذكر) بقوله: وإنها تعظيمًا لشأنها، (ولم يفرد الصبر به إذ لو كان كذلك لقال: وإنه لكبير،) لأن الصبر مذكر، (فقد يدل على ما قلناه) قد للتحقيق، (أو لأن الصبر والصلاة مقترنان متلازمان، فكان أحدهما هو عين الآخر) فوصف الصلاة بالكبر بمنزلة ٢٨٠ القسم الأول في الفرائض وما يتعلق بها ﴿والله ورسوله أحق أن يرضوه﴾، [التوبة/٦٢]. انتهى ملخصًا. ثم إن الكلام فيها ينقسم إلى خمسة أقسام: القِسْمُ الأوّل في الفرائض وما يتعلق بها وفيه أبواب: الباب الأول في الصلوات الخمس وفيه فصول: الأول في فرضها عن أنس قال: فرضت على النبي عَّ ليلة أسري به خمسون صلاة، ثم نقصت حتى جعلت خمسًا، ثم نادى: يا محمد إنه لا يبدل القول لدي، وإن لك بهذه الخمس خمسين. رواه الترمذي هكذا مختصرًا، ورواه البخاري ومسلم من حديث طويل تقدم في مقصد الإسراء مع ما فيه من المباحث. وصف الصبر به لتلازمهما، (كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿واللَّه ورسوله أحق أن يرضوه﴾) بالطاعة، فتوحيد الضمير لتلازم الرضاءين، وقيل: خبر اللَّه أو رسوله محذوف. (انتهى ملخصًا). (ثم إن الكلام فيها ينقسم إلى خمسة أقسام: القسم الأول في الفرائض وما يتعلق بها، وفيه أبواب الأول في الصلوات الخمس وفيه فصول:) (الأول: في فرضها،) أي: إيجابها أصلاً وقدرًا (عن أنس، قال: فرضت على النبي عَّه ليلة أسري به خمسون صلاة، ثم نقصت) بأن حط منها بمراجعته عَّ بإشارة موسى عليه الصلاة والسلام خمسًا خمسًا، (حتى جعلت خمسًا ثم نادى) اللَّه تعالى (يا محمد إنه لا يبدل) لا يغير (القول لدي) في ذلك، (وإن لك بهذه الخمس خمسين). قال الحافظ: هذا من أقوى ما استدل به على أنه تعالى كلم نبيه محمدًا عَّ له ليلة الإسراء بلا واسطة، (رواه الترمذي هكذا مختصرًا، ورواه البخاري ومسلم من) جملة (حديث طويل) عن أنس، عن الملك بن صعصعة عن النبي ◌َّه، (تقدم في مقصد الإسراء مع ما فيه من المباحث) المنيفة.