Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
الفصل الأول في ذكر وضوئه عَّ وسواكه ومقدار ما كان يتوضأ به
بالصريح وعلى نفي الصفات بالتبع، فلما منع الدليل نفي الذات بقيت دلالته على
نفي الصفات مستمرة.
وقال ابن دقيق العيد: الذين اشترطوا النية، قدروا: صحة الأعمال، والذين لم
يشترطوها قدروا: كمال الأعمال. ورجح الأول لأن الصحة أكثر لزوماً للحقيقة من
الكمال، فالحمل عليها أولى.
يحصل به المقصود من سقوط الطلب عن المكلف، فأشبه ما انتفت ذاته بأن لم يفعل في عدم
حصول القصد بكل منهما، بخلاف ما انتفى كماله، كمن ترك تسبيح الصلاة، فالفائت ثوابه
الخاص مع سقوط الطلب عن الملكف، (ولأن اللفظ دل على نفي الذات بالصريح، وعلى
نفي الصفات بالتبع، فلما منع الدليل، نفي الذات) لوجود العمل بلا ئية، (بقيت دلالته على
نفي الصفات مستمرة).
زاد الحافظ: قال شيخنا شيخ الإسلام، يعني البلقيني: الأحسن تقدير ما يقتضي أن
الأعمال تتبع النية، لقوله: فمن كانت هجرته ... الخ، وعلى هذا يقدر المحذوف كونًا مطلقًا من
اسم فاعل أو فعل، ثم لفظ العمل يتناول فعل الجوارح حتى اللسان، فتدخل الأقوال.
قال ابن دقيق العيد: وأخرج بعضهم الأقوال وهو بعيد، ولا تردد عندي في أن الحديث
يتناولها، وأما التروك، فهي وان كانت فعل كف، لكن لا يطلق عليها لفظ العمل، وقد تعقب على
من سمى القول عملاً، لكونه عمل اللسان؛ بأن من حلف لا يعمل عملاً، فقال قولاً لا يحنث.
وأجيب: بأن مرجع اليمين إلى العرف والقول لا يسمى عملاً في العرف، ولهذا يعطف
عليه، والتحقيق أن القول لا يدخل في العمل حقيقة ويدخل مجازًا، وكذا الفعل، كقوله تعالى:
﴿ولو شاء ربك ما فعلوه﴾ [الأنعام: ١١٢]، بعد قوله زخرف القول، وأما عمل القلب فالنية،
ولا يتناولها الحديث لئلا يلزم التسلسل والمعرفة، وفي تناولها نظر.
قال بعضهم: هي محال، لأن النية قصد المنوي، وإنما يقصد المرء ما يعرف، فيلزم أن
يكون عارفًا قبل المعرفة، وتعقبه شيخنا شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني بما حاصله؛ إن كان
المراد بالمعرفة مطلق الشعور فمسلم، وإن كان المراد النظر في الدليل فلا، لأن كل ذي عقل
يشعر مثلا بأن له من يدبره، فإذا أخذ في النظر في الدليل عليه ليتحققه لم تكن النية حينئذ
محالاً.
(وقال ابن دقيق العيد: الذين اشترطوا النية قدروا صحة الأعمال، والذين
لم يشترطوها قدروا كمال الأعمال) إذ لا بد من محذوف يتعلق به الجار والمجرور، فقدر كل
ما يوافق رأيه، (ورجح الأول، لأن الصحة أكثر لزومًا للحقيقة من الكمال، فالحمل عليها

٢٠٢
الفصل الأول في ذكر وضوئه عَّ وسواكه ومقدار ما كان يتوضأ به
وفي هذا الكلام إيهام أن بعض العلماء لا يرى اشتراط النية، وليس الخلاف
بينهم في ذلك إلا في الوسائل، وأما المقاصد فلا اختلاف بينهم في اشتراط النية
لها. ومن ثم خالف الحنفية في اشتراطها للوضوء كما تقدم، وخالف الأوزاعي في
اشتراطها في التيمم أيضاً. نعم بين العلماء اختلاف في اقتران النية بأول العمل
كما هو معروف في مبسوطات النفقة.
وأما قوله - أي البخاري - ((فدخل فيه الإيمان))، فتوجيه دخول النية في الإيمان
على طريقة البخاري: أن الإيمان عمل، وأما الإيمان بمعنى التصديق فلا يحتاج إلى
نية كسائر أعمال القلوب، من خشية الله وتعظيمه ومحبته والتقرب إليه، لأنها
متميزة لله فلا تحتاج إلى نية تميزها، لأن النية إنما تميز العمل لله تعالى عن العمل لغيره
رياء، وتميز مراتب الأعمال كالفرض عن الندب، وتميز العبادة عن العادة كالصوم
أولى) للأكثرية، (وفي هذا الكلام إيهام أن بعض العلماء لا يرى اشتراط النية،) أي
وجوبها في شىء من الأعمال، (وليس الخلاف بينهم في ذلك إلا في الوسائل،) کالوضوء،
(وأما المقاصد) كالصلاة، (فلا اختلاف بينهم في اشتراط النية لها، ومن ثم خالف
الحنفية في اشتراطها للوضوء) أي قالوا لا تشترط، (كما تقدم، وخالف الأوزاعي في
اشتراطها في التيمم أيضًا) نظرًا لكونه وسيلة، فلم يناقض أصله بخلاف الحنفية، فاشترطوها
فيه، فتناقضوا كما مر.
(نعم بين العلماء اختلاف في اقتران النية بأول العمل) هل هو شرط أم لا؟ (كما هو
معروف في مبسوطات النفقة،) فلا حاجة إلى الإطالة به.
زاد الحافظ: الظاهر أن الألف واللام معاقبة للضمير، والتقدير: الأعمال بنياتها، وعلى هذا،
فيدل على اعتبار نية العمل من كونه صلاة أو غيرها، ومن كونها فرضًا، أو نفلاً ظهرًا مثلا، أو
عصرًا مقصورة، أو غير مقصورة، وهل يحتاج في مثل هذا الى تعيين العدد فيه بحث، والراجح
الاكتفاء بتعيين العبادة التي لا تنفك عن العدد المعين، كالمسافر مثلا ليس له أن يقصر إلا بنية
القصر، لكن لا يحتاج إلى نية ركعتين، لأن ذلك هو مقتضى القصر.
(وأما قوله - أي البخاري - فدخل فيه الإيمان، فتوجيه دخول النية في الإيمان على
طريقة البخاري؛ أن الإيمان عمل، وأما الإيمان بمعنى التصديق، فلا يحتاج إلى نية كسائر
أعمال القلوب من خشية الله،) أي الخوف منه (وتعظيمه ومحبته والتقرب إليه، لأنها متميزة)
بكونها (للَّه) لا لأمر آخر، (فلا تحتاج إلى نية تميزها،) بل لا يمكن النية فيها كما أشار إليه
بقوله الآتي: ومتى فرضت النية مفقودة استحالت حقيقته، (لأن النية إنما تميز العمل للَّه تعالى

٢٠٣
الفصل الأول في ذكر وضوئه عَّه وسواكه ومقدار ما كان يتوضأ به
عن الحمية.
وقوله أيضًا: ((والأحكام)) أي المعاملات التي يدخل فيها الاحتياج إلى
المحاكمات فيشمل البيوع والأنكحة والأقارير وغيرها وكل صورة لم تشترط فيها
النية فذلك لدلیل خاص.
وقد ذكر ابن المنير ضابطاً - لما يشترط فيه النية مما لا يشترط فيه - فقال:
كل عمل لا تظهر له فائدة عاجلة بل المقصود به طلب الثواب فانية مشترطة فيه،
وكل فعل ظهرت فائدته ناجزة، وتقاضته الطبيعة قبل الشريعة لملاءمة بينهما فلا
تشترط النية فيه إلا لمن قصد بفعله معنى آخر يترتب عليه الثواب.
قال: وإنما اختلف العلماء في بعض الصور من جهة تحقيق مناط التفرقة.
قال: وأما كان من المعاني المحضة كالخوف والرجاء فهذا لا يقال
باشتراط النية فيه لأنه لا يمكن أن يقع إلا منوياً، ومتى فرضت النية مفقودة فيه
عن العمل لغيره رياء، وتميز مراتب الأعمال، كالفرض عن الندب، وتميز العبادة عن العادة،
كالصوم عن الحمية) عن الأكل لضره.
(وقوله أيضًا: والأحكام، أي المعاملات التي يدخل فيها الاحتياج إلى
المحاكمات، فيشمل البيوع والأنكحة والأقارير وغيرها،) واستأنف بالرفع قوله: (وكل صورة
لم تشترط فيها النية، فذلك لدليل خاص).
(وقد ذكر ابن المنير ضابطًا) مميزًا (لما يشترط فيه النية مما لا يشترط فيه،) وفي
نسخة: وما لا يشترط، فلا يقدر مميزًا، لكن الذي في الفتح مما لا يشترط، (فقال: كل عمل
لا يظهر له فائدة عاجلة،) كالصلاة لا يظهر لفعلها فائدة تترتب عليها حالاً، (بل المقصود به
طلب الثواب) في الآخرة (فالنية مشترطة فيه) فلا يصح بدونها (وكل فعل ظهرت فائدته
ناجزة وتقاضته) (بقاف وضاد معجمة)، أي طلبته (الطبيعة قبل الشريعة لملاءمة بينهما) بين
الطبيعة والفعل، كالأكل والشرب والجماع مما منفعته ناجزة، كشبع وري وكسر شهوة، (فلا
تشترط فيه النية إلا لمن قصد بفعله معنى آخر يترتب عليه الثواب،) لقصد التقوى على
العبادة بالأكل والشرب وحصول ولد صالح، أو عفة نفسه، أو المرأة بالنكاح، فيتوقف على النية.
(قال) ابن المنير: (وإنما اختلف العلماء في بعض الصور من جهة تحقيق مناط
التفرقة) بين الأمرين، (قال: وأما ما كان من المعاني المحضة، كالخوف والرجاء، فهذا

٢٠٤
الفصل الأول في ذكر وضوئه عَّ وسواكه ومقدار ما كان يتوضأ به
استحالت حقيقته، فالنية فيه شرط عقلي.
وأما الأقوال، فتحتاج إلى النية في ثلاث مواطن: أحدها، التقرب إلى الله
تعالى فراراً من الرياء، والثاني: التمييز عن الألفاظ المحتملة لغير المقصود.
والثالث: قصد الإنشاء ليخرج سبق اللسان. انتهى، ذكره الحافظ ابن حجر في
فتح الباري.
وقد اختلف العلماء في الوقت الذي وجب فيه الوضوء:
فقال بعضهم: أول ما فرض بالمدينة، وتمسك بقوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى
الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾، [المائدة/٦] الآية.
ونقل ابن عبد البر اتفاق أهل السير على أن غسل الجنابة فرض عليه طَّـ
وهو بمكة، كما فرضت الصلاة، وأنه لم يصل قطّ إلا بوضوء، وقال: وهذا مما لا
لا يقال باشتراط النية فيه، لأنه لا يمكن أن يقع إلا منويًا،) فلا يصح اشتراطها فيه، (ومتى
فرضت النية مفقودة فيه استحالت حقيقته، فالنية فيه شرط عقلي) لا يمكن تخلفه، وحذف
من كلام ابن المنير المنقول في الفتح ما لفظه، ويقاربه أنه لا تشترط النية للنية فرارًا من
التسلسل.
(وأما الأقوال فتحتاج إلى النية في ثلاث مواطن، أحدها: التقرب إلى الله تعالى
فرارًا من الرياء) (بتحتية) (والثاني: التمييز عن الألفاظ المحتملة لغير المقصود، والثالث:
قصد الإنشاء ليخرج سبق اللسان. انتهى).
(ذكره الحافظ ابن حجر في فتح الباري) آخر كتاب الإيمان وما قبله في شرح أو
حدیث فيه.
(وقد اختلف العلماء في الوقت الذي وجب فيه الوضوء، فقال بعضهم: أول ما فرض
:المدينة، وتمسك بقوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾،) محدثين كما قدر الأكثرون،
وقال آخرون: الأمر عام بلا تقدير، إلا أنه في حق المحدث على الإيجاب، وفي حق
غيره على الندب، وقيل: كان واجبًا، ثم نسخ فصار مندوبًا، ويدل له حديث عبد الله بن
الغسيل الآتي: (﴿فاغسلوا وجوهكم﴾ الآية) ووجه التمسك من كون الآية نزلت بالمدينة، وهو تمسك
ضعيف.
(ونقل ابن عبد البر اتفاق أهل السير على أن غسل الجنابة فرض عليه معَ ةٍ وهو بمكة،
كما فرضت الصلاة) بمكة، (وأنه لم يصل قط إلا بوضوء، وقال) ابن عبد البر: (وهذا مما

٢٠٥
الفصل الأول في ذكر وضوئه عَّ وسواكه ومقدار ما كان يتوضأ به
يجهله عالم بالأخبار.
وقال الحاكم في المستدرك: أهل السنة قامت بهم حاجة إلى دليل الرد
على من زعم أن الوضوء لم يكن قبل نزول آية المائدة، ثم ساق حديث ابن
عباس: دخلت فاطمة على النبي عَّه وهي تبكي فقالت: هؤلاء الملأ من قريش
قد تعاهدوا ليقتلوك، فقال: ائتوني بوضوء فتوضأ.
قال الحافظ ابن حجر: وهذا يصلح أن يكون ردًا على من أنكر وجود
الوضوء قبل الهجرة، لا على من أنكر وجوبه حينئذ.
وقد جزم ابن الجهم المالكي بأنه كان قبل الهجرة مندوباً، وجزم ابن حزم
بأنه لم يشرع إلا بالمدينة.
ورد عليه بما أخرجه عبد الله بن لهيعة في المغازي التي يرويها عن أبي
لا يجهله عالم بالأخبار،) وهذا مما يضعف القول بأن الوضوء أول ما فرض بالمدينة.
(وقال الحاكم في المستدرك: أهل السنة قامت بهم حاجة إلى دليل الرد على من
زعم أن الوضوء لم يكن قبل نزول آية المائدة، ثم ساق حديث ابن عباس: دخلت فاطمة)
الزهراء سيدة النساء (على النبي عَّةٍ وهي تبكي، فقالت: هؤلاء الملأ من قريش قد تعاهدوا
ليقتلوك، فقال: ائتوني بوضوء) (بالفتح) ما أتوضأ به (فتوضأ).
(قال الحافظ ابن حجر: وهذا يصلح أن يكون ردًا على من أنكر وجود الوضوء قبل
الهجرة، لا على من أنكر وجوبه حينئذٍ) فلا يصح ردًا عليه، إذ لا يلزم من فعله الوجوب.
(وقد جزم) أبو بكر محمد بن أحمد بن محمد (بن الجهم) المروزي نسب لجد أبيه
لشهرته به، (المالكي) الفقیه، المحدث.
قال الخطيب: له مصنفات حسان محشوة بالآثار، يحتج لمذهب لملك ويرد على
مخالفیه، و کتب حديثًا کثیرًا و کتبه تنبیء عن مقدار علمه.
روى عن إسمعيل القاضي وجعفر الفريابي وعبد الله بن أحمد بن حنبل وغيرهم، وعنه
الأبهري والدينوري، مات سنة تسع وعشرين، وقيل: ثلاث وثلاثين وثلاثمائة، (بأنه كان قبل
الهجرة مندوبًا).
(وجزم ابن حزم بأنه لم يشرع إلا بالمدينة،) ويرد عليه حديث فاطمة السابق، (ورد
عليه) أيضًا (بما أخرجه عبد الله بن لهيعة) (بفتح اللام وكسر الهاء) ابن عقبة الحضرمي،
أبو عبد الرحمن المصري قاضيها، عالم صدوق، احترقت كتبه فاختلط، ورواية ابن المبارك:

٢٠٦
الفصل الأول في ذكر وضوئه عَدٍ وسواكه ومقدار ما كان يتوضأ به
الأسود عن عروة أن جبريل عليه السلام علم النبي عَّة الوضوء عند نزوله عليه
بالوحي.
وهو مرسل، ووصله أحمد من طريق ابن لهيعة أيضاً، لكن قال: عن الزهري
عن عروة، عن أسامة بن زيد عن أبيه، وأخرجه ابن ماجه من رواية رشدین بن سعد
عن عقيل عن الزهري نحوه، لكن لم يذكر زيد بن حارثة في السند، وأخرجه
الطبراني في الأوسط من طريق الليث عن عقيل موصولاً. ولو ثبت لكان على
شرط الصحيح، لكن المعروف رواية ابن لهيعة.
وعن أنس قال: كان رسول الله صَ لّه يتوضأ لكل صلاة. قيل له: كيف كنتم
وابن وهب، عنه: أعدل من غيرهما.
روى له أبو داود والترمذي وله في مسلم بعض شىء مقرون، مات سنة أربع وسبعين ومائة،
وقد ناف على الثمانين (في) كتاب (المغازي التي يرويها عن أبي الأسود) محمد بن
عبد الرحمن بن نوفل بن خويلد بن أسد بن عبد العزى الأسدي المدني، يتيم عروة، ثقة من رجال
الجميع، مات سنة بضع وثلاثين ومائة (عن عروة) بن الزبير: (أن جبريل عليه السلام علم
النبي عَّ الوضوء عند نزوله عليه بالوحي وهو مرسل) لأن عروة تابعي كبير (ووصله أحمد
من طريق ابن لهيعة أيضًا، لكن قال عن الزهري، عن عروة، عن أسامة بن زيد عن أبيه)
زيد بن حارثة الصحابي، أحد من قيل أنه أول من أسلم.
(وأخرجه ابن ماجه من رواية رشدين) (بكسر الراء وسكون المعجمة) (ابن سعد)
ابن مفلح المهري (بفتح الميم وسكون الهاء) أبي الحجاج المصري، ضعيفه رجح أبو حاتم
عليه ابن لهيعة.
وقال ابن يونس: كان صالحًا في دينه، فأدركته غفلة الصالحين، فخلط في الحديث،
مات سنة ثمان وثمانين ومائة وله ثمان وسبعون، خرج له الترمذي وابن ماجه (عن عقيل) (بضم
العين) ابن خالد بن عقيل (بالفتح) الأيلي (بفتح الهمزة فتحتية ساكنة فلام) الأموي، مولاهم ثقة،
ثبت من رجال الجميع، سكن المدينة، ثم الشام، ثم مصر، مات سنة أربع وأربعين ومائة على
الصحيح، (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (نحوه، ولكن لم يذكر زيد بن حارثة في
السند) بل قال عن عروة عن أسامة.
(وأخرجه الطبراني في الأوسط من طريق الليث) بن سعد الإمام (عن عقيل موصولاً)
عن الزهري، عن عروة، عن أسامة، عن أبيه: (ولو ثبت لكان على شرط الصحيح) للشيخين
(لكن المعروف رواية ابن لهيعة) عن أبي الأسود، عن عروة مرسلاً (وعن) عمرو بن عامر

٢٠٧
الفصل الأول في ذكر وضوئه عَّه وسواكه ومقدار ما كان يتوضأ به
تصنعون؟ قال: يجزي أحدنا الوضوء ما لم يحدث. رواه البخاري وأبو داود
والترمذي.
وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه أن رسول الله عَُّلّه كان يتوضأ لكل صلاة.
رواه الدارمي. وروى مسلم عن بريدة قال: كان رسول الله عَّه يتوضأ لكل صلاة، فلما
كان يوم الفتح صلى الصلوات بوضوء واحد. فقال له عمر: فعلت شيئاً لم تكن
تفعله، فقال: عمدًا فعلته يا عمر. يعني لبيان الجواز.
الأنصاري، عن (أنس قال: كان رسول اللَّه عَّ يتوضأ لكل صلاة) وعند النسائي عن عمرو بن
عامر أنه سأل أنسًا أكان النبي عَّ يتوضأ لكل صلاة؟ قال: نعم، قال الحافظ: أي مفروضة زاد
الترمذي من طريق حميد، عن أنس طاهر، أو غير طاهر وظاهره أن تلك كانت عادته، لكن
حديث الصحيح عن سويد بن النعمان: خرجنا عام خيبر، حتى إذا كنا بالصهباء صلى لنا
رسول اللَّه عَُّ العصر، إلى أن قال: ثم صلى لنا المغرب ولم يتوضأ، يدل على أن المراد
الغالب.
وقال الطحاوي: يحتمل أن ذلك كان واجبًا عليه، ثم نسخ يوم الفتح لحديث بريدة، يعني
الآتية، ويحتمل أنه كان يفعله استحبابًا، ثم خشي أن يظن وجوبه، فتركه لبيان الجواز.
قال الحافظ: وهذا هو الأقرب، وعلى تقدير الأول، فالنسخ كان قبل الفتح بدليل حديث
سويد، فإنه كان في خيبر وهي قبل الفتح بزمان، (قيل له) لفظ البخاري، قلت: (كيف كنتم
تصنعون،) قال الحافظ: القائل عمرو بن عامر، والمراد الصحابة، (قال) أنس: (يجزي) (بضم
أوله) من أجزأ، أي يكفي، وللإسمعيلي: يكفي (أحدنا) (بالنصب) مفعول فاعله (الوضوء ما لم
يحدث) ولابن ماجه: وكنا نحن نصلي الصلوات كلها بوضوء واحد (رواه البخاري وأبو داود
والترمذي) والنسائي وابن ماجه، (وعن عثمن بن عفان رضي الله عنه أن رسول اللَّه عَ لّ كان
يتوضأ لكل صلاة) استحبابًا، وإلا لما وسعه ولا وسع غيره أن يخالفه، ولأن الأصل عدم
الوجوب قاله المصنف (رواه الدارمي) عبد الله بن عبد الرحمن السمرقندي الحافظ، صاحب
المسند، ثقة، فاضل، متقن، شيخ مسلم وأبي داود والترمذي.
(وروى مسلم) وأبو داود والترمذي (عن بريدة) (بضم الموحدة) مصغر بن الحصيب
(بمهملتين) مصغر أبي سهل الأسلمي رضي اللَّه عنه (قال: كان رسول اللَّه عَ ◌ّ يتوضأ لكل
صلاة فلما كان يوم الفتح) فتح مكة (صلى الصلوات) الخمس، كما زاده في رواية أبي داود
والترمذي، فأغرب من قال، أي جمع بين صلاتين (بوضوء واحد فقال له عمر بن الخطاب:
(فعلت شيئًا لم تكن تفعله).

٢٠٨
الفصل الأول في ذكر وضوئه معَّ وسواكه ومقدار ما كان يتوضأ به
وفي رواية أحمد وأبي داود، من حديث عبد الله بن أبي عامر الغسيل، أنه
عَِّ أمر بالوضوء، لكل صلاة طاهراً أو غير طاهر، فلما شق ذلك عليه أمر بالسواك
عند كل صلاة ووضع عنه الوضوء إلا من حدث.
واختلف العلماء في موجب الوضوء:
فقيل: يجب بالحدث وجوباً موسعًا وقيل: به وبالقيام إلى الصلاة معًا،
ورجحه جماعة من الشافعية وقيل بالقيام إلى الصلاة حسب، ويدل له ما رواه
أصحاب السنن عن ابن عباس مرفوعاً: ((إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة)).
وفي رواية: لقد صنعت اليوم شيئًا لم تكن تصنعه، (فقال: عمدًا،) أي قصدًا (فعلته) وفي
لفظ: صنعته (يا عمر، يعني لبيان الجواز) للناس، وخوف أن يعتقد وجوب ما كان يفعل من
الوضوء لكل صلاة، وقيل: إنه ناسخ لوجوب ذلك، وتعقب بقول أنس: کان خاصًا به دون أمته،
وإنه كان يفعله للفضيلة، كذا في شرح المصنف لمسلم.
(وفي رواية أحمد وأبي داود من حديث عبد اللَّه) بن حنظلة (بن أبي عامر) الراهب
الأنصاري، له رؤية وأبوه غسيل الملائكة، قتل يوم أحد وأم عبد اللَّه جميلة بنت عبد الله بن أبي،
استشهد عبد الله يوم الحرة في ذي الحجة سنة ثلاث وستين، وكان أمير الأنصار بها، كما في
التقريب كغيره، فكأنه سقط من قلم المصنف، أو نساخه ابن حنظلة، ولا يعتذر له بأنه نسبه إلى
جده، لأن قوله (الغسيل) صفة لحنظلة لا لابنه عبد الله الراوي، وإسقاطه يوهم أنه صفة له كما
ظنه من لم يراجع غزوة أحد، (أنه عَّة أمر بالوضوء لكل صلاة طاهرًا) كان (أو غير طاهر
فلما شق) صعب (ذلك عليه أمر بالسواك عند كل صلاة، ووضع عنه الوضوء إلا من
حدث،) أي ناقض للوضوء، لكن نومه ليس بناقض كما مر في الخصائص.
(واختلف العلماء في موجب الوضوء) وكذا الغسل، واقتصر على الوضوء، لأن الكلام
فيه، (فقيل: يجب بالحدث) أي الناقض (وجوبًا موسعًا) إلى القيام إلى الصلاة، (وقيل:) يجب
(به وبالقيام إلى الصلاة معًا،) فلا يجب بالحدث وحده، ولا بالقيام لها وهو متوضىء،
(ورجحه جماعة من الشافعية) وغيرهم، (وقيل: بالقيام إلى الصلاة حسب،) أي فقط، وأورد
عليه أنه لو دخل وقت الصلاة ولم يرد فعلها، بل قصد تركها أو أخرها إلى خروج الوقت، لا
يجب عليه الوضوء تلك المدة لعدم قيامه إلى الصلاة.
وأجيب بأن المراد القيام لها بالفعل أو بالخطاب، وهو بدخول الوقت يخاطب بالصلاة،
وبكل ما تتوقف عليه، (ويدل له ما رواه أصحاب السنن، عن ابن عباس، مرفوعًا: ((إنما أمرت

٢٠٩
الفصل الأول في ذكر وضوئه عَّه وسواكه ومقدار ما كان يتوضأ به
وقد تمسك بحديث عبد الله بن أبي عامر هذا من قال بوجوب السواك عليه
مِالآهو
لكن في إسناده محمد بن إسحاق، وقد رواه بالعنعنة وهو مدلس،
والخصائص لا تثبت إلا بدليل صحيح.
وأخرج الطبراني في الأوسط والبيهقي في السنن عن عائشة مرفوعاً: ((ثلاث
هن عليَّ فرائض وهن لكم سنة: الوتر والسواك وقيام الليل)).
وقد روى أحمد في مسنده بإسناد حسن من حديث واثلة بن الأسقع أن
رسول الله عَّةٍ قال: ((أمرت بالسواك حتى خشيت أن يكتب علي)).
وقد حكى بعضهم الإجماع على أنه ليس بواجب علينا. لكن حكى عن
بعض الشافعية أنه أوجبه للصلاة ونوزع فيه.
بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة))،) بقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة﴾
[المائدة: ٦] الآية، (وقد تمسك بحديث عبد الله بن أبي عامر هذا،) المذكور آنفًا: (من قال
بوجوب السواك عليه عَد) من قوله: فلما شق ذلك عليه أمر بالسواك عند كل صلاة، (لكن)
لا متمسك فيه، لأن (في إسناده محمد بن إسحق) بن يسار صاحب المغازي، (وقد رواه
بالعنعنة، وهو مدلس،) وإن كان صدوقًا فلا يقبل منه حتى يصرح بالسماع، (والخصائص لا
تثبت إلا بدليل صحيح).
(وأخرج الطبراني في الأوسط، والبيهقي في السنن، عن عائشة مرفوعًا: ((ثلاث هن
عليّ فرائض وهن لكم سنة الوتر والسواك وقيام الليل))،) فهذا شاهد لحديث ابن حنظلة، وقد
صححه ابن خزيمة وغيره إما تساهلاً وإما لأنهم وقفوا على طريق صرحت بالسماع، ولذا اعتمد
المالكية والشافعية وجوبه عليه.
(وقد روى أحمد في مسنده بإسناد حسن من حديث واثلة) (بمثلثة) (ابن الأسقع)
(بالقاف) (أن رسول اللَّه عَّ﴾ قال: ((أمرت) على لسان جبريل، أو بإلهام، أو برؤيا المنام
(بالسواك) أمر ندب (حتى خشيت أن يكتب) أي يفرض (عليّ،) وهذا وإن كان إسناده حسنًا،
لكن قال المنذري وغيره: فيه ليث بن أبي سليم، وهو ثقة مدلس، وقد رواه بالعنعنة، وقد جعله
المصنف في مقصد الخصائص من حجج من لم يجعل السواك واجبًا عليه، لأنه ظاهر في عدم
الوجوب، وحاول شيخنا الجمع بينه وبين الحديث قبله: ((ثلاث هن عليَّ فرائض»، بما حاصله أنه
واجب عليه لكل صلاة، مستحب له فيما عدا ذلك، والذي خشي أن يكتب عليه وجوبه عند
القيام من نوم ودخول منزل ونحوهما مما يطلب فيه، وهو محتمل على بعده.
(وقد حكى بعضهم الإجماع على أنه ليس بواجب علينا) معشر الأمة (لكن حكي عن

٢١٠
الفصل الأول في ذكر وضوئه عَّ وسواكه ومقدار ما كان يتوضأ به
واتفقوا على أنه يستحب مطلقاً، ويتأكد في أحوال:
منها: عند الوضوء وإرادة الصلاة.
ومنها: عند القيام من النوم، لما ثبت في الصحيحين من حديث حذيفة أنه
كان إذا قام من الليل بشوص فاه بالسواك، لكن قد يقال: المراد، قام من
الليل للصلاة، فيكون المراد السواك للصلاة وعند الوضوء.
ومنها: عند قراءة القرآن، كما جزم به الرافعي.
ومنها: عند تغير الفم، سواء فيه تغير الرائحة أو تغير اللون، كصفرة الأسنان،
كما ذكره الرافعي.
ومنها: عند دخول المنزل، كما جزم به النووي في زوائد الروضة، لما روى
بعض الشافعية أنه أوجبه للصلاة؛ ونوزع فيه) بأنه لا دليل عليه.
(واتفقوا على أنه يستحب مطلقًا) في كل وقت فعل فيه أراد الصلاة أم لا، (ويتأكد)
استحبابه (في أحوال منها عند الوضوء) والغسل والتيمم (وإرادة الصلاة، ومنها عند القيام من
النوم لما ثبت في الصحيحين من حديث حذيفة) بن اليماني (أنه عَّ ةٍ كان إذا قام من الليل
بشوص) (بفتح التحتية وضم المعجمة وسكون الواو وصاد مهملة)، يدلك (فاه بالسواك، لكن
قد يقال المراد قام من الليل للصلاة، فيكون المراد السواك للصلاة، أو عند الوضوء،) فلا
يدل على أنه للقيام من النوم، ويدل على ذلك أن في رواية لمسلم كان إذا قام للتهجد.
وقال الولي العراقي: يحتمل وجهين، أحدهما: أن معناه إذا قام للصلاة بدليل الرواية
الأخرى، الثاني: إذا انتبه وفيه حذف، أي من نوم الليل، ويحتمل أن من الابتداء الغاية من غير
تقدیر حذف نوم. انتھی.
وقد يؤيد الثاني رواية أحمد وأبي داود عن عائشة: ((كان عَّ لا يرقد من ليل ولا نهار إلا
تسوك قبل أن يتوضأ))، فإن ظاهره أنه كان يتسوك قبل شروعه في الوضوء، إذ يستحب في
السواك للوضوء كونه قبل المضمضة، وهذا غير الاستياك عند الاستيقاظ.
وقال بعضهم: الكلام في مقتضى هذا الحديث، فإن نظر إليه مع قطع النظر عن رواية
مسلم، أفاد ندبه بمجرد الانتباه، وإن روعيت الرواية الأخرى، لأن الروايات تفسر بعضها لم يفد
ذلك لكن له دليل آخر، (ومنها عند قراءة القرآن كما جزم به الرافعي، ومنها عند تغير الفم)
بأكل أو شرب أو كثرة كلام، ولو بذكر اللَّه، (سواء فيه تغير الرائحة أو تغير اللون، كصفرة
الأسنان كما ذكره الرافعي، ومنها عند دخول المنزل كما جزم به النووي في زوائد الروضة

٢١١
الفصل الأول في ذكر وضوئه عَّهِ وسواكه ومقدار ما كان يتوضأ به
مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه، من حديث عائشة أنه عَدٍّ كان إذا دخل
بيته يبدأ بالسواك.
ومنها: عند إرادة النوم، كما ذكره الشيخ أبو حامدٍ في ((الرونق)، وروى فيه
ما رواه ابن عدي في الكامل من حديث جابر: أن النبي عَِّ كان يستاك إذا أخذ
مضجعه. وفيه: حرام بن عثمان، متروك.
ومنها: عند الانصراف من صلاة الليل، لما رواه ابن ماجه من حديث ابن
عباس بإسناد صحيح قال: كان رسول الله عَ ◌ّه يصلي بالليل ركعتين ركعتين، ثم
ينصرف فيستاك.
لما روى مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه،) كلهم في الطهارة (من حديث) شريح بن
هانىء عن (عائشة أنه معٍَّ كان إذا دخل بيته يبدأ بالسواك) لأجل السلام على أهله، إذ
السلام اسم شريف، وليطيب فمه الطيب لتقبيل أهله زيادة في حسن العشرة وتعليم الأمة، لا
لتغير فمه بصمت أو كلام كما زعم، لأنه عَِّ المنزه المبرأ عن أن يلحقه شىء من ذلك، ولأنه
كان يبدأ بالنافلة أول دخوله بيته، ولأنه كما قال عياض والقرطبي: لا يفعله ذو مروءة بحضرة
الناس، ولا ينبغي فعله في المسجد ولا في المحافل، قيل: المراد بالدخول ليلاً، ففي مسند
أحمد بإسناد صحيح عن شريح بن هانىء: سألت عائشة بأي شيء كان يبدأ عَّةٍ إذا دخل عليك
بيتك ليلاً، قالت: بالسواك، ويختم بركعتي الفجر، وألفاظ الخبر الواحد يفسر بعضها بعضًا.
وقد حكى ابن منده الإجماع على صحة هذا الحديث، وتعقبه مغلطاي بأنه إن أراد إجماع
العلماء قاطبة فمتعذر، أو إجماع الأئمة فغير صواب، لأن البخاري لم يخرجه، فأي إجماع مع
مخالفته، كذا قال ولا طائل تحته، فالمراد إجماع علماء الحديث، وعدم إخراج البخاري له ليس
فيه أنه لم يقل بصحته، فإنه لم يخرج في جامعه كل ما صح عنده، فقد صح عنه أحفظ من
الصحيح مائة ألف حديث، والذي في جامعه لم يبلغ نصف عشرها (ومنها عند إرادة النوم كما
ذكره الشيخ أبو حامد) الإسفرايني (في الرونق) اسم كتاب، (وروى فيه ما رواه ابن عدي في
الكامل من حديث جابر: أن النبي عَّةٍ كان يستاك إذا أخذ مضجعه) (بزنة مقعد) كما في
القاموس، (وفيه حرام) (بمهملتين مفتوحتين)، كما في التبصير (ابن عثمن) المدني (متروك)
هالك، (ومنها عند الانصراف من صلاة الليل لما رواه ابن ماجه) والنسائي وأحمد (من
حديث ابن عباس بإسناد صحيح،) كما قال الحافظ، وقال المنذري: رواته ثقات، وقال الحاكم
على شرطهما، وتعقبه مغلطاي، (قال: كان رسول اللَّه عَّ يصلي بالليل ركعتين ركعتين)
بالتكرير، (ثم ينصرف فيستاك) وعند أبي نعيم بإسناد جيد عن ابن عباس: كان عَّه يستاك بين

٢١٢
الفصل الأول في ذكر وضوئه عَّه وسواكه ومقدار ما كان يتوضأ به
ويجزىء بكل خشن، ولو بأصبع غيره الخشنة، وقد جزم النووي في شرح
المذهب ودقائق المنهاج أنه يجزىء بها قطعاً. قال في شرح تقريب الأسانيد: وما
أدري ما وجه التفرقة بين أصبعه وأصبع غيره وكونه جزءًا منه لا يظهر منه ما
يقتضي منعه، بل كونها أصبعه أبلغ في الإزالة، لأنه لا يتمكن بها أكثر من تمكن
غيره أن يسوكه بأصبعه لا جرم. قال النووي في شرح المذهب: المختار اجزاؤه
مطلقاً. قال: وبه قطع القاضي حسين والمحاملي في اللباب والبغوي واختاره في
البحر. انتهى.
وقد أطبق أصحاب الشافعي على استحباب ((الأراك)). روى الطبراني من
حديث أبي خيرة الصنابحي - وله صحبة - حديثًا قال فيه: ثم أمر لنا رسول الله ـ
بأراك فقال: استاكوا بهذا.
كل ركعتين من صلاة الليل:
قال الولي العراقي: ومقتضاه أنه لو صلى صلاة ذات تسليمات كالضحى والتراويح،
يستحب أن يستاك لكل ركعتين، وبه صرح النووي: (ويجزىء بكل خشن ولو بأصبع غيره
الخشنة،) المتصلة لا المنفصلة، لا بأصبعه، ولو متصلة على الأصح في المنهاج.
(وقد جزم النووي في شرح المذهب ودقائق المنهاج؛ أنه يجزي بها قطعًا).
(قال) الولي العراقي (في شرح تقريب الأسانيد: وما أدري ما وجه التفرقة بين أصبعه
وأصبع غيره، وكونه جزءًا منه لا يظهر منه ما يقتضي منعه، بل كونها أصبعه أبلغ في الإزالة)
التي هي المقصود بالسواك من أصبع غيره، (لأنه لا يتمكن بها،) أي أصبعه (أكثر من تمكن غيره
أن یسو که بأصبعه لا جرم،) أي حقًّا.
(قال النووي في شرح المذهب المختار،) عنده من حيث الدليل وإن كان خلاف ما
اعتمده في المنهاج (أجزاؤه مطلقًا) بأصبع غيره أو بأصبعه، (قال: وبه قطع القاضي حسين
والمحاملي في الباب والبغوي واختاره في البحر) للروياني. (انتهى).
(وقد أطبق أصحاب الشافعي) وغيرهم (على استحباب الأراك روى الطبراني)
والدولابي وأبو أحمد الحاكم (من حديث أبي خيرة) (بفتح الخاء المعجمة وسكون التحتية
فراء فتاء تأنيث)، قال الخطيب: لا أعلم أحدًا سماه وهو العبدي، ثم (الصنابحي،) (بضم الصاد
المهملة وفتح النون وكسر الموحدة الخفيفة نسبة إلى صنابح بن كثير بن أقصى بطن من
عبد القيس كما في الإصابة والفتح، (وله صحبة حديثًا) أوله: كنت في الوفد الذين أتوا
رسول اللَّه عَّ من عبد القيس، وكنا أربعين رجلاً نسأله على الدباء والنقير الحديث ثم (قال

٢١٣
الفصل الأول في ذكر وضوئه عَّ وسواكه ومقدار ما كان يتوضأ به
وفي مستدرك الحاكم من حديث عائشة في دخول أخيها عبد الرحمن بن
أبي بكر في مرضه عَّه ومعه سواك من أراك، فأخذته عائشة فطيبته ثم أعطته
رسول الله عَّةٍ فاستن به أسنانه. والحديث في الصحيحين وليس فيه ذكر الأراك.
وفي بعض طرقه عند البخاري: ومعه سواك من جريد النخل.
وقد روى أبو نعيم في كتاب السواك، من حديث عائشة قالت: كان
رسول الله عَّ يستاك عرضًا، وروى البيهقي أيضًا من حديث ربيعة بن أكثم قال:
كان رسول الله عَ ليه يستاك عرضًا الحديث.
فيه: ثم أمر لنا رسول اللَّه عٍَّ بأراك، فقال: استاكوا بهذا،) فقلنا: يا رسول اللَّه عندنا الجريد،
ولكن نقبل كرامتك وعطيتك، فقال: اللهم اغفر لعبد القيس، أسلموا طائعين غير مكرهين، إذ قعد
قوم لم يسلموا إلا خزایا موتورین.
(وفي مستدرك الحاكم من حديث عائشة في) قصة (دخول أخيها عبد الرحمن بن
أبي بكر) الصديق (في مرضه عَة) الذي توفي فيه (ومعه سواك من أراك، فأخذته عائشة) لما
نظر عَّه إليه، (فطيبته) بمضغه ونفضه، (ثم أعطته رسول اللَّه عَّله، فاستن به:) (بهمزة فمهملة
فوقية دلك (أسنانه، والحديث في الصحيحين: وليس فيه ذكر الأراك)، فذكره في رواية الحاكم وهو أو
شذوذ.
(وفي بعض طرقه عند البخاري: ومعه سواك من جريد النخل،) فصرح بخلاف ما
روى الحاكم والحديث واحد، ولفظ البخاري في هذه الطريق، عنها: توفي النبي عَّهُ في بيتي،
وفي يومي، وبين سحري ونحري، وكانت إحدانا تعوّذه بدعاء إذا مرض، فذهبت أعوّذه، فرفع
رأسه إلى السماء وقال: ((في الرفيق الأعلى))، في الرفيق الأعلى، ومر عبد الرحمن بن أبي بكر
وفي يده جريدة رطبة، فنظر إليها النبي عَّةٍ، فظننت أن له بها حاجة، فأخذتها، فمضغت رأسها
ونفضتها، فدفعتها إليه، فاستن بها كأحسن ما كان مستنًا، ثم ناولنيها، فسقطت يده، أو سقطت
من يده، فجمع اللَّه بين ريقي وريقه في آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة.
(وقد روى أبو نعيم في كتاب السواك من حديث عائشة، قالت: كان رسول اللّه،) وفي
نسخة: النبي (عَُّ يستاك عرضًا) بقية رواية أبي نعيم، ولا يستاك طولاً، هذا وفي إسناده
عبد اللَّه بن حكيم وهو متروك كما في المقاصد، وعورض بذكر الطول في خبر آخر، وجمع بأنه
في اللسان والحلق طولاً وفي الأسنان عرضًا.
(وروى البيهقي) في السنن (أيضًا،) و كذا العقیلي (من حدیث) سعيد بن المسيب عن
(ربيعة بن أكثم) (بمثلثة) الخزاعي، (قال: كان رسول اللّه عَّ يستاك عرضا الحديث) بقيته

٢١٤
الفصل الأول في ذكر وضوئه معَّه وسواكه ومقدار ما كان يتوضأ به
قال أصحابنا: والمراد بقوله ((عرضًا)): عرض الأسنان في طول الفم.
وهل الأولى أن يباشر المستاك بيمينه أو شماله؟ قال بعضهم بيمينه،
لحديث: كان يعجبه التيمن في ترجله وتنعله وطهوره وسواكه.
وبناه بعضهم على أنه هل هو من باب التطهير والتطييب، أو من باب إزالة
القاذورات. فإن قلنا بالأول استحب أن يكون باليمين، وإن قلنا بالثاني فبشماله
لحديث عائشة: كانت يد رسول الله عَّه اليمنى لطهوره وطعامه، واليسرى لخلائه
وما كان من أُذی. رواه أبو داود بإسناد صحيح.
قال في شرح تقريب الأسانيد: وما استدل به على أنه يستحب باليمين ليس
فيه دلالة، فإن المراد منه بالشق الأيمن في الترجل، والبداءة بلبس النعل، والبداءة
بالأعضاء اليمنى في التطهير، والبداءة بالجانب الأيمن في الاستياك، وأما كونه يفعل
ويشرب مصًا ويتنفس ثلاثًا، ويقول: ((هو أهناً وأمراً وأبرأ))؛ قال في الإصابة: إسناده إلى
ابن المسيب ضعيف.
وقال ابن السكن: لم يثبت حديثه، وفي المقاصد سنده ضعيف جدًا، بل قال ابن عبد البر:
ربيعة. قتل بخيبر، فلم يدركه سعيد، وقد رواه البيهقي والبغوي والعقيلي وابن عدي وابن منده
وابن قانع والطبراني من حديث ثبيت بن كثير، وهو ضعيف، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن
المسیب، عن بهز بدل ربيعة.
قال ابن عبد البر في التمهيد: ولا يصحان من جهة الإسناد.
(قال أصحابنا: والمراد بقوله عرضًا عرض الأسنان) ظاهرًا وباطنًا كما قال بعضهم (في
طول الفم وهل الأولى أن يباشر المستاك بيمينه أو شماله، قال بعضهم: بيمينه لحديث:
كان) عٍَّ. (يعجبه التيمن في ترجله) تسريح شعره، (وتنعله:) لبس نعله، (وطهوره) وضوئه
وغسله، فيبدأ بالعضو الأيمن من اليدين والرجلين، والشق الأيمن في الغسل، (وسواكه:) فيسوك
الجهة اليمنى قبل اليسرى، (وبناه بعضهم على أنه هل هو من باب التطهير والتطييب، أو من
باب إزالة القاذورات؛ فإن قلنا بالأول استحب أن يكون باليمين، وإن قلنا بالثاني، فبشماله
لحديث عائشة: كانت يد رسول اللَّه عَِّ اليمنى لطهوره وطعامه، واليسرى لخلائه) (بالمد)
(وما كان من أذى، رواه أبو داود بإسناد صحيح).
(قال) الولي بن العراقي (في شرح تقريب الأسانيد وما استدل به) من حديث: كان
يعجبه التيمن (على أنه يستحب باليمين ليس فيه دلالة، فإن المراد منه بالشق الأيمن في
الترجل،) أي يسرحه قبل الأيسر (والبداءة بلبس النعل) للرجل اليمنى قبل اليسرى، (والبداءة

٢١٥
الفصل الأول في ذكر وضوئه مَّ وسواكه ومقدار ما كان يتوضأ به
ذلك بيمينه فيحتاج إلى نقل، والظاهر أنه من باب إزالة الأذى كالامتخاط ونحوه
فيكون باليسرى. وقد صرح بذلك أبو العباس القرطبي فقال في ((المفهم)) حكاية
عن مالك: أنه لا يتسوك في المساجد لأنه من باب إزالة القذر والله أعلم.
وأما مقدار ما كان عليه الصلاة والسلام يتوضأ ويغتسل به من الماء:
فعن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله عٍَّ يغتسل بالصاع إلى خمسة
أمداد، ويتوضأ بالمد، وفي رواية: كان يغتسل بخمس مكاكيك ويتوضأ بمكوك.
بأعضاء) الجهة (اليمنى في التطهير،) فيغسل اليد اليمنى، والرجل اليمنى قبل اليسرى فيهما،
وشق جسده الأيمن قبل الأيسر في الغسل، (والبداءة بالجانب الأيمن) من الفم (في الاستياك،
وأما كونه يفعل ذلك بيمينه، فيحتاج إلى نقل،) إذ لا تعرض فيه لليد التي كان يفعل بها،
لكنه الظاهر منه لا سيما مع قوله في الحديث وفي شأنه كله، ولذا اعتمد الشافعية والمالكية إنه
باليد اليمنى خلافًا لقوله، (والظاهر أنه من باب إزالة الأذى كالامتخاط ونحوه، فيكون
باليسرى).
(وقد صرح بذلك أبو العباس القرطبي، فقال في المفهم) في شرح مسلم (حكاية عن
ملك) الإمام (أنه لا يتسوك في المساجد، لأنه من باب إزالة القذر،) لكن لا دلالة فيه على
التسوك بالشمال، إذ لا يلزم من كراهة لملك السواك بالمساجد لئلا تتقذر بالخارج من الفم
بالسواك وإن كان طاهرًا، كون التسوك نفسه بالشمال، بل باليمين إكرامًا للفم، كإدخال الأكل
وإن كان ذا رائحة كريهة كثوم، (واللَّه أعلم) بالحكم فيه.
(وأما مقدار ما كان عليه الصلاة والسلام يتوضأ ويغتسل به من الماء، فعن أنس
رضي الله عنه، قال: كان رسول اللَّه عَ لِّ يغتسل بالصاع) لفظ مسلم.
وفي البخاري: كان يغسل جسده، أو كان يغتسل بالصاع، قال الحافظ: الشك من
البخاري أو من شيخه أبي نعيم لما حدثه به، فقد رواه الإسمعيلي من طريق أبي نعيم، فقال: كان
يغتسل، ولم يشك، ثم إنه ربما اقتصر على الصاع، وهو أربعة أمداد، وربما زاد (إلى خمسة
أمداد) فكأن أنسا لم يطلع على أنه اغتسل بأكثر، لأنه جعلها النهاية، وفي مسلم عن عائشة؛ أنها
كانت تغتسل والنبي عَّهُه من إناء واحد، وهو الفرق.
قال ابن عيينة والشافعي وغيرهما: هو ثلاثة آصع، وفي مسلم أيضًا، عنها: كان عَّ
يغتسل من إناء يسع ثلاثة أمداد، فهذا يدل على اختلاف الحال في ذلك بقدر الحاجة، (ويتوضأ
بالمد) وهو إناء يسع رطلاً وثلثًا بالبغدادي، قاله جمهور العلماء، وقال بعض الحنفية: رطلين.
(وفي رواية) عن أنس (كان) عَّهُ (يغتسل بخمس مكاكيك) (بميم فكاف فألف فكافين

٢١٦
الفصل الأول في ذكر وضوئه عَّةٍ وسواكه ومقدار ما كان يتوضأ به
رواه البخاري ومسلم وأبو داود وعنده:
:
يتوضأ بإناء يسع رطلين ويغتسل بالصاع. ورواه الترمذي وعنده أيضًا:
أنه مَِّ قال: يجزىء في الوضوء رطلان من ماء.
وعن عائشة قالت: كان رسول الله عٍَّ يغتسل بالصاع ويتوضأ بالمد. رواه
أبو داود.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما، أنه عَّ وميمونة كانا يغتسلان من إناء
واحد.
والصاع: خمسة أرطال وثلث، برطل بغداد، وهو على ما قاله النووي مائة
بينهما تحتية ساكنة جمع مكوك (ويتوضأ بمكوك) (بفتح الميم وتشديد الكاف المضمومة
وسكون الواو آخره كاف مجرور بالباء)، أي مد كما تفسره الرواية قبله، (رواه البخاري ومسلم
وأبو داود وعنده: يتوضأ بإناء يسع رطلين،) فقوله: أولاً يتوضأ بالمد أغلبي، إذ الرطلان أزيد من
المد عند الجمهور، (ويغتسل بالصاع).
(ورواه الترمذي وعنده أيضًا؛ أنه معَّ. قال: يجزىء) (بضم أوله، أي يكفي) (في
الوضوء رطلان من ماء،) أي فأقل بدليل فعله، (وعن عائشة قالت: كان رسول اللَّه عَ لُه يغتسل
بالصاع ويتوضأ بالمد) بضم الميم (رواه أبو داود).
وفي مسلم عن سفينة مثله، ولأحمد بإسناد صحيح عن جابر مثله، وفي الباب عن
أم سلمة وابن عباس وابن عمر وغيرهم، وهو أكثر ما جاء عن الصحابة في تقدير وضوئه
وغسله ـ
وروى أبو يعلى والطبراني بإسناد ضعيف، عن أبي أمامة أنه عَ ليه توضأ بنصف مد.
وروى ابن خزيمة وابن حبان والحاكم عن عبد اللَّه بن زيد أنه رآه عّ لِّ توضأ بثلث مد،
فجعل يدلك ذراعيه، ودلك أذنيه، يعني حين مسحهما وثلث بالإفراد، ولأبي داود عن أم عمارة
أنه عٍَّ توضأ بثلثي مد بالتثنية وجمع بين هذه الروايات بأنها كانت اغتسالات ووضوءات في
أحوال وجد فيها أكثر ما استعمله وأقله، فليس المراد التحديد بالصاع والمد خلافًا لمن حدد
بهما، كابن شعبان من المالكية وبعض الحنفية، وهو أيضًا في حق من يكون خلقه معتدلاً.
(و) في البخاري والترمذي وابن ماجه، (عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه عٍَّ وميمونة)
أم المؤمنين (كانا يغتسلان من إناء واحد) من الجنابة، ورواه مسلم عن ابن عباس؛ قال:
أخبرتني ميمونة أنها كانت تغتسل هي والنبي ◌َّه من إناء واحد، لكن قال البخاري: كان
ابن عيينة يقول أخيرًا، عن ابن عباس، عن ميمونة، والصحيح ما رواه أبو نعيم، يعني شيخه

٢١٧
الفصل الأول في ذكر وضَوئه معَّ وسواكه ومقدار ما كان يتوضأ به
وثمانية وعشرون درهمًا وأربعة أسباع درهم.
وحذر عَّ أمته من الإسراف فيه. ومر بسعد وهو يتوضأ، فقال: ما هذا
الإسراف يا سعد؟ قال: أفي الوضوء سرف؟ قال: نعم، وإن كنت على نهر جار.
رواه أحمد بإسناد لين، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي.
وقال عَّةٍ: إن للوضوء شيطاناً يقال له الولهان، فاتقوا وسواس الماء. رواه
الترمذي من حديث أبي بن كعب.
الفضل أنه من مسند ابن عباس لا من مسند ميمونة؛ (والصاع خمسة أرطال وثلث برطل
بغداد، وهو على ما قاله النووي مائة وثمانية وعشرون درهمًا وأربعة أسباع درهم،) وقيل:
ثمانية أرطال، وقيل: أربعة، (وحذر عَّ أمته من الإسراف فيه، ومر بسعد وهو يتوضأ،
فقال: ما هذا الإسراف يا سعد؟، قال) مستفهمًا: (أفي الوضوء سرف؟، قال: نعم. وإن
کنت علی نهر جار).
(رواه أحمد) وابن ماجه (بإسناد لين من حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي) السهمي،
(وقال مَّة: ((إن للوضوء شيطانًا يقال له الولهان))) (بفتح الواو وسكون اللام)، وهو في الأصل
وصف معناه المتحير من شدة العشق، سمي به هذا الشيطان لإغوائه الناس في التحير في الوضوء
حتى لا يعلموا هل مس الماء العضو أم لا، وكم غسل مرة أو أكثر، ونحو ذلك من الشكوك
والأوهام (فاتقوا وسواس الماء) أي احذروا وسوسة الولهان، فوضع الماء موضع ضميره مبالغة
في كمال وسواسه في شأن الماء وإيقاع الناس في التحير؛ والوسواس (بالفتح اسم من وسوست
إليه نفسه): إذا حدثته (وبالكسر اسم مصدر)، ويقال لما يخطر بالقلب ولما لا خير فيه وسواس.
قال في النصائح: الوسوسة من آفات الطهارة، وأصلها جهل بالسنة أو خبال في العقل،
ومتبعها متكبر مدل بنفسه، سيىء الظن بعبادة اللَّه، معتمد على عمله، معجب به وبقوته، وعلاجها
بالتلهي عنها والإكثار من سبحان الملك الخلاق، إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد، وما ذلك
على الله بعزيز.
قال الحكيم الترمذي: أما القلوب التي ولجها عظمة اللَّه وجلاله فهامت واستقرت، فقد
انتفى عنهم وسواس عدوهم، ومن هنا أنب عَِّ الوسوسة، فقال: ((هكذا خرجت عظمة اللَّه من
قلوب بني إسرائيل حتى شهدت أبدانهم وغابت قلوبهم))، ثم روى حديثًا أن رجلاً أتى
النبي ◌َّة، فقال: إني أدخل في صلاتي، فلا أدري أعلى شفع أم على وتر من وسوسة أجدها
في صدري، فقال عَّهِ: ((إن وجدت ذلك فاطعن بأصبعك هذه، يعني السبابة في فخذك
اليسرى، وقل: بسم اللّه، فإنها سكين الشيطان أو مدية الشيطان))، (رواه الترمذي من حديث

٢١٨
الفصل الثاني في وضوئه عَّله مرة مرة ومرتين مرتين وثلاثا ثلاثا
الفصل الثاني
في وضوئه علَّةِ مرة مرة
ومرتين مرتين وثلاثا ثلاثا
عن ابن عباس قال: توضأ رسول الله عَ لّ مرة مرة. رواه البخاري وأبو داود
وغيرهما. وهو بيان لمجمل قوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا﴾،
[المائدة/٦]. إذ الأمر يفيد طلب إيجاد الحقيقة ولا يتعين بعدد، فبين الشارع أن
المرة الواحدة، للإيجاب، وما زاد على ذلك للاستحباب.
أبي بن كعب) وقال غريب: ليس إسناده بالقوي لا نعلم أحدًا أسنده غير خارجة بن مصعب. انتهى.
وخارجة ضعيف جدًا، كما قال الحافظ وغيره، وأخرجه ابن خزيمة والحاكم في
صحيحيهما من طريق خارجة، وتعجب من ذلك ابن سيد الناس، فقال: لا أدري كيف دخل هذا
في الصحيح والله أعلم.
الفصل الثاني في وضوئه .
(مرة مرة) لكل عضو من أعضاء الوضوء، (ومرتين مرتين) كذلك، (وثلاثًا ثلاثًا) كذلك،
(عن ابن عباس، قال: توضأ رسول اللَّه عَّ له)) فغسل كل عضو من أعضاء الوضوء (مرة مرة)
(بنصبهما على المفعول المطلق المبين للكمية)، أو على الظرفية، أي: توضأ في زمان واحد،
لأن كل غسلة واقعة في زمان واحد، فلو تعدد الغسل لتعدد الزمن أو على المصدر، أي توضأ
مرة من التوضؤ، أي غسل الأعضاء غسلة واحدة.
(رواه البخاري وأبو داود وغيرهما،) كالنسائي وابن خزيمة، وهو مجمل جاء بيانه في
رواية أخرى عند البخاري والنسائي، وأبي داود عن ابن عباس: أتحبون أن أريكم كيف كان
رسول اللَّه عَّلم يتوضأ؟، فدعا بإناء فيه ماء، فأخذ غرفة من ماء، فمضمض بها واستنشق، ثم
أخذ غرفة من ماء فجعل بها، هكذا أضافها إلى يده الأخرى، فغسل بها وجهه، ثم أخذ غرفة
من ماء، فغسل بها يده اليمنى، ثم أخذ غرفة من ماء، فغسل بها يده اليسرى، ثم قبض قبضة
من الماء، ثم نفض يده، ثم مسح رأسه، زاد النسائي: وأذنيه مرة واحدة، ثم أخذ غرفة من
ماء، فرش على رجله اليمنى حتى غسلها، ثم أخذ غرفة أخرى، فغسل بها رجله، يعني
اليسرى، ثم قال: هكذا رأيت رسول اللَّه عَّهِ يتوضأ؛ (وهو بيان لمجمل) الأمر في (قوله
تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا﴾، إذ الأمر يفيد طلب إيجاد الحقيقة، ولا يتعين
بعدد، فبين الشارع) بفعله (أن المرة الواحدة للإيجاب وما زاد على ذلك للاستحباب) إذ

٢١٩
الفصل الثاني في وضوئه عَّ مرة مرة ومرتين مرتين وثلاثا ثلاثا
وأما حديث أبي بن كعب أنه معَِّ دعا بماء فتوضأ مرة مرة وقال: هذا وضوء
لا يقبل الله الصلاة إلا به، ففيه بيان بالقول والفعل معًا، لكنه حديث ضعيف
أخرجه ابن ماجه، وله طرق أخرى كلها ضعيفة، كما قاله في فتح الباري.
وعن عبد الله بن زيد أن رسول الله عَّ توضأ مرتين مرتين وقال: هو نور
علی نور، ذکره رزین.
وعن عثمان رضي الله عنه أن رسول الله عَّ توضأ ثلاثًا ثلاثًا. رواه أحمد
ومسلم عنه.
أن رسول الله عَّ توضأ ثلاثًا ثلاثًا وقال: هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من
هو المبين لمراد اللَّه تعالى.
(وأما حديث أبي بن كعب، أنه مَُّ دعا بماء فتوضأ مرة مرة، وقال: هذا وضوء لا
يقبل الله الصلاة إلا به، ففيه بيان بالقول والفعل معًا، لكنه حديث ضعيف، أخرجه ابن ماجه
وله طرق أخرى كلها ضعيفة، كما قاله في فتح الباري) ومن تلك الطرق ما رواه الطيالسي
وأحمد وأبو يعلى وابن ماجه، عن ابن عمر؛ أنه عَِّ توضأ مرة مرة، وقال: «هذه وظيفة الوضوء
الذي لا تحل الصلاة إلا به»، ثم توضأ مرتين مرتين، فقال: ((هذا وضوء من أراد أن يضعف له
الأجر مرتين)، ثم توضأ ثلاثًا ثلاثًا، وقال: ((هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي)).
(وعن عبد اللَّه بن زيد) بن عاصم بن كعب الأنصاري، المازني، شهد أحدًا وما بعدها،
واختلف في شهوده بدرًا، له عدة أحاديث، استشهد يوم الحرة سنة ثلاث وستين، وهو غير
صاحب رؤيا الأذان، وغلط البخاري وغيره من زعم أنه هو واستم جد رائي الأذان عبد ربه؛ (أن
رسول اللَّه ◌َّ توضأ مرتين مرتين) (بالنصب فيهما على المفعول المطلق، أو الظرف، أو
المصدر كالسابق)، (وقال: هو نور على نور، ذكره رزين) بن مطوية الأندلسي، وإنما نسبه له
الزيادة، وقال: هو نور ... الخ، وهي ضعيفة، وإلا فالحديث في البخاري عن عبد الله بن زيد أن
النبي عَّةٍ توضأ مرتين مرتين، وفي أبي داود والترمذي وصححه وابن حبان عن أبي هريرة: أن
النبي عَّة توضأ مرتين مرتين، (وعن عثمن رضي اللَّه، عنه أن رسول اللَّه عَ لِّ توضأ ثلاثًا ثلاثًا)
لكل عضو (رواه أحمد ومسلم) هكذا مختصرًا، أن عثمن قال: ألا أريكم وضوء
رسول اللَّه عَّةِ، ثم توضأ ثلاثًا ثلاثًا، زاد في رواية لمسلم وعنده رجال من الصحابة، أي فلم
يخالفوه، وعند البيهقي: أن عثمن توضأ ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال لأصحاب رسول اللَّه عَّة: هل رأيتم
رسول اللَّه مَِّ فعل هكذا؟، قالوا: نعم.

٢٢٠
الفصل الثاني في وضوئه عَّه مرة مرة ومرتين مرتين وثلاثا ثلاثا
قبلي ووضوء إبراهيم)). ذكره رزين، وضعفه النووي في شرح مسلم كما حكاه في
مشكاة المصابيح.
ولم يأت في شيء من الأحاديث المرفوعة في صفة وضوئه عَّ أنه زاد
على الثلاث، بل ورد عنه ذم من زاد عليها فعن عمرو.
ابن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي عَ لّه توضأ ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال: ((من
زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم))، رواه أبو داود وإسناده جيد، لكن عده
مسلم في جملة ما أنكروه على عمرو بن شعيب، لأن ظاهره ذم النقص عن الثلاثة.
وأجيب: بأمر نسبي، والإساءة تتعلق بالنقص والظلم بالزيادة عن الثلاث
وقيل: فيه حذف تقديره: من نقص من واحدة، ويؤيده ما رواه أبو نعيم بن حماد
من طريق المطلب بن حنطب مرفوعًا: الوضوء مرة ومرتين وثلاثًا، فإن نقص من
(وعنه) أي عثمن: (أن رسول اللَّهُ مَّ توضأ ثلاثًا ثلاثًا، وقال: ((هذا وضوئي ووضوء
الأنبياء من قبلي، ووضوء إبراهيم) (عطف خاص على عام لشرفه)، (ذكره رزين) (بفتح الراء
وكسر الزاي) ابن مطوية في كتابه المسمى تجريد الصحاح، (وضعفه النووي في شرح مسلم
كما حكاه في مشكاة المصابيح،) أي ضعف زيادة، وقال: هذا وضوئي ... الخ، (ولم يأت)
كما أشار إليه البخاري بقوله: ولم يزد على الثلاث.
قال الحافظ: أي لم يأت (في شىء من الأحاديث المرفوعة في صفة وضوئه معَّةٍ أنه
زاد على الثلاث، بل ورد عنه ذم من زاد عليها فعن عمرو) بفتح العين (ابن شعيب) بن
محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاصي (عن أبيه) شعيب ثبت سماعه (عن جده) عبد اللَّه
الصحابي فضمير جده لشعيب أو لابنه عمرو ويحمل على الجد الأعلى فالحديث متصل على
الصحيح: (أن النبي عَّ توضأ ثلاثًا ثلاثًا ثم قال: من زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم
رواه أبو داود وإسناده جيد) أي مقبول (لكن عده مسلم في جملة ما أنكروه على عمرو بن
شعيب لأن ظاهره ذم النقص عن الثلاثة) والنقص عنها جائز وفعله المصطفى فكيف يعبر عنه
بأساء وظلم (وأجيب بأمر نسبي والإساءة تتعلق بالنقص) أي أساء من نقص عن الثلاث بالنسبة
لمن فعلها لا حقيقة الإساءة (والظلم بالزيادة عن الثلاث) لفعله مكروها أو حرامًا (وقيل فيه
حذف تقديره من نقص) شيئًا (من) غسلة (واحدة) بأن ترك لمعة في الوضوء مرة، (ويؤيده ما
رواه نعيم) بضم النون (ابن حماد) بن مطوية بن الحرث الخزاعي أبو عبد اللَّه المروزي نزيل مصر
صدوق فقيه عارف بالفرائض مات سنة ثمان وعشرين ومائتين على الصحيح، (من طريق
المطلب) بشد الطاء ابن عبد الله بن المطلب (بن حنطب) بن الحرث المخزومي صدوق كثير