Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١ الفصل الثالث في إنبائه عَ بالأنباء المغيبات أموالهما في سبيل الله، كما أخبر بذلك ووعد به عَّ له. ثم لما كانت الدولة العثمانية امتدت الممالك الإسلامية إلى أقصى مشارق الأرض ومغاربها، ففتحت بلاد المغرب إلى أقصى ما هنالك أندلس وقيروان وسبتة مما يلي البحر المحيط ومن ناحية المشرق إلى أقصى بلاد الصين، وقتل كسرى، وباد ملكه بالكلية، وفتحت مدائن العراق وخراسان والأهواز، وقتل المسلمون من الترك مقتلة عظيمة جدًا، وجيء بالخراج من المشارق والمغارب إلى حضرة أمير المؤمنين عثمن بن عفان، وذلك ببركة تلاوته ودراسته وجمعه الأمة على حفظ القرءان، فها نحن نتقلب فيما وعدنا الله ورسوله، وصدق الله ورسوله. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ضربت عليهم الذلة والمسكنة﴾ [البقرة/ ٦١]، فاليهود أذل الكفار في كل مكان وزمان كما أخبر. الشامية بكمالها، وديار مصر إلى آخرها، وأكثر إقليم فارس، وكسر:) هزم (كسرى، وأهانه غاية الهوان، وتقهقر) رجع (إلى أقصى مملكته، وقصر قيصر وانتزع يده من بلاد الشام، فانحاز إلى قسطنطينية) (بضم القاف)، (وأنفق أموالهما في سبيل اللَّه، كما أخبر بذلك ووعد به عليه) وقد قال بعض السلف: خلافة أبي بكر وعمر حق في كتاب اللَّه، ثم تلا هذه الآية، وفي المجالسة عن ابن قتيبة: هذه الآية شاهدة لخلافة الصديق، وقوله: ليستخلفنهم، أي بعد النبي عَّهِ، والمراد بقوله: من بعد خوفهم أمنا الصحابة، لأنهم كانوا الخائفين في صدر الإسلام، وقبل الهجرة المستضعفين، ثم وجدوا بعد هذا جميع ما وعدهم اللَّه من النصر والظهور والعز، قاله في التماس السعد، (ثم لما كانت الدولة العثمانية) أي خلافة عثمن بن عفان رضي الله عنه، (امتدت الممالك الإسلامية إلى أقصى مشارق الأرض ومغاربها، ففتحت بلاد المغرب إلى أقصى ما هنالك أندلس) (بفتح الهمزة والدال وضم اللام) إقليم بالمغرب، (وقيروان) (بفتح القاف والراء والواو) بلد بإفريقية (وسبتة) (بفتح المهملة وسكون الموحدة وفوقية) مدينة (مما يلي البحر والمحيط و) فتح (من ناحية المشرق إلى أقصى بلاد الصين) بكسر الصاد: اقليم، (وقتل كسرى وباد) هلك (ملكه بالكلية،) تصديقًا لقوله عَّ: لما مزق كتابه: ((والله ممزقه وملكه))، (وفتحت مدائن العراق وخراسان:) (بضم المعجمة والتخفيف) إقليم من الري إلى مطلع الشمس (والأهواز) (بفتح الهمزة والواو بينهما هاء ساكنة، ثم ألف فزاي) بلد مشهور (وقتل المسلمون من الترك مقتلة عظيمة جدًا، وجيء بالخراج من المشارق والمغارب إلى حضرة أمير المؤمنين عثمن بن عفان، وذلك ببركة تلاوته ودراسته وجمعه الأمة على حفظ ١٢٢ الفصل الثالث في إنباته معَِّ بالأنباء المغيبات ومن ذلك قوله تعالى: ﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون﴾ [التوبة/ ٣٣]، وهذا ظاهر في العيان بأن دين الإسلام كما أخبر عال على جميع الأديان. ومن ذلك، قوله تعالى: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ إلى آخرها، فكان كما أخبر، دخل الناس في دين الله أفواجًا، فما مات عليه الصلاة والسلام وفي بلاد العرب كلها موضع لم يدخله الإسلام. إلى غير ذلك مما يطول استقصائه. القرآن، فها نحن نتقلب فيما وعدنا اللَّه ورسوله، وصدق اللَّه ورسوله) وهذا جاء به المصنف من مؤلف لطيف لشيخه السخاوي، سماه التماس السعد في الوفاء بالوعد، وقال عقب هذا: وبهذا ظهر قوله تعَّةٍ، الذي ثبت في الصحيح: (إن اللَّه زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوى لي منها))، وقوله عَّله لعدي بن حاتم حين وفد عليه: ((أتعرف الحيرة))، قلت: لم أرها، سمعت بها، قال: ((فوالذي نفسي بيده ليتمن اللَّه هذا الأمر حتى تخرج الظعينة من الحيرة، حتى تطوف بالبيت في غیر جوار أحد، ولتفتحن کنوز کسری بن هرمز»، قلت: كسرى بن هرمز؟، قال: ((نعم كسرى بن هرمز، وليبذلن المال حتى لا يقبله أحد»، قال عدي: فهذه الظعينة تخرج من الحيرة، فتطوف بالبيت في غير جوار، ولقد كنت فيمن فتح كنوز كسرى، والذي نفسي بيده لتكونن الثالثة، لأن رسول اللّه عَ له قد قالها، وقوله: ((بشر هذه الأمة بالسناء والرفعة، والدين والنصر، والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا، لم يكن له في الآخرة نصيب)). (ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ضربت عليهم الذلة﴾) [آل عمران: ١١٢]، الذل والهوان (والمسكنة،) أي أثر الفقر من السكون والخزي، فهي لازمة لهم وإن كانوا أغنياء لزوم الدرهم المضروب لسكته، (فاليهود أذل الكفار في كل مكان وزمان، كما أخبر) اللَّه تعالى، ومن ذلك أنه ليس لهم مملكة قط، بل هم مبددون في البلدان. (ومن ذلك قوله تعالى: ﴿هو الذي أرسل رسوله﴾)، محمدًاً عَّ. (﴿بالهدى ودين الحق ليظهره﴾) يعليه ((على الدين كله﴾،) جميع الأديان المخالفة له (﴿ولو كره المشركون﴾﴾ [التوبة: ٣٣]، ذلك، (وهذا ظاهر في العيان) (بكسر العين) المشاهدة؛ (بأن دين الإسلام كما أخبر؛) بأنه يظهره (عال) مرتفع (على جميع الأديان) باعتبار زاعميها أن الدين عند اللَّه الإسلام. (ومن ذلك) الإخبار بالغيب (قوله تعالى: ﴿إذا جاء نصر الله﴾) [النصر: ١]، نبيه عليّ ١٢٣ الفصل الثالث في إنبائه عَّل بالأنباء المغيبات القسم الثاني: في ما أخبر به عليه الصلاة والسلام من الغيوب سوى ما في القرءان العزيز فكان كما أخبر به في حياته وبعد مماته. أخرج الطبراني عن ابن عمر قال قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: إن الله قد رفع لي الدنيا، فأنا أنظر إليها وإلى ما هو كائن فيها إلى يوم القيامة، كأنما أنظر إلى كفي هذه. وعن حذيفة قال: قام فينا رسول الله عليه الصلاة والسلام مقامًا، فما ترك شيئًا في مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدث به، حفظه من حفظه، ونسيه من نسيه، قد علمه أصحابي هؤلاء، وإنه ليكون منه الشىء قد نسيته فأراه فأعرفه فأذكره كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه، ثم إذا رآه عرفه، ثم قال على أعدائه (والفتح) فتح مكة (إلى آخرها،) أي السورة، (فكان كما أخبر، دخل الناس في دين اللَّه أفواجًا:) جماعات بعدما كان فيه واحد واحد، بعد فتح مكة، جاءته العرب من أقطار الأرض طائعين، (فما مات عَّةٍ وفي بلاد العرب كلها موضع لم يدخله الإسلام، إلى غير ذلك مما يطول استقصاؤه) تتبعه والكشف عنه. (القسم الثاني في) بيان (ما) أي شىء كثير (أخبر به عليه الصلاة والسلام من الغيوب سوى ما في القرآن العزيز،) الغالب على غيره، (فكان) فوجد بعد إخباره (كما أخبر،) أي على الوجه الذي أخبر (به) بعضه وقع (في حياته و) بعضه وقع (بعد مماته) على طبق ما قال. (أخرج الطبراني عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه عَّةِ: ((إن الله قد رفع)))) أي أظهر وكشف (لي الدنيا،) بحيث أحطت بجميع ما فيها، (فأنا أنظر إليها وإلى ما هو كائن فيها إلى يوم القيامة، كأنما أنظر إلى كفي هذه) إشارة إلى أنه نظر حقيقة، دفع به احتمال أنه أريد النظر العلم، ولا يرد أنه إخبار عن مشاهدة، فلا يلاقي الترجمة، لأن إخباره بذلك إخبار عن غيب عن الناس، ثم يعلم باعتبار صدقه ووجوب اعتقاد ما يقوله أن كل ما علمه الناس بعده من جملة ما رآه حين رفعت له الدنيا ءُ (وعن حذيفة) بن اليمان رضي اللَّه عنهما، (قال: قام) أي خطيبًا، فعبر بالقيام عن الخطبة، لأن الخطيب يخطب قائمًا (فينا،) أي الصحابة، أي قام ونحن عنده، فالظرفية مجازية (رسول اللَّه عَّلِ مقامًا) (بفتح الميم) اسم لموضع القيام، ومنه لا مقام لكم، أي لا موضع، أما على قراءة (ضم الميم)، فالمراد موضع الإقامة أو نفس الإقامة، بجعله مصدرًا من أقام، (فما ترك ١٢٤ الفصل الثالث في إنبائه معَِّ بالأنباء المغيبات حذيفة: ما أدري أنسي أصحابي أم تناسوه، والله ما ترك رسول الله عليه الصلاة والسلام من قائد فتنة إلى أن تنقضي الدنيا يبلغ من معه ثلثمائة فصاعدًا إلا سماه لنا باسمه واسم أبيه وقبيلته. رواه أبو داود. وروى مسلم من حديث ابن مسعود في الدجال: فيبعثون عشرة فوارس طليعة، قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: إني لأعرف أسماءهم وأسماء آبائهم وألوان خيولهم، هم خير فوارس على ظهر الأرض يومئذ. شيئًا) يكون كما في أبي داود، أي يوجد ويحدث بعده من مهم أحوال المسلمين، ومن يتولى أمورهم بعده، وما يكون بعده من الفتن والحرب، فيكون تامة، والجملة صفة شيئًا (في مقامه ذلك) من وضع الظاهر موضع المضمر، لكمال العناية به (إلى قيام الساعة) القيامة (إلا حدث به) أي ذكر أنه سيوجد، والفعل في تأويل الاسم، كقولهم: أنشدك اللَّه إلا فعلت، والاستثناء متصل لدخول المحدث به في شيئًا، وقيل: منقطع بمعنى لكن، (حفظه) أي ما حدث به (من حفظه،) أي استمر على حفظه بعض من سمعه لاعتنائهم به، (ونسيه من نسيه) ممن سمعه، أي لم يداوموا بذكرهم له فنسوه، وأفرد ضمير حفظه ونسيه رعاية للفظ شيئًا، (قد علمه أصحابي هؤلاء) الحاضرون عنده من الصحابة، (وأنه) أي الشأن (ليكون) يوجد (منه الشىء) في الخارج، (قد نسيته) لطول العهد، (فأراه) بعد وجوده، (فأعرفه فأذكره،) أي أتذكره وأستحضره، (كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه، ثم إذا رآه عرفه)،) فيه تقديم وتأخير، أي كما أن الرجل إذا غاب عنه رجل كان يعرف وجهه وسمته، وهو في مخيلته، لكنه لم يذكره، فإذا رآه تذكره وعرفه، فليس إذا متعلقًا بيذكر، بل ينسى المعلوم من الكلام، وهو من تشبيه المعقول بالمحسوس تشبيهًا تمثيليًّا، (ثم قال حذيفة: ما أدري أنسي أصحابي) هذا الحديث (أم تناسوه،) أي أظهروا نسيانه خوف الفتنة، لا لقلة الاهتمام به، كما زعم، بل لأنه من الأسرار التي لا ينبغي أن يحدث بها كل أحد، (واللَّه) أقسم للتأكيد (ما ترك رسول اللَّه عَل من قائد) (بقاف ودال مهملة) ومن زائدة، أي محرك (فتنة) محاربة وإيقاع ضرر بالمسلمين، كالحجاج وغيره الذين معهم جند تتبعهم، كما يتبع الجمل والفرس من يقوده، وفيه استعارة بالكناية، شبه الفتنة بخيل تقاد بمقاودها، وأثبت لها القائد تخييلاً، (إلى أن تنقضي الدنيا) تتم وتنتهي مدتها، ويخرب العالم (يبلغ) يصل (من معه) من أتباعه، والضمير للقائد (ثلثمائة فصاعدًا إلا) قد (سماه لنا) عَّةِ (باسمه واسم أبيه وقبيلته) التي عرف بها أعم من كونها منها نسبًا أو حلفًا أو مقيمًا عندهم أو غير ذلك، بحيث لم يبق فيه شبهة، والجملة صفة قائد فتنة، أي أنه إنما ذكر منهم من جمعه ثلاثمائة فأزيد، فإن نقص عنها لم يذكره ١٢٥ الفصل الثالث في إنبائه عَّ بالأنباء المغيبات فوضح من هذا الخبر وغيره مما سيأتي من الأخبار، وسنح من خواطر الأبرار الأخيار أنه عليه الصلاة والسلام عرفهم بما يقع في حياته وبعد موته، وما قد انحتم وقوعه فلا سبيل إلى فوته (رواه أبو داود) من طريق أبي وائل، عن حذيفة به، وروى صدره الشيخان، حتى قوله: عرفه، ولذا عزاه المصنف لأبي داود لزيادة، ثم قال حذيفة إلى آخر الحديث. (وروى مسلم) في أواخر صحيحه، في كتاب الفتن، (من حديث ابن مسعود في) أمر (الدجال،) من طريق أبي قتادة العدوي، عن يسير بن جابر (بضم التحتية فسين مهملة مصغر) أو يقال أصله أسير، فسهلت الهمزة، قال: هاجت ريح حمراء بالكوفة، فجاء رجل ليس له هجيري، ألا يا عبد الله بن مسعود جاءت الساعة، قال: فقعد وكان متكثًا، فقال: إن الساعة لا تقوم حتى لا يقسم ميراث ولا يفرح بغنيمة، ثم قال: بيده هكذا ونحادها نحو الشام، فقال: عدو يجتمعون لأهل الشام، ويجتمع لهم أهل الشام، قلت: الروم، يعني قال: نعم، ويكون عند ذلكم القتال ردة شديدة (بفتح الراء)، أي هزيمة، فيشترط المسلمون شرطة الموت، لا ترجع إلا غالبة، فيقتتلون حتى يحجز بينهم الليل، فيبقى هؤلاء وهؤلاء، كل غير غالب وتفنى الشرطة، ثم يشترط المسلمون شرطة الموت، لا ترجع إلا غالبة، فيقتتلون حتى يمسواء فيبقى هؤلاء وهؤلاء كل غير غالب وتفنى الشرطة، فإذا كان اليوم الرابع نهد إليهم بقية الإسلام، فيجعل اللَّه الدبرة عليهم فيقتتلون مقتلة إما قال لا يرى مثلها، وإما قال لم ير مثلها، حتى أن الطائر ليمر بجنباتهم، فما يخلفهم حتى يخر ميتًا، فيتعاد بنو الأب، كانوا مائة فلا يجدون، بقي منهم إلا الرجل الواحد، فبأي غنيمة يفرح، أو أي ميراث يقاسم، فبينما هم كذلك إذ سمعوا بناس هم أكثر من ذلك، فجاءهم الصريخ أن الدجال قد خلفهم في ذراريهم، فيرفضون ما في أيديهم، ويقبلون، (فيبعثون عشرة فوارس طليعة) (بطاء مهملة بوزن فعيلة) القوم، يبعثون أمام الجيش، يتعرفون طلع العدو «پالکسر)، أي خبره. (قال رسول اللَّه عَّ: إني لأعرف أسماءهم وأسماء آبائهم، وألوان خيولهم) التي يركبون عليها، (هم خير فوارس على ظهر الأرض يومئذٍ) أو من خير فوارس على ظهر الأرض يومئذٍ، هكذا في مسلم بالشك، لبذلهم نفوسهم في نصر دين اللَّه تعالى، وقوله: ليس له هجيري (بكسر الهاء والجيم مشددة والقصرة، أي شأن ودأب، وقوله: فيشترط المسلمون ضبط بوجهين (بتحتية ثم فوقية، وفتح الشين والراء المشددة، فطاء وبتحتية فشين ساكنة، ففوقية فطاء مهملة}، والشرطة (بضم المعجمة) أول طائفة من الجند تتقدم للقتال، ومعنى نهد بدال مهملة نهض، والدبرة (بفتح المهملة وسكون الموحدة)، أي الهزيمة على الروح، وقوله فما يخلفهم، أي ١٢٦ الفصل الثالث في إنبائه عَبد بالأنباء المغيبات وقال أبو ذر: لقد تركنا رسول الله عليه الصلاة والسلام وما يحرك طائر جناحيه في السماء إلا ذكرنا منه علمًا. ولا شك أن الله تعالى قد أطلعه على أزيد من ذلك، وألقى عليه علم الأولين والآخرين. وأما علم عوارف المعارف الإلهية فتلك لا يتناهى عددها، وإليه عليه الصلاة والسلام ينتهي مددها. ومن ذلك: ما رواه الشيخان عن أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام نعى النجاشي للناس في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى فصف بهم وصلى عليه وكبر أربع تكبيرات. وفي حديث أنس عند أحمد والبخاري: أن النبي عليه الصلاة والسلام صعد أحدًا، ومعه أبو بكر وعمر وعثمن، فرجف بهم الجبل فضربه برجله وقال له: أثبت يتجاوزهم، (فوضح) انكشف وانجلى (من هذا الخبر وغيره مما سيأتي من الأخبار، وسنح) (بمهملتين بينهما نون)، أي ظهر وعبر به تفننًا، إذ هو بمعنى وضح (من خواطر الأبرار الأخيار أنه عَبُّ عرفهم) أعلمهم (بما يقع في حياته وبعد موته، وما قد انحتم وقوعه،) أي وجب وجوبًا لا یمکن إسقاطه، (فلا سبیل إلی فوته،) بل لا بد منه. (وقال أبو ذر) في حديث رواه أحمد والطبراني وغيرهما: (لقد تركنا رسول اللَّه عَ له) أي ذهب عنا وانتقل إلى الآخرة (و) الحال أنه (ما يحرك طائر جناحيه في) جو (السماء إلا ذكرنا منه علمًا) أي عرفنا بعلامات فيه تدل على أشياء تقصد من طيرانه على الصفة التي هو عليها، كذا في الشرح. وقال غيره: أي ذكر لنا من طيرانه علمًا يتعلق به، فكيف بغيره مما يهمنا في الأرض، وهذا تمثيل لبيان كل شىء تفصيلاً تارة، وإجمالاً أخرى، والمعنى لم يدع شيئًا إلا بينه لنا، بحيث لا يخفى علينا شىء بعده، وقد كان خطب قبل وفاته خطبًا، أطال فيها مرة من الصباح إلى الظهر، ومرة من الظهر إلى قبيل الغروب، لم يدع شيئًا إلا بينه لأصحابه. وفي رواية: إلا ذكر لنا منه علمًا، (ولا شك أن اللَّه تعالى قد أطلعه على أزيد من ذلك، وألقى عليه علم الأولين والآخرين،) وعطف على ما فهم مما سبق أنه فيما يتعلق بأحوال الدنيا مما يمكن علمها والاطلاع عليها قوله: (وأما علم عوارف المعارف الإلهية، فتلك لا يتناهى عددها، وإليه عٍَّ ينتهي مددها) لا إلى غيره، إذ لا يصل إلى ذلك، (ومن ذلك) الغيب الذي أخبر به قبل وقوعه (ما رواه الشيخان) من طريق الملك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، (عن أبي هريرة أن النبي عَّ نعى النجاشي) (بفتح النون)، واسمه أصحمة ١٢٧ الفصل الثالث في إنبائه عَّ بالأنباء المغيبات أحد، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان فكان كما أخبر عليه الصلاة والسلام. ومن ذلك: ما رواه الشيخان من حديث أبي هريرة أنه عليه الصلاة والسلام قال: إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي (للناس،) أي أخبرهم بموته (في اليوم الذي مات فيه) في رجب سنة تسع، قاله ابن جرير وجماعة، وقيل: مات قبل الفتح، وفيه جواز الإعلام بالجنازة ليجتمع الناس للصلاة، والنعي المنهي عنه هو ما يكون معه صياح، خلافًا لزاعم أنه الإعلام بالموت للاجتماع، فإن شهود الجنائز خير، والدعاء إلى الخير خيرًا جماعًا، قاله ابن عبد البر. وفي رواية للبخاري: نعى لنا النجاشي يوم مات، فقال: ((استغفروا لأخيكم))، (وخرج بهم إلى المصلى) مكان بيطحان، فقوله في رواية ابن ماجه: فخرج وأصحابه إلى البقيع، أي بقيع بطحان، أو المراد موضع معد للجنائز ببقيع الغرقد غير مصلى العيدين، والأول أظهر، قاله الحافظ. وفي الصحيحين عن جابر، مرفوعًا: ((قد توفي اليوم رجل صالح من الحبش، فهلم فصلوا عليه)، وللبخاري: ((فقوموا، فصلوا على أخيكم أصحمة))، ولمسلم: ((مات(عبد الله صالح أصحمة))، وفي الإصابة: جاء في بعض طرق حديث أبي هريرة: أصبحنا ذات يوم عند رسول اللَّه عَّه، فأتاه جبريل، فقال: إن أخاك أصحمة النجاشي قد توفي، فصلوا عليه، فوثب ووثبنا معه حتى جاء المصلى، (فصف بهم) (لازم والباء بمعنى مع)، أي صف معهم، أو متعد والباء زائدة للتوكيد، أي صفهم، لأن الظاهر أن الإمام متقدم، فلا يوصف بأنه صاف معهم إلا على المعنى الآخر، قاله الحافظ، (وصلى عليه وكبر أربع تكبيرات،) إشاعة لموته على الإسلام، لأن بعض الناس لم يعلم بأنه أسلم. وفي صحيح ابن حبان، عن عمران بن حصين: فقاموا وصلوا خلفه وهم لا يظنون، إلا أن جنازته بین یدیه. وفي صحيح أبي عوانة، عن عمران: فصلينا خلفه ونحن لا نرى، إلا أن جنازته قدامنا. وذكر الواحدي: بلا سند، عن ابن عباس قال: كشف للنبي عَّ﴾. عن سرير النجاشي، حتى رآه وصلى عليه، وعلى هذا فصلاته كصلاة الإمام على ميت رآه، ولم يره المأموم، ولا خلاف في جوازها، وقد أشبعت الكلام على هذا الحديث في شرح الموطأ، ولله الحمد. (وفي حديث أنس عند أحمد والبخاري) وأبي داود والترمذي والنسائي (أن النبي عَّه. صعد) (بكسر العين) علا (أحدًا) الجبل المعروف بالمدينة، ولمسلم عن أبي سعيد، وأحمد بإسناد صحيح عن بريدة حراء، وجمع بتعدد القصة لما في مسلم، عن أبي هريرة أنه كان على حراء ومعه المذكورون هنا، وزاد: وعلي وطلحة والزبير (ومعه أبو بكر وعمر وعثمن فرجف) أي ١٢٨ الفصل الثالث في إنبائه معَّ بالأنباء المغيبات نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله، قال النووي قال الشافعي وسائر العلماء: معناه لا يكون كسرى بالعراق ولا قيصر بالشام، كما كان في زمنه عليه الصلاة والسلام، فأعلمنا عليه الصلاة والسلام بانقطاع ملكهما من هذين الإقليمين، فكان كما قال، فأما كسرى فانقطع ملكه بالكلية من جميع الأرض، وتمزق ملكه كل ممزق، واضمحل بدعوة النبي عليه الصلاة والسلام، وأما قيصر فانهزم من الشام ودخل أقصى بلاده، فافتتح المسلمون بلاده واستقرت للمسلمين ولله الحمد. وقد وقع ذلك في خلافة سيدنا عمر بن الخطاب كما قدمته. وقال عليه تحرك واضطرب (بهم الجبل، فضربه برجله) الشريفة عَّ له، (وقال له: أثبت أحد) منادى بحذف الأداة ونداؤه خطابه، وهو يحتمل المجاز والحقيقة، وهو الظاهر، ويؤيده ضربه برجله، (فإنما عليك نبي وصديق) (بكسر الصاد وشد الدال) ملازم للصدق. وفي الطبراني: برجال ثقات أن عليًا كان يحلف أن اللَّه أنزل اسم أبي بكر من السماء الصديق، (وشهيدان) عمر وعثمن. قال ابن المنير: تيل: حكمة ذلك أنه لما رجف أراد عَّّ أن يبين أن هذه الرجفة ليست من جنس رجفة الجبل بقوم موسى لما حرفوا الكلم، وإن تلك رجفة الغضب، وهذه رجفة الطرب، ولذا نص على مقام النبوة والصديقية والشهادة التي توجب سرور ما اتصلت به لا رجفانه، فأقر الجبل بذلك فاستقر وتقدم لهذا مزيد، (فكان كما أخبر عليه الصلاة والسلام، ومن ذلك ما رواه الشيخان من حديث أبي هريرة أنه معٍَّ قال: ((إذا هلك كسرى) (بكسر الكاف) على الأفصح، وقد تفتح لقب لكل من ملك الفرس، أي إذا مات كسرى أنوشروان بن هرمز، (فلا كسرى بعده) بالعراق، (وإذا هلك) مات (قيصر،) لقب لكل من ملك الروم، والمراد هرقل، (فلا قيصر بعده) بالشام، (والذي نفسي بيده لتنفقن) (بضم الفوقية وسكون النون وكسر الفاء وضم القاف) (كنوزهما) مالهما المدفون، أو الذي جمع وادخر (في سبيل الله))) عز وجل، وقد وقع ذلك. وفي نسخة: الناصرية (بفتح الفاء والقاف) مصلحة، ورفع كنوزهما قاله المصنف. (قال النووي: قال الشافعي) الإمام (وسائر العلماء: معناه لا يكون كسرى بالعراق، ولا قيصر بالشام، كما كان في زمنه عليه الصلاة والسلام،) فلا يشكل ببقاء مملكة الفرس مدة، لأن آخرهم قتل في زمن عثمن، وبقاء مملكة الروم إلى الآن، (فأعلمنا عَّه بانقطاع ملكهما من هذين الإقليمين، فكان كما قال، فأما كسرى، فانقطع ملكه بالكلية من جميع الأرض، وتمزق ملكه كل ممزق) فرق جيشه في البلاد كل تفريق، (واضمحل بدعوة النبي معٍَّ) لما مزق ١٢٩ الفصل الثالث في إنبائه عَّ بالأنباء المغيبات الصلاة والسلام لسراقة: ((كيف بك إذا لبست سواري كسرى))؟ فلما أتى بهما عمر ألبسهما إياه وقال: الحمد لله الذي سلبهما كسرى وألبسهما سراقة. ومن ذلك: إخباره عليه الصلاة والسلام بالمال الذي تركه عمه العباس عند أم الفضل، بعد أن كتمه، فقال: ما علمه غيري وغيرها وأسلم كما تقدم ذلك في غزوة بدر من المقصد الأول. كتابه إليه أن يمزق ملكه كل ممزق، وأحسن القائل: وكسر كسرى بتمزيق الكتاب فقد أذاقه اللَّه تمزيقًا بتمزيق (وأما قيصر، فانهزم من الشام ودخل أقصى بلاده، فافتح المسلمون بلاده) الشامية كلها وما والاها، (واستقرت للمسلمين ولله الحمد) وإنما بقي ملكه في غيرها، لأنه قبل كتاب النبي عَّهُ وأجله، وكاد أن يسلم. انتهى. قال الشافعي: وسبب الحديث أن قريشًا كانوا يأتون الشام والعراق تجارًا، فلما أسلموا خافوا انقطاع سفرهم إليهما لدخولهم في الإسلام فقال، النبي عَّه لهم ذلك تطييبًا لقلوبهم، وتبشيرًا لهم بأن ملكهما سيزول عن الإقليمين المذكورين. وقال الخطابي: معناه: فلا قيصر بعده يملك مثل ما ملك، وذلك أنه كان بالشام وبها بيت المقدس الذي لا يتم للنصارى نسك إلا به، ولا يملك على الروم أحد إلا إذا كان دخله إما سرًا وإما جهرًا، فانجلى عنها قيصر، واستفتحت خزائنه، ولم يخلفه أحد من القياصرة في تلك البلاد بعده. (وقد وقع ذلك في خلافة سيدنا عمر كما قدمته) وعاش قيصر إلى سنة عشرين على الصحيح، وقيل مات في زمن النبي عَّهُ والذي حارب المسلمين بالشام ولده، ولقبه أيضًا قيصر وأما كسرى بن هرمز الذي كتب إليه عَّ، فهلك في زمنه وتولى ابنه شيرويه، ثم هلك عن قرب، فأمروا عليهم بنته توران، فقال عَّه: ((لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة))، (وقال عليه الصلاة والسلام،) كما رواه البيهقي (لسراقة) المدلجي، الذي تعرض له ليرده عن الهجرة، فساخت قوائم فرسه، فطلب الأمان، (كيف بك) جواب عما أبهم من الأحوال، وهو استخبار يتضمن التعجب من حاله التي هو عليها، لأن كل أحد لا ينفك عن حال من الأحوال إذا طرأ عليه ما لم يعهد مثله ونال ما لم ينله أمثاله، فكني عنه بما ذكر، وفيه من البلاغة ما لا يخفى (إذا لبست) أي وضعت ساعدیك (سواري كسرى) (مثنی سوار بضم السين وكسرها)، ومثل هذا يسمى لبسًا في اللغة، (فلما أتى بهما عمر ألبسهما إياه،) أي سراقة تحقيقًا للمعجزة، وهذا جاء على القلب، والأصل ألبسه إياهما، (وقال) عمر: (الحمد لله) على تصديق كلمة النبوّة وإعزاز دينه ١٣٠ الفصل الثالث في إنبائه عَّ بالأنباء المغيبات وإخباره عليه الصلاة والسلام بشأن كتاب حاطب إلى أهل مكة. وبموضع ناقته حين ضلت وكيف تعلقت بخطامها في الشجرة. ولما رجع المشركون يوم الأحزاب، قال النبي عليه الصلاة والسلام: الآن نغزوهم ولا يغزونا، فلم يعز رسول الله عليه الصلاة والسلام. وبعث عليه الصلاة والسلام جيشًا إلى موته، وأمر عليهم زيد بن حارثة ثم قال: فإن أصيب فجعفر بن أبي طالب، فإن أصيب فعبد الله بن رواحة، فلما التقى المسلمون بمؤتة جلس النبي عليه الصلاة والسلام على المنبر، فکشف له حتى وزوال شوكة أعدائه وما فتح اللَّه على يديه (الذي سلبهما كسرى وألبسهما سراقة) أعرابي بدوي من بني مدلج متقشف. وفي رواية البيهقي أنه وضعهما في يديه، فبلغا منكبيه، فقال عمر: الحمد لله الذي جعل سواري كسرى بن هرمز في يدي سراقة بن لملك، ثم قال له: قل اللَّه أكبر اللَّه أكبر وحمدًا لله على منه بنعمة الفتح وإعزاز الدين، وكبر تعظيمًا لمالك الملك الذي يؤتي ملكه من يشاء وينزعه ممن يشاء، فتبارك اللَّه الذي بيده الملك، الذي قصم من نازعه رداء كبريائه، فلا سلطان إلا سلطانه، ولا عز لغير من أعزه، وليس في هذا استعمال الذهب وهو حرام، لأنه إنما فعله تحقيقًا لمعجزة الرسول من غير أن يقرهما، فإنه روى أنه أمره، فنزعهما وجعلهما في الغنيمة، ومثل هذا لا يعد استعمالاً. (ومن ذلك أخباره عليه الصلاة والسلام بالمال) أي الذهب (الذي تركه عمه العباس) لما خرج إلى بدر ومعه عشرون أوقية من ذهب ليطعم بها المشركين، فأخذت منه في الحرب (عند أم الفضل) زوجته لتربية الأولاد إن مات (بعد أن كتمه) وسأل أن يحسب العشرين أوقية من فدائه، فأتى مَّهِ، فقال: تتركني أتكفف قريشًا، فقال: فأين الذهب الذي دفعته إلى أم الفضل وقت خروجك من مكة، (فقال: ما علمه غيري وغيرها) وما يدريك؟، فقال: أخبرني ربي (وأسلم كما تقدم ذلك في غزوة بدر) العظمى (من المقصد الأول). (وأخباره عَ لَّه بشأن كتاب حاطب إلى أهل مكة) لما عزم على فتحها، ومر ما فيه من الإشكال، وجوابه ثمة (وبموضع ناقته حين ضلت) ببعض طريق تبوك، فقال بعض المنافقين: لو كان نبيًا لعلم أين هي، فقال: إني لا أعلم إلا ما علمني اللَّه، وقد دلني اللَّه عليها، (وكيف تعلقت بخطامها في الشجرة) فقال: وهي في الوادي في شعب كذا وكذا، وقد حبستها شجرة بزمامها، فانطلقوا حتى تأتوني بها كما مر، (ولما رجع) انصرف (المشركون يوم الأحزاب، قال ◌َّ: الآن،) أي من الآن (لغزوهم:) نقصدهم بالحرب، (ولا يغزونا:) لا يقصدونا به، فكان ١٣١ الفصل الثالث في إنبائه عَّ بالأنباء المغيبات نظر إلى معتركهم فقال: ((أخذ الراية زيد بن حارثة حتى استشهد))، فصلى عليه ثم قال: ((استغفروا له، ثم أخذ الراية جعفر بن أبي طالب حتى استشهد)، فصلى عليه ثم قال: استغفروا لأخيكم جعفر، ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة فاستشهد فصلى عليه، ثم قال: ((ستغفروا لأخيكم)). فأخبر أصحابه بقتلهم في الساعة التي قتلوا فيها، ومؤته دون دمشق بأرض البلقاء. وعن أسماء بنت عميس قالت: دخل رسول الله عليه الصلاة والسلام صبيحة اليوم الذي قتل فيه جعفر وأصحابه فقال: ((يا أسماء، أين بنو جعفر)) فجئت بهم، فضمهم وشمهم ثم ذرفت عيناه بالدموع فبكى، فقلت: يا رسول الله، أبلغك كذلك، (فلم يغز رسول اللَّه عَّ) بعد، فإنه اعتمر في سنة ست فصدوه، ووقعت الهدنة بينهم إلى أن نقضوها، فغزاهم وفتح مكة، (وبعث عَّةٍ جيشًا) عدته ثلاثة آلاف (إلى مؤتة) (بضم الميم وسكون الواو بغير همز عند الأكثر، وعند الأقل بالهمز)، (وأمر عليهم زيد بن حارثة) حبه ومولاه أبا أسامة، (ثم قال: ((فإن أصيب،) أي قتل، (فجعفر بن أبي طالب) أميرهم، (فإن أصيب فعبد اللَّه بن رواحة) الأمير، فإن أصيب فليرتض المسلمون برجل من بينهم يجعلونه عليهم))، كما هو بقية الحديث؛ (فلما التقى المسلمون بمؤتة جلس النبي عٍَّ على المنبر، فكشف له حتى نظر إلى معتركهم:) (بضم الميم وفتح الراء) موضع العراك والمعاركة، أي القتال، وفي نسخة: معركتهم، (فقال: ((أخذ الراية زيد بن حارثة)) أي حملها على العادة أن حاملها الأمير، وقد يدفعها لمقدم عسكره، وإلا فهي معه من حين دفعها له عَّ بالمدينة، كما قدم المصنف، أنه عقد لواء أبيض، ودفعه إلى زيد (حتى استشهد) طعنًا بالرماح، (فصلى عليه،) أي دعا له، (ثم قال استغفروا له، ثم أخذ الراية جعفر بن أبي طالب،) فقاتل على فرسه، فأحاط به القتال، فنزل عنها وقاتل (حتى استشهد) بضربة رجل من النصارى، فقطعه نصفين، (فصلى عليه،) دعا له (ثم قال: استغفروا لأخيكم جعفر، ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة، فاستشهد فصلى عليه) دعا له، فليس المراد صلاة الجنازة، إذ هم شهداء معركة، (ثم قال استغفروا لأخيكم، فأخبر أصحابه بقتلهم في الساعة التي قتلوا فيها، ومؤتة دون دمشق بأرض البلقاء:) (بفتح الموحدة وسكون اللام وبالقاف والمد) مدينة معروفة هناك. قال عياض: وبينه عليه السلام وبينهم مسيرة شهر أو أزيد، واعترض بأن بين المدينة ومؤتة نحو عشر مراحل يعرف ذلك من سلك طريقها، لكنه لم يعرفه لبعد بلاده، ورد بأنه يقتضي أنه قاله من عند نفسه بلا ثبت وليس كذلك، فإنه يختلف باختلاف الأحوال، كالماشي، وسير الجمال بأحمالها بخلاف الفرسان، وبطول الأيام وقصرها. ١٣٢ الفصل الثالث في إنبائه عَّ بالأنباء المغيبات عن جعفر شىء؟ قال: ((نعم قتل اليوم))، رواه يعقوب الاسفرايني في كتابه دلائل الإعجاز، وخرجه ابن إسحق والبغوي. ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: ((زويت لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها))، فكان كذلك امتدت في المشارق والمغارب ما بين أقصى الهند إلى أقصى المشرق إلى بحر طنجة حيث لا عمارة وراءه، وذلك ما لم يملكه أحد من الأمم. ومن ذلك: إعلامه قريشًا بأكل الأرضة ما في صحيفتهم التي تظاهروا بها (وعن أسماء بنت عميس) (بمهملتين) مصغر زوجة جعفر، (قالت: دخل رسول الله صبيحة اليوم الذي قتل فيه جعفر وأصحابه) ثلاثة عشر بجعفر، وقدمت أسماءهم بغزوة مؤتة، وأن الكفار كانوا أكثر من مائتي ألف، فقتل منهم مقتلة عظيمة، وأصابوا غنيمة، وفي هذا مزيد عز ظاهر للإسلام كما لا يخفى، (فقال: يا أسماء أين بنو جعفر) عبد الله ومحمد وعون، (فجئت بهم، فضمهم وشمهم، ثم ذرفت) (بفتح الذال والراء وبالفاء)، أي سالت (عيناه بالدموع، فبكى، فقلت: يا رسول اللَّه أبلغك عن جعفر. زاد في رواية ابن إسحق وأصحابه (شىء، قال: ((نعم قتل اليوم))،) وعند ابن إسحق: نعم أصيبوا هذا اليوم، (رواه يعقوب الإسفرايني:) (بكسر الهمزة وسكون السين وفتح الفاء والراء وكسر التحتية بلا همز) نسبة إلى أسفراين بليدة بنواحي نيسابور (في كتابه دلائل الإعجاز، وخرجه ابن إسحق) محمد في السيرة، (والبغوي) الكبير عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، عاش مائة وثلاث سنین. (ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: ((زويت) (بضم الزاي مبني للمجهول، أي جمعت) (لي الأرض،) وضم بعضها لبعض لأطلع على جميعها، كما جزم به عياض، وجوّز بعض أنه كناية عن رفع الحجب وسعة الاطلاع والخروج من صفة البشر إلى صفة غيره، والمراد غالب الأرض، أطلق عليه اسم الكل مبالغة في الكثرة والإسراع، ثم يحتمل أن ذلك ليلة الإسراء أو غيرها من الليالي أو الأيام، (فرأيت مشارقها ومغاربها) كناية عن جميعها، كما في قوله: ﴿رب المشارق والمغارب﴾، أو الجمع باعتبار تعدد المطالع، أو أنه لم يذكر الجنوب والشمال، لأن معظم امتداد هذه الأمة في جهتي المشرق والمغرب، (وسيبلغ ملك أمتي ما زوي) (ضم وجمع) (لي منها،) أي الأرض أو المشارق والمغارب، وهذا الحديث أخرجه مسلم عن ثوبان، مرفوعًا: ((إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها، وإني أعطيت الكنزين الأحمر والأبيض» الحديث. ١٣٣ الفصل الثالث في إنبائه عَّ بالأنباء المغيبات على بني هاشم، وقطعوا بها رحمهم، وأنها أبقت فيها كل اسم لله، فوجدوها كما قال عليه الصلاة والسلام. ومن ذلك: ما رواه الطبراني في الكبير، والبزار من حديث ابن عمر قال: كنت جالسًا مع النبي عليه الصلاة والسلام في مسجد منى، فأتاه رجل من الأنصار ورجل من ثقيف فسلما ثم قال: يا رسول الله، جئنا نسألك فقال: إن شئتما أن أخبركما بما جئتما تسألاني عنه فعلت، وإن شئتما أن أمسك وتسألاني فعلت، فقالا: أخبرنا يا رسول الله، فقال الثقفي للأنصاري: سل، فقال: أخبرني يا رسول الله، فقال: ((جئتني تسألني عن مخرجك من بيتك تؤم البيت الحرام، وما لك فيه، وعن ركعتيك بعد الطواف وما لك فيهما، وعن سعيك بين الصفا والمروة وما لك فيه، وعن وقوفك عشية عرفة وما لك فيه، وعن رميك الجمار وما لك قال عياض: إنهما الذهب والفضة كنزا كسرى وقيصر ملكي الشام والعراق، لأنه في حديث آخر أضاف الدرهم إلى العراق، وكانت مملكة كسرى والدينار إلى الشام وهي مملكة قيصر، (فكان كذلك امتدت) اتسعت أو انتشرت (في المشارق والمغارب ما بين أقصى أرض الهند إلى أقصى أرض المشرق إلى بحر طنجة:) (بفتح الطاء المهملة وسكون النون وفتح الجيم) بلد بساحل بحر المغرب (حيث لا عمارة) (بكسر العين) (وراءه،) أي ليس بعده بلاد ولا جزائر معمورة، (وذلك) الذي امتد لهذه الأمة (ما) أي قدر (لم يملكه أحد من الأمم) السالفة. (ومن ذلك إعلامه قريشًا بأكل الأرضة) (بفتح الهمزة والراء والضاد المعجمة) دويبة (ما في صحيفتهم،) وفي نسخة: ما في الصحيفة وهو موصول مفعول أكل الصدر، والأرضة فاعل، أي إعلامه أن الأرضة أكلت الحروف المكتوبة في الصحيفة، (التي تظاهروا بها على بني هاشم وقطعوا بها رحمهم، وأنها أبقت فيها كل اسم للَّه، فوجدوها كما قال عليه الصلاة والسلام،) وسبقت القصة مفصلة في المقصد الأول. (ومن ذلك ما رواه الطبراني في الكبير، والبزار،) واللفظ له برجال ثقات، كما قال المنذري، ورواه ابن حبان بنحوه: كلهم (من حديث ابن عمر) عبد اللَّه، (قال: كنت جالسًا مع النبي ◌َُّ في مسجد منى:) هو مسجد الخيف، (فأتاه رجل من الأنصار ورجل من ثقيف، فسلما،) فرد عليهما ولم يذكره، لأنه معلوم، (ثم قال: يا رسول اللَّه جئنا نسألك) كل عن سؤال، (فقال: إن شئتما أن أخبركما بما جئتما تسألاني عنه فعلت) (بتاء المتكلم)، (وإن شئتما أن أمسك) عن الإخبار (وتسألاني فعلت، فقالا: أخبرنا يا رسول اللَّه). . ١٣٤ الفصل الثالث في إنبائه عَّ بالأنباء المغيبات فيه، وعن نحرك، وعن حلاقك رأسك وما لك فيه مع الإضافة)) فقال: والذي بعثك بالحق لعِنْ هذا جئت أسألك. ومن ذلك: ما روي عن واثلة بن الأسقع قال: أتيت رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو في نفر من أصحابه يحدثهم، فجلست وسط الحلقة، فقال بعضهم: يا واثلة قم عن هذا المجلس، فقد نهينا عنه، فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام: زاد في حديث أنس عند البيهقي: لنزداد إيمانًا ونزداد يقينًا، (فقال الثقفي للأنصاري: سل) وفي رواية ابن حبان عن ابن عمر: جاء أنصاري فقال: يا رسول اللَّه كلمات أسأل عنهن، قال: ((اجلس))، وجاء ثقفي فقال: يا رسول اللَّه كلمات أسأل عنهن، فقال: ((سبقك الأنصاري))، فقال الأنصاري: إنه غريب وإن للغريب حقًّا، فابدأ به، فأقبل على الثقفي، فقال: إن شئت ... الخ، فذكر الحديث إلى أن قال: فقام الثقفي، ثم أقبل على الأنصاري، فذكر نحوه. وفي حديث أنس عند البيهقي فقال الأنصاري للثقفي: سل، فقال: بل أنت فسله، فإني أعرف حقك، فظاهر هذا كالرواية التي ساقها المصنف؛ أن الأنصاري تقدم بالسؤال، وصريح رواية ابن حبان أن المتقدم هو الثقفي، لأنه رتب بثم بعد ذكر سؤاله، وإخبار المصطفى بما جاء يسأل عنه، وقوله: فقام الثقفي، ثم أقبل على الأنصاري، ولعل وجه الجمع أن الأنصاري لما علم أن الحق له في التقديم، وطلب تقديم الثقفي لكونه غريبًا، وأبى الثقفي وقال: بل أنت فسله، فإني أعرف حقك، أي بسبق السؤال وسبق الإسلام، لم يرض بذلك الأنصاري، وصمم على تقديم الثقفي عليه إكرامًا له لغربته ولمعرفته حقه، (فقال) الأنصاري (أخبرني يا رسول اللَّه، فقال: ((جئتني تسألني عن مخرجك:) خروجك (من بيتك، تؤم) تقصد (البيت الحرام وما لك فيه) من الثواب، (وعن ركعتيك بعد الطواف فيهما، وعن سعيك بين الصفا والمروة وما لك فيه، وعن وقوفك عشية عرفة) بها (ومالك فيه، وعن رميك الجمار) يوم النحر وبعده (وما لك فيه، وعن نحرك) هديك، (وعن حلاقك رأسك وما لك فيه مع الإضافة)»، فقال: والذي بعثك بالحق لعن هذا جئت أسألك،) قال عَّ له: ((فإنك إذا خرجت من بيتك تؤم البيت الحرام لم تضع ناقتك خفّا، ولم ترفعه إلا كتب اللَّه لك به حسنة ومحا به عنك خطيئة، وترفع بها لك درجة، وأما ركعتاك بعد الطواف، فإنهما كعتق رقبة من بني إسمعيل، وأما طوافك بالصفا والمروة، فكعتق سبعين رقبة، وأما وقوفك عشية عرفة، فإن اللَّه يهبط إلى السماء الدنيا، فيباهي بكم الملائكة، فيقول: هؤلاء عبادي، جاؤوني شعثًا غبرًا من كل فج عميق، يرجون رحمتي ومغفرتي، فلو كانت ذنوبكم عدد الرمال وزبد البحر لغفرتها، أفيضوا عبادي مغفورًا لكم ولمن شفعتم له، وأما رميك الجمار فلك بكل حصاة رميتها تكفير كبيرة من الكبائر الموبقات، وأما ١٣٥ الفصل الثالث في إنبائه عَّ بالأنباء المغيبات ((دعوني وإياه فإني أعلم ما الذي أخرجه من منزله))، فقلت: يا رسول الله ما الذي أخرجني من منزلي؟ قال: ((أخرجك من منزلك لتسأل عن البر وعن الشك))، قال: قلت: والذي بعثك بالحق ما أخرجني غيره، فقال عليه الصلاة والسلام: ((البر ما استقر في الصدر، واطمأن إليه القلب، والشك ما لم يستقر في الصدر، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك وإن أفتاك المفتون». ومن ذلك: قوله لفاطمة رضي الله عنها في مرضه: ((وإنك أول أهلي لحاقًا نحرك فهو خير لك عند ربك، وأما حلاق رأسك فلك بكل شعرة حلقتها حسنة، ويمحي عنك بها خطيئة))، قلت: يا رسول اللَّه فإن كانت الذنوب أقل من ذلك، قال: ((يدخر لك في حسناتك، وأما طوافك بالبيت بعد ذلك، فإنك تطوف ولا ذنب لك، يأتي ملك حتى يقع بين كتفيك، ثم يقول اعمل لما يستقبل فقد غفر لك ما مضى)). قال الثقفي: أخبرني يا رسول اللَّه، قال: ((جئت تسألني عن الصلاة، إذا غسلت وجهك انتثرت الذنوب من أشفار عينيك، وإذا غسلت يديك انتثرت الذنوب من أظفار يديك، وإذا مسحت برأسك انتثرت الذنوب عن رأسك، وإذا غسلت رجليك انتثرت الذنوب من أظفار قدميك)) ... الحديث، وفيه ذكر الركوع والسجود والصلاة والصوم، فاقتصر المصنف على حاجته منه وهو الإخبار بالغيب، أما بقية الحديث، فمعلوم عند أصحابه، فلا يقال اقتصاره يقتضي أنه عَُّ لم يجبه عن سؤاله، وأن الثقفي اكتفى بسؤال الأنصاري وليس كذلك، لا سيما والثقفي هو السابق بالسؤال. (ومن ذلك ما روي) (عن واثلة) (بمثلثة) (ابن الأسقع) (بقاف) ابن كعب الليثي، نزل الشام ومات في سنة خمس وثمانين وله مائة وخمس سنين، (قال: أتيت رسول اللَّه عَّ وهو في نفر من أصحابه يحدثهم، فجلست وسط الحلقة) (بفتح السين وسكونها)، (فقال بعضهم: يا واثلة قم عن هذا المجلس فقد نهينا عنه) (بضم النون للعلم بالناهي) عَّه. روى أبو داود عن حذيفة: أن النبي عَِّ لعن من جلس وسط الحلقة وهو عند الترمذي، وقال حسن صحيح، بلفظ: إن رجلاً جلس وسط الحلقة؛ فقال حذيفة: ملعون على لسان محمد، أو لعن اللَّه على لسان محمد من جلس وسط الحلقة، قال الحاكم: على شرط الشيخين، (فقال رسول اللَّه عَّ: ((دعوني) اتركوني (وإياه،) يستفاد منه أن محل النهي ما لم يكن الحاجة، (فإني أعلم ما الذي أخرجه من منزله))، فقلت: يا رسول اللَّه ما الذي أخرجني من منزلي،) أي أخبرني به لأزداد إيمانًا، (قال: ((أخرجك من منزلك لتسأل،) أي إرادة وصولك إلي لتسأل (عن البر وعن الشك، قال) واثلة: (قلت: والذي بعثك بالحق ما أخرجني غيره، ١٣٦ الفصل الثالث في إنبائه معَّ بالأنباء المغيبات بي))، فعاشت بعده ثمانية أشهر، وقيل ستة أشهر. وقوله عليه الصلاة والسلام لنسائه: أسرعكن بي لحاقًا، أطولكن يدًا، فكانت فقال ◌َِّ: ((البر) (بالكسر)، أي الفعل المرضي الذي هو في تزكية النفس كالبر (بالضم) في تغذية البدن، والحصر مجازي، فالمراد معظم البر (ما استقر) أي ثبت (في الصدر) المحتوي على القلب (واطمأن إليه القلب) لأنه سبحانه فطر عباده على الميل إلى الحق والسكون إليه، ور کز في طبعهم حبه. قال عياض: البر مشترك بين الصلة والصدق واللطف والمبرة وحسن الصحبة والعشرة، وهذه يجمعها حسن الخلق، أي يستلزمها، ولذا قال عَّة في حديث النّاس: ((البر حسن الخلق))، (والشك ما لم يستقر) يثبت ويرسخ (في الصدر،) بل تحرك وخطر، ولم يمازج نور القلب ولم يطمئن إليه، (فدع) أترك (ما يريبك إلى ما لا يريبك) بفتح الياء وضمها فيهما، والفتح أكثر)، رواية: وأفصح، أي أترك ما اعترض لك الشك فيه منقلبًا إلى ما لا شك فيه، فإذا شككت في كون الشىء حسنًا أو قبيحًا أو حلالاً أو حرامًا فاتركه، واعدل إلى ما تيقنت حسنه وحله والأمر للندب، لأن اتقاء الشبهات مستحب لا واجب على الأصح، لحديث: ((فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه))، (وإن أفتاك المفتون))،) أي جعلوا لك رخصة، وذلك لأن على قلب المؤمن نورًا يتقد، فإذا ورد عليه الحق التقي هو ونور القلب فامتزجا وائتلفا، فاطمأن القلب وهش، وإذا ورد عليه الباطل نفر نور القلب، ولم يمازجه، فاضطرب القلب. قال القرطبي: وإنما أحاله في الجواب على هذا الإدراك القلبي، لعلمه بجودة فهمه وتنوير قلبه، كما في الحديث الآخر: ((العلم حزار القلوب))، أي القلوب المنشرحة للإيمان، المستضيئة بنور العلم، التي قال فيها مالك: العلم نور يضعه اللَّه حيث شاء، وهذا الجواب لا يحسن لغليظ الطبع بعيد الفهم، وإنما يحسن أن يجاب، بأن يفسر له الأوامر والنواهي وأحكام الشرع. وقال غيره: الكلام في نفوس ماتت منها الشهوات وزالت عنها حجب الظلمات، لا في النفوس المرتكبة في الكدورات المحفوفة بحجب اللذات، فإنها تطمئن إلى الشك والجهل، أو تسكن إليه وتستقر فيها، فليس لأهل التخليط من هذه العلامات شىء، لأن الحق لا يثبت إلا في قلوب طاهرة، وكذا الحكمة واليقين، ونحو هذا السؤال سأله وابصة بن معبد، وأخبره مَّه بما جاء يسأل عنه. أيضًا أخرج أحمد والدارمي وغيرهما عن وابصة بن معبد أنه جاء يتخطى الناس حتى جلس إلى النبي عَّه، فقال: ((يا وابصة تحدثني بما جئت له أو أحدثك))؟، قال: بل أنت يا رسول اللَّه، فهو أحب إلي، قال: ((جئت تسأل عن البر والإثم)؟، قلت: نعم، قال: ((استفت نفسك؛ البر ما ١٣٧ الفصل الثالث في إنبائه عَّ بالأنباء المغيبات زينب بنت جحش لأنها كانت تعمل بيدها وتتصدق. ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام لعلي: ((أتدري من أشقى الآخرين))؟ سكنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر وإن أفتوك». وأخرج مسلم عن النواس بن سمعان، قال: سألت رسول اللَّه عَِّ عن البر والإثم، فقال: (البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطلع عليه الناس». وأخرج أحمد برجال ثقات، عن أبي ثعلبة الخشني، قال: قلت: يا رسول اللَّه أخبرني بما يحل لي وبما يحرم، فصعد النبي عَّه وصوّب في البصر، ثم قال: ((البر ما سكنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما لا تسكن إليه النفس ولم يطمئن إليه القلب وإن أفتاك المفتون)). (ومن ذلك قوله لفاطمة رضي اللَّه عنها في مرضه) الذي توفي فيه، كما في الصحيحين من طريق مسروق عن عائشة، قالت: أقبلت فاطمة تمشي كأن مشيتها مشي النبي عَية، فقال: ((مرحبًا بابنتي))، ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله، ثم أسر إليها حديثًا فبكت، ثم أسر إليها حديثًا فضحكت، فقلت: ما رأيت كاليوم أقرب فرحًا من حزن، فسألتها عما قال، فقالت: ما كنت لأفشي سر رسول اللَّه عَّ حتى قبض، فسألتها، فقالت: أسر إليّ أن جبريل كان يعارضني القرآن كل سنة مرة، وأنه عارضني الآن مرتين، ولا أراه إلا حضر أجلي، (وإنك أول أهلي لحاقًا بي) (بفتح اللام والحاء المهملة)، وفي رواية لحوقًا بي، وبقية الحديث: فبكيت، فقال: (أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة أو نساء المؤمنين)؟، فضحكت. وفي الصحيحين أيضًا من رواية عروة، عن عائشة، عن فاطمة: سارني فأخبرني أنه يقبض في وجعه، فبكيت، ثم سارني فأخبرني أني أول أهل بيته أتبعه، فضحكت، واتفقت الروايات على أن بكاءها لإعلامه إياها بموته، وضم مسروق لذلك: كونها أول أهله لحوقًا به، واختلف في سبب ضحكها. ففي رواية مسروق: إخباره أنها سيدة نساء أهل الجنة، وفي رواية عروة كونها أول أهله لحاقًا به، ورجح الحافظ رواية مسروق لاشتمالها على زيادة ليست في رواية عروة، وهو من الثقات الضابطين. وللنسائي من طريق أبي سلمة، عن عائشة في سبب البكاء أنه ميت، وفي سبب الضحك الأمرين، (فعاشت بعده ثمانية أشهر) في قول ضعيف. (وقيل: ستة أشهر،) وهو الصحيح المشهور الذي في البخاري وغيره عن عائشة، ورجحه الواقدي قائلاً: وذلك لثلاث خلون من رمضان سنة إحدى عشرة. ١٣٨ الفصل الثالث في إنبائه عَّ بالأنباء المغيبات قلت: الله ورسوله أعلم، قال: ((قاتلك))، أخرجه أحمد في المناقب. وعند ابن أبي حاتم: ((الذي يضربك على هذا)، وأشار إلى يافوخه، وعند المحاملي: قال علي: عهد إليّ رسول الله عليه الصلاة والسلام، لتخضبن هذه من هذه، وأشار إلى لحيته ورأسه، وعند الضحاك: ((الذي يضربك على هذه فتبتل منها هذه)) وأخذ بلحيته. فضربه عبد الرحمن بن ملجم. وعند الطبراني وأبي نعيم، من حديث جابر مرفوعًا: (إنك مؤمر مستخلف، وإنك مقتول، وإن هذه مخضوبة من هذه)). وقال عليه الصلاة والسلام لمعوية: ((أما إنك ستلي أمر أمتي من بعدي، فإذا (وقوله عليه الصلاة والسلام لنسائه) فيما، رواه مسلم والنسائي، عن عائشة قالت: قال رسول اللَّه عَّهِ: (أسرعكن بي لحاقًا أطولكن يدًا،) قالت: فكنا نتطاول أيتنا أطول يدًا، قالت: (فكانت) أطولنا يدًا (زينب بنت جحش، لأنها كانت تعمل بيديها،) أي تدبغ وتخرز كما في رواية، (وتتصدق) به في سبيل اللّه. قال عياض: معنى نتطاول نتقايس، لأنهن حملن الطول على حقيقته، فكانت سودة أطولهن يدًا، أي جارحة، فكانت تظن أنها هي حتى انكشف ذلك بموت زينب، فعلم أنه إنما أراد طول اليد بالصدقة، فإنه يعبر به عن الجود والكرم، يقال: فلان طويل اليد والباع، وفي ضده: قصير اليد وجعد الأنامل اهـ، وماتت بالمدينة سنة عشرین، وقيل: إحدى وعشرين. (ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام لعلي) بن أبي طالب: («أتدري من أشقى الآخرين))، قلت: الله ورسوله أعلم، قال: قاتلك، أخرجه أحمد في المناقب،) وفي رواية قال عَّه لعلي: (من أشقى الأولين))؟، قال: عاقر الناقة، قال: ((فمن أشقى الآخرين))؟، قال: اللّه ورسوله أعلم. (وعند ابن أبي حاتم) قال: ((الذي يضربك على هذا))) بدل قوله قاتلك، (وأشار إلى يافوخه) (بتحتية وفاء وخاء معجمة). (وعند المحاملي:) (بفتح الميم الأولى وكسر الثانية)، نسبة إلى بيع المحامل التي يحمل عليها الناس في السفر، الحافظ أبي عبد الله الحسين بن إسماعيل بن محمد الضبي، البغدادي محدثها، كان فاضلاً، دينًا، صدوقًا، صنف وجمع وكان يحضر مجلسه عشرة آلاف رجل، ولي قضاء الكوفة ستين سنة ثم استعفي، ولد سنة خمس وثلاثين ومائتين، ومات سنة ثلاثين وثلاثمائة. (قال علي: عهد إليّ رسول اللَّه عَّ لتخضبن هذه من هذه، وأشار إلى لحيته) بقوله: هذه الأولى، (ورأسه) بهذه الثانية، وأنت باعتبار الهامة وإلا فالرأس مذكر، أي يضربه على رأسه ١٣٩ الفصل الثالث في إنبائه عَ لّ بالأنباء المغيبات كان ذلك فاقبل من محسنهم وتجاوز عن مسيئهم)). قال معوية: فما زلت أرجوها حتى قمت مقامي هذا. رواه ابن عساكر. وأخرج ابن عساكر أيضًا عن عروة بن رويم: لن يغلب معوية أبدًا، وإن عليًا قال يوم صفين: لو ذكرت هذا الحديث ما قاتلت معوية أبدًا. ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: ((يقتل هذا مظلومًا)) وأشار إلى عثمن رضي الله عنه. خرجه البغوي في المصابيح من الحسان والترمذي وقال حديث غريب، وخرجه أحمد، فكان كما قال عليه الصلاة والسلام فاستشهد في الدار ضربة يسيل بها دمه حتى يبل لحيته، فشبه دمه بالخضاب الصبغ، المعروف لتغييره لونها كما يغير الخضاب، ففيه استعارة. (وعند الضحاك: ((الذي يضربك على هذه،) أي رأسه باعتبار الهامة، (فتبتل منها:) من دمها (هذه، وأخذ بلحيته) بيان للإشارة، (فضربه) بسيف مسموم في جبهته، فوصلت إلى دماغه (عبد الرحمن بن ملجم) (بضم الميم وسكون اللام وفتح الجيم)، جزم به النووي وغيره، وحكى بعضهم كسرها، المرادي أحد الخوارج الذين يكفرون مرتكب الكبيرة. (وعند الطبراني وأبي نعيم من حديث جابر مرفوعًا) أنه عَّ. قال لعلي: ((إنك مؤمر) (بضم الميم الأولى وفتح الثانية شديدة)، أي مولى (مستخلف) (بفتح اللام)، أي مولى الخلافة (عطف بيان على مؤمر)، لأن التأمير أعم، (وإنك مقتول، وإن هذه) لحيته (مخضوبة من) دم (هذه)) أي رأسه. (وقال عَّة المعوية: ((أما إنك ستلي أمر أمتي من بعدي، فإذا كان ذلك،) أي ولايتك (فأقبل) (بفتح الموحدة) (من محسنهم، وتجاوز) (بفتح الواو) (عن مسيئهم))) مخصوص بغير الحدود. (قال معوية: فما زلت أرجوها،) أي البشارة المذكورة (حتى قمت مقامي هذا،) أي استقرت لي الخلافة، (رواه ابن عساكر) بسند ضعيف، (وأخرج ابن عساكر أيضًا عن عروة بن رويم) (بالراء مصغرًا)، اللخمي، صدوق، يرسل كثيرًا، مات سنة خمس وثلاثين ومائة على الصحيح، وهو من صغار التابعين، الذين رأوا الواحد والاثنين من الصحابة، ولم يثبت له سماع من أحد منهم، فحديثه معضل، وهو: (لن يغلب معوية أبدًا، وأن عليًا قال يوم صفين) (بكسر المهملة والفاء الشديدة)، موضع قرب الرقة بشاطىء الفرات، كانت به الوقعة بين علي ومطوية في غرة صفر سنة سبع وثلاثين، ودامت أيامًا كثيرة، (لو ذكرت هذا الحديث ما قاتلت معوية ١٤٠ الفصل الثالث في إنبائه عَلّ بالأنباء المغيبات وبين يديه المصحف، فنضح الدم على هذه الآية ﴿فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم﴾ [البقرة/ ١٣٧]. وفي الشفاء أنه عليه الصلاة والسلام قال: ((يقتل عثمن وهو يقرأ في المصحف، وإن الله عسى أن يلبسه قميصًا، وإنهم يريدون خلعه وإنه سيقطر دمه عى قوله: ﴿فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم﴾)) انتهى. وقد أخرجه الحاكم عن ابن عباس بلفظ: إن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال: ((يا عثمن تقتل وأنت تقرأ سورة البقرة فتقع قطرة من دمك على: ﴿فَسيكفيكهم الله﴾))، لكن قال الذهبي: إنه حديث موضوع. أبدًا،) وهو معضل كما علمت، بل قيل إنه موضوع، ولوائح الوضع ظاهرة فيه، فإن عليًا ما رجع عن رأيه، بل كان عازمًا على قتاله، ثم شغله عنه قتال الخوارج كما بين في التواريخ. (ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: ((يقتل هذا مظلومًا))، وأشار إلى عثمن رضي اللَّه عنه، خرجه البغوي) محيي السنة المتأخر (في المصابيح،) وجعله (من) الأحاديث (الحسان) لأنه قسم المصابيح إلى صحاح، وهو ما أخرجه الشيخان، والى حسان، وهو ما رواه أصحاب السنن، وتعقب بأن في السنن الضعيف (و) هذا خرجه (الترمذي وقال حديث غريب،) فلم يصرح بأنه حسن، (وخرجه أحمد، فكان كما قال عليه الصلاة والسلام،) فإنه بوبع بالخلافة بإجماع الصحابة بعد موت عمر في المحرم سنة أربع وعشرين، (فاستشهد في الدار) بعد عصر يوم الجمعة من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، فكانت خلافته دون اثنتي عشرة سنة بأيام، (وبين يديه المصحف، فنضح الدم على هذه الآية،) أي سقط عليها (﴿فسيكفيكهم اللّه وهو السميع العليم))) إشارة إلى أنه لم يحصل منه ما يأثم به، بل ينال عظيم الثواب بصبره. (وفي الشفاء) لعياض: (أنه عليه الصلاة والسلام قال: ((يقتل عثمن وهو يقرأ في "مصحف، وإن الله عسى،) أي أرجو منه، والرجاء منه واقع (أن يلبسه قميصًا،) يعني الخلافة، لن تعار لها اسم القميص استعارة تحقيقية، ورشحها بقوله: (وإنهم يريدون خلعه،) أي عزله من الخلافة، وهم مائتان من أهل الكوفة، ومائتان وخمسون من أهل البصرة، وستمائة من أهل مصر، طلبوا ذلك منه لأمور يطول شرحها، مفصلة في التواريخ، فامتنع لما جاء أنه مَّهُ قال له: (لعل الله بقمصك قميصًا، فإن راودوك على خلعه، فلا تخلعه حتى يخلعوه))، (وإنه سيقطر دمه على قوله: ﴿فسيكفيكهم اللَّه وهو السميع العليم﴾) أي يأخذ ثأرك ممن قتلك (انتهى). (وقد أخرجه الحاكم عن ابن عباس بلفظ: إن رسول اللَّه مَّ قال: ((يا عثمن تقتل