Indexed OCR Text
Pages 101-120
١٠١ الفصل الثاني في تعبيره عَّهِ الرؤيا النبي عَّهِ: ((تلك فتنة تكون في آخر الزمان))، قال: وما الفتنة؟ قال: ((يفتك الناس بإمامهم ثم يشتجرون اشتجار أطباق الرأس))، وخالف عَّه بين أصابعه، ((يحسب المسيء أنه محسن، ودم المؤمن عند المؤمن أحلى من شرب الماء البارد)). فانظر إلى هذا التعبير البارز من مشكاة النبوة، محشوًا حلاوة الحق، مكسوًا طلاوة الصدق مجلوًا بأنوار الوحي. والأسفع: الذي أصاب جسده لون آخر. يقال له عمرو بن زرارة، أورده في الإصابة في القسم الأول، وقال: صحبته محتملة، (ورأيتها تقول: لظى لظى،) بزنة فتى النار أو لهبها، ولظى معرفة جهنم، كما في القاموس: (بصير وأعمى،) أي أجمع الغث والثمين، فلا أترك واحدًا منهما، (آكلكم آكلكم) تأكيد لفظي للأول، (أهلكم ومالكم) عطف بيان لآكلكم، وفي نسخ: آكلكم كلكم، بالتوكيد المعنوي وما بعده بالنصب بدل من الكاف، وهذا الذي في ابن المنير عن ابن قتيبة، (فقال النبى عَة: ((تلك فتنة تكون في آخر الزمان))،) سماه آخرًا مع أنها قتل عثمن رضي اللَّه عنه، باعتبار أنها لغلظ أمرها وفحشها بمنزلة ما يكون في آخر الزمان أن الذي تندرس فيه الأحكام وتزول، حتى كأنها لا أُثر لها، أو المراد آخر زمان خلافة النبوّة، وسماه آخر مع أنه بقي منها خلافة علي والحسن لقرب قتل عثمن من آخرها، (قال: وما الفتنة،) لأنها لغة تطلق على معان، فسأله أيها أراد، (قال: ((يفتك:) (بكسر التاء وضمها) يبطش (الناس بإمامهم) الخليفة ويقتلونه على غفلة، ولعل تفسيرها بالفتك متسببة عنها، لأنها الميل والخروج عن الاعتدال، وذلك يتسبب عنه البطش والقتل، (ثم يشتجرون) (بمعجمة وجيم)، أي يتنازعون (اشتجار أطباق الرأس) عظامه (وخالف عَّ له بين أصابعه) لم يبينوا صفة لمخالفة، وقال مستأنفًا: (يحسب المسيء أنه محسن) للإشارة إلى غلبتها، فيظن المبطل أنه محق، لأن اجتهاده أداه لذلك، (ودم المؤمن عند المؤمن أحلى) ألذ، والذي في ابن المنير وغيره: أحل من الحل ضد الحرام (من شرب الماء البارد،) وكأنه لغلبة اشتباه الحال، فيظن أنه محق، فيراه أشد حلاء من شرب الماء، وخصه لغلبة حصوله من جهة حل، كالأنهار والأمصار، ونحوهما بقية الحديث كما مر في الوفدان: مات ابنك قبلك أدركت الفتنة، وإن مت أنت أدركها ابنك، قال: يا رسول اللَّه ادع اللَّه أن لا أدركها، فقال : (اللهم لا يدركها))، فمات، فبقي ابنه، فكان ممن خلع عثمن. وعند ابن الكلبي وغيره: فكان أول خلق اللَّه خلع عثمن بالكوفة؛ (فانظر إلى هذا التعبير البارز من مشكاة النبوّة محشوًا حلاوة الحق مكسوًّا طلاوة الصدق) مثلث الطاء الحسن ١٠٢ الفصل الثاني في تعبيره عَّه الرؤيا والأحوى: الأسود ليس بالشديد. والمسكتان: السواران من ذهب. وأطباق الرأس: عظامه. والاشتجار: الاختلاف والاشتباك. فإن قلت: تعبيره عليه الصلاة والسلام السوارين هنا يرجع إلى بشرى، وعبرهما بالكذابين فيما مر. أجيب: بأن النعمان بن المنذر كان ملك العرب، وكان مملكًا من جهة الأكاسرة، وكانوا يسورون الملوك ويحلونهم، وكان السواران من زي النعمان ليسا بمنكرين في حقه ولا بموضوعين في غير موضعهما عرفًا، وأما النبي عَِّ فنهى عن لباس الذهب لآحاد أمته فجدير أن يهمه ذلك لأنه ليس من زيه، فاستدل به على أمر يوضع في غير موضعه، ولكن حمدت العاقبة بذهابهما، ولله الحمد. والبهجة والقبول، كما في القاموس: (مجلوًّا بأنوار الوحي، والأسفع الذي أصاب جسده لون آخر) هذا مخالف لظاهر قول المجد: السفع: السواد يضرب إلى الحمرة، ثم قال: ومن اللون سواد أشرب حمرة، (والأحوى الأسود ليس بالشديد) في ذلك، (والمسكتان السواران من ذهب) كأنه بيان للمراد، وإلا فالذي قاله ابن سيده والجوهري: المسك بالتحريك، أي بفتحتین أسورة من ذبل أو عاج الواحدة مسكة. زاد ابن الأثير في الجامع: فإن كانت من غير ذلك أضيفت إلى ما هي منه، فيقال: من ذهب أو فضة أو غيرهما، والذبل: (بمعجمة وموحدة) شيء كالعاج، وقيل: ظهر السلحفاة البحرية، (وأطباق الرأس عظامه، والاشتجار الاختلاف والاشتباك، فإن قلت: تعبيره عليه الصلاة والسلام السوارين هنا يرجع إلى بشرى، وعبرهما) أي السوارين اللذين رآهما في يده الكريمتين (بالكذابين فيما مر) وذلك ضد البشرى. (أجيب) أي أجاب ابن المنير في معراجه (بأن النعمان بن المنذر كان ملك العرب، وكان مملكًا من جهة الأكاسرة، وكانوا يسورون الملوك) يجعلون لهم الأساور (ويحلونهم) بالحلي (وكان السواران من زي النعمان) (بكسر الزاي» (ليسا بمنكرين في حقه، ولا بموضوعين في غير موضعهما عرفًا) فلذلك عبرهما ببشرى. (وأما النبي عَّهِ، فنهى عن لباس الذهب لآحاد أمته) فضلاً عنه، (فجدير) حقيق (أن يهمه) (بفتح الياء وضم الهاء) (ذلك لأنه ليس من زيه، فاستدل به على أمر يوضع في غير ١٠٣ الفصل الثاني في تعبيره عَّة الرؤيا ومن ذلك: ما روي عن قيس بن عباد - بضم العين وتخفيف الموحدة - قال: كنت في حلقه فيها سعد بن لملك وابن عمر، فمر عبد الله بن سلام فقالوا: هذا رجل من أهل الجنة، فقلت له: إنهم قالوا كذا وكذا، فقال: سبحان اللَّه، ما كان ينبغي لهم أن يقولوا ما ليس لهم به علم، إنما رأيت كأنما عمود وضع في روضة موضعه،) وهو الكذابان، (ولكن حمدت العاقبة بذهابهما،) المأخوذ من لفظ ذهب، لأن حروفهما واحدة، (ولله الحمد) على ذلك، (ومن ذلك،) أي تعبيره عَّهِ (ما روى عن قيس بن عباد، بضم العين) المهملة (وتخفيف الموحدة،) آخره دال مهملة، الضبعي (بضم المعجمة وفتح الموحدة) أبي عبد اللَّه البصري، ثقة، تابعي، كبير، له إدراك، قدم المدينة في خلافة عمر، ووهم من عده في الصحابة، مات بعد الثمانين، (قال كنت في حلقة) (بسكون اللام) (فيها سعد بن ملك،) هو ابن أبي وقاص (وابن عمر) عبد اللَّه، (فمر عبد الله بن سلام) (بتخفيف اللام اتفاقًا) الإسرائيلي، من ذرية يوسف الصديق، أسلم أول ما دخل النبي عَِّ المدينة، كما في الصحيح، وغلط من قال قبل الوفاة النبوية بعامين، ومات سنة ثلاث وأربعين. وللبخاري في المناقب: كنت جالسًا في مسجد المدينة، فدخل رجل على وجهه أثر الخضوع، (فقالوا: هذا رجل من أهل الجنة). وعند مسلم: كنت بالمدينة في ناس فيهم بعض أصحاب رسول اللَّه عَّةٍ، فجاء رجل في وجهه أثر الخشوع، فقال بعض القوم: هذا رجل من أهل الجنة، هذا رجل من أهل الجنة، هذا رجل من أهل الجنة ثلاثًا، فصلى ركعتين تجوز فيهما، ثم خرج. وعنده أيضًا عن خرشة بن الحر: كنت جالسًا في حلقة في مسجد بالمدينة وفيها شيخ حسن الهيئة، وهو عبد الله بن سلام، فجعل يحدثهم حديثًا حسنًا، فلما قام قال القوم: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة، فلينظر إلى هذا، والنسائي: فجاء شيخ يتوكأ على عصا، فذكر نحوه. قال الحافظ: ويجمع بينهما بأنهما قصتان، اتفقا الرجلين، فكأنه كان في مجلس يتحدث، كما في رواية خرشة: فلما قام ذاهبًا مر على حلقة فيها سعد وابن عمر، فحضر ذلك قیس بن عباد، كما في روايته، وكل من خرشة وقیس، اتبع ابن سلام ودخل عليه منزله، وسأله فأجابه، ومن ثم اختلف الجواب بالزيادة والنقص، سواء كان زمن اجتماعهما بابن سلام، اتحد أم تعدد، (فقلت له: إنهم قالوا كذا وكذا،) بين في مسلم؛ أن قائل ذلك رجل واحد، وفيه زيادة، ولفظه: ثم خرج فاتبعته، فدخل منزله ودخلت، فتحدثنا، فلما استأنس قلت له: إنك لما دخلت قبل قال رجل: كذا وكذا، وكأنه نسب القول للجماعة، والناطق به واحد لرضاهم به وسكوتهم ١٠٤ الفصل الثاني في تعبيره عَّة الرؤيا خضراء، فنصب فيها، وفي رأسها عروة، وفي أسفلها منصف - والمنصف الوصيف - فقال: ارقه، فرقيته حتى أخذت بالعروة، فقصصتها على رسول اللَّه عَّ. فقال: يموت عبد اللَّه وهو آخذ بالعروة الوثقى. رواه البخاري. علیه. وفي رواية خرشة: فقلت: واللَّه لأتبعه، فلأعلمن مكان بيته، فانطلق حتى كان يخرج من المدينة، ثم دخل منزله، فاستأذنت عليه، فأذن لي، فقال: ما حاجتك يا ابن أخي؟، فقلت: سمعت القوم يقولون لما قمت من سره أن ينظر إلى الرجل من أهل الجنة، فلينظر إلى هذا، فأعجبني أن أكون معك، (فقال: سبحان اللَّه، ما كان ينبغي لهم أن يقولوا ما ليس لهم به علم،) إنكار منه على من قطع له بالجنَّة، فكأنه ما سمع حديث سعد بن أبي وقاص: ما سمعت النبي عَِّ يقول لأحد يمشي على الأرض أنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام، رواه الشيخان، وكأنهم هم سمعوه، ويحتمل أن يكون هو أيضًا سمعه، لكنه كره الثناء عليه بذلك تواضعًا، ويحتمل أن يكون إنكار منه على من سأله عن ذلك، لكونه فهم منه التعجب من خبرهم، فأخبره بأن ذلك لا عجب فيه لما ذكر له من قصة المنام، وأشار بذلك القول إلى أنه لا ينبغي لأحد إنكار ما لا علم له به إذا كان الذي أخبره به من أهل الصدق. وفي رواية خرشة: فقال: اللَّه أعلم بأهل الجنة، وسأحدثك مم قالوا، ذلك فذكر المنام، وهذا يقوي احتمال أنه أنكر عليهم الجزم، ولم ينكر أصل الاخبار؛ بأنه من أهل الجنة، وهذا شأن الخائف المراقب المتواضع. وفي رواية النسائي: الجنة لله يدخلها من يشاء، زاد ابن ماجه: الحمد للّه، (إنما رأيت كأنما عمود وضع في روضة خضراء،) أي وسطها، فعند البخاري في المناقب: رأيت كأني في روضة، ذكر من سمعتها وخضرتها كذا وكذا، وسطها عمود من حديد، أسفله فى الأرض وأعلاه في السماء. قال الكرماني: يحتمل أن يراد بالروضة جميع ما يتعلق بالدين وبالعمود الأركان الخمسة، وبالعروة الوثقى الإيمان، (فنصب فيها) (بضم النون وكسر المهملة فموحدة) وللمستملي والكشميهني: قبضت (بفتح القاف والموحدة، فضاد معجمة ساكنة، فتاء المتكلم)، (وفي رأسها عروة). وفي رواية المناقب في مسلم: في أعلاه، أي العمود عروة، فيعلم منه أن ضمير رأسها للعمود، وأنثه وهو مذكر باعتبار الدعامة، (وفي أسفلها منصف) (بكسر الميم وسكون النون وفتح الصاد المهملة وبالفاء)، ويقال أيضًا بفتح الميم. حكاه عياض وغيره، (والمنصف الوصيف) مدرج في الخبر، وهو تفسیر من ابن سیرین، ١٠٥ الفصل الثاني في تعبيره عَّ الرؤيا وفي رواية خرشة: بينما أنا نائم أتاني رجل فقال لي قم، فأخذ بيدي فانطلقت معه، فإنا أنا بجوادّ - بجيم ودال مشددة، جمع جادة وهي الطريق المسلوك - عن شمالي، قال: فأخذت لآخذ فيها - أي أسير- فقال: لا تأخذ فيها فإنها طريق أصحاب الشمال. وفي رواية النسائي من طريقه: فبينا أنا أمشي إذ عرض لي طريق عن شمالي، فأردت أن أسلكها، فقال: إنك لست من أهلها. بدليل قوله في رواية مسلم: فجاءني منصف، قال ابن عون: والمنصف الخادم، كذا قال الحافظ. وفي البخاري في المناقب: قال لي خليفة: حدثنا معاذ، حدثنا ابن عون عن محمد، حدثنا قيس عن ابن سلام، قال: وصيف مكان منصف، والوصيف الخادم الصغير، ذكرًا كان أو أنثى، (فقال) المنصف: (ارقه) (بهاء السكت)، وفي رواية بإسقاطها، (فرقيته) (بكسر القاف على الأفصح)، وحكى فتحها، كذا قال الحافظ وقال عياض: روى (بكسر القاف وفتحها، والفصيح الكسر) أي صعدت (حتى أخذت بالعروة) وفي المناقب: كمسلم، فقيل لي: ارقه، قلت: لا أستطيع، فأتاني منصف، فرفع ثيابي من خلفي، فرقيت حتى كنت في أعلاها، فأخذت بالعروة، فقيل لي: استمسك فاستيقظت، وإنها لفي يدي، (فقصصتها على رسول اللَّه عَ لّه، فقال: يموت عبد الله وهو آخذ بالعروة الوثقى) تأنيث الأوثق العقد الوثيق من الحبل الوثيق المحكم، وهو تمثيل للمعلوم بالنظر والاستدلال بالمشاهد، المخصوص، حتى يتصوره السامع كأنه ينظر إليه بعينه، فيحكم اعتقاده، والمعنى: وهو آخذ من الدين عقدًا وثيقًا لا تحله شبهة. (رواه البخاري) في التعبير، ومسلم في الفضائل، كلاهما من طريق قرة بن خالد، عن محمد بن سيرين، عن قيس بهذا اللفظ مختصرًا، وأخرجاه في المناقب من طريق عبد الله بن . عون، عن محمد بن سيرين، عن قيس مطولاً. (وفي رواية خرشة) (بمعجمتين بينهما راء مفتوحات) ابن الحر (بضم الحاء وشد الراء المهملتين)، الفزاري، كان يتيمًا في حجر عمر. قال أبو داود: له صحبة، وقال العجلي: ثقة من كبار التابعين، مات سنة أربع وسبعين، وروايته عند مسلم، عنه، عن ابن سلام: وسأحدثك مم قالوا، ذلك: (بينا أنا نائم أتاني رجل، فقال لي: قم، فأخذ بيدي، فانطلقت معه، فإذا أنا بجواد، بجيم ودال مشددة) زاد عياض: ومخففة (جمع جادة، وهي الطريق المسلوك) البين (عن شمالي، قال) عبد الله بن سلام: (فأخذت لآخذ فيها، أي أسير، فقال: لا تأخذ فيها، فانها طريق أصحاب الشمال). ١٠٦ الفصل الثاني في تعبيره مَّ الرؤيا وفي رواية مسلم: فإذا جواد منهج على يميني، فقال لي خذههنا، فأتى بي جبلاً فقال لي: اصعد، قال فجعلت إذا أردت أن أصعد خررت، حتى فعلت ذلك مرارًا. وفي رواية ابن عون: فقال تلك الروضة روضة الإسلام، وذلك العمود عمود الإسلام، وتلك العروة، عروة الوثقى، لا تزال متمسكًا بالإسلام حتى تموت. وفي رواية خرشة عند النسائي وابن ماجه قال: رأيت خيرًا، أما المنهج فالمحشر وأما الجبل فهو منزل الشهداء، زاد مسلم: ولن تناله. وهذا علم من أعلام نبوة نبينا محمد عَّ له فإن عبد الله بن سلام لم يمت (وفي رواية النسائي من طريقه) أي خرشة، عن ابن سلام: ( فبيا أنا أمشي إذ عرض لي طريق عن شمالي، فأردت أن أسلكها، فقال: إنك لست من أهلها،) أي فلا تسلكها. (وفي رواية مسلم) المذكورة عن خرشة، عن ابن سلام عقب قوله الشمال، (فإذا جواد منهج على يميني). قال القرطبي: يرفع منهج على الصفة، أي ظاهر واضح، (فقال لي: خذ) أي سر (ههنا، فأتى بي جبلاً، فقال لي: اصعد، قال: فجعلت إذا أردت أن أصعد خررت) سقطت على آستي، كما في مسلم متصلاً بقوله: (حتى فعلت ذلك مرارًا،) قال: ثم انطلق بي حتى أتى بي عمودًا، رأسه في السماء، وأسفله في الأرض، فقال لي: اصعد فوق هذا، قلت: كيف أصعد هذا ورأسه في السماء، قال: فأخذ بيدي، فرجل بي (بزاي وجيم)، أي رفعني، وروي (بحاء مهملة)، بمعناه، قال القرطبي: ورواية الجيم أصح وأولى، قال: فإذا أنا متعلق بالحلقة، ثم ضرب العمود فخر، وبقيت متعلقًا بالحلقة حتى أصبحت، فأتيت النبي عَّةٍ، فقصصتها عليه كما في مسلم. (وفي رواية) عبد اللَّه (بن عون) البصري، عن محمد بن سيرين، عن قيس بن عباد، عن ابن سلام، عند الشيخين: فقصصتها على النبي عَّدٍ، (فقال: تلك الروضة روضة الإسلام،) أي جميع ما يتعلق بالدين، (وذلك العمود عمود الإسلام) أي أركانه الخمسة، أو كلمة الشهادة وحدها، (وتلك العروة عروة الوثقى،) أي الإيمان. قال في المفهم: معنى الوثقى القوية التي لا انقطاع لها، وأضيفت عروة هنا إلى صفتها، كمسجد الجامع وصلاة الأولى، ورواه أبو ذر: وتلك العروة الوثقى بدون عروة الثانية، (لا تزال متمسكًا بالإسلام) لفظ الصحيحين من هذه الطريق: فأنت على الإسلام. نعم في مسلم في رواية خرشة: ولن تزال متمسكًا به (حتى تموت) وذلك الرجل عبد الله بن سلام، هذا بقية هذه الرواية عندهما، وهو يحتمل أنه قوله، ولا مانع أن يخبر بذلك ويريد نفسه، ويحتمل أنه من كلام الراوي، قاله الحافظ. ١٠٧ الفصل الثاني في تعبيره عَّد الرؤيا شهيدًا، وإنما مات على فراشه في أول خلافة مطوية بالمدينة. وقولهم إنه من أهل الجنة، أخذوه من قوله لما ذكر طريق الشمال: إنك لست من أهلها. وإنما قال: (ما كان ينبغي لهم أن يقولوا ما ليس لهم به علم)) على سبيل التواضع وكراهية أن يشار إليه بالأصابع، خشية أن يدخله العجب، عافانا اللَّه من سائر المكاره. وقال القيرواني: الروضة التي لا يعرف نبتها تعبر بالإسلام لنضارتها وحسن بهجتها، وتعبر أيضًا بكل مكان فاضل، وقد تعبر بالمصحف وكتب العلم والعالم وتحو ذلك انتھی. (وفي رواية خرشة عند النسائي وابن ماجه، قال) عَّةٍ لعبد اللَّه بن سلام، لما قص عليه: (رأيت) (بفتح التاء) (خيرًا،) فيستحب قول ذلك للعابر. (أما المنهج فالمحشر، وأما الجبل فهو منزل الشهداء، زاد مسلم) من رواية خرشة: (ولن تناله، وهذا علم من أعلام نبوة نبينا محمد عَّه، فإن عبد الله بن سلام لم يمت شهيدًا وإنما مات على فراشه في أول خلافة مطوية بالمدينة) سنة ثلاث وأربعين. (وقولهم: إنه من أهل الجنة أخذوه من قوله: لما ذكر طريق الشمال إنك لست من أهلها،) ومن كان كذلك فهو من أهل الجنَّة، أو من قوله عَّةٍ: فأنت على الإسلام حتى تموت، ومن مات عليه فهو من أهلها. قال الأبي: قوله في رواية مسلم: وسأحدثك لم ذلك، أي قالوا ذلك، نص في أنه فهم عنهم؛ أنهم قالوه مستندين للرؤيا، وإنما فيها أنه يموت على الإسلام وهو يستلزم دخول الجنة، وفهموا أنه دخول أولى، وكأنه هو لم يره أولياً، (وإنما قال: ما كان ينبغي لهم أن يقولوا ما ليس لهم به علم على سبيل التواضع وكراهية) (بكسر الهاء وخفة الياء) (أن يشار إليه بالأصابع خشية أن يدخله العجب، عافانا اللَّه من سائر المكاره). قال عياض: لا نقطع بالجنَّة إلا لمن أخبر عَّ أنه من أهلها، أو أخبر أنه يموت على الإسلام، فهؤلاء إن بلغهم حديث سعد، فما قالوا ذلك إلا عن علم، وإنكاره عليهم يحتمل أنه لم يبلغه حديث سعد، أو بلغه ولم يذكره تواضعًا وتسترًا. قال الأبي: والثاني أظهر، لأنه وإن لم يبلغه حديث سعد، فالرؤيا تدل على دخوله الجنة مطلقًا لا دخولها أولاً، أي مع السابقين، ومراد أولئك أنه يدخلها دخولاً أوليا، انتهى. وتقدم احتمال أنه إنكار على سائله، لفهمه منه التعجب من خبرهم؛ بأن ذلك لا عجب ١٠٨ الفصل الثاني في تعبيره عَّة الرؤيا وقال غيره من المعبرين: الحلقة والعروة المجهولة، تدل لمن تمسك بها على قوته في دينه، وإخلاصه فيه. ومن ذلك، ما رواه البخاري عن أم العلاء، وهي امرأة من نسائهم، بايعت رسول اللَّه عَّ وأريت لعثمن بن مظعون بعد موته في النوم عينا تجري، فجئت رسول اللَّهُ مَِّ فذكرت ذلك له، فقال: ((ذلك عمله يجري له)). وقد قيل: يحتمل أنه كان لعثمن شىء من عمله بقي له ثوابه جاريًا فيه للرؤيا، فلا ينبغي لأحد إنكار ما لا يعلم إذا أخبره أهل الصدق. قال المصنف: ويحقق هذا قوله: فاستيقظت، وإنها لفي يدي، أي حقيقة من غير تأويل على ظاهر اللفظ، وتكون رؤياه هذه كشفًا كشفه اللّه له كرامة. انتهى. وفيه تورك على قول الحافظ، أي إن الاستيقاظ کان حین الأخذ من غیر فاصل، ولم يرد أنها بقيت في يده في حال يقظته، ولو حمل على ظاهره لم يمتنع في قدرة الله، لكن الذي يظهر خلافه، ويحتمل أن يريد أن أثرها بقي في يده بعد الاستيقاظ، كأن يصبح فيرى يده مقبوضة. (وقال القيرواني:) على المعابر في كتاب البستان: (الروضة التي لا يعرف نبتها تعبر بالإسلام لنضارتها وحسن بهجتها،) زيادة على غيرها، (وتعبر أيضًا بكل مكان فاضل، وقد تعبر بالمصحف، وكتب العلم والعالم ونحو ذلك. انتهى). باعتبار الرائي والزمان والمكان، (وقال غيره من المعبرين: الحلقة والعروة المجهولة) التي لا تعرف من أي نوع هي، (تدل لمن تمسك بها على قوته في دينه وإخلاصه فيه،) لأن أصل العروة الشىء المتعلق به، حبلاً كان أو غيره. وقيل: هي شجرة تبقى على الجدب سميت عروة، لأن العرب تتعلق بها إلى زمان الخصب. (ومن ذلك ما رواه البخاري) في مواضع من طرق، كلها عن ابن شهاب، عن خارجة بن زيد بن ثابت، (عن) أمه (أم العلاء) (بفتح العين والمد)، اسمها، كنيتها بنت الحرث بن ثات بن خارجة بن ثعلبة، وهي أم خارجة الراوي عنها، فعند أحمد والطبراني، عن سالم أبي النضر، عن خارجة بن زيد، عن أمه، عن عثمن بن مظعون: لما قبض قالت أم خارجة: طبت أبا السائب ... الحديث، فلا يلزم من كونه أبهمها في رواية الزهري أن تكون أخرى، فقد يبهم الإنسان نفسه فضلاً عن أمه، ووقع عند أحمد بن سعد عن ابن عباس: لما مات عثمن بن مظعون قالت امرأته: هنيئًا لك الجنة، فذكر نحو القصة وفيه نظر، فلعله امرأة بلا ضمير، وهي أم العلاء، ويحتمل أنه كان تزوجها قبل زيد بن ثابت، ويحتمل تعدد القول منهما جميعًا، وهذا أظهر، (وهي ١٠٩ الفصل الثاني في تعبيره عَّة الرؤيا كالصدقة. وأنكره مغلطاي وقال: لم يكن له شىء من الأمور الثلاثة التي ذكرها مسلم في حديث أبي هريرة رفعه: ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث)). وتعقبه الحافظ ابن حجر: بأنه كان له ولد صالح شهد بدرًا وما بعدها، وهو السائب، مات في خلافة أبي بكر، فهو أحد الثلاث. قال: وقد كان عثمن من الأغنياء، فلا يبعد أن تكون له صدقة استمرت بعد موته. وقال غيره: العين الجارية عمل جار من صدقة أو معروف لحي أو ميت. وقال آخر: عين الماء نعمة وبركة وخير، وبلوغ أمنية إن كان صاحبها مستورًا، فإن كان غير عفيف أصابته مصيبة تبكي لها أهل داره. واللَّه أعلم. امرأة من نسائهم) أي الأنصار؛ ففي رواية للبخاري امرأة من الأنصار، وقائل هذا الزهري، (بايعت رسول اللَّه مَّه) قالت: طار لنا عثمن بن مظعون في السكنى حين اقترعت الأنصار على سكنى المهاجرين، فاشتكى، فمرضناه حتى توفى، ثم جعلناه في أثوابه، فدخل علينا النبي معَّةِ، فقلت: رحمة اللَّه عليك أبا السائب، فشهادتي عليك لقد أكرمك الله، قال: وما يدريك، قلت: لا أدري واللّه، قال: أما هو فقد جاءه اليقين، إني لأرجو له الخير من اللَّه، والله ما أدري وأنا رسول اللَّه ما يفعل بي ولا بكم، قالت أم العلاء: فوالله لا أزكي أحدًا بعده، قالت: (وأُريت) (بهمزة مضمومة فراء مكسورة)، وفي رواية: ورأيت بتقديم الراء على الألف (لعثمن بن مظعون) وفي رواية للبخاري: فأحزنني ذلك، فنمت، فأريت لعثمن (بعد موته في النوم عينًا) من ماء (تجري فجئت رسول اللَّه ◌َّةٍ، فذكرت ذلك) الذي رأيته (له) عليه السلام، (فقال ذلك) (بكسر الكاف) (عمله) الذي كان يعمله في حياته، (يجري له) ثوابه بعد موته. (وقد قيل: يحتمل أنه كان لعثمن شىء من عمله بقي له ثوابه جاريًا كالصدقة) فإنه كان من الأغنياء (وأنكره مغلطاي وقال: لم يكن له شىء من الأمور الثلاثة التي ذكرها مسلم في حديث أبي هريرة، رفعه: ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث))) إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له: (وتعقبه الحافظ،) وفي نسخة: شيخ الحفاظ (ابن حجر بأنه كان له ولد صالح شهد بدرًا وما بعدها، وهو السائب، مات في خلافة أبي بكر) الصديق، (فهو أحد الثلاث) في حديث مسلم، (قال: وقد كان عثمن من الأغنياء، فلا يبعد أن تكون له صدقة استمرت بعد موته،) فقد أخرج ابن سعد من مرسل أبي بردة بن أبي موسى، قال: دخلت امرأة عثمن بن مظعون ١١٠ الفصل الثاني في تعبيره معَّة الرؤيا فهذا طرف من تعبيره عليه الصلاة والسلام يهدي إلى غيره ما يشابهه، وإلا فالذي نقل عنه عَّله من غرائب التأويل، ولطائف التعبير - كما قاله ابن المنير - لا تحصره المجلدات. وأنت إذا تأملت أن كل كرامة أوتيها واحد من هذه الأمة في علم أو عمل، هي من آثار معجزة نبيه عَّه، وسر تصديقه، وبركات طريقه، وثمرات الاهتداء بهديه وتوفيقه، واستحضرت ما أوتيه الإمام محمد بن سيرين من لطائف التعبير، مما شاع وذاع، وامتلأت به الأسماع، طبق الأرض صدقًا وصوابًا، وعجبًا عجابًا، بل بحرًّا عبابا، قضيت بأن ما منحه عٍَّ من العلوم والمعارف، لا تحيط به على نساء النبي عَّةٍ: فرأين هيئتها، فقلن: ما لك، فما في قريش أغنى من بعلك، قالت: الحديث، ويحتمل أن يراد بعمل عثمن مرابطته في جهاد أعداء اللّه، فإنه مما يجري له عمله، كما ثبت في السنن وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم، عن فضالة بن عبيد، رفعه: كل ميت يختم على عمله إلا المرابط في سبيل اللَّه، فإنه ينمي له عمله إلى يوم القيامة، ويؤمن من فتنة القبر، وله شاهد عند مسلم والنسائي والبزار، عن سلمان، رفعه: رباط يوم وليلة في سبيل اللَّه خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمل، وأمن الفتانين، وله شواهد أخرى، فليحمل حال عثمن على ذلك، ويزول الإشكال من أصله، هذا بقية كلام الحافظ، ومر الكلام في غير هذا الموضع على قوله: ما أدري ما يفعل بي ولا بكم، وعلى أن الخصال الباقية بعد الموت عشرة، وأنه اقتصر في خبر مسلم على ثلاث، لإمكان رجوع ما عداها إليها. وقال المهلب: العين الجارية في المنام تحتمل وجوهًا، فإن كان ماؤها صافيًا عبرت بالعمل الصالح، وإلا فلا. (وقال غيره: العين الجارية عمل جار من صدقة أو معروف لحي أو میت،) قد أُحدثه أو أجراه. (وقال آخر) وفي الفتح، وقال آخرون: (عين الماء نعمة وبركة وخير وبلوغ أمنية إن كان صاحبها،) أي الذي رآها منامًا (مستورًا، فإن كان غير عفيف أصابته مصيبة تبكي لها أهل داره، والله أعلم، فهذا طرف من تعبيره عليه الصلاة والسلام، يهدي إلى غيره مما يشابهه، وإلا فالذي نقل عنه مَّ من غرائب التأويل ولطائف التعبير، كما قال ابن المنير) في المعراج: (لا تحصره المجلدات) لكثرته؛ (وأنت إذا تأملت أن كل كرامة أوتيها واحد من هذه الأمة في علم أو عمل هي من آثار معجزة نبيه عَّ له. وسر تصديقه) لنبيه، (وبركات) اتباع (طريقه وثمرات الاهتداء بهديه وتوفيقه، واستحضرت ما أوتيه الإمام محمد بن سيرين) ١١١ الفصل الثالث في إنبائه عَ ل بالأنباء المغيبات العبارات، ولا تدرك حقيقة كنهه الإشارات، وإذا كان هذا ابن سيرين واحد من أمته عليه الصلاة والسلام نقل عنه من فن التعبير ما لا يعد، فكيف به صيد وزاده فضلاً وشرفًا لديه، وأفاض علينا من سحائب علومه ومعارفه، وتعطف علينا بعواطفه. الفصل الثالث في إنبائه علَّة بالأنباء المغيبات اعلم أن علم الغيب يختص بالله تعالى، وما وقع منه على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام وغيره فمن الله تعالى، إما بوحي أو إلهام، والشاهد لهذا قوله تعالى: ﴿عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدًا إلا من ارتضى من رسول﴾ [الجن/ ٢٧]، ليكون معجزة له. واستدل به على إبطال الكرامات. وأجيب: يتخصيص الرسول بالملك، والإظهار بما يكون بغير توسطه، التابعي المشهور، (من لطائف التعبير مما شاع وذاع وامتلأت به الأسماع طبق الأرض صدقَّه وصوابًا وعجيًا عجابا، بل بحرًا عبابا) (بضم العين وموحدتين، أي كثير الماء)، (قضيت) جواب إذا تأملت (بأن ما منحه عٍَّ من العلوم والمعارف لا تحيط به العبارات، ولا تدرك حقيقة كنهه) إضافة بيانية، ففي المصباح كنه الشىء: حقيقته ونهايته (الإشارات، وإذا كان هذا ابن سيرين) بدل من اسم الإشارة (واحد) (بالرفع) صفة ابن (من أمته عليه الصلاة والسلام) والخبر (نقل عنه من فن التعبير ما لا يعد) لكثرته، (فكيف به مٌَّ) عليه، (وزاده فضلاً وشرفًا لديه، وأفاض علينا من سحائب علومه ومعارفه، وتعطف علينا بعواطفه). الفصل الثالث في إنبائه (بكسر الهمزة)، أي إخباره (عَّةِ بالأنباء) (بفتح الهمز) جمع نبأ (بالهمز)، أي الأخبار (المغيبات) أي الأمور التي بعدت عنا، فلم يتعلق علمنا بها. (إعلم أن علم الغيب) أي ما غاب عنا جمعه غيوب، (يختص باللَّه تعالى) علام الغيوب، (وما وقع منه على لسان رسوله عَّه و) على لسان (غيره) من الأنبياء والصالحين، (فمن اللّه تعالى، إما بوحي) للأنبياء، (أو إلهام) لغيرهم، (والشاهد لهذا) أي الدليل عليه (قوله تعالى: عالم الغيب) ما غاب عن العباد، (فلا يظهر) يطلع (على غيبه أحدًا) من الناس (إلا من ارتضى من رسول، ليكون) العلم به (معجزة له) أي لمن أظهر على يديه. ١١٢ الفصل الثالث في إنبائه عَّلة بالأنباء المغيبات وكرامات الأولياء على المغيبات إنما تكون برؤيا الملائكة، كإطلاق إطلاعنا على أحوال الآخرة بتوسط الأنبياء، وفي حديث مرّ: أنه عليه الصلاة والسلام قال: ((والله إني لا أعلم إلا ما علمني ربي)) فكل ما ورد عنه عليه الصلاة والسلام من الأنباء المنبئة عن الغيوب ليس هو إلا من إعلام الله له به، إعلامًا على ثبوت نبوته، ودلائل على صدق رسالته، وقد اشتهر وانتشر أمره عليه الصلاة والسلام بين أصحابه بالإطلاع على الغيوب، حتى إن كان بعضهم ليقول لصاحبه: اسكت فوالله لو لم يكن عنده من يخبره لأخبرته حجارة البطحاء، ويشهد له قول ابن رواحة: وفينا رسول الله يتلو كتابه إذا انشق معروف من الصبح ساطع (واستدل به على إبطال الكرامات) لأنها إذا كانت إخبارًا عن غيب، فالعلم بها مناف لقوله: إلا من ارتضى من رسول، فإن المستثنى منه شامل لما يظهر على يد بعض الأولياء من الغيب. (وأجيب بتخصيص الرسول بالملك والإظهار بما يكون بغير توسطه) أي الملك (وكرامات الأولياء) الحاصلة بإطلاعهم (على المغيبات) فهو متعلق بمحذوف، (إنما تكون برؤيا الملائكة) للغيوب، ويلقون ما يطلعون عليه إلى من شاء الله بوحي أو إلهام، فلا حاجة إلى تأويل رؤيا براءة الملائكة للناس، وأن يطلعوهم على ذلك بطريق من الطرق، (كإطلاق اطلاعنا على أحوال الآخرة،) أي علمنا بها (بتوسط الأنبياء). (وفي حديث مر) في غزوة تبوك: (أنه عليه الصلاة والسلام قال) لما ضلت ناقته وقال بعض المنافقين: لو كان نبيًّا لعلم مكانها، فقال عَّةِ: (والله إني لا أعلم إلا ما علمني ربي،) وأنه أخبرني أنها بمكان، كذا حبستها شجرة، وأرسل فأتى بها، (فكل ما ورد عنه عليه الصلاة والسلام من الأنباء المنبئة عن الغيوب ليس هو إلا من إعلامِ اللّه له به) لتكون تلك الغيوب (أعلامًا) (بفتح الهمزة) جمع علم، أي دلائل (على ثبوت نبوته ودلائل) أي علامات (على صدق رسالته) (عطف تفسير)، وقد تواترت الأخبار واتفقت معانيها على إطلاعه عَّم على الغيب، كما قال عياض، ولا ينافي الآيات الدالة على أنه لا يعلم الغيب إلا اللَّه، وقوله: لو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير، لأن المنفي علمه من غير واسطة، كما أفاده المتن، أما اطلاعه عليه بإعلام اللَّه، فمحقق لقوله: إلا من ارتضى من رسول. قال في لطائف المنن: إطلاع العبد على غيب من غيوب اللَّه بنور منه، بدليل خير: ((اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله))، لا يستغرب، وهو معنى كنت بصره الذي يبصر به، فمن كان الحق بصره أطلعه على غييه، فلا يستغرب. ١١٣ الفصل الثالث في إنبائه معَّة بالأنباء المغيبات أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا به موقنات أن ما قال واقع وقول حسان بن ثابت: وقال بعض العارفين: قوّله إلا من ارتضى من رسول، لا ينافي قول العارف المرسي في تفسيرها، أو صديق، أو ولي، ولا زيادة فيه على النص، فإن السلطان إذا قال: لا يدخل علي اليوم إلا الوزير، لا ينافي دخول أتباع الوزير معه، فكذلك الولي إذا أطلعه اللَّه على غيبه لم يره بنور نفسه، وإنما رآه بنور متبوعه، وما كلفنا اللَّه الإيمان بالغيب إلا وقد يفتح لنا باب غيبه، وإلى هذا أشار الغزالي في أماليه على الاحياء، ثم قال: ويحتمل أن المراد بالرسول في الآية ملك الوحي، الذي بواسطته تنكشف الغيوب، فيرسله للإعلام بمشافهة، أو إلقاء في روع، أو ضرب مثل في يقظة أو منام، ليطلع على الغيب من أراد، وفائدة ذلك الامتنان على من رزقه اللَّه ذلك، وإعلامه بأنه لم يصل إليه بحوله وقوته، فلا يظهر على غيبه أحدًا من عباده إلا على يدي رسول من ملائكته، أرسله لمن فرغ قلبه لانصباب أنهار العلوم الغيبية في أوديته، حتى يصل لأسرار الغيب المكنونة في خزائن الألوهية انتهى. وهو نفيس من المهمات، والثاني: هو ما أشار إليه المصنف بقوله: واستدل ... الخ، تبعًا للبيضاوي، لكن لم ينمقه هذا التنميق الحسن. (وقد اشتهر وانتشر أمره عليه الصلاة والسلام بين أصحابه،) ولو ظاهرًا كالمنافقين والمؤلفة، (بالإطلاع على الغيوب، حتى أن) مخففة من الثقيلة، أي أنه (كان بعضهم) أي بعض أصحابه بحسب الظاهر، وهم بعض المؤلفة قبل خلوص إسلامهم والمنافقون، (ليقول لصاحبه) أي من هو معه: إذا أراد أن يتكلم بشىء في حقه عَّة (اسكت:) لا تنطق بشىء من أمره، (فواللَّه لو لم يكن عنده من يخبره) بما نقوله في شأنه من ملك ونحوه، (لأخبرته حجارة البطحاء) أرض مستوية يسيل فيها، وحجارتها ما فيها من الحصباء، أي أنها تخبره بما غاب عنه حقيقة؛ أن فرض أنه ليس عنده من يخبره غيرها، فلا داعي لجعله مبالغة في هذا المقام. روي أنه مَّ لما فتح مكة وأمر بلالاً، بأن يؤذن فوق الكعبة، قال عتاب بن أسيد: لقد أكرم اللَّه أسيدًا إذا لم ير هذا اليوم، وقال الحرث بن هشام: أما وجد محمد مؤذنًا غير هذا الغراب الأسود. وقال أبو سفين بن حرب: لا أقول شيئًا، ولو تكلمت لأخبرته هذه الحصباء، فخرج عَليه وقال: قد علمت الذي قلتم، وذكر مقالتهم، فقال الحرث وعتاب: نشهد أنك رسول اللَّه، ما كان معنا أحد، فنقول: أخبرك، ثم حسن إسلام الثلاثة بعد؛ فالغاية إنما تتعلق ببعض المؤلفة والمنافقين، وسماهم أصحابه بحسب الظاهر، كما أشرت إليه، فأما أصحابه المؤمنون، فإنهم جازمون ياطلاعه ١١٤ الفصل الثالث في إنبائه عَّ بالأنباء المغيبات نبي يرى ما لا يرى الناس حوله ويتلو كتاب الله في كل مشهد فإن قال في يوم مقالة غائب فتصديقها في ضحوة اليوم أو غد وهذا الفصل ينقسم قسمين: الأول: فيما أخبر به عليه الصلاة والسلام مما نطق به القرءان العظيم. من ذلك: في قوله تعالى: ﴿وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله﴾ إلى قوله: ﴿فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا﴾ [البقرة/ ٢٤]، فقوله ﴿ولن تفعلوا﴾ إخبار عن غيب تقضي العادة بخلافه. ومن ذلك: قوله تعالى ﴿وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم﴾ [الأنعام/ ٧]، الآية فإنها كان لقريش قافلتان: عى الغيب، لكنهم لا يتكلمون بشىء في حقه، ولا يريدون إخفاء كلام عنه حتى يأمر بعضهم بعضًا بالسكوت، ولذا قصر في الشفاء: الغاية على المنافقين، (ويشهد له قول ابن رواحة) عبد الله الأنصاري، الأمير، الشهيد بموته من قصيدة: (وفينا رسول اللَّه يتلو كتابه:) القرآن (إذا انشق معروف من الصبح ساطع) أي مرتفع، يقال: سطع الصبح يسطع (بفتحتين): ارتفع (أرانا الهدى) يعني الإيمان (بعد العمى) أي الكفر (فقلوبنا به) أي بالهدي (موقنات أن ما قال واقع) لا محالة. (وقول حسان بن ثابت) الأنصاري في جملة قصيدة: (نبي يرى ما لا يرى الناس حوله،) كرؤيته لجبريل وغيره من الملائكة، وكرؤيته الجنة والنار وغيرهما في صلاة الكسوف دون الناس وهم حوله. وقد قال: إني أرى ما لا ترون، (ويتلو كتاب اللَّه) القرآن العظيم (في كل مشهد) محضر، (فإن قال في يوم مقالة غائب،) أي مقالة أخبر بها عن أمر غائب، (فتصديقها،) أي نسبتها إلى الصدق حاصل بسرعة، فيظهر (في ضحوة اليوم) الذي قالها فيه، (أو غد) أي ما يليه (وهذا الفصل ينقسم قسمين: الأول: فيما أخبر به عليه الصلاة والسلام مما نطق به القرآن العظيم، من ذلك قوله تعالى: وإن كنتم في ريب) شك (مما نزلنا على عبدنا) محمد عَّله من القرآن أنه من عند اللَّه، (فأتوا بسورة من مثله) أي المنزل، ومن للبيان، أي هي مثله في البلاغة وحسن النظم والاخبار عن الغيب، فإنكم عربيون فصحاء، مثله، (إلى قوله: فإن لم تفعلوا) ما ذكر لعجزكم، (ولن تفعلوا) ذلك أبدًا لظهور إعجازه، (فقوله: ولن تفعلوا إخبار عن غيب) هو عدم ١١٥ الفصل الثالث في إنباته معَّ بالأنباء المغيبات إحداهما ذات غنيمة دون الأخرى، فأخبر الله تعالى عما في ضمائرهم، وأنجز لهم ما وعد، ولا شك أن الوعد كان قبل اللقاء، لأن الوعد بالشىء بعد وقوعه غير جائز. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿سيهزم الجمع ويولون الدبر﴾ [القمر/ ٤٥]، وهذا إخبار عن المستقبل، لأن ((السين)) تعين الاستقبال، يعني كفار قريش يوم بدر، وقد كان عددهم ما بين تسعمائة إلى ألف، وكانوا مستعدين بالمال والسلاح، وكان عدد المسلمین ثلاثمائة عشر رجلاً، وليس معهم إلا فرسان، إحداهما للزبير بن العوام، والأخرى للمقداد بن الأسود فهزم الله المشركين ومكن المسلمين من قتل أبطالهم واغتنام أموالهم. إتيانهم بسورة من مثله (تقضي العادة بخلافه) لأنهم كانوا غاية في البلاغة، مع استنكافهم أن يغلبوا خصوصًا في الفصاحة، فما فعلوا ولا قدروا، ومر بسط هذا في المعجزات. (ومن ذلك قوله تعالى:) اذكر (﴿وإذ يعدكم اللَّه إحدى الطائفتين)) [الأنفال: ٧]، العير أو النفير، ﴿إنها لكم وتودون﴾ تريدون (﴿إن غير ذات الشوكة﴾)، أي البأس والسلاح (﴿تكون لكم﴾) لقلة عددها، وعددها بخلاف النفير، (الآية فانها،) أي القصة، وفي نسخة: فإنه، أي الشأن (كان لقريش قافلتان، إحداهما ذات غنيمة دون الأخرى، فأخبر اللَّه تعالى عما في ضمائرهم،) وهو ودهم للغنيمة دون القتال، (وأنجر لهم ما وعد) من النصر البالغ يوم بدر، (ولا شك أن الوعد كان قبل اللقاء، لأن الوعد بالشىء بعد وقوعه غير جائز،) إذ هو مجرد عبث. (ومن ذلك قوله تعالى: ﴿سيهزم الجمع ويولون الدبر﴾) [القمر: ٤٥]، قال الزجاج: يعني الأدبار، لأن اسم الواحد يقع على الجمع، أي سيفرق جمعهم ويغلبون، (وهذا إخبار عن المستقبل، لأن السين تعين الاستقبال يعني) بالجمع (كفار قريش يوم بدر)، وفيه علم من أعلام النبوّة، لأن الآية نزلت بمكة، وأخبرهم أنهم سيهزمون في الحرب، فكان كما قال. وعند ابن أبي حاتم، عن عكرمة، وعبد الرزاق عن معمر، عن قتادة أن عمر بن الخطاب قال: لما نزلت، أي جمع يهزم، أي جمع يغلب، قال: فلما كان يوم بدر رأيت رسول اللَّه عَليه تثبت في الدرع، وهو يقول: ﴿سيهزم الجمع ويولون الدبر﴾، فعرفت تأويلها يومئذ، (وقد كان عددهم ما بين تسعمائة إلى ألف،) أي تسعمائة وخمسين مقاتلاً عند ابن عقبة وابن عائذ. وفي صحيح مسلم عن عمر: كانوا ألفًا، وهو أولى بالصواب على أنه يمكن الجمع؛ بأن الخمسين غير مقاتلين، لأنهما قيدا بمقاتلا، ومر بسط ذلك، (وكانوا مستعدين بالمال والسلاح، ١١٦ الفصل الثالث في إنبائه معَِّ بالأنباء المغيبات ومن ذلك في كفار قريش ﴿سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانًا﴾ [آل عمران/ ١٥١]، يريد ما قذف في قلوبهم من الخوف يوم أحد حتى تركوا القتال ورجعوا من غير سبب، ونادى أبو سفين: يا محمد موعدنا موسم بدر القابل إن شئت، فقال عليه الصلاة والسلام: ((إن شاء الله تعالى))، قيل: لما رجعوا وكانوا ببعض الطريق ندموا، وعزموا أن يعودوا عليهم ليستأصلوهم، فألقى الله تعالى الرعب في قلوبهم. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿أُلم، غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين﴾ [الروم/ ٠١ ٦] إلى قوله: ﴿لا يخلف الله وعده﴾، وسبب نزول هذه الآية أن كسرى وقيصر تقاتلا فغلب كسرى قيصر، فساء المسلمين ذلك، لأن الروم أهل كتاب، ولتعظيم قيصر كتاب النبي عَّه وتمزيق كسرى كتابه، وفرح المشركون به، فأخبر الله تعالى بأن الروم بعد أن غلبوا سيغلبون في بضع سنين، والبضع ما بين وكان عدد المسلمين ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً) على أرجح الأقوال، (وليس معهم إلا فرسان، أحدهما للزبير بن العوام، والأخرى للمقداد بن الأسود، فهزم اللَّه المشركين ومكن المسلمين من قتل أبطالهم) سبعين، (و) من (اغتنام أموالهم،) وأسر سبعين. (ومن ذلك في كفار قريش: ﴿سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب﴾) بسكون العين وضمها (﴿بما أشركوا﴾) بسبب إشراكهم (﴿بالله ما لم ينزل به سلطانًا﴾) حجة على عبادته، وهو الأصنام، (يريد ما قذف) تفسير نلقي (في قلوبهم من الخوف) تفسير الرعب (يوم أحد حتى تركوا القتال، ورجعوا من غير سبب) بحسب الظاهر، (ونادى أبو سفين) صخر بن حرب: (يا محمد موعدنا موسم بدر القابل) أي الآتي بعد هذا، وفي نسخ: لقابل، أي لعام قابل (إن شئت فقال عليه الصلاة والسلام) لعمر بن الخطاب: قل: نعم هو موعد بيننا وبينكم (إن شاء الله تعالى). (قيل: لما رجعوا وكانوا ببعض الطريق ندموا، وعزموا أن يعودوا عليهم) على المؤمنين (ليستأصلوهم) بالقتل، (فألقى اللَّه تعالى الرعب في قلوبهم،) فاستمروا راجعين. (ومن ذلك قوله تعالى: ﴿أُلم غلبت الروم في أدنى الأرض﴾﴾ [الروم: ١، ٢، ٣]، أي أقرب أرض الروم إلى فارس، بالجزيرة التي التقى فيها الجيشان والبادىء بالغزو الفرس (﴿وهم﴾،) أي الروم (﴿من بعد غلبهم﴾). أضيف المصدر إلى المفعول به، أي غلبة فارس إياهم، (﴿سيغلبون﴾) فارس (﴿في بضع ١١٧ الفصل الثالث في إنبائه عَّ بالأنباء المغيبات الثلاثة إلى العشرة، فغلبت الروم أهل فارس يوم الحديبية، وأخرجوهم من بلادهم، وذلك بعد سبع سنين. ومن ذلك، قوله تعالى: ﴿فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ولن يتمنوه أبدًا﴾ [الجمعة/ ٧]، فأخبر أنهم لا يتمنون الموت بالقلب ولا بالنطق باللسان مع قدرتهم عليه أبدًا، فأخبر فوجد مخبره كما أخبر، فلو لم يعلموا ما يلحقهم من الموت لسارعوا إلى تكذيبه بالتمني، ولو لم يعلم ذلك لخشي أن يجيبوا إليه فيقضى عليه بالكذب، قال البيضاوي: وهذه الجملة إخبار بالغيب وكان كما أخبر، لأنهم لو تمنوا الموت لثقل وانتشر، فإن التمني ليس من عمل القلب فيخفى. وروي مرفوعًا: ((لو تمنوا الموت لغص كل إنسان منهم بريقه فمات مكانه وما بقي يهودي على وجه الأرض». ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات سنين﴾، إلى قوله: ﴿لا يخلف الله وعده﴾) بالنصر، (وسبب نزول هذه الآية أن كسرى) ملك الفرس، (وقيصر) ملك الروم (تقاتلا، فغلب كسرى قيصر، فساء) أحزن (المسلمين ذلك، ولأن الروم أهل كتاب،) وفارس عباد أوثان، (ولتعظيم قيصر كتاب النبي عَّه، وتمزيق كسرى كتابه) من باب العلة الغائية، وإلا فالآية مكية، والكتابة إليهما وإلى غيرهما من الملوك إنما كانت سنة سبع من الهجرة، (وفرح المشركون به،) وقالوا، للمسلمين: نحن نغلبكم كما غلبت فارس الروم، وهذا السبب رواه ابن أبي حاتم عن الزهري بلاغًا، (فأخبر اللَّه تعالى بأن الروم بعد أن غلبوا سيغلبون في بضع سنين، والبضع ما بين الثلاثة إلى العشرة، فغلبت الروم أهل فارس يوم الحديبية وأخرجوهم من بلادهم، وذلك بعد سبع سنين) من غلبة فارس على الروم. (ومن ذلك قوله تعالى:) ﴿قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند اللَّه خالصة من دون الناس، (فتمنوا الموت إن كنتم صادقين)) [البقرة: ٩٤] تعلق بتمنيه الشرطان على أن الأوّل قيد في الثاني، أي إن صدقتم في زعمكم أنها لكم، ومن كانت له يؤثرها والموصل إليها، فتمنوه (﴿ولن يتمنوه أبدًا﴾﴾ [البقرة: ٩٤]، بما قدمت أيديهم واللّه عليم بالظالمين (فأخبر) بالبناء للمفعول النبي، أي أخبره اللَّه (أنهم لا يتمنون الموت بالقلب، ولا) يتمنونه (بالنطق باللسان مع قدرتهم عليه أبدًا،) فنفى عنهم تمنيه في جميع الأزمنة المستقبلة بقوله أبدًا، وبقوله لن، (فأخبر) عَّه بذلك الذي أوحى إليه، (فوجد مخبره، كما أخبره فلو لم يعلموا ما يلحقهم من الموت)، أي العذاب الأليم بعده (لسارعوا إلى تكذيبه بالتمني،) إذ هم أحرص شىء على تكذيبه لو قدروا، (ولو لم يعلم ذلك) عَّ (لخشي أن يجيبوا إليه، فيقضي عليه بالكذب،) فظهر ١١٨ الفصل الثالث في إنبائه عنّلي بالأنباء المغيبات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم﴾ [النور/ ٥٥]، الآية. هذا وعد من الله لرسوله عليه الصلاة والسلام بأنه سيجعل أمته خلفاء الأرض، أئمة الناس والولاة عليهم، وبهم تصلح البلاد، وتخضع لهم العباد، بذلك معجزته، وبانت حجته بصدق خبره عن الغيب. (قال البيضاوي: وهذه الجملة إخبار بالغيب، وكان كما أخبر، لأنهم لو تمنوا الموت لثقل وانتشر، فإن التمني ليس من عمل القلب فيخفى،) بل هو أن يقول ليت كذا، ولو كان بالقلب لقالوا تمنينا، هذا كلام البيضاوي، وهو اختصار لقول الكشاف: إن قلت التمني من أعمال القلوب، وهو سر لا يطلع عليه أحد، فمن أين علم أنهم لن يتمنوه، قلت: ليس التمني من أعمال القلوب، وإنما هو قول الإنسان بلسانه: ليت لي كذا، وليت كلمة تمن، ومحال أن يقع التحدي بما في الضمائر والقلوب، ولو كان بالقلوب لقالوا: قد تمنيناه بقلوبنا، ولم ينقل أنهم قالوه. قال القطب في حواشيه: استدل على أن التمني ليس من أفعال القلوب؛ بأن التحدي إنما يكون بأمر ظاهر، وفيه أن التحدي إنما يكون بإظهار المعجز لإلزام من لم يقبل الدعوى، والتمني ليس بمعجز، فهو كقول الخصم: احلف لي إن كنت صادقًا، ويمكن أن يقال التحدي هنا لطلب دفع المعجزة، فإن إخباره بأنهم لن يتمنوه أبدًا معجزة، طلب دفعها بتمنيهم، والدفع إنما يكون بأمر ظاهر. (وروي مرفوعًا: لو تمنوا الموت لغص) (بفتح المعجمة والصاد المهملة)، أي مات، كما جزم به التلمساني وضبطه غيره (بضم المعجمة وفتح المهملة المشددة)، وهما لغتان، (کل إنسان منهم بريقه) أي رضاب فمه، وخصه لأنه إذا جف فمه أسرع هلاكه، (فمات مكانه) سريعًا، (وما بقي يهودي على وجه الأرض،) كذا ساق الحديث البيضاوي، وأشار محشيه الحافظ السيوطي؛ إلى، أنه لم يرد بهذا اللفظ، فقال: أخرج البخاري والترمذي عن ابن عباس، عن النبي عَّ له: ((لو تمنوا الموت لشرق أحدهم بريقه))، ولابن جرير من وجه آخر عن ابن عباس، موقوفًا: ((لو تمنوه يوم قال لهم ذلك ما بقي على وجه الأرض يهودي إلا مات))، وللبيهقي عنه، رفعه: ((لا يقولها رجل منهم إلا غص بريقه)) انتهى. وأخرجه أحمد بسند جيد عن ابن عباس، مرفوعًا: ((لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا))، وأخرجه البيهقي من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، رفعه: ((والذي نفسي بيده، لا يقولها رجل منهم إلا غص بريقه))، وبهذا اللفظ الأخير، أورده في الشفاء وقال: يعني يموت مكانه، وقدمت هذا وما قبله في وجوه إعجاز القرآن. (ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم ١١٩ الفصل الثالث في إنبائه عليه بالأنباء المغيبات وليبدلنهم من بعد خوفهم من الناس أمنًا وحكمًا فيهم، وقد فعل تعالى ذلك فيهم ولله الحمد والمنة، فإنه لم يمت عليه الصلاة والسلام حتى فتح الله عليه مكة وخيبر والبحرين وسائر جزيرة العرب وأرض اليمن بكمالها، وأخذ الجزية من مجوس هجر، ومن بعد أطراف الشام، وهاداه هرقل ملك الروم، وصاحب مصر والإسكندرية وهو المقوقس، وملوك عمان، والنجاشي ملك الحبشة الذي تولى بعد أُصحمة رحمه الله. ثم لما مات رسول الله عليه الصلاة والسلام واختار الله له ما عنده من الكرامة، قام بالأمر بعده خليفته أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - فلمّ شعث ما في الأرض﴾،) بدلاً من الكفار، (﴿كما استخلف الذين من قبلهم﴾) [النور: ٥٥] من بني إسرائيل بدلاً عن الجبابرة، الآية سبب نزولها ما أخرجه ابن مردويه في تفسيره والدارمي، ومن طريقه الطبراني والضياء في المختارة، والحاكم، وصححه عن أبي بن كعب، قال: لما قدم رسول اللَّه مَ، وأصحابه المدينة، وآوتهم الأنصار، رمتهم العرب عن قوس واحدة، فكانوا لا يبيتون إلا بالسلاح، ولا يصبحون إلا فيه، فقالوا: ترون أنا نعيش حتی نبیت آمنين مطمئنين، لا نخاف إلا اللَّه، (الآية، هذا وعد من اللَّه لرسوله ◌َّ؛ بأنه سيجعل أمته خلفاء الأرض، أئمة الناس) قادتهم، (و) يجعلهم (الولاة،) أي الحكام (عليهم، وبهم تصلح البلاد، وتخضع) وتذل (لهم العباد،) وهذا كالتفسير لقوله: وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وهو الإسلام؛ بأن يظهره على جميع الأديان، ويوسع لهم في البلاد فيملكوها، (وليبدلنهم) (بالتخفيف والتشديد) (من بعد خوفهم من الناس) الكفار (أمنًا وحكمًا فيهم) (لفظًا ومعنى)، (وقد فعل تعالى ذلك فيهم، ولله الحمد والمنة،) لأن وعده عز وجل متحتم الوقوع؛ (فإنه لم يمت عَّد. حتى فتح اللّه عليه مكة وخيبر والبحرين،) بلفظ تثنية بحر اسم لموضع بين البصرة وعمان (وسائر جزيرة العرب.) قال أبو عبيدة: هي ما بين حفر أبي موسى إلى أقصى تهامة طولاً، وأما العرض فما بين يبرين إلى منقطع السماوة. وقال الأصمعي: هي ما بين عدن أبين إلى أطراف الشأم طولاً، وأما العرض فمن جدة وما والاها من شاطىء البحر إلى ريف العراق (وأرض اليمن بكمالها،) وهو اقليم كبير معروف، (وأخذ الجزية من مجوس هجر) (بفتحتين) إقليم معلوم، (ومن بعد أطراف الشام) كأيلة وغيرها، (وهاداه هرقل ملك الروم وصاحب مصر والإسكندرية، وهو المقوقس،» مع أنه لم يسلم واحدة منهما (وملوك عمان) (بضم العين وتخفيف الميم) موضع باليمن، أما عمان: ١٢٠ الفصل الثالث في إنبائه عنّ بالأنباء المغيبات وهى عند موته عليه الصلاة والسلام وأطد جزيرة العرب ومهدها، وبعث الجيوش الإسلامية إلى بلاد فارس صحبة خالد بن الوليد ففتحوا منها طرفًا، وجيشًا آخر صحبة أبي عبيدة إلى أرض الشام، وجيشًا ثالثًا صحبة عمرو بن العاصي إلى بلاد مصر، ففتح الله للجيش الشامي في أيامه بصرى ودمشق ومخاليفها من بلاد حوران وما والاها. وتوفاه الله واختار له ما عنده. ومنَّ على الإسلام وأهله بأن ألهم الصديق أن يستخلف عمر الفاروق. فقام في الأمر بعده قيامًا تامًا، لم يدر الفلك بعد الأنبياء على مثله في قوة سيره وكمال عدله، وتم في أيامه فتح البلاد الشامية بكمالها، وديار مصر إلى آخرها، وأكثر إقليم فارس، وكسر كسرى وأهانه غاية الهوان وتقهقر إلى أقصى مملكته، وقصر قيصر وانتزع يده من بلاد الشام، فانحاز إلى قسطنطينية، وأنفق (بالفتح والتشديد) بلدة بطرف الشام من بلاد البلقاء، فلا تراد هنا، (والنجاشي ملك الحبشة الذي تولى بعد أصحمة رحمه اللّه) دعاء لأصحمة كما هو ظاهر، إذ هو الذي أسلم، وكان رد المهاجرين إلى الحبشة، ونعاه النبي عٍَّ لأصحابه يوم موته وصلى عليه، أما الذي تولى بعده فكافر، لم يعرف له إسلامٍ ولا اسم، والنجاشي لقب لكل من ملك الحبشة، (ثم لما مات رسول اللَّه عٍَّ واختار اللَّه له ما عنده من الكرامه) التي لا يدرك مداها، (قام بالأمر بعده خليفته أبو بكر الصديق رضي اللَّه عنه، فلم:) جمع (شعث ما وهى) تفرق (عند موته عليه الصلاة والسلام،) من ضعف الأمر بردة قبائل تقدم ذكرها في الرؤيا، ومنع الزكاة حتى رجعوا إلى الحق وهو جواب لما دخلته (الفاء على قلة)، (وأطد:) (بفتح الهمزة والطاء المهملة المشددة ودال مهملة ثبت)، (جزيرة العرب ومهدها، وبعث الجيوش الإسلامية إلى بلاد فارس صحبة خالد بن الوليد) سيف اللَّه، (ففتحوا منها طرفًا، وجيشًا آخر صحبة أبي عبيدة) عامر بن الجراح، أمين هذه الأمة (إلى أرض الشام، وجيشًا ثالثًا صحبة عمرو بن العاصي إلى بلاد مصر، ففتح اللَّه للجيش الشامي في أيامه بصرى) (بضم الموحدة) (ودمشق) (بكسر الدال وفتح الميم وقد تكسر)، (ومخاليفها) جمع مخلاف (بكسر الميم والخاء معجمة)، بناء على استعمال مخلاف في غير اليمن، بمعنى الناحية، أي نواحيها (من بلاد حوران) (وما والاها، وتوفاه اللَّه واختار له ما عنده، ومن على الإسلام وأهله بأن ألهم الصديق أن يستخلف عمر الفاروق، فقام في الأمر بعده قيامًا تامًا، لم يدر الفلك) (بفتحتين) (بعد الأنبياء) وبعد أبي بكر، كما زاده السخاوي (على مثله في قوّة سيره وكمال عدله، وتم في أيامه فتح البلاد