Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١ الفصل الثاني في تعبيره عَّ الرؤيا البخاري ومسلم. وقد روى الإمام وغيره عن جابر: أن النبي عَِّ قال: رأيت كأني في درع حصينة، ورأيت بقرًا تنحر، فأولت الدرع الحصينة المدينة، والبقر بَقْرًا. وهذه اللفظة الأخيرة وهي ((بقر)) بفتح الموحدة، وسكون القاف، مصدر بقره يبقره بقرًا. قال عياض: صحت الرواية فيها أنها بالضم مقطوعة عن الإضافة، أي بعد ما أصيبوا يوم أحد، (وثواب الصدق) أي صدق الوعد مع قريش يوم أحد على الاجتماع بيدر في العام القابل، فخرج عَّهِ إليها، وجبنت قريش فما خرجوا إليها (الذي أتانا) (بالمد)، أي أعطانا (اللَّه بعد يوم بدر،) أي بدر الموعد، وهى الثالثة، وربما عبر عنها بالثانية، ولفظ الجلالة ثابت في الصحيحين، فلا عبرة بسقوطها في غالب نسخ المصنف. قال عياض: صحت رواية في بعد (بالنصب) مضافة ليوم بدر، فهما أمران مختلفان أوتيهما في وقتين مختلفين، فيستحيل أن يكون المراد بيوم بدر الغزوة الكبرى لتقدمها على أحد في رمضان سنة اثنتين، وأحد في شوال سنة ثلاث، فتعين أنها بدر الثانية في شوال سنة أربع. (رواه البخاري) مفرقًا في التعبير: وغزوة بدر وغزوة أحد، وعلق أوله في الهجرة، وساقه تامًا في علامات النبوة، لكنه في الجميع شك في رفعه، فيقول: أرى عن النبي معَّ﴾. قال الحافظ: قائل ذلك هو البخاري، كأنه شك هل سمع من شيخه صيغة الرفع أم لا؟. (و) أخرجه (مسلم) وأبو يعلى عن أبي كريب شيخ البخاري، فيه: فلم يترددا، بل جزما برفعه إلى النبي عَّهُ؛ (وقد روى الإمام أحمد وغيره) النسائي وابن سعد بإسناد صحيح، (عن جابر أن النبي عَّة، قال: رأيت كأني في درع حصينة:) منيعة، تمنع عن لابسها الأذى، (ورأيت بقرًا،) فزاد على السابقة؛ (تنحر) وبه يتضح التأويل. وفي حديث ابن عباس: تذبح، (فأولت الدرع الحصينة المدينة،) فهذا أيضًا زيادة على السابق (و) أولت (البقر) (بفتحتين) (بقرًا، وهذه اللفظة الأخيرة، وهي بقر: (بفتح الموحدة وسكون القاف) مصدر بقره يبقره،) كقتله يقتله، أي شق بطنه (بقرًا) يكون فينا، قال: فكان من أصيب من المسلمين، كما زاد في حديث ابن عباس: ومنهم من ضبطها (بفتح النون والفاء)، لأن من وجوه التأويل التصحيف، ولفظ بقر مثل لفظ. نفر (بنون وفاء) خطأ. ويؤيده رواية مسلم: وإذا هم النفر من المؤمنين يوم أحد كما مر، قيل: إنما أول البقر بمن قتل، لأن البقر متسلحة بقرونها، وبها يدفع ويناطح بعضها بعضًا، فأشبهت رجال الحرب، وخص القتل بأصحابه، وليس في الرؤيا دليل ظاهر على تخصيصهم، لأن البقر قد يعبر بها عن أهل ٨٢ الفصل الثاني في تعبيره عَّ الرؤيا ولهذا الحديث سبب جاء بيانه في حديث ابن عباس عند أحمد أيضًا والنسائي والطبراني، وصححه الحاكم من طريق أبي الزناد عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس في قصة أحد، وإشارة النبي عليّ أن لا يبرحوا من المدينة، وإيثارهم الخروج طلبًا للشهادة ولبسه اللأمة وندامتهم على ذلك، وقوله عَّهِ: ((لا ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل))، وفيه: ((إني رأيت أني في درع حصينة)) الحديث، بنحو حديث جابر، وأتم منه، وقد تقدمت الإشارة إليه في غزوة أحد من المقصد الأول. والمراد بقوله: ((وإذا الخير ما جاء اللَّه به من الخير وثواب الصدق الذي آتانا اللَّه بعد يوم بدر)) فتح خيبر ثم مكة، أي ما جاء اللَّه به بعد بدر الثانية من تثبيت قلوب المؤمنين. الحرب والبادية ومن يثير الأرض، لأنها تثيرها، ولأن الذكر منها ثور، وهذه صفة أصحابه الأنصار لاشتغالهم بالزراعة، وليست صفة غيرهم من قريش، أو لأن أصحابه الثائرين معه على الحرب، كذلك لتحريكهم جهتهم من الأرض، وقلبهم ظاهرها وباطنها. قاله عياض: (ولهذا الحديث سبب، جاء بيانه في حديث ابن عباس عند أحمد أيضًا، والنسائي والطبراني، وصححه الحاكم من طريق أبي الزناد) (بكسر الزاي وخفة النون) اسمه عبد الله بن ذكوان، (عن عبيد اللّه) (بضم العين) (ابن عبد اللَّه) (بفتحها) (ابن عتبة) (بضمها وإسكان الفوقية)، (عن ابن عباس في قصة أحد، وإشارة النبي عَّةٍ أن لا يبرحوا) يخرجوا (من المدينة وإيثارهم) تقديمهم (الخروج طلبًا للشهادة ولبسه) عَّةٍ (اللأمة) (بهمزة ساكنة)، ويجوز تخفيفها الدرع، (وندامتهم على ذلك) بعدما دخل بيته، وقول بعضهم: استكرهتم رسول اللَّه، (وقوله عَّله) حين خرج وعرضوا عليه القعود (لا ينبغي) لا يجوز (لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل) أو يحكم اللَّه بينه وبين عدوه، (وفيه: إني رأيت أني في درع حصينة، الحديث بنحو حديث جابر) المذكور قبله، (وأتم منه) سياقًا، (وقد تقدمت الإشارة إليه في غزوة أحد من المقصد الأول). (والمراد بقوله: وإذا الخير ما جاء اللَّه به من الخير، وثواب الصدق الذي آتانا) (بالمد) أعطانا (اللَّه بعد يوم بدر فتح خيبر) وقريظة، (ثم مكة، أي ما جاء اللَّه به بعد بدر الثانية) التي بعد أحد، وتسمى بدر الموعد، لتواعدهم عليها بعد فراغ غزوة أحد (من تثبيت قلوب المؤمنين) لأن الناس جمعوا لهم، فزادهم إيمانًا وفرق العدو من هيبتهم، فلم يأتوها وأخلفوا الموعد. ٨٣ الفصل الثاني في تعبيره عَّه الرؤيا قال في فتح الباري: وفي هذا السياق إشعار بأن قوله في الخبر ((والله خير)) من جملة الرؤيا. قال: والذي يظهر لي أن لفظ ((واللَّه خير)) لم يتحرر إيراده، وأن رواية ابن إسحق هي المحررة، وأنه رأى بقرًا ورأى خيرًا، فأول البقر على من قتل من الصحابة يوم أحد، وأول الخير على ما حصل لهم من ثواب الصدق في القتال والصبر على الجهاد يوم بدر وبعده إلى فتح مكة، والمراد بالبعدية على هذا لا يختص بما بين بدر وأحد نبه عليه ابن بطلل. ومن ذلك رؤيته عليه الصلاة والسلام أنه أتي برطب. روى مسلم عن أنس (قال في فتح الباري: وفي هذا السياق إشعار؛ بأن قوله في الخبر) أي الحديث: (واللَّه خير من جملة الرؤيا،) زاد الفتح في المغازي، كما جزم به عياض وغيره، (قال) في الفتح هنا: (والذي يظهر لي أن لفظ والله خير لم يتحرر إيراده) من راويه، (وإن رواية ابن إسحق) إني رأيت واللَّه خيرًا، رأيت بقرًّا (هي المحررة) والواو للقسم، وخيرًا مفعول رأيت؛ (وأنه رأى بقرًا ورأى خيرًا، فأول البقر على من قتل من الصحابة يوم أحد، وأول الخير على ما حصل لهم من ثواب الصدق في القتال والصبر على الجهاد يوم بدر) العظمى، (وبعده إلى فتح مكة) وما اتصل به من حنين والطائف، ولم ينظروا إلى ما وقع في أحد، وفي هذا تورك على قول عياض: يستحيل أن المراد غزوة بدر الكبرى لتقدمها على أحد، لأنه لا يمتنع أنها المراد، وأن الرؤيا مؤولة بثواب القتال الواقع قبلها وبعدها، إلى آخر المغازي، كما أشار إليه بقوله: (والمراد بالبعدية على هذا لا يختص بما بين بدر وأحد) بل يعم جميع المغازي (نبه عليه ابن بطال). قال الحافظ عقبه: ويحتمل أن يريد ببدر بدر الموعد، لا الواقعة المشهورة، السابقة على أحد، فإن بدر الموعد كانت بعد أحد، ولم يقع فيها قتال، وكان المشركون لما رجعوا من أحد، قالوا: موعدكم العام المقبل بدر، فخرج عَّ﴾، ومن انتدب معه إلى بدر، ولم يحضر المشركون، فسميت بدر الموعد، فأشار بالصدق إلى أنهم صدقوا الموعد ولم يخلفوه، فأثابهم اللَّه تعالى على ذلك بما فتح عليهم بعد ذلك من قريظة وخيبر وما بعدهما، انتهى. وهذا الذي قدمه المصنف باختصار، بقوله: والمراد ... الخ هو مختار عياض کما قدمته، ومر في المغازي أن غزوات بدر ثلاثة: الأولى في طلب كرز بن جابر لما أغار على سرح المدينة، فرجع ولم يلق حربًا، والثانية: الكبرى، وتسمى العظمى، والثانية: وبدر القتال، والثالثة: بدر الموعد، (ومن ذلك رؤيته عليه الصلاة والسلام؛ أنه أتى برطب) في المنام. (روى مسلم عن أنس قال: سمعت رسول اللَّه عَّ يقول: رأيت الليلة) الذي رأيته في ٨٤ الفصل الثاني في تعبيره عَّة الرؤيا قال: سمعت رسول اللَّه عَ لَّه يقول: ((رأيت الليلة فيما يرى النائم، كأنا في دار عقبة بن رافع فأتينا برطب من رطب ابن طاب))، فأولته أن الرفعة لنا في الدنيا، والعاقبة في الآخرة، وأن ديننا قد طاب، ومن ذلك: رؤيته عليه الصلاة والسلام سيفًا يهزه، وتعبيره ما روي في حديث أبي موسى أنه عَ ليه قال: ورأيت في رؤياي مسلم، قال: قال رسول اللَّه عَّ له: رأيت ذات ليلة (فيما يرى النائم كائنًا) (بنون) المتكلم ومعه غيره (في دار عقبة) (بالقاف) (ابن رافع) (بالراء)، الأنصاري، الصحابي، له ذكر في هذا الحدیث. وأخرجه ابن منده من حديثه، لكنه صحف أباه، فقال ابن نافع: (بالنون)، وتعقبه أبو نعيم وله حديث آخر، وهو: «إذا أحب اللَّه عبدًا أحماه الدنيا»، أخرجه أبو يعلى والحسن بن سفين، عنه رفعه، قاله في الإصابة ملخصًا: (فأتينا برطب من رطب ابن طاب:) نوع من أنواع تمر المدينة، منسوب إلى ابن طاب رجل من أهلها، (فأولته أن الرفعة لنا في الدنيا) أخذًا من لفظ رافع، (والعاقبة في الآخرة،) أخذًا من لفظ عقبة، (وأن ديننا قد طاب،) أي قارب الاستقامة، ويناهي صلاحه لقوله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ [المائدة: ٣]. وقد قيل: لعل هذه الرؤيا كانت بعد أحد والخندق واستقامة الدين، ويحتمل أنها كانت قبل تبشيرًا له مَّ بما يكون من حاله وحال الدين، وتأول الرطب بالدين، لأنه حلو، في القلوب سهل، لأن الشريعة سمحة كملت بعد تدريج، كما أن الرطب سهل حلو، كمل بعد تدريج من الطلع، إلى أن صار رطبًا؛ قال علماء التعبير: طرق التعبير أربعة: الاشتقاق كما تقدم، والثانية ما يعبر بمثاله ويعتبر بشكله، كدلالة متعلم الكتابة على القاضي والسلطان وصاحب السجن ورئيس السفينة، وعلى الوصي والوالد، والثالثة ما يفسره المعنى المقصود من ذلك الشيء المرئي، كدلالة فعل السفر على السفر، وفعل السوق على المعيشة، وفعل الدار على الزوجة والجارية، والرابعة: التعبير بما تقدم له ذكر في القرآن والسنة والشعر وكلام العرب وأمثالها، وكلام الناس وأمثالهم، أو خبر معروف، أو كلمة حكمة، وذلك كتعبير الخشبة بالمنافق، لقوله تعالى: ﴿كأنهم خشب﴾ [المنافقون: ٤]، والفأرة بالفاسق، لأنه عَّ سماها فويسقة، وتعبير الزجاجة بفم المرأة لتسمية بعض الشعراء إياها بذلك، وكتعبير رؤية الأنبياء والخلفاء بما كان في أيامهم وخاص قصصهم. قاله عياض: (ومن ذلك رؤيته عليه الصلاة والسلام سيفًا يهزه) (بضم الهاء) من باب نصر، أي يحركه، (وتعبيره ما روي في حديث أبي موسى) السابق في وسطه، عند مسلم والبخاري في العلامات، واقتصره هنا، فذكر منه هذه القطعة، وبوب عليه: إذا رأى الشخص انه ٨٥ الفصل الثاني في تعبيره عَِّ الرؤيا هذه أني هززت سيفًا فانقطع صدره فإذا هو ما أصيب به المؤمنون يوم أُحد، ثم هززته أخرى فعاد أحسن ما كان. فإذا هو ما جاء اللَّه به من الفتح واجتماع المؤمنين. رواه الشيخان. وهذه أيضًا من ضرب المثل ولما كان عَّهِ يصول بالصحابة عبر عن السيف بهم، وبهمزة عن أمره لهم بالحرب، وعن القطع فيه بالقتل فيهم، وبالهمزة هز سيفًا في المنام، وكذا فعل في غزوة أحد، لكن ذكر بقيته، وهي: ورأيت فيها بقرا ... الخ؛ (انه عَّ قال: ورأيت) في رواية الكشميهني، أريت (في رؤياي هذه) التي أولها قوله: رأيت في المنام أني أهاجر (أني هززت) (بفتح الهاء والزاي الأولى وسكون الثانية) (سيفًا). وفي رواية الكشميهني: سيفي بالإضافة، وهو ذو الفقار، (فانقطع صدره،) وعن ابن إسحق: ورأيت في ذباب سيفي ثلما، وعند ابن سعد، من مرثل عروة والبيهقي في الدلائل، موصولاً عن أنس: ورأيت سيفي ذا الفقار قد انقصم، (فإذا هو) أي تعبيره (ما أصيب به المؤمنون يوم أحد) من قتل سبعين وفي رواية عروة: كأن الذي رأى بسيفه ما أصاب وجهه. وقال ابن هشام: حدثني بعض أهل العلم أنه معَِّ قال: و((أما الثلم في السيف، فهو رجل من أهل بيتي يقتل ولا خلف، فإن ذلك مما أصيب به المؤمنون))، فإن ساغ هذا ولا، فما في الصحیحین اُصح، (ثم هززته أخرى). قال القاضي عياض: وكذا رويناه من طريق العذري وابن ماهان (بزاءين) في الموضعين، يعني هذا وما قبله، قال: ووقع في طريق غيرهم في الموضعين: هززته بتشديد الزاي، وهي لغة بكر بن وائل (فعاد أحسن ما كان، فإذا هو ما جاء الله به من الفتح) لمكة (واجتماع المؤمنين) وإصلاح حالهم. قال القرطبي: يعني ما فتح اللَّه به بعد أحد، فإنهم لم يكلوا من الجهاد، وما ضعفوا بما أصابهم فيها، بل خرجوا صبيحتها ونزلوا حمراء الأسد، مستظهرين على عدوهم، ولم يزل أمرهم مجتمعًا، وإيمانهم يعلو ويقوى. (رواه الشيخان:) مسلم جزمًا برفعه في جملة الحديث المشتمل على ثلاثة أمور، والبخاري بهذه القطعة منه في التعبير، بلفظ: أراه عن النبي عَّ (بضم الهمزة)، أي أظنه، ومر قول الحافظ الشك من البخاري، ورواه مسلم وغيره جزمًا، عن أبي كريب محمد بن العلاء شيخ البخاري فيه، (وهذه) الرؤيا كما قال المهلب (أيضًا من ضرب المثل،) المحتاجة إلى التعبير، (و) وجهه أنه (لما كان عَّ يصول) يثب (بالصحابة) على القتال (عبر عن السيف) أي أوله (بهم وبهمزة) أي عبر عنه (عن أمره لهم بالحرب، وعن القطع فيه) أي السيف، وهو تفسير للعلم، ٨٦ الفصل الثاني في تعبيره عَّة الرؤيا الأخرى لما عاد إلى حالته من الاستواء عبر به عن اجتماعهم والفتح عليهم. وقال أهل التعبير: السيف يصرف على أوجه؛ منها أن من نال سيفًا فإنه ينال سلطانًا، إما ولاية وإما وديعة، وإما زوجة وإما ولدًا، فإن سله من غمده فانثلم سلمت زوجته وأصيب ولده، فإن انكسر الغمد وسلم السيف فبالعكس، وإن سلما أو عطيا فكذلك. وقائم السيف يتعلق بالأب والعصبات، ونعله بالأم وذوي الرحم، وإن جرد السيف وأراد قتل شخص فهو لسانه يجرده في خصومة. وربما عبر السيف بسلطانه جائر. وقال بعض أهل التعبير أيضًا: من رأى أنه أغمد سيفًا فإنه يتزوج، أو ضرب (بالقتل فيهم، وبالهمزة الأخرى: لما عاد إلى حالته من الاستواء عبر به عن اجتماعهم والفتح عليهم) بالفتوحات والنصر، ونحوه قول القرطبي: هزه حمله إياهم على الجهاد، وإنما أول قطع صدره بمن قتل يوم أحد، لأنهم كانوا معظم عسكره، وصدره إذا كان فيهم عمه حمزة وغيره من أشراف المهاجرين والأنصار، واقتبس صدر القوم بصدر السيف، وأول القطع الذي رأى فيه بقطع أعمال المقتولين. وقال عياض: هذه الرؤيا بخلاف الأولى، أي رؤيا الهجرة، لأن تلك خرجت على وجهها، وهذه أولها بما ذكر، لأن سيف الرجل أنصاره الذين يصول بهم كما يصول بسيفه، وقد يكون سيفه ولده، أو والده، أو أخاه، أو عمه، أو زوجته، وقد يدل على الولاية والوديعة، وعلى لسان الرجل وحجته، وعلی سلطان جائر، کل ذلك بحسب القرائن التي تصحب الرؤيا وتشهد لأحد هذه الوجوه، كما أول ذلك هنا بأصحابه لقرينة محاربتهم. (وقال أهل التعبير: السيف يصرف) في تعبيره (على أوجه) بحسب القرائن، (منها: أن من نال صيفًا، فإنه ينال سلطانًا إما ولاية، وإما وديعة، وإما زوجة) ظاهرة، عزبًا كان أو متزوجًا، ووقع في كلام المصنف تقييده بما إذا كان عزبًا، (وإما ولدًا، فإن سله من غمده فانثلم:) (بنون فمثلثة) انكسر (سلمت زوجته وأصيب ولده، فإن انكسر الغمد وسلم السيف، فبالعكس) يسلم ولده وتموت زوجته، (وإن سلما أو عطبا فكذلك،) أي يصابان معا ان عطب الغمد والسيف، ويسلمان جميعًا ان سلما، (وقائم السيف يتعلق بالأب والعصبات، ونعله:) الحديدة. التي في أسفل غمده (يتعلق بالأم وذوي الرحم،) كالخالة، (وإن جرد السيف وأراد قتل شخص، فهو لسانه يجرده في خصومة، وربما عبر السيف بسلطانه جائر). (وقال بعض أهل التعبير أيضًا: من رأى أنه أغمد سيفًا، فإنه يتزوج، أو ضرب شخصًا ٨٧ الفصل الثاني في تعبيره عَّة الرؤيا شخصًا بسيف فإنه يبسط لسانه فيه، ومن رأى أنه يقاتل آخر وسيفه أطول من سيفه فإنه يغلبه، ومن رأى سيفًا عظيمًا فهو فتنة، ومن قلد سيفًا قلد أمرًا، فإن كان قصيرًا لم يدم أمره. ومن ذلك: رؤياه عليه الصلاة والسلام أنه على قليب. عن أبي هريرة أن رسول اللَّهِ عَ لِ قال: بينا أنا نائم، رأيت أني على قليب، وعليها دلو، فنزعت منها ما شاء اللَّه، ثم أخذها ابن أبي قحافة فتزع منها ذنوبًا أو ذنوبين، وفي نزعه ضعف، والله يغفر له، ثم استحالت غربًا فأخذها. بسيف، فإنه يبسط لسانه فيه، ومن رأى أنه يقاتل آخر وسيفه أطول من سيفه فإنه يغلبه، ومن رأى سيفًا عظيمًا، فهو فتنة، ومن قلد سيفًا قلد أمرًا، فإن كان قصيرًا لم يدم أمره،) وان رأى أنه يجر حمائله، فإنه يعجز عنه كما في الفتح. (ومن ذلك رؤياه عليه الصلاة والسلام انه على قليب) (بفتح القاف وكسر اللام وسكون التحتية وموحدة): بثر لم يطو، (عن أبي هريرة؛ أن رسول اللَّه ◌َكٍ قال: بينا) بغير ميم، كما قال المصنف في مواضع: (أنا نائم رأيت أني على قليب:) بئر مقلوب ترابها قبل الطي، هكذا رواه سعد بن المسيب عن أبي هريرة. وفي رواية همام، عنه: على حوض أسقي الناس، وجمع بأن الحوض هو الذي يجعل بجانب البئر لتشرب منه الإبل، فلا منافاة، وكأنه كان يملأً من البئر، فيسكب في الحوض والناس يتناولون الماء لأنفسهم ولبهائمهم، (وعليها دلو، فنزعت) (بسكون العين) (منها ما شاء اللَّه) أن أنزع، (ثم أخذها ابن أبي قحافة) (بضم القاف وخفة المهملة فألف ففاء) أبو بكر الصديق عبد الله بن عثمن رضي اللَّه عنهما، (فنزع:) أخرج (منها) من البئر (ذنوبًا أو ذنوبين) (بفتح المعجمة)، فيهما الدلو الممتلىء، والشك من الراوي، هكذا رواه الأكثر. وفي رواية همام وأبي يونس مولى أبي هريرة عند مسلم، كلاهما عن أبي هريرة: ذنوبين بلا شك. قال الحافظ في المناقب: اتفق من شرح هذا الحديث على أن ذكر الذنوب إشارة إلى مدة خلافته، وفيه نظر، لأنه ولي سنتين وبعض سنة، فلو كان ذلك المراد، لقال ذنوبين أو ثلاثة، والذي يظهر أن ذلك إشارة إلى ما فتح في زمانه من الفتوح الكبار، وهي ثلاثة، ولذا لم يتعرض في ذكر عمر إلى عدد ما نزعه من الدلاء، وإنما وصف نزعه بالعظمة إشارة إلى كثرة ما وقع في خلافته من الفتوحات، وفي الأم للشافعي: معنى قوله: (وفي نزعه ضعف،) قصر مدته وعجلة موته وشغله بالحرب لأهل الردة عن الافتتاح والازدياد، الذي بلغه عمر في طول مدته، فجمع ما ٨٨ الفصل الثاني في تعبيره عَّ الرؤيا عمر بن الخطاب، فلم أر عبقريًا من الناس ينزع نزع ابن الخطاب حتى ضرب الناس بعطن)). وعبقري القوم: سيدهم وكبيرهم وقويهم. وفي رواية: فلم يزل ينزع حتى تولى الناس والحوض يتفجر. وفي رواية: وأتاني أبو بكر فأخذ الدلو من يدي ليريحني. تفرق في كلام غيره. ويؤيده حديث ابن مسعود عند الطبراني، فقال عَّة: ((ما عبرتها يا أبا بكر))، قال: ألي الأمر من بعدك، ثم يليه عمر، قال: كذلك عبرها الملك وفيه أيوب بن جابر، وهو ضعيف، (والله يغفر له) إشارة إلى أن ضعفه المراد به الرفق غير قادح فيه، أو المراد بالضعف ما وقع في أيامه من أمر الردة واختلاف الكلمة، إلى أن اجتمع ذلك في أواخر أيامه، وتكمل في زمان عمر، واليه الإشارة بالقوة. وفي حديث سمرة أن رجلاً قال: يا رسول اللَّه رأيت كأن دلوًا من السماء دليت، فجاء أبو بكر فشرب شربًا ضعيفًا، ثم جاء عمر فشرب حتى تضلع، ففي هذا إشارة إلى بيان المراد بالنزع الضعيف والنزع القوي، (ثم استحالت) أي تحولت الدلو (غربا) (بفتح الغين المعجمة وسكون الراء وموحدة)، أي دلوًا عظيمًا، (فأخذها عمر بن الخطاب، فلم أر عبقريًا) أي سيدًا عظيمًا قويًا (من الناس ينزع نزع ابن الخطاب حتى ضرب الناس بعطن))) (بفتح المهملتين آخره نون) ما يعد للشرب حول البثر من مبارك الإبل، والمراد شربت الإبل بعطن بأن بركت، والعطن للإبل كالوطن للناس، لكن غلب على مبركها حول الحوض. (وعبقري القوم سيدهم وكبيرهم وقويهم) وقيل: الأصل أن عبقر أرض تسكنها الجن فيما يزعمون، فكلما رأوا شيأ فائقًا غريبًا مما يصعب عمله ويدق، أو ينشأ عظيمًا في نفسه، نسبوه إليها، ثم اتسع فيه، فسمي به السيد والكبير والقوي، وهو المراد هنا. (وفي رواية) عند البخاري، عن همام، عن أبي هريرة: فأتى ابن الخطاب، فأخذ منه، (فلم يزل ينزع) يستخرج الماء من البئر بالدلو (حتى تولى الناس) أعرضوا (والحوض يتفجر:) يتدفق منه الماء ويسيل. (وفي رواية) هي رواية همام المذكورة: (وأتاني أبو بكر، فأخذ الدلو من يدي ليريحني) من التعب، فنزع ذنوبين، وفي نزعه ضعف واللَّه يغفر له، فأتى ابن الخطاب فأخذ ... البخ، فلو قال المصنف: وفي رواية وأتاني أبو بكر، فأخذ الدلو من يدي ليريحني، إلى أن قال في عمر: فلم يزل ينزع ... الخ، كان أحسن، لأن كلامه يوهم أنهما روايتان. : الفصل الثاني في تعبيره عَّ الرؤيا ٨٩ وفي رواية موسى عن سالم عن أبيه: ((رأيت الناس اجتمعوا فقام أبو بكر فنزع ذنوبًا أو ذنوبين وفي نزعه ضعف والله يغفر له، ثم قام ابن الخطاب فاستحالت غربًا، فما رأيت من الناس يفري فرية حتى ضرب الناس بعطن)). رواه البخاري. قال النووي: قالوا هذا المنام مثال لما جرى للخليفتين، من ظهور آثارهما (وفي رواية موسى) بن عقبة (عن سالم) بن عبد اللَّه بن عمر (عن أبيه) مرفوعًا: (رأيت الناس) في المنام (اجتمعوا) على بئر (فقام أبو بكر) في هذه الرواية اختصار. وفي رواية نافع عن ابن عمر عند البخاري قال: قال ◌َّه: («بينما أنا على بثر أنزع منها، جاءني أبو بكر وعمر، فأخذ أبو بكر الدلو». وفي رواية أبي بكربن سالم، عن أبيه، عن جده مرفوعًا عند البخاري أيضًا: أريت في المنام أني أنزع بدلو بكرة على قليب، فجاء أبو بكر، (فنزع) أبو بكر (ذنوبًا أو ذنوبين،) شك الراوي: (وفي نزعه ضعف والله يغفر له، ثم قام ابن الخطاب). وفي رواية: نافع، ثم أخذها ابن الخطاب من يد أبي بكر، (فاستحالت) تحولت الدلو (غربًا) أي انقلبت من الصغر إلى الكبر، (فما رأيت من الناس) وللكشميهني: فما رأيت في الناس، وفي رواية نافع: فلم أر عبقريًا من الناس (يفري) (بفتح التحتية وسكون الفاء وكسر الراء) (فرية) (بفتح الفاء وسكون الراء وتخفيف التحتية)، ولأبي ذر من يفري فریه (بكسر الراء وشد التحتية)، أي يعمل عملاً جيدًا صالحًا عجيبًا، كذا قاله المصنف هذا، لكن قال الحافظ في المناقب: روي فريه (بسكون الراء)، وخطأه الخليل. انتهى. وهو مخالف لقول عياض: ضبطناه (بسكون الراء وبكسرها وتشديد الياء)، وأنكر الخليل التشديد وخطأ قائله، والمعنى: يعمل عمله ويقوي قوته، وأصل الفري القطع، يقال: فلان يفري الغرى، أي يعمل العمل البالغ، ومنه: لقد جئت شيئاً فريًا، أي عظيمًا، يقال: فريت إذا قطعت على وجه الصلاح، وأفريت إذا فعلت الفساد، (حتى ضرب الناس بعطن))) (بفتحتين)، أي رويت إبلهم. وعند البخاري في المناقب من طريق أبي بكر بن سالم، عن أبيه، عن جده: حتی روی الناس، وضروبا بعطن، وهو عند أبي بكر بن أبي شيبة بلفظ: فما قب عمر حتى روى الناس وضربوا بعطن، وأقامت فى مكانها حتى بركت، (رواه) أي المذكور من حديثي أبي هريرة بالروايتين، وابن عمر (والبخاري) في مواضع من التعبير، والمناقب من طرق، وروى الحديثين أيضًا مسلم في الفضائل من طرق. (قال النووي قالوا:) أي: العلماء، ومراده العز، ولجمع لا التبري، (هذا المنام مثال لما ٩٠ الفصل الثاني في تعبيره عَّ الرؤيا الصالحة، وانتفاع الناس بهما، وكل ذلك مأخوذ من النبي عَّهِ، لأنه صاحب الأمر، فقام به أكمل مقام، وقرر قواعد الدين، ثم خلفه أبو بكر فقاتل أهل الردة وقطع دايرهم، ثم خلفه عمر فاتسع الإسلام في زمنه. فشبه أمر المسلمين بقليب فيه الماء الذي فيه حياتهم وصلاحهم، وأميرهم المسقي لهم منها، وفي قوله: ((فأخذ الدلو من يدي ليريحني)) إشارة إلى خلافة أبي بكر بعد موته عَُّلّهِ، لأن الموت راحة من كد الدنيا وتعبها، فقام أبو بكر بتدبير أمر الأمة ومعاناة أحوالهم. وأما قوله: ((وفي نزعه ضعف)) فهو إخبار عن حاله في قصر مدة ولايته، وأما ولاية جرى للخليفتين من ظهور آثارهما الصالحة وانتفاع الناس بهما، وكل ذلك مأخوذ من النبي ، لأنه صاحب الأمر، فقام به أكمل مقام، وقرر قواعد الدين،) وفتح اللَّه على يديه أمصار الكفر: مكة وخيبر والمدينة والبحرين وسائر جزيرة العرب، وأرض اليمن بكمالهما، وأخذ الجزية من مجوس هجر ومن بعض أطراف الشام، وهاداه هرقل والمقوقس وملوك عمان، والنجاشي الذي ملك بعد أصحمة، (ثم خلفه أبو بكر، فقاتل أهل الردة وقطع دابرهم،) فلما فرغ منهم أخذ في قتال الكفار، ففتح على يديه بصرى ودمشق وبلاد حوران وما والاها، (ثم خلفه عمر، فاتسع الإسلام في زمنه،) ففتح على يديه البلاد الشامية كلها، ومصر والعراق وأكثر أقليم فارس، وكسر كسرى وفر إلى أقصى مملكته، وفر هرقل إلى القسطنطينية، (فشبه أمر المسلمين بقليب:) بتر (فيه الماء الذي فيه حياتهم وصلاحهم وأميرهم المسقي لهم منها). وقال البيضاوي: أشار بالبئر إلى الدين الذي هو منبع ما به حياة النفوس وتمام أمر المعاش والمعاد، والنزع منه إخراج الماء إشارة إلى إشاعة أمره وإجراء أحكامه. (وفي قوله: فأخذ الدلو من يدي ليريحني إشارة إلى خلافة أبي بكر بعد موته عَيْه، لأن الموت راحة من كد الدنيا وتعبها،) خصوصًا لمثله، ولذا لما قالت فاطمة في مرض موته: وا کرب أباه، قال ◌َ: ((لا کرب على أبيك بعد اليوم)، (فقام أبو بكر بتدبير أمر الأمة ومعاناة أحوالهم) أتم قيام. وفي حديث: «أنا سيف الإسلام وأبو بكر سيف الردة). (وأما قوله: وفي نزعه ضعف، فهو إخبار عن حاله في قصر مدة ولايته،) لأنها كانت سنتين وثلاثة أشهر، والاضطراب الذي وجد في زمنه من أهل الردة فزارة وغطفان وبني يربوع وبعض تميم وكندة وبكر بن وائل وأتباع مسيلمة الكذاب، وإنكار بعض الزكاة، فدعا له بالمغفرة ليتحقق السامعون أن الضعف الذي وجد في نزعه هو من مقتضى تغير الزمان، لا أن ذلك منه، لكن نسب إليه إطلاقًا لاسم المحل على الحال، وهو مجاز شائع في كلام العرب، فليس ٩١ الفصل الثاني في تعبيره عَّة الرؤيا عمر فإنها لما طالت كثر انتفاع الناس بها واتسعت دائرة الإسلام بكثرة الفتوح وتمصير الأمصار وتدوين الدواوين، وليس في قوله: (والله يغفر له)) نقص، ولا إشارة إلى أنه وقع منه ذنب، وإنما هي كلمة كانوا يقولونها. وقوله: ((فاستحالت في يده غربًا)) أي تحولت الدلو غربًا - بفتح المعجمة وسكون الراء بعدها موحدة - أي: دلوًا عظيمة. وأخرج أحمد وأبو داود عن سمرة بن جندب أن رجلاً قال: يا رسول اللَّه، رأيت كأن دلوًا دلي من السماء فجاء أبو بكر فأخذ بعراقيها فشرب شربًا ضعيفًا، ثم جاء عمر فأخذ بعراقيها فشرب حتى تضلع، ثم جاء عثمن فأخذ بعراقيها فشرب الضعف، وهنا في عزيمته: ولا خطأ من فضله عن عمر لقلة نزعه عن نزع عمر، بل هو إخبار عن حسن ولايته، والدعاء له بالمغفرة إعلام بأن اللّه جازاه على ما عاناه من حرب أهل الردة، فلا يظن انه لتقصير وقع منه. (وأما ولاية عمر فانها لما طالت كثر انتفاع الناس بها واتسعت دائرة الإسلام بكثرة الفتوح وتقصير الأمصار وتدوين الدواوين، وليس في قوله: والله يغفر له نقص، ولا إشارة إلى أنه وقع منه ذنب وإنما هي كلمة كانوا يقولونها) يدعمون بها الكلام، أي يقومونه. هكذا قال النووي تبعًا لقول عياض: الأشبه عندي أن قوله: واللَّه يغفر له دعامة للكلام ووصلة له، وقد جاء في الحديث؛ أنها كلمة كان المسلمون يقولونها، يقولون: افعل هذا والله يغفر لك، مثل قولهم: تربت يمينك وقاتله اللَّه. (وقوله: فاستحالت في يده) لم يذكرها فيما قدم، لكنها ثابتة في رواية نافع، عن ابن عمر عند البخاري (غربًا، أي تحولت الدلو غربًا بفتح المعجمة وسكون الراء، بعدها موحدة)، أي دلوًا عظيمة،) فتحولت من الصغر إلى الكبر. (وأخرج أحمد وأبو داود عن سمرة) (بضم الميم) (ابن جندب) بن هلال الفزاري، حليف الأنصار، صحابي مشهور له أحاديث، مات بالبصرة سنة ثمان وخمسين (أن رجلاً قال: يا رسول اللَّه رأيت كأن دلوا دلي) بضم المهملة وشد اللام أي أرسل (من السماء) إلى الأرض، (فجاء أبو بكر، فأخذ بعراقيها) (بكسر المهملة وفتح القاف) خشبتان تجعلان على فم الدلو، متخالفتان لربط الدلو، (فشرب شربًا ضعيفًا،) أي قليلاً، (ثم جاء عمر، فأخذ بعراقيها، فشرب حتى تضلع) (بضاد معجمة)، أي ملأ أضلاعه كناية عن الشبع، (ثم جاء عثمن، فأخذ بعراقها، فشرب حتى تضلع) أي شبع، وقد طالت مدة ولايته عن عمر، وفتح في زمانه مدائن العراق وخراسان والاهواز وبلاد المغرب بتمامها، ومن المشرق إلى أقصى بلاد الصين، وقتل كسرى وباد ملكه بالكلية، (ثم جاء علي فانتشطت) (بضم المثناة وكسر المعجمة، بعدها طاء ٩٢ الفصل الثاني في تعبيره عَّ الرؤيا حتى تضلع، ثم جاء علي فانتشتطت وانتضح عليه منها شىء. والعراقي: جمع عرقوة، وهي الخشبة المعروضة على فم الدلو، وهما عرقوتان كالصليب، وقد: عرقيت الدلو إذا ركبت العرقوة فيها. وانتشتطت: أي جذبت ورفعت. فهي نبذة من مراثيه الكريمة معََّلّهِ. وأما ما رآه غيره فعبر عَِّ له بما يخص ويعم من أمور الدنيا والآخرة. مهملة)، أي نزعت منه، فاضطرب وسقط بعض ما فيها أو كله، (وانتضح) أي رش (عليه منها شيء) قليل. قال ابن العربي: حديث سمرة يعارض حديث ابن عمر، أو هما خبران، قال الحافظ: الثاني هو المعتمد، فحديث ابن عمر مصرح بأنه عَّةِ هو الرائي، يعني: وكذا حديث أبي هريرة وحديث سمرة فيه نزول الماء من السماء، فهما قضيتان تشد احداها الأخرى، وكأن قصة حديث سمرة سابقة، فنزل الماء من السماء وهي خزانته، فاسكن في الأرض كما يقتضيه حديث سمرة، ثم أخرج منها بالدلو، كما دل عليه حديث ابن عمر، أي وأبي هريرة، وفي حديث سمرة اشارة إلى نزول النصرة من السماء على الخلفاء. وفي حديث ابن عمر اشارة إلى استيلائهم على كنوز الأرض بأيديهم، وكلاهما ظاهر في الفتح التي فتحوها، وفي حديث سمرة زيادة إشارة إلى ما وقع لعلي من الفتن والاختلاف عليه، فإن الناس أجمعوا على خلافته، ثم لم يلبث أهل الجمل ان خرجوا عليه، وامتنع مطوية في أهل الشام، ثم حاربه بصفين، ثم غلب بعد قليل على مصر، وخرجت الحرورية على علي، فلم يحصل له في أيام خلافته راحة، فضرب المنام المذكور مثالاً لأحوالهم رضي اللَّه تعالى عنهم أجمعین. (والعراقي جمع عرقوة) (بفتح العين واسكان الراء وضم القاف وفتح الواو، ولا تضم العين)، قال الجوهري: لأن فعلوة إنما تضم إذا كان ثانيه نونا مثل عنصرة، (وهي الخشبة المعروضة على فم الدلو، وهما عرقوتان،) أي خشبتان تعرضان على الدلو (كالصليب، وقد عرقيت) (بتحتية ففوقية) (الدلو، إذا ركبت العرقوة فيها وانتشطت، أي جذبت:) سحبت (ورفعت، فهذه نبذة) شيء قليل (من مرائيه الكريمة عَّله)) وإلا فهي كثيرة جدًا (وأما ما رآه غيره، فعبره عٍَّ له بما يخص) الرائي، (ويعم) أي يشمله ويشمل غيره (من أمور الدنيا والآخرة) فكثير لا يحصر، وإذا أردت بعضه (فقد كان) فجواب الشرط محذوف، والمذكور جواب شرط مقدر، إذ لا يظهر كونه جوابًا للمذكور إلا أن يقال لما كان سببًا لتفسير رؤيا الغير جعله جوابا، . ٩٣ الفصل الثاني في تعبيره عن الرؤيا فقد كان عَِّ إذا انفتل من صلاة الصبح أقبل على أصحابه فقال: من رأى منكم الليلة رؤيا فليقصها علي أعبرها له، فيقص الناس عليه مرائيهم. وروى البخاري والترمذي عن سمرة بن جندب قال: كان رسول اللَّه عَلَّه. يكثر أن يقول لأصحابه: هل رأى أحد منكم رؤيا؟ فيقص عليه من شاء اللَّه أن يقص، وأنه قال: ذات غداة: هل رأى أحد منكم رؤيا، فقالوا: ما منا أحد رأى أو يقدر فيه، فهو ما تضمنه قولي: فقد كان (عَّةٍ إذا انفتل) (بهمزة وصل ونون ساكنة وفاء ففوقية مفتوحتين فلام)، أي التفت (من صلاة الصبح) بعد السلام وما يليه من الأذكار، ولذا لم يقل فرغ لئلا يوهم التفاته بمجرد الفراغ، (أقبل على أصحابه) أي جعل وجهه إليهم، (فقال: (من رأى منكم الليلة) أي الماضية (رؤيا فليقصها علي أعبرها له، فيقص الناس عليه مرائيهم) أي ما يرونه في منامهم: جمع مرأة (بفتح فسكون)، وهو محل الرؤيا، فالرؤيا إدراكه في منامه، والمرأة ما تعلقت به تلك الرؤيا. (وروى البخاري) في التعبير والجنائز تامًا، وروى أطرافًا منه في مواضع، ومسلم قطعة من أوله، (والترمذي) تامًا، (عن سمرة بن جندب) (بضم الدال وفتحها)، (قال: كان رسول اللَّه ◌َّ يكثر أن يقول لأصحابه: هل رأى أحد منكم،) زاد في الجنائز الليلة (رؤيا) مقصور غير منصرف، ويكتب بالألف، ولفظ البخاري كان مما يكثر. قال الطيبي: مما خبر كان، وما موصول، ويكثر صلته، والضمير الراجع إلى ما فاعل يقول: وقله أن يقول فاعل يكثر، وهل رأى أحد منكم هو المقول، أي رسول اللَّه من الذين يكثر منهم هذا القول، فوضع ما وضع من تفخيمًا وتعظيمًا، كقوله: ﴿والسماء وما بناها﴾، أو تقديره كان رسول اللَّه عََّّ يجيد تأويل الرؤيا، وكان له مساهمة فهم، لأن الاكثار من هذا القول لا يكثر إلا من تدرب فيه بإصابته، كقوله: كان زيد من العلماء بالنحو، ومنه قول صاحبي السجن ليوسف: ﴿نبثنا بتأويله إنا نراك من المحسنين﴾، أي المجيدين في عبارة الرؤيا، وعلما ذلك لما رأياه يقص عليه بعض أهل السجن، هذا من حيث البيان، وأما من طريق النحو، فيحتمل أن قوله: هل رأى أحد منكم من رؤيا مبتدأ، والخبر مقدم عليه على تأويل هذا القول مما يكثر رسول اللَّه أن يقوله، ومال في الفتح إلى ترجيح الوجه السابق، والمتبادر وهو الثاني، وهو الذي اتفق عليه أكثر الشارحين (فيقص عليه من شاء الله أن يقص) (بفتح الياء وضم القاف فيهما)، كذا في رواية النسفي، وفي رواية غيره: ما، وهي للمقصوص ومن للقاص، قاله كله المصنف، (وأنه قال ذات، غداة) باقحام لفظ ذات أو هو من إضافة المسمى إلى اسمه، أو من إضافة الجزء إلى الكل، وهذا أولى، لأن السؤال لم يقع في جميع الغداة، وعليه فهو صفة لمحذوف، أي ساعة صاحبة غداة؟، ٩٤ الفصل الثاني في تعبيره عَة الرؤيا شيئًا، قال: ((لكني أتاني الليلة آتيان، وإنهما ابتعثاني فقالا لي: انطلق، فانطلقت فأتيا على رجل مضطجع، وإذا آخر قائم عليه بصخرة، وإذا هو يهوى بالصخرة لرأسه فتثْلَغ رأسه))، الحديث. وأقام عليه الصلاة والسلام يسأل أصحابه: ((هل رأى منكم الليلة أحد رؤيا، (هل رأى أحد منكم رؤيا، فقالوا: ما منا أحد رأى شيئاً، قال: لكني أتاني الليلة آتيان) (بمد الهمزة وكسر الفوقية)، وعند ابن أبي حاتم من حديث علي ملكان وفي الجنائز رأيت الليلة رجلين أتياني، وقال في آخر الحديث إنهما جبريل وميكائيل قال الطيبي: وجه الاستدراك أنه كان يحب أن یعبر لھم الرؤیا، فلما قالوا ما رأينا، کُنه قال أنتم ما رأيتم، لكني رأيت. انتهى. وايضاحه انه استدراك على ما يتوهم من أنه لوسكت لم يكن رأى شيئاً، ومنشأ التوهم حبه لتعبير ما يراه هو أو غيره، والليلة، بالنصب على الظرفية، والمعنى: أتاني في الليلة الماضية، وإلا فمعلوم أنه وقت الإخبار كان في النهار لا في الليل، (وإنهما ابتعثاني) (بموحدة ساكنة ففوقية فمهملة فمثلثة فألف فنون). كذا رواه الأكثر للكشميهني انبعثا بي (بنون فموحدة وبعد الألف موحدة)، قال الجوهري: بعثه وابتعثه أرسله، وقال ابن هبيرة: معنى ابتعثاني أيقظاني، ويحتمل أن يكون رأى في المنام انهما أيقظاه، فرأى ما رأى في المنام، ووصفه بعد أن أفاق على أن منامه كاليقظة، لكن لما رأى مثالاً كشفه التعبير دل على انه كان منامًا، (فقالا لي: انطلق) (بكسر اللام)، (فانطلقت) لفظ البخاري في التعبير، وانهما قالا لي انطلق، وإني انطلقت معهما. وفي الجنائز: رأيت الليلة رجلين أتياني، فأخذا بيدي، فأخرجاني إلى الأرض المقدسة، وعند أحمد: إلى أرض فضاء، أو أرض مستوية. وفي حديث علي عند ابن أبي حاتم: فانطلقا بي إلى السماء، (فأتيا على رجل مضطجع) وفي الجنائز: مستلق على قفاه (وإذا آخر قائم عليه بصخرة) وفي الجنائز: بفهر أو صخرة بالشك. وفي حديث علي: فمررت على ملك وأمامه آدمي، وبيد الملك صخرة يضرب بها هامة الآدمي، (وإذا هو يهوي بالصخرة) (بفتح أوله وكسر الواو)، أي يسقط، يقال: هوى (بالفتح) يهوي هويًّا، سقط إلى أسفل، وضبط ابن التين (بضم أوله) من الرباعي، يقال: أهوى من بعد، وهوى (بفتح الواو) من قرب (لرأسه، فتثلغ) الصخرة (رأسه) (بفتح أوله وسكون المثلثة وفتح اللام فغين معجمة) أي تشدخه، وفي الجنائز: فتشدخ به، والشدخ كسر الشىء الأجوف. وقد فسره الملكان بأنه الرجل يأخذ القرآن، فيرفضه وينام عن الصلاة المكتوبة. وفي الجنائز: ((وأما الذي رأيت تشدخ رأسه، فرجل علمه اللَّه القرآن، فنام عنه بالليل ولم ٩٥ الفصل الثاني في تعبيره عَّةِ الرؤيا ما شاء اللَّه تعالى، ثم ترك السؤال، فكان يعبر لمن قص متبرعًا. واختلف النقلة في سبب تركه السؤال: فقيل: سبب ذلك حديث أبي بكرة - عند الترمذي وأبي داود - أنه عَِّ قال ذات يوم: ((من رأى منكم رؤيا))؟ فقال رجل: أنا يا رسول اللَّه، رأيت كأن ميزانًا نزل من السماء، فوزنت أنت وأبو بكر فرجحت أنت بأبي بكر، ووزن أبو بكر وعمر فرجح أبو بكرٍ، ووزن عمر وعثمن فرجح عمر، ثم رفع الميزان. فرأينا الكراهة في وجه رسول اللَّه عَّله، قالوا: فمن حينئذٍ لم يسأل النبي عَّ أحدًا عن رؤيا. قال بعضهم: وسبب كراهته عليه الصلاة والسلام إيثاره لستر العواقب وإخفاء المراتب، فلما كانت هذه الرؤيا كاشفة لمنازلهم مبينة لفضل بعضهم على بعض يعمل بما فيه بالنهار، يعمل به إلى يوم القيامة، أي: ما رأيت، (الحديث) رواه البخاري مطوّلاً في التعبير من طريق عوف، وقبله في الجنائز من طريق جرير بن أبي حازم، كلاهما عن أبي رجاء، عن سمرة بنحو ورقتين، فذكره بشرحه فيه طول، وبدونه لا فائدة فيه. (وأقام عليه الصلاة والسلام يسأل أصحابه،) بقوله: (هل رأى منكم الليل أحد رؤيا ما شاء اللَّه تعالى) أي مدة مشيئته، (ثم ترك السؤال، فكان يعبر لمن قص،) أي لمن ذكر ما رآه له (متبرعًا) من غير أن يسأل أحدًا. (واختلف النقلة في سبب تركه السؤال، فقيل: سبب ذلك حديث أبي بكرة) نفيع بن الحرث الثقفي، وقيل: اسمه مسروح، أسلم بالطائف، ثم نزل البصرة ومات بها سنة إحدى أو اثنتین وخمسین. (عند الترمذي وأبي داود أنه عٍَّ) كان يعجبه الرؤيا الصالحة ويسأل عنها، وأنه (قال ذات يوم: من رأى منكم رؤيا؟، فقال رجل أنا يا رسول اللَّه) رأيت رؤيا، (رأيت كأن ميزانًا نزل من السماء، فوزنت أنت وأبو بكر، فرجحت أنت بأبي بكر ووزن). وفي رواية: ثم وزن (أبو بكر وعمر، فرجح أبو بكر) على عمر، (ووزن عمر وعثمن، فرجح عمن على عثمن، هكذا في نسخ صحيحة، وفي بعضها: فرجح عثمن بنصيبه مفعول رجع وفاعله مستتر، أي: فرجح عمر عثمن، (ثم رفع الميزان، فرأينا الكراهة) ظهرت (في وجه رسول اللَّه عَلَّه). وفي رواية: فانساء لها رسول اللَّه، ثم قال: خلافة نبوّة، ثم يؤتي اللَّه الملك من يشاء، (قالوا: فمن حينئذ لم يسأل النبي عَّ أحدًا عن رؤيا). (قال بعضهم: وسبب كراهته عليه الصلاة والسلام إيثاره لستر العواقب وإخفاء ٩٦ الفصل الثاني في تعبيره معَّ الرؤيا في التعيين خشي أن يتواتر ويتوالى ما هو أبلغ في الكشف من ذلك، وللَّه في ستر خلقه حكمة بالغة ومشيئة نافذة. وقال ابن قتيبة - فيما ذكر ابن المنير -: سبب تركه السؤال حديث ابن زمل: كان رسول اللَّهُ عَّةٍ إِذا صلى الصبح قال عَّله وهو ثاني رجليه: سبحان الله وبحمده واستغفر اللَّه، إن اللَّه كان توابًا، سبعين مرة، ثم يقول: سبعون بسبعمائة، لا خير فيمن كانت ذنوبه في يوم أكثر من سبعمائة، ثم يستقبل الناس بوجهه فيقول: هل رأى أحد منكم شيئًا؟ قال ابن زمل: فقلت ذات يوم أنا يا رسول اللَّه، قال: خير تلقاه وشر نوقاه، وخير لنا وشر على أعدائنا، والحمد لله رب العالمين اقصص رؤياك. قال: رأيت جميع الناس على طريق رحب لاحب سهل، والناس على الجادة منطلقون، فبينما هم كذلك أشفى ذلك الطريق بهم على مرج لم تر عيني مثله، المراتب، فلما كانت هذه الرؤيا كاشفة لمنازلهم، مبينة لفضل بعضهم على بعض في التعيين، خشي أن يتواتر ويتوالى) يتتابع (ما هو أبلغ في الكشف من ذلك، ولله في ستر خلقه،) أي المخلوقين بإيجاده (حكمة بالغة) أي تامة (ومشيئة نافذة) (بمعجمة)، أي ماضية. (وقال ابن قتيبة) عبد اللّه بن مسلم الدينوري (فيما ذكر ابن المنير) في معراجه (سبب تركه السؤال حديث ابن زمل) (بكسر الزاي وسكون الميم ولام)، الجهني، واسمه عبد اللَّه على الأصح، صحابي جزمًا، كما مر عن الإصابة، وأنه لا عبرة بقول القاموس: تابعي مجهول، غير ثقة، وقول الصغاني: صحابي غلط، وأنه هو الغالط. وقد أنصف من قال فيه: لکثرة دخوله فیما لا یعنیه کثر الغلط فیه، (کان رسول اللّه ټ﴾. إذا صلى الصبح، قال عٍَّ وهو ثاني رجليه: ((سبحان الله وبحمده، واستغفر الله) (بالواو) عند ابن قتيبة، وعند غيره بلا واو، (إن اللَّه كان توابًا سبعين مرة))، ثم يقول: ((سبعون بسبعمائة،) لأن الحسنة بعشر أمثالها، (لا خير فيمن كانت ذنوبه في يوم أكثر من سبعمائة)، ثم يستقبل الناس بوجهه))) أي يجعل وجهه إليهم، (فيقول: ((هل رأى أحد منكم شيئاً)) في منامه، (قال ابن زمل: فقلت ذات يومٍ: أنا يا رسول اللَّه، قال:) رؤياك (خير تلقاه وشر نوقاه، وخير لنا وشر على أعدائنا والحمد لله رب العالمين، اقصص رؤياك))) حدث بها على وجهها، (قال: رأيت جميع الناس على طريق رحب) (براء مفتوحة فمهملة ساكنة فموحدة)، أي واسع (لا حب) (بلام فمهملة مكسورة) واضح (سهل) أي لا صعوبة فيه (والناس على الجادة) (بجيم فألف ٩٧ الفصل الثاني في تعبيره عَّة الرؤيا يرف رفيفًا، يقطر نداه، فيه من أنواع الكلاً، فكأني بالرعلة الأولى حين أشرفوا على المرج كبروا ثم أكبوا رواحلهم في الطريق فلم يضلوه يمينًا ولا شمالاً، ثم جاءت الرعلة الثانية من بعدهم، وهم أكثر منهم أضعافًا، فلما أشفوا على المرج كبروا، ثم أكبوا رواحلهم في الطريق، فمنهم المرتع، ومنهم الآخذ الضغث ومضوا على ذلك. قال: ثم قدم عظم الناس، فلما أشفوا على المرج كبروا وقالوا: هذا خير المنزل، فمالوا في المرج يمينًا وشمالاً، فلما رأيت ذلك لزمت الطريق حتى أتيت أقصى المرج، فإذا أنا بك يا رسول اللَّه على منبر فيه سبع درجات، وأنت في أعلاها درجة، وإذا عن يمينك رجل أقنى آدم، إذا هو تكلم يسمو، يكاد يفرع الرجال طولاً، وإذا عن يسارك رجل ربعة تارّ أحمر، كثير خيلان الوجه، إذا هو تكلم أصغيتم فمهملة مفتوحة ثقيلة فتاء تأنيث)، أي وسط الطريق (منطلقون، فبينما هم كذلك أشفي) (بفتح الهمزة وإسكان المعجمة ففاء فياء تحتية)، أي أشرف (ذلك الطريق بهم على مرج) (بفتح الميم وسكون الراء وجيم) موضع ترعى فيه الدواب، (لم تر عيني مثله يرف) (بفتح التحتية وكسر الراء ففاء)، (رفيفًا) أي يكثر ماؤه (يقطر نداه فيه من أنواع الكلأ) (بكاف فلام مفتوحتين فهمزة) عشبه ونباته رطبه ويابسه، (فكأني بالرعلة) (براء مفتوحة فعين مهملة ساكنة فلام فتاء تأنيث) القطعة من الفرسان (الأولى حين أشرفوا،) الرواية عند ابن قتيبة الذي هو نافل عنه: أشفوا (بفتح فسكون ففاء)، بمعنى أشرفوا، فذكره المصنف بالمعنى (على المرج كبروا، ثم أكبوا)، أي أرسلوا (رواحلهم في الطريق، فلم يضلوه)، أي لم يخرجوا عنه (يمينًا ولا شمالاً). زاد في رواية: فكأني أنظر إليهم منطلقين، (ثم جاءت الرعلة الثانية من بعدهم، وهم أكثر منهم أضعافًا، فلما أشفوا) أشرفوا وأطلقوا (على المرج كبروا، ثم أكبوا رواحلهم في الطريق، فمنهم المرتع) (بضم الميم وسكون الراء وكسر الفوقية)، أي الذي يخلي ركابه ترتع، أي تسعى وترعى كيف شاءت (ومنهم الآخذ الضغث) (بكسر المعجمة وإسكان المهملة، فمثلثة) قبضة من حشيش مختلط، (ومضوا على ذلك، قال: ثم قدم عظم) (بضم فسكون) أكثر (الناس، فلما أُشفوا على المرج كبروا) فرحًا، (وقالوا: هذا خير المنزل، فمالوا في المرج يمينًا وشمالاً، فلما رأيت ذلك لزمت الطريق حتى أتيت أقصى) أبعد (المرج، فإذا أنا بك يا رسول اللَّه على منبر فيه سبع درجات، وأنت في أعلاها درجة، وإذا عن يمينك رجل أقنى) (بقاف ونون)، قال ابن الأثير: هو السائل الأنف، المرتفع وسطه، وقيل: هو نتوء في وسط القصبة، والأول أولى بالمدح (آدم) (بالمد)، أي أسمر، (إذا هو تكلم يسمو) يعلو ويرتفع علي جلسائه، (يكاد يفرع) (بفتح الياء وسكون الفاء وفتح الراء وعين مهملة)، أي يعلو (الرجال طولاً، ٩٨ الفصل الثاني في تعبيره عَّة الرؤيا إليه إكرامًا له، وإذا أمام ذلك شيخ كأنكم تقتدون به، وإذا أمام ذلك ناقة عجفاء شارف، وإذا أنت كأنك تبعثها يا رسول الله. قال: فانتقع لون رسول اللَّه عَلِّ ساعة، ثم سري عنه، فقال: أما ما رأيت من الطريق الرحب اللاحب السهل، فذلك ما حملتكم عليه من الهدى، فأنتم عليه، وأما المرج الذي رأيت فالدنيا وغضارة عيشها، لم تتعلق بها ولم تردنا ولم نردها، وأما الرحلة الثانية والثالثة - وقص كلامه- فإن لله وإنا إليه راجعون، وأما أنت فعلى طريقة صالحة، فلن تزال عليها حتى تلقاني، وأما المنبر فالدنيا سبعة آلاف سنة، أنا في آخرها ألفًا، وأما الرجل الطويل الآدم فذلك موسى، نكرمه بفضل كلام اللَّه إياه، وأما الرجل الربعة التار فذلك عيسى عليه السلام نكرمه بفضل منزلته من اللَّه، وأما وإذا عن يسارك رجل ربعة) (بفتح الراء وسكون الموحدة) وقد تفتح، أي ليس بالطويل ولا بالقصير، (تار) (بفوقية فألف فراء ثقيلة)، أي مسترخ من جوع أو غيره، (أحمر كثير خيلان:) جمع خال، أي شامات (الوجه). زاد في رواية: كأنهم حمم شعره بالماء، (إذا هو تكلم أصغيتم) أملتم سمعكم ورأسكم (إليه،) تسمعوا كلامه (إكرامًا له، وإذا أمام) قدام (ذلك شيخ كأنما تقتدون به، وإذا أمام ذلك ناقة عجفاء) (بفتح العين المهملة وسكون الجيم ففاء فهمز ومد مهزولة) (شارف) (بمعجمة فألف فراء ففاء) أي مسنة (وإذا أنت كأنك تبعثها يا رسول اللَّه، قال: فانتقع) (بنون ففوقية فقاف) مبني للمجهول، أي تغير (لون رسول اللَّه عَّ ساعة) قطعة من الزمان (ثم سرى) أي كشف (عنه، فقال: ((أما ما رأيت من الطريق الرحب اللاحب السهل فذلك،) أي تعبيره (ما حملتكم عليه من الهدى، فأنتم عليه، وأما المرج الذي رأيت فالدنيا وغضارة) (بفتح المعجمتين فألف فراء فتاء تأنيث) طيب (عيشها) ولذته وخصبه، (لم تتعلق بها ولم تردنا ولم نردها). كذا في رواية ابن قتيبة، وفي رواية غيره: مضيت أنا وأصحابي، لم نتعلق منها، ولم تتعلق منا ولم نردها، (وأما الرعلة الثانية والثالثة)) - وقص) أي ذكر (كلامه - فإنا للَّه وإنا إليه راجعون) أسف من تهافتهم على الدنيا وانهماكهم عليها فاسترجع (وأما أنت فعلى طريقة صالحة، فلن تزال عليها حتى تلقائي) تعبير لقوله لزمن الطريق حتى أتيت المرجع، فإذا أنا بك (وأما المنبر، فالدنيا سبعة آلاف سنة، أنا في آخرها ألفًا، وأما الرجل الطويل الآدم، فذلك موسى نكرمه) نحن، أي نعظمه (بفضل كلام اللَّه إياه،) مثله في رواية ابن قتيبة. وفي رواية غيره: فذلك موسى إذا تكلم يعلو الرجال بفضل كلام اللَّه تعالى إياه وهذا ٩٩ الفصل الثاني في تعبيره عَّة الرؤيا الشيخ الذي رأيت كأننا نقتدي به فذلك إبراهيم عَّ له، وأما الناقة العجفاء الشارف التي رأيتني أبعثها فهي الساعة عليها، أي على الأمة تقوم، لا نبي بعدي ولا أمة بعد أمتي. قال الراوي: فما سأل رسول اللَّه عَِّ بعد هذا أحدًا عن رؤيا، إلا أن يجيء الرجل متبرعًا فيحدثه بها. رواه ابن قتيبة والطبراني والبيهقي في الدلائل، وسنده ضعيف جدًا. ومن غرائب ما نقل عنه عَِّ من التعبير، أن زرارة بن عمرو النخعي قدم على رسول اللَّه عَّه في وفد النخع، فقال: يا رسول اللَّه، إني رأيت في طريقي هذا رؤيا، رأيت أنانا تركتها في الحي ولدت جديًا أسفع أحوى، فقال له رسول اللَّه عَّهِ: ((هل لك من إمرأة تركتها مصرة حملاً)؟ قال: نعم، تركت أمة المناسب لتعبير قوله: إذا تكلم يعلو، (وأما الرجل الربعة التار) (بالفوقية، أي المسترخي)، (فذلك) أي تعبيره (عيسى عليه السلام) وذلك مناسب لحاله، فإنه كثير الصيام والسياحة وعبادة اللَّه، فيسترخي من ذلك (نكرمه) نعظمه بالإصغاء إليه (بفضل منزلته من اللَّه). (وأما الشيخ الذي رأيت كأننا نقتدي به، فذلك إبراهيم عَ لٌ) كما قال تعالى: ﴿ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم﴾ [النحل: ١٢٣] (وأما الناقة العجفاء الشارف الذي رأيتني أبعثها فهي الساعة عليها أي على الأمة تقوم، لا نبي بعدي ولا أمة بعد أمتي، قال الراوي: فما سأل رسول اللَّه عَ ل بعد هذا أحد عن رؤيا إلا أن يجيء الرجل متبرعًا) يقص منامه عليه من غیر سؤال (فیحدثه بها،) أي يعبرها له. (رواه ابن قتيبة) بإسناده، واقتصر ابن المنير على عزوه له، وزاد المصنف (والطبراني) في الكبير (والبيهقي في الدلائل) النبوية، (وسنده ضعيف جدًا،) ولا يلزم منه أن ابن زمل ليس بصحابي، إذ ضعف الدليل لا يضعف المدلول. (ومن غرائب ما نقل عنه عٍَّ من التعبير أن زرارة) (بضم الزاي) (ابن عمرو) (بفتح العين)، وسماه ابن الكلبي زرارة بن قيس بن الحرث بن عدي (النخعي) (بفتح النون والخاء المعجمة) نسبة إلى النخع قبيلة من مذحج من اليمن، (قدم على رسول اللَّه عَّة في وفد النخع) في نصف المحرم سنة إحدى عشرة، قاله أبو حاتم، وبه جزم ابن سعد عن الواقدي. وقال أبو عمر: قدم زرارة في نصف رجب سنة تسع، وجمع باحتمال قدومه وحده في هذا التاريخ، ثم قدم مع قومه في التاريخ المبدأ به وهو سنة قدوم قومه وكانوا آخر الوفود، (فقال: يا رسول اللّه إني رأيت في طريقي هذا رؤيا) زاد في رواية: هالتني، وفي أخرى: رأيت في ١٠٠ الفصل الثاني في تعبيره عَّهِ الرؤيا أظنها قد حملت، قال: ((قد ولدت غلامًا وهو ابنك))، قال: فما باله أسفع أحوى؟ قال: ادن مني، فدنا منه، قال: ((هل بك برص تكتمه))؟ قال: نعم والذي بعثك بالحق ما رآه مخلوق ولا علم به أحد، قال: ((فهو ذاك)). قال: ورأيت النعمان بن المنذر وعليه قرطان ودملجان ومسكتان، قال: ((ذلك مُلْك العرب رجع إلى أحسن زيه وبهجته)). قال: ورأيت عجوزًا شمطاء تخرج من الأرض، قال: تلك بقية الدنيا. قال: ورأيت نارًا خرجت من الأرض فحالت بيني وبين ابن لي يقال له عمرو، ورأيتها تقول: لظى لظى، بصير وأعمى، آكلكم آكلكم وأهلكم ومالكم فقال سفري هذا عجبًا، (رأيت أنانا) (بفوقية ونون) الأنثى من الحمير، ولا يقال: إتائة، قاله ابن السكيت (تركتها في الحي،) وفي رواية: خلفتها في أهلي، (ولدت جديًا) الذكر من أولاد المعز (أسفع) (بفتح فسكون ففتح أسود مشرب بحمرة)، (أحوى) كالتأكيد لما قبله، (فقال له رسول اللَّه عَّه: هل لك من امرأة تركتها مصرة حملاً؟) (اسم فاعل من أصر على الشىء أقام عليه)، والمراد أن حملها محقق ثابت، (قال: نعم تركت أمة أظنها قد حملت، قال: ((قد ولدت غلامًا وهو ابنك))) جملة استئنافيه دفع بها ما قد يدخل عليه من الريبة إذا رأى اللون الغريب، (قال: فما باله أسفع أحوى،) أي ما الحال الداعي إلى مجيئه بهذا اللون المخالف للون أبيه، (قال: ادن مني، فدنا منه، قال: ))هل بك برص تكتمه؟)) استفهام تقريري أريد به طلب اعترافه به ليرتب عليه الجواب، فيكون ألزم للحجة، وأمره بالقرب منه لعلمه أنه يخفيه، (قال: نعم) هو بي، ولكن (والذي بعثك بالحق ما رآه مخلوق، ولا علم به أحد) غيرك، فهذا من آياته عَّ﴾ (قال: ((فهو ذاك))) أي اللون الذي في ابنك أثر البرص الذي فيك. (قال) زرارة: (ورأيت النعمان بن المنذر) ملك العرب (وعليه قرطان) (بضم القاف تثنية قرط، وهو ما يعلق في شحمتي الاذن) (ودملجان) (بضم الدال وضم اللام وفتحها شىء يشبه السوار) (ومسكتان) (بفتح الميم والسين المهملة سواران)، (قال: ((ذلك ملك) (بضم فسكون) (العرب، رجع إلى أحسن زيه) (بكسر الزاي وشد الياء هيئته) (وبهجته))) حسنه لأن النعمان كان ملكًا على العرب، فالمعنى عادت العرب إلى ما كانوا عليه من العز والشرف، وذهبت غلبة الفرس والعجم بظهوره عَّهُ (قال: ورأيت عجوزًا شمطاء) (بزنة حمراء أبيض شعر رأسها)، (تخرج من الأرض، قال: ((تلك بقية الدنيا)))) فلم بيق منها إلا القليل بالنسبة للماضي، كالباقي من عمر العجوز مما مضى، (قال: ورأيت نارًا خرجت من الأرض، فحالت بيني وبين ابن لي