Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
الفصل الثاني في تعبيره عَّة الرؤيا
الأنبياء - صلوات اللَّه وسلامه عليهم - ورؤياهم كلها صدق، وقد يقع فيها ما
يحتاج إلى تعبير.
والصالحون: والأغلب على رؤياهم الصدق، وقد يقع فيها ما لا يحتاج إلى تعبير.
ومن عداهم، يقع في رؤياهم الصدق والأضغاث، وهم على ثلاثة أقسام:
مستورون، فالغالب استواء الحال في حقهم، وفسقة فالغالب على رؤياهم الأضغاث
ويقل فيها الصدق.
وكفار: ويندر في رؤياهم الصدق جدّاً، ويشير إلى ذلك قوله عَّ ◌ُله: ((وأصدقهم
رؤيا أصدقهم حديثًا))، أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة.
وقد وقعت الرؤيا الصادقة من بعض الكفار كما في رؤيا صاحب السجن مع
يوسف عليه الصلاة والسلام، ورؤيا ملكهم وغير ذلك.
وقد روى الإمام أحمد مرفوعًا، وصححه ابن حبان حديث أبي سعيد:
ورؤياهم كلها صدق،) وغالبها لا يحتاج إلى تعبير، (وقد يقع فيها ما يحتاج إلى تعبير،) كرؤيا
يوم أحد، (والصالحون والأغلب على رؤياهم الصدق،) واحتياجها إلى تعبير، (وقد يقع فيها
ما لا يحتاج إلى تعبير) بأن يقع يقظة، كما رأوا في المنام، ويندر فيها الأضغاث لشغل بال
وتغير مزاج ونحو ذلك، (ومن عداهم يقع في رؤياهم الصدق والأضغاث، وهم على ثلاثة
أقسام: مستورون، فالغالب استواء الحال في حقهم) من جهة رؤياهم، (وفسقة والغالب على
رؤياهم الأضغاث، ويقل فيها الصدق) لا جدًا، (وكفار ويندر:) يقل (في رؤياهم الصدق
جدًا، ويشير إلى ذلك قوله تعَّةٍ: ((وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثًا))).
(أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة،) وأوله إذا اقترب الزمان كما مر قريبًا، لكن بلفظ
أصدقكم (بالكاف) في الموضعين، وهو الذي رأيته في مسلم، (وقد وقعت الرؤيا الصادقة من
بعض الكفار كما في رؤيا صاحب السجن،) أحدهما يعصر خمرًا، والآخر يحمل فوق رأسه
خبزًا تأكل الطير منه (مع يوسف عليه الصلاة والسلام،) أي اللذين دخلا السجن معه (ورؤيا
ملكهم) سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات، (وغير
ذلك) كما حكى أن جالينوس غلظ طحاله فعجز عن علاجه، فرأى في المنام ملكًا أمره بقصد
عرق بين الخنصر والبنصر فبرىء، وأنه عرض له ورم في المحل الذي يتصل منه بالحجاب،
فأمره اللَّه في المنام بغصد العرق الضارب من كفه اليسرى فبرىء، وذلك لأن الكافر وإن لم يكن
محلاً للصدق، لكن لا يمتنع أن يرى ما يعود عليه بخير في دنياه.
(وقد روى الإمام أحمد) والترمذي والدارمي (مرفوعًا وصححه ابن حبان حديث

٦٢
الفصل الثاني في تعبيره عَّه الرؤيا
أصدق الرؤيا بالأسحار. وذكر الإمام نصر بن يعقوب الدينوري أن الرؤيا أول الليل
يبطىء تأويلها، ومن النصف الثاني يسرع بتفاوت أجزاء الليل، وإن أسرعها تأويلاً
رؤيا السحر، ولاسيما عند طلوع الفجر، وعن جعفر الصادق أسرعها تأويلاً رؤيا
القيلولة، وعند محمد بن سيرين: رؤيا الليل مثل رؤيا النهار، والنساء كالرجال، وعن
القيرواني: إن المرأة إذا رأت ما ليست له أهلاً فهو لزوجها، وكذا حكم العبد
لسيده، كما أن رؤيا الطفل لأبويه.
ومن مرائيه الكريمة عليه الصلاة والسلام: شربه اللبن وتعيره بالعلم، كما في
حديث ابن عمر عند البخاري قال: سمعت رسول اللَّه عٍَّ يقول: بينا أنا نائم
أبي سعيد: أصدق الرؤيا بالإسحار) سبق شرحه قريبا.
(وذكر الإمام نصر بن يعقوب الدينوري أن الرؤيا أول الليل يبطىء تأويلها) إلى النصف
الأول، (ومن النصف الثاني يسرع بتفاوت أجزاء الليل،) فكلما قرب من آخره كان أسرع مما
قبله، (وإن أسرعها تأويلاً رؤيا السحر) قبيل الصبح بين الفجرين، (ولا سيما عند طلوع الفجر)
الصادق.
(وعن جعفر) بن محمد (الصادق: أسرعها تأويلاً رؤيا القيلولة:) نصف النهار، أي
بالنهار، فلا يخالف الحديث.
(وعن محمد بن سيرين) التابعي المشهور، العالم بالتعبير: (رؤيا الليل مثل رؤيا النهار،
و) رؤيا (النساء كالرجال،) أي كرؤياهم.
(وعن) علي (القيرواني) العابر: (أن المرأة إذا رأت ما ليست له أهلاً فهو لزوجها،
وكذا حكم) رؤيا (العبد لسيده، كما أن رؤيا الطفل لأبويه) إن لم يكن كل أهلاً، كما صرح به
في الألفية، فقال:
والعبد رؤياه تخص المولى وما ترى المرأة نال البعلا
وانقل إلى الوالد رؤيا الطفل إن كان هؤلاء غير أهل
(ومن مرائيه الكريمة عليه الصلاة والسلام شربه اللبن وتعبيره بالعلم) لا يظهر عطفه
على ما قبله، فإما أن يقدر في الأول من مرائيه وتعبيراته، أو يقدر في الثاني، ومن تعبيراته تعبيره
بالعلم، (كما في حديث ابن عمر عند البخاري) في العلم والمناقب والتعبير في ثلاثة مواضع.
وكذا أخرجه مسلم في الفضائل من طرق كلها عنا. الشيخين تدور على ابن شهاب، عن
حمزة بن عبد الله بن عمر، عن أبيه (قال: سمعت رسول اللَّه عَّ ◌ُّه يقول: بينا) بغير ميم، كما
ضبطه المصنف في المواضع المذكورة (أنا نائم أتيت) (بضم الهمزة) (بقدح لبن، فشربت

٦٣
الفصل الثاني في تعبيره عَّ الرؤيا
أتيت بقدح لبن فشربت منه، حتى إني لأرى الري يخرج في أظفاري، ثم أعطيت
فضلي، يعني عمر، قالوا: فما أولته؟ قال: العلم.
منه،) أي من اللبن وأكثرت، (حتى إني) (بكسر الهمزة) لوقوعها بعد حتى الابتدائية وفتحها
على جعلها جاره (لأرى) (بفتح الهمزة) من الرؤية، ويؤيده رواية المناقب: حتى أنظر (الري)
(بكسر الراء وشد الياء) على الرواية.
وحكى الجوهري: الفتح أيضًا، وقيل: (بالكسر الفعل، وبالفتح المصدرية)، ورؤية الري
على سبيل الاستعارة، كأنه لما جعل الري جسمًا أضاف إليه ما هو من خواص الجسم، وهو
كونه مرئيًا (يخرج في أظفاري) جمع ظفر وفي، بمعنى على نحو في جذوع النخل، أي عليها،
وتكون بمعنى يظهر عليها، والظفر إما منشأ الخروج أو ظرفه، والجملة في موضع نصب على
الحال إن قدرت الرؤية بمعنى الإبصار، ومفعول ثان لأرى إن قدر بمعنى العلم، واللام للتأكيد،
وعبر بصيغة المضارع، والأصل أنه ماض استحضار الصورة الحال، (ثم أعطيت فضلي،) أي ما
فضل من القدح الذي شربت منه، (يعني عمر).
كذا في إحدى روايات البخاري في التعبير: وكان بعض رواته شك وله في العلم.
وفي الرواية الثانية في التعبير: فأعطيت فضلي عمر بن الخطاب، وفي المناقب: ثم ناولت
عمر، وفي الرواية الثالثة في التعبير: ثم أعطيت فضلته عمر، أي فضلة اللبن.
(قالوا:) وفي رواية للبخاري في التعبير، فقال من حوله: (فما أولته،) أي عبرته، (قال
العلم) (بالنصب)، أي أولته العلم وبالرفع، أي المؤول به هو العلم.
وفي رواية سفين بن عيينة عن الزهري عند سعيد بن منصور: ثم ناول عمر فضله، قال: ما
أولته، وظاهره أن السائل عمر، ووقع في جزء، الحسن بن عرفة من وجه آخر عن ابن عمر؛
أنه عَِّ قال لهم: ((أولوها))، قالوا: يا نبي اللَّه هذا العلم الذي آتاكه اللَّه حتى إذا امتلأت فضلت
منه فضلة، فأخذها عمر، قال: أصبتم، وإسناده ضعيف، فإن كان محفوظًا احتمل أن يكون
بعضهم أول، وبعضهم سأل، أو أن هذا وقع أولاً، ثم احتمل عندهم أن يكون عنده في تأويلها
زيادة على ذلك، فقالوا ما أولته، ووجه التعبير بذلك من جهة اشتراك اللبن والعلم في كثرة
المنافع، وكونهما سببًا للصلاح، فاللبن للغذاء البدني، والعلم للغذاء المعنوي، وفيه فضل عمر،
وإن من شأن عمر الرؤيا، أن لا تحمل على ظاهرها وإن كانت رؤيا الأنبياء من الوحي، لكن منها
ما يحتاج إلى تعبير، ومنها ما يحمل على ظاهره، والمراد بالعلم هنا العلم بساسة الناس،
بكتاب الله وسنة رسوله، واختص عمر بذلك لطول مدته بالنسبة إلى أبي بكر، وباتفاق الناس على
طاعته بالنسبة إلى عثمن، فإن مدة أبي بكر كانت قصيرة، فلم تكثر فيها الفتوح التي هي أعظم

٦٤
الفصل الثاني في تعبيره عَّة الرؤيا
وفي رواية الكشميهني: من أظافيري، وفي رواية صالح بن كيسان: من
أطرافي.
وهذه الرؤية يحتمل أن تكون بصرية، وهو الظاهر، ويحتمل أن تكون علمية،
ويؤيد الأول: ما أخرجه الطبراني والحاكم من طريق أبي بكر بن عبد الله بن عمر
عن أبيه عن جده في هذا الحديث: فشربت حتى رأيته يجري في عروقي بين الجلد
واللحم، على أنه محتمل أيضًا.
قال بعض العارفين: الذي خلص اللبن من بين فرث ودم قادر على أن يخلق
المعرفة من بين شك وجهل، وهو كما قال، لكن اطردت العادة بأن العلم بالتعلم
الأسباب في الاختلاف، ومع ذلك فساس عمر فيها مع طول مدته الناس، بحيث لم يخالفه أحد،
ثم ازدادت اتساعًا في خلافة عثمن، فانتشرت الأقوال واختلفت الآراء، ولم يتفق له ما اتفق لعمر
من طواعية الخلق له، فنشأت الفتن من ثم إلى أن أفضى الأمر إلى قتله، استخلف علي فما ازداد
الأمر إلا اختلافًا والفتن إلا انتشارًا، قاله الحافظ في موضعين.
(وفي رواية الكشميهني) للبخاري: (من أظافيري:) جمع أظفور كأسبوع وأسابيع بدل
قوله في الرواية الأولى في أظفاري.
(وفي رواية صالح بن كيسان) عن ابن شهاب، بسنده عند البخاري في التعبير: حتى
إني لأرى الري يخرج (من أطرافي) بدل في أظغاري.
وفي رواية المناقب: يجري في ظفري أو أظفاري بالشك، (وهذه الرؤية) حتى لأرى
الري، (يحتمل أن تكون بصرية وهو الظاهر،) ويؤيده رواية المناقب: حتى أنظر إلى الري،
(ويحتمل أن تكون علمية، ويؤيد الأول) البصرية، (ما أخرجه الطبراني والحاكم من طريق
أبي بكر بن سالم بن عبد الله بن عمر) تابعي صغير، وثقه العجلي، وروى له الشيخان (عن
أبيه) سالم أحد الفقهاء، (عن جده في هذا الحديث: فشربت) من اللبن (حتى رأيته يجري
في عروقي بين الجلد واللحم على أنه محتمل أيضًا،) لأن تكون رؤيا علمية، فلا يؤيد
الأول.
(قال بعض العارفين) عبارته على البخاري، قال القاضي أبو بكر بن العربي: (الذي خلص
اللبن من بين فرث ودم قادر على أن يخلق) أي يوجد (المعرفة من بين شك وجهل) زاد في
الفتح: ويحفظ العمل عن غفلة وزلل. انتهى.
والمراد من هذه العبارة أن حال الرائي من حيث هو متردد بين أن لا يعلم من حال رؤياه
شيئًا يؤولها به، وبين أن يتخيل شيئًا منها لا يجزم به، فيتردد في المراد منها، واللّه قادر على أن

٦٥
الفصل الثاني في تعبيره عَد الرؤيا
والذي ذكره قد يكون خارقًا للعادة فيكون من باب الكرامة.
وقال العارف ابن أبي جمرة: تأول النبي عَّ اللبن بالعلم اعتبارًا بما بين له
أول الأمر حين أتى بقدح خمر وقدح لبن، فأخذ اللبن فقال له جبريل: أخذت
الفطرة، انتهى.
وقد جاء في بعض الأحاديث المرفوعة تأويله بالفطرة، كما أخرجه البزار من
حديث أبي هريرة رفعه: اللبن في المنام فطرة.
يخلق المعرفة، وهي العلم المطابق للواقع فيمن أراد، فيدركه ويجزم به.
وفي الفتح قال ابن العربي: اللبن رزق يخلقه اللَّه طيبًا بين أخباث من دم وفرث، كالعلم
يظهره اللَّه في ظلمة الجهل، فضرب به المثل في المنام، (وهو كما قال لكن اطردت العادة
بأن العلم بالتعلم).
وفي حديث مرفوع: ((وإنما العلم بالتعلم))، (والذي ذكره قد يكون خارقًا للعادة، فيكون
من باب الكرامة،) والمراد أن خلق المعرفة قد يكون على العادة من تحصيله بالتعلم، فلا يكون
كرامة، وقد يكون بإلهام من الله تعالى من غير تعب، وهو اللدني، فيكون كرامة لمن أوتيها، كما
إليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿وعلمناه من لدنا علمًا﴾ [الكهف: ٦٥].
(وقال العارف ابن أبي جمرة: تأول) عبر (النبي عَّ اللبن بالعلم، اعتبارًا بما بين له
أول الأمر حين أتى) في الإسراء (بقدح خمر وقدح لبن، فأخذ اللبن، فقال له جبريل: أخذت
الفطرة. انتهى).
أي الحق الذي أمر الله به من فعل الطاعات وترك المحرمات، وقيل غير ذلك مما سبق
في المعراج.
وفي رواية: فقال له جبريل: الحمد لله الذي هداك للفطرة (وقد جاء في بعض الأحاديث
المرفوعة تأويله بالفطرة) (بكسر الفاء وسكون الطاء)، زاد في الفتح والسنة والقرآن، (كما
أخرجه البزار) بإسناد حسن (من حديث أبي هريرة، رفعه: ((اللبن في المنام فطرة))) لأن العالم
القدسي تصاغ فيه الصور من العالم الحسي لتدرك منه المعاني، ولما كان اللبن في عالم الحس
من أول ما يحصل به التربية ويرشح به المولود، صيغ عنه مثال الفطرة التي بها تتم القوة
الروحانية، وتنشأ عنها الخاصة الإنسانية، ذكره بعضهم.
وقيل: الفطرة هنا علم التوحيد لا غيره فهو الفطرة التي فطر الحق عليها عباده حتى
أشهدهم حين قبضهم من ظهورهم: ألست بربكم، قالوا: بلى، فشاهدوا الربوبية قبل كل شيء
انتھی.

٦٦
الفصل الثاني في تعبيره عَّ الرؤيا
وقد ذكر الدينوري: أن اللبن المذكور في هذا يختص بلبن الإبل، وأنه لشاربه
مال حلال وعلم، قال: ولبن البقر خصب السنة ومال حلال وفطرة أيضًا، ولبن
الشاة مال وسرور وصحة جسم، وألبان الوحش شك في الدين، وألبان السباع غير
محمودة، إلا أن لبن اللبوة مال مع عداوة لذي أمر.
وفي الحديث: إن علم النبي عَّهِ باللَّه لا يبلغ أحد درجته فيه، لأنه شرب
حتى رأى الري يخرج من أظفاره.
وأما إعطاؤه فضله لعمر، ففيه إشارة إلى ما حصل لعمر من العلم بالله
بحيث كان لا تأخذه في الله لومة لائم، ووجه التعبير في الحديث بذلك من جهة
اشتراك اللبن والعلم في كثرة النفع، وكونهما سببًا للصلاح، فاللبن للغذاء البدني،
(وقد ذكر الدينوري: أن اللبن المذكور في هذا) الحديث (يختص بلبن الإبل، وأنه
لشاربه مال حلال وعلم، قال: ولبن البقر) عراب أو جواميس (خصب السنة ومال حلال وفطرة
أيضًا، ولبن الشاة) ضأن أو معز (مال وسرور وصحة جسم،) وفي ألفية ابن الوردي قال:
وكل ما حل من الألبان مال حلال كالظبا والضأن
(وألبان الوحش) مما لا يتأنس من دواب البر (شك في الدين) للشارب إما حالاً بأن
يكون متلبسًا بذلك حال الرؤيا، وإما استقبالاً بأن يطرأ عليه بعد، (وألبان السباع) (جمع سبع
بضم الباء وتسكن)، يطلق على كل ما له ناب ويفترس، فهو من جملة الوحوش، فشربها شك
في الدين، فلعله خصها بالذكر إشارة إلى أن فيها مضرة دنيوية أيضًا.
ولذا قال: (غير محمودة) لشاربها (إلا أن لبن اللبوة) أنثى الأسد (مال مع عداوة لذي
أمر،) أي صاحب حكم، (وفي الحديث) من الفوائد: (أن علم النبي عَّةِ باللَّه لا يبلغ أحد
درجته فيه، لأنه شرب حتى رأى الري يخرج من أظفاره، وأما إعطاؤه فضله لعمر، ففيه
إشارة إلى ما حصل لعمر من العلم باللّه) والشدة في أمره، (بحيث كان لا تأخذه في الله
لومة لائم) فلا يرفق في القيام بالحق، وأبو بكر، وإن كان لا يقر على باطل، لكنه كان يعامل
بالرفق واللين، كما هو معلوم من سيرهما، وإليه أشار عَّه بقوله: ((أرأف أمتي بأمتي أبو بكر،
وأشدهم في أمر اللَّه عمر)).
وتقدم أن وجه اختصاصه بذلك لطول مدة خلافته بالنسبة إلى أبي بكر، (ووجه التعبير في الحديث
بذلك)، أي تعبير اللبن بالعلم (من جهة اشتراك اللبن والعلم في كثرة النفع) بهما،
(وكونهما سببًا للصلاح فاللبن) جعل محصلاً (للغذاء البدني) وهو إصلاحه بما يتغذى به من

٦٧
الفصل الثاني في تعبيره عن الرؤيا
والعلم للغذاء المعنوي.
ومن ذلك رؤيته عد القميص وتعبيره بالدين.
عن أبي سعيد الخدري رضي اللَّه عنه، عن النبي عَّ قال: ((بينا أنا نائم
رأيت الناس يعرضون علي وعليهم قمص منها ما يبلغ الثدي، ومنها ما يبلغ دون
ذلك، ومرّ عليَّ عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره)). قالوا: ما أولته يا رسول اللَّه؟
الطعام والشراب.
وفي الحديث: ليس شيء يجزي عن الطعام والشراب إلا اللبن، (والعلم للغذاء
المعنوي،) أي يحصل ما ينتفع به في الدين من تمييز الحق من الباطل، وإطلاق الغذاء عليه
مجاز تشبيهًا لما يحصل المنفعة في الدين بما يحصل المنفعة في البدن.
وفي الحديث أيضًا كما قال ابن أبي جمرة: مشروعية قص الكبير رؤياه على من دونه،
وإلقاء العالم المسائل، واختيار أصحابه في تأويلها، وإن من الأدب أن يرد الطالب علم ذلك إلى
معلمه، قال: والذي يظهر أنه لم يرد منهم أن يعبروها، وإنما أراد أن يسألوه عن تعبيرها، ففهموا
مراده، فسألوه فأفادهم، ولذلك ينبغي أن يسلك هذا الأدب في جميع الحالات.
(ومن ذلك) أي مرائيه وتعبيراته: (رؤيته عَّ القميص وتعبيره بالدين عن أبي سعيد)
سعد بن ملك بن سنان (الخدري رضي الله عنه) وعن أبيه، (عن النبي ◌َّهِ) أنه (قال: بينا)
(بغير ميم)، وفي رواية بالميم (أنا نائم رأيت الناس) من الرؤيا الحلمية على الأظهر، أو من الرؤية
البصرية، فتطلب مفعولاً واحدًا وهو الناس، فجملة يعرضون على حال، أو علمية من الرأي،
فتطلب مفعولين هما الناس (يعرضون علي) أي يظهرون لي، ويجوز رفع الناس، كما قال
الحافظ، ولعله بتقدير رأيت رؤيا، فقيل: ما هي؟، قال: هي الناس، وسقط لفظ على لأبي ذر
· وابن عساكر في التعبير، وثبت لغيره فيه كما في الإيمان وفي المناقب وفي التعبير أيضًا، عرضوا
علي (وعليهم قمص) (بضم القاف والميم) جمع قميص، (منها ما يبلغ الثدي) بالجمع والإفراد
روايتان، يكون للرجل والمرأة خلافًا لمن خصه بها، إلا أن يدعي أنه أطلق في الحديث على
الرجل مجازًا، (ومنها ما يبلغ دون ذلك، ومر علي) كذا عند البخاري في إحدى روايتيه في
التعبير، وفي الثانية كالإيمان والمناقب، وعرض علي (عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره)
لطوله، كذا في الإيمان والتعبير، وفيه أيضًا رواية يجتره.
قال المصنف: بسيكون الجيم بعدها فوقية مفتوحة ، ولابن عساكر يجره بضم الجيم
وإسقاط الفوقية، وفي المناقب: اجتمره (بهمزة وصل وسكون الجيم)، (قالوا: ما أولته،) أي
عبرته، وللكشميهني أوّلت بلا ضمير، وفي الإيمان: فما أوّلت ذلك (يا رسول اللَّه، قال: الدين)

٦٨
الفصل الثاني في تعبيره عَّة الرؤيا
قال: الدين، رواه البخاري.
وفي رواية الحكيم الترمذي في طبقة البخاري من طريق أخرى في هذا
الحديث، فقال أبو بكر: علامَ تأولت هذا يا رسول اللَّه.
قالوا و(الثدي) المثلثة وكسر الدال وتشديد الياء، جمع ثدي، بفتح ثم
سكون، والمعنى: أن القميص قصير جدًا بحيث لا يصير من الحلق إلى نحو السرة
بل فوقها ..
وقوله: ((ومنها ما يبلغ دون ذلك)) يحتمل أن يريد به من جهة السفل، وهو
الظاهر فيكون أطول، ويحتمل أن يكون دونه من جهة العلو فيكون أقصر، ويؤيد
الأول ما في رواية الحكيم الترمذي المذكورة: فمنهم من كان قميصه إلى سرته،
ومنهم من كان قميصه إلى ركبته بالإفراد، ومنهم من كان قميصه إلى أنصاف
ساقيه.
(بالنصب ويجوز الرفع)، (رواه البخاري) في التعبير في موضعين، وقبله في المناقب وقبله في
الإيمان، ورواه مسلم في الفضائل، كلاهما من طرق تدور على ابن شهاب، عن أبي أمامة بن
سهل، عن أبي سعيد.
(وفي رواية الحكيم الترمذي) محمد بن علي (من طبقة البخاري من طريق أخرى في)
روايته (هذا الحديث: فقال أبو بكر الصديق: علام) أي على أي معنى (تأولت هذا) المنام (يا
رسول اللَّه؟،) ففيه بيان أنه السائل، فالجمع في قوله قالوا كأنه لما سكتوا لهن سؤاله، فكأنهم
(قالوا: والثدي: بضم المثلثة وكسر الدال وتشديد الياء جمع ثدي بفتح ثم سكون) كما
رواه أبو ذر في التعبير في الموضعين وفي المناقب، ورواه غيره في الثلاثة بالإفراد، وأما في
الإيمان، فرواه أبو ذر بالإفراد، وغيره بالجمع، كما أفاده المصنف، (والمعنى أن القميص قصير
جدًا، بحيث لا يصير،) أي لا يمتد، وفي نسخة: لا يستر، وفي الفتح، وتبعه المصنف في
الشرح، بحيث لا يصل (من الحلق إلى نحو السرة بل فوقها) والمعنى واحد على الجميع.
(وقوله: ومنها ما يبلغ دون ذلك يحتمل أن يريد به،) أي بالدون (من جهة السفل، وهو
الظاهر، فيكون أطول) مما يبلغ الثدي، (ويحتمل أن يكون دونه من جهة العلو، فيكون
أقصر،) أي لم يبلغ الثدي.
(ويؤيد الأول ما في رواية الحكيم الترمذي المذكورة: فمنهم من كان قميصه إلى
سرته) (بضم السين) (ومنهم من كان قميصه إلى ركبته بالإفراد ومنهم من كان قميصه إلى

٦٩
الفصل الثاني في تعبيره عَّه الرؤيا
ويجوز النصب في قوله ((الدين)) والتقدير: أولت الدين، ويجوز الرفع.
وفي رواية الحكيم المذكورة: على الإيمان.
وقد قيل في وجه تعبير القميص بالدين أن القميص يستر العورة في الدنيا،
والدين يسترها في الآخرة ويحجبها عن كل مكروه، والأصل في قوله تعالى:
﴿ولباس التقوى ذلك خير﴾ [الأعراف/٢٦].
واتفق أهل التعبير على أن القميص يعبر بالدين، وأن طوله يدل على بقاء آثار
صاحبه من بعده. وقال ابن العربي: إنما أول النبي عَّةِ القميص بالدين، لأن الدين
يستر عورة الجهل، كما يستر القميص عورة البدن. قال: وأما غير عمر فالذي كان
إنصاف ساقيه) بجمع إنصاف كراهة توالي تثنيتين، (ويجوز النصب في قوله الدين) على أنه
معمول أولت، (والتقدير أولت الدين، ويجوز الرفع) أي هو الدين، وظاهره استواؤهما وليس
كذلك، فإن الحافظ قال: بالنصب، ويجوز الرفع، فمفاده أن الرواية بالنصب، وكذا جزم به
المصنف في الإيمان وغيره.
(وفي رواية الحكيم المذكورة) قال: (على الإيمان) أولته بدل قوله: قال الدين (وقد
قيل في وجه تعبير القميص بالدين أن القميص يستر العورة في الدنيا، والدين يسترها في
الآخرة ويحجبها عن كل مكروه) فهو من التشبيه البليغ، لأنه يستر العورة، والدين يستره من
النار، كما قال المصنف، (والأصل فيه قوله تعالى: ﴿ولباس التقوى﴾) العمل الصالح، أو
السمت الحسن، أو خشية اللَّه، أو لباس الحرب، بالنصب عطفًا على لباسًا، والرفع مبتدأ خبره
(﴿ذلك خير﴾) أو الخير خير وذلك صفته كأنه قيل: ولباس التقوى المشار إليه، ولم يقل
المصنف الآية، وإن وقعت في الفتح، لأن الاستدلال لا يتوقف على تمامها، وهم إنما يقولون الآية
إذا كان في باقيها تمام الاستدلال.
(واتفق أهل التعبير على أن القميص يعبر بالدين، وأن طوله يدل على بقاء آثار صاحبه
من بعده) وذلك مناسب لحال عمر فإن دينه متين وآثاره باقية.
(وقال ابن العربي: إنما أول النبي ◌َّ القميص بالدين، لأن الدين يستر عورة الجهل)
فيشمل الإنسان ويحفظه ويمنعه من المخالفات، (كما يستر القميص عورة البدن،) فوجه الشبه
الستر والشمول، ولا يشكل ظاهره بأنه يستلزم فضل عمر على أبي بكر، لأن المراد بالأفضل
الأكثر ثوابًا والأعمال علاماته، فمن كان عمله أكثر فدينه أقوى، ومن كان دينه أقوى فثوابه أكثر،
ومن كان ثوابه أكثر فهو أفضل، لأنه ليس في الحديث تصريح بالمطلوب، فيحتمل أن أبا بكر

٧٠
الفصل الثاني في تعبيره عَّ الرؤيا
يبلغ الثدي هو الذي يستر القلب عن الكفر ولو كان يتعاطى المعاصي، لأنه لا يخرج
بها عن الإيمان، والذي كان يبلغ أسفل من ذلك وفرجه بادٍ هو الذي يستر رجله
عن المشي إلى المعصية، والذي يستر رجله هو الذي احتجب بالتقوى من جميع
الوجوه، والذي يجر قميصه زاد على ذلك بالعمل الصالح الخالص.
وأشار العارف ابن أبي جمرة: إلى أن المراد بالناس في هذا الحديث: المؤمنون،
لتأويله القميص بالدين، قال: والذي يظهر أن المراد خصوص هذه الأمة المحمدية،
بل بعضها، والمراد بالدين العمل بمقتضاه، كالحرص على امتثال الأوامر واجتناب
المناهي، وكان لعمر في ذلك المقام العالي.
قال: ويؤخذ من هذا الحديث، أن كل ما يرى في القميص من حسن أو
غيره فإنه يعبر بدين لابسه، قال: والنكتة في القميص أن صاحبه إذا اختار نزعه،
لم يعرض في أولئك الناس، إما لأنه عرض عليه قبل ذلك، وإما لأنه لا يعرض أصلاً، أو أنه لما
عرض كان عليه قميص أطول من قميص عمر، وسكت عن ذكره اكتفاءً بما علم من فضله، أو
لأن المراد حينئذٍ بيان فضيلة عمر، فاقتصر عليها، أو ذكر أبا بكر، فذهل عنه الراوي.
وعلى التنزل بأن الأصل عدم جميع هذه الاحتمالات، فهو معارض بالأحاديث الدالة على
أفضلية الصديق، وقد تواترت تواترًا معنويًا، فهو المعتمد، كما أفاده الحافظ في محلين.
(قال) ابن العربي: (وأما غير عمر، فالذي كان يبلغ الثدي هو الذي يستر القلب
عن الكفر) لقرب الثدي من القلب، (ولو كان يتعاطىء المعاصي لأنه لا يخرج بها عن الإيمان،
والذي كان يبلغ أسفل من ذلك) أي الثدي (وفرجه باد، هو الذي لم يستر رجله عن
المشي في المعصية) بأن يمشي فيها، (والذي يستر رجله هو الذي احتجب بالتقوى من
جميع الوجوه،) فلم يفعل معصية، (والذي يجر قميصه زاد على ذلك بالعمل الصالح
الخالص) للَّه تعالى.
(وأشار العارف ابن أبي جمرة إلى أن المراد بالناس في هذا الحديث المؤمنون
لتأويله القميص بالدين) وإن كان لفظ الناس عامًا (قال: والذي يظهر أن المراد خصوص هذه
الأمة المحمدية،) أي مؤمنوها، (بل بعضها، والمراد بالدين العمل بمقتضاه، كالحرص على
امتثال الأوامر واجتناب المناهي، وكان لعمر في ذلك المقام العالي) الذي لا يساويه فيه من
بعده.
(قال: ويؤخذ من الحديث أن كل ما يرى في القميص من حسن أو غيره، فإنه يعبر
بدين لابسه،) لأن المصطفى عبر الطول بالدين، فعلى قياسه: إذا كان حسنًا، فلابسه حسن

٧١
الفصل الثاني في تعبيره عَّة الرؤيا
وإذا اختار أبقاه، فلما ألبس اللَّه المؤمنين لباس الإيمان واتصفوا به كان الكامل في
ذلك سابغ الثوب، ومن لا فلا، وقد يكون نقص الثوب بسبب نقص الإيمان، وقد
يكون بسبب نقص العمل.
وفي الحديث: إن أهل الدين يتفاضلون في الدين بالقلة والكثرة، والقوة
والضعف، وهذا من أمثلة ما يحمد في المنام ويذم في اليقظة شرعًا، أعني جر
القميص، لما ورد من الوعيد في تطويله.
ومن ذلك رؤيته عليه الصلاة والسلام السوارين الذهب في يده الشريفة
وتعبيرهما بالكذابين.
روى البخاري عن عبيد الله بن عبد الله قال: سألت عبد الله بن عباس عن
رؤيا النبي عَّ التي ذكرها فقال ابن عباس ذكر لي أن رسول اللَّه عَ لَّه قال: بينا أنا
الدین، وإن کان قبيحا فلابسه ناقص الدين.
(قال: والنكتة في القميص أن صاحبه إذا اختار) نزعه (نزعه) (بفتحات) جواب إذا وما
قدرته (بفتح فسكون) مفعول اختار، (وإذا اختار) بقاءه (أبقاه، فلما ألبس اللَّه المؤمنين لباس
الإيمان واتصفوا به كان الكامل في ذلك سابغ الثوب) أي طويله (ومن لا فلا، وقد يكون
نقص الثوب بسبب نقص الإيمان) لأنه يزيد وينقص على المذهب المنصور، (وقد يكون بسبب
نقص العمل) وإن كان كامل الإيمان.
(وفي الحديث) من الفوائد إفادة (أن أهل الدين يتفاضلون في الدين بالقلة والكثرة
والقوة والضعف،) ولذا بوّب عليه البخاري تفاضل أهل الإيمان في الأعمال، (وهذا من أمثلة ما
يحمد في المنام، ويذم في اليقظة شرعًا، أعني جر القميص لما ورد من الوعيد في
تطويله) بنحو خبر: ((لا ينظر الله إلى من يجر إزاره خيلاء))، وفيه أيضًا مشروعية تعبير الرؤيا
وسؤال العالم بها عن تعبيرها، ولو كان هو الرائي، وفيه الثناء على الفاضل بما فيه لإظهار منزلته
عند السامعين، ومحله إذا أمن عليه الفتنة بالمدح، كالإعجاب، وفضيلة عمر ظاهرة، (ومن ذلك:
رؤيته عليه الصلاة والسلام السوارين الذهب في يده الشريفة وتعبيرهما بالكذابين).
(روى البخاري) في التعبير وقبله في المغازي، (عن عبيد الله) (بضم العين) (ابن
عبد اللَّه) (بفتحها) ابن عتبة بن مسعود، أحد الفقهاء، (قال: سألت عبد الله بن عباس عن رؤيا
النبي ◌َّ التي ذكرها) في شأن مسيلمة الكذاب.
وعند البخاري في المغازي: أن مسيلمة قدم المدينة، فأتاه مَّه ومعه ثابت بن قيس، وفي
يده عَلِّ قضيب، فكلمه، فقال له مسيلمة: إن شئت خلينا بينك وبين الأمر، ثم جعلته لنا بعدك،

٧٢
الفصل الثاني في تعبيره عَّةِ الرؤيا
نائم رأيت أنه وضع في يديّ سواران من ذهب ففظعتهما وكرهتهما، فأُذِنَ لي
فنفختهما فطارا، فأولتهما كذابين يخرجان. فقال عبيد اللَّه: أحدهما العنبسي الذي
قتله فيروز باليمن، والآخر مسيلمة.
فقال عَّه: ((لو سألتني هذا القضيب ما أعطيتكه، وإني لا أراك الذي أريت فيه ما أريت)).
قال عبيد اللَّه: فسألت ابن عباس عن رؤياه التي ذكرها، (فقال ابن عباس: ذكر لي)
(بضم أوله مبنيًا للمفعول) وإبهام الصحابي لا يقدح، والذاكر له أبو هريرة، كما في الصحيحين
من طريق نافع بن جبير.
قال ابن عباس: فأخبرني أبو هريرة (أن رسول اللَّه عَّل قال: بينا) بغير ميم، قاله
المصنف في المحلين (أنا نائم رأيت أنه وضع) (بضم الواو) (في يدي) (بالتثنية) (سواران)
(تثنية سوار بالكسر، ويجوز الضم)، ولأبي ذر إسواران (بكسر الهمزة وسكون المهملة تثنية إسوار
لغة في سوار) (من ذهب) من لبيان الجنس، كقوله تعالى: ﴿وحلوًا أساور من فضة﴾
[الإنسان: ٢١]، فهي القلب، (ففظعتهما) بفاء وظاء مشالة بعدها عين مهملة)، يقال: فظع
الأمر، فهو فظيع إذا جاوز المقدار، قال ابن الأثير: الفظيع الأمر الشديد، وجاء هنا متعديًا،
والمعروف: فظعت به وفظعت منه، فتحمل التعدية على المعنى أي خفتهما أو معنى
نظعتهما اشتد علي أمرهما.
قال الحافظ: ويؤيد الثاني رواية: فكبرا علي، (وكرهتهما) لكونهما من حلية النساء، وهو
عطف مسبب على سبب، أي كرهتهما لشدة أمرهما وقبحه، (فأذن لي) (بضم الهمزة وكسر
المعجمة).
وفي رواية نافع عن ابن عباس: فأوحي إلي في المنام أن أنفخهما، (فنفختهما فطارا
فأولتهما كذابين يخرجان) أي تظهر شوكتهما ومحاربتهما، (فقال عبيد اللّه:) (بضم العين)
ابن عبد اللَّه، المذكور في السند، (أحدهما العنبسي) (بمهملة فنون ساكنة فسين مهملة)، وهو
الأسود صاحب صنعاء، كما في الرواية الثانية، واسمه عبهلة (بفتح العين المهملة وسكون
الموحدة وفتح الهاء) ابن كعب، وكان يقال له أيضًا: ذو الحمار، لأنه كان يخمر وجهه، وقيل:
هو اسم شيطانه، وقول الكرماني: لأنه علم حمارًا إذا قال له اسجد يخفض رأسه، يقتضي أنه
بحاء مهملة، والمعروف أنه بالخاء المعجمة، بلفظ الثوب الذي يختمر به، كما أفاده الحافظ
(الذي قتله فيروز) الديلمي الصحابي (باليمن) لما خرج بصنعاء وادعى النبوة، وغلب على
عاملها للنبي عَّهِ المهاجر بن أبي أمية المخزومي، وأخرجه منها، ويقال: أنه مر به، فلما حاذاه
عثر الحمار، فادعى أنه سجد له، ولم يقم الحمار حتى قال له شيئًا، فقام.
روى يعقوب بن سفين والبيهقي من طريقه من حديث النعمان بن بزرج (بضم الموحدة
(

٧٣
الفصل الثاني في تعبيره عَّ الرؤيا
وفي رواية أبي هريرة عند الشيخين: بينا أنا نائم إذ أتيت خزائن الأرض
وسكون الزاي)، ثم راء مضمومة، ثم جيم قال: خرج الأسود الكذاب ومعه شيطانان، يقال
لأحدهما سحيق (بمهملتين وقاف مصغر)، والآخر شقيق (بمعجمة وقافين مصغر)، وكانا يخبرانه
بكل شيء يحدث من أمور الناس، فلما مات باذان عامل النبي معَِّ بصنعاء، جاء شيطان الأسود،
فأخبره، فخرج في قومه حتى ملك صنعاء، وتزوج المرزبانة زوجة باذان، فذكر القصة في
مواعدتها فيروز وغيره، فدخلوا على الأسود ليلاً، وقد سقته المرزبانة الخمر صرفًا حتى سكر،
و کان على بابه ألف حارس، فنقب فيروز ومن معه الجدار حتى دخلوا، فقتله فیروز واحتز رأسه،
وأخرجوا المرأة وما أحبوا من متاع البيت، وأرسلوا الخبر إلى المدينة، فوافى بذلك عند وفاة
النبي معلٍّ.
قال أبو الأسود عن عروة: أصيب الأسود قبل وفاته عَّه بيوم أو ليلة، فأتاه الوحي، فأخبر
أصحابه، ثم جاء الخبر إلى أبي بكر، وقيل: وصل الخبر بذلك صبيحة دفنه عَّهُ: (والآخر
مسيلمة) (بكسر اللام) مصغر ابن ثمامة، بضم المثلثة ابن كبير، بموحدة ابن حبيب بن الحرث
من بني حنيفة، قال ابن إسحق: ادعى النبوة سنة عشر، وزعم بعضهم أن مسيلمة لقب واسمه
ثمامة، فيه نظر لأن كنيته أبو ثمامة، فإن كان محفوظًا، فيكون ممن توافقت كنيته واسمه،
فجمع جموعًا كثيرة ليقاتل الصحابة، فجهز له الصديق جيشًا، أميرهم خالد بن الوليد، فقتل جمع
من الصحابة، ثم كان الفتح بقتل مسيلمة، قتله عبد اللَّه بن زيد بن عاصم المازني على الأشهرِ،
وقيل: عدي بن سهل، وقيل: وحشي بالحربة التي قتل بها حمزة، وقيل: أبو دجانة، ولعل عبد الله
هو الذي أصابته ضربته، وحمل عليه الباقون، ثم ما في هذه الرواية من أن النص على أسمهما من
عبيد الله قد جاء عن النبي عَّةٍ، عند الشيخين من رواية نافع بن جبير، عن ابن عباس، عن
أبي هريرة، ولفظه: فأوّلتهما كذابين يخرجان بعدي، أحدهما العنسي صاحب صنعاء، والآخر
مسيلمة صاحب اليمامة.
قال عياض: النص على اسمهما في هذه الرواية التي بعدها هو من النبي عَةُ، وعند ابن
أبي شيبة من مرسل الحسن، رفعه: ((رأيت كأن في يدي سوارين من ذهب فكرهتهما فذهبا
کسری وقیصر».
قال الحافظ: هذا إن كان الحسن أخذه عن ثبت، فظاهره يعارض التفسير بمسيلمة
والأسود، فيحتمل أن يكون تعددًا، والتفسير من قبله بحسب ما ظنه أدرج في الخبر فالمعتمد ما
ثبت مرفوعًا أنهما الأسود ومسيلمة.
(وفي رواية أبي هريرة عند الشيخين) في التعبير فالبخاري عن شيخه إسحق بن راهويه،
وفي المغازي عن شيخه إسحق بن نصر، ومسلم عن شيخه محمد بن رافع، ثلاثتهم عن

٧٤
الفصل الثاني في تعبيره عَّ الرؤيا
فوضع في يديّ سواران من ذهب، فكبر علي وأهماني، فأوحي إلي أن أنفخهما
فنفختهما، فأولتهما بالكذابين اللذين أنا بينهما، صاحب صنعاء وصاحب اليمامة.
عبد الرزاق، عن معمر، عن همام أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول اللَّه عَّةٍ: ((بينا) بغير ميم
(أنا نائم إذا أتيت) قال الحافظ: كذا وجدته في نسخة معتمدة من طريق أبي ذر من الإتيان
بمعنى المجيء، وبحذف الباء من (خزائن الأرض،) وهي مقدرة، وعند غيره: ((أوتيت)) بزيادة واو
من الإيتاء بمعنى الإعطاء، ولا إشكال في حذف الباء على هذه الرواية، ولبعضهم كالأول، لكن
يإثبات الباء، وهي رواية أحمد وإسحق بن نصر، عن عبد الرزاق، يعني عند البخاري في المغازي،
(فوضع) (بضم الواو مبنيًا لما لم يسم فاعله (في يدي،) وفي رواية: في كفي (سواران،)
بالتثنية رفع بالألف مفعول ناب عن فاعله، ولأبي ذر: فوضع (بفتح الواو مبنيًا للفاعل)، أي وضع
الآتي بخزائن الأرض في يدي سوارين، نصب بالياء على المفعولية، كذا في شرح المصنف،
وكان الحافظ لم ير الرواية الأولى هنا، فعزاها لرواية البخاري في المغازي، عن شيخه إسحق بن
نصر، عن عبد الرزاق قال: ولا إشكال فيهما، وشرح ابن التين هنا على لفظ وضع بالضم،
وسوارين بالنصب، وتكلف لتخريج ذلك (من ذهب) صفة للسوارين، (فكبر،) (بضم الموحدة
والإفراد)، أي عظم على شأنهما وثقل.
وفي رواية المغازي: كمسلم، فكبرا بالتثنية، أي عظما (علي وأهماني:) أحزناني
وأقلقاني، (فأوحي إلي) بالبناء للمجهول، رواه الأكثر، ولبعض الرواة: فأوحى الله إلي.
قال القرطبي: أي إلهامًا، أو على لسان ملك (أن أنفخهما) بهمزة وصل، وكسر النون
للتأكيد والجزم على الأمر، وقال الطيبي: ويجوز أن تكون مفسرة، لأن أوحي يتضمن معنى
القول، وأن تكون ناصبة والجار محذوف، (فنفختهما) زاد البخاري في المغازي ومسلم: فذهبا،
وفي رواية ابن عباس التي قبلها: فطارا، وزاد سعيد بن منصور من طريق سعيد المقبري، عن
أبي هريرة: فوقع واحد باليمامة والآخر باليمن، (فأولتهما بالكذابين اللذين أنا بينهما) لأن
السوارين في اليدين جميعًا، فهو بينهما، قاله عياض، ويأتي توجيه القرطبي (صاحب صنعاء)
الأسود العنسي، (وصاحب اليمامة))) بتخفيف الميمين: مدينة باليمن على أربع مراحل من مكة،
يعني مسيلمة الكذاب، وهذا ظاهر في أنهما كانا موجودين حين قص الرؤيا، فيخالف قوله في
رواية ابن عباس التي فوق هذه يخرجان بعدي، والجمع بينهما أن المراد بخروجهما بعده ظهور
شوكتهما، ودعواهما النبوّة ومحاربتهما، نقله النبوي عن العلماء.
قال الحافظ: وفيه نظر، لأن ذلك كله ظهر للأسود بصنعاء في حياته عَّيه، فادعى النبوة
وعظمت شوكته، وحارب المسلمين وفتك بهم، وغلب على البلد، وآل أمره إلى أن قتل في

٧٥
الفصل الثاني في تعبيره عَّ ه الرؤيا
قال المهلب: هذا الرواية ليست على وجهها، وإنما هي ضرب من المثل،
وإنما أول النبي عَِّ السوارين بالكذابين لأن الكذب وضع الشىء في غيره موضعه،
فلما رأى في ذراعيه سوارين من ذهب وليس من لبسه، لأنهما من حلية النساء،
عرف أنه سيظهر من يدعي ما ليس له. وأيضًا: ففي كونهما من ذهب، والذهب
نهي عن لبسه، دليل على الكذب، وأيضًا: فالذهب مشتق من الذهاب، فعلم أنه
شىء يذهب عنه، وتأكل ذلك بالإذن له في نفخهما فطارا، فعرف أنه لا ينسب
لهما أمر، وأن كلامه بالوحي الذي جاء به يزيلهما من موضعهما.
حياته عَّلَّةٍ كما مر وأما مسيلمة، فادعى النبوّة في حياته عَّة. لكن لم تعظم شوكته، ولم تقع
محاربته إلا في عهد أبي بكر، فإما أن يحمل ذلك على التغليب، وإما أن يكون المراد بقوله
بعدي أي بعد نبوّتي.
قال العيني: في نظره نظر، لأن كلام ابن عباس يصدق على خروج مسيلمة بعده عليه،
وأما كلامه في حق الأسود، فمن حيث أن أتباعه ومن لاذ به تبعوا سبيله وقووا شوكته، فأطلق
عليه الخروج بعده بهذا الاعتبار، كذا قال، وهو كلام يضحك منه، فإن قوله يصدق على خروج
مسيلمة بعده تقرير لقول الحافظ، يحمل على التغليب وقوله: وأما كلامه ... الخ، فإنما يتم أن
ثبت إن أتباعه بعد قتله استمروا على ما كانوا عليه معه وأتى به، ولذا قال المصنف عقب نقله.
انتھی.
فليتأمل، (قال المهلب: هذه الرواية ليست على وجهها،) أي ظاهرها، (وإنما هي
ضرب من المثل، وإنما أول النبي عَّ السوارين بالكذابين، لأن الكذب وضع الشيء في
غيره موضعه) تفسير باللازم وإلافهو لغة الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو عمدًا أو خطأ، (فلما
رأى في ذراعيه سوارين من ذهب، ولبسا من لبسه،) أي مما يليق به ويلبسه، ولم يسبق له
لبسهما، (لأنهما من حلية النساء، عرف أنه سيظهر من يدعي ما ليس له،) فهو كاذب؛
(وأيضًا ففي كونهما من ذهب، والذهب نهي عن لبسه) تحريمًا (دليل على) وجود
(الكذب،) إذ محال أن يلبس ما نهى عنه؛ (وأيضًا: فالذهب مشتق من الذهاب، فعلم أنه شيء
يذهب عنه، وتأكد ذلك بالإذن له في نفخهما، فطارا، فعرف أنه لا ينسب لهما أمر، وأن
كلامه بالوحي الذي جاء به يزيلهما عن موضعهما) وفي ذلك إشارة إلى حقارة أمرهما، لأن
شأن الذي ينفخ فيه فيذهب بالنفخ أن يكون في غاية الحقارة، قاله بعضهم، ورده ابن العربي؛
بأن أمرهما كان في غاية الشدة، لم ينزل بالمسلمين قبله مثله، قال الحافظ: وهو كذلك، لكن
الإشارة إنما هي إلى الحقارة المعنوية لا الحسية، ويتجه في تأويل نفخهما أنه قتلهما بريحه، لأنه

٧٦
الفصل الثاني في تعبيره عَّله الرؤيا
وقال ابن العربي: كان النبي عٍَّ يتوقع بطلان أمر مسيلمة والعنسي، فأول
الرؤيا عليهما ليكونا ذلك، إخراجًا للمنام عليهما، فإن الرؤيا إذا عبرت خرجت.
ويحتمل أن يكون بوحي.
والمراد بـ ((خزائن الأرض)) الذي ذكرها، ما فتح على أمته من الغنائم، ومن
ذخائر كسرى وقيصر وغيرهما، ويحتمل معادن الأرض التي فيها الذهب والفضة.
وقال القرطبي: إنما كبر عليه السواران لكون الذهب من حلية النساء، ومما
حرم على الرجال، وفي طيرانهما إشارة إلى اضمحلال أمرهما، ومناسبة هذا التأويل
لهذه الرؤيا أن أهل صنعاء وأهل اليمامة كانوا مسلمين، فكانوا كالساعدين للإسلام، فلما
ظهر فيهما الكذابان، وبهرجا على أهلهما بزخرف أقوالهما ودعاويهما الباطلة انخدع
أكثرهم بذلك، فكأن اليدين بمنزلة البلدين، والسوارين بمنزلة الكذابين، وكونهما من
ذهب إشارة إلى ما زخرفا، من الكذب، والزخرف من أسماء الذهب.
لم يغزهما بنفسه أما الأسود، فقتله فيروز الصحابي في مرض موته عَّله على الصحيح، وأما
مسيلمة، فقتل في خلافة الصديق.
(وقال ابن العربي: كان النبي عَّه يتوقع بطلان أمر مسيلمة والعنسي، فأوّل) أي حمل
(الرؤيا عليهما، فيكون ذلك إخراجًا للمنام عليهما، فإن الرؤيا إذا عبرت خرجت) أي وقعت
على الوجه الذي عبرت به، (ويحتمل أن يكون) تعبيره إياها بهما (بوحي) أوحى إليه بتعيينهما،
(والمراد بخزائن الأرض التي ذكرها ما فتح على أمته من الغنائم، ومن ذخائر كسرى
وقيصر وغيرهما، ويحتمل معادن الأرض التي فيها الذهب والفضة) وقال غيره: بل يحمل
على أعم من ذلك.
(وقال القرطبي) أبو العباس في المفهم: (إنما كبر عليه السواران، لكون الذهب من
حلية النساء، ومما حرم على الرجال) فلا يليق ذلك بعلي مقامه، (وفي طيرانهما إشارة إلى
ان -حلال أمرهما) وعدم ثباته، (ومناسبة هذا التأويل لهذه الرؤيا أن أهل صنعاء وأهل اليمامة
كانوا مسلمين، فكانوا كالساعدين:) تثنية ساعد، ما بين المرفق والكتف مذكر (للإسلام، فلما
ظهر فيهما الكذابان، وبهرجا) زورا وزخرفا (على أهلهما بزخرف أقوالهما) المفسد لعقولهما
(ودعاويهما الباطلة، انخدع أكثرهم بذلك، فكأن اليدين) الشريفتين اللتين وضع فيهما
السواران (بمنزلة البلدين و) كأن (السوارين بمنزلة الكذابين، وكونهما من ذهب إشارة إلى ما
زخرفا) أي حسنا (من الكذب، والزخرف من أسماء الذهب) ولذا قال: ((اللذين أنا بينهما»،

٧٧
الفصل الثاني في تعبيره عَّة الرؤيا
وقال أهل التعبير: من رأى أنه يطير، فإن كان إلى جهة السماء تعريجًا ناله
ضرر، وإن غاب في السماء ولم يرجع مات، وإن رجع أفاق من مرضه، وإن كان
يطير عرضًا سافر ونال رفعة بقدر طيرانه.
ومن ذلك: رؤيته عَّهِ المرأة السوداء الثائرة الرأس، وتعبيرها بنقل وباء
المدينة الى الجحفة.
روى البخاري من حديث عن عبد الله بن عمر، أن النبي مَِّ قال: ((رأيت
في المنام امرأة سوداء ثاثرة الرأس، خرجت من المدينة حتى قامت بمهيعة - وهي
(وقال أهل التعبير: من رأى أنه يطير، فإن كان إلى جهة السماء تعريجًا،) أي ارتفاعًا، والتكثير
للمبالغة، لكن لفظ الفتح إلى جهة السماء بغير تعريج، وتبعه المصنف في الشرح، (ناله ضرر
وإن غاب في السماء ولم يرجع مات، وإن رجع أفاق من مرضه) إن كان مريضًا، (وإن كان
يطير عرضًا سافر ونال رفعة بقدر طيرانه) زاد في الفتح: فإن كان بجناح، فهو مال أو سلطان
يسافر في كنفه، وإن كان بغير جناح دل على التحذير مما يدخل فيه، وقالوا: إن الطيران للشرار
دلیل ردىء. انتهى.
وقال بعضهم: من رأى عليه سوارين من ذهب، أصابه ضيق في ذاته مدة، فإن كانا من
فضة فهو خير من الذهب، وليس يصلح للرجال في المنام من الحلي إلا التاج والقلادة والعقد
والخاتم.
قال الحافظ في المغازي: ويؤخذ من هذه القصة منقبة للصديق، لأنه علم تولى نفخ
السوارين بنفسه حتى طارا، فأما الأسود فقتل في زمنه، وأما مسيلمة فكان القائم عليه حتى قتل
أبو بكر، فقام مقامه عَّله في ذلك، ويؤخذ منه أن السوار وسائر آلات الحلي اللائقة بالنساء تعبر
للرجال بما يسوؤهم ولا يسرهم، والله أعلم.
(ومن ذلك) أي مرائيه وتعبيراته (رؤيته عَّ له المرأة السوداء الثائرة الرأس) (بمثلثة من ثار
الشىء إذا انتشر)، (وتعبيرها بنقل وباء المدينة:) (بالمد والقصر) مرضها العام لا الطاعون، لأنه
لم يدخلها (إلى الجحفة) (بضم الجيم وسكون المهملة) الميقات المعلوم.
(روى البخاري) في التعبير من ثلاثة طرق، (من حديث) موسى بن عقبة، عن سالم،
(عن) أبيه (عبد اللَّه بن عمر) رضي اللَّه عنهما (أن النبي عمّه قال: رأيت في المنام امرأة،)
وفي رواية: كأن امرأة (سوداء ثائرة الرأس) (بمثلثة)، أي منتفش شعر رأسها، ولأحمد وأبي يعلى
عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة: ثائرة الشعر تغلة والمراد شعر الرأس وتغلة،
(بفتح الفوقية وكسر الفاء ولام)، أي كريهة الرائحة (خرجت من المدينة) النبوية، كذا في أكثر

٧٨
الفصل الثاني في تعبيره عَّة الرؤيا
الجحفة - فأولت ذلك أن وباء المدينة نقل إليها)).
وهذا من قسم الرؤيا المعبرة، وهي مما ضرب به المثل، ووجه التمثيل أنه
شق من اسم السوداء: السوء والداء، فتأول خروجها بما جمع اسمها، وتأول من
ثوران شعر رأسها أن الذي يسوء ويثير الشر يخرج من المدينة.
وقال القيرواني من أهل التأويل: كل شىء غلبت عليه السوداء في أكثر
الروايات.
وفي رواية ابن أبي الزناد: أخرجت بزيادة همزة مضمومة أوله على البناء للمجهول،
ولفظه: أخرجت من المدينة، فأسكنت بالجحفة وسارت (حتى قامت) أي انتصبت قائمة حين
وصولها (بمهيعة) (بفتح الميم وسكون الهاء فتحتية مفتوحة فعين مهملة) وقيل: بوزن عظيمة، ثم
استقرت فيها كما يفيده التعبير بأسكنت في تلك الرواية.
قال الحافظ: وأظن قوله: (وهي الجحفة) مدرجًا من قول موسى بن عقبة، فإن أكثر
الروايات عنه خلا عن هذه الزيادة، وثبتت في رواية سليلمن، يعني ابن بلال عن موسى عند
البخاري، وابن جريج عن موسى عند ابن ماجه، إلا أنه قال بالمهيعة.
قال ابن التين: ظاهر كلام الجوهري أن مهيعة تصرف، لأنه أدخل عليها الألف واللام، إلا
أن يكون أدخلهما للتعظيم وفيه بعد، انتهى.
وجزم السيوطي بأنه مدرج منه، (فأولت ذلك أن وباء المدينة نقل إليها) أي نقل من
المدينة الجحفة لعدوان أهلها وأذاهم للناس، وكانوا يهودًا وترجم البخاري على هذا الحديث
باب: إذا رأى أنه أخرج الشيء من كورة (بضم الكاف وسكون الواو، بعدها راء مفتوحة فهاء
تأنيث)، أي ناحية.
قال الحافظ: ظاهر الترجمة أن فاعل الإخراج النبي عٍَّ وكأنه نسبه إليه لأنه دعا به حيث
قال: ((اللهم حبب إلينا المدينة، وانقل حماها إلى الجحفة))، (وهذا) كما قال المهلب (من قسم
الرؤيا المعبرة، وهي مما ضرب به المثل ووجه التمثيل أنه شق) أي قطع، أي أخذ (من اسم
السوداء) جزئين (السوء والداء، فتأوّل خروجها بما جمع) هو، أي الجزءان (اسمها) فهو
بالنصب مفعول، أو بالرفع والمفعول محذوف، أي بما جمعه اسمها، (وتأول من ثوران شعر
رأسها أن الذي يسوء ويثير الشر يخرج من المدينة) (بفتح التحتية وضمها).
(وقال) علي (القيرواني، من) علماء (أهل التأويل: كل شيء غلبت عليه السوداء في
أكثر وجوهها فهو مكروه) أي رؤياه تدل على مكروه، (وقال غيره: ثوران الرأس يؤوّل

٧٩
الفصل الثاني في تعبيره عَّ الرؤيا
وجوهها فهو مكروه، وقال غيره: ثوران الرأس يؤول بالحمى لأنها تثير البدن
بالاقشعرار وبارتفاع الرأس، لاسيما من السوداء لأنها أكثر استیحاشًا.
،ومن ذلك: رؤيته عليه الصلاة والسلام أنه في درع حصينة وبقرًا ينحر وتعبير
ذلك.
عن أبي موسى عن النبي عَِّ قال: ((رأيت من المنام أني أهاجر من مكة
إلى أرض بها نخل، فذهب وهلي إلى أنها اليمامة أو هجر، فإذا هي المدينة
بالحمى، لأنها تثير البدن بالاقشعرار وبارتفاع الرأس، لا سيما من السوداء، لأنها أكثر
استيحاشًا) وعبارة الحافظ في حكاية هذا، وقيل: لأن ثوران الشعر من اقشعرار الجسد، ومعنى
الاقشعرار: الاستيحاش، فلذلك يخرج ما يستوحش النفوس منه، كالحمى قلت: وكأن مراده
بالاستيحاش أن رؤيته موحشة، وإلا فالاقشعرار في اللغة تجمع الشعر وتقبضه وكل شيء تغير عن
هيئته، يقال: اقشعر كاقشعرت الأرض بالجدب والنبات من العطش، وقد قال القيرواني: فذكر
کلامه استشهادًا لما ترجاه وهو حسن.
(ومن ذلك رؤيته عليه الصلاة والسلام أنه في درع حصينة) صفة درع الحديد، لأنها
مؤنثة عند الأكثر، (و) رؤيته (بقرًا) (بالنصب) في نسخ وهي ظاهرة، وفي أخرى: وبقر بالجر،
أي: وفي بقر، أي: مع بقر (ينحر، وتعبير ذلك عن أبي موسى) عبد الله بن قيس الأشعري،
(عن النبي ◌َّةِ، قال: رأيت في المنام أني أهاجر) بضم الهمزة (من مكة إلى أرض بها
نخل، فذهب وهلي) (بفتح الهاء)، أي وهمي واعتقادي، قاله عياض وتبعه النووي، وجزم به
الحافظ في الهجرة، وقال: هنا قال ابن التين: وبه رويناه والذي عند أهل اللغة (بسكون الهاء)،
قال: ولعل الرواية على نحو قولهم في البحر بحر بالتحريك، ونهر ونهر، وشعر وشعر. انتهى.
وجزم في النهاية (بسكون الهاء) ولعله رواية قليلة، وقد يشعر به قول المصنف في
علامات النبوة (بفتح الواو والهاء)، وقد تسكن، وبه جزم في النهاية (إلى أنها اليمامة:) بلاد
الجوّ بين مكة واليمن، (أو هجر) (بفتح الهاء والجيم) غير مصروف، قاعدة أرض البحرين، أو
بلد باليمن، قاله المصنف.
وفي القاموس: مذكر مصروف، وقد يؤنث بلد باليمن واسم لجميع أرض البحرين، ورواه
أبو ذر والأصيلي وابن عساكر الهجر بزيادة أل (فإذا هي) مبتدأ، وإذا للمفاجأة (المدينة) خبر
(يثرب) اسمها في الجاهلية، فأتى به للبيان، أي التي تسمونها يثرب، ألا تراه قال قبل المدينة:
فلا ينافي نهيه عن تسميتها بذلك، أو كان قوله ذلك قبل نهيه، قاله عياض، قال: وفيه خروج
الرؤيا على وجهها لهجرته عٍَّ إلى أرض بها نخل، وهي المدينة.

٨٠
الفصل الثاني في تعبيره عَّ: الرؤيا
يثرب، ورأيت فيها بقرًا، واللَّه خير، وإذا هم النفر من المؤمنين يوم أحد، وإذا الخير
ما جاء اللَّه به من الخير بعد، وثواب الصدق الذي أتانا اللَّه بعد يوم بدر)). رواه
قال القرطبي: ولم يجزم بأحد البلدين، وليس في الرؤيا ما يدل على تعيين أحدهما، وإنما
ذهب وهله إلى أحدهما لكثرة ما بهما من النخل.
وفي الصحيح مرفوعًا: ((أريت دار هجرتكم بين لابتين))، قال الزهري: وهما الحرتان، قال
ابن التين: رأى عَّ دار هجرته بصفة تجمع المدينة وغيرها، ثم رأى الصفة المختصة بالمدينة
فتعينت؛ قال أبو عبد اللَّه الأبي: فإن قيل: رؤياه حق، وقد ظن أحد البلدين ولم يتفق ذلك، أجيب
بحضرة الشيخ حين أورد السؤال؛ بأن معنى كونها حقًّا؛ أنها ليست حلمًا من الشيطان، وأما
باعتبار المطابقة فقد لا تجب المطابقة، ولم ينكره الشيخ، وأجاب هو؛ بأن الوهل يحتمل أن
يكون أول حركة الذهن إلى التفسير، ثم لم يتماد عليه، ثم الوهل يحتمل أنه في النوم ويحتمل
في اليقظة، انتهى.
ومراده بالشيخ الإمام محمد بن عرفة شيخه (ورأيت فيها) أي الرؤيا، اختصر الحديث تبعًا
للبخاري في التعبير، وإلا فقبل هذا في البخاري في علامات النبوة.
وفي مسلم: ورأيت في رؤياي هذه سيفًا، فذكر ما يأتي، وقال عقبه: ورأيت فيها (بقرًا)
(بموحدة وقاف) (واللَّه خير) (مبتدأ وخبر).
قال عياض: رويناه برفعهما، ومعناه عند الأكثر، أي ثواب اللَّه للمقتولين خير لهم من
مقامهم في الدنيا، وقيل: المعنى صنع اللَّه خير لهم وهو قتلهم يوم أحد، قال الأبي: وعلى
التقديرين، فارتفاعهما على المبتدأ والخبر، ويحتمل أنه على اعتبار العوض بالنصر، كما يقال:
في اللَّه عوض من كل هالك.
قال عياض: وقيل فيه تقديم وتأخير، والتقدير: رأيت واللَّه بقرًا ينحر، والاسم مخفوض
على القسم، وبهذا اللفظ جاء في رواية السيرة، وسمي خيرًا على التفاؤل وإن كان مكروهًا في
الظاهر، أو باعتبار عقباه، كما يقول العابر لمن قص عليه رؤياه خير، والأولى قول من قال: واللّه
خير من جملة الرؤيا، وأنها كلمة ألقيت إليه، وسمعها عند رؤياه بدليل قوله: وإذا الخير ... الخ
انتھی.
(وإذا هم النفر) (بفتح النون والفاء) (من المؤمنين) الذين استشهدوا (يوم أحد).
قال القرطبي: أخذ النفر من لفظ بقر مصحفًا، إذ لفظهما واحد ليس بينهما إلا النقط،
يعني: والتصحيف من وجوه التأويل، وهذا لفظ مسلم ولفظ البخاري في المواضع كلها، فإذا هم
المؤمنون يوم أحد، (وإذا الخير ما جاء اللَّه به من الخير بعد).
: