Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١
ذكر وفاة أمه وما يتعلق بأبويه عَ لّ.
وذكر البخاري عن سلمان أنها كانت ستمائة سنة.
ولما دلت القواطع على أنه لا تعذيب حتى تقوم الحجة، علمنا أنهم غير
معذبين، فإن قلت قد صحت أحاديث بتعذيب أهل الفترة، كحديث رأيت عمرو بن
لحي يجر قصبه في النار ورأيت صاحب المحجن في النار، وهو الذي يسرق
الحاج بمحجنه، فإذا بصر به، قال: إنما تعلق بمحجني.
أجيب بأجوبة، أحدها: أنها أخبار آحاد
(وذكر) أي: روى (البخاري عن سلمن) الفارسي موقوفًا عليه (أنها كانت ستمائة سنة)
قال ابن كثير: وهو المشهور، وقال قتادة: خمسمائة وستون، والكلبي: وأربعون، وغيرهما:
أربعمائة، (ولما دلّت القواطع) القرءانية نحو أن تقولوا: إنما أنزل الكتاب ﴿وما كنّا معذّبين حتى
نبعث رسولاً﴾ [الإسراء: ١٥]، (على أنه لا تعذيب حتى تقوم الحجّة) ببعث الرسل (علمنا أنهم
غير معذّبين) إذ لا يجب إيمان ولا يحرم كفر، (فإن قلت) يرد على هذا أنه (قد صحّت أحاديث
بتعذيب) بعض (أهل الفترة؛ كحديث) البخاري ومسلم عن أبي هريرة مرفوعًا («رأيت عمر بن
لحيّ) بضم اللام وفتح الحاء المهملة وشدّ الياء، وفي رواية لهما أيضًا: رأيت عمرو بن عامر
الخزاعي، قال عياض: والمعروف في نسبته الأوّل، وأجاب الأبي أخذًا من كلام ابن عبد البرّ
السهيلي بأن عامرًا اسم أبيه، ولحيّ لقب عرف به، قال: وكونه خزاعيًّا لا ينافي أنه من ولد
الياس بن مضر؛ لأن خزاعة من مضر ومضر أبو خزاعة وعزو الشارح لكتاب المناقب من البخاري
عمرو بن عامر المخزومي سبق قلم، فالذي فيه إنما هو الخزاعي وضبطه المصنّف في شرحه بضم
الخاء وفتح الزاي المخفّفة وبالمهملة، (يجرّ قصبه) قال النووي: بضم القاف وسكون الصاد، قال
الأكثرون: يعني أمعاؤه، (في النار))) بقية الحديث وكان أوّل من سيب السائبة.
(و) كحديث مسلم والإمام أحمد عن جابر مرفوعًا، في حديث أوّله: ((يا أيها الناس، إن
الشمس والقمر آيتان من آيات اللَّه)) فذكر الحديث، وفيه: و (رأيت صاحب المحجن في النار)
وزان مقود خشبة في طرفها اعوجاج مثل الصولجان، قال ابن دريد: كل عود معطوف الرأس، فهو
محجن والجمع المحاجن، قاله المصباح. (وهو الذي يسرق الحاج) أي: متاعه، (بمحجنه فإذا
بصر) بضم الصاد وتكسر، أي: علم (به) أحد فالضمير في به لصاحب، وفي بصر للحاج، أي:
جنسه، (قال: إنما تعلّق بمحجني) لينفي عن نفسه السرقة، ولفظ الحديث عند أحمد ومسلم:
((ورأيت فيها صاحب المحجن يجرّ قصبه في النار، كان يسرق الحاج بمحجنه فإن فطن به قال:
إنما تعلق بمحجني، وإن غفل عنه ذهب به))، (أُجيب بأجوبة، أحدها: أنها أخبار آحاد) إنما تفيد

٣٤٢
ذكر وفاة أمه وما يتعلق بأبويه معد له.
فلا تعارض القطع.
الثاني: قصر التعذيب على هؤلاء، والله أعلم بالسبب.
الثالث: قصر التعذيب المذكور في هذه الأحاديث على من بدل وغير من
أهل الفترة، بما لا يعذر به من الضلال كعبادة الأوثان وتغيير الشرائع. فإن أهل
الفترة ثلاثة أقسام:
الأوّل: من أدرك التوحيد ببصيرته، ثم من هؤلاء من لم يدخل في شريعة،
کقس بن ساعدة،
الظن (فلا تعارض القطع) بأنهم غير معذّبين وهو القرءان، فوجب تقديمه عليها، وإن صحّت
(الثاني: قصر التعذيب على هؤلاء) اتّباعًا للوارد ولا نقيس غيرهم عليهم، فلا تنافي القاطع (والله
أعلم بالسبب) الموقع لهم في العذاب، وإن كنّا نحن لا نعلمه.
(الثالث: قصر التعذيب المذكور في هذه الأحاديث على من بدّل وغيّر من أهل الفترة،)
كابن لحي (بما لا يعذر به من الضلال؛ كعبادة الأوثان وتغيير الشرائع، فإن أهل الفترة ثلاثة
أقسام، الأوّل: من أدرك التوحيد ببصيرته) أي: بعلمه وخبرته فمنعه هذا التبصّر عن عبادة غير اللَّه
ولا يلزم الاتّصاف بالصحة ولا بالأجزاء ولا بغيرهما، (ثم من هؤلاء من لم يدخل في شريعة)
بل طلب التوحيد وعبادة اللَّه وانتظر خروج النبيّ عَّه، (كقس بن ساعدة) الأيادي أوّل من آمن
بالبعثة من أهل الجاهلية، وأوّل من اتّكأ على عصا في الخطبة، وأوّل من قال: أمَّا بعد، وأوّل من
كتب من فلان إلى فلان، وعاش ثلاثمائة وثمانين سنة، وذكر كثير من أهل العلم أنه عاش
ستمائة سنة، وكان خطيبًا حكيمًا عاقلاً له نباهة وفضل ذكره المرزباني.
وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس أن قس بن ساعدة كان يخطب قومه في سوق
عكاظ، فقال في خطبته: سيعلم حقّ من هذا الوجه، وأشار بيده نحو مكة، قالوا له: وما هذا
الحق؟ قال: رجل من ولد لؤي بن غالب يدعوكم إلى كلمة الإخلاص وعيش الأبد ونعيم
لا ينفد، فإن دعاكم فأجيبوه، ولو علمت أني أعيش إلى مبعثه لكنت أوّل من يسعى إليه، وروى
الأزدي وغيره من طرق عن أبي هريرة رفعه: رحم اللَّه قًا كأني أنظر إليه على جمل أورق تكلّم
بكلام له حلاوة لا أحفظه، فقال بعض قومه: نحن نحفظه، فقال: هاتوه، فذكروا خطبته
المشحونة بالحكم والمواعظ، وروى ابن شاهين عن ابن عباس: أنه عَّ قال: رحم اللَّه قشًّا
كأني أنظر إليه على جمل أورق تكلّم بكلام لا أحفظه، فقال أبو بكر: أنا أحفظه، قال: أُذكره
فذكره.

٣٤٣
ذكر وفاة أمه وما يتعلق بأبويه عَ ليه
وزيد بن عمرو بن نفيل. ومنهم من دخل في شريعة حق قائمة الرسم، كتبع وقومه
من حمير وأهل نجران، وورقة بن نوفل، وعمه عثمن بن الحويرث.
القسم الثاني من أهل الفترة: وهم من بدل وغير، فأشرك ولم يوحد، وشرع لنفسه
وأخرج عبد الله بن أحمد في زيادات الزهد لما قدم وفد بكربن وائل على النبيّ عَّه،
قال لهم: (ما فعل قس بن ساعدة الأيادي))؟ قالوا: مات يا رسول اللَّه، قال: ((كأني أنظر إليه في
سوق عكاظ على جمل أحمر)) الحديث، قال في الإصابة: قال الجاحظ في كتاب البيان لقس
وقومه فضيلة ليست لأحد من العرب؛ لأن رسول اللَّه عَّةٍ روى كلامه وموقفه على جمله بعكاظ
وموعظته وعجب من حسن كلامه وأظهر تصويبه، وهذا شرف تعجز عنه الأماني وتنقطع دونه
الآمال، وإنما وفق اللَّه ذلك القسّ لتوحيده وإظهاره الإخلاص وإيمانه بالبعث، ومن ثم كان قسّ
خطيب العرب قاطبة.
(وزيد بن عمرو بن نفيل) بضم النون وفتح الفاء والد سعيد بن زيد أحد العشرة، وعمّ
عمر بن الخطاب فإنه كان ممن طلب التوحيد وخلع الأوثان وجانب الشرك، ومات قبل
المبعث، فروى ابن سعد والفاكهي عن عامر بن ربيعة حليف بني عدي بن كعب، قال: قال لي
زيد بن عمرو: إني خالفت قومي واتّبعت مّة إبراهيم وإسماعيل وما كانا يعبدان، وكانا يصلّيان إلى
هذه القبلة، وأنا أنتظر نبيًّا من بني إسمعيل يبعث، ولا أراني أدركه وأنا أَؤمن به وأصدّقه وأشهد
أنه نبيّ، وإن طالت بك حياة فأقرّوه مني السلام، قال عامر: فلمَّا أعلمت النبيّ عَّه بخبره ردّ
عليه السلام وترحم عليه، وقال: رأيته في الجنَّة يسحب ذيولاً، وروى الزبير بن بكار، عن عروة،
قال: بلغنا أن زيدًا كان بالشام فبلغه مخرج النبيّ عَّ، فأقبل يريده فقتل بأرض البلقاء، وقال ابن
إسحق: لما توسّط بلاد لخم قتلوه، وقيل: مات قبل المبعث بخمس سنين.
وفي حديث البزار والطبراني عن سعيد بن زيد: سألت أنا وعمر رسول اللَّه عَّةِ، فقال:
((غفر اللَّه له ورحمه فإنه مات على دين إبراهيم)، انتهى من فتح الباري ملخّصًا. وكذا عامر بن
الظرب العدواني وقيس بن عاصم التميمي، وصفوان بن أبي أُميّة الكناني، وزهير ابن أبي سلمى
في جماعة ذكرهم الشهرستاني فلا بدع أن يكون الأبوان الشريفان كذلك بل هما أولى؛ كما
ـقدّم.
(ومنهم من دخل في شريعة حقّ قائمة الرسم) أي: الأثر، (كتبع وقومه من حمير وأهل
نجران) بفتح النون وسكون الجيم: بلد قريب من اليمن. (وورقة بن نوفل وعمّه عثمن بن
الحويرث) فإنّهم تنصّروا في الجاهلية قبل نسخ دين النصرانية.
(القسم الثاني من أهل الفترة وهم من بدّل وغيّر، فأشرك ولم يوحّد وشرع لنفسه،

٣٤٤
ذكر وفاة أمه وما يتعلق بأبويه - لا.
فحلل وحرم، وهم الأكثر، كعمرو بن لحي، أول من سن للعرب عبادة الأصنام
.....
وشرع الأحكام، فبحر البحيرة وسيب السائبة، ووصل الوصيلة وحمى الحام،
فحلّل وحرّم وهم الأكثر) من العرب: (كعمرو بن لحي) بن قمعة بن الياس بن مضر (أوّل من سن
للعرب عبادة الأصنام.) روى الطيراني عن ابن عباس مرفوعًا أوّل من غيّر دين إبراهيم عمرو بن
لحي بن قمعة ابن خندف، أبو خزاعة وخندف بكسر الخاء المعجمة آخره فاء، هي زوج الياس؛
كما مرَّ في النسب الشريف فنسب قمعة لأَتّه وقد ذكر ابن إسحق في سبب ذلك أنه خرج إلى
الشام، وبها يومئذ العماليق وهم يعبدون الأصنام فاستوهبهم واحدًا منها وجاء به إلى مكّة فنصبه
إلى الكعبة، وهو هبل؛ وذكر محمّد بن حبيب عن ابن الكلبي أن سبب ذلك أنه كان له تابع من
الجنّ، يقال له: أبو ثمامة، فأتاه ليلة، فقال: أجب أبا ثمامة، فقال: لبّيك من تهامة، أدخل بلا
ملامة، فقال: انت سيف جدة تجد آلهة معدّة فخذها ولا تهب وادع إلى عبادتها تجب، قال
فتوجّه إلى جدّة فوجد الأصنام التي كانت تعبد زمن نوح فحملها إلى مكّة ودعا إلى عبادتها،
فانتشرت بسبب ذلك عبادة الأصنام في العرب، ذكره في فتح الباري.
وقال السهيلي في الروض: كان عمرو بن لحي، حين غلبت خزاعة على البيت ونفت
جرّهما من مكّة جعلته العرب ربًّا لا يبتدع لهم بدعة إلا اتّخذوها شرعة؛ لأنه كان يطعم الناس
ويكسو في الموسم، فنحر في موسم عشرة آلاف بدنة، وكسا عشرة آلاف حلّة، وقد ذكر ابن
إسحق أنه أول من أدخل الأصنام الحرم وحمل الناس على عبادتها، قال: وكانت التلبية من عهد
إبراهيم: لبّيك اللّهمّ لبّيك، لا شريك لك لبيك، حتى كان عمرو بن لحي فبينا هو يلبّي تمثّل له
الشيطان في صورة شيخ يلبّي معه، فقال عمرو: لبيك لا شريك لك، فقال الشيخ: ألا شريكًا هو
لك، فأنكر ذلك عمرو، فقال: ما هذا؟ فقال: قل تملكه وما ملك فإنه لا بأس بهذا، فقالها عمرو:
فدانت بها العرب.
(وشرّع الأحكام فبحر البحيرة، وسيّب السائبة، ووصل الوصيلة، وحمى الحام) روى
البخاري من طريق الزهري عن سعيد بن المسيّب، قال: البحيرة التي يمنع درّها للطواغيت فلا
يحلبها أحد من الناس، والسائبة التي كانوا يسيّبونها لآلهتهم لا يحمل عليها شيء. والوصيلة الناقة
البكر تبكر في أوّل نتاج الإبل بأنثى ثم تثنى بعد بأنثى فكانوا يستّبونها بعد لطواغيتهم إن وصلت
إحداهما بالأخرى ليس بينهما ذكر.
والحام فحل الإبل يضرب الضراب المعدود، فإذا قضى ضرابه ودعوه للطواغيت وأعفوه
من الحمل فلم يحمل عليه شيء وسمّوه الحام، وفي الأنوار إذا أنتجت الناقة خمسة أبطن آخرها
ذكر بحروا أذنها، أي: شقّوها وخلّوا سبيلها فلا تركب ولا تحلب.

٣٤٥
ذكر وفاة أمه وما يتعلق بأبويه عندئّ.
وتبعته العرب في ذلك وغيره مما يطول ذكره.
القسم الثالث من أهل الفترة، وهم من لم يشرك ولم يوحد، ولا دخل في
شريعة نبي، ولا ابتكر لنفسه شريعة، ولا اخترع دين، بل بقي عمره على حين غفلة
من هذا كله. وفي الجاهلية من كان على ذلك.
وإذا انقسم أهل الفترة إلى الثلاثة أقسام، فيحمل من صح تعذيبه على أهل
القسم الثاني لكفرههم بما تعدوا به من الخبائث، والله تعالى قد سمى جميع هذا
القسم كفارًا ومشركين، فإنا نجد القرءان
زاد في المدارك: ولا تطرد من ماء ولا مرعى وسموها البحيرة، وكان الرجل منهم يقول:
إن شفيت من مرضي أو قدمت من سفري فناقتي سائبة، ويجعلها كالبحيرة في تحريم الانتفاع
بها، وقيل: كان الرجل إذا أعتق عبدًا، قال هو سائبة فلا عقل بينهما ولا ميراث.
وفي الصحاح: السائبة الناقة التي كانت تسيّب في الجاهلية إذا ولدت عشرة أبطن كلّها
أناث فلا تركب ولا يشرب لبنها إلا ولدها، والضيف حتى تموت فإذا ماتٍ أكلها الرجال والنساء
جميعًا. وبحرت، أي: شقّت أذن بنتها الأخيرة فتسمى البحيرة، وهي بمنزلة أُمّها في أنها سائبة.
وفي القاموس: الناقة كانت تسيّب في الجاهلية لنذر ونحوه أو كانت إذا ولدت عشرة
أبطن كلهنّ أناث سيّبت، أو كان الرجل إذا قدم من سفر بعيد أو نجت دابته من مشقّة أو حرب،
قال: هي سائبة، أو كان ينزع من ظهرها فقارة أو عظمًا وكانت لا تمنع عن ماء، ولا كلاً، ولا
تركب. وفي الأنوار: وإذا ولدت الشاة أنثى فهي لهم وذكرًا فهو لآلهتهم، وإن ولدتهما وصلت
الأنثى أخاها فلا يذبح لها الذكر، وإذا أنتجت من صلب الفحل عشرة أبطن حرموا ظهره ولم
يمنعوه من ماء ولا مرعى، وقالوا: قد حمى ظهره. وفي المدارك: إذا ولدت الشاة سبعة أبطن،
والسابع ذكر أو أنثى، قالوا وصلت أخاها، فهي معنى الوصيلة.
(وتبعته العرب في ذلك و) في (غيره مما يطول ذكره) كعبادة الجنّ والملائكة وخرق
البنين والبنات، واتّخذوا بيوتًا لها سدنة وحجاب يضاهون بها الكعبة؛ كاللاّت والعزّى ومنات.
(القسم الثالث من أهل الفترة: وهم من لم يشرك ولم يوحّد، ولا دخل في شريعة نبي
ولا ابتكر لنفسه شريعة ولا). ابتكر (اختراع دين بل بقي عمره،) أي: مدّته (على حين غفلة من
هذا كلّه، وفي الجاهلية من كان على ذلك، وإذا) وحيث (انقسم أهل الفترة إلى الثلاثة الأقسام،
فيحمل من صحّ تعذيبه على أهل القسم الثاني لـ) ـأجل (كفرهم بما) بسبب ما (تعدّوا به من
الخبائث، والله تعالى قد سمّى جميع هذا القسم كفّارًا ومشركين، فإنا نجد القرءان

٣٤٦
ذكر وفاة أمه وما يتعلق بأبويه عَلّه.
كلما حكى حال أحدهم سجل عليهم بالكفر والشرك، كقوله تعالى: ﴿ما جعل
الله من بحيرة ولا سائبة﴾ ثم قال: ﴿ولكن الذين كفروا﴾ الآية [المائدة/١٠٣].
والقسم الثالث هم أهل الفترة حقيقة، وهم غير معذبين.
وأما أهل القسم الأول: كقس وزيد بن عمرو، فقد قال عليه السلام في كل
منهما: أنه يبعث أمة وحده.
كلما حكى حال أحدهم سجّل عليهم بالكفر والشرك؛ كقوله تعالى:) في مقام الردّ والإنكار
لما ابتدعوه (﴿ما جعل) ما شرع (اللَّه من بحيرة﴾ [المائدة: ١٠٣]، ثمّ قال تعالى: ﴿ولكنَّ
الذين كفروا﴾ الآية [المائدة: ١٠٣]،) يريد: يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون، أي:
يفترون عليه في ذلك ونسبته إليه، ولا يعقلون أن ذلك افتراء؛ لأنهم قلّدوا فيه آبائهم.
(والقسم الثالث هم أهل الفترة حقيقة، وهم غير معذبين) اتفاقًا، ومنه: والداه عَِّ فإنهما
لم تبلغهما دعوة لتأخّر زمانهما وبعد ما بينهما وبين الأنبياء السابقين، وكونهما في زمن جاهلية
عمّ الجهل فيها شرقًا وغربًا، وفقد فيها من يعرف الشرائع ويبلغ الدعوة على وجهها إلاَّ نفرًا يسيرًا
من أحبار أهل الكتاب مفرّقين في أقطار الأرض؛ كالشام وغيرها، وما عهد لهما تقلّب في
الأسفار سوى المدينة، ولا أعطيا عمرًا طويلاً يسع الفحص عن المطلوب مع زيادة أن أُمّه عَ لَه
مخدّرة مصونة محجّبة عن الاجتماع بالرجال لا تجد من يخبرها، وإذا كان النساء اليوم مع فشوّ
الإسلام شرقًا وغربًا لا يدرين غالب أحكام الشريعة لعدم مخالطتهنّ الفقهاء فما ظنّك بزمان
الجاهلية والفترة الذي رجاله لا يعرفون ذلك فضلاً عن نسائه، ولهذا لما بعث عّ لّ تعجّب أهل
مكة، وقالوا: أبعث اللَّه بشرًا رسولاً؟ وقالوا: لو شاء ربّنا لأنزل ملائكة، فلو كان عندهم علم من
بعثة الرسل، ما أنكروا ذلك وربما كانوا يظنون أن إبراهيم عليه السّلام بعث بما هم عليه، فإنهم لم
يجدوا من يبلغهم شريعته على وجهها لدثورها، وفقد من يعرفها إذ كان بينهم وبينه أزيد من ثلاثة
آلاف سنة، قاله في مسالك الحنفاء والدرج المنفية ملخّصًا، وتقدم له مزید.
(وأمَّا أهل القسم الأول؛ كقس وزيد بن عمرو، فقد قال عليه السّلام في كلّ منهما أنه
يبعث أُقّة وحده) فأخرج الطيالسي عن سعد بن زيد أنه قالٍ للنبيّ عَُّله: إن أبي كان كما رأيته
وكما بلغك فاستغفر له، قال: ((نعم، فإنه يبعث يوم القيامة أمّة وحده) .. وروى اليعمري عن ابن
عباس مرفوعًا: ((رحم الله قشًا، إني أرجو أن يبعثه اللَّه أُمّة وحده)، وصرّح العلماء بأن الرجاء من
اللَّه ومن نبيّه واقع. وروى الطبراني في كبيره وأوسطه بسند رجاله ثقات عنه عَّ له: ((رحم الله
قًّا)، قيل: يا رسول اللَّه، تترحم على قسّ، قال: ((نعم، إنه كان على دين أبي إسماعيل بن إبراهيم)).

٣٤٧
ذکر وفاة أمه وما يتعلق بأبويه عڭ
وأما عثمن بن الحويرث، وتبّع وقومه وأهل نجران، فحكمهم حكم أهل
الدين الذين دخلوا فيه، ما لم يلحق أحدهم الإسلام الناسخ لكل دين. انتهى
ملخصًا وسيأتي ما قيل في ورقة في حديث المبعث إن شاء الله تعالى.
فهذا ما تيسر في مسألة والديه، وقد كان الأولى ترك ذلك، وإنما جرّنا إليه
ما وقع من المباحثة فيه بين علماء العصر.
ولقد أحسن الحافظ شمس الدين بن ناصر
وأخرج البزار عن جابر، قال: سألنا رسول اللَّه عَّلِ عن زيد بن عمرو بن نفيل، فقلنا:
يا رسول الله! إنه كان يستقبل القبلة ويقول: ديني إبراهيم، وإلهي إله إبراهيم، قال: ((ذاك أُمّة وحده،
يحشر بيني وبين يديّ عيسى ابن مريم))، وقد عدا في الصحابة، لكن قال الذهبي: فتأكد من أورد
قسًّا في الصحابة كعبدان وابن شاهين، وأمّا زيد فذكره ابن منده والبغوي وغيرهما في كتب
الصحابة، قيل: وإيراد البخاري يميل إليه وردّه البرهان، بما حاصله: إن الثابت أنه رأى النبيّ عَّه.
قبل البعثة ومات قبلها، فلم ينطبق عليه حدّ الصحابي. وقال في الإصابة: فيه نظر؛ لأنه مات قبل
البعثة بخمس سنين، ولكنه يجيء على أحد الاحتمالين في تعريف الصحابي، وهو من رأى
النبيّ عَ له مؤمنًا به، هل يشترط كون رؤيته بعد البعثة، فيؤمن به حين يراه أو بعد ذلك، أو يكفي
كونه مؤمنا بأنه سيبعث؛ كما في قصّة هذا وغيره، انتهى.
(وأمَّا عثمن بن الحويرث وتبع وقومه وأهل نجران، فحكمهم حكم أهل الدين الذين
دخلوا فيه ما لم يلحق أحدهم الإسلام الناسخ لكل دين) يريد غير تبع فإنه لم يدرك الإسلام،
فقد تقدّم حديث: ((لا أدري تبعًا، ألعينًا كان أم لا))، وحديث: ((لا تسبّوا تبعًا، فإنه كان قد أسلم))،
وأخرج أبو نعيم عن عبد الله بن سلام، قال: لم يمت تبع حتى صدّق النبيّ عَّه لما كانت ليهود
يثرب يخبرونه، (انتهى) كلام الأبيّ (ملخّصًا، وسيأتي ما قيل في ورقة في حديث المبعث إن
شاء اللَّه تعالى) من أنه صحابي وأنّه أوّل من أسلم مطلقًا.
(فهذا ما تيسّر من البحث في مسألة والديه) ولما قوي عند المؤلف توقّفه، قال: (وقد
كان الأولى ترك ذلك) تبعًا لقول شيخه السخاوي الذي أراه الكف عن ذلك إثباتًا أو نفيًا، (وإنما
جرّنا إليه ما وقع من المباحثة فيه مع علماء العصر،) وقد أحسن الإمام السيوطي في قوله: ثم
إني لم أدعٍ أن المسألة إجماعيّة، بل هي مسألة ذات خلاف، فحكمها كحكم سائر المسائل
المختلف فيها، غير أني اخترت أقوال القائلين بالنجاة؛ لأنه الأنسب بهذا المقام.
(ولقد أحسن الحافظ شمس الدين) محمد (بن ناصر،) أي: ناصر (الدين) أبي بكر بن

٣٤٨
ذكر وفاة أمه وما يتعلق بأبويه عنّي
الدين الدمشقي حيث قال:
حبا الله النبي مزيد فضل على فضل وكان به رؤوفًا
فأحيا أمه وكذا أباه لإيمان به فضلاً لطيفًا
فسلم فالقديم بذا قدير وإن كان الحديث به ضعيفًا
والحذر الحذر، من ذكرهما بما فيه نقص، فإن ذلك قد يؤذي النبي عَِّ،
فإن العرف جار بأنه إذا ذكر أبو الشخص بما ينقصه، أو وصف بوصف به، وذلك
الوصف فيه نقص تأذى ولده بذكر ذلك له عند المخاطبة. وقد قال عليه
السلام: لا تؤذوا الأحياء بسبٌّ الأموات رواه الطبراني في الصغير، ولا ريب ...
عبد الله بن محمّد (الدمشقي) بكسر الدال وفتح الميم وبكسرهما، ولد سنة سبع وسبعين
وسبعمائة، وطلب الحديث وصنّف تصانيف حسنة، وصار محدث البلاد الدمشقية، ومات في
ربيع الآخر سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة، (حيث قال) في كتابه مورد الصادي بمولد الهادي، بعد
أن خرّج الحديث في إحياء ◌ُّه من طريق الخطيب:،
حبا اللَّه النبيّ مزيد فضل على فضل وكان به رؤوفا
فأحيا أُمّه وكذا أباه لإيمان به فضلاً لطيفًا
فسلم فالقديم بذا قدير وإن كان الحديث به ضعيفًا
"فصرّح بضعف الحديث ولم يلتفت لزعم وضعه وكفى به حجّة، وحبا بمهملة فموحدة:
أعطى، والباء في بذا قدير بمعنى على، كما تفيده اللغة. ولمّا ساق المصنّف تلك الأحاديث
خاف أن يستروح منها انتقاصهما، فقال: (والحذر الحذر من ذكرهما بما فيه نقص، فإن ذلك
قد يؤذي النبيّ ◌َّله؛ لأن العرف جار بأنه إذا ذكر أبو الشخص بما ينقصه) بفتح أوّله وسكون
النون أفصح من ضمّ الياء وفتح النون وشدّ القاف، (أو وصف بوصف) قائم (به، وذلك الوصف
فيه نقص تأذّى ولده بذكر ذلك له عند المخاطبة) كيف؟ وقد روى ابن منده وغيره عن أبي
هريرة، قال: جاءت سبيعة بنت أبي لهب إلى النبيّ عَُّله، فقالت: يا رسول الله! إن الناس يقولون
أنت بنت حطب النار، فقام رسول اللَّه مَّه وهو مغضب، فقال: ((ما بال أقوام يؤذونني في
قرابتي، ومن آذاني فقد آذى اللَّه)).
(وقد قال عليه السلام: ((لا تؤذوا الأحياء بسب الأموات))، رواه الطبراني في) معجمه
(الصغير) وهو عن كل شيخ له حديث واحد من شيوخه، وقد أبعد المصنف النجعة، فقد رواه
أحمد والترمذي عن مغيرة بن شعبة رفعه، بلفظ: ((لا تسبّوا الأموات، فتؤذوا الأحياء))، (ولا ريب

٣٤٩
ذكر وفاة أمه وما يتعلق بأبويه عد اله
أن أذاه عليه السلام كفر يقتل فاعله - إن لم يتب - عندنا. وستأتي مباحث ذلك إن شاء
الله تعالى في الخصائص من مقصد المعجزات.
أن أذاه عليه السلام كفر يقتل فاعله، إن لم يتب عندنا) أي: الشافعية احترازًا ممن يحتم قتله،
ولو تاب كالمالكية؛ لأنه حدّه فإن أنكر ما شهد به عليه أو تاب غسل وصلّي عليه ودفن في
مقابر المسلمين، وإلاَّ قتل كفرًا ودفن بمقابر الكفار، بلا غسل وصلاة، هذا وقد بيّنا لك أيّها
المالكي حكم الأبوين فإذا سئلت عنهما، فقل: هما ناجيان في الجنَّة، إما لأنهما أحييا حتى آمنا؛
كما جزم به الحافظ السهيلي والقرطبي وناصر الدين بن المنير، وإن كان الحديث ضعيفًا؛ كما
جزم به أوّلهم ووافقه جماعة من الحفاظ؛ لأنه في منقبة وهي يعمل فيها بالحديث الضعيف. وإما
لأنهما ماتا في الفترة قبل البعثة ولا تعذيب قبلها؛ كما جزم به الأبيّ. وإمّا لأنهما كانا على
الحنيفية والتوحيد لم يتقدّم لهما شرك؛ كما قطع به الإمام السنوسي والتلمساني المتأخّر محشى
الشفاء، فهذا ما وقفنا عليه من نصوص علمائنا ولم نر لغيرهم ما يخالفه إلا ما يشمّ من نفس ابن
دحية، وقد تكفّل بردّه القرطبي.
(وسيأتي مباحث ذلك إن شاء اللَّه تعالى في الخصائص من مقصد المعجزات،) وقد
قال السيوطي: ومن العلماء من لم تقوّ عندهم هذه المسالك، فأبقوا أحاديث مسلم ونحوها على
ظاهرها من غير عدول عنها بنسخ ولا غيره، ومع ذلك قالوا: لا يجوز لأحد أن يذكر ذلك. قال
السهيلي، بعد إيراد حديث مسلم: وليس لنا نحن أن نقول ذلك في أبويه عَلَّهِ؛ لقوله: ((لا تؤذوا
الأحياء بسب الأموات))، والله تعالى يقول: ﴿إن الذين يؤذون اللَّه ورسوله﴾ [الأحزاب: ٥٧]
الآية، وسئل القاضي أبو بكر أحد أئمّة المالكية عن رجل قال: إن أبا النبيّ عَّ في النار، فأجاب
بأنه ملعون؛ لقوله تعالى: ﴿إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعدّ لهم
عذابًا مهينًا﴾ [الأحزاب: ٥٧]، ولا أذى أعظم من أن يقال: أبوه في النار.
ومن العلماء من ذهب إلى الوقف، روى التاج الفاكهاني في الفجر المنير: اللّه أعلم بحال
أبويه، وأخرج ابن عساكر وأبو نعيم والهروي في ذمّ الكلام أن رجلاً من كتاب الشام استعمل
رجلاً على كورة من كوره وكان أبوه يزن بالمنانية، فبلغ ذلك عمر بن عبد العزيز، فقال:
ما حملك على أن تستعمل رجلاً على كورة من كور المسلمين، وكان كان أبوه يزن بالمنانية؟ فقال:
أصلح اللَّه أمير المؤمنين، وما على من كان أبوه، كان أبو النبيّ عَ لَّهِ مشركًا، فقال عمر: آه، ثم
سكت ثم رفع رأسه، ثم قال: أأقطع لسانه! أأقطع يده ورجله! أأضرب عنقه؟ ثم قال: لا تلٍ لي
شيئًا ما بقيت، وعزله عن الدواوين.

٣٥٠
ذكر وفاة أمه وما يتعلق بأبويه عند ظه.
ولقد أطنب بعض العلماء في الاستدلال لإيمانهما، فالله يثيبه على قصده
الجمیل.
(ولقد أطنب بعض العلماء في الاستدلال لإيمانهما، فاللَّه يثيبه على قصده الجميل،) وقد
بذل السيوطي في ذلك جهده، فألّف فيه ستّ مؤلفات حفلة، ولذا قيل: لعلَّ المصنّف أراده فإن
ذلك عادته في النقل عنه، قال في مسالك الحنفاء: وقد سئلت أن أنظم في هذه المسألة أبياتًا
أختم بها هذا التأليف، فقلت:
فجماعة أجروهما مجرى الذي
والحكم فيمن لم تجئه دعوة
فبذاك قال الشافعية كلهم
وبسورة الإسراء فيه حجّة
ولبعض أهل الفقه في تعليله
ونحا الإمام الفخر رازي الورى
اذ هم على الفطر الذي ولدوا ولم
. قال الأولى ولدوا النبيّ المصطفى
من آدم لأبيه عبد اللَّه ما
فالمشركون كما بسورة توبة
وبسورة الشعراء فيه تقلّبًا
هذا كلام الشيخ فخر الدين في
فجزاه رب العرش خير جزائه
فلقد تديّن في زمان الجاهلـ
زيد بن عمرو وابن نوفل هكـ
قد فسر السبكي بذاك مقالة
إذ لم تزل عين الرضا منه على الصـ
عادت عليه صحبة الهادي فما
فلأُمّه وأبوه أحرى سيّما
إن الذي بعث النبيّ محمّدًا أنجى به الثقلين مما يجحف
ولأمه وأبيه حكم شائع أبداه أهل العلم فيما صنفوا
لم يأته خبر الدعاة المسعف
أن لا عذاب عليه حكم مؤلف
والأشعرية ما بهم متوقف
وبنحو ذا في الذكرى آي تعرف
معنى أرقٌّ من النسيم وألطف
منحى به للسامعين تشنف
يظهر عناد منهم وتخلّف
كل من التوحيد إذ يتحتّف
فيهم أخو شرك ولا يستنكف
نجس وكلّهم بطهر يوصف
في الساجدين فكلّهم متحلّف
أسراره هبطت عليه الذرف
وحباه جنّات النعيم تزخرف
ـية فرقة دين الهدى وتحنّفوا
ـذا الصديق ما شرك عليه يعكف
للأشعري وما سواه مزيّف
ـديق وهو بطول عمر أحنف
في الجاهلية للضلالة يعرف
ورأت من الآيات ما لا يوصف

٣٥١
ذكر وفاة أمه وما يتعلق بأبويه سيظل.
وقد قال الحافظ ابن حجر في بعض كتبه: والظن بآله عَّ - يعني الذين
ماتوا قبل البعثة - أنهم يطيعون عند الامتحان
وجماعة ذهبوا إلى إحيائه أبويه حتى آمنوا لا تخرفوا
وروى ابن شاهين حديثًا مسندًا في ذاك لكن الحديث مضعف
لكفى فكيف بها إذا تتألّف
أدبًا ولكن أين من هو منصف
هذي مسالك لو تفرّد بعضها
وبحسب من لا يرتضيها صمته
صلى الإله على النبيّ محمّد ما جدد الدين الحنيف محنف
وعلى صحابته الكرام وآله أوفى رضاه يدوم لا يتوقّف
(وقد قال الحافظ ابن حجر في بعض كتبه والظن بآله عَّة، يعني الذين ماتوا قبل
البعثة أنهم يطيعون عند الامتحان،) يوم القيامة. أخرج البزار وأبو يعلى عن أنس، قال: قال عَلَّه:
(يؤتى بأربعة يوم القيامة: بالمولود والمعتوه، ومن مات في الفترة، والشيخ الفاني؛ كلّهم يتكلم
بحجّته، فيقول الربّ تعالى لعنق من النار: ابرز، ويقول لهم: إني كنت أبعث إلى عبادي رسلاً
من أنفسهم وإني رسول نفسي إليكم، ادخلوا هذه؛ فيقول من كتب عليه الشقاء: يا ربّ أندخلها
ومنها كنا نفرّ، ومن كتبت عليه السعادة يمضي فيقتحم فيها مسرعًا، فيقول الله: قد عصيتموني
فأنتم لرسلي أشدّ تكذيبًا ومعصية، فيدخل هؤلاء الجنَّة وهؤلاء النار)).
وأخرج أحمد وابن راهويه والبيهقي، صحّحه عن الأسود بن سريع وأبي هريرة معًا، رفعاه:
((أربعة يحتجّون يوم القيامة: رجل أصمّ لا يسمع شيئًا، ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات
في فترة. فأمَّا الأصمّ، فيقول: رب لقد جاء الإسلام وما أسمع شيئًا. وأمَّا الأحمق، فيقول: ربّ
لقد جاء الإسلام والصبيان يحذفونني بالبعر. وأمّا الهرم، فيقول: ربّ لقد جاء الإسلام، وما أعقل
شيئًا. وأما الذي مات في الفترة، فيقول: ربّ ما أتاني لك رسول فيأخذ مواثيقهم ليطيعّه فيرسل
إليهم: أن ادخلوا النار، فمن دخلها كانت عليه بردًا وسلامًا، ومن لم يدخلها يسحب إليها)).
وأخرج البزّار عن أبي سعيد رفعه: ((الهالك في الفترة والمعتوه والمولود، يقول الهالك في
الفترة: لم يأتني كتاب، ويقول المعتوه: ربّ لم تجعل لي عقلاً أعقل به خيرًا ولا شرًا، ويقول
المولود: ربّ لم أدرك العقل؛ فترفع لهم نار فيردها من كان في علم اللَّه سعيدًا ويمسك عنها من
كان في علم اللَّه شقيًّا لو أدرك العمل)).
وروى البزار عن ثوبان والطبراني وأبو نعيم عن معاذ رفعاه: «إذا كان يوم القيامة جاء أهل
الجاهلية يحملون أوثانهم على ظهورهم فيسألهم ربّهم، فيقولون: ربّنا لم ترسل لنا رسولاً ولم
يأتنا لك أمر، ولو أرسلت إلينا رسولاً لكنَّا أطوع عبادك، فيقول لهم ربّهم: أرأيتم إن أمرتكم بأمر

٣٥٢
ذكر وفاة أمه وما يتعلق بأبويه عَليه
إكرامًا له عَ لَّه لتقر عينه.
وقال في الأحكام: ونحن نرجو أن يدخل عبد المطلب الجنة في جملة من
يدخلها طائعًا فينجو، إلا أبا طالب فإنه أدرك البعثة ولم يؤمن.
أتطيعوني؟))، وذ کر نحو ما تقدم.
وفي الباب أحاديث أُخر كما مرّت الإشارة إليه، فإذا أطاع جماعة؛ كما هو صريح
الأحاديث فما الظنّ بالآل إلاَّ أنهم يطيعون ويدخلون الجنَّة. (إكرامًا له عَّةٍ) وكفى بظن هذا
الحافظ حجّة إذ لا يقوله إلاَّ عن أدلّة كالنهار، (وقال في الأحكام) وكذا في الإصابة (ونحن
نرجو أن يدخل عبد المطّلب وآل بيته الجنّة في جملة من يدخلها طائعًا، فينجو) لأنه ورد
ما يدلّ على أنه كان على الحنيفية والتوحيد حيث تبرّأ من الصليب وعابديه، فقد روى ابن سعد
عن ابن عباس، أنه قال لمّا قدم أصحاب الفيل:
مع رحله فامنع رحالك
لا هم إن المرءينـ
لا يغلبن صليبهم
ومحالهم عدوا محالك
وأورده جماعة بلفظ:
وآنصر على آل الصليــب وعابديه اليوم آلك
وفي طبقات ابن سعد بأسانيده أن عبد المطّلب، قال لأَمّ أيمن: يا بركة لا تغفليٍ عن ابني
فإني وجدته مع غلمان قريبًا من السدرة وإن أهل الكتاب يقولون: إن ابني نبيّ هذه الأمّة، وقال
الشهرستاني: مما يدلّ على إثباته المعاد والمبدأ أنه كان يضرب بالقداح على ابنه، ويقول:
يا ربّ أنت الملك المحمود وأنت ربّي الملك المعيد
من عند الطارف والتليد
ومما يدلّ على معرفته بحال الرسالة وشرف النبوّة أن أهل مكة لمّا أصابهم ذلك الجدب
أمر أبا طالب أن يحضر بالنبيّ عَّه وهو صغير، فاستسقى به.
(إلا أبا طالب) لا ينجو (فإنه أدرك البعثة ولم يؤمن،) وقد ثبت في الصحيح: أنه أهون
أهل النار عذابًا، قال السيوطي: فهذا مما يدلّ على أن أبوي النبيّ عَِّ ليسا في النار، إذ لو كانا
فيها أهون عذابًا، منه؛ لأنها أقرب منه مكانًا وأبسط عذرًا فإنهما لم يدركا البعثة ولا عرض
عليهما الإسلام فامتنعا بخلافه، وقد أخبر الصادق المصدوق أنه أهون أهل النار عذابًا فليس أبواه
من أهلها، وهذا يسمّى عند أهل الأصول دلالة الإشارة، ولم يقل وإلا أبا لهب للقطع بكفره فلا
يحتاج لإخراجه.

٣٥٣
ذكر وفاة أمه وما يتعلق بأبويه عَـ
وقد كانت أم أيمن، بركة، دايته وحاضنته بعد موت أمه، وكان عليه السلام
يقول لها: أنت أمي بعد أمي.
ومات جده عبد المطلب كافله، وله ثمان سنين- وقيل ثمان سنين وشهر
وعشرة أيام، وقيل تسع، وقيل عشر، وقيل ست، وقيل ثلاث وفيه نظر - وله عشر
ومائة سنة، وقيل مائة وأربعون سنة.
(وقد كانت أُمّ أيمن) بفتح الهمزة وسكون التحتية وفتح الميم وبالنون ابن عبيد الخزرجي
المستشهد يوم حنين، (بركة) الحبشية (دايته وحاضنته بعد موت أُمّه، وكان عليه السلام يقول
لها: أنت أُتي بعد أُمّي) أي: كأمي في رعايتك لي وتعظيمي والشفقة عليّ أو في رعايتي لك
واحترامك، وقد كانت تدلّ عليه عَِّ وكان العمران يزورانها بعده، وكانت تبكي وتقول: أنا
أبكي لخبر السماء كيف انقطع عنّا.
ومن مناقبها الشریفة ما رواه ابن سعد، قال: حدّثنا أبو أُسامة حماد ابن أُسامة عن جرير بن
حازم، قال: سمعت عثمن بن القاسم يحدّث، قال: هاجرت أُمّ أيمن أمست بالمنصرف دون
الروحاء فعطشت فدلّي عليها من السماء دلو من ماء برشاء أبيض، فأخذته فشربته حتى رويت،
فكانت تقول: ما أصابني بعد ذلك عطش، ولقد تعرضت للصوم في الهواجر فما عطشت بعد
تلك الشربة.
(ومات جدّه عيد المطّلب كافله) بعد أُّه، روي أنها لما ماتت ضته جده إليه ورقّ عليه
رقّة لم يرقّها على ولده، وكان يقرّبه ويدخل عليه إذا خلا وإذا نام ويجلس على فراشه وأولاده
لا يجلسون عليه، وذكر ابن إسحق: إنه كان يوضع لعبد المطّلب فراش في ظلّ الكعبة، وكان
لا يجلس عليه من بنيه أحد إجلالاً له، وكان عَّ يأتي حتى يجلس عليه فتذهب أعمامه
يؤخّرونه، فيقول عبد المطّلب: دعوا ابني ويمسح على ظهره بيده، ويقول: إن لابني هذا لشأنًا،
(وله) عَّلِ (ثمان سنين) فيما جزم به ابن إسحق وتبعه العراقي وتلميذه الحافظ.
(وقيل:) مات وله (ثمان سنين وشهر وعشرة أيام، وقيل:) وله (تسع، وقيل: عشر،
وقيل: ستّ) حكاها مغلطاي وغيره، (وقيل: ثلاث) حكاه ابن عبد البرّ ومغلطاي، قائلاً: (وفيه
نظر؛) لأن أقل ما قيل أنه كان في موت أُمّه ابن أربع سنين، واتّفقوا على أن جدّه كفله بعدها
فكيف يتأتى أن يكون ابن ثلاث، (وله) لعبد المطّلب (عشر ومائة سنة) قدّمه مغلطاي فتبعه
المصنّف هنا.
(وقيل: مائة وأربعون سنة) قاله الزبير بن بكّار عالم النسب، وقال: إنها على ما قيل في

٣٥٤
ذكر وفاة أمه وما يتعلق بأبويه عد اله
وكفله أبو طالب، واسمه عبد مناف، وكان عبد المطلب قد أوصاه بذلك
لكونه شقيق عبد الله.
سنّه، وجزم به السهيلي والمصنّف فيما مرّ، وقيل: وله مائة وعشرون، لكن قال الواقدي: ليس
ذلك يثبت، وقيل: خمس وتسعون، وقيل: اثنتان وثمانون، وقيل: خمس وثمانون، وعمي قبل
موته ودفن على ما ذكر ابن عساكر بالحجون.
(وكفله أبو طالب، واسمه عبد مناف) عند الجميع وشدَّ من قال عمران، بل هو قول باطل
نقله ابن تيمية في كتاب الردّ على الروافض، فقال: زعم بعض الروافض في قوله تعالى: ﴿إِن الله
اصطفى آدم ونوحًا وآل إبراهيم وآل عمران﴾ [آل عمران: ٣٣]، إن آل عمران هم آل أبي طالب،
وأن اسمه عمران ذكره الحافظ في الفتح، وقال الحاكم: تواترت الأخبار أن اسمه كنيته، قال:
ووجدت بخطّ علي الذي لا شكّ فيه، وكتب عليّ بن أبي طالب، قال البرهان: وقد رأيت
بحلب بحارة المغاربة في مسجد يقال له مسجد غورث فيه عمود أسود مكتوب عليه: كتبه
عليّ بن أبي طالب وقد ذكر هذا العمود الكمال بن العديم في أوائل تاريخ حلب، وأنه خطّ عليّ
رضي الله عنه، انتهى.
(وكان عبد المطّلب أوصاه بذلك؛ لكونه شقيق عبد اللَّه) والده دون الحرث ونحوه،
فالقصر إضافي فلا يرد أن الزبير شقيقه أيضًا، وقد قيل: شاركه في كفالته وخصَّ أبو طالب
بالذكر لامتداد حياته، فإن الزبير لم يدرك الإسلام، وقيل: أقرع عبد المطلب بينهما فخرجت
القرعة لأبي طالب.
وفي أسد الغابة للحافظ عزّ الدين بن الأثير: كفله أبو طالب؛ لأنه شقيق أبيه وكذلك الزبير
لكن كفالة أبي طالب إمَّا لوصية عبد المطّلب، وإمّا لأن الزبير كفله حتى مات، ثم كفله أبو
طالب، وهذا غلط؛ لأن الزبير شهد حلف الفضول وللمصطفى نيّف وعشرون سنة، وأجمع
العلماء على أنه شخص مع أبي طالب إلى الشام بعد موت عبد المطّلب بأقلّ من خمس سنين،
فهذا يدلّ على أن أبا طالب هو الذي كفله، انتهى.
وذكر الواقدي أن عيال أبي طالب كانوا إذا أكلوا جميعًا أو فرادى لم يشبعوا، وإذا أكل
المصطفى معهم شبعوا، فكان أبو طالب إذا أراد أن يغذّيهم أو يعشّيهم، يقول: كما أنتم حتى
يأتي ابني، فيأتي فيأكل معهم فيفضل من طعامهم، وإذا كان لبنًا شرب أوّلهم ثم يشربون فيروون
كلّهم من قعب واحد، وإن كان أحدهم ليشرب قعبًا وحده، فيقول أبو طالب: إنك لمبارك.
وروى أبو نعيم وغيره، عن ابن عباس، قال: كان بنو أبي طالب يصبحون عمشًا رمضًا

٣٥٥
ذكر وفاة أمه وما يتعلق بأبويه معتلّة.
وقد أخرج ابن عساكر عن جلهمة ابن عرفطة قال: قدمت مكة وهم في
قحط، فقالت قريش: يا أبا طالب، أقحط الوادي وأجدب العيال، فهلم فاستسق،
فخرج أبو طالب، ومعه غلام كأنه شمس دجن، تجلت عنه سحابة قتماء، وحوله
أغيلمة فأخذه أبو طالب، فألصق ظهره بالكعبة، ولاذ الغلام بأصبعه،
ويصبح محمّد عَّه صقيلاً دهينًا كحيلاً، وكان أبو طالب يحبّه حبًّا شديدًا لا يحبّ أولاده
كذلك، ولذا لا ينام إلا إلى جنبه ويخرج به متی خرج.
وذكر ابن قتيبة في غريب الحديث: إنه كان يوضع له الطعام ولصبية أبي طالب
فيتطاولون إليه ويتقاصر هو وتمتد أيديهم وتنقبض يده تكرّمًا منه واستحياء ونزاهة نفس وقناعة
قلب، ويصبحون عمصًا رمضًا مصفرة ألوانهم ويصبح هو عَّ صقيلاً دهينًا كأنه في أنعم عيش
وأعزّ كفاية لطفًا من اللَّه به.
(وقد أخرج ابن عساكر عن جلهمة) بضم الجيم وتفتح؛ كما في القاموس (ابن عرفطة)
بضم العين والفاء، (قال: قدمت مكّة وهم في قحط) بسكون الحاء، وحكى الفرّاء فتحها، أي:
وأهل مكّة في زمن شدّة لاحتباس المطر عنهم، (فقالت قريش:) بعد أن تشاوروا، فلفظ الحديث
عند ابن عساكر: قدمت مكّة وقريش في قحط، فقائل منهم يقول: أعمدوا اللّت والعزّى، وقائل
منهم: أعمدوا منات الثالثة الأخرى، فقال شيخ وسيم حسن الوجه جيّد الرأي: أنّى تؤفكون،
وفيكم باقية إبراهيم وسلالة إسمعيل؟ قالوا: كأنك عنيت أبا طالب، قال: أيّها، فقاموا بأجمعهم
فقمت فدققنا عليه الباب فخرج إلينا فثاروا إليه، فقالوا: (يا أبا طالب، اقحط) بالبناء للفاعل
والمفعول (الوادي) أصابه القحط، (وأجدب العيال، فهلمّ) اسم فعل يستعمل متعديًّا؛ كقوله
تعالى: ﴿هلمّ شهداء كم﴾ [الأنعام: ١٥٠]، ولازمًا كما هنا (فاستسق، فخرج أبو طالب ومعه
غلام) هو النبيّ عَّهِ، (كأنه شمس دجن) بضم الدال المهملة والجيم وشدّ النون على مفاد قول
القاموس: كعتل الظلمة والغيم المطبق الريان المظلم لا مطر فيه، ثم يحتمل تنوين دجن على
الوصف؛ أي: كأنه شمس كسيت ظلمة والإضافة، أي: شمس ذات يوم ظلمة أو ذات يوم
دجن، أي: مظلم، (تجلّت عنه سحابة قتماء) بفتح القاف وسكون الفوقيّة والمدّ تأنيث أقتم،
أي: سحابة يعلوها سواد غير شديد وهذا من بديع التشبيه، فإن شمس يوم الغيم حين ينجلي
سحابها الرقيق تكون مضيئة مشرقة مقبولة للناس ليست محرقة، (وحوله أغيلمة) تصغير أغلمة
جمع غلام، ويجمع أيضًا على غلمة وغلمان؛ كما في القاموس وصغر إشارة إلى صغرهم؛ لأنه
الغلام قد يطلق على البالغ؛ كما مرّ. (فأخذه) أي: الغلام، (أبو طالب فألصق ظهره) أي: ظهر
الغلام (بالكعبة ولاذ) التجأ (الغلام بأصبعه) أي: أصبع نفسه السبابة على الظاهر؛ لأن الذي يشار

٣٥٦
ذكر وفاة أمه وما يتعلق بأبويه علّ.
وما في السماء قزعة، فأقبل السحاب من ها هنا وها هنا، وأغدق واغدودق،
وانفجر له الوادي، وأخصب النادي والبادي. وفي هذا يقول أبو طالب:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامي عصمة للأرامل
به غالبًا، ولعلَّ المعني: أشار به إلى السماء كالمتضرّع الملتجىء. وفسر الشامي: لاذ بطاف
والأوّل أولى وأغرب من رجعٍ ضمير أصبعه لأبي طالب؛ أي: أمسك المصطفى أصبعه؛ لأنه
خلاف الظاهر من معنى لاذ، لأنه إنما جاء بمعنى التجأ ودنا وطاف.
(وما في السماء قزعة) بقاف فزاي فعين مهملة مفتوحات فهاء، أي: قطعة من السحاب
كما في القاموس. (فأقبل السحاب من لههنا ولههنا) أي: من جميع الجهات لا من جهة دون
أخرى، (وأغدق) السحاب، أي: كثر ماؤه والإسناد مجازى، (واغدودق) مرادف، ففي القاموس:
أغدق المطر واغدودق كثر قطره، (وانفجر له) للسحاب (الوادي) أي: جرى الماء فيه وسال،
(وأخصب النادي) بالنون أهل الحضر (والبادي) بالموحدة أهل البادية، أي: أخصبت الأرض
للفريقين، (وفي هذا يقول أبو طالب) يذكر قريشًا حين التمالؤ عليه عَّ يده وبركته عليهم من
صغره، (وأبيض) بفتح الضاد مجرور برب مقدرة؛ كما صدر به الحافظ كالكراماني والسيوطي،
وجزم به في المغني أو منصوب، قال الحافظ: بإضمار أعني أو أخص، قال: والراجح أنه بالنصب
عطفًا على سيّد المنصوب في البيت قبله، وهو:
وما ترك قوم لا أبا لك سيّدًا يحوط الذمار غير ذرب مواكل
انتهى. وبه قطع الدماميني في مصابيحه وردّ به على ابن هشام، واستظهره في شرح
المغني، وقال: هو من عطف الصفات التي موصوفها واحد أو مرفوع خبر مبتدأ محذوف، وقاله
الكرماني وأفاده المصنّف عن ضبط الشرف اليونيني في نسخته من البخاري، أي: هو أبيض
فقوله: سيّدًا معمول ترك بسكون الراء، والذمار بكسر الذال المعجمة: ما يحقّ على الإنسان
حمايته. والذرب بذال معجمة وموحدة على زنة كتف سكّنت راؤه تخفيفًا، وهو الحاد.
والمواكل المتكل على غيره. وفي رواية بدل وأبيض وأبلج من البلج بفتحين وهو نقاء ما بين
الحاجبين من الشعر.
(يستسقى) بالبناء للمفعول (الغمام) السحاب (بوجهه) أي: يطلب السقي من الغمام
بوجهه، والمراد ذاته، أي: يتوسّل إلى اللَّه به، (ثمال اليتامي عصمة للأرامل.) قال الدماميني:
بنصب ثمال وعصمة ويجوز رفعهما على أنهما خبرًا محذوف، زاد المصنّف: وبجرّهما على أن
أبيض مجرور.

٣٥٧
ذکر وفاة أمه وما يتعلق بأبويه ټٹ.
يلوذ به الهلاك من آل هاشم فهم عنده في نعمة وفواضل
والثمال - بكسر المثلثة -: الملجأ والغياث، وقيل: المطعم في الشدة.
وعصمة للأرامل: أي يمنعهم من الضياع والحاجة. والأرامل: المساكين من
رجال ونساء، ويقال لكل واحد من الفريقين على انفراده: أرمل، وهو بالنساء
أخص، وأكثر استعمالاً، والواحد أرمل وأرملة.
(يلوذ) يلتجىء (به الهلاك) جمع هالك، أي: المشرفون على الهلاك، (من آل هاشم) وإذا
التجأ إليه هؤلاء السراة فغيرهم أولى، (فهم عنده في نعمة) يد ومنّة على حذف مضاف، أي:
في ذوي نعمة، أي: سعة وخير أو جعل النعمة ظرفًا لهم مبالغة، (وفواضل) عطف خاص على
عام، ففي القاموس الفواضل الأيادي الجسيمة أو الجميلة، إذ المراد بالنعمة النعم الكثيرة الشاملة
للنعم العظيمة والدقيقة، وثبت البيت الثاني في بعض النسخ وأكثرها بحذفه ويدلّ له قوله الآتي:
وهذا البيت حيث لم يقل، وهذان البيتان (والثمال بكسر المثلثة) وتخفيض الميم هو (الملجأ
والغياث) اسم مصدر من أغاثه، أي: أعانه ونصره، والمراد: أنه يلتجأ إليه ويستعان به فهما
متساويان معنى، (وقيل: المطعم في الشدّة) ويصحّ إرادتهما معًا هنا، ومن ثم قال الحافظ
الثمال: العماد والملجأ والمطعم والمغيث والمعين والكافي قد أطلق على كل من ذلك،
(و)قوله: (عصمة للأرامل) أي: (يمنعهم من الضياع والحاجة) عطف تفسير، أي: الاحتياج وما
ألطف قول الفتح، أي: يمنعهم مما يضرّهم، (والأرامل المساكين من رجال ونساء) قاله ابن
السكيت، قال: ويقال لهم وإن لم يكن فيهم نساء، (ويقال لكل واحد من الفريقين على انفراده:
أرمل،) قال جرير:
هذي الأرامل قد قضيت حاجتها فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر
(وهو بالنساء أخص) أليق (وأكثر استعمالاً) عطف تفسير، (والواحد أرمل و) الواحدة
(أرملة) بالهاء، وفي الفتح: الأرامل جمع أرملة، وهي الفقيرة التي لا زوج لها، وقد يستعمل في
الرجل أيضًا مجازًا ومن ثمّ لو أوصى للأرامل خصّ النساء دون الرجال، انتهى.
وفي هذا الحديث من الفوائد أن أبا طالب منشىء البيت، وأنه قال: يستسقى الغمام
بوجهه عن مشاهدة فلا يردّ أن الاستسقاء إنما كان بعد الهجرة وهو قد مات قبلها، وقد شاهده
مرة أخرى قبل ذلك فروى الخطابي حديثًا فيه: أن قريشًا تتابعت عليهم سنو جدب في حياة
عبد المطّلب، فارتقى هو ومن حضره من قريش أبا قبيس، فقام عبد المطّلب واعتضده عَّه فرفعه
على عاتقه وهو يومئذ غلام قد أيفع أو قرب، ثم دعا فسقوا في الحال فقد شاهد أبو طالب

٣٥٨
ذكر وفاة أمه وما يتعلق بأبويه عَّه
وهذا البيت من أبيات في قصيدة لأبي طالب، ذكرها ابن إسحق بطولها،
وهي أكثر من ثمانين بيتًا. قالها لما تمالأت قريش على النبي عَِّ، ونفروا عنه من
يريد الإسلام، وأولها:
لما رأيت القوم لا ود عندهم
ما دلّه على ما قال، ذكره السهيلي في الروض.
وقول الفتح: يحتمل أنه مدحه بذلك لما رأى من مخايل ذلك فيه، وإن لم يشاهد وقوعه
عجيب؛ كما قال في شرح الهمزية وغفلة عن رواية ابن عساكر هذه إذ لو استحضرها لم يبد
هذا الاحتمال، انتهى. وأعجب منه جزم السيوطي به، وبنحو هذا لوّح المصنّف في المقصد
التاسع، فقال بعد ذكره: احتمال الحافظ، قلت: قد أخرج ابن عساكر، فذكره.
(وهذا البيت من أبيات في قصيدة لأبي طالب) على الصواب، وقول الدميري وتبعه
جماعة أنه لعبد المطّلب غلط، فقد أخرج البيهقي عن أنس، قال: جاء أعرابي إلى
رسول اللَّه عَّةِ، فقال: يا رسول اللَّه! أتيناك وما لنا صبي يغط ولا بغير يقط، وأنشد أبياتًا،
فقام عَّله يجرّ رداءه حتى صعد المنبر، فرفع يديه إلى السماء ودعا، فما ردّ يديه حتى التقت السماء
بأبراقها وجاؤوا يضّون الغرق، فضحك عَِّ حتى بدت نواجذه، ثم قال: ((للَّه درّ أبي طالب، لو
كان حيًّا لقرّت عيناه، من ينشدنا قوله))، فقال عليّ: يا رسول اللَّه كأنك تريد قوله: وأبيض
يستسقى ... وذكر أبياتًا، فقال عَِّ: ((أجل))، فهذا نصّ صريح من الصادق بأن أبا طالب منشىء
البيت نبّه عليه في شرح الهمزية، وقد ساق المصنّف خبر البيهقي بتمامه في المقصد التاسع.
(ذكرها ابن إسحق بطولها وهي) عنده (أكثر من ثمانين بيتًا) بثلاثة أبيات في رواية ابن
هشام عن البكائي عنه، قائلاً: هذا ما صح له من هذه القصيدة وبعض علماء الشعر ينكر أكثره،
وفي شرح المصنّف للبخاري وعدّة أبياتها مائة بيت وعشرة أبيات.
وفي المزهر: قال محمّد بن سلام زاد الناس في قصيدة أبي طالب التي فيها: وأبيض
يستسقى الغمام بوجهه وطولت بحيث لا يدري أين منتهاها، وقد سألني الأصمعي عنها، فقلت:
صحيحة، فقال: أتدري منتهاها؟ قلت: لا، وذكر ابن إسحق أنه (قالها: لمَّا تمالأت) اجتمعت
(قريش على) أذى (النبيّ عَلٍ ونفروا عنه من يريد الإسلام) لا عقب استسقائه في صغره به،
ولذا قلت في قوله السابق: وفي ذلك يقول أبو طالب، يذكر قريشًا حين التمالؤ عليه يده وبركته
من صغره ليلتئم مع كلام ابن إسحق هذا، فلا يصحّ زعم أنه أنشد البيت أثر هذه الواقعة، ثم
أكملها بعد البعث إذ مجرّد قوله: وفي ذلك يقول: لا يستلزم كونه قاله عقب الاستسقاء.
(وأوّلها) عند ابن إسحق وتبعه في الفتح، (لمَّا رأيت) علمت (القوم) قريشًا (لا ودّ عندهم)

٣٥٩
ذکر وفاة أمه وما يتعلق بأبويه .
وقد قطعوا كل العرى والوسائل
وقد جاهرونا بالعداوة والأذى وقد طاوعوا أمر العدو المزايل
فلا تشركوا في أمركم كل واغل
تكونوا كما كانت أحاديث وائل
أعبد مناف أنتم خير قومكم
فقد خفت إن لم يصلح الله أمرکم
علينا بسوء أو ملح بباطل
أعوذ برب الناس من كل طاعن
وثور ومن أرسى ثبيرًا مكانه وراقٍ لبر في حراء ونازل
لنا ولفظ ابن إسحق فيهم، وهو ما في الفتح (وقد قطعوا كل العرا) جمع عروة، قال الشامي: أراد
بها العهود (والوسائل) جمع وسيلة وهي القربة، يقال: وسل إلى ربّه وسيلة إذا تقرّب بعمل إليه،
والوسيلة المنزلة عند الملك، انتهى.
(وقد جاهرونا) معشر بني هاشم (بالعداوة والأذى، وقد طاوعوا) فينا (أمر العدوّ المزايل.)
قال الشامي: هو المحاول المعالج، وقال شيخنا: هو المفارق ففي المختار المزايلة المفارقة،
وبعد هذين البيتين:
وقد حالفوا قومًا علينا أظنّه يغضّون غيظًا حلفنا بالأنامل
صبرت لهم نفسي بسمراء سمحة وأبيض عضب من تراث المقاول
فقوله: صبرت ... الخ، جواب لما، ومر الناظم في غرضه إلى أن قال ما أنشده المصنف،
وهو: (أعبد) الهمزة للنداء بتقدير مضاف، أي:
يا آل عبد (مناف أنتم خير قومكم فلا تشركوا في أمركم كل واغل)
هو الضعيف النذل الساقط المقصر في الأشياء والمدّعي نسبًا كاذبًا والداخل على القوم
في طعامهم وشرابهم؛ كما في القاموس. وفيه النذل، أي: بدال معجمة الخسيس من الناس
المحتقر في جمیع أحواله. (فقد خفت إن لم یصلح الله أُمر کم) بالإيمان به ێ (تگونوا كما
كانت) تصيروا كما صارت، (أحاديث وائل أعوذ بربّ الناس) خالقهم ومالكهم، وخصّوا بالذكر
في التنزيل وكلام العرب تشريفًا لهم، (من كل طاعن علينا بسوء أو ملح) أي: متماد (بباطل.)
يقال: ألحّ على الشىء، إذا واظب عليه وبعد هذا البيت عند ابن إسحق:
ومن كاشح يسعى لنا بعبيّة ومن ملحق في الدين ما لم يحاول
وبعده قوله: (وثور) بمثلثة مفتوحة فواو فراء: جبل، (ومن أرسى) أثبت (ثبيرًا) بمثلثة مفتوحة
فموحّدة مكسورة فتحتية فراء (مكانه وراق) صاعد (لبّ بموحدة ضدّ الإثم، (في حراء) بالمدّ
(ونازل) فيه من النزول. هكذا رواه ابن إسحق وغيره.
وأمَّا ابن هشام، فقال: وراق ليرقى من الرقي، قال السهيلي: وهو وهم منه أو من شيخه

٣٦٠
ذكر وفاة أمه وما يتعلق بأبويه ستله.
وبالبيت حق البيت في بطن مكة وبالله إن الله ليس بغافل
كذبتم وبيت الله نبزي محمدًا ولما نطا عن دونه ونناضل
ونسلمه حتى نصرع حوله ونذهل عن أبنائنا والحلائل
ومعنى نناضل: نجادل ونخاصم وندافع.
ونُبزي: هو بالباء الموحدة والزاي نقهر ونغلب.
البكائي، وقد قال البرقي وغيره: الصواب الأوّل وفي الشامية أنه تصحيف ضعيف المعنى، فمعلوم
أن الراقي يرقى، فإنما أقسم بطالب البر يصعد في حراء للتعبّد فيه وبالنازل فيه، (وبالبيت) الكعبة
(حقّ البيت في بطن بكّة) بموحدة لغة جاء بها التنزيل، (وباللَّه) كرّر القسم به تأكيدًا فإنه أقسم
به في قوله: ومن أرسى (إن اللَّه ليس بغافل) عمّا تعملون من عداوتكم لنا وللنبيّ عَ لّه وتمالئكم
عليه وتنقيركّم من يريد الإسلام فيجازيكم على ذلك أشدّ النكال إن لم ترجعوا، وبعد هذا البيت
عند ابن إسحق أربعة عشر بيتًا، وبعدها قوله: (كذبتم وبيت اللَّه) في قولكم (بزي) بضم النون
وسكون الموحّدة وفتح الزاي: نقهر ونغلب (محمّدًا،) كذا ضبطه الشامي، لكن في النهاية أنه
بالتحتية بدل النون ورفع محمّد على أنه نائب فاعل يبزي، ولفظه يبزى، أي: يقهر ويغلب، أراد
لا يبزي فحذف لا من جواب القسم وهي مراده، أي: لا يقهر، (ولما نطا عن) مجزوم بلمًّا
وحذف المفعول ليعتمّ، أي: نطا عنكم وغيركم (دونه ونناضل) بنونين وضاد معجمعة، (ومنها) قوله
بلصق هذا البيت: فاللائق حذف، ومنها كما هو في نسخ (ونسلمه) لكم معشر قريش تفعلون به
ما شئتم، كما قلتم لا (حتى نصرع حوله و) حتى (نذهل) نغفل (عن أبنائنا والحلائل) الزوجات،
واحدها حليلة (ومعنى نناضل نجادل ونخاصم وندافع) عنه، وقال الشأمي: نرامي بالسهام،
(ونبزي هو بالباء الموحّدة، والزاي: نقهر،) وقال الشامي: معناه نسلب (ونغلب)، انتهى. وما أحل
قوله في ختامها عند ابن إسحق:
وأحببته دأب المحب المواصل
لعمري لقد كلّفت وجد أبا أحمد
فمن مثله في الناس أيّ مؤمّل إذا قاسه الحكام عند التفاضل
يوالي إلها ليس عنه بغافل
حليم رشيد عاقل غير طائش
فواللَّه لولا أن أجيء بسبّة
لكنّا اتّبعناه على كل حالة
لقد علموا أن ابننا لا مكذّب
فأصبح فينا أحمد في أرومة
تجر على أشياخنا في المحافل
من الدهر جدًا غير قول التهازل
لدينا ولا يعنى بقول الأباطل
تقصر عنها سورة المتطاول