Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
الاختلاف في ختنه
الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله عَ له: اختتن إبراهيم النبي عَ ليه
وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم
الصحيحين من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه عَّه: ((آختتن) بهمزة وصل (إبراهيم
النبيّ عَّةٍ وهو ابن ثمانين سنة)))) وعند لملك في الموطأ والبخاري في الأدب المفرد، وابن
حبان عن أبي هريرة موقوفًا، وابن السماك وابن حبان أيضًا عنه مرفوعًا: ((وهو ابن مائة وعشرين))،
وزادوا: ((وعاش بعد ذلك ثمانين سنة))، وأُعلّ بأن عمره مائة وعشرون، وردّ بأنه مثله عند ابن أبي
شيبة وابن سعد والحاكم والبيهقي وصحّحاه، وأبي الشيخ في العقيقة من وجه آخر، وزادوا
أيضًا: ((وعاش بعد ذلك ثمانين))، فعلى هذا عاش مائتين. قال الحافظ في الفتح وتبعه السيوطي:
وجمع بعضهم بأن الأول حسب من منذ نبوّته، والثاني حسب من مولده، انتهى. ونحوه قال
الحافظ في موضع آخر: يجمع بأن المراد بقوله: وهو ابن ثمانين من وقت فراق قومه وهجرته من
العراق إلى الشام، وقوله: وهو ابن مائة وعشرين، أي: من مولده، وبأن بعض الرواة رأى مائة
وعشرين، فظنّها إلا عشرين أو عكسه، انتهى.
والأول أولى، إذ الثاني توهيم للرواة بلا داعية مع أن الجمع أمكن بدون توهيمهم، وأمَّا
الجمع بأنه عاش ثمانين غير مختون، وعشرين ومائة مختونًا؛ فردّه ابن القيّم بأنه قال: آختتن وهو
ابن مائة وعشرين، ولم يقل: لمائة وعشرين، وبينهما فرق.
(بالقدوم) بالتخفيف عند أكثر رواه البخاري. وقال النووي ولم يختلف فيه رواه مسلم
اسم آلة البخار، يعني: الفأس؛ كما في رواية ابن عساكر، ورواه الأصيلي والقابسي بالتشديد
وأنكره يعقوب بن شيبة، وقيل: ليس المراد الآلة بل المكان الذي وقع فيه الختان، وهو أيضًا
بالتخفيف والتشديد قرية بالشام، والأكثر على أنه بالتخفيف، وإرادة الآلة؛ كما قاله يحيى بن
سعيد أحد رواته وأنكر النضر بن شميل الموضع ورجّحه البيهقي والقرطبي والزركشي والحافظ
مستدلاً بحديث أبي يعلى: ((أَمِر إبراهيم بالختان فاختتن بقدوم فاشتدّ عليه، فأوحى الله إليه:
عجلت قبل أن نأمرك بآلته، قال: يا ربّ كرهت أن أُؤخّر أمرك))، انتهى. وذكر الحافظ أبو نعيم
نحوه، وقال: قد يتّفق الأمران فيكون قد اختتن بالآلة وفي الموضع، انتهى هذا.
والاستدلال بما ذكر على وجوب الختان لا يصح؛ لأن معنى الآية كما ذكر البيضاوي
والرازي وغيرهما؛ أن اتّبع مّة إبراهيم في التوحيد والدعوى إليه برفق وإيراد الدلائل مرّة بعد
أُخرى، والمجادلة مع كل أحد بحسب فهمه، أي: لا في تفاصيل أحكام الفروع وإلا لم يكن
صاحب شرع مستقلّ بل داعيًا إلى شرع إبراهيم كأنبياء بني إسرائيل، فإنهم كانوا داعين إلى شرع
موسى، وهذا خلاف الإجماع على أنهم قد وقعوا بهذا الاستدلال في محذور، وهو أنهم لا يرون

٢٤٢
الاختلاف في خبته
وبما روى أبو داود من قوله عليه الصلاة والسلام للرجل الذي أسلم: ألق عنك شعر
الكفر واختٹن.
واحتج القفال لوجوبه: بأن بقاء القلفة يحبس النجاسة، ويمنع صحة الصلاة،
فيجب إزالتها.
وقال الفخر الرازي: ((الحكمة من الختان، أن الحشفة قوية الحبس، فما
دامت مستورة بالقلفة تقوي اللذة عند المباشرة، فإذا قطعت القلفة تصلبت الحشفة
فضعفت اللذة، وهو اللائق بشريعتنا تقليلاً للذة لا قطعًا لها، كما تفعل المانوية،
أن شرع من قبلنا شرع لنا، وإن ورد في شرعنا ما يقرّره ولا يردّ هذا على لملك القائل به ما لم
يرد ناسخ؛ لأنه ليس معنى الآية، كما علمت. وعلى التنزّل لو سلمنا أنه من شمولها، فالأمر فيه
لغير الوجوب، بدليل الحديث الناطق بالنسبة.
(و)احتجّوا أيضًا (بما روى أبو داود) وأحمد والواقدي (من قوله عليه الصّلاة والسلام
للرجل الذي أسلم،) وهو كليب الحضرمي أو الجهني ((ألقٍ) ندبًا (عنك شعر الكفر) أزله بحلق
أو غيره كقصّ ونورة من رأس وشارب وإبط وعانة، (وآختتن)))) بالواو، وفي رواية: ((ثم بدّلها))،
روى الإمام أحمد وأبو داود عن ابن جريج، قال: أخبرت عن عثيم، وهو مصغر عثمن بن كثير
ابن كليب عن أبيه عن جدّه، أنه أتى النبيّ عَّه، فقال: قد أسلمت، فقال: (ألقٍ عنك شعر الكفر
وآختتن))، فأفاد الأمر الوجوب؛ لأنه الأصل فيه، والجواب: أن سنده ضعيف، صرّح به الحافظ،
وقال الذهبي: منقطع، وقال ابن القطان: عثيم وأبوه مجهولان فلا حجّة فيه، وعلى فرض حجّته
فليس الأمر للوجوب للحديث الناطق بالسنيّة؛ ولأن أوّله محمول على الندب، بلا ريب.
(واحتجّ القفال لوجوبه بأن بقاء القلفة يحبس النجاسة ويمنع صحّة الصلاة، فتجب
إزالتها) وهذا ممنوع مع قصوره على ختان الرجل دون المرأة، (وقال الفخر الرازي: الحكمة
في الختان) سواء قلنا: بوجوبه أو سنّيته (أن الحشفة قوية الحبس، فما دامت مستورة بالقلفة
تقوّي اللذة) أي: لذّة الجماع، (عند المباشرة، فإذا قطعت القلفة تصلّبت الحشفة فضعفت
اللذّة،) وهذا يخالفه ما مرّ عن الخيضري: أن القلفة تمنع كمال اللذّة، إلا أن يريد على بعد ما
يدركه المجامع من اللذّة بالفعل، ويراد بها عند الفخر قوة الشهوة المقتضية لإطالة الفعل، وكأنه
لعدم ملاقاة حشفة محل الجماع يتأخّر الإنزال، (وهو اللائق بشريعتنا تقليلاً للذّة لا قطعًا لها،
كما تفعل المانوية) من تحريم النكاح وهو قطع لها، وهم أصحاب ماني بن فاتك الزنديق الذي
ظهر في زمن سابور بن أردشير بعد عيسى عليه السلام، وادعى النبوة وأن للعالم أصلين النور

٢٤٣
قد اختلف في عام ولادته معَّه
فذلك إفراط وإبقاء القلفة تفريط، فالعدل الختان)). انتهى.
وإذا قلنا بوجوب الختان، فمحل الوجوب بعد البلوغ على الصحيح من
مذهبنا، لما روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس أنه سئل: مثل من أنت
حيث قبض رسول الله عَ لّه قال: ((وأنا يومئذ مختون وكانوا لا يختنون الرجل حتى
يدرك)). وقال بعض أصحابنا: يجب على الولي أن يختن الصبي قبل البلوغ، والله
أعلم.
وقد اختلف في عام ولادته عَّه:
فالأكثرون على أنه عام الفيل، وبه قال ابن عباس،
خالق الخير، والظلمة خالق الشر، وأنهما قديمان حيان دراكان، فقيل سابور قوله: فلما ملك
بهرام بن هرمز بن سابور سلخه وحشا جلده تبنًا وقتل أصحابه، وبعضهم هرب إلى الصين، وقد
أجاد أبو الطيب في قوله:
وكم لظلام الليل عندي من يد تخبر أن المانوية تكذب
(فذلك) أي: فعل المانوية (إفراط) إسراف ومجاوزة حدّ، (وإبقاء القلفة تفريط) تضييع
وتقصير، (فالعدل) فالوسط بينهما، (الختان، انتهى) كلام الرازي.
(وإذ قلنا بوجوب الختان فمحل الوجوب بعد البلوغ على الصحيح من مذهبنا،) يعني
الشافعية ويندب عندهم في اليوم السابع بعد يوم الولادة (لما روى البخاري في صحيحه) من
طريق إسرائيل عن أبي إسحق عن سعيد (عن ابن عباس أنه سئل مثل) بكسر الميم وسكون
المثلثة، (من أنت حين قبض رسول اللَّه مَ اه؟ قال: وأنا يومئذ مختون.) قال أبو إسحق: أو إسرائيل
أو من دونه، (وقد كانوا لا يختنون) بفتح التحتية وكسر الفوقية؛ كما اقتصر عليه المصنّف،
وظاهره: أنه الرواية وإن جاز ضمّ الفوقية لغة، أي: كانت عادتهم لا يختنون (حتى يدرك) الحلم،
فأفاد نفي الختان قبله، إذ لو طلب قبله لما أطبقوا على تركه قبل البلوغ، قال السخاوي في
البستان والمحفوظ الصحيح أن ابن عباس ولد بالشعب قبل الهجرة بثلاث سنین، فتكون له عند
الوفاة النبويّة ثلاث عشرة سنة وبذلك قطع أهل السير، وصحّحه ابن عبد البرّ، انتهى.
(وقال بعض أصحابنا: يجب على الوليّ أن يختن الصبيّ قبل البلوغ) مقابل لما قدم أنه
الصحيح (والله أعلم) بحقيقة الحكم فيه، (وقد اختلف في عام ولادته عَّةٍ، فالأكثرون) من
العلماء (على أنه ولد عام الفيل، وبه قال ابن عباس) على المحفوظ عنه، ووقع عند البيهقي
والحاكم عن ابن عباس، قال: ولد صلى اللّه عليه وسلّم يوم الفيل، لكن المراد مطلق الوقت

٢٤٤
قد اختلف في عام ولادته علي
ومن العلماء من حكى لاتفاق عليه وقال: كل قول يخالفه وهم.
والمشهور: أنه ولد بعد الفيل بخمسين يومًا، وإليه ذهب السهيلي في
جماعة.
وقيل: بعده بخمسة وخمسين يومًا، وحكاه الدمياطي في آخرين.
وقيل: بشهر، وقيل بأربعين يومًا،
وقيل: بعد الفيل بعشر سنين وقيل: قبل الفيل بخمس عشرة سنة، وقيل:
وغير ذلك.
والمشهور أنه بعد الفيل، لأن قصة الفيل كانت
لقول يحيى بن معين يعني عام الفيل انتهى كما يقال يوم الفتح ويوم بدر، ويحتمل حقيقة اليوم
فهو أخص من الأول وبه صرح ابن حبان في تاريخه، فقال ولد عام الفيل في اليوم الذي بعث
اللَّه فيه الطير الأبابيل على أصحاب الفيل، ذكره الحافظ في شرح الدرر.
(ومن العلماء من حكى الاتّفاق عليه) كابن الجوزي، حيث قال في الصفوة: اتّفقوا على
أنه ولد عام الفيل، وكذا ابن الجزار، (وقال: كل قول يخالفه) فهو (وهم) بفتح الهاء، أي: غلط،
لكن قال مغلطاي: فيه نظر، يعني: لكثرة الخلاف وعلى الأول اختلفوا فيما مضى من ذلك
العام. (والمشهور: أنه ولد بعد الفيل بخمسين يومًا، وإليه ذهب السهيلي في جماعة،) أي:
معهم، (وقيل بعده بخمسة وخمسين يومًا، وحكاه الدمياطي في) أي: مع (آخرين) منهم أبو
جعفر محمد بن علي، قال: ولد ◌َّه يوم الاثنين لعشر خلون من ربيع الأول، وكان قدوم الفيل
للنصف من المحرم، فبين الفيل ومولده خمس وخمسون ليلة نقله في المنتقى، وفي العيون ذكر
الخوارزمي وغيره: أن قدوم الفيل مكّة يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة بقيت من المحرم، وكان أوّل
المحرم تلك السنة يوم الجمعة. (وقيل) ولد بعده (بشهر) واحد، (وقيل: بأربعين يومًا) حكاهما
مغلطاي واليعمري، (وقيل:) بل ولد (بعد) عام (الفيل) واختلفوا في مدّته، فقيل: بعده بسنتين،
وقيل: بعد الفيل(بعشر سنين).
قال مغلطاي: يروى هذا القول عن الزهري، ولا يصحّ. (وقيل:) بل ولد (قبل الفيل) لا
بعده (بخمس عشرة سنة) وسيأتي ردّه (وقيل غير ذلك،) فقيل: بعده بثلاثين عامًا، وقيل: بأربعين
عامًا، وقيل: بسبعين عامًا، وقيل: بثلاثة وعشرين عامًا، حكاها كلّها مغلطاي، ثم ردّ المصنّف
القول بأنه ولد قبل الفيل، بقوله: (والمشهور: أنه ولد بعد الفيل) لا قبله؛ (لأن قصّة الفيل كانت

٢٤٥
قد اختلف في عام ولادته ێ.
توطئة لنبوته، وتقدمة لظهوره وبعثته، وإلا فأصحاب الفيل - كما قاله ابن القيم-
كانوا نصارى أهل كتاب، وكان دينهم خيرًا من دين أهل مكة إذ ذاك، لأنهم
كانوا عبادا أوثان، فنصرهم الله تعالى على أهل الكتاب نصرًا لا صنع للبشر فيه،
إرهاصًا وتقدمة للنبي عَّله الذي خرج من مكة، وتعظيمًا للبلد الحرام.
واختلف أيضًا في الشهر الذي ولد فيه.
والمشهور: أنه ولد في شهر ربيع الأول، وهو قول جمهور العلماء. ونقل
ابن الجوزي الاتفاق عليه.
وفيه نظر: فقد قيل في صفر، وقيل في ربيع الآخر.
وقيل في رجب، ولا يصح.
وقيل: في شهر رمضان،
توطئة) تمهيدًا (لنبوّته وتقدمة لظهوره) لوجوده (وبعثته،) وقد وجد قبل وجوده خوارق كثيرة؛
ككثرة الهواتف، وأخبار الأحبار والكهّان، فلا يرد ما قيل الإرهاص إنما يكون بما يوجد بعد مولده
وقبل البعثة، إمّا لأن التعبير بالإرهاص مجاز، وإمّا لمنع تخصيص الإرهاص بما بعد الوجود، بل
هو شامل لكل ما تقدم البعث من خوارق قبل وجوده أم بعده. (وإلاّ) يكن توطئة له بل لشرف
أهل مكّة كان القياس العكس، (فأصحاب الفيل) أي: القوم الذين جاؤوا به.
(كما قال ابن القيم: كانوا نصارى أهل كتاب) وهو الإنجيل (وكان دينهم خيرًا من دین
أهل مكّة إذ ذاك،) ألم ترَ أنه عَ ل كان يحبّ موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشىء؛ كما
في الصحيح. (لأنهم كانوا عباد أوثان) أصنام لا كتاب لهم، (فنصرهم اللَّه تعالى على أهل
الكتاب) مع كونهم خيرًا منهم، (نصرًا لا صنع للبشر فيه إرهاصًا وتقدمة للنبيّ عَّلِ الذي خرج)
وجد (من مكة، وتعظيمًا للبلد الحرام،) لا لما كان عليه أهله (واختلف أيضًا في الشهر الذي
ولد فيه،) أهو ربيع أم غيره؟ (والمشهور: أنه ولد في ربيع الأول، وهو قول جمهور العلماء،)
بضم الجيم معظمهم وجلهم، ونقل التلمساني فتح الجيم أيضًا وأتى به بعد المشهور؛ لأن
مجرد الشهرة لا تستلزم كثرة القائل لجواز أن يشتهر عن واحد مع مخالفة غيره له أو سكوته عنه.
(ونقل) العلاَّمة الحافظ أبو الفرج عبد الرحمن (ابن الجوزي الاتّفاق عليه،) فقال في
الصفوة: اتّفقوا على أنه عَّه ولد بمكّة يوم الاثنين في شهر ربيع الأول عام الفيل، (وفيه) أي:
نقل الاتّفاق (نظر، فقد قيل: في صفر، وقيل: في ربيع الآخر) حكاهما مغلطاي وغيره،
(وقيل: في رجب، ولا يصحّ) هذا القول، (وقيل: في شهر رمضان) حكاه اليعمري ومغلطاي.

٢٤٦
قد اختلف في عام ولادته عليّة
وروي عن ابن عمر بإسناد لا يصح، وهو موافق لمن قال: إن أمه حملت به في
أيام التشريق.
وأغرب من قال: ولد في عاشوراء.
وكذا اختلف أيضًا في أي يوم من الشهر:
فقيل إنه غير معين، إنما ولد يوم الإثنين من ربيع الأول من غير تعيين،
والجمهور على أنه يوم معين.
فقيل: لليلتين خلتا منه.
وقيل: لثمان خلت منه، قال الشيخ قطب الدين القسطلاني: وهو اختيار
أكثر أهل الحديث، ونقل عن ابن عباس وجبير بن مطعم،
(وروي) هذا القول بأنه في شهر رمضان (عن ابن عمر بإسناد لا يصحّ، وهو موافق لمن قال: إن
أُمَه حملت به أيام التشريق،) هي ثلاثة أو يومان بعد يوم النحر، سميّت بذلك لأنهم يشرقون،
أي: يقطعون فيها لحوم الأضاحي أو لصلاة العيد بعد وقت شروق الشمس، يعني: يوافقه على
أن الحمل تسعة أشهر.
(وأغرب من قال) جاء بقول غريب لا يعرف، (ولد في يوم عاشوراء) فشهر الولادة
المحرم، وحكاه مغلطاي فحصل في شهر الولادة ستة أقوال، (وكذا اختلف أيضًا في أيّ يوم من
الشهر) ولد، (فقيل: إنه) أي: اليوم الذي ولد فيه (غير معيّن) بأنه آخر الشهر أو غيره، (إنما) ثبت
عند صاحب هذا الفيل أنه (ولد يوم الاثنين من ربيع الأوّل من غير تعيين،) لكونه ثانية أو ثامنة
أو غيرهما، (والجمهور على أنه معيّن) لكن اختلفوا في تعيينه، (فقيل:) ولد (لليلتين خلتا منه)
من ربيع الأول؛ فيوم ولادته ثانيه، وبه صدر مغلطاي (وقيل: لثمان خلت منه)
(قال الشيخ قطب الدين) أبو بكر محمد بن أحمد بن علي المصري (القسطلاني)
الشافعي، جمع بين العلم والعمل وألّف في الحديث والتصوّف وتاريخ مصر، ولد بمصر سنة أربع
عشرة وستّمائة، ومات في محرم سنة ستّ وثمانين وستمائة نسبة إلى قسطلينة من اقليم أفريقية؛
كما قال هو رحمه اللَّه في تاريخ مصر، ونقله عنه ابن فرحون في الديباج في ترجمة أحمد بن
علي المصري المالكي المعروف بابن القسطلاني ولم يضبطه، وقال القطب الحلبي في تاريخه:
كأنه منسوب إلى قسطلينة بضم القاف من أعمال أفريقية بالمغرب، انتهى. وبعضهم ضبطه بفتح
القاف وشدّ اللام، (وهو اختيار أكثر أهل الحديث، ونقل عن ابن عباس وجبير بن مطعم)

٢٤٧
قد اختلف في عام ولادته عَ ليه
وهو اختيار أكثر من له معرفة بهذا الشأن، واختاره الحميدي، وشيخه ابن حزم،
وحكى القضاعي في ((عيون المعارف)) إجماع أهل الزيج عليه، ورواه الزهري عن
محمد بن جبير بن مطعم، و کان عارفًا
النوفلي (وهو اختيار أكثر من له معرفة بهذا الشأن،) يعني التاريخ (واختاره) الحافظ أبو عبد الله
محمّد بن أبي نصر فتوح بن عبد الله بن فتوح بن حميد الأزدي (الحميدي) بضم الحاء مصغر
نسبة لجده الأعلى حميد المذكور الأندلسي الظاهري من كبار تلامذة ابن حزم صاحب الجمع
بين الصحيحين فريد عصره علمًا غزيرًا وفضلاً ونبلاً وحفظًا وورعًا، الثبت الإمام في الحديث
والفقه والأدب والعربية والترسّل عن الخطيب وطبقته وسمع بالأندلس ومصر والشام والعراق
والحجاز، وعنه ابن ماكولا وغيره مات سنة ثمان وثمانين وأربعمائة ومن نظمه، كما قال شيخ
الإسلام:
لقاء الناس ليس يفيد شيئًا سوى الهذيان من قيل وقال
فأقلل من لقاء الناس إلا لأخذ العلم أو إصلاح حال
(وشيخه) الحافظ أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد (بن حزم) الأموي مولاهم اليزيدي
القرطبي الظاهري الإمام العلامة الزاهد الورع له المنتهى في الذكاء والحفظ مع توسّعه في علوم
اللسان والبلاغة والشعر والسير والأخبار، توفي سنة سبع وخمسين وأربعمائة، (وحكى القضاعي)
بضم القاف وضاد معجمة وعين مهملة نسبة إلى قضاعة شعب من معد أو من اليمن، أبو عبد اللَّه
محمد بن سلامة بن جعفر الفقيه الشافعي قاضي مصر صاحب الشهاب والخطط وغيرهما، روى
عنه الخطيب البغدادي، قال ابن ماكولا: كان متفتّنًا في عدّة علوم، توفي بمصر ليلة الخميس
سابع عشر ذي القعدة سنة أربع وخمسين وأربعمائة.
(في عيون المعارف إجماع أهل الزيج) بزاي مكسورة فتحتية ساكنة فجيم، أي:
الميقات، (عليه) وهو لغة خيط البناء ثم نقل وجعل لقبًا لعمل الميقات لقولهم علا الخيط في
أخذ استواء النجوم القاموس الزيج خيط البناء معرّب ومقتضاه فتح الزاي؛ لأنه إذا أطلق أراد الفتح
إلا فيما اشتهر بخلافه؛ كما قال في خطبته وقد ضبطه بعضهم بكسرها فلعله مما اشتهر، (ورواه)
الإمام أبو بكر محمّد بن مسلم بن عبيد اللّه بن عبد اللَّه ابن شهاب القرشي، (الزهري) المدني
أحد الأعلام نزيل الشام التابعي الصغير المتفق على إمامته وحفظه وإتقانه وفقهه الموصوف بأنه
جمع علم جميع التابعين، القائل: ما استودعت قلبي شيئًا قطّ فنسبه المتوفي سابع عشر شهر
رمضان سنة خمس أو ثلاث أو أربع وعشرين ومائة عن اثنتين وتسعين سنة، (عن محمّد بن
جبير بن مطعم) النوفلي الثقة أحد رجال السّة المتوفي على رأس المائة، (وكان) محمّد (عارفًا

٢٤٨
قد اختلف في عام ولادته معدّية
بالنسب وأيام العرب، أخذ ذلك عن أبيه جبير.
وقيل لعشر، وقيل لاثني عشر، وعليه عمل أهل مكة في زيارتهم موضع
مولده في هذا الوقت، وقيل لسبع عشرة وقيل لثمان عشرة، وقيل لثمان بقين منه.
وقيل: إن هذين القولين غير صحيحين عمن حكيا عنه بالكلية.
والمشهور: أنه ولد [يوم الإثنين] ثاني عشر ربيع الأول، وهو قول ابن
إسحق وغيره.
وإنما كان في شهر ربيع الأول على الصحيح ولم يكن في المحرم، ولا في
رجب، ولا في رمضان، ولا غيرها من الأشهر ذوات الشرف، لأنه عليه الصلاة
والسلام لا يتشرف بالزمان، وإنما الزمان يتشرف به كالأماكن،
بالنسب وأيام العرب) وقائعهم وسيرهم، فيدل على قوة هذا القول وترجيحه ومعرفة ذلك مما به
يتفاخرون (أخذ ذلك) الذي عرفه من النسب وأيام العرب (عن أبيه جبير) بضمّ الجيم مصغر بن
مطعم بن عدي ابن نوفل بن عبد مناف القرشي النوفلي الصحابي العارف بالأنساب المتوفى سنة
ثمان أو تسع وخمسين، (وقيل: لعشر) مضين من ربيع، حكاه مغلطاي والدمياطي وصححه،
(وقيل:) ولد (لاثني عشر) من ربيع الأول (وعليه عمل أهل مكّة) قديمًا وحديثًا، (في زيارتهم
موضع مولده في هذا الوقت) أي: ثاني عشر ربيع (وقيل: لسبع عشرة) ليلة خلت من ربيع،
(وقيل: لثمان عشرة،) بفتح النون ويجوز كسرها؛ كما في الهمع والتوضيح واقتصر المصباح
على الفتح حذف الياء كما هنا، وهو لغة أما مع ثبوتها في اللغة الأخرى فتسكن وتفتح وهو
أفصح، (وقيل: لثمان بقين منه، وقيل: إن هذين القولين) الأخيرين (غير صحيحين عمّن حكيا
عنه بالكلية،) فتحصل في تعيين اليوم سبعة أقوال، (والمشهور أنه) عٍَّ (ولد يوم الاثنين ثاني
عشر ربيع الأول)، وهو القول الثالث في كلام المصنّف، (وهو قول) محمّد (بن إسحق) بن
يسار إمام المغازي، (و)قول (غيره) قال ابن كثير: وهو المشهور عند الجمهور، وبالغ ابن
الجوزي وابن الجزار فنقلا فيه الإجماع وهو الذي عليه العمل، (وإنما كان) مولده (في شهر
ربيع) الأول (على الصحيح) من الأقوال (ولم يكن في المحرم، ولا في رجب) بالصرف، ولو
أريد به معين، ففي المصباح: رجب من الشهور مصروف، (ولا رمضان ولا غيرها من الأشهر
ذوات الشرف) كبقية الأشهر الحرم وليلة نصف شعبان؛ (لأنه) كما ذكر ابن الحاج في
المدخل (عليه الصّلاة والسلام لا يتشرف بالزمان، وإنما الزمان يتشرف به؛ كالأماكن) لا يتشرّف
بها ومن ثم لم يولد في جوف الكعبة، وإنّما الأماكن تتشرف به؛ كالمدينة تشرفت به حتى

٢٤٩
قد اختلف في عام ولادته مع له.
فلو ولد في شهر من الشهور المذكورة، لتوهم أنه تشرف به، فجعل الله تعالى
مولده عليه السلام في غيرها ليظهر عنايته به وكرامته عليه.
وإذا كان يوم الجمعة الذي خلق فيه آدم عليه السلام خص بساعة لا
يصادفها عبد مسلم يسأل الله فيها خيرًا إلا أعطاه إياه، فما بالك بالساعة التي ولد
فيها سيد المرسلين. ولم يجعل الله تعالى في يوم الإثنين - يوم مولده عليه السلام.
من التكليف بالعبادات ما جعل في يوم الجمعة - المخلوق فيه آدم - من الجمعة
والخطبة وغير ذلك، إكرامًا لنبيه عليه الصلاة والسلام بالتخفيف عن أمته،
صارت أفضل من مكّة عند كثيرين وصار فيها بقعة روضة من رياض الجنَّة، وأخرى خير البقاع
بإجماع، (فلو ولد في شهر من الشهور المذكورة لتوهم أنه تشرّف به، فجعل اللَّه تعالى مولده
عليه السلام في غيرها ليظهر عنايته به وكرامته عليه،) وهذا وجه كونه لم يولد في تلك الأشهر
وحكمه كونه في شهر ربيع ما في شرعه من شبه زمن الربيع، فإنه أعدل الفصول وشرعه أعدل
الشرائع، ولأن في ظهوره فيه إشارة لمن تفطن لها بالنسبة إلى اشتقاق لفظة ربيع؛ لأن فيه تفاؤلاً
حسنًا ببشارة أُمّته، فالربيع تنشقّ الأرض عمَّا في بطنها من نعم اللَّه، ومولده في ربيع إشارة ظاهرة
إلى التنويه بعظيم قدره، وأنه رحمة للعالمين، وقد قال أبو عبد الرحمن الصقلي: لكلّ إنسان من
اسمه نصیب، هذا حاصل ما ذکر ابن الحاج.
(وإذا كان يوم الجمعة الذي خلق فيه آدم عليه السلام، خضّ بساعة) في تعيينها أقوال
كثيرة، (لا يصادفها عبد مسلم يسأل اللَّه فيها خيرًا، إلاَّ أعطاه إيّاه) وأخرج بالخير غيره، وفي
رواية أحمد: ((ما لم يسأل إثمًا أو قطيعة رحم))، (فما بالك بالساعة التي ولد فيها سيّد
المرسلين،) وهي في يوم الاثنين، وأقرب ما قيل أنها في أوَّله فينبغي الاجتهاد فيها رجاء
مصادفتها لكن المصنّف في عهدة أن فيه ساعة كساعة يوم الجمعة؛ لأنه إن أراد أن ذلك اليوم
ومثله إلى يوم القيامة كساعة يوم الجمعة أو أفضل، فدليله هذا لا ينتج ذلك، وإن أراد عيّن تلك
الساعة فساعة الجمعة لم تكن موجودة حينئذ، وإنما جاء تفضيلها في الأحاديث الصحيحة بعد
ذلك بمدّة، فلم يمكن اجتماعهما حتى يفاضل بينهما وتلك انقضت وهذه باقية إلى اليوم، وقد
نصَّ الشارع عليها ولم يتعرّض لساعة مولده ولا لأمثالها، فوجب علينا الاقتصار على ما جاءنا
عنه ولا نبتدع شيئًا من عند نفوسنا القاصرة عن إدراكه، إلا بتوقيف.
(ولم يجعل اللَّه تعالى في يوم الاثنين يوم مولده) بالجرّ بدل (عليه السلام من التكليف
بالعبادات ما جعل في يوم الجمعة المخلوق فيه آدم من) صلاة (الجمعة والخطبة وغير
ذلك،) من نحو الغسل وحلق العانة، (إكرامًا لنبيّه عليه الصّلاة والسّلام بالتخفيف عن أُمّته

٢٥٠
قد اختلف في عام ولادته عَّ.
بسبب عناية وجوده قال تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ [الأنبياء/
١٠٧]، ومن جملة ذلك: عدم التكليف.
واختلف أيضًا في الوقت الذي ولد فيه.
والمشهور أنه يوم الإثنين. فعن أبي قتادة الأنصاري: أنه عَِّ سئل عن صيام
يوم الإثنين فقال: ذاك يوم ولدت فيه، وأنزلت علي فيه النبوة رواه مسلم، وهذا
يدل على أنه عګ ولد نهارًا.
وفي المسند، عن ابن عباس قال: ولد عَّةٍ يوم الإثنين، واستنبىء يوم
الإثنين، وخرج مهاجرًا من مكة إلى المدينة يوم الإثنين، ودخل المدينة يوم الإثنين،
ورفع الحجر يوم
بسبب عناية وجوده، قال تعالى: ﴿وما أرسلناك إلاَّ رحمةً للعالمين﴾ [الأنبياء: ١٠٧]،) مؤمنهم
وكافرهم، قال اللَّه تعالى: ﴿وما كان اللَّه ليعذّبهم وأنت فيهم﴾ [الأنفال: ٣٣]، (ومن جملة ذلك
عدم التكليف،) وأبدى ابن الحاج حكمة تخصيصه بيوم الاثنين وهي خلقٍ الأشجار فيه ومنها
أرزاق العباد وأقواتهم، فوجوده فيه قرّة عين بسبب ما وجد من الخير العظيم لأمّته، (واختلف أيضًا
في الوقت الذي ولد فيه) أهو الليل أم النهار؟ (والمشهور: أنه يوم الاثنين) كما مرّ، فأفاد أنه
بالنهار (فعن أبي قتادة الأنصاري) الخزرجي السلمي المدني فارس رسول اللَّه عَّةِ حضر سائر
المشاهد إلا بدرًا، ففيه خلف وليس في الصحابة من يكنى بكنيته غيره، واسمه الحرث بن ربعي
بكسر الراء أو النعمان بن ربعي أو النعمان بن عمرو، وبالأول جزم في التبصير، مات بالمدينة سنة
ثمان وثلاثين، أو أربع وخمسين عن سبعين سنة، (أنه عَّهُ سئل عن صيام يوم الاثنين، قال:
(ذاك يوم ولدت فيه، وأُنزلت عليّ فيه النبوّة))،) أي: أنه أوّل يوم أوحي إليّ فيه (رواه مسلم،)
من طريق شعبة عن غيلان، عن عبد الله بن معبد، عن أبي قتادة في حديث طويلٍ، وفيه ما لفظه:
وسئل عن صوم يوم الاثنين، قال: ((ذاك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت فيه، أو أُنزل عليّ فيه)،
فالمصنّف نقله بمعناه ويقع في بعض نسخ المواهب عن قتادة بحذف أبي وهو تحريف، فالذي
في مسلم عن أبي قتادة، كما رأيت وقتادة هو ابن الفيعمان الأوسي صحابي آخر. (وهذا)
الحديث (يدل) صريحًا (على أنه عٍَّ ولد نهارًا) لقوله: ((ذاك يوم ولدت فيه)).
(و)روى أحمد (في المسند عن ابن عباس، قال: ولد عَّ يوم الاثنين، واستنبىء) أي:
نبّىء فالسين للتأكيد، (يوم الاثنين، وخرج مهاجرًا من مكة إلى المدينة يوم الاثنين، ودخل
المدينة يوم الاثنين، ورفع) عَطِّ (الحجر) الأسود إلى موضعه فوضعه فيه بيده المباركة (يوم

٢٥١
قد اختلف في عام ولادته عليّ
الإثنین. انتھی.
وكذا فتح مكة ونزول سورة المائدة يوم الإثنين.
وقد روى أنه ولد [يوم الإثنين] عند طلوع الفجر، فعن عبد الله بن عمرو بن
العاصي قال: كان بمر الظهران راهب يسمى عيصا، من أهل الشام، وكان
٠٠
الاثنين) حين بنت قريش الكعبة سنة خمس وثلاثين من مولده عَله، واختصموا فيمن يرفع الحجر
إلى موضعه حتى أعدّوا للقتال، ثم اجتمعوا في المسجد وتشاوروا، قال ابن إسحق: فزعم أهل
الرواية أن أبا أُميّة بن المغيرة، وكان أستهم يومئذ، قال: يا معشر قريش، اجعلوا بينكم فيما
تختلفون فيه أوّل داخل من باب هذا المسجد يقضي بينكم، فكان عَّ أوّل داخل، فقالوا: هذا
الأمين رضينا، وأخبروه الخبر، فقال: ((هلم إليّ ثوبًا))، فأتي به فأخذ الركن فوضعه فيه بيده ثم
قال: ((لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب، ثم ارفعوه جميعًا))، ففعلوا حتى إذا بلغوا به موضعه وضعه
هو بيده عَّةٍ، (انتهى.) ما في المسند، وفيه إرسال صحابي؛ لأنه لم يدرك ذلك وكان في
الهجرة ابن ثلاث سنين؛ كما مرّ.
(وكذا فتح مكّة) عند بعضهم، والمعروف ما رواه البيهقي أنه كان يوم الجمعة واقتصر
عليه المصنّف في غزوة الفتح، (ونزول سورة المائدة) أي قوله فيها: ﴿اليوم أكملت لكم
دينكم﴾ [المائدة: ٣]، الآية، كان ذلك (يوم الاثنين،) ففي بعض الطرق عند ابن عساكر وأنزلت
سورة المائدة يوم الاثنين: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ [المائدة: ٣]، وكانت وقعة بدر يوم
الاثنين، قال ابن عساكر: المحفوظ أن وقعة بدر ونزول ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾
[المائدة: ٣]، يوم الجمعة. (وقد روي أنه عٍَّ ولد عند طلوع الفجر) من يوم الاثنين (فعن
عبد الله بن عمرو بن العاصي) بن وائل القرشي السهمي، قال النووي: الجمهور على كتابة
العاصي بالياء، وهو الصحيح عند أهل العربية ويقع في كثير من كتب الحديث وغيرها بحذف
الياء، وهي لغة قرىء بها في السبع كالكبير المتعال والداع ونحوهما، وقال في موضع آخر:
الصحيح في العاصي وابن أبي الموالي والهادي واليماني إثبات الياء، انتهى.
ومرّ له مزيد أوّل الكتاب (قال: كان بمّ الظهران) موضع على مرحلة من مكّة (راهب
يسمّى عيضًا،) كذا في نسخ؛ كفتح الباري: بألف منوّنًا سواء قلنا: إنه أعجمي أو عربي لأنه
ثلاثي ساكن الوسط كنوح وهو مصروف، وفي نسخ: عبصي بالياء، وفي الشامية: عيص بلا ألف
ولا ياء فهو ممنوع الصرَف، (من أهل الشام) زاد في رواية ابن عساكر: آتاه اللَّه علمًا كثيرًا،

٢٥٢
قد اختلف في عام ولادته عد له.
يقول: يوشك أن يولد فيكم يا أهل مكة مولود تدين له العرب ويملك العجم، هذا
زمانه، فكان لا يولد بمكة مولود إلا يسئل عنه، فلما كان صبيحة اليوم الذي ولد
فيه رسول الله عَِّ خرج عبد المطلب حتى أتى عيصا فناداه، فأشرف عليه، فقال
له عيصا: كن أباه، فقد ولد ذلك المولود الذي كنت أحدثكم عنه يوم الإثنين،
ويبعث يوم الإثنين، ويموت يوم الإثنين. قال: ولد لي الليلة مع الصبح مولود، قال:
فما سميته؟ قال: محمدًا، قال: والله لقد كنت أتشهى أن يكون هذا المولود فيكم
أهل هذا البيت، بثلاث خصال تعرّفه: فقد أتى عليهن منها: أنه طلع نجمه
البارحة، وأنه ولد
وجعل فيه منافع كثيرة لأهل مكة يدخل كل سنة إليها فيلقى الناس (وكان يقول: يوشك) يقرب
(أن يولد فيكم يا أهل مكة مولود تدين له العرب) تنقاد وتخضع وتذلّ (ويملك العجم، هذا
زمانه؛ فكان لا يولد بمكّة مولود إلا يسئّل) بالبناء للمفعول (عنه) ذلك الراهب؛ لقوله لهم ذلك،
وفي رواية ابن عساكر: وكان لا يولد بها مولود إلا سألوه عنه. (فلمَّا كان صبيحة) أي: أوّل
(اليوم الذي ولد فيه رسول اللَّه عَِّ خرج عبد المطّلب حتى أتى عيصًا) ليسأله عن هذا
المولود: أهو الذي قال فيه ما قال؟ (فناداه) أي: فنادى عبد المطّلب عيصًا، (فأشرف عليه، فقال
له عيص: كن أباه،) أي: اتّصف بكونك أباه بأن تعتقد ذلك، وتسمية الجدّ أبًا حقيقة، ووقع في
رواية ابن عساكر عن ابن عمر: والمذكور خرج عبد الله بن عبد المطّلب حتى أتى عيصًا ... الخ،
وإنما يجيء على أن أباه مات وهو في المهد، لكن المخرج متّحد، فلعلّها شاذّة.
(فقد ولد ذلك المولود الذي كنت أحدّثكم عنه يوم الاثنين، ويبعث) بعد ذلك إلى الناس
بشيرًا ونذيرًا (يوم الاثنين، ويموت يوم الاثنين، قال:) عبد المطّلب (ولد لي الليلة مع الصبح
مولود،) فأفادت المعية أنه ولد عند طلوع الفجر، وهو محل الشاهد من هذا الحديث، (قال)
الراهب (فما سميته؟ قال: محمّدًا،) أي: عزمت على تسميته فلا ينافي ما مرّ أنه سمّاه يوم
سابعه، (قال) الراهب: (والله لقد كنت أتشهى،) أتمنى أن يكون (هذا المولود فيكم) يا (أهل
هذا البيت) الكعبة، لما رأيته فيكم من تميزكم على غيركم من العرب بالخصال الحميدة ومكارم
الأخلاق، وقد علمت وجوده مطابقًا لما كنت أتمّاه، (بثلاث) أي: بسبب ثلاث (خصال تعرفه)
بضم الفوقيّة فعين مفتوحة فراء مشدّدة، أي: تميّزه تلك الخصال وتدلّ على أنه ذلك المولود،
وفي نسخة: نعرفه، وكذا عند ابن عساكر بفتح النون، أي: نعرفه نحن بها (فقد أتى) مشتملاً
(عليهنّ) وهو مجاز عن أتى بكذا إذا مرّ عليه، ففي المصباح: أتى عليه: مرّ به، فكأنه لقيام
الصفات به مرّ بها، (منها) أي: الخصال التي علم وجوده بها (أنه طلع نجمه البارحة، وأنه ولد

٢٥٣
قد اختلف في عام ولادته عنێ.
اليوم، وأن اسمه محمد. رواه أبو جعفر بن أبي شيبة، وخرجه أبو نعيم في الدلائل
بسند ضعيف.
وقيل: كان مولده عليه الصلاة والسلام عند طلوع الغفر، وهو ثلاثة أنجم
صغار ينزلها القمر، وهو مولد النبيين، ووافق ذلك من الشهور الشمسية نيسان، وهو
برج الحمل، وكان لعشرين مضت منه.
وقيل ولد ليلاً فعن عائشة قالت: كان بمكة يهودي يتجر فيها، فلما كانت
الليلة التي ولد فيها رسول الله عَ له قال: يا معشر قريش هل ولد فيكم الليلة مولود
قالوا لا نعلمه قال ولد في هذه الليلة نبي هذه الأمة الأخير بين كتفيه علامة فيها
اليوم، وإن اسمه محمّد، رواه أبو جعفر بن أبي شيبة) محمّد بن عثمن العبسي الكوفي محدثها
الحافظ البارع، صنّف وجمع، وثّقه صالح جزرة وابن عدي وعبدان، وقال عبد الله بن أحمد:
كذاب، وقال ابن خراش: يضع وقال مطين: هو عصا موسى تلقف ما يأفكون، وقال ابن البرقاني:
لم أزل أسمع أنه مقدوح فيه، مات في جمادى الأولى سنة سبع وتسعين ومائتين، وما يقع في
نسخ أبو جعفر وابن أبي شيبة بزيادة واو غلط من الجهلة.
(وخرّجه أبو نعيم في الدلائل) أي: في كتاب دلائل النبوّة، وكذا رواه ابن عساكر (بسند
ضعيف) ومن ثمّ عبّر أوّلا بروى تمريضًا على العادة، (وقيل: كان مولده عليه الصّلاة والسّلام عند
طلوع الغفر) بفتح الغين المعجمة وسكون الفاء ثم راء مهملة، كما ضبطه ابن باطيش وهو
مقتضى القاموس. (وهو ثلاثة أنجم صغار ينزلها القمر، وهو مولد النبيّين) أي: وقت مولدهم،
(ووافق ذلك من الشهور الشمسية نيسان) بفتح النون وهو سابع الأشهر الرومية؛ كما في
القاموس. (وهو برج الحمل) وفي النور عن الدمياطي ولد في برج الحمل، وهو يحتمل أن يكون
في نيسان وأن يكون في آذار، انتهى. لكن ما جزم به المصنّف نقله في روضة الأحباب عن أبي
معشر البلخي.
(وكان) ذلك، أي: مولده، (لعشرين مضت منه) من نيسان، قاله الخوارزمي (وقيل: ولد
(ليلاً) من غير تعيين وقت ولادته؛ ككونه عند طلوع الغفر فغايره ما قبله، (فعن عائشة) أنها (قالت:
كان بمكّة يهودي يتّجر فيها، فلمَّا كانت الليلة التي ولد فيها رسول اللَّه عَلَه، قال) اليهودي:
وهذا مما تلقته عن غيرها؛ لأن ولادتها بعد ذلك بمدّة وهي لا تحدّث إلا عن ثقة، (يا معشر
قريش، هل ولد فيكم الليلة مولود؟ قالوا: لا نعلمه، قال:) زاد في رواية يعقوب بن سفين السابقة
انظروا فإنه (ولد في هذه الليلة نبيّ هذه الأمّة الأخيرة، بين كتفيه علامة) هي: خاتم النبّة (فيها

٢٥٤
قد اختلف في عام ولادته عدّد.
شعرات متواترات كأنهن عرف الفرس فخرجوا باليهودي حتى أدخلوه على أمه
فقالوا: أخرجي المولود ابنك فأخرجته وكشفوا عن ظهره فرأى تلك الشامة فوقع
اليهودي مغشيًا عليه فلما أفاق قالوا ما لك ويلك قال: ذهبت والله النبوة من بني
إسرائيل، رواه الحاكم.
قال الشيخ بدر الدين الزركشي: ((والصحيح أن ولادته عليه الصلاة والسلام
كانت نهارًا، قال: وأما ما روي من تدلي النجوم فضعفه ابن دحية لاقتضائه أن
الولادة ليلاً. قال: وهذا لا يصلح أن يكون تعليلاً، فإن زمان النبوة صالح
للخوارق، ويجوز أن تسقط النجوم نهارًا)) انتهى.
شعرات متواترات) أي: مجتمعات؛ كما في رواية في صفة الخاتم، وفي أُخرى: متراكمات
(كأنهنّ عرف الفرس،) وفي رواية يعقوب: فانصرفوا فسألوا، فقيل لهم: قد ولد لعبد الله بن
عبد المطّلب غلام (فخرجوا باليهودي حتى أدخلوه على أُمّه، فقالوا) لها: (أخرجي المولود
ابنك فأخرجته) أُمّه لهم (وكشفوا عن ظهره، فرأى تلك الشامه فوقع اليهودي مغشيًا عليه، فلمَّا
أفاق قالوا: ما لك؟) أي: أيّ شىء حصل لك (ويلك، قال: ذهبت واللّه النبوّة من بني إسرائيل،)
يعقوب عليه السلام (رواه الحاكم) ورواه يعقوب بن سفين عن عائشة أيضًا؛ كما قدّم المصنّف
قريبًا في عجائب ولادته، وأعاده هنا استدلالاً على أنه ولد ليلاً مع إفادة أنه رواه غير من عزاه له
هناك، فلا تكرار وإن كانت القصّة واحدة؛ لأن المخرج بفتح الميم متّحد وهو عائشة رضي اللَّه
عنها، ولا يضرّ اختلاف بعض الألفاظ بالزيادة والنقص؛ لأنه من اختلاف الرواة.
(قال الشيخ بدر الدين الزركشي: والصحيح أن ولادته عليه الصّلاة والسّلام كانت نهارًا)
لا ليلاً (قال: وأمَّا ما روي من تدلّي النجوم) ليلة مولده، كالذي رواه البيهقي في حديث فاطمة
بنت عبد اللَّه الثقفية: ورأيت النجوم تدنو حتى ظننت أنها ستقع عليّ، (فضعفه ابن دحية
لاقتضائه أن الولادة ليلاً) وإنما كانت نهارًا على الصحيح، (قال) الزركشي: (وهذا لا يصلح أن
يكون تعليلاً لتضعيف المروي من تدلّي النجوم لا لكونه ولد ليلاً، بدليل قوله: (فإن زمان النبوّة
صالح للخوارق، ويجوز أن تسقط النجوم نهارًا، انتهى.) كلام الزركشي على أن في تضعيفه
بتلك العلّة شيئًا على مقتضى الصناعة، فالمحدثون إنما يعّلون الحديث من جهة الإسناد الذي هو
المرقاة، لا بمخالفة ظاهر القرءان فضلاً عن معارضته بأحاديث أُخر؛ كما صرّح به الحافظ ابن
طاهر وغيره، قال النجم: وقد يقال أن الولادة عقب الفجر وللنجوم حينئذ سلطان كما في الليل،
فلا ینافي سقوطها، انتهى.

٢٥٥
قد اختلف في عام ولادته عن
فإن قلت: إذا قلنا بأنه عليه السلام ولد ليلاً، فأيما أفضل: ليلة القدر أو ليلة
مولده عليه السلام؟
أجيب: بأن ليلة مولده عليه السلام أفضل من ليلة القدر من وجوه ثلاثة:
أحدها: أن ليلة المولد ليلة ظهوره مَّ اله، وليلة القدر معطاة له، وما شرف
بظهور ذات المشرف من أجله أشرف مما شرف بسبب ما أعطيه، ولا نزاع في
ذلك، فكانت ليلة المولد- أفضل من ليلة القدر.
الثاني: أن ليلة القدر شرفت بنزول الملائكة فيها، وليلة المولد شرفت
بظهوره عَّهِ. ومن شرفت به ليلة المولد أفضل ممن شرفت بهم ليلة القدر، على
الأصح المرتضى، فتكون ليلة
(فإن قلت: إذا قلنا بأنه عليه السّلام ولد ليلاً على القول المرجوح، (فأيما أفضل ليلة
القدر أو ليلة مولده عليه السّلام) الأصل: أليلة القدر بالهمزة؛ لأنه بدل من اسم الاستفهام
وحكم المبدل منه أنه يلي الهمز، قال ابن لملك رحمه اللّه تعالى:
وبدل المضمن الهمزيلي همزًا كمن ذا أسعيد أم على
قلت: (أُجيب بأن ليلة مولده عليه السّلام أفضل من ليلة القدر من وجوه ثلاثة، أحدها:
أن ليلة المولد ليلة ظهوره عَّه، وليلة القدر معطاة له، وما) أي: والذي (شرف بظهور ذات
المشرف من أجله أشرف مما شرّف بسبب ما أُعطيه ولا نزاع في ذلك) الذي ذكرناه من أن ما
شرف ... الخ، وحيث لا نزاع (فكانت ليلة المولد أفضل من ليلة القدر) بهذا الاعتبار، (الثاني)
من الوجوه الثلاثة (أن ليلة القدر شرفت بنزول الملائكة فيها،) على أحد الأقوال في سبب
تسميتها بذلك، والثاني: لنزول القرءان فيها، والثالث: أن الذي يراها يصير ذا قدر، والرابع: لما
يكتب فيها من الأقدار فيها يفرق كل أمر حكيم.
(وليلة المولد شرّفت بظهوره عَّله، ومن شرّفت به ليلة المولد أفضل ممن شرّفت بهم
ليلة القدر) وهم الملائكة، (على الأصح المرتضى) عند جمهور أهل السنّة من أن النبيّ أفضل
من الملك، وأمَّا نبيّنا عَِّ فأفضل من جميع العالمين إجماعًا، حكاه الإمام الرازي وابن السبكي
والسراج البلقيني، قال الزركشي: واستثنوه من الخلاف في التفضيل بين الملك والبشر، فهو
أفضل حتى من أمين الوحي خلافًا لما وقع في الكشاف، ولذا قال بعض المغاربة جهل
الزمخشري مذهبه، فقد أجمع المعتزلة على استثناء المصطفى من الخلاف، انتهى. نعم، زعم أن
طائفة منهم کالرماني خرقوا الإجماع فتبعهم الزمخشري، وحیث کان کذلك (فتكون ليلة

٢٥٦
قد اختلف في عام ولادته عد ية.
المولد أفضل.
الثالث: أن ليلة القدر وقع فيها التفضل على أمة محمد عَ لّه، وليلة المولد
الشريف وقع التفضل فيها على سائر الموجودات، فهو الذي بعثه الله عز وجل
رحمة للعالمين، فعمت به النعمة على جميع الخلائق، فكانت ليلة المولد أعم
نفعًا، فكانت أفضل.
فيا شهرًا ما أشرفه وأوفر حرمة لياليه، كأنها لآلىء
.
المولد أفضل) وهو المدعي.
(الثالث: أن ليلة القدر وقع فيها التفضيل على أُمّة محمّد عٍَّ) فقط؛ لأنها مختصّة بهم
ولم تكن لمن قبلهم على الصحيح المشهور الذي قطع به جمهور العلماء؛ كما قال النووي.
(وليلة المولد الشريف وقع التفضّل فيها على سائر) جميع (الموجودات) أُمّته وغيرهم، من
حيث الأمن من العذاب العام؛ كالخسف والمسخ، (فهو الذي بعثه الله عزّ وجلّ رحمة
للعالمين) كما قال في الكتاب المبين (فعمّت به) بمولده (النعمة على جميع الخلائق، فكانت
ليلة المولد أعمَّ نفعًا، فكانت أفضل من ليلة القدر بهذا الاعتبار، وهذا الذي ساقه المصنّف
وأقرّه متعقّب، قال الشهاب الهيثمي: فيه احتمال واستدلال بما لا ينتج المدعي؛ لأنه إن أُريد أن
تلك الليلة ومثلها من كل سنة إلى يوم القيامة أفضل من ليلة القدر، فهذه الأدلّة لا تنتج ذلك
كما هو جليّ، وإن أريد عين تلك الليلة، فليلة القدر لم تكن موجودة إذ ذاك، وإنما أتى فضلها
في الأحاديث الصحيحة على سائر ليالي السنة بعد الولادة بمدّة، فلم يمكن اجتماعهما حتى
يتأتى بينهما تفضيل وتلك انقضت وهذه باقية إلى اليوم، وقد نصّ الشارع على أفضليتها ولم
يتعرض لليلة مولده ولا لأمثالها بالتفضيل أصلاً فوجب علينا أن نقتصر على ما جاء عنه ولا نبتدع
شيئًا من عند نفوسنا القاصرة عن إدراكه إلا بتوقيف منه عَّه على أنا وسلمنا أفضليّة ليلة مولده
لم يكن له فائدة في تفضيل الأزمنة إلا بفضل العمل فيها وإما تفضيل ذات الزمن الذي لا يكون
العمل فيه فليس له كبير فائدة إلى هنا كلامه، وهو وجيه.
ثم إذا قلنا بما قال المصنّف، وقلنا: إن الولادة نهارًا فهل الأفضل يوم المولد أو يوم البعث،
والأقرب كما قال شيخنا: أن يوم المولد أفضل لمنّ اللَّه به فيه على العالمين ووجوده يترتّب عليه
بعثه فالوجود أصل والبعثة طارئة عليه، وذلك قد يقتضي تفضيل المولد، لأصالته.
(فيا شهرًا ما أشرفه) بالفاء، (وأوفر حرمة لياليه، كأنها) لشدّة لمعانها وضوئها (لآلىء)

٢٥٧
في مدة حمله
في العقود، ويا وجهًا ما أشرفه من مولود، فسبحان من جعل مولده للقلوب ربيعًا
وحسنه بدیعًا.
يقول لنا لسان الحال منه وقول الحق يعذب للسميع
فوجهي والزمان وشهر وضعي ربيع في ربيع في ربيع
واختلف أيضًا في مدة الحمل به. فقيل: تسعة أشهر وقيل عشرة وقيل
ثمانية وقيل سبعة وقيل ستة.
وولد عليه السلام في الدار التي كانت لمحمد بن يوسف أخي الحجاج
جمع لؤلؤة (في العقود) جمع عقد، (ويا وجهًا ما أشرفه) بالقاف، (من) وجه (مولود فسبحان من
جعل مولده للقلوب ربيعًا وحسنه بديعًا)، وأنشد المصنّف لغيره بيتين هما: (يقول لنا لسان
الحال منه) عَّه (وقول الحق يعذب) يحلو (السميع) إن سألت عن صفاتي وأحوالي، (فوجهي
والزمان وشهر وضعي،) فالفاء جواب شرط مقدّر (ربيع) المراد به وجهه معَّه بالربيع في اعتداله
وحسنه ورونقه، (في ربيع) أي: زمن الربيع (في ربيع) أي: شهر ربيع المولود فيه عَلَه، وقد
قال أهل المعاني كما في السبل: كان مولده في فصل الربيع وهو أعدل الفصول ليله ونهاره
معتدلان بين الحرّ والبرد، ويسميه معتدل بين اليبوسة والرطوبة، وشمسه معتدلة في العلوّ والهبوط،
وقمره معتدل في أوّل درجة من الليالي البيض، وينعقد في سلك هذا النظام ما هيأ اللَّه تعالى له
من أسماء مربيه، ففي الوالدة والقابلة الأمن والشفاء، وفي اسم الحاضنة البركة والنماء، وفي
مرضعتيه الآتي ذكرهما الثواب والحلم والسعد.
(واختلف أيضًا في) قدر (مدّة الحمل به) عَّةٍ، (فقيل: تسعة أشهر) كاملة وبه صدر
مغلطاي، قال في الغرر: وهو الصحيح، (وقيل: عشرة) أشهر (وقيل: ثمانية، وقيل: سبعة،
وقيل: ستّة) حكى الأقوال الخمسة مغلطاي وغيره، (وولد عليه السلام) بمكّة على الصحيح
الذي عليه الجمهور، ولكن اختلف في مكانه منها على أقوال، فقيل: ولد (في الدار التي
كانت) صارت بعد (لمحمّد بن يوسف) الثقفي (أخي الحجاج) الظالم المشهور وهي بزقاق
المدكك بدال مهملة، وكانت قبل ذلك بيد عقيل بن أبي طالب، قال ابن الأثير: قيل إن
المصطفى وهبها له فلم تزل بيده حتى توفي عنها، فباعها ولده من محمد بن يوسف أخي
الحجاج، وقيل: إن عقيلاً باعها بعد الهجرة تبعًا لقريش حين باعوا دور المهاجرين، وفى
الخميس: فأدخل محمّد بن يوسف ذلك البيت الذي ولد فيهِ عَّ في داره التي يقال لها
البيضاء، ولم تزل كذلك حتى حجّت خيزران جارية المهدي أُمّ لهرون الرشيد، فأفردت ذلك

٢٥٨
ذكر رضاعه عَ لٍ. وما معه
ويقال بالشعب، ويقال بالردم ويقال بعسفان.
[ذكر رضاعه ﴾ وما معه]
وأرضعته معَّله ثويبة، عتيقة أبي لهب،
البيت وجعلته مسجدًا يصلّى فيه، وفي النور تبعًا للروض: وأمَّا الدار التي لمحمد بن يوسف فقد
بنتها زبيدة - يعني زوجة لهرون الرشيد - مسجدًا حين حجّت وهي عند الصفا.
(ويقال: بالشعب) بكسر الشين، أطلقه تبعًا لمغلطاي، وفي العيون: بشعب بني هاشم، وظاهر
المصنف كغيره مغايرة هذا القول لما قبله، ووقع في الخميس عن بعضهم: ولد بمكة في الدار التي
تعرف بدار محمد بن يوسف في زقاق معروف بزقاق المدكك في شعب مشهور بشعب بني هاشم من
الطرف الشرقي لمكة، تزار ويتبرّك بها إلى الآن، انتهى. وفيه ما فيه: فبين الصفا والشعب مسافة بعيدة.
(ويقال: بالردم) بفتح الراء وسكون الدال المهملتين، قال في النور: أي ردم بني جمح بمكة، وهو
لبني قراد. (ويقال) لم يولد بمكة بل (بعسفان) حكاه مغلطاي، قال في النور: وهي قرية جامعة
على ستّة وثلاثين ميلاً من مكّة، انتهى. لكن ذا القول شاذّ لا يعوّل عليه، كما في شرح الهمزة.
ذكر رضاعه عَ لَّه وما معه
(وأرضعته عَّ الل ثويبة) بضم المثلثة وفتح الواو وسكون التحتية، فباء موحّدة فتاء تأنيث،
توفّيت بمكّة سنة سبع من الهجرة، قال ابن منده: اختلف في إسلامها، وقال أبو نعيم: لا أعلم
أحد ذكره إلا ابن منده، وقال ابن الجوزي: لا نعلم أنها أسلمت والبرهان في النور لم يذكرها
أبو عمر في الصحابة. وقال الذهبي يقال إنها أسلمت، فإذا الراجح عنده أنها لم تسلم، وقال
الحافظ في طبقات ابن سعد ما يدلّ على أنها لم تسلم لكن لا يدفع به نقل ابن منده، قال: ولم
أقف في شىء من الطرق على إسلامها مع ابنها مسروح وهو محتمل، انتهى. وذكر الحافظ أبو
بكر بن العربي في سراج المريدين: أنه لم ترضعه مرضعة إلا أسلمت. ونقله السيوطي عن
بعضهم، ولعلّه عناه. (عتيقة أبي لهب) لبن ابنها مسروح بفتح الميم وسكون السين المهملة فراء
مضمومة فحاء مهملتين، قال البرهان: لا أعلم أحدًا ذكره بإسلام أيّامًا قبل أن تقدم حليمة بعد
إرضاع أُمّه له، وما رواه ابن سعد أوّل من أرضعه ثوبية فالأوّلية نسبية، أي: غير أُمّه وقد ذكر
العلماء أن مرضعاته مَ لِّ عشر:
أُته أرضعته تسعة أيام، ذكره صاحب المورد والغرر وغيرهما، وقيل: ثلاثة أيّام، وقيل:
سبعة أيام، حكاهما الخميس عن أهل السّير، ووقع لبعضهم سبعة أشهر، وهو وهم كأنه اشتبه
عليه سبعة أيام بأشهر، أو تحرّف ذلك على الناقل عنه.

٢٥٩
ذكر رضاعه مَّهِ وما معه
أعتقها حين بشرته بولادته عليه السلام.
وثويبة أيّامًا قلائل قبل قدوم حليمة، وأرضعت قبله حمزة وبعده أبا سلمة المخزومي، رواه
ابن سعد.
وحليمة السعدية التي فازت بجناية سعدها منه، قاله ابن المنذر وابن الجوزي وعياض
وغيرهم، وخولة بنت المنذر زيد أم بردة الأنصارية، ذكرها ابن الأمين في ذيل الأستيعاب عن
العدوى وتبعه في التجريد والمورد والعيون، قال الشامي: وهو وهم، وإنما أرضعت ولده إبراهيم،
كما ذكر ابن سعد وابن عبد البرّ وغيرهما، وهو الذي في الإصابة بخطه وقد صرّح ابن جماعة
بأن ابن الأمين ذكرها في المراضع فوهم، قال: وتبعه على ذلك بعض العصريين وكأنه عنى به
اليعمري.
وامرأة من بني سعد غير حليمة أرضعته وهو عند حليمة، ذكره في الهدى وتجويز البرهان
في النور أنها خولة التي قبلها لا يصح، فخولة أنصارية، وهذه سعدية.
وأُمّ أيمن بركة الحبشية، ذكرها القرطبي، والمشهور: أنها من الحواضن لا المراضع.
وأُمّ فروة ذكرها جعفر المستغفري.
وثلاث نسوة من بني سليم، قال في الاستيعاب: مرّ به عَّةٍ على نسوة أبكار من بني
سليم فأخرجن ثديهن فوضعنها في فيه فدرّت، قال بعضهم: ولذا قال: أنا ابن العواتك من سليم،
انتهى. لكن قال السهيلي: عاتكة بنت هلال أُمّ عبد مناف عمّة عاتكة بنت مرّة أُمّ هاشم وعاتكة
بنت الأوقص أُمّ وهب جدّه عَِّ لأَمه هن عواتك ولدته مٍَّ، ولذا قال: ابن العواتك من سليم،
وقيل: في تأويل هذا الحديث أن ثلاث نسوة من بني سليم أرضعنه كل تسمّى عاتكة، والأوّل
أُصح، انتھی.
واقتصر المصنّف هنا، وفي المقصد الثاني على ثويبة وحليمة؛ لأنه أراد من استقلّت
بإرضاعه وهؤلاء لم يتّصفن بذلك، وللنزاع في خولة وأمّ أيمن والعواتك سلّمنا إرضاع العواتك،
فإنما هو اتّفاقي خصوصًا وقد كنّ أبكارًا وثويبة، وإن قلت: أيام رضاعها مستقلّة له فيها، وأمَّا أَّه
وإن أرضعته تلك المدّة فهي في معرض دفعه لمرضعة فلم تستقل به.
(أعتقها) أبو لهب (حين بشّرته بولادته عليه السلام) على الصحيح، فقالت له: أشعرت أن
آمنة قد ولدت غلامًا لأخيك عبد اللَّه، فقال لها: اذهبي فأنت حرّة، كما في الروض. وقيل: إنما
أعتقها بعد الهجرة، قال الشامي: وهو ضعيف، والجمع بأنه أعتقها حينئذ ولم يظهره إلا بعد
الهجرة مما لا يسمع فإنه لما هاجر كان عدوّا، فلا يتأتى منه إظهارًا أنه كان فرح بولادته وأيضًا
فالقائل بالثاني لا يقول أنه أعتقها للبشارة بالولادة، وقد روي أنه أعتقها قبل ولادته بدهر طويل.

٢٦٠
ذكر رضاعه معَّ ◌ُلِّ وما معه
وقد رؤي أبو لهب بعد موته في النوم فقيل له ما حالك؟ قال: في النار، إلا
أنه خفف عني كل ليلة إثنين، وأمص من بين أصبعي هاتين ماء، وأشار برأس
أصبعه وأن ذلك بإعتاقي لثويبة عندما بشرتني بولادة النبي عَّة. ويإرضاعها له.
(وقد رؤي) بالبناء للمفعول (أبو لهب بعد موته في النوم،) والرائي له أخوه العباس بعد سنة من
وفاة أبي لهب بعد وقعة بدر ذكره السهيلي وغيره، (فقيل له: ما حالك؟ قال: في النار، إلا أنه
خفّف عني) بعض العذاب بسبب ما أسقاه من الماء (كل ليلة اثنين، و)ذلك أني (أمصّ) بفتح
الميم أفصح من ضمها من بابي تعب وقتل؛ كما في المصباح. (من بين إصبعي هاتين ماء)
والظاهر أنهما السبابة والإبهام وحكمة تخصيصهما إشارته لها بالعتق بهما، وحملناه على أن
التخفيف بسبب الماء ليلتئم مع ما رواه البخاري وعبد الرزاق الإسلمعيلي عن قتادة أن ثويبة مولاة
أبي لهب: كان أبو لهب أعتقها، فأرضعت النبيّ عَّهِ، فلمّا مات أبو لهب أَريه بعض أهله بشرحيبة،
فقال: ماذا لقيت؟ قال: لم ألق بعدكم، زاد عبد الرزاق: راحة. ولفظ الإسلمعيلي: رخاء. قال ابن
بطال: سقط المفعول من جميع رواة البخاري، ولا يستقيم إلا به غير أني سقيت في هذه، زاد
عبد الرزاق وأشار إلى النقرة التي تحت إبهامه، بعتاقتي ثويبة حيبة بحاء مهملة مكسورة وتحتية
ساكنة وموحدة مفتوحة، أي: سوء حال وأصلها حوبة، وهي المسكنة والحاجة قلبت واوها ياء
الانكسار ما قبلها. وذكر البغوي: أنها بفتح الحاء، وللمستملي بخاء معجمة مفتوحة، أي: في حالة
خائبة، وقال ابن الجوزي: أنه تصحيف وروي بالجيم، قال السيوطي: وهو تصحيف باتّفاق.
(وأشار) أبو لهب إلى تقليل ما يسقاه (برأس أصبعه) إلى النقرة التي تحت إبهامه؛ كما مر
في رواية عبد الرزّاق، قال ابن بطال: يعني أن اللَّه سقاه ماء في مقدار نقرة إبهامه لأجل عتقها،
وقال غيره: أراد بالنقرة التي بين إبهامه وسبابته إذا مدّ إبهامه فصار بينهما نقرة يسقى من الماء
بقدر ما تسعه تلك النقرة، وبهذا علم أن النقرة التي أشار إليها على صورة خلقته في الدنيا،
لا على صورة الكفار في جهنم، والمراد بقوله: سقيت من الماء، أنه وصل إلى جوفه بسبب
ما يمصّه من أصابعه، لا أنه يؤتى له به من خارج جمعًا بين الروايتين، وقد تعسّف من قال: ما
يسقاه ليس من الجنَّة؛ لأن اللَّه حرّمها على الكافرين، فإنه لا يتوهم أحد أنه من الجنَّة سواء قلنا
أنه يسقى مما يمصّه أو يؤتى له به من خارج حتى ينصّ عليه.
(و) أشار إلى (أن ذلك بإعتاقي لثويبة) وتقدّمت رواية الجماعة بعتاقتي بفتح العين، قال
في شرح العمدة: عبّر به دون إعتاق وإن كان هو المناسب؛ لأنها أثره فلذا أضافها إلى نفسه.
وعلى نقل المصنّف فمعنى الإضافة ظاهر؛ لأن الإعتاق فعله والعتاقة أثر يترتّب عليه. (حين
بشّرتني بولادة النبيّ عَّهِ وبإرضاعها له،) أي: بأمره فلا يرد أنه ليس فعله حتى يجازى عليه،