Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
حمل آمنة برسول اللَّه عَّهِ وعجائب ما رأت
هكذا ذكر هذه الأبيات بعض أهل السير، وجعلها من حديث ابن عباس ولا أصل لها.
انتھی.
نعم عند البيهقي من حديث ابن إسحق أعيذه بالواحد من شر كل حاسد
في كل بر عاهد وكل عبد رائد يرود غير رائد فإنه عبد حميد ماجد حتى أراه أثر
المشاهد.
وعن شداد بن أوس أن رجلاً من بني عامر سأل رسول الله عَّله: ما حقيقة
أمرك، فقال: بدو شأني أني دعوة [أبي] إبراهيم، وبشرى أخي عيسى، وأني كنت
بكر أبي وأمي،
وثمانمائة. (هكذا ذكر هذه الأبيات بعض أهل السير وجعلها من حديث ابن عباس، ولا أصل لها)
يعتدّ به (انتهى)
وقد رواه أبو نعيم وزاد عقب الأبيات: أنها هم عنه باللَّه الأعلى، وأحوطه منهم باليد
العليا، والكنف الذي لا يرى، يد اللَّه فوق أيديهم، وحجاب اللَّه دون عاديهم، لا يطردونه ولا
يضرّونه في مقعد، ولا في منام، ولا مسير، ولا مقام أوّل الليل وآخر الأيام. قال الشامي: وسنده
واه جدًا، وإنما ذكرته لأنّبه عليه لشهرته في كتب المواليد. ويقع في بعض النسخ زيادة هي:
(نعم عند البيهقي من حديث ابن إسحق: أُعيذه بالواحد من شرّ كل حاسد في كل بر)
ضدٌ بحر (عاهد) اسم فاعل من عهد صفة لحاسد، أي: يتعهده بالحسد أينما سار كأنه لا ينفك
عن حسده، (و)أعيذه من (كل عبد رائد) طالب السوء (يرود) يطلبه له (غير رائد) غير طالب له
الكلأ كناية عن أنه لا ينفعه بوجه، (فإنه عبد حميد ماجد،) اسمان له سبحانه (حتى أراه أثر
المشاهد) وهو استدراك على قوله السابق.
وفي رواية غير ابن إسحق: كأنه قال: لكن جاء قريب منه عن ابن إسحق في غير السيرة
عند البيهقي: (وعن شداد بن أوس) بن ثابت الأنصاري، أبي يعلى الصحابي ابن أخي حسان بن
ثابت المتوفى بالشام قبل الستين، وقيل: بعدها رضي اللَّه عنه: (أن رجلاً من بني عامر سأل
رسول اللَّه عَّ) فقال له: (ما حقيقة أمرك؟) حالك (فقال: ((بدو شأني) ظهور أمري (أني دعوة
أبي إبراهيم) في قوله تعالى حكاية عنه وعن إسمعيل: ﴿ربّنا وابعث فيهم رسولاً منهم﴾
[البقرة: ١٢٩]، ولعلّه خصّ إبراهيم بالذكر لمزيد شرفه، أو لأنه الأصل أو الداعي، وإسماعيل أمن
(وبشري أخي عيسى.) قال تعالى: ﴿ومبشّرًا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد﴾ [الصف: ٦]،
(وأني كنت بكر أبي وأُمّي) أوّل أولادهما، ومقصوده: أنهما ما ولدا قبله ولا يلزم منه وجود ثان،

٢٠٢
حمل آمنة برسول اللَّهُ عَّه وعجائب ما رأت
وأنها حملت بي كأثقل ما تحمل النساء، وجعلت تشتكي إلى صواحبها ثقل ما
تجد، ثم إن أَمي رأت في منامها أن الذي في بطنها نور .. الحديث.
ففيه: أن أمه - عليه الصلاة والسلام - وجدت الثقل في حمله، وفي سائر الأحاديث
أنها لم تجد ثقلاً وجمع أبو نعيم الحافظ بينهما بأن الثقل به كان في ابتداء علوقها به،
والخفة عند استمرار الحمل به، فيكون على الحالين خارجًا عن المعتاد المعروف، انتهى.
وروى أبو نعيم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان من دلالة حمل
آمنة برسول الله عَ طّه أن كل دابة لقريش نطقت تلك الليلة،
فلا ينافي أنهما لم يلدا غيره، (وأنها حملت بي كأثقل ما تحمل النساء، وجعلت تشتكي إلى
صواحبها ثقل ما تجد) من ذلك الحمل (ثم إن أُمي رأت في منامها أن الذي في بطنها نور)»
الحديث، ففيه) تصريح (أن أُمّه عليه الصّلاة والسّلام وجدت الثقل في حمله، وفي سائر
الأحاديث أنها لم تجد ثقلاً) فحصل التعارض، (وجمع أبو نعيم الحافظ) أحمد بن عبد الله
الأصفهاني الصوفي (بينهما) بين حديث شداد وبين سائر الأحاديث، (بأن الثقل به كان في
ابتداء علوقها به) ولعلّها حملته على أنه مرض أصابها، فلا ينافي أنها ما علمت به أو الابتداء
نسبي وهو ما قرب من أوّل مدّة الحمل لا حقيقي، ولم يفهم هذا من اعترض جمعه بأن عدم
علمها به يقتضي أن الثقل لم يكن في ابتدائه، (والخفّة عند استمرار الحمل به، فيكون) أمر
حمله (على الحالين خارجًا عن المعتاد المعروف) عند النساء، فإنه في ابتدائه خفيف، فإذا
استمر اشتدٌ، (انتهى) .
جمع أبي نعيم: وبه يشعر قولها السابق كما تجد النساء، فإن الكلام إذا اشتمل على قيد
زائد كان هو المقصود، كما قال عبد القاهر: فكأنها قالت: وجدت له ثقلاً ليس كالثقل الذي
تجده النساء، وجمع غيره: بأن المنفي الثقل المعنوي وهو الوجع والألم الحاصل للحوامل
والمثبت الحسي وهو رزانته وزيادة مقداره من غير ألم ولا تعب؛ لأنه عَّهِ وزن بجميع أُمّته
فرجحهم، وعندي: أن هذا تعسّف لا دليل عليه وعلّته لا تفيد دعواه، وإن زعم صاحبه أنه خير
من جمع أبي نعيم.
(وروى أبو نعيم) المذكور في الدلائل (عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما،) أنه (قال: كان
من دلالة حمل آمنة برسول اللَّه عَّ) وهذا موقوف لفظًا وحكمه الرفع، إذ لا يقال رأيًا (أن كل
دابّة لقريش نطقت تلك الليلة) وتخصيص دواتّهم بالنطق لعلّه لإعلامهم فضله من أوّل الأمر فلا
يكون لهم شبهة ولا عذر وقت دعوته لكن لا تتمّ هذه النكتة إلا إن كانوا سمعوا نطق الدواب،

٢٠٣
حمل آمنة برسول اللَّه عٍَّ وعجائب ما رأت
وقالت: حمل برسول الله عَّه ورب الكعبة، وهو إمام الدنيا وسراج أهلها، ولم يبق
سرير لملك من ملوك الدنيا إلا أصبح منكوسًا، وفرت وحوش المشرق إلى وحوش
المغرب بالبشارات، وكذلك أهل البحار يبشر بعضهم بعضًا، وله في كل شهر من
شهور حمله نداء في الأرض ونداء في السماء: أن أبشروا فقد آن أن يظهر أبو
القُسمِ عَِّ ميمونًا مباركًا .. الحديث. وهو شديد الضعف.
(وقالت: حمل برسول اللَّه عَِّ وربّ الكعبة و)قالت: (هو) عَّ (إمام الدنيا) بالميم: قدوة
أهلها، ورأيته في خصائص السيوطي الكبرى عن أبي نعيم أمان بالنون، أي: أمانها من العاهات
العامّة، ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، (و)قالت: هو (سراج أهلها،) فهذا
من جملة نطق الدواب الذي أخبر به ابن عباس، وتجويز أن الضمير له وأن المصنّف قصد به جواب
سؤال هو: أن ابن عباس ما شاهد ذلك ولا نقله، فمن أين علمه حتى أخبر به؟ خطأ باطل، فهذا
موجود في كتاب أبي نعيم الدلائل، ونقله عنه السيوطي وغيره، وتشبّث مجوزه بأن شيخه اقتصر
على قوله: وربّ الكعبة، وعقبه بقوله: ومثله لا يقال رأيًا لا يجدي، فلا حجة في الترك.
وأمّا جواب السؤال، فهو قوله: لا يقال رأيًا، فقصد بذلك أن حكمة الرفع؛ كما قدّمنا ومن
العجيب أني لما أوردت على مبدىء هذا الاحتمال قول المصنف بعد الحديث، قال: نعم، لكن
يجوز أنه جملة معترضة بين أجزاء الحديث وهو فاسد نشأ من الاحتمال العقلي، فليس الإدراج
بالتشهي؛ كما صرّح به في فتح الباري. وإنما يعرف بورود رواية أخرى مبنية للقدر المدرج أو
بالنصّ عليه من الراوي، أو من إمام مطلع؛ كما في شرح النخبة وغيرها على أن هذا مغلطة؛ لأن
الإدراج من قول راو، والدعوى أنه من كلام المصنّف، ثمّ لا يصح إطلاق أن ابن عباس إمام
الدنيا وسراج أهلها، فإنما هما وصفان للنبيّ معَّه.
(ولم يبقَ سرير ملك) بكسر اللام (من ملوك الدنيا إلا أصبح منكوسًا) مقلوبًا عن الهيئة
التي كان عليها بأن صار أعلاه أسفله فهو مجاز إذ نكس قلبه على رأسه على ظاهر المختار إن لم
يكن تجوّز بالرأس عن الأعلى، وفي الخميس: وكلت الملوك حتى لم يقدروا في ذلك اليوم على
التكلّم، (وفرت) حقيقة، ولا مانع منه (وحوش) جمع وحش حيوان البرّ (المشرق إلى وحوش
المغرب بالبشارات) بما حصل لها من الفرح والسرور، وكأنها لقربها من موضع الحمل علمت
ذلك بنداء الملائكة أو سماع دواب قريش أو بما شاء اللَّه. (وكذلك أهل البحار) صار (يبشّر
بعضهم بعضًا، وله في كل شهر من شهور حمله نداء في الأرض ونداء في السماء،) هو (أن أبشروا
فقد آن) قرب (أن يظهر أبو القُسم ◌َّدٍ) حال كونه (ميمونًا مباركًا الحديث، وهو شديد الضعف

٢٠٤
وفاة عبد اللَّه
وعن غيره: لم يبق في تلك الليلة دار إلا أشرقت ولا مكان إلا دخله النور،
ولا دابة إلا نطقت.
وعن أبي زكريا يحيى بن عائذ: بقي عَِّ في بطن أمه تسعة أشهر كملاً، لا
تشكو وجعًا ولا مغصًا ولا ريحًا ولا ما يعرض لذوات الحمل من النساء، وكانت
تقول: والله ما رأيت من حمل هو أخف منه ولا أعظم بركة.
ولما تم لها من حملها شهران توفي عبد الله،
و) روي (عن غيره،) عن غير ابن عباس (لم يبقَ في تلك الليلة دار إلا أشرقت) أضاءت. (ولا
مكان) أعمّ من الدار (إلاَّ دخله النور) لهذه الزيادة أتى به (ولا دابّة) ظاهره: عموم الدوابّ إلا أن
يحمل على قوله في الرواية السابقة من دواب قريش (إلا نطقت،) ولم يبيّن في هذه الرواية ما
نطقت به، وبيّته في السابقة، بقوله: وقالت: حمل برسول اللَّه ... الخ.
ومن العجائب نقله من كلام غير المتن مع كونه قطعة منه، وينادي على ناقله بإبطال ذلك
الاحتمال. (وعن أبي زكريا يحيى) بن ملك (بن عائذ) بتحتّة وال معجمة نسبة لجده لشهرته
به الحافظ الكبير الأندلسي سمع أبا سهل القطان ودعلج بن أحمد وابن قانع، وأملى الحديث
بجامع قرطبة، صعد المنبر يوم الجمعة ليخطب فمات في الخطبة فجأة في شعبان سنة ستّ
وتسعين وثلاثمائة، فأنزل وطلب في الحال من يخطب.
(بقي عَّ في بطن أُمّه تسعة أشهر كملاً) بفتحتين مخفّف الميم، أي: كاملة، وهذا أحد
أقوال خمسة في مدّة الحمل تأتي في المصنّف، وذكره هنا لما بعده لا مقصود (لا تشكو
وجعًا) في رأسها من نحو الدوخة التي تعرض للحامل ولا في بدنها من استرخاء الأعضاء
والمفاصل (ولا) تشكو (مغصًا ولا ريحًا) في بطنها (ولا ما يعرض لذوات الحمل من النساء) من
حبّ بعض المأكول وبغض بعضه؛ كما مرّ في قولها: لم أجد لحمله وحمًا فليس تفسيريًّا، كما
زعم (وكانت تقول: والله ما رأيت) ما علمت (من حمل) لواحدة من النساء؛ لأنها ما حملت
بغيره عَّهِ (هو أخفّ منه، ولا أعظم بركة) كناية عن كونه أخفّ ما يوجد من الحمل بناء على
الاستعمال لا اللغة، فلا يرد أنه لا ينفي رؤيتها من يساويه مع أن قصدها أنه أخفّ ما يوجد، فهو
كقولهم: ليس في البلد أعلم من زيد، يريدون أنه أعلم أهلها، ثم ذكر المصنّف وفاة والده عُ
توطئة لما يأتي من امتناع الرضعاء من أخذه لموت أبيه، فقال: (ولما تمّ لها) الآمنة (من حملها
شهران) وقيل: قبل ولادته بشهرين (توفي عبد الله) بن عبد المطّلب عن خمس وعشرين سنة،
قال الواقدي: وهو الأثبت أو عن ثلاثين سنة، قاله أبو أحمد الحاكم، أو عن ثمان وعشرين، أو
عن ثمان عشرة سنة، وهو الذي صحّحه الحافظ العلائي، والحافظ ابن حجر، واختاره السيوطي

٢٠٥
وفاة عبد اللَّه
وقيل: توفي وهو في المهد، قاله الدولابي.
وعن ابن أبي خيثمة: وهو ابن شهرین.
وقيل: وهو ابن سبعة أشهر وقيل: وهو ابن ثمانية وعشرين شهرًا.
والراجح المشهور: الأول.
(وقيل توفي) عبد اللّه (وهو) عٍَّ (في المهد).
قال السهيلي: وهو قول أكثر العلماء، واحتجّ له بقول عبد المطّلب لأبي طالب: أُوصيك
يا عبد مناف بعدي بمؤتم بعد أبيه، فردّ: فارقه وهو ضجيع المهد، انتهى. قال السمين: المهد ما
يمهد للصبي ليرتّى فيه من مهدت له المكان، أي: وطأته ولينته، وفيه احتمالان:
أحدهما: أن أصله المصدر فسمي به المكان وأن يكون بنفسه اسم مكان من غير مصدر،
وقد قرىء مهدًا ومهادًا في طه. (قاله) الحافظ أبو بشر محمد بن أحمد بن حماد بن سعيد
الأنصاري الرازي (الدولابي،) سمع محمّد بن بشار ولهرون بن سعيد وطبقتهما، ورحل وصنف،
وعنه ابن أبي حاتم وابن عدي وابن حبان والطبراني وغيرهم.
قال الدارقطني: تكلّموا فيه وما يظهر من أمره الأخير، وقال ابن يونس: ضعيف ولد سنة
أربع وعشرين ومائتين ومات بالعرج بين مكّة والمدينة سنة عشر وثلاثمائة، قال في اللبّ: كأصله
الدولابي صوابه بفتح أوّله والناس يضمّونه إلى عمل الدولاب، ودولاب قرية بالري، قال ابن
السمعاني: وظنّي أن بعض أجداده نسب إلى عمل الدولاب، قال: وأصله من الري، فيمكن أن
یکون من قرية دولاب، انتھی.
وفي النور والقاموس: الدولاب القرية بالضمّ والذي كالناعورة بالضم ويفتح، (و)على كونه
توفي وهو في المهد اختلف كم كان سنه عَّةٍ، فنقل (عن) الحافظ أحمد (بن أبي خيثمة)
زهير بن حرب الحافظ ابن الحافظ الإمام الثبت أبي بكر النسائي ثم البغدادي، قال الخطيب: ثقة
عالم متقن حافظ بصير بأيام الناس، راوية للأدب، أخذ علم الحديث عن أحمد وابن معين، وعلم
النسب عن مصعب، وأيام الناس عن المدائني، والأدب عن محمّد بن سلام الجمحي، ولا
أعرف أغزر فوائده من تاريخه بلغ أربعًا وتسعين سنة، ومات في جمادى الأولى سنة تسع وسبعين
ومائتين؛ (وهو ابن شهرين، وقيل:) مات (وهو) عليه الصلاة والسلام (ابن سبعة أشهر) بموحدة
بعد السين، حكاه في العيون، وقيل: ابن تسعة (وقيل) مات (وهو) عَّ (ابن ثمانية وعشرين
شهرًا،) فكلّ هذه الأقوال مبنيّة على أنه مات وهو في المهد، وهو صريح العيون والسبل،
(والراجح المشهور) كما قال ابن كثير ورجّحه الواقدي وابن سعد والبلاذري والذهبي: هو

٢٠٦
وفاة عبد اللَّه
وكان عبد الله قد رجع ضعيفًا مع قريش لما رجعوا من تجارتهم، ومروا
بالمدينة يثرب، فتخلف عند أخواله بني عدي بن النجار، فأقام عندهم مريضًا
شهرًا، فلمّا قدم أصحابه مكة سألهم عبد المطلب عنه فقالوا: خلفناه مريضًا، فبعث
إليه أخاه الحرث فوجده قد توفي، ودفن في دار التابعة، وقيل دفن بالأبواء.
وقالت آمنة زوجته ترثيه:
عنا جانب البطحاء من آل هاشم وجاور لحدًا خارجًا في الغماغم
(الأول) يعني أنه مات وهو حمل، والحجّة له ما في المستدرك عن قيس بن مخرمة: توفي أبو
النبيّ عَّهِ وَأَّه حبلى به، قال الحاكم: على شرط مسلم، وأقرّه الذهبي.
(وكان عبد الله) فيما رجّحه الواقدي، وقال: هو أثبت الأقاويل، (قد رجع) من غزّة (ضعيفًا
مع قريش لما رجعوا من تجارتهم ومرّوا بالمدينة يثرب) بدل أتى به لدفع توهم أن المراد غيرها؛
لأنها حينئذ ما كانت معروفة إلا بيثرب لا المدينة، سميت بيثرب بن قابل بن ارم بن سام بن نوح؛ لأنه
أوّل من نزلها، وقد غيّره مَّ إلى طيبة وسمّاها اللَّه طابة، رواه مسلم، قال عيسى بن دينار: من سمّاها
يثرب كتبت عليه خطيئة، وفي مسند أحمد عن البراء بن عارب، قال: قال عَّ له: ((من سمّى المدينة
بيثرب فليستغفر اللَّه عزّ وجلّ، هي طابة هي طابة وإنما سمّيت في القرءان حكاية)).
(فتخلّف عند أخواله بني عدي بن النجّار) أي: أخوال أبيه؛ لأن هاشمًا تزوّج من بني
عدي فولدت له عبد المطّلب، أمّا أخوال عبد اللَّه فإنما هم من قريش من بني مخزوم (فأقام عندهم
مريضًا شهرًا، فلمَّا قدم أصحابه مكّة سألهم عبد المطّلب عنه، فقالوا: خلفناه مريضًا) عند أخواله
(فبعث) عبد المطلب (إليه أخاه) أخا عبد اللَّه (الحرث،) وقال ابن الأثير: الزبير، (فوجده قد
توفي) بالمدينة (ودفن) بها (في دار التابعة) بفوقية فموحّدة فعين مهملة؛ كما في الزهر الباسم،
قال الخميس: وهو رجل من بني عدي بن النجار. (وقيل: دفن بالأبواء) بفتح أوّله ومدّ آخره قوية
من عمل الفرع من المدينة، بينها وبين الجحفة مما يلي المدينة ثلاثة وعشرون ميلاً، والصحيح: أنها
سميت بالأبواء لتبوّىء السيول بها، قاله ثابت بن حزم الحافظ، وقيل: لما فيها من الوباء.
قال البرهان وغيره: ولو كان كذلك لقيل الأوباء، أو يكون مقلوبًا منه. (وقالت: آمنة زوجته
ترثيه) شعرًا (عنا جانب البطحاء) المختار: عفا المنزل درس وضمّنته معنى خلا، فعدّته بمن في
(من آل هاشم) وجعلت خلوها منه خلوًا من آل هاشم مبالغة لعدم قيام غيره منهم مقامه، أو
الإضافة عهديّة والمعهود زوجها أطلقت عليه آل؛ لأنه اسم لأهل الرجل وعياله، فيطلق على
الكثير الواحد. (وجاور) من المجاروة (لحدًا خارجًا في الغماغم) بغينين معجمتين وميمين، أي:

٢٠٧
وفاة عبد الله
دعته المنايا دعوة فأجابها وما تركت في الناس مثل ابن هاشم
عشية راحوا يحملون سريره تعاوره أصحابه في التزاحم
فإن تك غالته المنون وريبها فقد كان معطاء كثير التراحم
ويذكر عن ابن عباس، أنه لما توفي عبد الله قالت الملائكة إلهنا وسيدنا،
بقي نبيك يتيمًا، فقال الله تعالى: أنا له حافظ ونصير.
وقيل لجعفر الصادق: لم يتم النبي عَ لّه قال: لئلا
الأغطية، قاله الشامي.
وكان المراد الأكفان التي لفّ فيها؛ فكأنها قالت: جاور حال كونه مدرجًا في أكفانه
لحدًا بعيدًا عن أماكن أهله، (دعته المنايا) جمع منية بشدّ الياء: الموت، (دعوة) ويروى بغتة
(فأجابها،) وإسناد الدعوة إلى المنايا تجوز؛ وكأنها أرادت: ناداه ملك الموت حيث أراد قبض
روحه، فأجابه بمعنى قام به الموت أو أسبابه حتى توفي، (وما تركت) المنايا (في الناس مثل ابن
هاشم) عبد اللَّه؛ لأنه كان يتلألأ نورًا في قريش وكان أجملهم فشغفت به نساؤهم وكدن أن
تذهل عقولهن، قال أهل السير: فلقي عبد اللَّه في زمنه من النساء ما لقي يوسف في زمنه من
امرأة العزيز، (عشية راحوا) أي: ذهب المشيّعون له حال كونهم (يحملون) في الوقت المسمّى
عشية، وهي آخر النهار، (سريره) النعش الذي هو عليه (تعاوره) تداوله (أصحابه في التزاحم،)
أي: مع التزاحم عليه، ففي بمعنى: مع؛ كقوله: ادخلوا في أَمم (فإن تك غالته) أي: أخذته على
غفلة، أي أهلكته (المنون وريبها) أي: حوادثها، أي: الأسباب المؤدية للموت، وعبّرت بأن التي
للشكّ لاستبعاد وقوع الموت به استعظامًا له، وجواب الشرط محذوف، أي: أسف الناس لموته،
والفاء للتعليل في قولها: (فقد كان معطاء) كثير الإعطاء، (كثير التراحم).
(ويذكر عن ابن عباس: أنّه لمّا توفي عبد اللَّه، قالت الملائكة:) يا (الهنا و) يا (سيدنا
بقي نبيّك يتيمًا) لا أب له، قال الخميس: أعلى اليتم ما توفي الوالد والولد في بطن الأمّ، (فقال
اللّه تعالى) جوابًا لهم: (أنا له حافظ ونصير) ومن كنت له كذلك لا يضيع، وهذا حكمه الرفع
لو صح، لكن مرضه المصنّف على عادتهم في نقل التضعيف بيروى ويذكر، وفي لفظ: قالت
الملائكة: صار نبيّك بلا أب، فبقي من غير حافظ ومربّ، فقال اللَّه؛ أنا وليّه وحافظه وحاميه
وربّه وعونه ورازقه و کافیه، فصلّوا عليه وتبرّکوا باسمه.
(وقيل لجعفر الصادق) لقبّ به لأنه ما كذب قط، (لم يتمّ) بكسر التاء؛ كما اقتصر عليه
الجوهري، وزاد المجد فتحها، والمصباح ضمّها، (النبيّ عَّ) أي: ما حكمة ذلك (قال: لئلاً

٢٠٨
ولادته عَلِّ، وعجائب ما رأت
يكون عليه حق لمخلوق. نقله عنه أبو حيان في البحر.
وروى أبو نعيم عن عمرو بن قتيبة قال: سمعت أبي - وكان من أوعية العلم -
قال: لما حضرت آمنة الولادة قال للملائكة: افتحوا أبواب السماء كلها،
وأبواب الجنان، وألبست الشمس يومئذٍ نورًا عظيمًا، وكان قد أذن الله تعالى تلك
السنة لنساء الدنيا أن يحملن ذكورًا
يكون عليه حقّ لمخلوق) ولا يردّ عليه بقاء أُمّه حتى بلغ ستّ سنين أو أكثر؛ لأن تعلّق
الحقوق إنما هو بعد البلوغ (نقله عنه أبو حيّان) الإمام أثير الدين محمّد بن يوسف بن عليّ بن
يوسف الأندلسي الغرناطي نحوي عصره ولغويه ومقرّيه، ولد في شوال سنة أربع وخمسين
وستمائة، وأخذ عن ابن الصائغ وابن النحاس وغيرهما، وتقدّم في النحو في حياة شيوخه واشتهر
اسمه وألّف الكتب المشهورة، وأخذ عنه أكابر عصره مات في صفر سنة خمس وأربعين
وسبعمائة.
(في البحر) هو تفسيره الكبير، وقال ابن العماد في كشف الأسرار: إنما ربّاه يتيمًا؛ لأن
أساس كل صغير كبير، وعقبى كل حقير حظير، ولينظر عَّه إذا وصل إِلى مدارج عزه إلى أوائل
أمره ليعلم أن العزيز من أعزّه اللَّه تعالى، وأن قوّته ليست من الآباء والأمهات ولا من المال، بل
قوّته من اللَّه تعالى وأيضًا ليرحم الفقير والأيتام.
(وروى أبو نعيم عن عمرو بن قتيبة) الصوري الصدوق، روى عن الوليد بن مسلم وغيره
وعنه النسائي وأحمد بن المعلى، (قال سمعت أبي وكان من أوعية العلم، قال: لمَّا حضرت
آمنة الولادة،) وفي نسخة: حضرت ولادة آمنة، أي: دخل وقت ولادتها، (قال للملائكة) أي:
للخزان، وفي نسخ: قال اللَّه لملائكته (افتحوا أبواب السماء كلّها) هو ظاهر في أنها مغلقة،
وإنما تفتح لأسباب وهو ما صرّحت به النصوص وبه تشهد الأخبار، (و)افتحوا (أبواب الجنان)
السبع، وهي على ما روي عن ابن عباس: جنَّة الفردوس، وجنَّة عدن، وجنّة النعيم، ودار الخلد،
وجنة المأوى، ودار السلام، وعليّون؛ لكن قال السيوطي: لم أقف عليه، يعني مسندًا عن ابن
عباس، فلا ينافي ذكره في البدور عن القرطبي أنها سبع وعدّ هذا، إلاّ أنه قال بدل عليّون: دار
الجلال، وقيل: الجنَّة واحدة مسماة بهذه الأسماء، وقيل: أربع، ورجّح بما في سورة الرحمن،
وقال السبكي: هذه الأربع أنواع تحتها أفراد كثيرة؛ كما في الحديث: أنها جنان كثيرة.
(وألبست الشمس يومئذ،) أي: زادت (نورًا عظيمًا) على نورها، (وكان قد أذن اللَّه
تعالى) أراد (تلك السنة) التي حمل فيها بالنبيّ عَّة (لنساء الدنيا) أي: الحاملات منهنّ (أن
يحملن ذكورًا،» وليس المراد: أن جميع نساء الدنيا حملن إذ فيهنّ العزباء والكبيرة والصغيرة،

٢٠٩
ولادته معَّ وعجائب ما رأت
كرامة لمحمد عَّهِ. الحديث وهو مطعون فيه.
وذكر أبو سعيد عبد الملك النيسابوري في كتابه المعجم الكبير كما نقله
عنه صاحب كتاب السعادة والبشرى عن كعب في حديثه الطويل، ورواه أبو نعيم
من حديث ابن عباس قال: كانت آمنة تحدث وتقول: أتاني آت حين مر بي من
حملي ستة أشهر في المنام وقال لي يا آمنة إنك حملت بخير العالمين فإذا ولدته
فسميه محمدًا واكتمي شأنك قالت ثم أخذني ما يأخذ النساء ولم يعلم بي أحد
لا ذكر ولا أنثى، وإني لوحيدة في المنزل وعبد المطلب في طوافه، فسمعت
وجبة عظيمة وأمرًا عظيمًا هالني، ثم رأيت كأن جناح طائر أبيض قد مسح على
فؤادي فذهب عني الرعب وكل وجع أجده، ثم التفت فإذا أنا بشربة بيضاء
ومن لم تتزوّج أصلاً، ومن زوجها غائب عنها. كل ذلك (كرامة لمحمّد عَّةٍ)) فهو راجع
لجميع ما قبله (الحديث وهو مطعون فيه، وذكر أبو سعيد عبد الملك النيسابوري) مرّ أنه بفتح
النون نسبة إلى نيسابور أشهر مدن خراسان، (في كتابه المعجم الكبير) وصريح المصنّف أنه
غير صاحب شرف المصطفى، فإن اسمه عبد الرحمن كما مرّ، والمصنّف سمّاه عبد الملك؛
(كما نقله عنه صاحب كتاب السعادة، والبشرى عن كعب في حديثه الطويل، ورواه) أي: روى
ما ذكره أبو سعيد عن كعب، (أبو نعيم من حديث ابن عباس) أنه (قال: كانت آمنة تحدّث،
وتقول:) ومعلوم أنه ما سمعها، فيحتمل على أنه سمعه ممن سمعها. (أتاني آت حين مرّ بي من
حملي ستّة أشهر في المنام، وقال لي: يا آمنة، إنك قد حملت بخير العالمين) الماضين
والموجودين والآتين، (فإذا ولدته) بتاء وهاء، وفي نسخة بينهما ياء على لغة قليلة للإشباع،
(فسميه محمّدًا واكتمي شأنك) حتى تضعي، فلا ينافي إخبارها به. (قالت: ثم أخذني ما يأخذ
النساء) من الطلق (ولم يعلم بي أحد، لا ذكر ولا أُنثى) أتت به بعد أحد لدفع توهم أن المراد
الذكور فقط، (وإني لوحيدة) منفردة (في المنزل وعبد المطّلب في طوافه) بالبيت الحرام،
(فسمعت وجبة) بسكون الجيم وفتح الموحّدة، أي: هدّة (عظيمة) وهي سقوط وقع نحو الحائط
(وأمرًا عظيمًا هالني) أفزعني، وهو تفسيري (ثم رأيت) رؤية عين بصرية شيئًا، (كأن جناح طائر
أبيض قد مسح على فؤادي) هو القلب عند الجوهري وغشاؤه عند غيره، قال الزركشي: وهو
أحسن الحديث: ((ألين قلوبًا وأرقّ أفئدة))، (فذهب عني الرعب) الخوف الحاصل من تلك
الوجبة، (وكل وجع أجده) بسبب الطلق فلا ينافي أنها لم تشك ما يعرض للحوامل، (ثم التفت،
فإذا أنا بشربة بيضاء) أي: بآنية شربة أو أطلق الشربة على محلها وهو المشربة بكسر الميم

٢١٠
ولادته معَظُلِّ وعجائب ما رأت
فتناولتها فأصابني نور عال، ثم رأيت نسوة كالنخل طوالاً كأنهن من بنات عبد
مناف، يحدقن بي فبينما أتعجب وأنا أقول واغوثاه من أين علمن بي. قال في غير
هذه الرواية فقلن لي نحن آسية امرأة فرعون ومريم ابنة عمران وهؤلاء من الحور
العين واشتد بي الأمر وإني أسمع الوجبة في كل ساعة أعظم وأهول مما تقدم فبينما
أنا كذلك إذا بديباج أبيض قد مد بين السماء والأرض، وإذا بقائل يقول خذاه عن
أعين الناس، قالت ورأيت رجالاً قد وقفوا في الهواء بأيديهم أباريق من فضة، ثم
نظرت فإذا أنا بقطعة من الطير قد أقبلت حتى غطت حجرتي، مناقيرها
مجازًا من تسمية المحل باسم الحال فيه، إذ الشربة المرّة من الشرب، (فتناولتها) فشربتها، وفي
رواية: فإذا أنا بشربة بيضاء ظننتها لبنًا، وكنت عطشى فشربتها، فإذا هي أحلى من العسل،
(فأصابني نور عال، ثم رأيت نسوة كالنخل طوالاً) بكسر الطاء جمع طويلة وأما بضمها ففرد
كرجل طوال، وقال ابن الأثير: جمع طولى مثل الكبر في الكبرى، وهذا البناء يلزمه أل أو
الإضافة؛ (كأنهنّ من بنات عبد مناف) شبهت بهنّ لاشتهارهن بين النساء بالطول والجمال،
(يحدقن) بضم الياء وكسر الدال مخففة فقاف ساكنة، وبفتح الياء وكسر الدال، أي: يحطن بي
(فبينما أتعجّب وأنا أقول: واغوثاه !! من أين علمن بي؟ قال في غير هذه الرواية: فقلن لي)
أي: اثنتان منهن على أن أقل الجمع اثنان، أو مجاز (نحن آسية) بالمدّ وكسر السين المهملة؛
كما في التبصير بنت مزاحم، قيل: أنها إسرائيلية، وأنها عمة موسى، وقيل: أنها ابنة عمّ فرعون
وأنها من العمالقة، (امرأة فرعون) ذات الفراسة الصادقة في موسى حين قالت: قرّة عين لي ومن
فضائلها: أنها اختارت القتل على الملك وعذاب الدنيا على النعيم الذي كانت فيه، (ومريم ابنة
عمران) أُمّ عيسى عليه السلام، قيل: أنهما نبيتان، بل قال القرطبي: الصحيح أن مريم نبيّة، لكن
قال عياض: الجمهور على خلافه، وبعضهم نقل الإجماع على عدم نبوّة النساء، وعن الأشعري:
نّىء منهن ستّ: هاتان، وحواء، وسارة، وهاجر، وأَمّ موسى واستعمال نحن فيهما حقيقة؛ لأنها
للمتكلم ومعه غيره واحد أو أكثر. (وهؤلاء من الحور العين) ولعلَّ حكمة شهودهم كثرة الحور
له في الجنَّة، كما أن مريم وآسية من نسائه في الجنَّة؛ كما في الحديث، (واشتدَّ بي الأمر،
وإني أسمع الوجبة في كل ساعة أعظم وأهول مما تقدم، فبينما أنا كذلك إذ بديباج) بكسر
الدال ويجوز فتحها: نوع من الحرير، قاله في التوشيح (أبيض قد مدّ بين السماء والأرض)
تعظيمًا لولادته عليه السّلام، (وإذا بقائل يقول: خذاه) إذا ولد (عن أعين الناس، قالت: ورأيت
رجالاً قد وقفوا في الهواء،) أي: ملائكة تشكّلوا بصورة الرجال، (بأيديهم أباريق من فضّة، ثم
نظرت، فإذا أنا بقطعة) جماعة (من الطير قد أقبلت حتى غطت حجرتي) لكثرتها (مناقيرها)

٢١١
ولادته معَ ◌ّ وعجائب ما رأت
من الزمرد وأجنحتها من الياقوت فكشف الله عن بصري فرأيت مشارق الأرض
ومغاربها، ورأيت ثلاثة أعلام مضروبات، علمًا بالمشرق وعلمًا بالمغرب وعلمًا
على ظهر الكعبة فأخذني المخاض فوضعت مَحمدًاً عَّله فنظرت إليه فإذا هو
ساجد قد رفع أصبعيه إلى السماء كالمتضرع المبتهل، ثم رأيت سحابة بيضاء قد
أقبلت من السماء حتى غشيته فغيبته عني، ثم سمعت مناديًا ينادي طوفوا به
مشارق الأرض ومغاربها وأدخلوه البحار ليعرفوه باسمه ونعته وصورته، ويعلمون أنه
سمي فيها لماحي، لا يبقى شىء من الشرك إلا محي في زمنه،
مبتدأ خبره (من الزمرد) بزاي معجمة فميم فراء مشددة مضمومات فدال معجمة؛ كما صوّبه
الأصمعي، وجزم به المجد، وقال ابن قتيبة: مهملة الزبرجد فارسي معرب، (وأجنحتها من
الياقوت، فكشف اللَّه عن بصري، فرأيت مشارق الأرض ومغاربها، ورأيت ثلاثة أعلام مضروبات
علمًا بالمشرق وعلمًا بالمغرب وعلمًا على ظهر الكعبة،) ولعلَّ حكمة ذلك الإشارة إلى أن
شرعه يعمّ المشارق والمغارب ويعلو على مكّة ويصير بيننا واضحًا؛ كالأعلام، (فأخذني
المخاض.) قال البيضاوي: بفتح الميم وكسرها مصدر مخضت المرأة إذا تحرّك الولد في بطنها
للخروج، (فوضعت محمّدًا عَّله)) الظاهر أن الصلاة من الراوي (فنظرت إليه فإذا هو ساجد)
حقيقة (قد رفع أصبعيه،) أي: سبابتيه قابضًا بقية أصابعه؛ كما يأتي في رواية الطبراني (إلى
السماء؛ كالمتضرّع) المتذلّل (المبتهل، ثم رأيت سحابة بيضاء قد أقبلت من السماء حتى
غشيته فغيّبته عني، ثم سمعت مناديًا ينادي: طوفوا به مشارق الأرض ومغاربها) خصّت الأرض
بذلك دون السماء؛ لأنها محل بعثته وظهور رسالته، والمناسب لقوله السابق: خذاه أن يقال طوفا
به، فيحتمل أن معهما غيرهما تعظيمًا له، أو على أن الجمع ما فوق الواحد، (وأدخلوه البحار)
جميعها وهي سبعة، أخرجه أبو الشيخ عن ابن عباس ووهب، وأخرج أيضًا عن حسان بن عطية،
قال: بلغني أن مسيرة الأرض خمسمائة سنة بحورها منها مسيرة ثلاثمائة سنة، والخراب منها
مسيرة مائة سنة، والعمران مسيرة مائة سنة. (ليعرفوه باسمه) فيها وهو الماحي؛ كما يأتي على
الأثر، ولا تفهم أنه عام فتتعب، (ونعته وصورته) أي: لتعرفه البحار نفسها ولا مانع، فاللَّه على كل
شىء قدير، أو أهلها أو هما جميعًا، (و)حين إذ عرفوه بالثلاثة (يعلمون) قالوا: واستئنافية بدليل
النون، (أنه سمّي فيها) في البحار (لماحي،) لأنه (لا يبقى شىء من الشرك إلا محي في
زمنه،) قال المصنف في أسمائه عَّ: ولما كانت البحار هي الماحية للأدران كان اسمه فيها

٢١٢
ولادته معَّه وعجائب ما رأت
ثم انجلت عنه في أسرع وقت .. الحديث. وهو مما تكلم فيه.
وروى الخطيب البغدادي بسنده كما ذكره صاحب كتاب السعادة والبشرى
أيضًا أن آمنة قالت لما وضعته عليه الصلاة والسلام رأيت سحابة عظيمة لها نور
أسمع فيها صهيل الخيل وخفقان الأجنحة وكلام الرجال، حتى غشيته وغيب عني
فسمعت مناديًا ينادي طوفوا بمحمد عَّه في مشارق الأرض ومغاربها وأدخلوه
البحار ليعرفوه باسمه ونعته وصورته في جميع الأرض واعرضوه على كل روحاني
من الجن والإنس والملائكة والطيور والوحوش وأعطوه خلق آدم، ومعرفة شيث،
وشجاعة نوح، وخلة إبراهيم
الماحي، انتهى. وهي مناسبة لطيفة، (ثم انجلت عنه) تلك السحابة (في أسرع وقت ...
!! بث، وهو مما تكلم فيه،) فذكره لينبه عليه؛ لشهرته في المواليد.
(ووروى) الخطيب (البغدادي) الحافظ أحمد بن علي بن ثابت (بسنده) إيضاح فهو عندهم
مدلول، روى (كما ذكره صاحب كتاب السعادة والبشرى أيضًا) كما ذكر الأول: (أن آمنة
قالت: لمَّا وضعته عليه الصّلاة والسّلام) الظاهر: أن التصلية من الراوي؛ كما مرّ، (رأيت سحابة
عظيمة لها نور أسمع فيها صهيل الخيل،) كأمير أصواتها كما في القاموس.
(وخفقان الأجنحة) مصدر خفق؛ كضرب، أي: اضطرابها (وكلام الرجال) الملائكة
المتشكلين بصفتهم (حتى غشيته) تلك السحابة متعلق بمقدّر، أي: أقبلت (وغيّب عني، فسمعت
مناديًّا ينادي: طوفوا بمحمّد عَّه في مشارق الأرض ومغاربها وأدخلوه البحار ليعرفوه باسمه ونعته
وصورته في جميع الأرض،) متعلّق بيعرفوه (واعرضوه) بهمزة وصل: أظهروه (على كل روحاني)
بضم الراء، أي: من فيه روح بدليل قوله: (من الجنّ والإنس والملائكة والطيور والوحوش،
وأعطوه خلق آدم) بفتح الخاء وسكون اللام ففي حديث: «أنا أشبه الناس بأبي آدم، وكان أبي
إبراهيم خليل الرحمن أشبه الناس بي خَلْقًا وخُلُقًا، (ومعرفة شيث) بن آدم))، نقل الثعلبي وغيره:
أن اللَّه علَّمه ساعات الليل والنهار، وعلَّمه عبادة الحق في كل ساعة منها، فلعلَّ هذا هو المراد
بالمعرفة هنا، (وشجاعة نوح) ولو لم يكن من شجاعته إلا مكثه في قومه ألف سنة إلا خمسين
مع تعنّتهم عليه، وكفرهم وقلّة من آمن معه، وهو لا يبالي بهم ويقاومهم كلهم ومواطن شجاعة
نبيّنا مَِّ لا تحصر، (وخلّة) بشدّ اللام (إبراهيم) للَّه عزّ وجلَّ في قوله ﴿وانَّخذ اللَّه إبراهيم
خليلاً﴾ [النساء: ١٢٥]، وفي الصحيح: قوله عَّه: ((لو كنت متَّخذًا خليلاً غير ربي، لاتّخذت
أبا بكر خليلاً))، وأخرج أبو يعلى في حديث المعراج: ((فقال له ربّه: اتّخذتك خليلاً وحبيبًا»،

٢١٣
ولادته معطل وعجائب ما رأت
ولسان إسماعيل، ورضا إسحق، وفصاحة صالح، وحكمة لوط، وبشرى يعقوب،
وشدة موسی، وصبر أيوب، وطاعة يونس،
فثبت أنه خليل كإبراهيم، وزاد كونه حبيبًا (و) أعطوه (لسان إسماعيل) أي: لغته، نحو: ﴿وما
أرسلنا من رسول إلاّ بلسان قومه﴾ [إبراهيم: ٤]، أخرج الزبير بن بكار بسند جيّد عن عليّ مرفوعًا:
(أول من فتق اللّه لسانه بالعربية البينة إسماعيل)، وقد كان نبيّنا عَّله أفصح الخلق على الإطلاق.
وقد روى أبو نعيم في تاريخ أصبهان عن ابن عمر، قال: قال عمر: يا نبيّ اللَّه! مالك
أفصحنا ولم تخرج من بين أظهرنا؟ فقال عَّ: ((كانت لغة إسمعيل قد درست، فجاءني بها
جبريل فحفظتها))، بل زاد على ذلك فكان يخاطب كل ذي لغة بلغته، اتّساعًا في الفصاحة.
(ورضا إسحق،) بالذبح على أنه الذبيحِ في حديث: ((أن داود سأل ربه مسألة، فقال:
اجعلني مثل إبراهيم وإسحق ويعقوب، فأوحى الله إليه: إني ابتليت إبراهيم بالنار فصبر، وابتليت
إسحق بالذبح فصبر، وابتليت يعقوب فصبر)) الحديث، وقد رضي نبيّنا عَّ بما هو أقوى من
ذلك، فقد أدمى الكفار رجليه، وكسروا رباعيته، وشجّوا وجهه، واجتمعوا على قتله، وحاربوه
وهو مع ذلك كلّه راض، ويقول: ((اللَّهمَّ اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون)).
(وفصاحة صالح،) ذكر الثعلبي أنه كان من أفصح أهل زمانه وأحسنهم منطقًا، قال: وكان
له من الحسن والجمال ما لا يقدر أحد أن يتمتع بالنظر إليه من نور وجهه، وكان أشبه الناس
بشيث، وأعطاه اللَّه من العلم والحلم والوقار والسكينة شيئًا كثيرًا، وكان لباسه الصوف، ونعلاه
من خوص النخل، انتهى. والمصطفى لا يدانيه في الفصاحة أحد.
(وحكمة لوط،) المشار لها بقوله تعالى: ﴿ولوطًا آتيناه حكمًا وعلمًا﴾ [الأنبياء: ٧٤]، قال
البيضاوي: أي: حكمة أو نبوّة أو فضلاً بين الخصوم، واقتصر الجلال على الثالث، وما بلغه نبيّنا
من ذلك لا مضارع له فيه.
(وبشرى يعقوب،) لعلّها بسلامة ولده أو بالفوز بدعوة أبيه دون أخيه عبصو، وقد بشّر
نبيَّا عَِّ من ربّه بأُمور كثيرة.
(وشدّة موسى،) في دين اللَّه وفي القوة، فقد حكي عنه قتل ذلك الرجل بوكزة وغير
ذلك، ونبيّنا أعطي فوق ذلك فقد قتل أبي بن خلف بأدنى شىء حتى عيّره قومه، فقال: لو بصق
عليّ محمّد لقتلني، وصارع بمكّة رجلاً كان لا يقدر على صرعه أحد فصرعه، إلى غير ذلك.
(وصبر أيوب،) الممدوح عليه بقوله: ﴿إِنّا وجدناه صابرًا﴾ [ص: ٤٤]، وأحوال
المصطفى في الصبر لا يضبطها الحصر.
(وطاعة يونس) للَّه تعالى من الصغر، روي: أنه لما بلغ سبع سنين قال لأُتّه: أُريد كسوة

٢١٤
ولادته عَّ وعجائب ما رأت
وجهاد یوشع، وصوت داود وحب دانيال ووقار إلياس وعصمة يحيى
الصوف حتى ألحق بالعباد، فلم تجبه فلم يزل بها حتى كسته، وكان معهم حتى تمّ خمس
عشرة سنة، ذكره الثعلبي، وطاعة المصطفى لربّه من قبل السبع، فكان يخرج هو وأخوه من
الرضاعة في بني سعد، فيمرّان بالغلمان يلعبون فيلعب أخوه، فإذا رآهم عليه الصّلاة والسّلام أخذ
بيد أخيه، وقال: ((إنّا لم نخلق لهذا)).
(وجهاد يوشع) بن نون قاتل الجبارين بعد موسى يوم الجمعة، ووقفت له الشمس ساعة
حتى فرغ من قتالهم، وقد جاهد عَّ الجبارين ببدر يوم الجمعة ونصره اللَّه عليهم، ثم استمرّ
مجاهدًا في اللَّه حقّ جهاده حتى توفّاه اللَّه، واستمرّ في شرعه الجهاد إلى يوم القيامة، وللَّه
الحمد.
(وصوت داود،) المشار له بحديث: ((لقد أُوتي أبو موسى مزمارًا من مزامير آل داود))،
يعني: داود نفسه، ولا ريب في أن المصطفى فاقه لما رواه الترمذي من حديث أنس: ((ما بعث
اللَّه نبيًّا إلا حسن الوجه حسن الصوت، وكان نبيكم أحسنهم وجهًا وأحسنهم صوتًا)).
(وحب دانيال،) آتاه اللَّه النبوّة والحكمة، روى ابن أبي الدنيا: ((أن بختنصر ضری أسدين
وألقاهما في جبّ وأمر بدانيال فألقي عليهما)) الحديث. وروى البيهقي: ((أن دانيال طرح في
الجب وألقيت عليه السباع، فجعلت تلحسه وتبصبص إليه، وأرسل اللَّه له ملكًا بطعام). وروى
ابن أبي الدنيا: ((أن الملك الذي كان دانيال في سلطانه، قال له منجّموهٍ: يولد ليلة كذا وكذا
غلام يفسد ملكك، فأمر بقتل من يولد تلك الليلة، فلمّا ولد دانيال ألقته أَمّه في أجمة أسد فبات
الأسد ولبوته يلحسانه ونجّاه اللَّه))، وأقوى من ذلك: مكث نبيّنا عَّ في الغار ليلة الهجرة وحفظ
اللَّه له من الكفار الذين هم أشد من الأسد مع أن أحدهم لو نظر إلى عقبه لرآه وقد حفظه الله
حين ولد من اليهودي ومكره به وتحريضه على قتله، بقوله: ((يا معشر قريش، ليسطون بكم سطوة
يخرج خبرها من المشرق والمغرب»؛ كما يأتي قريبًا.
(ووقار إلياس،) من ذرّية لهرون كان على صفة موسى في الغضب والقوة، ونشأ نشأة
حسنة يعبد اللَّه وجعله اللَّه نبيًّا ورسولاً وآتاه آيات، وسخر له الجبال والأسود وغيرها، وأعطاه قوّة
سبعين نبيًّا، ذكره الثعلبي. والمصطفى عَّه لا يقارنه أحد في الوقار، وقد كان أصحابه لا
يستطيعون إمعان النظر فيه لقوة مهابته ومزيد وقاره، ومن ثمّ لم يصفه إلا صغارهم أو من كان في
تربيته قبل النبوّة؛ كهند وعليّ.
(وعصمة يحيى) بن زكريا من اللعب ونحوه من الصغر، قال الثعلبي: روي في قوله تعالى:
﴿وآتيناه الحكم صبيًّا﴾ [مريم: ١٢]، قيل: تعلّم التوراة في صغره، وقيل: نزل عليه الوحي لثلاثين

٢١٥
ولادته ځ وعجائب ما رأت
وزهد عيسى، واغمسوه في أخلاق النبيين قالت: ثم انجلى عني فإذا به قد قبض
على حريرة خضراء مطوية طيًا شديدًا ينبع من تلك الحريرة ماء وإذا قائل يقول: بخ
بخ قبض محمد على الدنيا كلها لم يبق خلقٌ من أهلها إلا دخل طائعًا في
قبضته، قالت ثم نظرت إليه عَّ فإذا هو كالقمر ليلة البدر وريحه يسطع.
سنة، وقيل: إن صبيانًا دعوه في صغره للعب، فقال: أوَللعب خلقنا، وقد حكي أن زكريّا قال: إن
كان هذا الولد يريد الدنيا فلا حاجة لنا فيه، وإن كان يريد الآخرة فمرحبًا به، فقال جبريل: إنه
لا يريد إلا الآخرة، فظهر يحيى ونشأ نشوأً حسنًا، انتهى. وقد عصم نبيّنا من كل شىء من أوّل
أمره ومرّ اجتنابه اللعب عقب فطامه، وقوله: ((إنَّا لم نخلق لهذا))، وكانت همّته وإرادته كلّها في
مرضاة ربّه.
(وزهد عيسى) ابن مريم المشهور، وقد فاق المصطفى كل زاهد حتى منع بعضهم من
إطلاق الزهد عليه معلّلاً بأنه لا قيمة للدنيا عنده حتى يزهد فيها، وقد عرض عليه أن تسير معه
الجبال ذهبًا وفضّة فأبى، وخيّر بين الملك والعبودية، فاختار العبودية.
(واغمسوه في أخلاق النبيّين) كلها ليجتمع فيه ما تفرّق في غيره، كيف وقد كان خلقه
القرءان.
(قالت) آمنة: (ثم انجلى عني) ما رأيته من السحابة وما فيها، (فإذا به) عَّه (قد قبض
على حريرة خضراء مطوية طيًّا شديدًا ينبع) مثلث الموحدة؛ كما في القاموس والإرشاد
وغيرهما، أي: يخرج (من تلك الحريرة ماء، وإذا بقائل يقول: بخّ بخ،) الأوّل منوّن والثاني
مسكن، وبتسكينهما وبتنوينهما وبتشديدهما، وتفرد ساكنة ومكسورة ومنوّنه مضمومة، كلمة تقال
عند الرضا، أي: عظم الأمر وفخم؛ كما في القاموس. (قبض محمّد على الدنيا كلّها،) والإشارة
إلى ذلك قبضه على الحريرة بيده، (لم يبقَ خلق من أهلها إلا دخل طائعًا في قبضته) حقيقة أو
حكمًا؛ لظهور ما معهم من البراهين الدالّة على أن امتناعهم من الإيمان مجرّد عناد وظلم، فلا يرد
أن كثير ما آمنوا به، أو باعتبار مبدأ الخلق لولادة الجميع على الفطرة.
(قالت: ثم نظرت إليه عَّ، فإذا هو كالقمر،) كذا في نسخة وهي ظاهرة؛ لأن إذا
الفجائية تختص بالجمل الإسمية، ولا تحتاج لجواب، ولا تقع في الابتداء ومعناها الحال
لا الاستقبال؛ كما في المغنى. وفي نسخة: فإذا به كالقمر فيه خبر مقدّم، وكالقمر صفة
لمحذوف، أي: نور، والكاف اسم، بمعنى: مثل، فهو من الوصف بمفرد أو الباء مزيدة في المبتدأ
على أن زيادتها فيه مقيسة، والأصل: فإذا هو كالقمر، فانقلب الضمير. (ليلة البدر ريحه يسطع)

٢١٦
ولادته معَّهِ وعجائب ما رأت
كالمسك الأذفر، وإذا بثلاثة نفر في يد أحدهم إبريق من فضة، وفي يد الآخر
طست من زمرد أخضر وفي يد الثالث حريرة بيضاء فنشرها فأخرج منها خاتمًا
تحار أبصار الناظرين دونه فغسله من ذلك الإبريق سبع مرات، ثم ختم بين كتفيه
بالخاتم ولفه في الحريرة ثم احتمله فأدخله بين أجنحته ساعة ثم رده إلي ورواه أبو
نعيم عن ابن عباس وفيه نكارة.
وروى الحافظ أبو بكر بن عائذ في كتابه المولد - كما نقله عنه الشيخ بدر
الدين الزركشي في شرح بردة المديح - عن ابن عباس: لما ولد عَّه قال في أذنه
رضوان خازن الجنان: أبشر يا محمد فما بقي لنبي علم إلا وقد أعطيته، فأنت أكثرهم
بفتح الطاء يظهر (كالمسك الأذفر) بذال معجمة الذكى (وإذا بثلاثة نفر) بالتنوين، ونفر بدل منه
وبالإضافة بيانية عند البصرة، أو من إضافة الصفة لموصوفها عند الكوفة؛ كما صرّح به الرضى
خلافًا لزعم أبي البقاء: أن الصواب التنوين في مثله.
(في يد أحدهم إبريق من فضّة، وفي يد الآخر طست) بفتح الطاء وكسرها وسكون
السين المهملة وبمثنّاة، وقد تحذف وهو الأكثر، وإثباتها لغة طيىء، وأخطأ من أنكرها قاله
الحافظ: (من زمرد) بضمات والراء مشدّدة والذال معجمة على الأفصح، وقد مرّ. (أخضر، وفي
يد الثالث حريرة بيضاء، فنشرها) أي: فردها، (فأخرج منها خاتمًا تحار أبصار الناظرين دونه،)
أي: في مكان أقرب منه، والمراد: تتحيّر فيما دون ذلك الخاتم لصفته الخارقة للعادة. (فغسله)
أي: غسل الملك النبيّ عَّه؛ لأنه المحدث عنه (من ذلك الإبريق سبع مرّات، ثم ختم بين
كتفيه بالخاتم، ولفّه) أي: لفّ الملك النبيّ عَّة (في الحريرة، ثم احتمله فأدخله بين أجنحته
ساعة) الظاهر: أن المراد مدّة من الزمن لا الفلكية، (ثم ردّه إلي، ورواه) أي: هذا الحديث (أبو
نعيم عن ابن عباس، وفيه نكارة، وروى الحافظ أبو بكر ابن عائذ في كتابه المولد؛ كما نقله
عنه الشيخ بدر الدين) محمّد بن عبد اللَّه (الزركشي) الشافعي العلاَّمة البارع، ولد سنة خمس
وأربعين وسبعمائة، وأخذ عن الأسنوي ومغلطاي وابن كثير وغيرهم، وألّف تصانيف كثيرة في
عدّة فنون، مات في رجب سنة أربع وتسعين وسبعمائة، ودفن بالقرافة الصغرى. (في شرح بردة
المديح) للبوصيري التي أوّلها:
أمن تذكر جيران بذي سلم
(عن ابن عباس) رضي اللَّه عنه، أنه قال: (لما ولد عَّ قال في أُذنه رضوان خازن
الجنان: أبشر يا محمّد فما بقي لنبيّ علم إلا وقد أُعطيته،) وإذا كان كذلك (فأنت أكثرهم

٢١٧
ولادته عَ لَّهِ وعجائب ما رأت
علمًا، وأشجعهم قلبًا.
وروى محمد بن سعد من حديث جماعة منهم عطاء وابن عباس: أن آمنة
بنت وهب قالت: لما فصل مني - تعني النبي عَّله- خرج معه نور أضاء له ما بين
المشرق والمغرب، ثم وقع إلى الأرض معتمدًا على يديه، ثم أخذ قبضة من التراب
فقبضها ورفع رأسه إلى السماء.
وروى الطبراني: أنه لما وقع إلى الأرض وقع مقبوضة أصابع يديه مشيرًا
بالسبابة کالمسبح بها.
علمًا وأشجعهم قلبًا،) وهذا أرسله ابن عباس ومرسل الصاحب وصل في الأصل وحكمه الرفع إذ
لا مجال فيه للرأي.
(وروى محمد بن سعد) بن منيع الهاشمي مولاهم البصري، الصدوق، الحافظ، نزيل
بغداد، كاتب الواقدي، مات سنة ثلاثين ومائتين، وهو ابن اثنتين وستين سنة. (من حديث جماعة
منهم عطاء) بن أبي رباح، (وابن عباس: أن آمنة بنت وهب) بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب
والدته عَّهِ، (قالت: لمَّا فصل) أي: خرج (مني،) تعني) تريد آمنة (النبيّ عَ ◌ّه خرج معه نور
أضاء له ما بين المشرق والمغرب، ثم وقع) عليه السلام (إلى الأرض) زاد ابن سعد عن
الواقدي: جاثيًا على ركبتيه، (معتمدًا على يديه، ثم أخذ قبضة من التراب فقبضها) إشارة إلى أنه
يغلب أهل الأرض، ويكون التراب من جملة معجزاته، ألا ترى أنه حثا في وجوه أعدائه قبضة من
تراب ليلة الهجرة ويوم بدر وأحد وحنين، وللإشارة إلى الإعراض عن الدنيا؛ فكأنه حين رفع رأسه
يقول: لا ألتفت إلى الدنيا وما فيها، فإنها كهذا التراب.
(ورفع رأسه إلى السماء) ينظر ببصره إليها، قال الجوهري: وفيه إشارة دائمًا إلى ارتفاع
شأنه وقدره وأنه يسود الخلق أجمعين، وكان هذا من آياته، وهو أنه أوّل فعل وجد منه في أوّل
ولادته، وفيه إشارة وإيماء لمن تأمّل إلى أن جميع ما يقع له من حين ولد إلى حين يقبض دالّ
على العقل، فإنه لا يزال متزايد الرفعة في كل وقت وحين، عالي الشأن على المخلوقات، وفي
رفعه رأسه إشارة وإيماء إلى كل سؤدد، وأنه لا يتوجّه قصده إلا إلى جهات العلوّ دون غيرها، مما
لا یناسب قصده.
(وروى الطبراني) سليمن بن أحمد بن أيوب الحافظ (أنه) عَّ}. (لمَّا وقع إلى الأرض)
حال كونه (مقبوضة أصابع يديه مشيرًا بالسبابة) اللام للاستغراق أو الجنس، فشمل السبابتين
ليوافق قوله السابق أصبعيه، (كالمسبح بها،) وفي السابقة: كالمتضرّع المبتهل.

٢١٨
ولادته عَّةٍ وعجائب ما رأت
وروى عن عثمن بن أبي العاصي عن أمه أم عثمن الثقفية - واسمها فاطمة
بنت عبد الله - قالت: لما حضرت ولادة رسول الله عَّله رأيت البيت حين وقع قد
امتلأ نورًا، ورأيت النجوم تدنو حتى ظننت أنها ستقع علي. رواه البيهقي.
وأخرج أحمد والبزار والطبراني والحاكم والبيهقي عن العرباض بن سارية.
أن رسول الله عَّله قال: ((إنى عند الله لخاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته،
وسأخبركم عن ذلك، إني دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى، ورؤيا أمي التي رأت))،
و کذلك أمهات النبیین یرین،
(وروي عن عثمن بن أبي العاصي) الثقفي ولي الطائف لرسول اللَّه عَ لّه، وأقرّه أبو بكر،
ثم عمر، ثم استعمله عمر على عمان والبحرين سنة خمس عشرة، ثم سكن البصرة حتى مات بها
سنة خمس أو إحدى وخمسين. (عن أُمّه أَمّ عشمن الثقفيّة) الصحابية (واسمها فاطمة بنت
عبد اللَّه) ذكرها أبو عمر وغيره في الصحابة: أنها (قالت: لما حضرت ولادة رسول اللَّه عَّه.
رأيت البيت) الذي ولد فيه (حين وقع) أي: نزل من بطن أُمّه (قد امتلأ نورًا، ورأيت النجوم
تدنو) تقرب مني (حتى ظننت أنها ستقع عليّ، رواه البيهقي) والطبري وابن عبد البرّ، قال في
الفتح: وشاهده حديث العرباض فذكره وتبعه المصنّف، فقال: (وأخرج أحمد) بن محمّد بن
حنبل الإمام المشهور (والبزار والطبراني والحاكم والبيهقي، عن العرباض) بكسر العين (ابن
سارية) السلمي رضي الله عنه: (أن رسول اللَّه ◌َّه، قال: ((إني عند اللَّه) بالنون مكتوب (لخاتم
النبيّين) باللام، ويقع محرفًا في بعض نسخ: ((إني عبد الله وخاتم النبيّين))، بياء وواو وهو تحريف
لا شكّ فيه، فقد قدم المصنّف نفسه الحديث في أوّل الكتاب على الصواب، وكذا الشامي، وليس
القصد الإخبار في هذا الحديث بأنه عبد اللَّه بل بأنه مكتوب عنده خاتم النبيين. (و)الحال (إن آدم
لمنجدل) أي: مطروح على الأرض (في طينته) خبر ثان؛ لأن لا متعلق بمنجدل، كما مرّ.
(وسأخبركم عن ذلك: إني دعوة أبي إبراهيم) هي قوله: ﴿ربّنا وابعث فيهم رسولاً
منهم﴾ [البقرة: ١٢٩]، (وبشارة) قال في النور: بكسر الموحّدة وضّها: الاسم، (عيسى) هي
قوله: ﴿ومبشّرًا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد﴾ [الصف: ٦]، (ورؤيا أمي التي رأت)، رؤية
عين بصرية، قال مغلطاي: وذكر ابن حبان أنَّ ذلك كان في المنام، وفيه نظر. (وكذلك أُمّهات
النبيّين) جمع نبيّ (يرين) ذلك الذي رأته أُمَّهِ عَّ، فهو من خصائصه على الأُمم لا على
الأنبياء، كما نصوا عليه. وفي نسخة: وكذلك أُمّهات الأنبياء، وفي بعض النسخ من المصنّف
ومن الشاميّة: وكذلك أَمّهات المؤمنين، وهو تحريف لا شكّ فيه ولا ريب، فالحديث في

٢١٩
ولادته ◌ّ وعجائب ما رأت
وإن أم رسول الله عَّله رأت حين وضعته نورًا أضاءت له قصور الشام. قال الحافظ
ابن حجر: صححه ابن حبان والحاكم.
وأخرج أبو نعيم عن عطاء بن يسار عن أم سلمة عن آمنة: قالت: لقد رأيت
ليلة وضعته نورًا أضاءت له قصور الشام حتى رأيتها.
وأخرج أيضًا، عن بريدة عن مرضعته في بني سعد أن آمنة قالت: رأيت كأنه
خرج من فرجي شهاب
الجامع الكبير والخصائص وغيرهما من الدواوين: أُمّهات النبيّين، وذكر ما رأته أُتْه، بقوله: (وإن
أُمّ رسول اللَّه عَّه وأت حين وضعته نورًا أضاءت له قصور الشام) أي: أضاء النور وانتشر حتى
رأت قصور الشام، وأضاءت تلك القصور من ذلك النور. (قال الحافظ) أبو الفضل (ابن حجر:
صحّحه) أي: الحديث (ابن حبان) بكسر الحاء المهملة وفتح الموحَّدة المشدَّدة الإمام الحافظ
أبو حاتم محمّد بن حبان التميمي البستي بضمّ الموحدة وسكون السين المهملة نسبة إلى بست
بلد كبير من بلاد الغور بطرف خراسان؛ كما في التبصير، العلامة صاحب التصانيف، قال
الحاكم: كان من أوعية العلم. (والحاكم) أبو عبد الله الحافظ زاد في الفتح وفي حديث أبي
أُمامة عند أحمد نحوه، وأخرجه ابن إسحق عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن أصحاب
رسول اللَّه عَّلِ نحوه، وقال فيه: ((أضاءت له قصور بصرى من أرض الشام)).
(وأخرج أبو نعيم عن عطاء بن يسار) ضدّ يمين الهلالي الثقة، كثير الحديث، القاص، مولى
ميمونة عن مولاته، وأبي ذرّ وزيد بن ثابت وأبي وعدة، وعنه زيد بن أسلم وشريك بن أبي نمر
وخلق، قال في الكاشف: كان من كبار التابعين وعلمائهم وخالف ذلك في طبقات الحفاظ،
فعدّه في أواسط التابعين مات سنة أربع مائة، وقيل: سنة أربع وتسعين، وقيل: تسع وتسعين، عن
أربع وثمانين سنة، قيل: بالإسكندرية.
(عن أُمّ سلمة) هند بنت أبي أُميّة أُمّ المؤمنين، ستأتي في الزوجات. (عن آمنة)
والدته عَّهِ (قالت: لقد رأيت) رؤية عين بصرية (ليلة وضعه) عليه السلام (نورًا أضاءت له قصور
الشام، حتى رأيتها. وأخرج) أبو نعيم (أيضًا) وكذا ابن سعد (عن بريدة) تصغير بردة ابن
الحصيب بحاء وصاد مهملتين فتحتية فموحّدة مصغر، قال الغساني: وصحف من قاله بخاء
معجمة الصحابي الأسلمي شهد خيبر، وروى عنه ابناه والشعبي وعدّة، توفي سنة اثنتين وستين.
(عن مرضعته في بني سعد) هي امرأة مبهمة غير حليمة المشهورة، قاله الشامي. (أن
آمنة، قالت: رأيت) رؤيا نوم (كأنه خرج من فرجي شهاب) ككتاب شعلة من نار ساطعة؛ كما

٢٢٠
ولادته معطِّ وعجائب ما رأت
أضاءت له الأرض حتى رأيت قصور الشام.
وعن همام بن يحيى عن إسحق بن عبد الله أن أم رسول الله عَ لّه قالت: لما
ولدته خرج من فرجي نور أضاء له قصور الشام، فولدته نظيفًا ما به قذر، رواه ابن
سعد.
وإلى هذا أشار العباس بن عبد المطلب في شعره، حيث قال:
وأنت لما ولدت أشرقت الـ أرض وضاءت بنورك الأفق
في القاموس. (أضاءت له الأرض، حتى رأيت قصور الشام،) فأوّل ولد يخرج منها تنوّر به الدنيا
ويحرق أعاديه، قال في شرح الخصائص: بعدما قرّر أن الرؤية الواقعة في الأحاديث الأوّل بصريّة،
ما لفظه: وأمَّا الرؤيا الواقعة في رواية ابن سعد، يعني هذه، فرؤيا منام؛ لأنها حين حملت به كانت
ظرفًا للنور المنتقل إليها من أبيه، وقد خلط من جعل كلاً منهما في النوم وجعل كلاً منهما في
اليقظة، انتهى.
(وعن همام بن يحيى) بن دينار العوذي الحافظ البصري، قال أبو حاتم: ثقة صدوق، في
حفظه شىء، مات سنة ثلاث وسّين ومائة، (عن إسحق بن عبد اللَّه) بن أبي طلحة الأنصاري، أو
هو ابن الحرث بن نوفل الهاشمي أو غيرهما (أن أُمّ رسول اللَّهِيَّةٍ، قالت لمَّا ولدته خرج من
فرجي نور أضاء له قصور الشام، فولدته نظيفًا ما به قذر،) صفة موضحة للمبالغة في نظافته، إذ
القذر ضدّ النظافة.
(رواه ابن سعد) محمد قال ابن إسحق: فلمّا وضعته أُمّه أرسلت إلى جدّه أنه ولد لك
غلام، فائته فانظر إليه فأتاه فنظر إليه وحدَّثته بما رأت حين حملت، وما قيل لها: وما أُمرتٍ أن
تسمّيه؟ فيزعمون جده أخذه فدخل به الكعبة وقام يدعو اللَّه ويشكر له ما أعطاه ثم خرج به
فدفعه إلى أمه، وذكر ابن دريد: أنه أُلقيت عليه جفنة لئلا يراه أحد قبل جدّه، فجاء جده والجفنة
قد انفلقت عنه.
(وإلى هذا) الواقع ليلة الميلاد من إضاءة القصور، وامتلاء البيت بالنور (أشار العباس بن
عبد المطّلب) عمّه عَّ لِ على الصحيح، وقيل: حسان بن ثابت ذكره ابن عساكر في حديث
ضعيف جدًا، ووهم من زعم أنه العباس بن مرداس الأسلمي؛ كما أشار له المصنّف (في شعره)
الذي سيذكره المصنّف كله في غزوة تبوك، (حيث قال) يخاطبه عَّ هِ: (وأنت لما ولدت،)
ويروى: وأنت لما ظهرت (أشرقت الأرض) من إشراق نورك (وضاءت بنورك الأفق) بضم الفاء
وسكونها: الناحية جمعه آفاق مذكّر أنّثه العباس على تأويله بالناحية، فاعتبر معناه دون لفظه ولا