Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
ومد يده إليها فقالت الملائكة مه يا آدم، قال: ولم وقد خلقها الله لي؟ فقالوا: حتى تؤدي
مهرها، قال: وما مهرها؟ تصلي على محمد عَّطله ثلاث مرات.
وذكر ابن الجوزي في كتابه «سلوة الأحزان»: أنه لما رام القرب منها طلبت
منه المهر، فقال: يا رب، وماذا أعطيها، فقال: يا آدم صلي على حبيبي محمد بن
عبد الله عشرين مرة، ففعل.
(ومد يده إليها) يريد جماعها أو التلذّذ بلا جماع، (فقالت الملائكة: مه يا آدم، قال: ولم
وقد خلقها اللَّه لي؟) وكأنه علم ذلك بإلهام أو علم ضروري أو من أخبارها بأنها خلقت له،
(فقالوا: حتى تؤدّي مهرها، قال: وما مهرها؟ قالوا: تصلّيٍ على محمّد عَِّ ثلاث مرات).
والظاهر: أن علمهم بذلك بالوحي، (وذكر ابن الجوزي) العلاَّمة أبو الفرج
عبد الرحمن بن علي الحافظ البكري الصديقي البغدادي الحنبلي الواعظ صاحب التصانيف
السائرة في الفنون، قال في تاريخ الحفاظ: ما علمت أحدًا صنَّف ما صنَّف، وحصل له من
الحظوة في الوعظ ما لم يحصل لأحدٍ قطّ، قيل: حضره في بعض المجالس مائة ألف وحضره
ملوك ووزراء وخلفاء، وقال على المنبر كتبت باصبعي ألف مجلد وتاب على يدي مائة ألف
وأسلم على يدي عشرون ألفًا، مات يوم الجمعة ثالث رمضان سنة سبع وتسعين وخمسمائة،
وقيل له الجوزي لجوزة كانت في دارهم لم يكن بواسط سواها، انتهى.
وكأن من قال إلى الجوز ببيع أو غيره لم يحرّره (في كتابه سلوة الأحزان أنه لما رام
القرب منها طلبت منه المهر،) لسماعها قول الملائكة أو ألهمت أو بعلم ضروري، (فقال:
يا رب، وماذا أعطيها؟ قال) اللَّه وحيًا أو شفاها، والظاهر الأول: (يا آدم صلّي على حبيبي
محمّد بن عبد اللَّه عشرين مرّة،) وكأنه رام زيادة البيان من اللَّه تعالى فسأله يعطيها ماذا، فلا
ينافي إخبار الملائكة بما يعطيها أو فهم أنهم قالوه اجتهادًا فطلب أمر اللَّه والإخبار بالقليل لا ينفي
الكثير، أو قول الملائكة بأمر منهم مقدّمة لحصول الألفة، وقوله تعالى كان حين إرادة القرب،
كما هو ظاهر قوله لما رام فجملة المهر الثلاثة والعشرون لكن الأخير على أن مد يده كان للتلذذ
لا الجماع، وصحّ كون الصلاة مهراً؛ لأنه لما قالها بقصده كان ثوابها لحوّاء لكونها في مقابلة
مهرها، فلا يرد أن فائدة الصلاة عائدة عليه والمقصود من المهر عود فائدته إلى الزوجة. (ففعل)
آدم ما أُمر به من الصلاة عليه عَّهِ، وفي رواية: قالت الملائكة: مه يا آدم، حتى تنكحها، فزوّجه
اللَّه إياها وخطب، فقال: الحمد للّه والعظمة إزاري والكبرياء ردائي والخلق كلهم عبيدي وإمائي،
اشهدوا يا ملائكتي وحملة عرشي وسكان سمواتي أني زوّجت حوّاء ◌ُمَتي عبدي آدم بديع

١٠٢
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
ثم إن الله تعالى أباح لهما نعيم الجنة، ونهاهما عن شجرة الحنطة، وقيل:
شجرة العنب، وقيل: التين، فحسدهما إبليس، فهو أول من حسد وتكبر،
قطرتي وصنيع يدي على صداق تقديسي وتسبيحي وتهليلي، يا آدم (اسكن أنت وزوجك
الجنَّة﴾ [البقرة: ٣٥]، الآية، كذا في الخميس، والعلم عند اللَّه.
(ثم إن اللَّه تعالى أباح لهما نعيم الجنَّة،) فقال: يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنَّة، قال
القرطبي: وفيه تنبيه على الخروج؛ لأن السكنى لا تكون ملكًا بل مدّة ثم تنقطع فدخولهما في
الجنّة کان دخول سکنی لا دخول ثواب، انتھی.
وقال ابن عطية في الحظر بقوله: ﴿ولا تقربا هذه الشجرة﴾ [البقرة: ٣٥]، دليل على أن
سكناهما بها لا تدوم، فالمخلد لا يخطر عليه شىء ولا يؤمر ولا ينهى. (ونهاهما عن شجرة
الحنطة،) في قول ابن عباس والحسن وعطية وقتادة والقرظي ومحارب ومقاتل، قال وهب: وهي
التي جعلها اللَّه رزق أولاده في الدنيا وكانت كل حبّة ككلى البقر أحلى من العسل، وألين من
الزبد. (وقيل:) عن (شجرة العنب) وهو قول ابن مسعود وابن جبير والسدي وجعدة بن هبيرة،
قالوا: ولذلك حرمت الخمر على بنيه ونسبه مكي لأكثر المفسّرين.
(وقيل: التين) عند قتادة وابن جريج وحكاه عن بعض الصحابة. قال السهيلي: ولذلك
تعبّر في الرؤيا بالندامة لآكلها لندم آدم على أكلها، وعن عليّ: هي الكافور والدينوري شجرة
العلم وهي علم الخير والشرّ من أكلها علم الأشياء، وابن إسحق: شجرة الحنظل، وأبي لملك:
هي النخلة، وقيل: شجرة من أكل منها أحدث، وقيل غير ذلك مما يطول جلبه. وقد قال ابن
عطية: ليس في شىء من هذا التعيين ما يعضده خبر، وإنما الصواب أن يعتقد أن اللَّه نهى آدم عن
شجرة فخالف وأكل منها، وقال أبو نصر القشيري: كان والدي يقول نعلم على الجملة أنها
كانت شجرة المحنة، وقال ابن جرير: الأولى أن لا تبيّ، فإن العلم بها علم لا ينفع وجهل لا
يضرّ.
قال السيوطي: وقد يقال إن فيها نفعًا ما إذا قلنا إنها الكرم، فإن فيها إشارة إلى أن الخمر
أم الخبائث أولاً، فتجتنب لئلا يكون مانعًا من العود إليها في الآخرة، انتهى.
(فحسدهما إبليس) وزن افعيل مشتق من الإبلاس وهو اليأس من رحمة اللَّه فلم ينصرف؛
لأنه معرفة ولا نظير له في الأسماء فشبّه بالأعجمية، قاله أبو عبيدة وغيره. وقال الزجاج وغيره:
هو أعجمي لا اشتقاق له، فلم يصرف للعجمة والتعريف. قال النووي: وهو الصحيح. وحكى
الثعلبي عن ابن عباس، قال: كان اسمه بالسريانية عزازيل وبالعربية الحرث، وفي الدميري: قال
أكثر أهل اللغة والتفسيرز إنما سمي إبليس؛ لأنه أبلس من رحمة اللَّه. (فهو أوّل من حسد وتكبّر،)

١٠٣
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
فأتى إلى باب الجنة فاحتال حتى دخل الجنة، وأتى إلى آدم وحواء، فوقف وناح
نياحة أحزنتهما، فهو أول من ناح، فقالا: ما يبكيك؟ قال: عليكما، تموتان وتفقدان
النعيم، ألا أدلكما على شجرة الخلد، فكلا منها، وحلف لهما أنه ناصح،
قال القرطبي: وسبب تكبره أنه كان رئيس ملائكة سماء الدنيا وسلطانها وسلطان الأرض، وكان
من أشدّ الملائكة اجتهادًا وأكثرهم علمًا، وكان يسوس ما بين السماء والأرض، فرأى لنفسه
بذلك شرفًا وعظمة، فذلك الذي دعاه إلى الكبر فعصى فمسخه اللَّه شيطانًا رجيمًا، فإذا كانت
خطيئة الرجل في كبر فلا ترجه، وإن كانت في معصية فارجه، وقيل: إنه عَبّد اللَّه ثمانين ألف
سنة وأعطي الرئاسة والخزانة على الجنة استدراجاً كما أعطي المنافقون الشهادة على طرف
لسانهم، وكما أعطي بلعام الاسم الأعظم على طرف لسانه، وكان في رئاسته والكبر متمكن في
نفسه. قال ابن عباس: كان يرى لنفسه فضيلة على الملائكة، فلذا قال: أنا خير منه.
(فأتى إلى باب الجنَّة،) فجلس في صورة شيخ يعبد ثلاثمائة سنة من الدنيا انتظارًا
لأن يخرج منها أحد يأتيه بخبر آدم، فخرج الطاوس، فقال له: من أين؟ قال: من حديقة آدم
وبستانه، قال: ما الخبر عنه؟ قال: هو في أحسن الحال وأطيب العيش هنأت له الجنان
ونحن من خدّامه، فقال: هل تستطيع أن تدخلني عليه؟ قال: من أنت؟ قال: من الكروبيين
عندي له نصيحة، قال: اذهب إلى رضوان فإنه لا يمنع أحد من النصيحة، قال: أُريد أن
أخفيها عنهم، قال: المخفية لا تكون نصيحة، قال: نحن معاشر الكروبيين لا نقول الأسرار
إن فعلت ما أقول أعلّمك دعاء لن تشيب بعده أبدًا، فقال: ما أقدر ولكن أدلّك على الحيّة،
فخرجت إليه فقالت: كيف أدخلك ورضوان لا يمكنني، فقال: أنا أتحوّل ريحًا فاجعليني
بين أنيابك، ففعلت وأطبقت فاهًا، فقال: اذهبي إلى شجرة البرّ فذهبت، هكذا في العرائس
وغيرها وإياه عنى بقوله: (فاحتال حتى دخل) باب (الجنة، وأتى إلى آدم وحواء، فوقف) عند
شجرة البرّ وغنى بمزمار وهو في فم الحيّة، فجاء آدم وحواء يسمعان المزمار ظنًّا أن الحيّة هي
التي تغني، فقال لهما إبليس: تقدما فقالا: نهينا عن قرب هذه الشجرة، فبكى (وناح نياحة
أحزنتهما) بها (فهو أوّل من ناح، فقالا:) أي آدم وحوّاء، وفي رواية: فقال له آدم (ما يبكيك؟
قال:) أبكي (عليكما) لأنكما (تموتان وتفقدان) بكسر القاف هذا (النعيم،) فقالا له: وما الموت؟
فقال: تذهب الروح والقوة وتعدم حركة الأعضاء ولا يبقى للعين رؤية ولا للأذن سماع، فوقع
ذلك في أنفسهما واغتما، فقال لعنه الله: (ألا أدلكما على شجرة الخلد) وملك لا يبلى، (فكلا
منها،) فقالا: نهينا عنها، فقال: ﴿ما نها كما ربّكما﴾ [الأعراف: ٢٠]، الآية، (وحلف لهما أنه
ناصح،) أي: أقسم لهما على ذلك والمفاعلة في الآية للمبالغة، وقيل: أقسما عليه باللّه أنه

١٠٤
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
فهو أول من حلف كاذبًا، وأول من غش.
فأكلت حواء منها، ثم زينت لآدم حتى أكل، وظنا أن أحدًا لا يتجاسر أن
يحلف بالله كاذبًا، فقال الله تعالى: يا آدم، ألم يكن فيما أبحت لك من الجنة مندوحة
ناصح، فأقسم لهما فجعل ذلك مقاسمة، (فهو أول من حلف كاذبًا وأوّل من غشّ،) ولما
قاسمهما اللَّه، قال: أيكما بادر إلى الأكل فله الغلبة على صاحبه، (فأكلت حقّاء منها) حبّة واحدة
(ثم زيّنت لآدم حتى أكل،) فأتت له بثلاث حبات، وقالت: أنا أكلت منها واحدة فكانت طيّبة
الطعم، وما أصابني منها مضرة، فمكث آدم مائة سنة بعد أكلها لم يأكل، ثم ناول وأخذ منها
الحبات وجعل منها حبّة في فيه، فقبل أن يصل طعمها إلى حلقه وجرمها إلى جوفه طار من
رأسه تاجه المكلّل بالدر والياقوت والجوهر ينادي: يا آدم طالت حسرتك وتزحزح السرير من
تحتهما، وقال: أستحي من اللَّه أن أكون سريرًا لمن عصاه، وتساقط ما عليهما من سوار ودملج
وخلخال ومنطقة مرصعة ونزع عنهما لباسهما، وكان على آدم سبعمائة حلّة وكان من أمرهما ما
كان. (و) إنما أكلا منها لأنهما (ظنّا أن أحدًا لا يتجاسر،) لا يجترئء على (أنه يحلف بالله
كاذبًا) لعظمته سبحانه وتعالى في قلوبهما، بل لم يكن الكذب مطلقًا معروفًا، وظاهر سياق
المصنف: أن اللعين شافههما بالإغواء، قال القرطبي: وهو قول ابن مسعود وابن عباس والجمهور،
لقوله تعالى: ﴿وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين﴾ [الأعراف: ٢١]، والمقاسمة ظاهرها
المشافهة، وقيل: بل وسوس لهما وأغواهما بشيطانه وسلطانه الذي أعطاه الله؛ كما قال ءُ
((إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم))، انتهى.
واختلف في صفة توصله إلى إزلالهما بعدما قيل له: ﴿اخرج منها فإنك رجيم﴾
[الحجر: ٣٤]، فقيل: منع دخول التكرمة لا الوسوسة ابتلاء، وروي أنه قصد الدخول فمنعته
الخزنة فدخل في فم الحيّة، وقيل: لم يدخلها بعد إخراجه منها، قال الحسن: رآهما ببابها وكانا
يخرجان، وقيل: كانا يدنوا من السماء فيكلمهما، وقيل: قام عند الباب فناداهما، وقيل: نادى من
الأرض فسمعاه من الجنَّة، حكاه في التعليق الوجيز، وقال قبله: الصحيح أنه لم يدخلها بل وقف
بالباب وردّته الخزنة عن الدخول، لكن قال السيوطي الوارد عن ابن مسعود وابن عباس وأبي
العالية ووهب بن منبه ومحمّد ابن قيس أنه دخل في فم الحيّة وقاولهما بذلك، كما أسنده عنهم
ابن جرير ولم يسند شيئًا من الأقوال المذكورة عن أحد، انتهى. وفيه: أن كونه لم يسندها لا
ية ي ورودها، والله أعلم.
(فقال اللَّه تعالى:) ابتلاء وعتابًا، (يا آدم ألم يكن فيما أبحت لك من الجنة مندوحة)

١٠٥
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
عن هذه الشجرة؟! قال: بلى يا رب وعزتك، ولكن ظننت أن أحدًا لا يحلف بك
كاذبًا، قال الله: وعزتي وجلالي، لأهبطنك إلى الأرض، لا تنال العيش إلا كذا، فأهبط
من الجنة.
بفتح الميم سعة وفسحة، (عن هذه الشجرة، قال: بلى يا ربّ وعزّتك، ولكن ظننت أن أحدًا لا
يحلف بك كاذبًا،) فهذا الذي حملني على الأكل منها، (قال اللّه: وعزّتي وجلالي لأهبطنك
إلى الأرض لا تنال العيش) الكسب (إلا كدّاً) بفتح الكاف ودال مهملة مشدّدة، أي: تعبا
فتضرّع آدم واعتذر، فقال: لا يجاورني من عصاني أخرج، فسأله بحقّ محمّد أن يغفر له، فقال:
قد غفرت لك بحقّه ولكن لا يجاورني من عصاني، فبكى وودّع كل من في الجنّة حتی بکت
عليه أشجارها إلا العود، فقيل له: لم تبكِ؟ قال: أبكي على عاص، فنودي: كما عظمت أمرنا
عظمناك، ولكن هيّأناك للإحراق، فقال: ما هذا؟ فنودي: أنت عظمتنا فكذلك يعظّمونك لكن لم
يحترق قلبك على محبينا فلذلك يحرقونك، فلما انتهى لباب الجنَّة ووضع إحدى رجليه خارج
الباب، قال: بسم اللَّه الرحمن الرحيم، فقال له جبريل: تكلّمت بكلمة عظيمة، فقف ساعة فربما
يظهر من الغيب لطف، فنودي: أن دعه يخرج، فقال: إلهي دعاك رحيمًا فارحمه، فقال: إن
أرحمه لا ينقص من رحمتي شىء وإن يذهب لا يعاب عليه شىء، فخلّ عنه يذهب ثم يرجع في
مائة ألوف من أولاده عصاة حتى يشاهد فضلنا على أولاده ويعلم سعة رحمتنا، هذا ملخّص ما
ساقه أصحاب القصص.
(فأهبط من الجنَّة،) بسرنديب بسين وراء مهملتين فنون فدال مهملة فتحتيّة فموحدة من
الهند بجبل نوذ بفتح النون وذال معجمة، ومعه ريح الجنة فعلق بشجرها وأوديتها فامتلأً ما هنالك
طيبًا وأهبطت حوّاء بجدة، وقيل: بعرفة، وقيل: بالمزدلفة، وإبليس بالأبلة بضم الهمزة والموحدة
وشدّ اللام، بلد بقرب البصرة، وقيل: أُهبط بجدة والحية ببيسان، وقيل: بسجستان، وقيل:
بأصفهان، وقيل غير ذلك. واختلف في قدر مكثه في الجنَّة. فعن ابن عباس: مكث فيها نصف
يوم من الآخرة وهو خمسمائة عام، وهذا قول الكلبي.
وقال الضحاك: دخلها ضحوة وخرج بين الصلاتين، وقال الحسن البصري: لبث فيها
ساعة من نهار وهي مائة وثلاثون سنة من سني الدنيا. وعن وهب وابن جرير: مكث ثلاثة وأربعين
عامًا من أعوام الدنيا، وقيل: بعض يوم من أيامها. وروى أحمد ومسلم والنسائي في حديث أبي
هريرة مرفوعًا: ((وخلق آدم في آخر ساعة من يوم الجمعة))، قال ابن كثير: فإن كان يوم خلقه يوم
إخراجه وقلنا الأيّام السّة كهذه الأيام، فقد أقام في الجنَّة بعض يوم من أيام الدنيا وفيه نظر، وإن
كان إخراجه في غير اليوم الذي خلق فيه، وقلنا: بأن كل يوم بألف سنة؛ كما قال ابن عباس

١٠٦
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
وعن ابن عباس: قال الله تعالى: يا آدم، ما حملك على ما صنعت؟ قال:
زينته لي حواء، قال: فإني أعقبها أن لا تحمل إلا كرها، ولا تضع إلا كرها،
ولأدمينها في الشهر مرتين.
وقال وهب بن منبه:
ومجاهد والضحاك واختاره ابن جرير، فقد لبث هناك مدّة طويلة، انتهى. وهذا الحديث تكلّم فيه
البخاري وشيخه ابن المديني وغيرهما من الحفاظ وجعلوه من قول كعب، وإنما سمعه أبو هريرة
منه فاشتبه على بعض رواته فرفعه.
(وعن ابن عباس: قال اللّه تعالى: يا آدم ما حملك على ما صنعت، قال: زينته لي حوّاء)
وقد ورد النساء حبائل الشيطان، (قال: فإني أعقبها) بضم الهمزة وسكون المهملة
وكسر القاف أجازيها (أن لا تحمل إلا كرهًا ولا تضع إلاَّ كرهًا،) أي: بمشقّة (ولأدمينها في
الشهر مرتين) قال الشارح: لعلّ المراد أنه يدميها بحصول ذلك لها في مرة أو بإمكانه لها
واستحقاقها إياه وأن تخلف؛ كما في العفو عن المعاصي المستحقّة للعقوبة، انتهى. ولا يتم إلا
أن ثبت أنه لم يداومها كل شهر مرتين وأنى به، وقيل: إنما عوقبت به لكونها أدمت الشجرة،
وقيل: بكسرها قوائم الحية ويحتمل أنه لذلك كله.
وقد روى الحاكم وابن المنذر بإسناد صحيح عن ابن عباس: أن ابتداء الحيض كان على
حوّاء بعد أن أهبطت من الجنَّة، وروى عبد الرزّاق بسند صحيح عن ابن مسعود قال: كان الرجال
والنساء في بني إسرائيل يصلّون جميعًا، فكانت المرأة تتشوّف للرجل فألقى اللَّه عليهنّ الحيض
ومنعهنّ المساجد، وعنده عن عائشة نحوه، وظاهره: أن أوّل إرساله على نساء بني إسرائيل، قال
البخاري: وحديث النبيّ عَّهِ: ((إن هذا أمر كتبه اللَّه على بنات آدم))، أكثر بمثلثة أشمل وبموحدة
أعظم.
وجمع الحافظ بأن المرسل على بنات إسرائيل طول مكثه بهن عقوبة لهنَّ لا إبتداء
بوجوده. وقد روى الطبراني وغيره عن ابن عباس وغيره: أن قوله تعالى في قصّة إبراهيم: ﴿وامرأته
قائمة فضحكت﴾ [هود: ٧١]، أي حاضت، والقصّة متقدّمة على بني إسرائيل بلا ريب، انتهى.
وثمّ أجوبة أُخر لا يقال إن على بنات آدم مخرج لحوّاء؛ لأنها لما خلقت من ضلعه نزلت منزلة
بناته مجازًا أو أنه ليس قصرًا حقيقيًّا، بل اقتصر على بنات آدم لكونهنّ من الجنس المشارك
للمخاطبة بهذا الحديث، وهي عائشة تسلية لها.
(وقال وهب بن منبه:) بضم الميم وفتح النون وشدّ الموحدة المكسورة، ابن كامل
الحافظ أبو عبد اللَّه الصنعاني العلاَّمة الأخباري الصدوق ذو التصانيف أخوهما، روى عن ابن

١٠٧
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
لما أهبط آدم إلى الأرض مكث بيكي ثلثمائة سنة لا برقا له دمع.
وقال المسعودي: لو أن دموع أهل الأرض جمعت لكانت دموع آدم أكثر
حين أخرجه الله من الجنة.
وقال مجاهد: بكى آدم مائة عام لا يرفع رأسه إلى السماء، وأنبت الله من
دموعه العود الرطب والزنجبيل والصندل وأنواع الطيب، وبكت حواء حتى أنبت الله من
دموعها القرنفل والأقاوى.
عباس وابن عمر وعنه آله، وسماك بن الفضل مات سنة أربع عشرة ومائة، (لما أُهبط آدم إلى
الأرض مكث يبكي ثلاثمائة سنة لا يرقأ) بالهمز والقاف، أي: لا يسكن ولا يجفّ (له دمع) على
ما أصابه، (وقال المسعودي:) عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الكوفي الحافظ، قال
ابن نمير: ثقة اختلط آخرًا، وقال ابن مسعر: ما أعلم أحدًا أعلم بعلم ابن مسعود منه، مات سنة
ستّين أو خمس وستّين ومائة. (لو أن دموع أهل الأرض جمعت) وجمعت دموع آدم؛ (لكانت
دموع آدم أكثر) من دموع أهل الأرض (حين أخرجه اللَّه من الجنَّة،) حزناً على فراقها وفراق
أهلها وعلى أكله من الشجرة وإن غفر له قبل الخروج؛ كما جزم به القرطبي وغيره لشدّة الخشية
وكمال عظمة اللَّه في قلبه، وقول شيخنا: لعلّ المراد إلى وقت التوبة مبني على أنه لم يتب عليه
إلا بعد خروجه بمدّة.
(وقال مجاهد) بن جبير بفتح الجيم وسكون الموحدة، وقيل: جبير بالضم مصغرًا والأول
أكثر المخزومي مولاهم المكي الثقة الحافظ الإمام في التفسير، وفي العلم أحد الأعلام المجمع
على إمامته. وذكر ابن حبان له في الضعفاء: مردود مات بمكّة وهو ساجد سنة ثلاث ومائة، وقيل
غير ذلك، خرّج له في السّة. (بكى آدم مائة عام لا يرفع رأسه) حياء من ربّه عزّ وجلّ، (إلى
السماء)،) وبهذا القيد لا ينافي قول وهب فهذه المائة بعض الثلاثمائة وخصّت بالذكر للقيد،
(وأنبت اللَّه من دموعه العود الرطب،) لعلّ المراد الذي يتبخّر به، قال شيخنا: وقد ذكروا أنه مما
نزل معه من الجنَّة، فإن صحّ ما ترجاه، فيحتمل أنه ما نبت في الأرض إلا بدموعه، (والزنجبيل)
عرق يسري في الأرض ونباته كالقصب والبردى، له قوّة مسخنة يسيرًا باهية مذكية وإن خلط
برطوبة كبد المعز وجفّف وسحق واكتحل به أزال الغشاوة وظلمة البصر، (والصندل) خشب
معروف أجوده الأحمر أو الأبيض محلل للأورام نافع للخفقان والصداع ولضعف المعدة الحارة
والحميات، قاله وما قبله القاموس. (وأنواع الطيب،) عام على خاص، أي: الذي له رائحة وإن
استعمل لغيرها، (وبكت حقّاء حتى أنبت اللَّه من دموعها القرنفل والأقاوي) الطيب، وتطلق على

١٠٨
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
يا بني آدم، انظروا كيف بكى أبوكم على فعلة واحدة ثلثمائة سنة، فكيف
بكم يا أصحاب الكبائر العظيمة؟ فاعتبروا يا أولي الأبصار، كان آدم كلما رأى
الملائكة تصعد وتهبط ازداد شوقًا إلى الأوطان، وتذكر العهد والجيران، يا
أصحاب الذنوب احذروا زلة يقول فيها الحبيب: هذا فراق بيني وبينك، فياذا
العقل السليم، انظر كيف جلس أبوك آدم على سرير المملكة،
توابل الطعام؛ كما في المصباح.
وفي القاموس: الأفواه التوابل الواحد فوه كسوق وجمع الجمع أفاويه، ونحوه في
المصباح. فسقوط الهاء من المصنّف تخفيف أو لغة قليلة ثم وشح المؤلف تلك القصة بمنزع
صوفي على عادته، فقال: (يا بني آدم، انظروا كيف بكى أبوكم على فعلة واحدة) بفتح الفاء
اسم للمرة من الفعل، وفي نسخة على صغيرة واحدة ولا يناسب ترديده الآتي، كذا قيل وأنت
خبير بأن الترديد إنما هو على لسان السائل مع الجزم بأنها صغيرة في الجواب، فكلتاهما مناسبة
(ثلاثمائة سنة) مع النسيان والتأويل، (فكيف بكم يا أصحاب الكبائر العظيمة؟) العمد (فاعتبروا:)
اتّعظوا وقيسوا حالكم في استحقاق العقوبة بالذنب على حال أبيكم في إخراجه من الجنَّة بفعلة
(يا أولي الأبصار:) البصائر، (كان آدم،) عليه السلام (كلّما رأى الملائكة تصعد) بفتح العين
مضارع صعد بكسرها، (وتهبط، ازداد شوقًا إلى الأوطان) جمع وطن، أي: أماكن الجنة سمّاها
بذلك؛ لأنه أبيح له نعيمها بلا تخصیص محل منها دون آخر، وفيه اشعار بتكرّر رؤيته للملائكة
وأنها حقيقة وهل على صورهم الأصلية أو غيرها محل نظر، وقد ذكروا أن من خصائص
المصطفى رؤية جبريل على صورته مرّتين، (وتذكّر العهد) الأمان الذي كان فيه قبل هبوطه أو
المنزل، فهو كالتفسير للأوطان أوائل عهدية، أي: تذكّر عهد اللَّه الذي نسيه فصار في هذه
الحالة، (والجيران) جمع جار وهو المجاور في السكن والمراد الملائكة وغيرهم من الحيوان
سمّاهم جيراًا لكونهم معه في الجنَّة، (يا أصحاب الذنوب، احذروا زلّة يقول فيها الحبيب)
لمحبّه (هذا . اق بيني وبينك) تلميح بقصّة موسى مع الخضر؛ لأن آدم لما أكل تباعد عنه
أحبابه وما أواه أحد فكأنهم قالوا له ذلك، (فيا ذا العقل السليم، انظر) بعقلك (كيف جلس أبوك
آدم على سرير المملكة) مر قول الحكيم أنه من ذهب أو ياقوت أحمر له سبعمائة قائمة،
ونحوه في المشكاة ، ذلك يأبى ادّعاء أنه تمثيل من حيث جعله سرير المملكة، وإن سلم فهو
صورة جعلت لآدم أُبلس عليها تكريمًا، وعبّر عنها بذلك مجازًا، فإن الأصل الحقيقة وإثبات
الصورة يمنع التمثيل وغاية الأمر أن التجوّز في الإضافة للمملكة مع أنه مسمى بذلك عندهم؛
كما أفاده الخبر وما به ضرر، فليس أقوى من إضافة العرش والكرسي للَّه في التنزيل مع تنزهه

١٠٩
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
فمد يده إلى لقمة نهي عنها فأخرج من الجنة، فاحذروا يا بنيه عواقب المعاصي
فإنها من نزلت به نزلت به وحطته عن مرتبته.
فإن قلت: هذه الفعلة التي أهبط بها آدم من الجنة، إن كانت كبيرة
فالكبيرة لا تجوز على الأنبياء، وإن كانت صغيرة فلم جرى عليه بسببها ما جرى
من نزع اللباس والإخراج من الجنة وغير ذلك؟
أجاب الزمخشري: بأنها ما كانت إلا صغيرة، مغمورة بأعمال قلبه من
الإخلاص والأذكار الصالحة التي هي أجل الطاعات، وأعظم الأعمال، وإنما جرى
علیه ما
سبحانه عن الحلول والجسم، (فمد يده إلى لقمة نهى عنها، فاخرج من الجنَّة، فاحذروا يا بنيه
عواقب المعاصي فإنها من نزلت به) أي: أصابته، (نزلت به) أي: خفضته، (وحطّته عن مرتبته،)
عطف تفسير، (فإن قلت: هذه الفعلة) بفتح الفاء للمرة كما مر، وبكسرها اسمًا للهيئة، أي: ما
هيئة هذه الفعلة؟ (التي أُهبط بها آدم من الجنّة،) أبالغة في المخالفة، فتكون كبيرة أم لا؟ (إن
كانت كبيرة، فالكبيرة لا تجوز على الأنبياء)،) إجماعًا لا قبل النبوّة ولا بعدها، (وإن كانت
صغيرة) وقلتم بجوازها عليهم، فالصغائر مغفورة باجتناب الكبائر لآحاد الأمّة فكيف بنبيّ ولد
الأنبياء؟ (فلم جرى عليه بسببها ما جرى من نزع اللباس،) بمجرد تعلّق الإرادة لا بفعل فاعل لما
مر أنه بمجرد وضع الحبّة في فيه طار عنه تاجه وتهافتت ثيابه، (والإخراج من الجنّة، وغير ذلك)
من المعاتبة بنحو قوله: ألم أنهكما عن تلكما الشجرة والفضيحة ببدوّ السوأة وتهافت اللباس
ووهن الجلد، بعدما كان الظفر والإخراج من الجنّة مع النداء: لا يجاورني من عصاني، والفرقة
بينه وبين حوّاء مدة والعداوة بعضكم لبعض عدوّ، والنداء بالنسيان: فنسي ولم نجد له عزمًا،
وتسليط العدو على ولده وأجلب عليهم بخيلك ورجلك، وجعل الدنيا سجنًا له وولده والتعب
والشقاء فلا يخرجّكما من الجنّة فتشقى، فهذه خصال ابتلي بها آدم عليه السلام وبها ابتليت
حوّاء مع خمس عشرة معها تطلب من التواريخ.
قلت: (أجاب الزمخشري) أبو القسم محمود العلاّمة جار اللَّه المعتزلي، قال ابن خلّكان
وغيره: كان يتظاهر به وإذا استأذن على صاحب له بالدخول يقول أبو القسم المعتزلي بالباب
وأوّل ما صنف الكشاف، توفي ليلة عرفة سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة. (بأنها ما كانت إلا
صغيرة مغمورة) بغين معجمة، مستورة (بأعمال قلبه من الإخلاص والأذكار الصالحة، التي هي
أجل الطاعات وأعظم الأعمال،) والصغيرة إذا غلبتها الطاعات لا يؤاخذ بها، (وإنما جرى عليه ما

١١٠
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
جرى تعظيمًا للخطيئة، وتفظيعًا لشأنها وتهويلاً، ليكون ذلك لطفًا له ولذريته في
اجتناب الخطايا، واتقاء المآثم.
يا هذا، انظر كم لله من لطف وحكمة في إهباط آدم من الجنة إلى
الأرض، لولا نزوله لما ظهر جهاد المجتهدين، واجتهاد العابدين، ولا
صعدت زفرات أنفاس التائبين، ولا نزلت قطرات دموع المذنبين،
جرى تعظيماً للخطيئة وتفظيعًا،) بفاء معجمة، إظهارًا (لشأنها) أي: قبحها، وفي القاموس: الشأن:
الخطب والأمر، فلعلّ الإضافة بيانية ولم يقل لها قصد للمبالغة كما هو عادتهم، (وتهويلاً)
تخويفًا لمرتكب الخطيئة؛ (ليكون ذلك لطفًا) بضمّ اللام، رفقًا (له ولذرّيته في اجتناب
الخطايا،) لأن ذلك كان سببًا لما حصل له من الكمالات في الدنيا المفيدة لكثرة الثواب وعظم
المنزلة في الآخرة، (واتّقاء المآثم،) جمع مأثم عطف تفسير، وصريح ذا الجواب جواز وقوع
الصغيرة من الأنبياء.
قال القرطبي: وهو مذهب الأكثرين، والمراد نسيانًا إلا الدالة على خسّة كسرقة لقمة، بل
قال الطبري وغيره من الفقهاء المتكلّمين والمحدثين: تقع الصغائر منهم خلافًا للرافضة، لكن قال
جمهور الفقهاء من أصحاب لملك وأبي حنيفة والشافعي: إنهم معصومون من الصغائر كلها،
انتھی.
والأخير رأي الإسفراييني وعياض والشهرستاني والتقي السبكي: لكرامتهم على اللَّه أن
يصدر منهم ذنب وقد استدلّ الأوّلون بظواهر من الكتاب والسنّة إن التزموها أفضت بهم إلى
الكفر وخرق الإجماع، وما لا يقول به مسلم فكيف وكل ما احتجّوا به مما اختلفت فيه
وتقابلت الاحتمالات في معناه؛ كما بسطه عياض في الشفاء. ولذا قال شيخنا: الأولى،
والجواب بأن محل عصمتهم من الصغائر إن لم يترتّب عليها تشريع ونحوه، فجاز وقوع ما هو
صورة صغيرة من آدم لما ترتّب عليها من المنافع له ولذريّته، فلا ينافي أنها لا تقع منهم لا عمدًا
ولا سهوًا.
(يا هذا انظر كم للَّه من لطف وحكمة في إهباط آدم من الجنّة إلى الأرض،) الظاهر: أن
الحكمة هنا الفائدة المترتّبة على هبوطه، كما يشير إليه قوله: (لولا نزوله لما ظهر جهاد
المجتهدين واجتهاد العابدين،) وإن كانت الحكمة في الأصل تحقيق العلم وإتقان العمل، (ولا
صعدت) بكسر العين، (زفرات) بفتح الزاي والفاء وتسكن للشعر جمع زفرة، أي: أصوات (أنفاس
التائبين، ولا نزلت قطرات دموع المذنبين،) وفي تفسير القرطبي: لم يكن إخراج الله آدم من

١١١
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
يا آدم إن كنت أهبطت من دار القرب فإني قريب مجيب، أجيب دعوة الداعي،
إن كان حصل لك من الإخراج كسر فأنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي، وإن
كان فاتك في السماء زجل المسبحين فقد تعوضت في الأرض أنين المذنبين،
أنين المذنبين أحب إلينا من تسبيحهم، زجل المسبحين ربما يشوبه الافتخار، وأنين
المذنبين يزينه الانكسار، ((لو لم تذنبوا لذهب الله بكم
الجنَّة عقوبة له؛ لأنه أهبطه بعد أن تاب عليه وقبل توبته، وإنما أهبطه تأديبًا أو تغليظًا للمحنة،
والصحيح في إهباطه وسكناه في الأرض ما قد ظهر من الحكمة الأزلية في ذلك وهي نشر نسله
فيها ليكلّفهم ويمتحنهم، ويترتّب على ذلك ثوابهم وعقابهم الأخرويّ إذ الجنّة والنار ليستا داري
تكليف، فكانت تلك الأكلة سبب إهباطه وللَّه فعل ما شاء، وقد قال: ﴿إني جاعل في الأرض
خليفة﴾ [البقرة: ٣٠]، وقال أرباب المعاني، في قوله تعالى: ﴿ولا تقربا هذه الشجرة﴾
[البقرة: ٣٥، الأعراف: ١٩]، إشعار بالوقوع في الخطيئة والخروج من الجنّة، وأن سكناه لا تدوم؛
لأن المخلد لا يحظر عليه شىء ولا يؤمر ولا ينهى، والدليل عليه: ﴿إني جاعل في الأرض
خليفة﴾ [البقرة: ٣٠]، انتهى.
وفي الأحوذي: خروجه منها سبب لوجود الذرّية وهذا النسل العظيم، ووجود الأنبياء
والمرسلين والصالحين ولم يخرج منها طردًا بل لقضاء أوطاره ثم يعود إليها، انتهى. ولما تاب
اللَّه على آدم بيّن له بالوحي والإلهام ما اطمأنت به نفسه، وذهب به روعه، حتى كأنه قال له:
(يا آدم إن كنت أُهبطت من دار القرب) فلا تحزن (فإني قريب مجيب،) فقربي لك في الجنة،
كهو في الأرض (أجيب دعوة الداعي، إن كان حصل لك من الإخراج كسر،) وهو الواقع (فأنا
عند المنكسرة قلوبهم) اسم فاعل من انكسر مطاوع كسر من باب ضرب، ووصف القلب به
تجوز كأنه شبّه ضعفه وذلّته بتفرّق أجزاء شىء منكسر، (من أجلي) وليس هذا بحديث قدسي،
فغاية ما في المقاصد حديث أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي، جرى في البداية للغزالي.
(وإن كان فاتك في السماء زجل) بفتح الزاي والجيم ولام: أصوات (المسبحين، فقد
تعوّضت في الأرض أنين المذنبين) ولا تقل فرّق بينهما فـ (ـأنين المذنبين أحبّ إلينا من
تسبيحهم) أي: المسبّحين، وإذا أحب إلينا فأنت تحبّ ما نحبّ، (زجل المسبّحين) من حيث
هم لا مسبحي السماء، (ربما يشوبه الافتخار) فيفسده (وأنين المذنبين يزيّنه الانكسار،)
فبواسطته فاق الثلاثة ثم رشح هذا الوارد الصوفي المساق عن الحقّ جلّ جلاله على طريق
الصوفية، بقوله عَّ فيما رواه مسلم من حديث أبي هريرة بلفظ: ((والذي نفسي بيده (لو لم

١١٢
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
ولجاء بقوم يذنبون ثم يستغفرون فيغفر لهم).
سبحان من إذا لطف بعبده في المحن قلبها منحا، وإذا خذل عبدًا لم ينفعه
كثرة اجتهاده وكان عليه وبالا، لقن الله آدم حجته، وألقى عليه ما تقبل به توبته،
وطرد إبليس اللعين بعد طول خدمته،
تذنبوا لذهب اللَّه بكم) أي: لأماتكم بانقضاء آجالكم (ولجاء بقوم يذنبون ثم يستغفرون) اللَّه
تعالى (فيغفر لهم)؛) ليكونوا مظهراً للمغفرة التي وصف بها ذاته؛ كقوله: ﴿فإنّي غفور رحيم﴾
[النمل: ١١]، فالغفار يستدعي مغفورًا، والرحيم مرحومًا، أي: فلا تمنعكم ذنوبكم من التوبة
والإنابة ليأسكم من روح اللَّه فليس إذنًا في الذنب ولا حثاً عليه، بل المقصود منه مجرّد التنبيه
على عظم الفضل وسعة المغفرة والحثّ على التوبة.
قال الطيبي: لم يرد به ونحوه قلة الاحتفال بمواقعة الذنوب، كما توهّمه أهل الغرة، بل
كما أنه أحبّ الإحسان إلى المحسن أحب التجاوز عن المسيء، فمراده لم يكن ليجعل العباد
كالملائكة منزّهين عن الذنوب بل خلق فيهم من يميل بطبعه إلى الهوى، ثم كلّفه توقيه وعرفه
التوبة بعد الابتلاء، فإن وفى فأجره على اللَّه، وإن أخطأ فالتوبة بين يديه، وسرّ ذلك إظهار صفة
الكرم والحلم والغفران، ولو لم يوجد لانثلم طرف من صفة الألوهيّة، واللَّه يتجلّى لعبده
بصفات الجلال والإكرام في القهر واللّطف، انتهى.
(سبحان من إذا لطف بعبده في المحن) بكسر ففتح جمع محنة، أي: البلايا (قلبها)
صيّرها أو أبدلها (منحًا) بكسر ففتح: عطايا، (وإذا خذل عبدًا لم ينفعه كثرة اجتهاده، وكان
عليه) اجتهاده (وبالاً) فقد (لقّن اللّه آدم حجّته) حيث قال: ما ظننت أن أحدًا يحلف بك كاذبًا،
وقد قال قوم: إن آدم وحوّاء ما أكلا من الشجرة المنهي عنها، وإنما أكلا من جنسها تأوّلاً أن
المراد العين، وكان المراد الجنس، حكاه القرطبي.
(وألقى عليه ما تقبل به توبته،) هو كما قال ابن عباس والحسن وابن جبير والضحاك
وابن مجاهد؛ ربّنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. وعن مجاهد
أيضًا: سبحانك اللَّهمّ لا إله إلاّ أنت ظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم، وقيل: رأى
مكتوبًا عل ساق العرش محمّد رسول اللّه، فتشفّع به، وقيل: المراد البكاء والحياء والدعاء والندم
والاستغفار، ذكره القرطبي.
(وطرد إبليس اللعين بعد طول خدمته؛) مرّ عن القرطبي أنه عبد اللَّه ثمانين ألف سنة، وفي
منتهى النقول: تسعة آلاف سنة، وفي الخميس: مائتين وأربعين ألف سنة، ولم يبقَ في السموات
والأرضين السبع موضع شبر إلا سجد فيه، فقال: إلهي هل بقي موضع لم أسجد فيه؟ فقال:

١١٣
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
فصار عمله هباء منثورًا، قال: اخرج منها ﴿فإنك رجيم وإن عليك اللعنة إلى يوم
الدين﴾ [الحجر/٣٤ - ٣٥] إذا وضع عدله على عبد لم يبق له حسنة، وإذا بسط
فضله على عبد لم يبق له سيئة.
انظر
اسجد لآدم، فقال: أتفضّله عليّ؟ قال أفعل ما أشاء ولا أُسأل عمّا أفعل، فأبى فطُرِد ولعن.
وفي المشكاة: قال الحسن: عبد اللّه في السماء سبعمائة ألف وسبعين ألفًا وخمسة آلاف
سنة، وعبد اللَّه في الأرض فلم يترك موضع قدم إلاَّ سجد فيه سجدة. (فصار عمله هباء منثوراً) هو
ما يرى في الكوى التي عليها الشمس؛ كالغبار المفرق، أي: مثله في عدم النفع به لعدم شرطه.
(قال) تعالى: (اخرج) التلاوة فأخرج، وصرّح الدماميني عن ابن السبكي بجواز حذف
العاطف في الاستدلال بل والإتيان بواو وفاء؛ لأنه ليس المراد إلاَّ ما بعده، وقد كتب عَّة.
لهرقل: ((ويا أهل الكتاب))، (منها) أي: في الجنَّة لا السماء إذ لم يمنع منها إلاّ بعد البعثة، (فإنك
رجيم) مطرود من الخير والكرامة، فإن من يطرد يرجم بالحجارة أو شيطان يرجم بالشهب، (وإن
عليك اللعنة) هذا الطرد والإبعاد (إلى يوم الدين) [الحجر/٣٤ - ٣٥] يوم القيامة، وإنما غيابه
لانتهاء التكليف الذي هو مظنة الفعل سبب التوبة، ومعلوم أنه حيث انتفى سبب التوبة تأبد
الطرد، أو لكونه أبعد ما يتعارفه الناس فجرى على أسلوب كلامهم أو لأنه لشدّة العذاب يوم
القيامة يذهل عن كونه مطروداً عن الرحمة بخلاف الدنيا، فإن بالعيان عالم بالطرد.
(إذا وضع عدله على عبد) أي: إذا جازاه على فعله بمقتضى عدله، (لم يبق) بضم الياء
أي اللّه وفتحها، (له حسنة) بالنصب والرفع؛ لأن العبد لا يخلو من أفعال مقتضية للمؤاخذة، قال
تعالى: ﴿ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة﴾ [فاطر: ٤٥]، أي: من
يدبّ عليها بشؤم المعاصي، وقيل: المراد بالدابّة الإنس فقط. (وإذا بسط فضله على عبد) أي:
عامله بالرحمة والمغفرة، (لم يبق له سيئة) أي: لم يؤاخذه بذنوبه، والمراد: أن حسناته وسيئاته
تمحيان من صحف الملائكة ليكون ذلك بالنسبة للحسنة أشدّ في إدخال الأسف والحزن عليه
لتفريطه حتى ذهبت حسناته، وبالنسبة للسيئة أبلغ في الستر عليه؛ كما قال عَّه: ((إذا تاب العبد
أنسى اللَّه الحفظة ذنوبه وأنسى ذلك جوارحه ومعالمه من الأرض حتى يلقى الله، وليس عليه
شاهد من اللَّه بذنب))، رواه الأصبهاني في الترغيب، والحكيم الترمذي في النوادر، وابن عساكر.
وعبّر في الأوّل بوضع لمناسبته للوزن والمحاسبة. وفي الثاني: بالبسط؛ لأنه المناسب للعفو
والستر.
(انظر) من النظر، بمعنى إعمال الفكر ومزيد التدبّر والتأمل، قال الراغب: النظر إجالة الخاطر

١١٤
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
لما ظهرت فضائل آدم عليه الصلاة والسلام على الخلائق بالعلم، وكان العلم لا
يكمل إلا بالعمل بمقتضاه، والجنة ليست دار عمل ومجاهدة، إنما هي دار نعيم
ومشاهدة، قيل له: يا آدم اهبط إلى أرض الجهاد، وصابر جنود الهوى بالجد
والاجتهاد، وكأنك بالعيش الماضي وقد عاد على أكمل من ذلك المعتاد.
ولما أظهر إبليس - عليه اللعنة - الحسد، سعى في الأذى، حتى كان سببًا
في إخراج السيد آدم من الجنة، وما فهم الأبله
نحو المرئي لإدراك البصيرة إياه، فللقلب عين، كما أن للبدن عينًا. (لما ظهرت فضائل آدم عليه
الصّلاة والسلام على الخلائق) من الملائكة وغيرهم (بالعلم) المشار إليه بقوله تعالى: ﴿وعلَّم
آدم الأسماء كلّها﴾ [البقرة: ٣١]، وبما آتاه اللَّه من قوّة العقل. قال أبو أمامة: لو أن أحلام بني آدم
منذ خلق اللَّه الخلق إلى يوم القيامة، وضعت في كفّة ميزان ووضع حلم آدم في كفّة أُخرى
ارجحهم. قال القرطبي: يحتمل أن يخصّ من عمومه المصطفى فإنه أوفر الناس حلمًا، ويحتمل
أن المعنى غير الأنبياء.
(وكان العلم لا يكمل إلا بالعمل بمقتضاه والجنَّة ليست دار عمل ومجاهدة، وإنما هي
دار نعيم ومشاهدة،) فيه إشارة إلى جنَّة المأوى، (قيل له: يا آدم اهبط إلى أرض الجهاد،)
إضافة بيانية، أي هي جهاد النفس (وصابر جنود الهوى) بالقصر، أي: هوى النفس، أي: ميلها
إلى مشتهياتها (بالجدّ) بالكسر ضدّ الهزل، (والاجتهاد) بذل الوسع فهو مغاير للجدّ مفهوما
مقاربة ما صدق على مقتضى المختار والمصباح يقتضي تساويهما. (وكأنك بالعيش الماضي)
أي: نعيم الجنَّة الذي فارقته، (وقد عاد) إليك بانتقالك للدار الآخرة والنعيم المقيم، وفيه إشارة
إلى أن الدنيا وإن طالت لا تعدّ شيئًا بالنسبة لنعيم الآخرة؛ لبقائها وفناء الدنيا، والفاني كالعدم
بالنسبة للباقي. (على) حال (أكمل من ذلك) الحال (المعتاد) لك أوّلاً في الجنَّة. (ولما أظهر)
عطف على لما ظهرت (إبليس عليه اللعنة،) كذا في كثير من النسخ بالواو، ووقع في نسخة
شيخنا بدونها، فقال: ينبغي تقديرها (الحسد) لآدم (سعى في الأذى) له (حتى كان سببًا في
إخراج السيّد آدم من الجنّة) في حديث رواه اليافعي في نفحات الأزهار عن عليّ رفعه: ((هبط
عليّ جبريل، فقال: إن لكل شىء سيّدًا فسيّد البشر آدم، وسيّد ولد آدم أنت))، فإن صحّ ففي
الفتح السيادة لا تقتضي الأفضلية، فقد قال عمر: أبو بكر سيّدنا وأعتق سيّدنا، وقال ابن عمر: ما
رأيت أسود من مطوية، مع أنه رأى العمرین.
(وما فهم الأبله) بفتح الهمزة، عديم المعرفة الأحمق الخالي من التمييز، ووصفه بذلك

١١٥
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
أن آدم إذا خرج من الجنة كملت فضائله، ثم عاد إلى الجنة على أكمل من
الحال الأول.
قالوا: وفيه إشارة، كأنه تعالى يقول: لو غفرت في الجنة لما تبين كرمي،
بأني أغفر لنفس واحدة، بل أؤخره إلى الدنيا، وآتي بألوف من العصاة حتى أغفر
لهم وله ليتبين جودي وكرمي. وأيضًا: علم الله تعالى أن في صلبه الأولاد، والجنة
لیست دار توالد،
مشعر بأنه سلب العلم عند كفره، قال القرطبي: لا خلاف أنه كان عالمًا باللّه قبل كفره، فمن
قال: كفر جهلاً، قال: سلب العلم عند كفره، ومن قال عنادًا، قال: كفر ومعه علمه. قال ابن
عطية: والكفر مع بقاء العلم مستبعدًا؛ إلا أنه جائز عندي جائز لا يستحيل مع خذل اللَّه لمن
يشاء، قال: واختلف هل كان قبله كافر؟ فقيل: لا، وهو أوّل من كفر، وقيل: كان قبله قوم كفار
وهم الجنّ الذين كانوا في الأرض، وهل كفر جهلاً أو عنادًا، قولان لأهل السنّة.
(أن آدم إذا أخرج من الجنّة كملت فضائله، ثم عاد إلى الجنَّة على أكمل من الحال
الأوّل،) ولو فهم ذلك ما سعى فيه، قال القرطبي: لم يقصد إبليس إخراجه منها وإنما أراد إسقاطه
عن مرتبته وإبعاده كما أبعده هو، فلم يبلغ مقصده ولا أدرك مراده بل ازداد غبنًا وغيظ نفس
وخيبة ظنّ، قال تعالى: ﴿ثم اجتباه ربه﴾ [طه: ١٢٢]، فتاب عليه وهدي فصار خليفة الله في
أرضه بعد أن كان جاره في داره، اهـ.
(قالوا:) أي الصوفية ونسبة للكل كأنه لظهوره صدر عن الجميع، فليس المراد التبرّى،
(وفيه) أي: إخراج آدم من الجنَّة، (إشارة) هي شىء يدلّ على النطق فهي مرادفة له؛ (كأنه تعالى
يقول: لو غفرت في الجنة لما تبين كرمي بأني أغفر) الباء سببية علَّة للنفي، أي: لانتفى تبين
كرمي؛ لأني إنما غفرت (لنفس واحدة) والغفر لها لا يستدعي سعة الكرم، وفي نسخة: بأن أغفر،
أي: بسبب المغفرة، (بل أُؤخّره) بهمزتين أولاهما مضمومة (إلى الدنيا، وآتي بألوف من العصاة
حتى أغفر لهم وله) يوم القيامة (ليتبيّن) له ولغيره، (جودي وكرمي،) وكان هؤلاء الذين جعلوا هذا
إشارة واستنبطوه لم يقفوا عليه منصوصًا، وفي الخميس: كغيره؛ كما مرّ قول الله تعالى لجبريل: إن
رحمته لا ينقص من رحمتي شىء، وإن يذهب لا يعاب عليه شىء، فخلّ عنه حتى يذهب ثم يرجع
غدًا في مائة ألوف من أولاده عصاة حتى يشاهد فضلنا على أولاده ويعلم سعة رحمتنا.
(وأيضًا علم اللَّه تعالى أن في صلبه الأولاد والجنَّة ليست دار توالد،) أي: تكثر فيها
الأولاد، فلا ينافي ما حكاه ابن إسحق عن بعض أهل الكتاب إن صحّ أن آدم كان يغشى حوّاء
في الجنَّة قبل أن يأكل من الشجرة فحملت بقابيل وتوأمته فلم تجد عليهما وجعًا ولا طلقًا حين

١١٦
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
وأيضًا: ليخرج من ظهره في الدنيا من لا نصيب له في الجنة.
يا هذا، الجنة إن شاء الله إقطاعنا. وقد وصل منشور الإقطاع مع جبريل
عليه الصلاة والسلام إلى نبينا عَّةٍ ﴿وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن
لهم جنات تجري من تحتها الأنهار﴾ [البقرة/٢٥]، إنما يخرج الإقطاع عمن خرج
عن الطاعة، نسأل الله التوفيق.
وقد اختلف في الجنة التي سكنها
ولدتهما ولم تر معهما دمًا. (وأيضًا ليخرج) اللَّه (من ظهره في الدنيا من لا نصيب له في
الجنّة) وهم الكفار لما سبق منه سبحانه وتعالى: أن فريقًا في الجنَّة وفريقًا في السعير. وقال
الأستاذ التاج في التنوير: فكأن مراد الحق من آدم الأكل من الشجرة لينزله إلى الأرض ويستخلفه
فيها، فكان هبوطًا في الصورة رقيًا في المعنى، ولذا قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي: واللَّه ما
أنزل اللَّه آدم إلى الأرض لينقصه، إنما أنزله إلى الأرض ليكمله، ثم قال: فما أنزل إلى الأرض إلا
ليكمل له وجود التعريف ويقيمه بوظائف التكليف، فتكاملت في آدم العبد عبوديّة التعريف
وعبوديّة التكليف، فعظمت منّة اللَّه عليه وتوافر إحسانه إليه، اهـ.
(يا هذا الجنّة إن شاء اللّه اقطاعنا) أي: معطاة لنا لنرتفق بها ونتنعم فيها بأنواع النعم أطلق
الإقطاع عليها استعارة أو تشبيهًا، والمعنى: أنها لنا كالإقطاع وهو ما يعطيه الإمام من أرض
الخراج، (وقد وصل منشور الإقطاع) أي: وصل خبرها إلينا، (مع جبريل عليه السلام إلى
نبيَّا عَّ) والدليل على وصوله قوله تعالى: (﴿وبشّر الذين آمنوا)، صدقوا باللّه (وعملوا
الصّالحات) من الفروض والنوافل، (أنّ) أي: بأن (لهم جنَّات) حدائق ذات شجر ومساكن
(تجري من تحتها،) أي: تحت أشجارها وقصورها، (الأنهار﴾ [البقرة: ٢٥]،) أي: المياه فيها
والنهر الموضع الذي يجري فيه الماء؛ لأن الماء ينهره، أي: يحفره وإسناد الجري إليه مجاز،
(إنما يخرج الإقطاع) بتحتيّة نظرًا للفظ الإقطاع فإنه مذكّر وفوقية نظرًا لمعناه، وهي الأرض إذ
هي مؤنّثة إن أرضى واسعة، (عمَّن خرج عن الطاعة نسأل اللَّه التوفيق،) وأتى بهذ تأكيدًا
لاستحقاق المؤمنين نعيم الجنّة بمقتضى الوعد وتنبيهًا على أن استحقاقهم لذلك مشروط ببقائهم
على الطاعة وامتثال الأوامر واجتناب النواهي، وأنهم إذا خالفوا ذلك استحقّوا العذاب بمقتضى
الوعيد، وقرب ذلك بما هو مشاهد من معاملة السلطان لرعاياه فيما لو أنعم على بعضهم بسبب
نصحه في الخدمة، فإنه إذا خرج عنها عاقبه ومنعه ما أولاه من أرض ونحوها.
(وقد اختلف في الجنّة) بالفتح واحدة الجنَّات. قال القرطبي: وهي البساتين سمّيت
جنَّات؛ لأنها تجن من فيها، أي: يستره شجرها، ومنه المجن والجنين والجنَّة، (التي سكنها

١١٧
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
آدم.
فقيل: هي جنة الخلد.
وقيل: غيرها، جعلها الله دار ابتلاء، لأن جنة الخلد إنما يدخل إليها يوم
القيامة، ولأنها دار ثواب وجزاء لا دار تكليف وأمر ونهي، ودار سلامة لا دار ابتلاء
وامتحان، ودار قرار لا دار انتقال.
واحتج القائلون بأنها جنة الخلد،
آدم) حين قيل له: ﴿اسكن أنت وزوجك. الجنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]، (فقيل: هي جنّة الخلد،) وهو
قول جمهور الأشاعرة، بل حكى ابن بطال عن بعض المشايخ إجمال أهل السنّة عليه؛ لأن اللام
للعهد ولا معهود غيرها، ولقوله تعالى: أن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا
تضحى، وذلك صفة جنّة الخلد؛ ولقوله: اهبطوا منها، والهبوط يكون من علوّ إلى سفل ولا
يستقيم ذلك في بستان مخلوق على الأرض، ولأن موسى لما لقي آدم عليهما السّلام وقال له:
أنت أتعبت ذرّيتك وأخرجتهم من الجنَّة لم ينكر ذلك آدم، وإنما قال: أتلومني على أمر قدّره الله
عليّ قبل أن أُخلق ... الحديث الصحيح، ولو كانت غيرها لردّ على موسى. (وقيل) هي (غيرها)
حكاه منذر بن سعيد زاعمًا كثرة الأدلّة عليه، وحكاه الماوردي والرازي وابن عقيل والقرطبي
والرماني وغيرهم، واختلف القائلون به، فقال أبو القسم اليلخي وأبو مسلم الأصبهاني، وحكاه
الثعلبي عن القدرية هي بستان بالأرض، أي: بأرض عدن؛ كما في القرطبي، أو بأرض فلسطين،
أو بين فارس وكرمان؛ كما في البيضاوي. قال الرازي وابن عقيل: ويحمل هؤلاء الهبوط على
الانتقال من بقعة إلى بقعة، كما في: اهبطوا مصرا، وقيل: هي جنة أخرى كانت فوق السماء
السابعة، وهو قول أبي هاشم، ورواية عن الجبائي. قال ابن عقيل: وهي دعوى بلا دليل فلم
يثبت أن في السماء غير بساتين جنّة الخلد، اهـ.
(جعلها اللَّه دار ابتلاء) لآدم وحواء؛ (لأن جنّة الخلد إنما يدخل إليها يوم القيامة) وهذه
قد دخلت قبله، (ولأنها دار ثواب وجزاء لا دار تكليف وأمر ونهي) فلو كانت هي ما وجدوا
فيها، (ودار سلامة) من الآفات وكل خوف وحزن، (لا دار ابتلاء وامتحان) وقد وجدا فيها
(ودار قرار) لقوله تعالى: ﴿وما هم منها بمخرجين﴾ [الحجر: ٤٨]، (لا دار انتقال) وقد انتقلوا
منها، فدلّ ذلك كلّه على أنها غيرها. (واحتجّ القائلون بأنها جنَّة الخلد) قيل: هي واحدة لها
أسماء، وقيل: سبع، ورجّح جماعة أنها أربع؛ لما في سورة الرحمن وتحتها أفراد كثيرة لحديث
الصحيح: ((إنها جنان كثيرة))، وعليهما فإطلاق المصنّف مجاز من تسمية الكل باسم الجزء، أي:

١١٨
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
بأن الدخول العارض قد يقع قبل يوم القيامة، وقد دخلها نبينا معَ ◌ّه ليلة الإسراء،
وبأن ما ذكره من أن الجنة لا يوجد فيها ما وجده آدم من الحزن والنصب فإنما
هو إذا دخلها المؤمنون يوم القيامة، كما يدل عليه سياق الآيات كلها، فإن نفي
ذلك مقرون بدخول المؤمنين إياها، والله أعلم.
وروي أنه لما خرج آدم من الجنة رأى مكتوبًا على ساق العرش وعلى كل
موضع في الجنة
أجابوا عن تلك الشبه التي احتجّ بها القائلون بأنها غيرها، وإلا فلم يظهر مما ذكره المصنّف
دليل على أنها جنة الخلد، فأجابوا عن الشبهة الأولى: (بأن الدخول العارض قد يقع قبل يوم
القيامة، و)دليل ذلك أنه (قد دخلها نبيّنا عَّةٍ ليلة الإسراء) ثم خرج منها، وأخبر بما فيها وأنها
جنّة الخلد حقًّا، (وبأن ما ذكره) القائلون بأنها غيرها، (من أن الجنّة لا يوجد فيها ما وجده آدم
من الحزن) بنحو تساقط اللباس (والنصب) التعب، بنحو طلب ورق الجنَّة يستر به سوأته، (فإنما)
الأولى حذف الفاء لأنه خبر أن، أو هي تعليلية لمحذوف، أي: ما ذكروه من كذا لا يصح، فإنما
(هو إذا دخلها المؤمنون يوم القيامة؛ كما يدلّ عليه سياق الآيات كلّها، فإن نفي ذلك مقرون
بدخول المؤمنين إيّاها،) يوم القيامة، وسكت عن جواب الأخير لعلمه من هذا وهو أن كونها دار
قرار، إنما هو يوم القيامة، (والله أعلم اهـ).
وظاهر المصنّف بل صريحه تساوي القولين وليس كذلك، فقد قال القرطبي: هي جنَّة
الخلد، ولا التفات إلى ما ذهب إليه المعتزلة والقدرية من أنه لم يكن فيها وإنما كان في جنَّة
بعدن، وذكر أدلّتهم وردّها بما يطول. ورجّح أبو القسم الرماني في تفسيره أنها جنة الخلد أيضًا،
وقال: هو قول الحسن وعمر ووصل، وعليه أهل التفسير.
(وروي أنه لما خرج آدم من الجنَّة،) أي: لما أراد الخروج لما في الخميس إن اللَّه لما
قال له: اخرج لا يجاورني من عصاني رفع آدم طرفه إلى العرش فإذا هو مكتوب عليه: لا إله إلا
اللَّه محمد رسول اللَّه، فقال: يا ربّ بحقّ محمّد اغفر لي، فقال: قد غفرت لك بحقّه، ولكن لا
يجاورني من عصاني، ويأتي للمصنّف في المقصد الثاني ما يصرّح بأن آدم رأى كتابة اسمه
على العرش قبل تمام خلقه، ومر الخلاف في قدر مكثه في الجنَّة.
(رأى مكتوبًا على ساق العرش،) وكانت الكتابة قبل خلق السموات والأرض بألفي سنة،
كما روي عن أنس. (وعلى كل موضع في الجنّة) من قصر وغرفة ونحور حور عين، وورق
شجرة طوبى وورق سدرة المنتهى وأطراف الحجب وبين أعين الملائكة، رواه ابن عساكر عن

١١٩
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
اسم محمد عَّهِ مقرونًا باسم الله تعالى، فقال يا رب هذا محمد من هو؟ فقال
تعالى: هذا ولدك الذي لولاه ما خلقتك. فقال: يا رب بحرمة هذا الولد ارحم هذا
الوالد، فنودي: يا آدم، لو تشفعت إلينا بمحمد في أهل السموات والأرض
لشفعناك.
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَ له: ((لما اقترف
آدم الخطيئة قال: يا رب، أسألك بحق محمد لما غفرت لى، فقال الله: يا آدم،
وكيف عرفت محمدًا ولم أخلقه؟ قال: يا رب لأنك لما خلقتني بيدك، ونفخت
في من روحك، رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوبًا: لا إله إلا الله
محمد رسول الله، فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك، ...
كعب الأحبار نقله المصنّف في المقصد الثاني.
(اسم محمّد) إضافة بيانية فلا يردّ أن لفظ محمّد، وضع له اسم دال عليه، فالمرئي ذلك
الاسم لا لفظ محمّد (عَِّ) حال كونه (مقرونًا باسم اللَّه تعالى) وهو لا إله إلاّ اللَّه محمّد
رسول اللَّه، (فقال) آدم: (يا ربّ، هذا) الاسم الذي هو (محمّد من هو؟) من الذات المسمّاة به،
(فقال اللَّه تعالى: هذا ولدك الذي لولاه ما خلقتك، فقال) آدم: (يا ربّ، بحرمة هذا الولد، ارحم
هذا الوالد، فنودي) على لسان ملك أمره اللَّه بالنداء، (يا آدم،) قد قبلنا دعاءك و (لو تشفّعت إلينا
بمحمّد في أهل السموات والأرض لشفعناك) قبلنا شفاعتك (وعن عمر بن الخطاب) القرشي
العدوي أمير المؤمنين ثاني الخلفاء ضجيع المصطفى مناقبه شهيرة كثيرة (رضي اللّه عنه، قال:
قال رسول اللَّه عَ لّ له: ((لما اقترف) بقاف وآخره فاء أتى وفعل (آدم الخطيئة، قال: يا ربّ
أسألك بحقّ محمّد إلا ما غفرت لي،) وفي نسخة لما بفتح اللام وشدّ الميم بمعنى إلا
الاستثنائية؛ كقوله تعالى: ﴿لما عليها حافظ﴾ [الطارق: ٤]، في قراءة شدّ الميم، (فقال الله
تعالى: يا آدم وكيف عرفت محمّداً ولم أخلقه؟) أي: جسده فلا ينافي أنه خلق نوره قبل جميع
الكائنات، وفيه إظهار فضيلة آدم حيث تنبّه وسأل عن صاحب الاسم بعد رؤيته مكتوبًا، (قال:
يا ربّ لأنك لما خلقتني بيدك) أي: من غير واسطة كأم وأب، (ونفخت) أجريت (فيّ من
روحك) فصيّرتني حيّا، وإضافة الروح إلى اللَّه تشريف لآدم.
(رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوبًا لا إله إلاّ اللَّه محمّد رسول اللَّه، فعلمت
أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحبَّ الخلق إليك،) وهذا من وفور عقل آدم وبديع استنباطه،

١٢٠
المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام
فقال الله تعالى: صدقت يا آدم، إنه لأحب الخلق إليّ، وإذا سألتني بحقه قد
غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتك)) رواه البيهقي من دلائله من حديث
عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وقال تفرد به عبد الرحمن ورواه الحاكم وصححه،
وذكره الطبراني وزاد فيه: وهو آخر الأنبياء من ذريتك.
وفي حديث سلمان عند ابن عساكر قال: هبط جبريل على النبي عَّه
فقال: إن ربك يقول: إن كنت اتخذت إبراهيم خليلا، فقد اتخذتك حبيبا،
(فقال اللَّه تعالى: صدقت يا آدم إنه لأحب الخلق إليّ، وإذا سألتني) تعليليلة، أي: ولسؤالك
إياي (بحقّه قد غفرت لك ولولا محمّد ما خلقتك، رواه البيهقي) ونقلته (من دلائله)،) أي:
كتابه دلائل النبوة الذي قال فيه الحافظ الذهبي: عليك به فإنه كله هدى ونور، (من حديث
عبد الرحمن بن زيد بن أسلم) المدني عن أبيه وابن المنكدر، وعنه أصبغ وقتيبة وهشام ضّفوه
له تفسير توفي سنة اثنتين وثمانين ومائة. (وقال) البيهقي: (تفرّد به عبد الرحمن،) أي: لم يتابعه
عليه غيره فهو غريب مع ضعف راويه، (ورواه الحاكم وصحّحه وذكره،) أي: رواه (الطبراني)
الإمام أبو القسم سليمن بن أحمد بن أيّوب اللخمي الشامي مسند الدنيا الحافظ المكثر صاحب
التصانيف الكثيرة أخذ عن أكثر من ألف شيخ؛ كأبي زرعة الرازي وطبقته، وعنه أبو نعيم وغيره.
قال الذهبي: ثقة صدوق واسع الحفظ بصير بالعلل والرجال والأبواب إليه المنتهى في
الحديث وعلومه، مات بمصر سنة ستّين وثلاثمائة عن مائة سنة وعشرة أشهر. (وزاد فيه) أي: في
آخره (وهو آخر الأنبياء من ذرّيتك. وفي حديث سلمن) الفارسي الذي تشتاق له الجنَّة شهد
الخندق وما بعدها، وعاش دهرًا طويلاً حتى قيل: إنه أدرك حواري عيسى، ويأتي إن شاء اللَّه
تحقيق ذلك في خدمه عَّة.
(عند ابن عساكر) الحافظ أبي القسم عليّ بن الحسين بن هبة اللَّه الدمشقي الشافعي
صاحب تاريخ دمشق وغيره من المصنّفات الثقة الثبت الحجّة المتقن غزير العلم كثير الفضل
ديّن خيّر، ولد سنة تسع وتسعين وأربعمائة ورحل إلى بغداد وغيرها وسمع من نحو ألف وثلاثمائة
شيخ ونيّف، وثمانين امرأة، وروى عنه من لا يحصى ثناء الناس عليه كثير مات سنة إحدى
وسبعين وخمسمائة. (قال: هبط جبريل على النبيّ عَّةٌ) أرسله سلطن فيحمل على أنه حمله عن
المصطفى أو عمَّن سمعه منه.
(فقال) له: (إن ربك يقول) لك (إن كنت اتّخذت إبراهيم خليلاً) كما علمته تحقيقًا،
(فـ)اعلم وتحقّق إني (قد اتّخذتك حبيبًا) فابشر وطب نفسًا، فإني بصورة الشك تطمينًا له أو