Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام وعن العرباض بن سارية عن النبي عَّ قال: ((إني عند الله لخاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طینته)). رواه أحمد يخلق منها الحيوانات بعيدة؛ لأن النطفة لا تسمّى ماء مطلقًا بل مقيّداً نحو من ماء دافق، وقوله: ﴿ألم نخلقكم من ماء مهين﴾ [المرسلات: ٢٠]، وأيضًا من الحيوانات ما يتولّد من غير نطفة كدود الخل والفاكهة، فليس كل حيوان مخلوقًا من نطفة. فدلّ القرءان على أن كل ما يدبّ وكل ما فيه حياة من الماء، ولا ينافي هذا قوله تعالى: ﴿والجان خلقناه من قبل من نار السموم﴾ [الحجر: ٢٧]، وقوله عَّله: ((وخلقت الملائكة من نور)) لأن أصل النور والنار الماء، ولا يستنكر خلق النار من الماء، فقد جمع الله بقدرته بين الماء والنار في الشجر الأخضر. وذكر الطبائعيون أن الماء بانحداره يصير بخارًا والبخار ينقلب هواء، والهواء ينقلب نارًا. وزعم مقاتل: أن الماء خلق من النور، وهو مردود بحديث أبي هريرة المتقدّم وبغيره، انتهى. ملخّصًا، وذكر نحوه المؤلف في الإرشاد. (وعن العرباض) بكسر العين وسكون الراء بعدها موحدة فألف فمعجمة (ابن سارية) السلمي، قديم الإسلام جدًا من البكّائين ومن أهل الصفة، ونزل حمص، روى عنه خالد بن معدان وأبو أمامة الباهلي وخلق، مات سنة خمس وسبعين، وقيل قبلها زمن فتنة ابن الزبير رضي الله عنهم. (عن النبيّ عَّهُ) أنه (قال: إني عند اللَّه لخاتم النبيين وإن آدم.) قال الطيبي: الواو وما بعدها في محل نصب على الحال من المكتوب، والمراد الإخبار عن كون ذلك مكتوبًا في أُم الكتاب في ذلك الحال، قبل نفخ الروح في آدم لا أنه حينئذ كتب في أمّ الكتاب ختمه للنبيتين، انتهى. وبه اندفع ما يرد أن هذا ينافي رواية مسلم بخمسين ألف سنة المفيد سبق نبوّته على جميع الموجودات. (لمنجدل) بضم الميم وسكون النون مطاوع جدله مخفّفًا، نائبًا عن جدله مشدّدًا، أي: ألقاه على الجدالة وهي الأرض الصلبة لا مطاوع جدل مخفّفًا لفساد المعنى، إذ معناه أخذه من الجدالة وليس بمراد هنا، أشار له الطيبي قائلاً: (في طينته) خبر ثان؛ لأن لا متعلّق بمنجدل، والألزم أن آدم مظروف في طينته مع أنه ظرف له وهو حاصل فيه، (رواه) الإمام (أحمد) بن محمّد بن حنبل الشيباني أبو عبد الله المروزي، ثم البغدادي أحد كبار الأئمّة الحفاظ الطّافين الصابر على البلوى، الذي منّ اللَّه به على الأمّة، ولولاه لكفر الناس في المحنة ذو المناقب الشهيرة. وحسبك قول الشافعي شيخه: خرجت من بغداد فأخلفت بها أفقه ولا أزهد ولا أورع ولا أعلم منه. وقال أبو زرعة الرازي: كان أحمد يحفط ألف ألف حديث، قيل: وما يدريك؟ قال: ذاكرته. ولد سنة أربع وسِتِّين ومائة ومات سنة إحدى وأربعين ومائتين. ٦٢ المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام والبيهقي، والحاكم، وقال: صحيح الإسناد. وقوله عليه الصلاة والسلام لمنجدل، يعني: طريحًا ملقى على الأرض قبل نفخ الروح فيه. وعن ميسرة الضبي قال ابن خلكان: وحزر من حضر جنازته من الرجال فكانوا ثمانمائة ألف، ومن النساء ستّون ألفًا، وأسلم يوم موته عشرون ألفًا من اليهود والنصارى والمجوس، انتهى. وفي تهذيب النووي: أمر المتوكل أن يقاس الموضع الذي وقف الناس للصلاة فيه على أحمد، فبلغ مقام ألفي ألف وخمسمائة، ووقع المأتم في أربعة أصناف من المسلمين واليهود والنصارى والمجوس. (والبيهقي) نسبة إلى بيهق قرية بناحية نيسابور، أحمد بن الحسين الإمام الحافظ المشهور بالفصاحة والبراعة سمع الحاكم وغيره، وتصانيفه نحو ألف. قال الذهبي: ودائرته في الحديث ليست كبيرة بل بورك له في مروياته وحسن تصرّفه فيها، لحذقه وخبرته بالأبواب والرجال. وأفتى بجميع نصوص الشافعي، وخرّج أحاديثها، حتى قال إمام الحرمين: ما من شافعي إلّ وللشافعي عليه منّة إلاّ البيهقي فله على الشافعي منّة. ولد سنة أربع وثمانين وثلاثمائة، وتوفي سنة ثمان وخمسين وأربعمائة. (والحاكم) الإمام الحافظ الكبير محمد بن عبد اللَّه الضبيّ، أبو عبد اللّه النيسابوري الثقة الثبت المجمع على صدقه، ومعرفته بالحديث حقّ معرفته، أكثر الرحلة والسماع حتى سمع بنيسابور من نحو ألف شيخ وفي غيرها أكثر، ولد سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، ومات بنيسابور سنة خمس وأربعمائة، وتصانيفه نحو خمسمائة، قاله الذهبي، أو ألف قاله عبد الغافر الفارسي، وقال غيرهما ألف وخمسمائة، وعنه شربت ماء زمزم وسألت اللَّه أن يرزقني حسن التصنيف. (وقال) الحاكم فيه (صحيح الإسناد) ورواه ابن حبان في صحيحه أيضًا، (وقوله عد له: (لمنجدل)) يعني طريحًا ملقى على الأرض قبل نفخ الروح فيه))) لا مأخوذ من الأرض كما قد يتبادر من بقاء منجدل على أصله، كما مرّ. (وعن ميسرة) بفتح الميم وسكون التحتية، (الضبيّ) كذا في النسخ، والذي في العيون والإصابة والسبل كالنور، والمقاصد عن مسند أحمد ميسرة الفجر بفتح الفاء وسكون الجيم، جزم به في السبل، وقاله في النور كذا ضبط في نسخة صحيحة من الاستيعاب بالقلم، لكن بهامشه بخطّ ابن الأمين الفجر بفتح الجيم، قيّده البخاري في التاريخ وهو العطاء، وفي الصحاح الفجر بالفتح: الكرم. قال الذهبي: صحابي من أعراب البصرة. وزعم ابن الفرضي أن ميسرة لقبه واسمه عبد الله بن أبي الجدعاء، والذي أفاده صنيع الحسيني أنه غيره وهو الظاهر، انتهى. فيحتمل أنه ٦٣ المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام قال: قلت يا رسول الله، متى كنت نبيًّا؟ قال: وآدم بين الروح والجسد هذا لفظ رواية الإمام أحمد. ورواه البخاري في تاريخه وأبو نعيم في الحلية، وصححه الحاكم. ضبيّ ويلقب بالفجر فعدل المصنف عما في المسند لبيان نسبته. وقول الشارح ينافيه قول الإصابة أنه تميمي، وما ذكر في اللبّ: أن ضبّة في تميم فيه أنه لم يذكر أن ميسرة تميمي إنما قاله في ابن أبي الجدعاء، وذكر في ميسرة ما يفيد أنهما اثنان؛ لأنه ترجم به ثم قال: وقيل إنه ابن أبي الجدعاء الماضي فحكاه مقابلاً أو أنه ضبيّ خلفًا، ونحو ذلك. (قال: قلت: يا رسول اللَّه، متى كنت نبيًّا؟ قال: ((وآدم بين الروح والجسد))،) فإن ورد أن حقيقة آدم هذا الهيكل المخلوق من طين المنفوخ فيه الروح، فمجموعهما هو آدم فما معنى البينية؟ أجيب بأنه مجاز عما قبل تمام خلقه قريبًا منه، كما يقال: فلان بين الصحة والمرض، أي: في حالة تقرب منهما، وقال في النسيم: الظاهر أنه ظرف زمان بمعنى أن نبوّته محكوم بها ظاهرة بين خلق روح آدم وخلق جسده حيث نبأه في عالم الأرواح، وأطلعها على ذلك، وأمرها بمعرفة نبوّته والإقرار بها. وهذا المعنى يفيده قوله بين الماء والطين، أي: بعد خلق عناصره غير مركّبةٌ ولا منفوخ فيها الروح، فهو بمعنى الحديث الذي صحّحوه فتكون رواية بالمعنى إذا لم يثبت بهذا اللفظ، وهذا مما لم یحم أحد حول حماه، انتهى. (هذا لفظ رواية الإمام أحمد) في المسند من طريق بديل بن ميسرة، عن عبد الله بن شقيق، عن ميسرة الفجر وأخرجه من وجه آخر بلفظ متى جعلت، (ورواه البخاري) إمام الفن محمّد بن أسمعيل الجعفي مناقبه كالشمس، (في تاريخه) الكبير صنّفه وعمره ثمان عشرة سنة عند قبره عَّ له، قال ابن عقدة: لو كتب الرجل ثلاثين ألفًا ما استغنى عن تاريخ البخاري. وقال السبكي: تاريخه لم يسبق إليه ومن ألّف بعده في التاريخ أو الأسماء أو الكنى، فعيال عليه. (وأبو نعيم) بالتصغير أحمد بن عبد اللَّه الأصفهاني الحافظ المكثر، أخذ عن الطبراني وغيره وعنه الخطيب وغيره، مات بأصفهان سنة ثلاثين وأربعمائة عن أربع وتسعين سنة، ذكره الذهبي. (في الحلية،) أي: في كتاب حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، قالوا: لما صنفه بيع في حياته بأربعمائة دينار. ورواه البغوي وابن السكن وغيرهم كلهم من هذا الوجه. (وصحّحه الحاكم) وفي الإصابة سنده قوي، لكن اختلف فيه على بديل بن ميسرة، فرواه منصور بن سعد عنه هكذا، وخالفه حماد بن زيد فرواه عن بديل عن عبد الله بن شقيق، قال: قيل: يا رسول اللَّه! ولم يذكر ميسرة، وكذا رواه حماد عن والده وعن خالد الحذاء كلاهما عن ٦٤ المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام وأما ما اشتهر على الألسنة بلفظ: كنت نبيًا وآدم بين الماء والطين. فقال شيخنا العلامة الحافظ أبو الخير السخاوي في كتابه ((المقاصد الحسنة)): لم نقف عليه بهذا اللفظ. انتهى. وقال العلامة الحافظ بن رجب، في اللطائف: وبعضهم يرويه: متى كتبت نبيًا عبد الله بن شقيق، أخرجه البغوي، وكذا رواه حماد بن سلمة عن خالد عن عبد الله بن شقيق، عن رجل، قال: قلت: يا رسول الله! وأخرجه من هذا الوجه أحمد وسنده صحيح، انتهى. قلت: هذا اختلاف لا يقدح في الحديث؛ لأن راويه حماد بن زيد وموافقيه المرسلة غير قادحة في رواية من وصله لصحة الإسناد، وقد تابع منصورًا على وصله عن بديل إبراهيم بن طهمان أخرجه ابن نجيد، وهي متابعة تامّة، وتابعه أيضًا في شيخه خالد الحذاء عند أحمد، ورواية ابن سلمة غاية ما فيها إبهام الصحابي، ولا ضير فيه لعدالة جميعهم، واستظهر البرهان في النور أنه ميسرة، قائلاً: لم يذكره الحسيني في مبهمات المسند. (وأمّا ما اشتهر على الألسنة) ألسنة من لا خبرة له بالحديث من أنه مروي (بلفظ: ((كنت نبيًّا وآدم بين الماء والطين»، فقال شيخنا العلامة الحافظ أبو الخير) محمّد بن عبد الرحمن (السخاوي) نسبة إلى سخا قرية من أعمال مصر على غير قياس، (في كتابه المقاصد الحسنة:) في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة (لم نقف عليه بهذا اللفظ، انتهى.) ما نقله من كلام شيخه وبقيته فضلاً عن زيادة: ((وكنت نبيًّا ولا آدم ولا ماء ولا طين)). وقد قال شيخنا . يعني الحافظ بن حجر - في بعض الأجوبة عن الزيادة أنها ضعيفة والذي قبلها قوي، انتهى. ولعلّه أراد بالمعنى، وإلاّ فقد صرّح السيوطي في الدرر بأنه لا أصل لهما، والثاني من زيادة العوام وسبقه لذلك الحافظ ابن تيمية فأفتى ببطلان اللفظين وأنهما كذب وأقرّه في النور. والسخاوي نفسه في فتاويه أجاب باعتماد كلام ابن تيمية في وضع اللفظين، قائلاً: وناهيك به اطّلاعًا وحفظًا، أقرّ له بذلك المخالف والموافق، قال: وكيف لا يعتمد كلامه في مثل هذا وقد قال فيه الحافظ الذهبي: ما رأيت أشدّ استحضارًا للمتون وعزوها منه، وكانت السنة بين عينيه وعلى طرف لسانه بعبارة رشيقة وعين مفتوحة، انتهى. (وقال العلامة الحافظ) زين الدين عبد الرحمن بن أحمد، (بن رجب) الحنبلي الواعظ المحدث الفقيه البغدادي ثم الدمشقي، أكثر الاشتغال حتى مهر وشرح الترمذي والعلل له وقطعة من البخاري وله طبقات الحنابلة، مات في رجب سنة خمس وتسعين وسبعمائة. (في اللطائف وبعضهم يرويه) أي: حديث ميسرة (متى كتبت نبيًّا؟) أي: متى كتبت ٦٥ المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام من الكتابة، انتھی. قلت: وكذا رويناه في جزء من حديث أبي عمرو، إسمعيل بن نجيد، ولفظه: متى كتبت نبيًا؟ قال: كتبت نبيًا وآدم بين الروح والجسد. فتحمل هذه الرواية مع رواية العرباض على وجوب نبوته وثبوتها، فإن الكتابة تستعمل فيما هو واجب. قال تعالى: ﴿كتب عليكم الصيام﴾ [البقرة: ١٨٣] و ﴿كتب الله لأغلبن﴾ [المجادلة: ٢١]. وعن أبي هريرة نبوّتك؟ أي: ثبتت وحصلت (من الكتابة) لا من الكون، (انتهى. قلت: وكذا رويناه في جزء من حديث أبي عمرو) بفتح العين وزيادة واو كما في النور، (إسماعيل بن نجيد) بضم النون وفتح الجيم فتحتية ساكنة فدال مهملة، ابن أحمد بن يوسف النيسابوري السلمي أحد الأئمة، الفصيح البارع الصوفي الشافعي، حدث عن محمد بن أيوب الرازي وأبي مسلم الكجي والإمام أحمد وغيرهم، وصحب من أئمة الحقائق الجنيد والخيري، حدث عنه خلق منهم سبطه أبو عبد الرحمن السلمي والحاكم والقشيري، ومات سنة ستّ وستّين وثلاثمائة عن ثلاث وتسعين سنة، (ولفظه) يعني بإسناده إلى ميسرة، وهو: حدثنا محمّد بن أيوب الرازي، أنبأنا أبو محمد بن سنان العوقي، حدثنا إبراهيم بن طهمان عن بديل عن عبد الله بن شقيق، عن ميسرة الفجر، قال: قلت: يا رسول الله! (متى كنت نبيًّا؟ قال: ((كتبت نبيًّا وآدم بين الروح والجسد)،) كذا ساقه على أنه من الكتابة، والمذكور في العيون عنه: متى كنت، قال: ((كنت من الكون كالأول لا الكتابة)). وهو الذي وقع لنا في جزء ابن نجيد، وهو ستّة وخمسون حديثًا بخط جرامرد التركي الناصري الحنفي تلميذ السيوطي وعليه خط السيوطي ولكن مثل هذا لا يرد على المصنف؛ لأن روايته هو وقعت، كما قال: ألم تر قوله رويناه، (فتحمل هذه الرواية مع رواية العرباض على وجوب نبوّته وثبوتها) عطف تفسير وعلل الحمل بقوله: (فإن الكتابة تستعمل فيما هو واجب) أمّا شرعًا؛ كما (قال تعالى: ﴿كتب عليكم الصيام)) [البقرة: ١٨٣]، وإما تقديرًا؛ كقوله: (﴿كتب اللَّه لأغلبنّ﴾) [المجادلة: ٢١]، أي: قدر. (وعن أبي هريرة) تصغير هزّة، قيل كناه بها المصطفى لأنه رآه وفي كمه هرّة، وقيل المكنّى له غيره، قال ابن عبد البرّ: لم يختلف في اسم في الجاهلية والإسلام مثل ما اختلف في اسمه على عشرين قولاً، وسرد ابن الجوزي في التلقيح منها ثمانية عشر، وقال النووي: تبلغ أكثر ٦٦ المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام أنهم قالوا: يا رسول الله، متى وجبت لك النبوة قال: ((وآدم بين الروح والجسد)) رواه الترمذي وقال: حديث حسن. ورويناه في جزء من أمالي أبي سهل القطان عن سهل بن صالح الهمداني، قال: سألت أبا جعفر، محمد بن علي، كيف صار محمد عليّله يتقدم الأنبياء وهو آخر من بعث؟ قال: إن الله تعالى لما أخذ الميثاق من بني آدم من من ثلاثين، قال الحافظ في الفتح: وقد جمعتها في تهذيب التهذيب فلم تبلغ ذلك، فيحمل كلامه على الخلاف في اسمه واسم أبيه معًا، انتهى. واختلف في أرجحها فذهب جمع إلى أنه عمرو بن عامر، وذهب كثيرون وصحّحه النووي إلى أنه عبد الرحمن بن صخر الدوسي، أسلم عام خيبر وشهد بعضها مع المصطفى ثم لزمه وواظبه حتى كان أحفظ أصحابه وأكثر المكثرين. ذكر بقي ابن مخلد أنه روى عنه عَّه خمسة آلاف حديث وثلاثمائة وأربعة وسبعين حديثًا، وتوفي بالمدينة سنة تسع أو ثمان أو سبع وخمسين، وأُّه اسمها ميمونة، قاله الطبراني، وقال أبو موسى المديني: أميمة، وقال ابن قتيبة في المعارف: أميمة بنت صفيح بن الحرث من دوس أسلمت، فدعا لها المصطفى، وحديث إسلامها مشهور. (إنهم قالوا: يا رسول اللَّه! متى وجبت لك النبوّة؟) أي: حصلت وثبتت (قال: ((وآدم بين الروح والجسد))،) أي: وجبت في هذه الحالة فعامل الحال وصاحبها محذوفان، قاله الطيبي. (رواه الترمذي:) بكسر التاء والميم وضمهما وبفتح التاء وكسر الميم، أبو عيسى محمّد بن عيسى أحد أوعية العلم والحفاظ الكبار، كان يضرب به المثل في الحفظ. أخذ عن البخاري وشاركه في شيوخه، بل قال ابن عساكر: كتب عنه البخاري وحسبه بذلك فخرًا، مات سنة تسع وثمانين ومائتين. (وقال: حديث حسن وروينا في جزء من أمالي أبي سهل القطان عن سهل بن صالح الهمداني،) بفتح الهاء وسكون الميم وفتح الدال المهملة، نسبة إلى همدان شعب من قحطان، قال في التبصير: منها الصحابة والتابعون وتابعوهم. (قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي) بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب الملقّب بالباقر، قال النووي: لأنه بقر العلم، أي: شقّه. فعرف أصله وخفيه، ولد سنة ستّ وخمسين، وروى عنه خلق كالزهري وعمرو بن دينار، وكان سيّد بني هاشم في زمانه علمًا وفضلاً وسؤددًا ونبلاً، قال ابن سعد: ثقة كثير الحديث مات سنة ثمان عشرة ومائة. (كيف صار محمّدعَّه يتقدم الأنبياء وهو آخر من بعث، قال: إن اللَّه تعالى لما أخذ الميثاق) في عالم الذرّ (من بني آدم من ٦٧ المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم؟ كان محمد عَّهِ أول من قال بلى، ولذلك صار محمد علّ له يتقدم الأنبياء، وهو آخر من بعث. فإن قلت: إن النبوة وصف ولا بد أن يكون الموصوف به موجودًا، وإنما یکون بعد بلوغ أربعين سنة ظهورهم) بدل اشتمال مما قبله بإعادة الجار (ذرّياتهم) بأن أخرج بعضهم من صلب بعض من صلب آدم نسلاً بعد نسل؛ كنحو ما يتوالدون كالذر بنعمان بفتح النون يوم عرفة، ونصب لهم دلائل على ربوبيّته، وركب فيهم عقلاً، والأخبار والآثار شاهدة بهذا فتعشّف من جعل الآية للتمثيل: ﴿وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم﴾ [الأعراف: ١٧٢]، قالوا بلى (كان محمّد عَّ. أول من قال: بلى،) أنت ربّنا (ولذلك صار محمّد عَّه يتقدم الأنبياء وهو آخر من بعث.) وأورد على قوله وآدم بين الروح والجسد، قوله: (فإن قلت إنَّ النبوّة وصف) أي: معنى يقوم بالمحل وهو كونه موحى إليه بأمر يعمل به، فالمراد بالوصف الأثر، وهو في الأصل مصدر، (ولا بدَّ أن يكون الموصوف به موجودًا وإنما يكون) الوصف بالنبوّة (بعد بلوغ) الموصوف بها (أربعين سنة،) إذ هو سنّ الكمال ولها تبعث الرسل، ومفاد هذا الحصر الشامل لجميع الأنبياء حتى يحيى وعيسى هو الصحيح. ففي زاد المعاد ما يذكر أن عيسى رفع وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة لا يعرف به أثر متّصل يجب المصير إليه. قال الشامي: وهو كما قال فإنَّ ذلك إنّما يروى عن النصارى، والمصرّح به في الأحاديث النبويّة أنه إَما رفع وهو ابن مائة وعشرين سنة. أخرج الطبراني في الكبير بسند رجاله ثقات، عن عائشة أنه عَّهِ، قال في مرضه الذي توفي فيه لفاطمة: ((إن جبريل كان يعارضني القرءان في كل عام مرة، وأنه عارضني بالقرءان العام مرّتين وأخبرني أنه لم يكن نبيّ إلا عاش نصف الذي قبله، وأخبرني أن عيسى بن مريم عاش عشرين ومائة سنة، ولا أراني إلا ذاهبًا على رأس الستّين))، انتهى ملخّصًا. وروى أبو يعلى عن فاطمة مرفوعًا، أنَّ عيسى ابن مريم مكث في بني إسرائيل أربعين سنة، فهذا مما يؤيّد ذاك ولا يرد عليه قوله تعالى في حقّ عيسى: ﴿وجعلني نبيًّا﴾ [مريم: ٣٠]، لأن معناه جعلني مباركًا، نفّاعًا للخير، والتعبير بلفظ الماضي باعتبار ما سبق في قضائه، أو لجعل المحقّق وقوعه كالواقع. ولا قوله في يحيى: ﴿وآتيناه الحكم صبيًّا﴾ [مريم: ١٢]، لأن معناه الحكمة وفهم التوراة، ومن فسره بالنبويّة فهو مجاز لأنه لظهور آثارها كأنه أوتيها، ولا ما في تهذيب النووي وعرائس الثعلبي أن صالحًا بعثه اللَّه إلى قومه وهو شابّ، وأقام فيهم عشرين سنة، وتوفي بمكة وهو ابن ثمان وخمسين سنة، لجواز أنه على التقريب بإسقاط عامي الولادة والموت، فلا ينافي أنه أرسل على رأس الأربعين، وكونه في ذلك السن، لا ينافي إطلاق الشابّ عليه، كما ٦٨ المقصد الأول في تشريف اللّه تعالى له عليه الصلاة والسلام مهمة أيضًا، فكيف يوصف به قبل وجوده وإرساله؟ أطلق أنس لفظ الشاب على المصطفى في حديث الهجرة، وهو ابن ثلاث وخمسين سنة. وقد روى ابن مردويه والضياء في المختارة، عن ابن عباس رفعه: ((ما بعث اللَّه نبيًّا إِلاّ شابًا)). مهمّة وقع للحافظ الجلال السيوطي في تكملة تفسير المحلّى، وشرح النقاية وغيرهما من كتبه الجزم، بأن عیسی رفع وهو ابن ثلاث وثلاثین، ویمکث بعد نزوله سبع سنين، وما زلت أُتعجّب منه مع مزيد حفظه وإتقانه وجمعه للمعقول والمنقول، حتى رأيته في مرقاة الصعود رجع عن ذلك. فقال في شرح حديث: فيمكث في الأرض أربعين سنة، قال ابن كثير يشكل عليه ما في مسلم أنه يمكث سبع سنين إلاّ أن يحمل على إقامته بعد نزوله، ويكون ذلك مضافًا إلى مكثه قبل رفعه إلى السماء، وكان عمره حينئذ ثلاثًا وثلاثين سنة على المشهور. قلت: وقد أقمت سنين أجمع بذلك، ثم رأيت البيهقي قال في كتاب البعث والنشور، هكذا في هذا الحديث: أن عيسى يمكث في الأرض أربعين سنة. وفي صحيح مسلم من حديث عبد اللَّه بن عمرو في قصة الدجال: فيبعث اللَّه عيسى ابن مريم فيطلبه فيهلكه، ثم يلبث الناس بعده سبع سنين ليس بين اثنين عداوة، قال البيهقي: ويحتمل أن قوله: ثم يلبث الناس بعده، أي: بعد موته، فلا يكون مخالفًا للأول، انتهى. فترجّح عندي هذا التأويل لوجوه أحدها. إن حديث مسلم ليس نصًّا في الإخبار عن مدة لبث عيسى وذلك نصّ فيها، والثاني: أن ثم تؤيّد هذا التأويل لأنها للتراخي، والثالث: قوله يلبث الناس بعده فيّجه أن الضمير فيه لعيسى؛ لأنه أقرب مذكور، والرابع: أنه لم يرد في ذلك سوى هذا الحديث المحتمل، ولا ثاني له. وورد مكث عيسى أربعين سنة في عدّة أحاديث من طرق مختلفة منها هذا الحديث الذي أخرجه أبو داود وهو صحيح. ومنها ما أخرجه الطبراني عن أبي هريرة أن رسول اللّه عَ لّه، قال: ((ينزل عيسى ابن مريم، فيمكث في الناس أربعين سنة))، ومنها ما أخرجه أحمد في الزهد عن أبي هريرة، قال: ((يلبث عيسى ابن مريم في الأرض أربعين سنة لو يقول للبطحاء سيلي عسلاً لسالت))، ومنها ما أخرجه أحمد في مسنده عن عائشة مرفوعًا في حديث الدجال: ((فينزل عيسى ابن مريم فيقتله، ثم يمكث عيسى في الأرض أربعين سنة إمامًا عادلاً وحكمًا مقسطًا)). ورد أيضًا من حديث ابن مسعود عند الطيراني، فهذه الأحاديث الصريحة أولى من ذلك الحديث الواحد المحتمل، انتهى. (أيضًا،) أي: كما أنه لا بدّ للنبوّة من محل تقوم به والمتعاطفات هنا اتفقا في الاشتراط فصح لفظ أيضًا، (فكيف يوصفٍ به)، أي: بوصف النبوّة (قبل وجوده) عَّهِ في الخارج (وإرساله)؟ في ٦٩ المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام أجاب العلامة الغزالي رحمه الله في كتابه ((النفخ والتسوية)) عن هذا، وعن قوله: كنت أول الأنبياء خلقًا وآخرهم بعثًا: بأن المراد بـ ((الخلق) هنا: التقدير دون الإیجاد، ذكره مع أن فرض السؤال في النبوّة إشعار بأنهما متقاربان وهو الصحيح، وقيل: نبوّته سابقة على إرساله. (أجاب:) كذا في نسخ بلا فاء، وفي أخرى بها. والأولى أولى إذ الفعل هنا ماض متصرف، وليس مما تدخل عليه الفاء)، فإنها تدخل في سبعة مواضع جمعها القائل: اسمية طلبية وبجامد وبما وقد وبلن وبالتنفيس وقد اشتهر أن ذا البيت للفقيه العلاَّمة الأجهوري، وله عزاه شيخنا لكنه قال لنا في قراءة المعنى أنه رآه لأقدم منه، وهو كما قال فقد ذكره الشيخ عمر بن نجيم الحنفي في شرح الكنز في باب تعليق الطلاق، فقال: جواب الشرط يجب اقترانه بالفاء، حيث لم يصلح جعله شرطًا، وذلك في مواضع جمعت في قوله طلبية واسمية، الخ. فلعلّه من توافق الخاطر (العلامة) أبو حامد حجّة الإسلام محمّد بن محمّد (الغزالي) بفتح الغين المعجمة وشدّة الزاي على المشهور، كما قال ابن الأثير وفي التبيان عن الغزالي أنه أنكر التشديد، وقال: إنما أنا بالتخفيف، نسبة إلى غزالة من قرى طوس. وفي المصباح عن بعض ذريّته أخطأ الناس في تشديد جدنا، لكن قال ابن الأثير أنه خلاف المشهور، قال: وأظن أنه نسبة إلى الغزالي على عادة أهل جرجان وخوارزم كالعصاري إلى العصار. قال: وحكى لي بعض من ينسب إليه من أهل طوس، أنه منسوب إلى غزالة بنت كعب الأحبار، انتهى. وفي طبقات السبكي كان والده يغزل الصوف ويبيعه بدكان بطوس. (رحمه اللَّه،) ذكر له الأسنوي في المهمات ترجمة حسنة منها هو قطب الوجود والبركة الشاملة لكل موجود، وروح خلاصة أهل الإيمان والطريق الموصل إلى رضا الرحمن يتقرّب به إلى الله تعالى كل صديق ولا يبغضه إلا ملحد أو زنديق. قد انفرد في ذلك العصر عن الزمان، كما انفرد في هذا الباب فلا يترجم معه فيه الإنسان، انتهى. وله كتب نافعة مفيدة خصوصًا الإحياء فلا يستغني عنه طالب الآخرة، مات بطوس سنة خمس وخمسمائة، (في كتابه النفخ والتسوية عن هذا)، المتقدم وهو وقوله: کنت نبيًّا وآدم، الخ. (وعن قوله) عَّله ((كنت أوّل الأنبياء خلقًا وآخرهم بعثًا)))) رواه بهذا اللفظ ابن أبي حاتم في تفسيره، وأبو إسحق الجُؤْذّقاني. في تاريخه عن أبي هريرة، رفعه بلفظ: كنت، وما يقع في نسخ بلفظ أنا فتحريف أو رواية بالمعنى، (بأن المراد بالخلق هنا التقدير دون الإيجاد،) إذ هو ٧٠ المقصد الأول فى تشريف اللّه تعالى له عليه الصلاة والسلام فإن قيل إن ولدته أمه لم يكن موجودًا مخلوقًا، ولكن الغايات والكمالات سابقة في التقدير لاحقة في الوجود)). قال: وهو معنى قولهم: ((أول الفكرة آخر العمل، أول الفكرة)) وبيانه: أن المهندس المقدر للدار، أول ما يمثل في نفسه صورة الدار، فيحصل في تقديره دار كاملة، وآخرة ما يوجد من أعماله هي الدار الكاملة، فالدار الكاملة هي أول الأشياء في حقه تقديرًا، وآخرها وجودًا، لأن ما قبلها من ضرب اللبنات وبناء الحيطان، وتركيب الجذوع، وسيلة إلى غاية وكمال وهي الدار الكاملة، فالغاية هي الدار ولأجلها تقوم الآلات والأعمال. ثم قال: وأما قوله عليه الصلاة والسلام: كنت نبيا فإشارة إلى ما خلاف الواقع، (فإن قيل: إن ولدته أمه لم يكن موجودًا مخلوقًا، ولكن الغايات والكمالات سابقة في التقدير، لاحقة في الوجود. قال: وهو معنى قولهم) أي: المتقدمين، (أوّل الفكرة آخر العمل أول الفكرة،) كذا في النسخ الفكرة بالهاء في الموضعين، والمذكور في كتاب الغزالي المزبور بدون هاء فيهما، ونظمه القائل: نـعـم مـا قـال زمرة الدول أول الفكر آخر العمل (وبيانه:) أي: إيضاح قولهم المذكور، (أن المهندس) قال الجوهري: المهندز الذي يقدر مجاري القنا والأبنية، والعرب صيّروا زايه سينًا، فقالوا مهندس في كلام العرب زاي قبلها دال، وفي القاموس: هندوس الأمر بالضم العالم به، جمعه هنادسة، والمهندس مقدر مجاري القنا حين تحفر، والاسم الهندسة مشتقّ من الهنداز معرب اندازه، فأبدلت الزاي لأنهم ليس لهم دال بعده زاي، انتهى. (المقدر للدار أوّل ما يمثل في نفسه صورة الدار، فيحصل في تقديره دارًا كاملة وآخرة،) وزان قصبة كما في المصباح وغيره، وحكى في القاموس ضمّ أوّله، أي: آخر (ما يوجد في أعماله هي الدار الكاملة، فالدار الكاملة هي أول الأشياء في حقّه تقديراً وآخرها وجودًا؛ لأن ما قبلها من ضرب اللبنات) بكسر الموحدة جمع لبنة بالكسر وتسكن للتخفيف ما يعمل من الطين ويبنى به، (وبناء الحيطان) جمع حائط الجدار، قال القاموس: والقياس حوطان، (وتركيب الجذوع) جمع جذع، وهو ساق النخلة (وسيلة إلى غاية) أي: نهاية، (وكمال) عطف تفسير، (وهي الدار الكاملة فالغاية هي الدار، ولأجلها تقوم) بضم الفوقية وفتح القاف والواو المشدّدة، أي: توجد (الآلات والأعمال ثم قال) الغزالي بعد كلام (وأمّا قوله عليه الصلاة والسلام: ((كنت نبيًّا) وآدم بين الروح والجسد))، (فإشارة) أي: فهو إشارة (إلى ما ٧١ المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام ذكرناه، وأنه كان نبياً في التقدير قبل تمام خلقه آدم عليه الصلاة والسلام، لأنه لم ينشأ خلقُ آدم إلا لينتزَّ من ذريته محمد عَّه ويستصفى تدريجًا إلى أن يبلغ كمال الصفات)). ((قال: ولا تفهم هذه الحقيقة إلا بأن يعلم أن للدار وجودين: وجودًا في ذهن المهندس ودماغه، والوجود الثاني أنه ينظر إلى صورة الدار خارج الذهن في الأعيان، والوجود الذهني سبب الوجود الخارج للعين، فهو سابق لا محالة. كذلك فاعلم أن الله تعالى يقدر ثم يوجد على وفق التقدير ثانيًا))، انتهى. ذكرنا، وأنه كان نبيًّا في التقدير قبل تمام خلقه) بكسر فسكون (آدم عليه الصلاة والسلام؛ لأنه) أي: الحال والشأن (لم ينشأ خلق آدم إلاّ لينتزَعَ من ذرّيته محمّد عَّ)، وقد قال اللَّه تعالى لآدم: لولاه ما خلقتك، (ويستصفى) أي: يستخلص من الكدورات كإخراج العلقة وشقّ الصدر، (تدريجًا) أي: شيئًا فشيئًا، (إلى أن يبلغ كمال الصفات) من إضافة الصفة للموصوف، أي: الصفات الكاملة أو بمعنى الكامل من الصفات وهو أعلاها، وهذا على ما في النسخ الصفات بالتاء والذي في كتاب الغزالي المذكور الصفا بلا تاء. (قال: ولا تفهم هذه الحقيقة إلا بأن يعلم أن للدار وجودين: وجودًا) بالنصب بدل مفصل من مجمل (في ذهن المهندس ودماغه،) عطف تفسير لبيان محلّه عند الحكماء إذ الذهن القوى المدركة الباطنة، وهي حاصلة في مقدم الدماغ، وذكره لبيان تصويره في حدّ ذاته، فلا ينافي أن الغزالي كغيره من أهل السنة لا يقول به. (والوجود الثاني: أنه) أي: المهندس (ينظر إلى صورة الدار خارج الذهن في الأعيان والوجود الذهني سبب الوجود الخارج للعين، فهو سابق لا محالة) بفتح الميم، أي: لا بد كما في المختار (كذلك) مبتدأ حذف خبره، أي: كهذين الوجودين فعل اللّه وتصرّفه في خلقه؛ كما أشار إليه بقوله (فاعلم) وهذا جواب شرط مقدّر نشأ من قوله وكذلك، أي وإذا أردت معرفة ذلك في حقّه تعالى وفيه إشارة إلى استحالة الوجود الذهني في حقّه تعالى وأن التشبيه إنما هو من حيث سبق التقدم ثم الإيجاد فقط، (إِنَّ اللَّه تعالى يقدر) الأشباء قبل إيجادها، (ثم يوجد) ذلك الذي قدره (على وفق التقدير ثانيًا، انتهى). واقتصر على هذين الوجودين؛ لأنهما الصالحان في مادة جوابه، وإلا فللشيء من حيث هو وجودان آخران: وجود في الكتابة ووجود في العبارة. صرّح به الجعبري مقدّمًا العيني على الذهني، نظرًا إلى الإخبار بالشيء بعد تحصيله وتعقّله عند المخبر بالكسر، والغزالي قدم الذهني ٧٢ المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام وهو متعقب بقول الشيخ تقي الدين السبكي: ((إنه قد جاء أن الله خلق الأرواح قبل الأجساد، فقد تكون الإشارة بقوله: كنت نبياً إلى روحه الشريفة، أو إلى حقيقة من الحقائق، والحقائق تقصر عقولنا عن معرفتها، وإنما يعلمها خالقها ومن أمده الله بنور إلهي، ثم إن تلك الحقائق يؤتي الله كل حقيقة منها ما يشاء في الوقت الذي يشاء، فحقيقة النبي عَِّ قد تكون من حين خلق آدم ... نظرًا إلى صورة تحصيل الشىء في نفسه، وللقرافي في شرح تنقيحه قال الغزالي المختار: عندي أن للشيء في الوجود أربع مراتب حقيقية في نفسه، وثبوت مثاله في الذهن. ويعبّر عنه بالعلم التصوري، الثالثة تأليف أصوات بحروف تدلّ عليه، الرابعة تأليف رقوم تدرك بحاسة البصر دالّة على اللفظ، وهي الكتابة؛ فالكتابة تبع للفظ إذ تدلّ عليه، واللفظ تبع للعلم، والعلم تبع للمعلوم، فهذه الأربعة متطابقة متوازنة إلاّ أنَّ الأوّلين وجودان حقيقيان لا يختلفان في الأعصار والأمم واللفظ والكتابة، مختلفان فيهما لوضعهما بالاختيار. (وهو) أي: ما قاله الغزالي، (متعقّب،) أي: مردود، (بقول الشيخ) الإمام العلامة أبي الحسن علي بن عبد الكافي الملقّب (تقيّ الدين السبكي،) الفقيه الحافظ المفسّر الأصولي المتكلم النحوي اللغوي الجدلي الخلافي، النظار شيخ الإسلام، بقية المجتهدين. ولد بسبك من أعمال المنوفية في صفر سنة ثلاث وثمانين وستمائة، وبرع في العلوم، وانتهت إليه الرئاسة بمصر، وصنف تصانيف عديدة، وتوفي بجزيرة الفيل على شاطىء النيل يوم الاثنين رابع جمادى الآخرة سنة ستّ وخمسين وسبعمائة. (إنه قد جاء أن الله خلق الأرواح قبل الأجساد،) وإذا كان كذلك (فقد تكون الإشارة بقوله) عَّ (كنت نبيًّا إلى روحه الشريفة أو إلى حقيقة من الحقائق،) فيكون لنبوّته محل قامت به. وهذا جواب قول السائل لا بد للوصف من محل يقوم به، وترك جواب أنها إنما تكون بعد الأربعين. وأجاب شيخنا بجواز أن محله في النبوّة المتعلقة بالجسد بعد ارتباط الروح به، فلا ينافي أن إفاضة النبوّة على الروح ووصفها به حقيقة لعدم اشتراط المحل الذي تقوم به النبوّة خارجًا عن هذا. قال: وقد يؤخذ ذلك من إقصاره على إفاضة النبوّة على روحه، إذ من لازم حصولها على الروح عدم اشتراط وجود الجسد في الأعيان، فضلاً عن بلوغ أربعين، ولما استشعر سؤال: ما تلك الحقائق؟ قال مجيبًا: (والحقائق تقصر عقولنا عن معرفتها وإنما يعلمها خالقها ومن أمدّه اللَّه ب رإلهي،) يدرك به ما يخفى من لم يمدّه، (ثم إن تلك الحقائق يؤتي اللَّه كل حقيقة منها ما ! اء، في الوقت الذي يشاء، فحقيقة النبيّ عَُّ قد تكون من حين خلق آدم،) أي: من وقت ٧٣ المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام آتاها الله ذلك الوصف، بأن يكون خَلَقها متهيئة لذلك، وأفاضه عليها من ذلك الوقت، فصار نبيا، وكتب اسمه على العرش، وأخبر عنه بالرسالة ليعلم ملائكته وغيرهم كرامته عنده. فحقيقته موجودة من ذلك الوقت وإن تأخر جسده الشريف المتصف بها، واتصاف حقيقته بالأوصاف الشريفة المفاضة عليه من الحضرة الإلهية، وإنما يتأخر البعث والتبليغ، ابتدائه وقبل تمامه، (آتاها اللَّه) بالمد أعطاها (ذلك الوصف) وصور الإعطاء بقوله: (بأن يكون خلقها متهيئة لذلك،) أي: لقبول النبوّة، (وأفاضه) أي: ذلك الوصف (عليها من ذلك الوقت) فحقيقته سابقة على خلق آدم وحصول النبوّة عند خلقه. وفي اللطائف والسبل: وهذه، أي: الصفة التي هي النبوّة الثابتة، مرتبة ثالثة وهي انتقاله من مرتبة العلم والكتابة إلى مرتبة الوجود العيني الخارجي. قال شيخنا: فأفاد أن نبوّته مقدّرة في العلم أوّلاً، ثم تعلّقت بها الكتابة، ثم تعلّق بها الإبراز والإيجاد للملائكة في الوجود العيني. وقضيّة ما مرّ من إبراز حقيقته قبل سائر الموجودات، أن المراتب أربع تعلّق العلم بأنه يصير نبيًّا، ثم خلق نوره، ثم كتبه في أمّ الكتاب، ثم إظهاره الملائكة، وقد يشعر بهذا قوله: وهي انتقاله .. إلخ. (فصار) عليه السلام، أي: حقيقته أو روحه (نبيًا وكتب) اللَّه تعالى (اسمه) عليه السلام، (على العرش وأخبر) اللَّه (عنه بالرسالة ليعلم ملائكته وغيرهم) من العالم الموجود حينئذ، أو الذي سيوجد من بني آدم (كرامته عنده، فحقيقته موجودة من ذلك الوقت، وإن تأخّر جسده الشريف) أي: إيجاده (المتّصف بها،) وقوله: (واتّصاف حقيقته) مبتدأ (بالأوصاف الشريفة المفاضة عليه) صفتان للأوصاف، (من الحضرة الإلهية) متعلّقة بمفاضة بلا ريب وجعله خبر اتّصاف يمجّه السمع ويأباه الطبع، فليس القصد الإخبار بأن اتّصافه كائن من الحضرة، بل حصوله من ذلك الوقت وإنما سقط خبر المبتدأ من قلم المصنف سهوًا. وهو ثابت في كلام السبكي الناقل عنه المصنف، ولفظه واتّصاف حقيقته بالأوصاف الشريفة المفاضة عليه من الحضرة الإلهية، حاصل من ذلك الوقت؛ (وإنما يتأخر البعث والتبليغ،) فلا حاجة أيضًا لجعل اتّصاف عطفًا على جسده، أي: تأخّر اّصافه بالأوصاف في الوجود العيني لجسده وأنه أقرب، بل هو تعسّف أيضًا يأباه قوله بعد، وإنما المتأخّر تكونه وتنقله ويبعده الحصر في قوله: إنما يتأخر ... الخ. يصير معناه عسرًا، ولكن قد علمت أن منشأ هذا التحمّل سقوط الخير، وأنه موجود في كلام من عزا إليه، فلا معدل عنه وبه استقام الكلام، بلا تعسّف. ٧٤ المقصد الأول فى تشريف اللّه تعالى له عليه الصلاة والسلام وكل ما له من جهة الله ومن جهة أهل ذاته الشريفة وحقيقته معجل لا تأخر فيه. وكذلك استنباؤه وإيتاؤه الكتاب والحكم والنبوة، وإنما المتأخر تكونه وتنقله إلى أن صِّاللّه ظهر عليه. وقد علم من هذا: أن من فسره بعلم الله بأنه سيصير نبيًا لم يصل إلى هذا المعنى، لأن علم الله محيط بجميع الأشياء. ووصف النبي عَّه بالنبوة في ذلك الوقت ينبغي أن يفهم منه أنه أمر ثابت له في ذلك الوقت. ولو كان المراد بذلك مجرد العلم بما سيصير في المستقبل لم يكن له السلام خصوصية بأنه نبي وآدم بين الروح والجسد، لأن جميع الأنبياء يعلم الله تعالى نبوتهم في ذلك الوقت وقبله، فلا بد من خصوصية للنبي عٍَّ لأجلها أخبر بهذا الخبر إعلامًا لأمته ليعرفوا قدره عند الله تعالى. (وكل ما له من جهة الله، ومن جهة أهل ذاته الشريفة وحقيقته، معجل لا تأخّر فيه،) جملة خبرية كالمفسرة لما قبلها؛ كقوله: ((وكذلك استنباؤه)»،) أي: جعله نبيًّا، فالسين للتوكيد لا للطلب. (وإيتاؤه الكتاب والحكم والنبوّة،) متقدّم على ذاته، (وإنما المتأخر تكونه وتنقله إلى أن ظهر ◌َِّ، وقد علم من هذا) الخبر الذي هو أنَّ اللَّه خلق الأرواح قبل الأجساد، (أن من فسره) أي: الكون نبيًّا وآدم بين الروح والجسد؛ كالغزالي. (بعلم اللَّه بأنه سيصير نبيًا لم يصل إلى هذا المعنى؛ لأن علم اللّه محيط بجميع الأشياء، ووصف النبيّ عَّ بالنبوّة في ذلك الوقت، ينبغي أن يفهم منه أنه أمر ثابت له في ذلك الوقت، ولو كان المراد بذلك مجرد العلم،) أي: علم اللَّه، (بما سيصير في المستقبل). (لم يكن له) عليه (السلام خصوصية) بضم الخاء وفتحها، وهو أفصح، كذا في المختار كأصله الصحاح، وفي المصباح والفتح: لغة، وكذا أفاده القاموس بقوله: وتفتح (بأنه نبيّ وآدم بين الروح والجسد؛ لأن جميع الأنبياء، يعلم اللَّه تعالى نبوّتهم في ذلك الوقت وقبله، فلا بدّ من خصوصيّة) أمر ثابت (للنبيّ عَّ) دون غيره؛ (لأجلها أخبر بهذا الخبر إعلامًا لأُمّته، ليعرفوا قدره عند اللّه تعالى). (0إلى هنا كلام السبكي بتقديم وتأخير حسبما ذكره في رسالة لطيفة سمّاها التعظيم والمنة في لتؤمنن به ولتنصرنه، وفهمه المصنف ردًّا على الغزالي بقوله وهو متعقب، وفيه أنه إنما عبّر بالتقدير وهو مرتبة غير العلم، فيجوز أنه أمر اختصّ به قبل خلق آدم، دون بقيّة الأنبياء فلا يتمّ ردّه به. ويحتمل أن مراد السبكي الردّ على غير الغزالي، وهو ظاهر قوله. ومن فسّر دون من ٧٥ المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام وعن الشعبي قال رجل: يا رسول الله، متى استنبئت؟ قال: ((وآدم بين الروح والجسد، حين أخذ مني الميثاق)). رواه ابن سعد من رواية جابر الجعفي فيما ذكره ابن رجب. فهذا يدل على أنه من حين صور آدم طينًا استخرج منه محمد علينا. ٠٠ قدّر، وفي نسيم الرياض قد يقال من فسره بالعلم مراده علم أظهره اللَّه لغيره من الملائكة والأرواح، تشريفًا له وتعظيمًا، وكونه إشارة إلى حقيقته إن أراد به روحه، رجع إلى ما قبله وإن أراد غيره، فلا يعقل عند من خلع ربقة التقليد من جيده، انتهى. (وعن الشعبي،) بفتح المعجمة وسكون المهملة، فموحّدة، نسبة إلى شعب بطن من همدان بسكون الميم كما في الكواكب، وصدر به في اللبّ. وقال ابن الأثير: بطن من حمير عامر بن شراحيل الكوفي، أبي عمرو التابعي الوسط، ولد لستّ مضين من خلافة عمر على المشهور، وروي عن عليّ والسبطين وسعد وسعيد وابني عباس وعمر وغيرهم، وقال: أدركت خمسمائة صحابي، وما كتبت سوداء في بيضاء قطّ، ولا حدثني أحد بحديث إلا حفظته. مرّ به ابن عمر وهو يحدّث بالمغازي، فقال: شهدت القوم فلهو أحفظ لها وأعلم بها مني. قال مكحول: ما رأيت أفقه منه، وابن عيينة كان أكبر الناس في زمانه، مات بالكوفة سنة ثلاث ومائة أو أربع أو سبع أو عشر ومائة. (قال رجل:) يحتمل أنه عمر، (يا رسول اللَّه، متى استنبئت؟ قال: ((وآدم بين الروح والجسد حين أخذ مني الميثاق)،) وعند أبي نعيم عن الصنابحي عن عمر بن الخطاب، أنه قال: يا رسول اللَّه، متى جعلت نبيًّا؟ قال: ((وآدم بين الروح والجسد))، (رواه) أبو عبد الله محمد (بن سعد) بن منيع الهاشمي، مولاهم البصري كاتب الواقدي روى عنه كثيرًا، وعن هشيم وابن عيينة وابن علية وطبقتهم، وكتب الفقه والحديث والغريب والعربية، وصنّف الطبقات الكبير والصغير والتاريخ. قال أبو حاتم وغيره: صدوق مات في جمادى الآخرة سنة ثلاثين أو خمس وثلاثين ومائتين عن اثنتين وستين سنة. (من رواية جابر) بن يزيد بن الحرث (الجعفي،) بضم الجيم وسكون العين، أبي عبد اللَّه الكوفي، عن الشعبي وأبي الطفيل، وعنه شعبة والسفيانان ضعيف شيعي تركه الحفاظ ووثقه شعبة، فشذّ. قال أبو داود: ليس له في كتابي حديث سوى السهو، مات سنة ثمان وعشرين ومائة. (فيما ذكره ابن رجب) الحافظ عبد الرحمن، (فهذاء) أي: مرسل الشعبي على ضعفه المعتضد بحديث عمر السابق، (يدلّ على أنه من حين صوّر آدم طينًا، استخرج منه محمّد عَّه. ٧٦ المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام ونبىء وأخذ منه الميثاق، ثم أعيد إلى ظهر آدم حتى يخرج وقت خروجه الذي قدر الله خروجه فيه فهو أولهم خلقًا. لا يقال: يلزم خلق آدم قبله، لأن آدم كان حينئذٍ مواتا لا روح فيه، ومحمد عَّ كان حيا حين استخرج ونبىء وأخذ منه الميثاق، فهو أول النبيين خلقًا وآخرهم بعثا. فإن قلت إن استخراج ذرية آدم منه كان بعد نفخ الروح فيه، كما دل عليه أكثر الأحاديث، والذي تقرر هنا: أنه استخرج ونبىء وأخذ منه الميثاق قبل نفخ الروح في آدم عليه الصلاة والسلام. أجاب بعضهم: بأنه مَِّ خص باستخراجه من ظهر آدم قبل نفخ الروح. فإن محمدًا عَّلِ هو المقصود من خلق النوع الإنساني، وهو عينه وخلاصته وواسطة ونبّىء، وأخذ منه الميثاق، ثم أُعيد إلى ظهر آدم حتى يخرج وقت خروجه الذي قدّر الله خروجه فيه، فهو أوّلهم خلقًا لا يقال يلزم) على ما تقدّم (خلق آدم قبله؛) لأنه استخرج من طينته فينا في خبر كنت أوّل الأنبياء خلقًا. (لأن آدم) تعليل لنفي القول لا للقول المنفي، فهو نفس الجواب. (كان حينئذٍ)، أي: حين نبّىء النبيّ وأخذ منه الميثاق، (مواتًا) بفتح الميم (لا روح فيه) صفة كاشفة، ففي الصحاح: الموات بالضم الموت، وبالفتح ما لا روح فيه. (ومحمّد عَّه كان حيًّا حين استخرج) من طينة آدم (ونبّىء وأخذ منه ميثاقه، فهو أوّل النبيّين خلقًا وآخرهم بعثًا؛) كما قال: (فإن قلت إن استخراج ذرية آدم منه كان بعد نفخ الروح فيه؛ كما دلّ عليه أکثر الأحاديث.) وأقلّها أنه استخراج قبل نفخ الروح. روي عن سلطن وغيره، قال في اللطائف: ويدلّ له ظاهر قوله. ﴿ولقد خلقناكم ثم صوّرناكم﴾ [الأعراف: ١١]، الآية على ما فشر به مجاهد وغيره، أن المراد إخراج ذرّية آدم من ظهره، قبل أمر الملائكة بالسجود له، ويحتمل أن يدلّ له أيضًا قوله آدم بين الروح والجسد جوابًا لمتى استنبئت. (والذي تقرّر هنا أنه استخرج ونتىء وأخذ منه الميثاق قبل نفخ الروح في آدم عليه الصلاة والسلام) ، فهل هذا خصوصية للمصطفى؟ أم مبني على خلاف ما دلّ عليه أكثر الأحاديث؟. (أجاب بعضهم بأنه عَّهُ خصّ باستخراجه من ظهر آدم قبل نفخ الروح فيه، فإن محمّدًا عَِّ هو المقصود من خلق النوع الإنساني)، إذ لولاه ما خلق. (وهو عينه وخلاصته ٧٧ المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام عقده. والأحاديث السابقة صريحة في ذلك، والله أعلم. وروي عن علي بن أبي طالب أنه قال: لم يبعث الله تعالى نبيًا من آدم فمن بعده إلا أخذ عليه العهد في محمد علّ لئن بعث، وهو حي، ليؤمنن به ولينصرنه، ويأخذ العهد بذلك على قومه. وهو مروي عن ابن عباس أيضًا. كما ذكره العماد بن كثير في تفسيره. وواسطة عقده) بكسر العين، أي: الجوهر الذي في وسط القلادة، وهو أجودها، (والأحاديث السابقة صريحة في ذلك) الذي قلنا إنه خصوصية له، (واللَّه أعلم.) قال العلاَّمة الشهاب القرافي: لفظ والله أعلم لا ينبغي أن توضع هي ونحوها إلا وینوی بها ذكر اللَّه، فإن استعمال ألفاظ الأذكار لا على وجه الذكر والتعظيم، قلّة أدب مع اللَّه تعالى ينهى عنه، بل ينوي بها معناها الذي وضعت له لغة وشرعًا، انتهى. (وروي) عند ابني جرير وكثير، (عن عليّ بن أبي طالب) أمير المؤمنين، زوج البتول الزهراء، تربية من خصّ بالنظر ليلة الإسراء القائل في حقّه: ((من كنت مولاه فعليّ مولاه))، رواه الترمذي والنسائي وغيرهما بأسانيد صحيحة. وعند مسلم وأحمد: ((لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق))، مناقبه شهيرة كثيرة جدًا، حتى قال أحمد والنسائي وإسمعيل القاضي ولم يرد في حقٌّ أحد من الصحابة بالأسانيد الجياد أكثر مما جاء فى حقّ علىّ رضى الله عنه، (أنه قال:) في تفسير قوله تعالى: ﴿وإذ أخذ اللَّه ميثاق النبيّين﴾ [آل عمران: ٨١] الآية، (لم يبعث اللَّه نبيًّا من آدم فمن بعده) إلى عيسى، إن قلنا بالمشهور من أنه ليس بينه وبين المصطفى نبيّ أو إلى من بعده أيضًا؛ كخالد بن سنان، (إلا أخد عليه العهد في محمّد عَِّ لئن بعث وهو حيّ ليؤمننٌ به ولينصرنه ويأخذ العهد بذلك على قومه،) المبعوث فيهم الرواية بنصب يأخذ عن عياض؛ كما أفاده الشمني والمصنف في حواشيهما للشفاء، قائلين عطفًا على يؤمنن بتقدير نون التوكيد الخفيفة وردّ بأنه حينئذ يكون من جزاء الشرط فيلزم أن الأخد من الأمّة بعد بعثه المصطفى وليس المراد؛ فالعطف على جملة: لئن بعث ... الخ، على أنها في موضع مفرد، والوجه أو التقدير وأمر أن يأخذ نحو علفتها تبنّا، (وهو مرويّ عن ابن عباس أيضًا،) موقوف عليها لفظًا، مرفوع حكمًا؛ لأنه لا مجال للرأي فيه، (كما ذكره العماد) الحافظ ذو الفضائل إسمعيل بن عمر (ابن كثير) القيسي المفتي المحدث البارع المتقن كثير الاستحضار، سارت تصانيفه في البلاد في حياته، مات سنة أربع وسبعين وسبعمائة عن أربع وسبعين سنة. (في تفسيره) الذي لم يؤلّف على نمطه مثله، ورواه ابن عساكر والبغوي ٧٨ المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام وقيل: إن الله تعالى لما خلق نور نبينا محمد عَّه أمره أن ينظر إلى أنوار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فغشيهم من نوره ما أنطقهم الله به وقالوا: يا ربنا، من غشينا نوره؟ فقال الله تعالى: هذا نور محمد بن عبد الله، إن آمنتم به جعلتكم أنبياء، قالوا: آمنا به وبنبوته فقال الله تعالى: أشهد عليكم؟ قالوا: نعم. فذلك قوله تعالی: بنحوه، ووقع للزركشي وابن كثير والحافظ في الفتح عزوه لصحيح البخاري. قال الشامي: ولم أظفر به فیه، انتھی. وقال البغوي: اختلف في معنى الآية، فقيل: أخذ الميثاق من النبيّين أن يبلغوا كتاب اللَّه ورسالاته وأن يصدق بعضهم بعضًا، وأخذ العهد على كل نبيّ أن يؤمن بمن يأتي بعده وينصره إن أدركه، وألاّ يأمر قومه بنصره فأخذ الميثاق من موسى أن يؤمن بعيسى، ومن عيسى أن يؤمن بمحمّد، وقيل: إنما أخذ الميثاق عليهم في محمّد عَّه، واختلف على هذا فقيل: الأخذ على النبيّين وأُممهم كلهم، واكتفى بذكر الأنبياء؛ لأن العهد على المتبوع عهد على التابع وهو معنى قول عليّ وابن عباس. وقال مجاهد والربيع: أخذ الميثاق إنما هو على أهل الكتاب الذين أرسل منهم النبيون، ألا ترى قوله: ﴿ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم﴾ [آل عمران: ٨١] ... الخ، وإنما كان مبعوثًا لأهل الكتاب دون النبيّين يدلّ عليه قراءة ابن مسعود وأُبيّ: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق الذين أُوتوا الكتاب﴾[آل عمران: ١٨٧]، وأمَّا القراءة المعروفة، فالمراد منها أن اللَّه أخذ عهد النبيّين أن يأخذوا الميثاق على أُممهم بذلك، انتهى ملخّصًا. (وقيل: إن اللَّه تعالى لمّا خلق نور نبيّنا محمّد عَّله) أي: أكمل خلقه يافاضة الكمالات والنبوّة على نوره (أمره أن ينظر إلى أنوار الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام،) لا خلق نفس النور فلا يرد اقتضاؤه خلق نور الأنبياء قبل نوره؛ لأنَّ تعليق الحكم على شىء يستدعي وجوده قبله، أو المراد لما خلق نوره أخرج منه أنوار بقيّة الأنبياء، ثم أمرهم بذلك، ولو قبل إفاضة النبوّة على ذلك النور، لكن الأول أوفق بقولهم: آمنا به وبنبوّته، إذ المتبادر إفاضة النبوّة عليه بالفعل. (فغشيهم من نوره ما،) أي: الذي، (أنطقهم اللَّه به، وقالوا: يا ربّنا من غشينا نوره؟ فقال اللَّه تعالى: هذا نور محمّد بن عبد اللَّه إن آمنتم به جعلتكم أنبياء، قالوا: آمنا به وبنبوّته، فقال اللَّه تعالى) لهم: (أشهد عليكم) بحذف همزة الاستفهام المقدّرة، (قالوا: نعم) أشهد علينا، (فذلك قوله تعالى) واذكر (﴿وإذ﴾) حين (﴿أخذ اللَّه ميثاق النبيّين﴾) [آل عمران: ٨١]، عهدهم. ٧٩ المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام ﴿وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما ءاتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسولٌ مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه﴾ إلى قوله: ﴿وأنا معكم من الشاهدين) [آل عمران/ ٨١]. قال الشيخ تقي الدين السبكي: في هذه الآية الشريفة من التنويه بالنبي عَّ وتعظيم قدره العلي ما لا يخفى، وفيه مع ذلك: أنه على تقدير مجيئه في زمانهم يكون مرسلاً إليهم، فتكون نبوته ورسالته عامة لجميع الخلق، من آدم إلى يوم القيامة، ويكون الأنيباء وأممهم كلهم من أمته، ويكون قوله: وبعثت إلى الناس كافة لا يختص به الناس من زمانه إلى يوم القيامة، بل يتناول من قبلهم أيضًا. (لما) بفتح اللام للابتداء وتوكيد معنى القسم الذي في أخذ الميثاق وكسرها متعلّق بأخذ، وما موصولة على الوجهين، أي: للذي (ءاتيتكم) إياه وقرىء ﴿ءاتيناكم (من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدّق لما معكم)) [آل عمران: ٨١]، من الكتاب والحكمة، وهو محمّد عَّه (﴿لتؤمننّ به ولتتصرّهِ﴾﴾ [آل عمران: ٨١]، جواب القسم وأُممهم تبع لهم في ذلك، (إلى قوله: ﴿وأنا معكم من الشاهدين﴾ [آل عمران: ٨١]،) عليكم وعلى. أُممكم. (قال الشيخ تقيّ الدين السبكي) في رسالة صغيرة له سمّاها التعظيم والمنَّة، في ﴿لتؤمنن به ولتنصرنه﴾ [آل عمران: ٨١]، (في هذه الآية الشريفة من التنويه بالنبيّ عَّه. وتعظيم قدره العليّ ما لا يخفى، وفيه) كأنه ذكر على معنى نظم الآية، وإلا فقياس سابقه وفيها: (مع ذلك أنه على تقدير مجيئه في زمانهم يكون مرسلاً إليهم فتكون نبوّته ورسالته عامّة لجميع الخلق من آدم إلى يوم القيامة،) بهذا التقدير، (ويكون الأنبياء وأُممهم كلهم من أَمَته،) مع بقاء الأنبياء على نبوّتهم، (ويكون قوله) عَّه في أثناء حديث رواه الشيخان وغيرهما: ((وبعثت إلى الناس كافّة))) قومي وغيرهم من العرب والعجم والأسود والأحمر. وفي رواية لمسلم: ((إلى الخلق كافّة))، وهو يتناول الجنّ إجماعًا والملائكة في أحد القولين، ورجّحه ابن حزم والبارزي والسبكي وغيرهم، ويأتي بسطه إن شاء اللَّه في الخصائص، (لا يختصّ به الناس) الكائنون (من زمنه إلى يوم القيامة، بل يتناول من قبلهم أيضاً) ونحوه للبارزي في توثيق عرا الإيمان، وادّعى بعضهم أن ما ذكره السبكي غريب لا يوافقه عليه من يعتدّ به، فالجمهور على أن المراد بالكافة ناس زمنه فمن بعدهم إلى يوم القيامة، ودفعه شيخنا لما ذكرته له بأنه لا ينافي كلام الجمهور إلا إذا أريد التبليغ بالفعل. أما إذا أُريد ٨٠ المقصد الأول في تشريف اللَّه تعالى له عليه الصلاة والسلام ويتبين بذلك معنى قوله عَّله: ((كنت نبيًا وآدم بين الروح والجسد)). ثم قال: فإذا عرف هذا فالنبي عّلِّ نبي الأنبياء، ولهذا ظهر في الآخرة جميع الأنبياء تحت لوائه، وفي الدنيا كذلك ليلة الإسراء صلى بهم. ولو اتفق مجيئه في زمن آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى صلوات الله وسلامه عليهم وجب عليهم وعلى أممهم الإيمان به ونصرته. وبذلك أخذ الله عليهم الميثاق. انتهى وسيأتي إن شاء الله تعالى مزيد لذلك في المقصد السادس. بالبعث اتّصافه عَِّ بكونهم مأمورين في الأزل بتبعيته إذا وجد؛ كما هو صريح كلامه، فلا يخالفه واحد فضلاً عن الجمهور. (ويتبيّ بذلك) وفي نسخة بهذا، أي: المذكور من أنه نبيّ وأخذ الميثاق عليهم باتّباعه وأن الأرواح قبل الأجساد، (معنى قوله عَّلـ: ((كنت نبيًّا وآدم بين الروح والجسد))،) فقد يكون إشارة إلى روحه أو حقيقة من الحقائق إلى آخر ما مرّ، ومعناه: أن حقيقته ظهرت بالنبوّة قبل خلق آدم وحلول الروح في جسده. (ثم قال:) بعد نحو ورقة من جملتها ما قدمه عنه قريبًا، (فإذا عرف هذا، فالنبيّ عَّه نبيّ الأنبياء))) أي: مرسل إلى الجميع مع بقائهم على نبوّتهم، (ولهذا،) أي: كونه نبيَّ الأنبياء (ظهر في الآخرة جميع الأنبياء تحت لوائه،) كما قال عَّ في حديث أنس عند أحمد: ((وبيدي لواء الحمد آدم فمن دونه تحت لوائي)»، وهو معنوي. وهو انفراده بالحمد يوم القيامة وشهرته به على رؤوس الخلائق؛ كما جزم به الطيبي والسيوطي أو حقيقي مسمى بذلك وعند اللَّه علم حقيقته ودونه تنتهي جميع المقامات، ولما كان المصطفى أحمد الخلق في الدارين أعطيه ليأوي إليه الأوّلون والآخرون، ولذا قال آدم فمن دونه ... الخ؛ كما قاله التوربشتي والطبري. وأمّا ما رواه ابن منيع والطبري وغيرهما في صفته، فقال الطبري: موضوع بين الوضع. (وفي الدنيا كذلك ليلة الإسراء صلّى بهم) إمامًا (ولو اتّفق مجيئه في زمن آدم ونوح،) سمّي به لنوحه على ذنوب أُمّته، واسمه عبد الجبار؛ كما في حياة الحيوان، أو عبد الغفار؛ كما في الأنس الجليل، أو يشكر أو لكثرة بكائه على نفسه من قوله في كلب ما أوحشه فأوحى إليه: أخلق أنت أحسن منه، فكان يبكي اعتذارًا من تلك المقالة، فأوحى الله إليه: يا نوح إلى كم تنوح، فسمّاه بذلك اللَّه؛ كما في تفسير القشيري. وفي ربيع الأبرار بكى نوح ثلاثمائة سنة على قوله إن ابني من أهلي. (وإبراهيم وموسى وعيسى صلوات اللَّه وسلامه عليهم وجب عليهم وعلى أُممهم الإيمان به ونصرته، وبذلك أخذ اللّه عليهم الميثاق، انتهى. وسيأتي إن شاء اللَّه تعالى مزيد لذلك في المقصد السادس.)