Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ شرح مقدمة المواهب وتلفتت لفتات أنفس الملأ الأعلى إلى نفائس نفحاته، وتطاولت أعناق العقول إلى أعين لمحاته ولحظاته، فعرج به إلى المستوى الأقدس، وأطلعه على السر الأنفس، في إحاطته الجامعة، وحضرات حظيرة قدسه الواسعة، فوقفت أشخاص الأنبياء في حرم الحرمة، على أقدام الخدمة، وقامت أشباح الملائكة في معارج الجلال، على أرجل قبره. لأن معناه لا يتركون على حالة بحيث لا يقوى تعلّق روحهم بجسدهم، على وجه يمنع من ذهاب الروح بعد تعلّقها بالجسد حيث شاءت متشكلة بصورة الجسد، وإن بقي الجسد نفسه إلى يوم القيامة في القبر. وبهذا لا تعارض بين الأخبار؛ وطاح زعم من ادّعى بطلان كونهم لا یتر کون في نفسه. (وتلفتت لفتات أنفس الملأ الأعلى) أي: ذواتهم وأرواحهم (إلى نفائس نفحاته،) أي: روائحه الطيبة (وتطاولت) امتدت (أعناق) ذوي (العقول؛) فهو مجاز بالحذف أو مرسل باستعمال العقول في أهلها، أو شبه العقول بالذوات المدركة استعارة بالكناية. وأثبت لها ما هو من خواصها وهي الأعناق تخييلاً، وقد جوّزت الأوجه الثلاثة في نحو: واسأل القرية (إلى أعين لمحاته) من إضافة الموصوف إلى صفته، أي: الأعين اللامحة واللمح: النظر باختلاس البصر، ولمح البصر امتد إلى الشيء ويمكن تنوين أعين. ولمحاته (ولحظاته،) بدل اشتمال واللحظ: المراقبة أو النظر بمؤخر العين عن يمين وشمال. (فعرج به إلى المستوى) بفتح الواو: الموضع المشرف وهو المصعد، وقيل: المكان المستوي؛ (الأقدس وأطلعه على السر الأنفس) كما قال: (فأوحى إلى عبده ما أوحى)، فأبهمه للتعظيم في أحد الأقوال فلا يطّلع عليه بل يتعبّد بالإيمان به؛ كما قيل: بين المحبين سر ليس يفشيه قول ولا قلم في الكون يحكيه (في إحاطته الجامعة:) متعلّق باطلع، أي: فيما تتعلق إحاطته، أي: علمه به؛ (وحضرات) بالضاد المعجمة (حظيرة) بالظاء المعجمة المشالة (قدسه الواسعة،) وليس المراد بها هنا الجنة، فإن اطلاعه على السرّ كان حين العروج إلى المستوى كما كلّمه ربه، وهو بعد رفعه إلى السدرة، ورفعه إليها كان بعد دخوله الجنّة، وعرض النار عليه؛ كما فصل في المعراج. (فوقفت أشخاص الأنبياء) صورهم (في حرم الحرمة) التعظيم (على أقدام) جمع قدم مؤنّث، (الخدمة وقامت أشباح الملائكة) إضافة بيانية، جمع شبح وهو الشخص؛ كما في المصباح، فغاير تفننا، وللإشارة إلى مغايرتها لأجسام البشر، وإنما هي أجسام لطيفة نورانية على الصحيح. (في معارج الجلال:) جمع معرج ومعراج وهو المصعد والمرقى كلها بمعنى؛ (على أرجل:) جمع رجل الإنسان التي يمشي بها، مؤنثة ولا جمع لها غيره؛ كما في المصباح. ٢٢ شرح مقدمة المواهب الإجلال، وهامت أرواح العشاق في معاناة الأشواق: كل إليك بكله مشتاق وعليه من رقبائه أحداق يهواك ما ناح الحمام بأيكة أو لاح برق في الدجى خفاق شوقي إليه لا يزال يديره فجميعه لجميعه عَشاق اشتاق القمر (الإجلال وهامت أرواح العشاق:) خرجت على وجهها فلم تدر أين تتوجه، (في معاناة الأشواق:) جمع شوق، وهو نزاع النفس إلى الشىء والحنين، وشوّقني إلى كذا هيجني وأنشد لغيره قوله (كل) استغراقية؛ كقوله: ﴿واللَّه بكل شيء عليم﴾ [البقرة: ٢٨٢] ((وكل راع مسؤول عن رعيته))، ولا يستعمل إلا مضافاً لفظًا كما رأيت، أو تقديراً؛ كقوله: ﴿كلِّ يجري﴾ [الرعد: ٢، لقمان: ٢٩، فاطر ١٣، الزمر: ٥]. قال الأخفش: المعنى كلهم يجري كما تقول كل منطلق، أي: كلهم، ومنه ما هنا، أي: كل الشاخصين ومن بعدهم. (إليك بكله) بجملته روحًا وجسمًا (مشتاق وعليه من رقبانه) جمع رقيب (أحداق:) عيون: (يهواك) تميل نفسه إليك (ما ناح الحمام بأيكة) مفرد أيك، كتمر وتمرة شجر، كما في المصباح، أو هو مضاف للضمير لأدنى ملابسة، فيكون جمعًا (أو لاح برق :) ما يلمع من السحاب، مصدر (في الدجى:) والظلم (خفاق) والدجى لا يكاد ينفكّ عن برق وإن لم يعمّ فإن فقد في مكان وجد في غيره، (شوقي) فاعل يهوي (إليه) بإشباع الهاء للوزن، وفيه التفات عن الخطاب، وفي نسخ إليك (لا يزال يديره) يحرّك الهوى (فجميعه) أي: كل أو الشوق، والأول أولى؛ لأنه المحدث عنه، ولفظ كل واحد ومعناه متعدّد، فيجوز عود الضمير على اللفظ وعلى المعنى (لجميعه) أي: النبيّ عَّه، وإن لم يتقدم له ذكر لدلالة الكلام عليه فكأنه مذكور؛ كقوله: ((ولأبويه، ولكل واحد منهما السدس))، أي: الميّت، أي: كل محب (عشاق) بفتح المهملة، أي: كثير العشق لجميع أجزاء المصطفى، فجميع متعلّق به مقدم عليه (اشتاق القمر) سمي بذلك لبياضه. قال الفارابي وتبعه الجوهري: الهلال ثلاث ليال أول الشهر ثم هو قمر بعد ذلك. وقال الأزهري: القمر يسمّى ليلتين أول الشهر هلالاً، كليلتي ستّ وسبع وعشرين، ويسمى قمرًا فيما بين ذلك. وقال غيره: الهلال ثلاث ليال، ثم هو قمر إلى ثلاثة عشر، ثم يستوي ليلة ثلاثة عشر فتسمى تلك الليلة ليلة السواء، ثم تليها ليلة البدر؛ لأنه إذا بدرت الشمس بالغروب بادرها بالطلوع. وقيل: من البدرة، وهي ألف دينار لتمام عدده، ثم يسمّى ليلة النصف قمراً وزبرقانًا بکسر الزاي، ومنه: ٢٣ شرح مقدمة المواهب لمشاهدته فانشق، فشق مرائر الأشقياء الشاقين، وحن لمفارقته الجذع، فتصدع فانصدعت قلوب الأغبياء المنافقين وبرقت من مشكاة بعثته بوارق طلائع الحقائق، وانقادت لدعوته العامة خاصة خلاصة الخلائق، ولم يزل يجاهد في الله بصدق عزماته، وینظم أشتات الإسلام بعد افتراق جهاته، حتى کملت کمالات دينه تضيء بك المنابر حين ترقى عليها مثل ضوء الزبرقان (لمشاهدته فانشق؛) لما سأله أهل مكة آية قبل الهجرة بنحو خمس سنين فرقتين، فرقة فوق الجبل وفرقة دونه، (فشق مراثر الأشقياء) الكفار (الشاقين) عليه باقتراح الآيات، وفي جعله انشقاقه مفرّعاً على اشتياقه وقفة، إذ الثابت أنه انشق لطلب الكفار آية، وقد تدفع الوقفة (وحنّ) اشتاق، (لمفارقته الجذع) الذي كان يخطب عليه قبل اتخاذ المنبر (فتصدّع) الجذع وانشق، كما في حديث أبيّ بن كعب عند الشافعي وغيره بلفظ، فلما صنع، أي: المنبر، وضعه موضعه الذي هو فيه فكان إذا بدا لرسول اللَّه عَّ أن يخطب عليه، تجاوز الجذع الذي كان يخطب عليه، فلما جاوزه خار حتى تصدّع وانشق فنزل، فلما سمع صوت الجذع فمسحه بيده. وفي حديث أنس عند الموصلي: لما قعد على المنبر خار كخوار الثور، وارتجّ المسجد لخواره حزناً عليه، فنزل إليه فالتزمه وهو يخور فسكت. فقال عَّةٍ: ((والذي نفس محمّد بيده، لو لم التزمه لما زال هكذا حتى تقوم الساعة))، فأمر به فدفن. وفي حديث أحمد والدارمي وابن ماجه: فأخذ أبيّ بن كعب ذلك الجذع لما هدم المسجد، فلم يزل عنده حتى بلي وعاد رفاتاً، قال الحافظ: وهذا لا ينافي أنه دفن لاحتمال أنه ظهر بعد الهدم عند التنظيف، انتهى. كان الحسن البصري إذا حدث هذا الحديث بكى، وقال: يا عباد اللَّه، الخشبة تحنّ إلى رسول اللَّه عَِّ شوقًا إليه لمكانه من اللّه، فأنتم أحقّ أن تشتاقوا إلى لقائه. (فانصدعت قلوب الأغبياء) الجهال، جمع غبيّ؛ (المنافقين) غيظًا من هذه المعجزة الباهرة؛ التي قال فيها الشافعي: إنها أعظم من إحياء عيسى الموتى. (وبرقت) لمعت، (من مشكاة:) هي القنديل أو موضع الفتيلة منه، أو معلاقه أو كوّة غير نافذة، والكوة بفتح الكاف وضمّها اسم ما لا ينفذ، قيل: إنها معربة من الحبشية (بعثته بوارق طلائع الحقائق وانقادت لدعوته العامة) بالجر نعت وفاعل انقاد (خاصة خلاصة الخلائق) ما صفا منهم (ولم يزل يجاهد في اللّه) بالسيف والحجة (بصدق عزماته وينظم) يجمع (أشتات الإسلام بعد افتراق جهاته حتى كملت) بتثليث الميم والكسر أرداها؛ كما في الصحاح، (كمالات دينه ٢٤ شرح مقدمة المواهب وحججه البالغة، وتمت على سائر أمته الأمية نعمته السابغة، وخير فاختار الرفيق الأعلى، وآثر الآخرة على الأولى، فنقله الله قائمًا على قدم السلامة، إلى دار السلام وحججه البالغة) بيناته الواضحة التي بلغت غاية المتانة والقوّة (وثّت على سائر) أي: جميع (أُمَّته) والأكثر استعماله بمعنى الباقي مطلقًا على الأصحّ، أو الباقي القليل مشتقّ من السؤر بالهمز البقية. حتى قال الأزهري: اتفق أهل اللغة على أن سائر الشيء باقيه قلّ أو كثر، واستعماله بمعنى الجميع. ذهب إليه الجوهري والجواليقي وجماعة وخطأهم فيه كثير، كابن قتيبة والحريري في الدرّة؛ لأنه مخالف للسماع. ففي الحديث: ((امسك أربعًا وفارق سائرهن))، أي: باقيهن، والاشتقاق فإنه من السؤر فلا يصحّ كونه بمعنى الجميع، وقال الصغاني: سائر الناس: باقيهم، وليس معناه جميعهم، كما زعم من قصر في اللغة باعه، وجعله بمعنى الجميع من لفظ العوام، انتهى. ولكن انتصر للجوهري والجماعة قوم بأنه سمع من الصحفاء؛ كقوله: ألزم العالمون حبك طرا فهو فرض في سائر الأديان وقول عنترة: اني امرؤ من خير عبس منصبا شطري وأحمي سائري بالمنصل وقول ذي الرمة: معرساً في بياض الصبح وقعته وسائر السير إلاّ ذلك السير واشتقاقه عندهم من اليسير، أي: يسير فيه هذا الاسم ويطلق عليه، لا البقية. (الأمية) المنسوبة إلى النبيّ الأميّ عَ ◌ّهِ (نعمته السابغة:) الكثيرة التامّة، وهو في الأصل صفة للدرع والثوب الطويل استعير من الطول والسعة لما ذكر، ثم صار حقيقة فيه لشيوعه، (وخيّر) بين الحياة والممات، (فاختار الرفيق الأعلى) أي: الجماعة من الأنبياء الذين يسكنون أعلى عليّين، اسم جاء على فعيل كصديق وخليط، أو اللَّه تعالى فإنه الرفيق بعباده، وعند مسلم مرفوعاً ((إِنَّ اللَّه رفيق يحبُّ الرفق). فهو فعيل بمعنى فاعل، أو المراد حظيرة القدس، وعند النسائي وصححه ابن حبان، فقال عَّهِ: ((أسأل اللَّه الرفيق الأسعد مع جبريل وميكئيل وإسرافيل))، وظاهره: أن الرفيق: المكان الذي يحصل فيه المرافقة مع المذكورين. (وآثر الآخرة على الأولى) أي: الدنيا؛ لأنها أحق بالإيثار منها، كما قال بعض الأماجد: لو كانت الدنيا من ذهب يفنى، والآخرة من خزف يبقى، لآثر العاقل الباقي على الغاني، فكيف والنعيم السرمدي الذي لم يخطر على قلب بشر، إنما هو في الأخرى. (فتقله اللَّه قائمًا على قدم السلامة) حشًّا ومعنى (إلى دار السلام:) الجنَّة لسلام اللَّه ٢٥ شرح مقدمة المواهب وفردوس الكرامة، وبوأه أسنى مراقي التكريم في دار المقامة، ومنحه أعلى مواهب الشرف في اليوم المشهود، فهو الشاهد المشهود، المحمود بالمحامد التي يلهمها للحامد المحمود، والمنزلة العلية، والدرجة السنية، في حظائر القدس الأقدسية، والمشاهد الأنفسية، واصل اللَّه عليه فضائل الصلوات، وملائكته على من يدخلها، أو لسلامتهم من الآفات، (وفردوس الكرامة:) التكريم والتبجيل له مَّة، (وبوأه أُسنى) أنزله أشرف (مراقي التكريم في دار المقامة) بالضم الإقامة، وقد تكون بمعنى القيام لأنك إذا جعلته من قام يقوم فمفتوح، أو من أقام يقيم، فمضموم وقوله تعالى: ﴿لا مقام لكم﴾ [الأحزاب: ١٣]، أي: لا موضع لكم وقرىء: ﴿لا مقام لكم﴾ [الأحزاب: ١٣]، بالضم، أي: لا إقامة لكم. قال الجوهري: (ومنحه:) أعطاه (أعلى مواهب الشرف في اليوم المشهود) يوم القيامة بحضرة جميع الخلائق (فهو الشاهد) ؛ كما قال تعالى: ﴿إنا أرسلناك شاهدًا﴾ [الأحزاب: ٤٥ الفتح: ٨]، أي: على أَمّته بتبليغه إليهم، وعلى الأمم بأن أنبياءهم بلغتهم (المشهود:) المنظور إليه من جميع الرسل، (المحمود) الذي يحمد (بالمحامد التي يلهمها) بالبناء للفاعل في ذلك اليوم، ولم يلهمها قبل (للحامد) الذي هو النبيّ معَّ (المحمود) أي: اللَّه سبحانه وتعالى، فاعل يلهمها (و) بوأه ومنحه (المنزلة:) المرتبة (العلية،) كقيامه عن يمين العرش، وفي نسخ ذو المنزلة (والدرجة السنية) واحدة الدرجات وهي الوسيلة، التي هي أعلى درجة في الجنَّة؛ (في حظائر القدس الأقدسية:) الجنة (والمشاهد الأنفسية،) ولما ذكر أن المصطفى وصل إلى أعلى مراتب الكمال في الدارين، وكمال غيره، إنما بهدايته والاقتباس من نور شريعته، ناسب أن يعظمه ويدعو له، أداء لبعض حقه وتوسّلاً إلى اللَّه تعالى في قبول حمده وإتمام قصده. فقال: (واصل اللَّه عليه فضائل الصلوات؛) قال السهيلي: أصل الصلاة انحناء وانعطاف من الصلوين وهما عرقان في الظهر، ثم قالوا: صلّى عليه، أي: انحنى له رحمة له، ثم سموا الرحمة حنوًّا وصلاة إذا أرادوا المبالغة فيها، فقوله عَّلِ أرقّ وأبلغ من رحمة في الحنوّ والعطف، فالصلاة أصلها من المحسوسات، ثم عبّر بها عن هذا المعنى للمبالغة، ومنه قيل: صلّيت على الميّت، أي: دعوت له دعاء من يحنو عليه ويعطف. ولهذا لا تكون الصلاة بمعنى الدعاء على الإطلاق، انتهى. والصلاة من اللَّه رحمة، ومن العبد دعاء، ومن الملائكة استغفار. كما جاء عن الحبر ترجمان القرءان واعتراضه بقوله: ﴿أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة﴾ [البقرة: ١٥٧]، ردّ بأنه أخصّ من مطلق الرحمة، وعطف العام على الخاص مفيد، وخصّ المعصوم بلفظها تعظیمًا له وتمییزًا. ٢٦ شرح مقدمة المواهب وشرائف التسليم، ونوامي البركات، وعلى آله الأطهار، وأصحابه الأبرار، صلاة وسلاما لا ينقطع عنهما أمد الأمد، ولا يحصيهما العدد أبد الأبد. وَبَعْد: (وشرائف التسليم:) مصدر، وجمع بين الصلاة والسلام للآية. ولما رواه أحمد والحاكم وصححه عن عبد الرحمن بن عوف، قال: خرج عَّ فاتبعته حتى دخل نخلاً، فسجد فأطال السجود، حتى خفت أو خشيت أن يكون اللَّه قد توفّاه، قال: فجئت أنظر، فرفع رأسه، فقال: (ما لك يا عبد الرحمن)؟ قال: فذكرت ذلك له، فقال: ((إن جبريل قال لي: ألا أبشرك أن اللَّه تعالى قال: من صلّى عليك صلّيت عليه، ومن سلّم عليك سلّمت عليه))، والأحاديث في هذا الباب كثيرة جدًا. (ونوامي البركات:) زوائد: والإضافة بيانية، فالبركة الزيادة (وعلى آله الأطهار:) أصل معناه الأتباع، ولم يضف في الأكثر المطرد إلاَّ إلى العقلاء الأشراف، وزيد قيد الذكور والكل أغلبي؛ لقولهم: آل اللَّه وآل البيت، قال: وانصر على آل الصليــب وعابديه اليوم آلك وفي أنهم بنو هاشم، أو والمطلب أو عترته وأهل بيته، أو بنو غالب أو أتقياء أمّته، واختير في مقام الدعاء، وأيّد بأنه إذا أطلق في التعاريف، شمل الصحب والتابعين لهم بإحسان أقوال: ويجوز إضافته إلى الضمير على الأصح؛ وإن زعم المبرد أنه من لحن العامة، (وأصحابه:) جمع قلة لصاحب وإن كانوا ألوفًا؛ لأن جمع القلّة والكثرة إنما يعتبران في نكران الجموع، أما في المعارف فلا فرق بينهما. (الأبرار) روى البخاري في الأدب المفرد والطبراني في الكبير عن ابن عمر رفعه: ((إنما سمّاهم اللَّه تعالى الأبرار، لأنهم برّوا الآباء والأمهات والأبناء))، كما أن لوالديك عليك حقًّا كذلك لولدك، (صلاة وسلامًا) اسمان مصدران منصوبان على المفعولية المطلقة، مفيدان لتقوية عاملهما مؤكّدان لمعناه؛ (لا ينقطع عنهما أمد الأمد) أي: زمانه، والأمد الغاية، (ولا يحصيهما:) يطيقهما (العدد) لكثرتهما (أبد الأبد) أي: آخر الدهر؛ كما في الصحاح. قال الراغب: والأمد والأبد متقاربان، لكن الأبد عبارة عن مدّة الزمان التي لا حدّ لها ولا تتقيّد ولا يقال أبد كذا. والأمد لها حدّ مجهول إذا أطلق وقد ينحصر فيقال: أمد كذا، كما يقال زمن كذا، والفرق بين الزمان والأمد: أن الأمد يقال باعتبار الغاية، والزمن عام في المبدأ والغاية؛ ولذا قيل: المدى والأمد متقاربان. (وبعد:) ظرف مبنيّ على الضم كغيره من الظروف المقطوعة عن الإضافة، وأجاز هشام فتحه من غير تنوين، وقال ابن النحاس: إنه غير معروف. وروي عن سيبويه رفعها ونصبها ظرف ٢٧ شرح مقدمة المواهب فهذه لطيفة من لطائف نفحات العواطف الرحمانية، ومنحة من منح مواهب العطايا الربانية، تنبىء عن نبذة من كمال شرف نبينا محمد - عليه أفضل الصلوات وأنمى التسليم وأسنى الصلات زمان كثيرًا كجاء زيد بعد عمرو، ومكان قليلاً كدار زيد بعد دار عمرو، وهي هنا كما قيل صالحة للزمان باعتبار اللفظ، وللمكان باعتبار الرقم. (فهذه) الفاء على توهم الناظر وجود، أما في الكلام البليغ لأن الشىء إذا كثر الإتيان به ترك وتوهم وجوده؛ كقوله: بدا لي أني لست مدرك ما مضى ولا سابق شيئًا إذا كان جائيا وقد كثر مصاحبة أما لبعد فإذا تركت توهم وجودها، أو على تقديرها في نظم الكلام، والواو عوض عنها أو دون تعويض. أو لإجراء الظرف مجرى الشرط. قيل - وهو الوجه الوجيه - فلا يشكّل بأن الفاء إنما تدخل في جواب الشرط. وذكر الدماميني أن بعد معمول لمحذوف تقديره وأقول بعد هذا الكلام، ومقول القول محذوف، أي: تنبه لكذا، فالفاء سببية، وهي هنا فصيحة والإشارة إلى موجود ذهنًا إن كانت قبل التأليف. هذا، وقد ثبت أنه عَّه، كان يقول أما بعد في خطبه وشبهها، كما روى ذلك أربعون صحابيًّا كما أفاده الرهاوي في أربعينه المتباينة الأسانيد. وما أدرى ما وجه اقتصار كثيرين على الظرف كالمصنف ولا يكفي الإعتذار بأن المدار عليه أو رومًا للاختصار؛ لأن المطلوب اتباع ما جاءت به السنّة، لا سيما والإطناب مطلوب في الخطب، وكون المدار عليه يحتاج لوحي يسفر عنه؛ وفي أن أوّل من نطق بأما بعد، داود؛ وكانت له فصل الخطاب؛ أو كعب أو يعرب أو قس أو سحبان أو يعقوب أو أيّوب أقوال: وفي غرائب لملك للدارقطني أن يعقوب أوّل من قالها. قال الحافظ: فإن ثبت وقلنا أن قحطان من ذرّية إسماعيل فيعقوب أوّل من قالها مطلقًا، وإن قلنا أن قحطان قبل إبراهیم فیعرب أول من قالها، انتهى. (لطيفة:) من اللطافة ضدّ الكثافة، (من لطائف نفحات:) عطايا (العواطف الرحمانية) المنسوبة إلى الرحمن تبارك وتعالى، (ومنحة) عطية (من منح مواهب) من إضافة الأعم إلى الأخص (العطايا) بمعنى الإعطاءات، فكأنه قيل منحة: هي بعض المنح التي هي مواهب حاصلة بإعطاء اللَّه (الربانية) المنسوبة إلى الربّ المربّي لعباده بنعَم لا تحصى، (تنبّىء): نخبر (عن نبذة) بضم النون وقد تفتح، يقال: ذهب ماله وبقي منه نبذة، أي قليل، لأن القليل ينبذ، أي: يطرح ولا يبالى به لقلته، أي: عن خواص قليلة (من كمال شرف نبيّنا محمّد عليه أفضل الصلوات وأمى التسليم وأسنى:) أرفع (الصلات) بكسر الصاد، جمع صلة بمعنى الإحسان من ٢٨ شرح مقدمة المواهب وسبق نبوته في الأزمان الأزلية، وثبوت رسالته في الغايات الأحدية، والتبشير بأحمديته في الأزمان الخالية، والتذكير بمحمديته في الأمم الماضية، وإشراق بوارق لوامع أنوار آيات ولادته التى سار ضوء فجرها . وصل، والهاء عوض من الواو المحذوفة، كما في النهاية. وهذه النبذة وإن كانت قليلة في نفسها، لكنها محيطة في نوعها فريدة في فنها جامعة في شأنها. (و) تنبىء عن (سبق نبوّته في الأزمان الأزلية:) القديمة وآدم بين الروح والجسد (وثبوت رسالته في الغايات الأحدية) المنسوبة للأحد، قال الكاشي في لطائفه: الغايات يعني بها ما يتم به ظهور الكمال المختص بكل شىء بالنسبة إلى ما كان له من ذلك الكمال في حضرة العلم الأزلي، كما هو الحال من كون الغاية من السرير الجلوس عليه، والقلم الكتابة به. قال: وهكذا لكل موجود إنسانًا أو غيره غايات، انتهى. (والتبشير بأحمديّته) أي: صفاته المحمودة، ومنها أن اسمه أحمد (في الأزمان الخالية،) وقد روى أبو نعيم والطبراني أن في التوراة عبدي أحمد المختارٍ. وفي التنزيل عن عيسى ومبشرًا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد. (والتذكير بمحمديّته في الأمم الماضية) المتبادر بأن اسمه محمد عليه السلام. (و) تنبىء عن (إشراق بوارق:) جمع بارق، قال المجد: سحاب ذو برق، (لوامع أنوار آيات ولادته:) من نار ينور إذا نفر ومنه نوار للظبية، وبه سميت المرأة فوضع له لانتشاره أو لإزالة الظلام كأنه ينفر منه، ويطلق على اللَّه والمصطفى والقرءان (التي سار ضوء فجرها) قيل: الضوء أبلغ من النور؛ لقوله تعالى: ﴿هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورًا﴾ [يونس: ٥]، وعليه الزمخشري إذ قال: الإضاءة فرط الإنارة، وردّ بأن ابن السكيت سوّى بينهما، وأجيب بأن كلامه بحسب أصل الوضع، وما ذكر بحسب الاستعمال، كما في الأساس. والتحقيق ما في الكشف: أن الضوء فرع النور وهو الشعاع المنتشر، ولذا أطلق النور على الذوات دون الضوء، وفي الروض الأنف في قول ورقة: ويظهر في البلاد ضياء نور يقيم به البرية أن يموجا ما يوضح الفرق بينهما، وأن الضياء الشعاع المنتشر عن النور، فالنور أصله ومنه مبدؤه وعنه يصدّر، قال تعالى: ﴿فلما أضاءت ما حوله ذهب اللَّه بنورهم﴾ [البقرة: ١٧]، ﴿جعل الشمس ضياء﴾ لأن القمر لا ينتشر عنه ما ينتشر عنها، لا سيما في طرفي الشهر. ولذ سمّى اللّه القمر نورًا دون ضياء فعلم أن بينهما فرقًا لغة واستعمالاً، وأصل الفجر الشّق الواسع. قال الراغب: ومنه قیل للصبح فجر لكونه فاجر الليل. ٢٩ شرح مقدمة المواهب في سائر بريته، ودار بدر فخرها في أقطار ملته، وعواطف لطائف رضاعه وحضانته، وينابيع أسرار سر مسراه وبعثته وهجرته، وعوارف معارف عبوديته الساري عرف شذاها فى آفاق قلوب أهل ولايته، ونفائس أنفاس أحواله الزكية، ودقائق حقائق سيرته العلية، إلى حين نقلته لروضة قدسه الأحدية، وتشريفه بشرائف الآيات، وتكريمه بكرائم المعجزات، وترفيعه في آي التنزيل برفعة ذكره، وعلو خطره، وتعظيم محاسن (في سائر بريّته:) خليقته من برأ النسمة فيجوز همزه وتخفيفه وهو أفصح وأكثر، وهو يدلّ على أنه غير معتلّ من البري بمعنى التراب، كما ذهب إليه بعض اللغويين. (ودار بدر:) اسم القمر ليلة الرابع عشر لمبادرته بالطلوع غروب الشمس، أو لتمام عدده من البدرة، كما مرّ. (فخرها) بفاء وخاء معجمة، مصدر كالفخار، أي: المباهاة. (في أقطار) نواحي (ملّه) قال الراغب: هي اسم لما شرّعه اللَّه تعالى لعباده على لسان أنبيائه، ليتوصلوا به إلى جواره، والفرق بينها وبين الدين: أنَّ الملّة لا تضاف إلى الذي تستند إليه، ولا تكاد توجد مضافة إلى اللَّه ولا إلى آحاد الأمة ولا تستعمل إلاّ في جملة الشرائع دون آحادها. كذا قال، (و)تنبىء عن (عواطف لطائف رضاعه وحضانته) بفتح الحاء وكسرها؛ كما في المصباح، (وينابيع) عيون (أسرار سرّ مسراه وبعثته وهجرته) من مكة إلى طيبة، (وعوارف معارف عبوديّته الساري عرف) أي: ريح (شذاها) جمع شذاة، وهو في الأصل كسر العود بكسر ففتح، أي: العود الذي يتبخّر به وهو مكسر لكونه أقوى في الرائحة، ويطلق على الرائحة نفسها. والمراد هنا المعنى الأول لئلا يتّحد المضاف والمضاف إليه. (في آفاق) نواحي (قلوب أهل ولايته) الموالين له باتّباع أوامره واجتناب نواهيه واقتباس هداه. (و) تنبىء عن (نفائس) جمع نفيس، أي: جلائل (أنفاس أحواله الزكية) التي لا يدانيه فيها مخلوق (ودقائق:) جمع دقيقة من الدقّة خلاف الغلظة أو صغر الجرم (حقائق سيرته العلميّة) هي هيئة السير جمعها سير، ثم خصّت بحاله في غزواته ونحوها (إلى حين نقلته لروضة قدسه) الجنّة (الأحدية) المنسوبة للأحد سبحانه، لابتداعه لها وجعلها مختصة بالموحدين محرمة على غیرهم. (و) تنبىء عن (تشريفه بشرائف الآيات:) العلامات الدالّة على نبوّته عَّه، (و) عن (تكريمه بكرائم المعجزات) الأمور المعجزة للبشر الخارقة للعادة (وترفيعه في آي التنزيل) بمدّ الهمزة وتخفيف الياء، جمع آية أو اسم جنس جمعي لها (برفعة ذكره وعلوّ خطره،) بفتح الخاء المعجمة وفتح الطاء المهملة: قدره ومنزلته، (وتعظيم) توقير وتكريم (محاسن:) جمع حسن على ٣٠ شرح مقدمة المواهب شمائله وخلائقه، وتخصيصه بعموم رسالته، ووجوب محبته واتباع طريقته وسيادته الجامعة لجوامع السؤدد في مشهد مشاهد المرسلين، وتفضيله بالشفاعة العظمى، العامة لعموم الأولين والآخرين، إلى غير ذلك من عجائب آياته ومنحه، وغرائب أعلام نبوته وحججه. أوردتها حججًا قاهرة على الملحدين، وذكرى نافعة للموحدين، خلاف القياس، أو جمع مفرد مقدر لم يسمع كمحسن بزنة مقعد أو لا واحد له، وهي الأمر الحسن مطلقًا، أو الحسن الخفي، (شمائله:) جمع شمال بالكسر، أي: أخلاقه وصفاته المحمودة (وخلائقه:) جمع خلق؛ كقول حسان: إن الخلائق فاعلم شرّها البدع ولم يذكره صاحب القاموس في جموع خليقة. (وتخصيصه بعموم رسالته) مع الجواب عن نوح وآدم عليهما السلام، (و) تنبّىء عن (وجوب محبته و) وجوب (اتباع طريقته) في غير ما اختصّ به (و) تنبىء عن (سيادته الجامعة لجوامع السؤدد) بالضم أنواع السيادة (في مشهد مشاهد المرسلين) في الدنيا كاقتدائهم به ليلة الإسراء، والأخرى فآدم فمن سواه تحت لوائه، (وتفضيله بالشفاعة العظمى) في فصل القضاء بين الخلق (العامة لعموم الأولين والآخرين) التي يتنصّل منها رؤساء الأنبياء، حتى يقوم لها (إلى غير ذلك من عجائب آياته) جمع آية، وهي العلامة، (ومنحه) بكسر ففتح جمع، أي: عطاياه، (وغرائب أعلام:) جمع علم بفتحتين، العلامة المنصوبة في الطريقة ليعرف بها، ولذا سميت نصبًا، ويكون بمعنى الجبل أيضًا لأنه يهتدى به؛ كما قالت الخنساء: وإن صخرًا لتأتم الهداة به كأنه علم في رأسه نار وفي قولها: صخر، وهو اسم أخيها لطيفة اتفاقية لمناسبة الجبل. (نبوّته) عرّفها إمام الحرمين بأنها صفة كلامية، هي قول اللَّه تعالى: هو رسولي وتصديقه بالأمر الخارق، ولا تكون عن قوّة في النفس كما قاله الحكماء، ولا عن رياضة يحصل بها الصفاء فيحصل التجلّي في النفس، كما قاله بعض الصوفية، ولا عن قربان الهياكل السبعة كما زعمه المنجمون، ولا هي بالإرث، كما قال بعض أهل البيت وأتباعهم، ولا هي علم الإنسان بربّه لأنه عام، ولا علم النبيّ بکونه نبيًّا لتأخره بالذات، انتهى. (وحججه:) براهينه (أوردتها حججًا قاهرة) صفة لحجج، أي: مانعة لهم من المعارضة، (على الملحدين) متعلّق بحجج فلا حاجة لدعوى التضمين في قاهرة (وذكرى نافعة) أي: أسبابًا مذكرة (للموحدين،) خصّهم بالذكر لأنهم المنتفعون بها كما في قوله: ﴿وذكّر فإن الذکری ٣١ شرح مقدمة المواهب وتنبيهًا لعزائم المهتدين، ولم أكن - والله - أهلاً لذلك، ولم أر نفسي فيما هنالك، لصعوبة هذا المسلك، ومشقة السير في طريق لم يكن لمثلي يُسلك، وإنما هو نكتة سر قراءتي كتاب ((الشفا)) بحضرة التخصيص والاصطفا، تنفع المؤمنين﴾ [الذاريات: ٥٥]، (وتنبيهًا:) إيقاظًا (لعزائم:) جمع عزيمة وعزمة اجتهاد (المهتدین:) جمع مهتدي. (ولم أكن واللَّه أهلاً) أي: مستحقًّا، (لذلك))) التأليف من قولهم هو أهل للإكرام، أي: مستحقّ له (ولم أرَ نفسي فيما هنالك لصعوبة:) مصدر صعب، (هذا المسلك ومشقة السير في طريق) يذكر في لغة نجد وبه جاء القرءان في قوله تعالى: ﴿فاضرب لهم طريقًا في البحر ببسًا﴾ [طه: ٧٧]، ويؤنّث في لغة الحجاز، (لم يكن لمثلي يسلك؛) يقال سلكه وأسكله، قال: وهم سلكوك في أمر عصيب وهذا من تواضع المصنف، وإلا فهو من العلماء العاملين أصحاب التصانيف المفيدة والباع العالي واليد المديدة، إلّ أنَّ عادتهم جرت بمثل هذا في التأليف خصوصاً في باب السنّة، (وإنما هو نكتة) كنقطة جمعها نكت، كنقط، ويجمع أيضًا على نكات كبقعة وبقاع، وعليه اقتصر القاموس. وسمع أيضًا نكات بالضم، وهي في الأصل فعلة من النكت وهو النبش الخفيف في التراب بعود ونحوه، وتفعل إذا فكر في أمر خفي فنقلت للمعنى الدقيق النادر والكلام القليل الحسن لتأثيره في النفس أو احتياجه لفكر وتأمّل، (سرّ) أي: خالص، (قراءتي كتاب الشفا) بتعريف حقوق المصطفى للإمام الشهير الجهبذ العلامة الفقيه المفسّر الحافظ البليغ الأديب: عياض بن موسى بن عياض اليحصبي السبتي المالكي، وشهرته تغني عن ترجمته رحمه اللَّه. وكتابه هذا ذكر ابن المقري اليمني في ديوانه أنه شوهد بركته حتى لا يقع ضرر لمكان هو فيه، ولا تغرق سفينة كان فيها، وإذا قرأه مريض شفي. وقال غيره: أنه جرب قراءته لشفاء الأمراض، وفكّ عقد الشدائد، وفيه أمان من الغرق والحرق والطاعون ببركة المصطفى، وإذا صحّ الاعتقاد حصل المراد (بحضرة) ذي (التخصيص) قال الراغب: هو تفرد بعض الشىء بما لا تشاركه فيه الجملة. (والاصطفاء) عَّ افتعال من الصفوة بالفتح والكسر، وهي: الاختيار. قال في النهاية: حضرة الرجل قربه، وتكون بمعنى المجلس والفناء. وفي النسيم استعمله الكتاب في الإنشاء للتعظيم كالمقام العالي وحضرة الخليفة تأدّبًا ٣٢ شرح مقدمة المواهب في مكتب التأديب والتعليم في مشهد مشاهد المؤانسة والتكريم، مستجليًا في مجالي تجليات الأنوار الأحمدية، محاسن صفات خلقته، وعظم أخلاقه الزكية، سائرًا بسر سيرته في منهاج ملته إلى سماء هديه الأسنى، راتعًا في رياض روضة سننه النزهة الحسنى، مستمدًا من فتح الباري، بإضافة ماله لمحله (في مكتب التأديب والتعليم.) قال شيخنا: أي بين روضة النبيّ عَّةٍ ومنبره، وكان المصنف يقرأه للناس هناك (في مشهد مشاهد المؤانسة والتكريم ) ولقد صدق المصنف رحمه اللّه فإنه فى هذا الكتاب اقتبس من أنوار الشفا، وتعلّق بأذياله في غالب التقسيم والأبواب، حتى إنه اقتفى أثره في صدر الخطبة، فقال المنفرد مع ما فيه من النزاع، منشدًا بلسان حال الأتباع: وهل أنا إلا من غزية إن غوت غويت وإن ترشد غزية أرشد (مستجلياً) أي: مستكشفًا، (في مجالي تجليات الأنوار الأحمدية محاسن صفات خلقته وعظم أخلاقه الزكية،) فإنها قاطعة بأنه حائز لجميع صفات الحسن متّصفًا بها على أكمل وجه، يليق به خلقًا وخلقًا وما بعد قوله تعالى: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ [القلم: ٤]، مطلب (سائراً بسرّ سيرته) طريقته وهيئته وحالته (في منهاج مّته،) النهج والمنهج والمنهاج الطريق الواضح، (إلى سماء هديه الأسنى:) الأرفع (راتعًا:) منبسطًا أو لاهيًا أو متّسعًا من الرتعة، قال الهروي: بسكون التاء وفتحها اتّساع في الخصب، وكل مخصب مرتع، يقال: رتعت الإبل وأرتعها صاحبها، وقوله تعالى: نرتع ونلعب، قال أبو عبيد: نلهو، وابن الأنباري: أي هو مخصب لا يعدم ما يريده وغيره نسعى وننبسط، وقيل: نأكل، انتهى ملخّصًا. (في رياض روضة) هو الموضع المعجب بالزهور، وجمعها ما أضيف إليها، وروضات بسكون الواو للتخفيف؛ كما في قوله تعالى: ﴿في روضات الجنات﴾ [الشورى: ٢٢]، وهذيل بفتح الواو على القياس، قيل: سميت بذلك لاستراضة المياه السائلة إليها، أي: لسكونها بها، وفي الغريبين الروضة، أي: في الأصل الموضع الذي يستنقع فيه الماء، ويقال للماء نفسه روضة، قال: وروضة سقيت منها نضرتي أراد ما اجتمع في غدير، انتهى. (سننه،) جمع سنة، وهي الطريقة والسيرة حميدة كانت أو ذميمة، (النزهة) قال الزمخشري: أرض نزهة ذات نزهة، وخرجوا يتنزهون: يطلبون الأماكن النزهة والنزه مثل غرفة وغرف، ذكره في المصباح. (الحسنى،) تأنيث الأحسن، (مستمدًّا من فتح) مصدر فتح، ٣٣ شرح مقدمة المواهب فيض فضله الساري، فمنحني صاحب هذه المنح من مصون حقائقه، وأبرز لي مما أكنَّه من مكنون رقائقه، فانفتحت بالفتح المحمدي عين بصيرة الاستبصار، وتنزه الناظر في رياض ارتياض رقائق الأسرار، فاستجليت من أبكار مخدرات السنة النبوية من كل صورة معناها، واقتبست من تلألؤ مصباح مشكاة المعارف من كل بارقة أضواها، (الباري) أي: من عطاء اللَّه تعالى وفيه تورية بذكر اسم الكتاب الذي هو شرح الحافظ ابن حجر على البخاري، فالأخذ منه من جملة عطاء اللَّه ولا يشكّ من أحاط بهذا الكتاب. وبشرح البخاري للحافظ أن نحو نصف هذا الكتاب منه بعزو ودونه (فيض) مصدر فاض الماء، كثر حتى سال كالوادي. (فضله الساري فمنحني صاحب هذه المنح من مصون)، وزنه مفعول على نقص العين كما في المصباح، أي: محفوظ. (حقائقه:) جمع حقيقة وقد مرّ معناها لغة، وإنها عند أرباب السلوك العلوم المدركة بتصفية الباطن (وأبرز) أظهر ظهورًا تامًّا، وأصله جعله على براز بالفتح، أي: مكان مرتفع، (لي مما أكته) أخفاه (من مكنون رقائقه،) جمع رقيقة، وهي اللطيفة الروحانية، وتطلق على أواسطة اللطيفة الرابطة بين الشيئين، كالمدد الواصل من الحقّ إلى العبد، وتطلق الرقائق على علوم الطريقة والسلوك، وما يلطف به سرّ العبد وتزول كثافة النفس، (فانفتحت بالفتح المحمديّ عين بصيرة الاستبصار،) قال ابن الكمال: البصيرة قوة للقلب المنوّر بنور القدس، ترى حقائق الأشياء وبواطنها بمثابة البصر للعين ترى به صورة الأشياء وظاهرها. وقال الراغب: البصر الجارحة كلمح البصر والقوة التي فيها، ويقال لقوة القلب المدركة بصيرة وبصر، ولا يكاد يقال للجارحة بصيرة، انتهى. (وتنزه الناظر في رياض) أصل التنزّه التباعد عن المياه والأرياف، ومنه فلان يتنزه عن الأقذار، أي: يباعد نفسه عنها، ولذا قال ابن السكيت: قول الناس إذا خرجوا إلى البساتين خرجنا نتنزه غلط. قال ابن قتيبة: وليس بغلط، لأن البساتين في كل بلدة إنما تكون خارج البلد، فإذا أراد أحد أن يأتيها فقد أراد البعد عن المنازل والبيوت، ثم كثر هذا حتى استعملت النزهة في الخضر والجنان، انتهى. (ارتياض رقائق الأسرار:) جمع سرّ وهو الحديث المكتتم في النفس، وكنى به عن النكاح السر من حيث أنه يكتم، واستعير للخالص، فقيل: هو في سر قومه. (فاستجليت من أبكار:) جمع بكر خلاف الثيّب رجلاً كان أو امرأة، كما في المصباح. (مخدرات) مستورات، (السنّة النبويّة من كل صورة) تمثال، (معناها واقتبست) أصبت (من تلألؤ. مصباح) القنديل أو الفتيلة مأخوذة من الصباح أو الصباحة (مشكاة المعارف من كل بارقة أضواها،) أكثرها ضوء والبارقة، لغة كل ما لمع، والسيف للمعانه وفي اصطلاح الصوفية لائحة ٣٤ شرح مقدمة المواهب واستنشقت من كل عبقة صوفية شذاها، واجتنيت من أفنان لطائف تأويل آي الكتاب العزيز من كل ثمرة مشتهاها، ولازلت في جنات لطائف هذه المنح أغدو وأروح، في غبوق وصبوح، حتى انهلت غمائم المعاني على أرباض ترد من جانب القدس وتنطفىء سريعًا، وهو من أوائل الكشف ومبادئه، ذكره في التوقيف. (واستنشقت) شممت (من كل عبقة) أي: نكتة تشبه الطيب (صوفية) كلمة مولدة، كما في المصباح. (شذاها:) رائحتها. وفي المصباح: قالوا ولا يكون العبق إلا الرائحة الطيبة الذكية، انتهى. منسوبة إلى التصوّف، وهو تجريد القلب لله، واحتقار ما عداه بالنسبة لعظمته، وإلا فاحتقار نبيّ كفر، وقيل فيه غير ذلك، مما عبّر فيه كل على مقداره، وقد ألف الأستاذ أبو منصور البغدادي كتابًا في معنى التصوّف والصوفي، جمع فيه من أقوال الطريق زهاء ألف قول، مرتبة على حروف المعجم. (واجتنيت) بمعنى جنيت الثمرة، كما في المصباح، (من أفنان:) أغصان جمع فنن محركة، وجمع الجمع أفانين، كما في القاموس. (لطائف تأويل)، قال ابن الكمال: هو صرف الآية عن معناها الظاهر إلى معنى يحتمله، إذا كان المحتمل الذي يراه موافقًا للكتاب والسنّة؛ كقوله: ﴿يخرج الحيّ من الميّت﴾ [الأنعام: ٩٥ يونس: ٣١ الروم: ١٩]، إن أريد به إخراج الطير من البيضة كان تفسيرًا، أو إخراج المؤمن من الكافر، أو العالم من الجاهل كان تأويلاً، انتهى. (آي الكتاب العزيز) القويّ الغالب على كل كتاب بمعانيه وإعجازه، ونسخه أحكامها، أو العظيم الشريف، أو الذي لا نظير له في الكتب، أو الممتنع من مضاهاته لإعجازه أو التغيير والتحريف لحفظ اللَّه له، (من كل ثمرة) مؤنثة مفردة ثمرات مثل قصبة وقصبات (مشتهاها:) مشتاقها. (ولا زلت) معناه ملازمة الشىء، (في جنات) جمع جنة على لفظها، وتجمع أيضًا على جنان، أي: حدائق. (لطائف هذه المنح) العطايا (أغدو) أذهب وقت الغدوة، وفي الأصل: ما بين صلاة الصبح وطلوع الشمس، ثم كثر حتى استعمل في الذهاب والانطلاق أي وقت كان، ومنه الحديث: ((اغد يا أنيس))، أي: انطلق (وأروح)، قال ابن فارس: الرواح رواح العَشِيِّ وهو من الزوال إلى الليل. (في غبوق) بمعجمة، قال في القاموس: كصبور ما يشرب بالعشي، (وصبوح) بالفتح شرب الغداة (حتى انهّت غمائم) جمع غمامة، أي: سحائب (المعاني على أرباض) جمع ربض بفتحتين، وهو ما حول المدينة. ٣٥ شرح مقدمة المواهب رياض المباني، فأينعت أزهارها، وتكللت بنفائس جواهر العلوم أوراقها، وطابت لمجتني رقائق الحقائق ثمارها، وتدفقت حياض بدائع ألفاظها، بزلال كلماتها، وخطب خطيب قلوب أبناء الهوى، على منبر الغرام الأقدس، يدعو لكمال محاسن الحبيب الأرأس، فترنحت بسلاف راح الارتياح نفائس الأرواح، وتمايلت بمطربات ألحان الحنين إلى جمال المحبوب كرائم الأشباح، وزمزم مزمزم الصفا، بحضرة خلاصة أولي الوفاء منشدًا مرددًا: وفي نسخة: على أرض (رياض المباني) ونسخة أرض أنسب بقوله: (فأينعت) بالألف أكثر استعمالاً من ينعت، أي: أدركت (أزهارها،) جمع زهر، قالوا: ولا يسمى زهرًا حتى يتفتح. وقال ابن قتيبة: حتى يصفرّ. (وتكلّلت بنفائس جواهر) جمع جوهر على زنة فوعل (العلوم أوراقها) جمع ورق بفتحتين (وطابت) لذّة وحلت (لمجتني رقائق الحقائق ثمارها) جمع ثمر بفتحتين مذكر وجمع الجمع أثمار (وتدفّقت) انصبت بشدة (حياض) جمع حوض الماء، ويجمع أيضًا على أحواض، وأصل حياض الواو ولكن قلبت ياء للكسرة قبلها، كما في المصباح. (بدائع ألفاظها بزلال كلماتها) في القاموس ماء زلال كغراب إلى أن قال سريع المرّ في الحلق بارد عذب صاف سهل، (وخطب) بابه قتل وعظ (خطيب) مفرد خطباء (قلوب أبناء الهوى) بالقصر مصدر هويته إذا أحببته وعلقت به (على منبر) بكسر الميم على التشبيه باسم الآلة من النبر، قال ابن فارس: النبر في الكلام الهمز وكل شىء رفع فقد نبر ومنه المنبر لارتفاعه، (الغرام) هو ما يصيب الإنسان من شدّة ومصيبة (الأقدس:) الأطهر (يدعو) ينادي ويطلب الإقبال، (لكمال محاسن الحبيب) في المصباح يستعمل الكمال في الذوات وفي الصفات، يقال: كمل إذا تمت أجزاؤه، وكملت محاسنه، (الأرأس) بالهمز، أي: الشريف القدر (فترنّحت) تمايلت (بسلاف) بالضم بخمر (راح) هو أيضًا الخمر، فالإضافة بيانية (الارتياح) الراحة (نفائس الأرواح) جمع روح يذكر ويؤنث، قاله ابن سيده والجوهري، وقال ابن الأعرابي وابن الأنباري: الروح والنفس واحد، غير أن العرب تذكر الروح وتؤنّث النفس، (وتمايلت بمطربات) من الطرب، وهو الخفّة بشدّة حزن أو سرور، (ألحان) جمع لحن، قال في القاموس: من الأصوات المصوغة الموضوعة، ويجمع أيضًا على لحون، (الحنين) المشتاق، (إلى جمال المحبوب كرائم) جمع كريمة، أي: نفائس، (الأشباح) الأشخاص. (وزمزم) في القاموس الزمزمة، الصوت البعيد له دوي، (مزمزم الصفا) الخلوص من الكدر (بحضرة خلاصة) بالضم (أولي الوفا منشدًا) إنشاد الشعر قراءته، (مردداً: ٣٦ شرح مقدمة المواهب حضر الحبيب وغاب عنه رقيبه حسبي نعيم زال عنه حسيبه طوبى لقلبي والحبيب طبيبه داوى فؤادي الوصل من أدوائه فحباه صدق الحب منه حبيبه صدق المحب حبيبه في حبه لما دعاه إلى الغرام وجيبه لباه لب فؤاده فأجابه ولجامع الأهواء حيعل حبه (حضر الحبيب وغاب عنه رقيبه) هو الحافظ، إما لمراعاة رقبة المحفوظ، وإما لرفعة رقبته وغيبته من أجل المنح ونهاية الصفاء، فإن ملازمته أمر يضني ومرض يفني، مع أنه هو المبتلي؛ لأنه سهر وتعب وضاع زمانه وذاب فؤاده، بلا فائدة والعاشق يجد في الغرام لذّة عليه عائدة، ولذا قال: أحب العذول لترديده حديث الحبيب على مسمعي وأهوى الرقيب لأن الرقيب أراه إذا كان حبي معي (حسبي) كافي (نعيم زال) ذهب (عنه حسيبه) عاده، (داوى فؤادي الوصل) ضدّ الهجر، (من أدوائه) متعلّق بفؤادي جمع داء مثل باب وأبواب (طوبى) فعلى من الطبيب أي فرح وقرّة عين، (لقلبي والحبيب طبيبه) مداويه (صدق المحب حبيبه في حبه) بضمّ الحاء، قال الحرالي هو إحساس بوصلة، لا يدرى كنهها (فحباه) أعطاه، (صدق الحب منه حبيبه) فاعل حبي (لباه لب) خالص (فؤاده) في المصباح لبّ كل شىء خالصه ولبابه مثله، (فأجابه لما دعاه إلى الغرام وجيبه) بالجيم، أي: سببه القوي وهو ميل قلبه ومحبّته، (ولجامع الأهواء) جمع هوى مقصور وجمع الممدود أهوية، وقد تطرّف من قال: جمع الهواء مع الهوى في أضلعي فتكاملت في مهجتي ناران فقصرت بالممدود عن وصل الظبا ومددت بالمقصور في أكفاني (حيعل حبه:) الحاء والعين لا يجتمعان في كلمة واحدة، إلا أن تؤلف من كلمتين كالحيعلة، قاله الدميري. ونقل المازري عن المطرز في كتاب المواقيت وغيره: أن الأفعال التي أخذت من أسمائها سبعة: بسمل إذا قال باسم اللَّه، وسبحل إذا قال سبحان اللَّه، وحوقل إذا قال لا حول ولا قوّة إلاّ بالله، وحيعل إذا قال حيّ على الفلاح، وحمدل إذا قال الحمد لله، وهيلل إذا قال لا إله إلاّ اللّه، وجعفل إذا قال جعلت فداك. زاد الثعلبي طبقل إذا قال أطال اللَّه بقاك، ودمعز إذا قال أدام اللَّه عزّك، انتهى. وفي قصيدة الشاطبي حسبل، وقبله شراحه وظاهرهم أنها مسموعة، وقول المازري حيصل ٣٧ شرح مقدمة المواهب ولحسنه خطب القلوب خطيبه فلما سمعت هذه المواهب آذان قلوب أولي الألباب، تلفتت عيون أعيانهم لتلخيص خلاصة جوهر هذا الخطاب، في سفر يسفر عن وجه المنح النبوية منيع النقاب، إذا قال حيّ على الصلاة قياسًا على حيعل، رده عياض بأن حيل يطلق عليهما معاً لأنها من حي على كذا ولو صح قياسه لقيل في حي على الفلاح الحيفلة، فكيف وهذا باب مسموع لا يقاس علیه، انتهى. (ولحسنه خطب القلوب خطيبه) (فلما سمعت هذه المواهب آذان) جمع أذن بضمتين ويسكن تخفيفًا مؤنّئة، (قلوب) ذكر ابن العماد في كشف الأسرار أن للقلب أذنين يسمع بهما، كما في الرأس أذنان (أولي الألباب:) جمع لبّ، قال الراغب: وهو العقل الخالص من الشوائب سمي به لكونه خالص ما في الإنسان من قواه كاللباب من الشىء، وقيل: هو ما زكا من العقل، فكل لبّ عقل ولا عكس، ولهذا علق اللَّه الأحكام التي لا يدركها إلا العقول الزكيّة بأولي الألباب نحو: ﴿ومن يؤت الحكمة﴾ [البقرة: ٢٦٩]، إلى ﴿وما يذكر إلا أولو الألباب﴾ [البقرة: ٢٦٩ آل عمران: ٧]، وقال الحرّ: إلى اللبّ باطن العقل الذي شأنه أن يلحظ الحقائق من الملحوظات، وقال ابن الكمال: هو العقل المنوّر بنور القدس الصافي عن قشور الأوهام والتخيّلات، واللبّ عند الصوفيّة، قال بعضهم: ما صين من العلوم عن القلوب المعلّقة بالكون، (تلفتت) عطفت وصرفت، قال الزمخشري: لفت رداءه على عنقه عطفه، (عيون أعيانهم:) جمع عين، أي: أعين القلوب، فللقلب عين كما أن للبدن عينًا، قاله الراغب. (لتلخيص:) هو استيفاء المقاصد بكلام وجيز. (خلاصة جوهر هذا الخطاب،) وهو القول الذي يفهم المخاطب بالكسر المخاطب به شيئًا، وما أحسن جعله تلفت العيون بعد السماع، فهو على حدّ قوله: يا قوم أذني لبعض البحي عاشقة والأذن تعشق قبل العين أحيانا قالوا بمن لا ترى تهوى فقلت لهم الأذن كالعين تؤتي القلب ما كانا (في سفر) بالكسر، كتاب كبير جمعه أسفار، وسفر الكتاب كتبه، والسفرة الكتبة، ذكره الزمخشري. وقال الراغب: السفر الكتاب الذي يسفر عن الحقائق، انتهى. (يسفر) من أسفر كشف مطلقًا، وقول القاموس: سفرت المرأة تمثيل لا تقييد، كما في النسيم، أي: يكشف (عن وجه النمنح النبوية) الوجه الذي به المواجهة، ويكون بمعنى الجهة المقصودة، ويستعار لخيار الشىء، وأوّله ورأسه ومفعول يسفر، هو (منيع النقاب)؛ ككتاب جمعه نقب ككتب من إضافة ٣٨ شرح مقدمة المواهب فأطلقت عنان القلم إلى تحصيل مآربهم، وتسطير مطالبهم، جانحًا صوب الصواب، مودعًا ما كان مستودعًا لي في غيابات الغيب في هذا الكتاب، الصفة للموصوف، أي: النقاب المنيع. (فأطلقت) من أطلقت الأسير إذا خلّيت عنه فذهب في سبيله، أي: أرسلت (عنان) ككتاب لجام الدابّة من عن يعن اعترض، ستّي به لأنه يعن، أي: يعترض الفم فلا يدخله إلا بمحاولة الإدخال. ويقال: جاء ثانيًا عنانه، إذا قضى وطره، وهو ذليل العنان منقاد؛ وفلان طويل العنان، إذا لم يرد عما يرومه لشرفه، (القلم) الذي يكتب فعل بمعنى مفعول؛ كحفر ونفض وخبط، ولذا قالوا: لا يسمّى قلمًا إلا بعد البري وقبله قصبة. قال الأزهري: وسمّي السهم قلمًا لأنه يقلم، أي: يبرى، وكل ما قطعت منه شيئًا بعد شىء فقد قلمته، انتهى. وفي كثير النسخ بدل فأطلقت فثنيت، وفي المصباح ثنيته عن مراده إذا صرفته، فالمعنى هنا صرفت عنان القلم عمّا كان مشغولاً به، (إلى تحصيل) قال ابن فارس: أصل التحصيل استخراج الذهب من المعدن، انتهى. وقال أبو البقاء: التحصيل الإدراك من حصلت الشىء أدركته، وقال غيره: هو إخراج اللبّ من القشر ومنه حصل ما في الصدور، أي: أظهر ما فيها. (مآربهم) حاجتهم جمع مأربة بفتح الراء وضمها وهي الأرب بفتحتين، والأرب بالكسر: الحاجة، (وتسطير) كتابة (مطالبهم) جمع مطلب في المصباح، يكون المطلب مصدرًا وموضع الطلب (جانحًا) مائلاً (صوب) هو المطر تسمية بالمصدر، وصابه المطر صوبًا من باب قال، كما في المصباح. وفي غيره: صوب الشىء جهته (الصواب) قال الدماميني: كان المراد به الإستقامة من صاب السهم إذا قصد ولم يحد عن الغرض، والصواب المطر أو نزوله ويمكن أن يرادا هنا على الاستعارة، فأما أن الصواب مشبه بالسحاب فهو استعارة بالكناية وإثبات الصواب له استعارة تخييلية، وأما أنه مشبه بالمطر وأثبت له الصوب المراد به نزول المطر، ووجه التشبيه حصول النفع المبهج للنفوس. وفي صوب الصواب ما يشبه جناس الاشتقاق، انتهى. (مودعًا) بالكسر (ما كان مستودعًا) بالفتح (لي في غيابات) القاموس غيابة: كل شىء ما سترك منه، ومنه غيابات الجبّ، انتهى. أي: في مستورات (الغيب) وهو ما غاب عنك جمعه غيوب وغياب، كما في القاموس. (في هذا الكتاب) الحاضر في الذهن إن كانت الخطبة قبل تأليفه، والكتاب لغة يدور على الضم، والجمع من جميع وجوهه، وسمى الخط كتابة لجمع الحروف وضم بعضها إلى بعض، ويطلق على اسم الفاعل واسم المفعول. قال الأردبيلي: يطلق الكتاب على مطلق الخطّ وعلى الكلام المكتوب تسمية لاسم ٣٩ شرح مقدمة المواهب مستعينًا في ذلك بالقوي الوهاب، حتى أتاح الله لي ذلك، وتمم ما هنالك، فأوضحت ما خفي من الدليل، ومهدت ما توعر من السبيل. وسميته: ((المواهب اللدنية المفعول بالمصدر، وعلى مطلق الكلام اتساعًا، كما في قوله تعالى: ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحقّ﴾ [النساء: ١٠٥]، ثم شاع استعماله في التعارف، فيما جمع فيه الألفاظ الدالّة على نوع من المعنى أو أكثر لما بين المصدر والمكان من التعلّق الخاص، فيقال: أتاني كتاب عن فلان وسيّرت إلى فلان كتابًا ومنه اذهب بكتابي هذا، وأما في عرف المؤلفين فيطلق تارة على مكتوب مشتمل على حكم أمر مستقلّ منفرد عن غيره، وعن آثاره ولواحقه وتوابعه وأسبابه وشروطه، وتارةً على مكتوب مشتمل على مسائل علم أو أكثر، وقد يسمّى ذلك المكتوب باسم خاص وهو المراد هنا، (مستعينًا في ذلك بالقوي) الذي لا يلحقه ضعف في ذاته ولا صفاته ولا أفعاله ولا يمسه نصب ولا لغب ولا يدركه قصور ولا تعب، (الوهّاب) كثير النعم ذي العطايا سبحانه، من الهبة، وهي العطية بلا سبب سابق ولا استحقاق ولا مقابلة ولا جزاء. (حتى أتاح) بفتح الهمزة الفوقية فألف فحاء مهملة، أي: يسر (اللّه لى ذلك وتمم ما هنالك فأوضحت) كشفت وجليت (ما خفي) استتر، (من الدليل) اسم فاعل وهو في الأصل المرشد والمكاشف (ومهّدت) سهلت (ما توعر) صعب (من السبيل) الطريق يذكّر ويؤنّث. (وسمّيته المواهب اللدنية) المنسوبة للدن، أي: المواهب التي هي من اللَّه لا ينسب منها لغيره شىء، لأن ما جرت العادة بحصول مثله من كسب العبد ينسب له، وما كان بالغًا في النفاسة ينسب إلى اللَّه إشارة إلى أنه لا يمكن حصوله من غيره عادة لعزّته، على نحو قول العرب: للَّه درّه. قال تعالى: ﴿وعلّمناه من لدنّا علمًا﴾ [الكهف: ٦٥]، أي: من عندنا، وهذا هو متعلق الصوفية وأهل السلوك في إثبات العلم اللدني نسبة إلى لدن، وهو إلهام المعرفة بالحقائق الغيبية وغيرها، وقال غيره: العلم اللدني يراد به العلم الحاصل بلا كسب ولا عمل للعبد فيه، ستّي لدنيًّا لحصوله من لدن ربّنا لا من كسبنا. وقد صنّف الغزالي كتابًا في بيان هذا وبيّ فيه كيفية حصوله، وأنه لا يمكن أن يحصل بكسب، وذكر فيه قول عليّ: لو طويت لي وسادة لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم، وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم، ولقلت في الباء من بسم اللَّه وقر سبعين جملاً. قال: ومعلوم أن عليًّا- كرّم الله وجهه - إنما أخذه من لدن ربّه لا من تعليم بشر، انتهى. ولا يشكل بقوله عَّله: ((إنما العلم بالتعلّم)، رواه ابن أبي عاصم والطبراني والعسكري وغيرهم، وسنده حسن. كما قال الحافظ وجزم به البخاري تعليقًا لجواز أن المراد علم الأحكام والقرءان والأحاديث النبوية، إذ لا طريق إلى معرفتها إلا بالتعلم، فأل، عهدية ولا شك أن عليًّا ٤٠ محتوى الكتاب/المقصد الاول بالمنح المحمدية)) ورتبته على عشرة مقاصد تسهيلاً للسالك والقاصد: المقصد الأول: في تشريف الله تعالى له عليه الصلاة والسلام بسبق نبوته في سابق أزليته، كان قد تعلّم القرءان والسنّة والأحكام قبل أن يقول ذلك (بالمتح) الكاملة (المحمديّة) فأل، للكمال، فالتعبير بها أولى بالمدح، فلا يرد أنه يوهم استيعابه جميعها هنا، ولا كذلك (ورتبته) أي: الكتاب، أي المقصود منه بالذات فلا ينافي أن الخطبة مقصودة والترتيب لغة جعل كل شىء في مرتبته، وعرفا جعل الأشياء الكثيرة بحيث يطلق عليها اسم الواحد، ويكون لبعض أجزائه نسبة إلى بعضها بالتقدم والتأخّر، والمراد ألفته مرتبًا فأل كونه مشتملاً (على عشرة مقاصد) جمع مقصد بالكسر، المقصود من مكان أو غيره، وبما ذكر لا يرد أن ترتيبه عليها يفيد أنه غيرها ضرورة أن المرتب على شىء يغاير ما رتّب عليه، (تسهيلاً) تليينًا (للسالك والقاصد) اسم فاعل، أي: الآتي، أي: الشارع في قراءة [هذا] الكتاب والطالب للوقوف عليه. (المقصد الأول في) بيان (تشريف اللَّه تعالى،) حال لازمة، أي: متعاليًا عمّا لا يليق بعلى جناب قدسه، قال العكبري: وهو تفاعل من علوّ القدر والمنزلة هنا، وأصل تفاعل لتعاطي الفعل كتخاشع، وكذا تفعل كتكبّر وهما في حقه تعالى بمعنى التفرّد لا بمعنى التعالي، انتهى. (له عليه الصلاة والسلام) أي: فيما يدلّ على شرفه من الأحاديث وغيرها، (بسبق نبوّته) أي: تقدّمها ولم يشتغل الأكثر بتعريف النبوّة والرسالة، بل بالنبيّ والرسول وقد عرّفها إمام الحرمين بأنها صفة كلاميّة هي قول اللَّه تعالى: هو رسولي، وتصديقه بالأمر الخارق، كما مر. وقال الغزالي: النبوة عبارة عما يختصّ به النبيّ ويفارق به غيره، وهو يختص بأنواع من الخواص، أحدها: أنه يعرف حقائق الأمور المتعلقة باللّه وصفاته وملائكته والدار الآخرة، علمًا مخالفًا لعلم غيره، بكثرة المعلومات وزيادة الكشف والتحقيق، ثانيها: أن له في نفسه صفة، بها تتم الأفعال الخارقة للعادة، كما أن لنا صفة تتمّ بها الحركات المقرونة بإرادتنا وهي القدرة، ثالثها: أن له صفة بها يبصر الملائكة ويشاهدهم، كما أن للبصير صفة بها يفارق الأعمى، رابعها: أن له صفة بها يدرك ما سيكون في الغيب، فهذه كمالات وصفات ينقسم كل منها إلى أقسام، انتھی. (في سابق أزليته:) قال في التوقيف الأزل: القدم، ليس له ابتداء ويطلق مجازًا على ما . إلى عمره، والأزل: استمرار الوجود في أزمنة مقدرة غير متناهية في جانب الماضي، كما إن ◌ُد استمراره كذلك في المآل، والأزلي ما ليس مسبوقًا بالقدم وللوجود ثلاثة لا رابع لها، أزلي