Indexed OCR Text
Pages 621-640
٦٢١ أَبِ الهَيْثَمِ ابنِ التَّيِّهانِ الأنصاريِّ، وكَانَ رَجلاً كَثير النَخْلِ والشَّاءِ، ولَم يَكنْ لَه خَدِمٌ، فَلَمْ يَجدوهُ، فَقالوا لامرَأَتِهِ: أَيْنَ صَاحبُكِ؟ قوله: (فانطلقوا إلى منزل أبي الهيثم) بمثلَّثة، واسمه مالك، وقيل: أبو أيوب، ولا مانع من كون الثاني كنيته، والأول اسمه. وقوله: (ابن التَّيِّهان) بفتح التاء وتشديد الياء مكسورة. وقوله: (الأنصاري) أي: المنسوب للأنصار لأنه حليفهم وإلا فهو قضاعي، ترهَّب قبل الهجرة، وأسلم وحسن إسلامه. وانطلاقهم إلى منزله لا ينافي شرفَهم، بل فيه تشريف له، وجَبرٌ له، ففعلوا ذلك لتقتدي الخلائقُ بهم في دخول منزل غيرهم مع علم رضاه. وظاهر ذلك أنهم خرجوا قاصدين إلى منزل بعينه، والصحيح كما في المطامح: أن أول خروجهم لم يكن إلى منزل معيَّن، وإنما جاء التعيين بالعَرَض، لأن الكُمَّل إنما يعتمدون على الله تعالى. قوله: (وكان رجلاً كثير النخل) وفي نسخة: ((كثير النخل والشجر» وهو من عطف العام على الخاص. وقوله: (والشاء) جمع شاة وتجمع أيضاً على شِياه. وقوله: (ولم يكن له خَدَم) جمع خادم، وهو يطلق على الذكر والأنثى، وليس المراد نفي الجمع، بل نفي جميع الأفراد، والمقصود من ذكر ذلك بيان سبب خروجه بنفسه لحاجته، فهو توطئة لما بعده. وقوله: (فلم يجدوه) أي: في البيت. قوله: (فقالوا لامرأته) الخ يؤخذ منه: حلُّ تكليم الأجنبية، وسماع كلامها مع أمن الفتنة، وإن وقعت فيه مراجعة، ثم إن هذه المرأة تلقَّتهم أحسن التلقي، وأنزلتهم أكرم الإنزال، وفعلت ما يليق بذلك الجناب الأفخم والملاذ الأعظم ◌َلڑ . ٦٢٢ فقالت: انطلقَ يَستَعَذِبُ لَنَا المَاءَ، فَلَمْ يَلبِثُوا أَنْ جَاء أَبو الهَيْثَم بِقِرْبةٍ يَزْعَبُها، فَوَضعهَا، ثُم جَاءَ يَلْتَزِمُ النَّبِيَّ وَّهِ، ويُفَدِّيهِ بأبيهِ وأُمِّهِ، ويؤخذ منه جواز إذن المرأة في دخول منزل زوجها إذا علمت رضاه، = وجواز دخول الضيف منزل الشخص في غيبته بإذن زوجته مع علم رضاه حيث لا خلوة محرمة. وقوله: (يَستعذِب لنا الماء) أي: يأتي لنا بماء عذب من بئر. وكان أكثر مياه المدينة مالحة. ويؤخذ منه حل استعذاب الماء، وجواز الميل إلى المستطاب طبعاً من ماء وغيره، وأن ذلك لا ينافي الزهد. قوله: (فلم يلبثوا أن جاء أبو الهيثم) أي: فلم يمكثوا زمناً طويلاً إلى أن جاء أبو الهيثم، بل مكثوا يسيراً، لقرب مجيئه إليهم. والمعنى: أنه لم یکن لھم انتظار کثیر إلی مجيئه. وقوله: (بقربة) أي: متلبساً بقربة وحاملاً لها، وجعل الشارح الباء للتعدية . وقوله: (يَزْعَبها) بفتح الياء والعين، مِن زَعَبَ القربةَ كنَفعَ إذا ملأها، وقيل: حملها ممتلئة، وفي نسخة بضم الياء وكسر العين، من أزعب القربة، أي: يتدافعها ويحتملها لثقلها كما في ((النهاية)). ويؤخذ منه: أن خدمة الإنسان بنفسه لأهله لا تنافي المروءة، بل هي من التواضع، وكمال الخُلقِ. وقوله: (فوضعها) أي: القربة. قوله: (ثم جاء يلتزم النبي ◌َّ) أي: يلصق صدره به ويعانقه تبركاً به وقوله: (ويفدِّيه بأبيه وأمه) أي: يقول فداك أبي وأمي. وهو بضم الياء = ٦٢٣ ثم انطلَقَ بِهِم إِلَى حَديقَتِهِ، فَبسطَ لَهِمْ بِساطاً، ثُم انطلَقَ إلى نخلةٍ، فَجَاء بِقِنْوٍ، فَوَضعهُ، فَقالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((أَفَلا تَنَقَّيْتَ لَنَا مِن رُطَبِهِ)»؟ = وفتح الفاء وتشديد الدال. وفي نسخة: ((يَقديه)) كيرميه، وفي أخرى: (يُقديه)) كيعطيه وهما بعيدان، لأن الفداء إنقاذ الأسير بإعطاء شيء لصاحبه، والإفداء قبول فدائه. قوله: (ثم انطلق بهم إلى حديقته) أي: ثم انطلق مصاحباً لهم إلى بستانه فالباء للمصاحبة، والحديقةُ: البستان، سمي بذلك لأنهم في الغالب يجعلون عليه حائطاً يُحدق به، أي: يحيط به. يقال: أحدق القوم بالبلد إذا أحاطوا به. وقوله: (فبسط لهم بساطاً) أي: مد لهم فراشاً. والبساط فِعال بمعنى مفعول، کفِراش بمعنی مفروش. قوله: (ثم انطلق إلى نخلة فجاء بقِنْو) بكسر القاف وسكون النون بوزن حِمْل، أي: عِذق كما في ((مسلم)) وهو الغصن من النخلة المسمى بالعُرجون. وقوله: (فوضعه) أي: بين أيديهم ليتفكهوا منه قبل الطعام، لأن الابتداء بما يتفكه به من الحلاوة أولى فإنه مُقَوّ للمعدة، لأنه أسرع هضماً. وقال القرطبي: إنما قدم لهم هذا العرجون: لأنه الذي تيسر فوراً من غير كلفة، ولأن فيه أنواعاً من التمر والبسر والرطب. وقوله: (فقال النبي ◌ََّ: أفلا تنقَّيت لنا من رُطبه) أي: أفلا تخيرت لنا من رطبه، وتركتَ باقيه يترطب، فتنتفعون به. فالتنقي: التخير، والتنقيةُ: التنظيفُ، والرُّطب: بضم الراء وفتح الطاء ثمر النخل إذا أدرك ونَضِج، الواحدة رطبة. وهو نوعان: نوع لا يتتمَّر، بل إذا تأخر أكله أسرع إليه الفساد، ونوع يتتمر أي: يصير تمراً. ويؤخذ من الحديث أنه ينبغي للمُضيف أن يقدم إلى الضيف أحسن ما عنده. ٦٢٤ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله إنِّي أَردتُ أَن تَختَاروا - أَو تَخِيَّروا - مِن رُطَبِهِ وبُسْرِهِ، فَأَكلوا وشَربوا مِن ذَلِكَ المَاءِ، فَقَال ◌َلِ: ((هذَا والَّذي نَفْسِي بِيَدِهِ منَ النَّعِيمِ الَّذِي تُسألونَ عَنْهُ يَومَ القِيامَةِ، ظِلُّ بارِدٌ، ورُطَبُ طَيبٌ، وقوله: (فقال: يا رسول الله إني أردت أن تختاروا) أي: أنتم بأنفسكم. وقوله: (أو تَخيروا) بحذف إحدى التاءين، والأصل: تتخيروا، و((أو)) للشك من الراوي، وفي نسخة ((أو أن تخيروا)) بإعادة أن. وقوله: (مِن رُطبه وبُسره) أي: تارة من رُطبه، وأخرى من بسره، بحسب اشتهاء الطبع، أو بحسب اختلاف الأمزجة في الميل إلى أحدهما أو إليهما جميعاً. قوله: (فأكلوا) أي: من ذلك القِنو. وقوله: (وشربوا من ذلك الماء) زاد في رواية مسلم: ((حتى شبعوا)) وهو دليل على جواز الشبع. ومحل كراهته في الشبع المثقِل للمعدة المبطىء بصاحبه عن العبادة. قوله: (فقال ◌َله: هذا والذي نفسي بيده من النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة) أي: هذا الذي نحن فيه وَحَقِّ الذي نفسي بقدرته، يتصرف فيها كيف يشاء. ووسَّط القسمَ بين المبتدأ والخبر: لتأكيد الحكم، من النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة سؤال امتنان، وتعدادٍ للنعم لإظهار الكرامة بإسباغها عليكم، لا سؤال تقريع وتوبيخ، قال تعالى: ﴿لتُسألنَّ يومئذ عن النعيم﴾ وقال ◌َله: ((حلالَها حساب، وحرامها عقاب)). والمراد أن كل أحد يسأل عن نعيمه هل ناله مِن حِلٍ أو لا، وهل قام بشكره أو لا، والنعيم: كل ما يُتنعم به، ثم عدد وَلّر أوجه النعيم الذي هم فيه بقوله: (ظل بارد، ورطب طيب، وماء بارد) وهو خبر لمبتدأ محذوف، والجملة بيان لكون = ٦٢٥ ومَاءٌ بَارِدٌ)) فانطَلقَ أَبو الهَيْثَم ليَصنَع لهمْ طَعاماً، فَقالَ النَّبيُّ ◌َله : ((لا تَذْبَحِنَّ لنَا ذَاتَ دَرِّ)) فذَبِحَ لهُم عَناقاً أَوْ جَدْياً، فَأَتَاهِمْ بِها، فَأَكلوا، فَقالَ وَِّ: ((هَلْ لَكَ = ذلك من النعيم. قوله: (فانطلق أبو الهيثم ليصنع لهم طعاماً) أي: مطبوخاً على ما هو معروف في العرف العام، وإن كان قد يطلق الطعام على الفاكهة لغة. وبهذا الحديث استدل الشافعي على أن نحو الرُّطب فاكهةٌ لا طعامٌ، وقال أبو حنيفة: إن الرُّطبَ والرمان ليسا بفاكهة، بل الرطب غذاء، والرمان دواء، وأما الفاكهة: فهي ما يُتفكه به تلذذاً. قوله: (فقال النبي ◌ٍَّ: لا تذبَحنَّ لنا ذاتَ دَرٍّ) أي: شاة ذات دَرٍّ أي: لبن، وفي رواية مسلم: ((إياك والحَلوب)) أي: ولو في المستقبل، فيشمل الحامل، ولعله بَّ فَهِم من قرائن الأحوال أنه أراد أن يذبح لهم شاة، فقال له ذلك، وفي رواية مسلم: أنه أخذ المُدية فقال ◌َّ له ذلك. وهذا نهي إرشاد وملاطفة ، فلا كراهة في مخالفته. فالمقصود الشفقة عليه، وعلى أهله، لأنهم ينتفعون باللبن مع حصول المقصود بغيرها. وقوله: (فذبح لهم عَناقاً أو جَدياً) شك من الراوي. والعَناق بفتح العين: أنثى المعز لها أربعة أشهر، والجَدي بفتح الجيم وسكون الدال: ذَكر المعز ما لم يبلغ سَنَةً، وهذا ليس من التكلفِ للضيف، المكروهِ عند السلف، لأن محل الكراهة إذا شق ذلك على المُضيف، وأما إذا لم يشق عليه: فهو مطلوب، لقوله ويسير: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه)) لا سيما هؤلاء الأضياف، الذين فيهم سيد ولد عبد مناف وَله . قوله: (فأتاهم بها) أي: بالعناق، وهذا ظاهر على الشق الأول من الشك. وقوله: (فأكلوا) أي: منها. ٦٢٦ خَادٌ؟)) قَالَ: لا، قَالَ: ((فَإِذَا أَتَّانا سَبْيٌ فَأْتِنَا))، فأُتِيَ نَّهِ برأسَينِ لَيْسَ مَعهُما ثَالثٌ، فَأَتَاهُ أَبو الهَيْثَمِ، فَقالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ((اخْترْ مِنهمَا)) قَالَ: يا رَسولَ اللهِ اختَرْ لِي، فَقالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ((إنَّ المُستَشارَ مُؤْتَمَنٌ، قوله: (فقال وَّ: هل لك خادم؟) أي: غائب، وإلا فقد رآه يتعاطى خدمة بيته بنفسه. وقوله: (قال: لا) أي: ليس لي خادم. وقوله: (قال: فإذا أتانا سَبْي فأتِنا) أي: لنعطيك خادماً مكافأة على إحسانك إلينا. وفي هذا إشارة إلى كمال جوده وكرمه وَله . قوله: (فَأَتّي وَّر برأسينٍ) بصيغة المجهول، أي: فجيء له وَلّ بأَسِيرين. وقوله: (ليس معهما ثالث) توكيد لما قبله. وقوله: (فأتاه أبو الهيثم) أي: امتثالاً لقوله ◌َله: ((فأتنا)) فقصد الإتيان إليه ليوفيه بالوعد . . وقوله: (فقال النبي ◌َّيقول: اختر منهما) أي: اختر واحداً منهما. وقوله: (قال: يا رسول الله اختر لي) أي: لأن اختياره پ# له خير من اختياره لنفسه. وهذا من كمال عقله وحسن أدبه. قوله: (فقال النبي وَلّر: إن المستشار مؤتمن) أي: إن الذي طُلبت منه المشورة جعله المستشيرُ أميناً في الاختيار له، فيلزمه رعاية المصلحة له، ولا يكتم عليه ما فيه صلاحه، وإلا كان خائناً. وهذا حديث صحيح كاد أن يكون متواتراً. ففي الجامع الصغير: ((المستشار مؤتمن)) رواه الأربعة، عن أبي هريرة، والترمذي عن أم سلمة، وابن ماجه عن ابن مسعود (١)، والطبراني في الكبير عن سمرة. (١) كذا، وصوابه: عن أبي مسعود، وهو الأنصاري البدري. ٦٢٧ خذْ هذَا فَإِّي رَأيْتُهُ يُصلي، واستَوصٍ بِهِ مَعروفاً))، فانطَلقَ أَبو الهَيْثَمِ إلَى امرأَتِه، فَأَخبرَهَا بِقولِ رَسُولِ اللهِنَّهِ، فَقَالتِ امرأتُهُ: مَا أَنتَ بِبالغٍ حقَّ مَا قالَ فِيهِ النَّبِيُّ نَّهِ إِلَّ بأنْ تُعْتِقَهُ، قَالَ: فَهُوَ عَتِيقٌ، فَقالَ نَّهِ: ((إنَّ الله لَم يبعثْ نَبِياً ولاَ خَليفَةً وقوله: (خذ هذا) أي: أحد الرأسين. وقوله: (فإني رأيته يصلي) تعليل لاختياره. ويؤخذ منه أنه يستدل على خيرية الإنسان بصلاته. قال تعالى ﴿إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾ ويؤخذ منه أيضاً: أنه ينبغي للمستشار أن يبين سبب إشارته بأحد الأمرين، ليكون أعون للمستشير على الامتثال. وقوله: (واستوصٍ به معروفاً) أي: افعل به معروفاً، وصية مني. فمعروفاً منصوب باستوصٍ لتضمينه معنى افعل، ويحتمل أنه مفعول لمحذوف، أي: وكافئه بالمعروف. قوله: (ما أنت ببالغ حق ما قال فيه النبي ◌َّ إلا بأن تُعتقه) أي: ما أنت ببالغ حق المعروف الذي وصاك به النبي ◌َّ إلا بعتقه، فلو فعلتَ به ما فعلتَ ما عدا العتقَ لم تَبلغ ذلك المعروفَ. وقوله: (قال فهو عتيق) أي: معتوق، فعيل بمعنى مفعول، فتسبَّبت في عتقه، ليحصل لها ثوابه، فقد صح خبر: ((الدال على الخير كفاعله)). قوله: (فقال ◌َّ#) أي: لما أخبر بما حصل من امرأة أبي الهيثم مِن أمرها له بالمعروف، فهي من البطانة التي تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، فهي بطانة خیر. وقوله: (إن الله لم يبعث نبياً ولا خليفة) أي: من العلماء والأمراء. ٦٢٨ إلَّ ولَهُ بِطَانَتَانِ: بِطانَةٌ تَأمرهُ بِالمعروفِ، وتَنهاهُ عَن المُنكرِ، وبطانةٌ لا تَأْلُوهُ خَبالاً، وَمَن يُوْقَ بِطانةَ الشُّوءِ فَقد وُقِيَ)). ٣٧٣ - حدّثنا عُمرُ بنُ إسماعيلَ بنِ مُجالدِ بنِ سعيدٍ، وقوله: (إلا وله بطانتان) تثنية بطانة بكسر الباء. وبطانة الرجل: صاحبُ سره الذي يستشيره في أموره، تشبيهاً له ببطانة الثوب. وقوله: (بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر) يُعلم منه أن بطانة الخير لا تكتفي بالسكوت، بل لا بد من الأمر بالمعروف والحثِّ عليه، والنهي عن المنكر والزجر عنه. وقوله: (وبطانة لا تألوه خبالاً) أي: لا تقصر في فساد حاله، ولا تمنعه منه، فالأُلُوُّ: التقصير. وقد تضمن معنى المنع، فلذلك تعدى إلى مفعولين. ومعنى الخبال: الفساد. وعبّر هنا بهذا تنبيهاً على أن بطانة السوء يكفي فيها السكوت على الشر، وعدم النهي عن الفساد، وهذا ظاهر في الخليفة. والمراد ببطانة الخير في حق النبي: المَلَكُ، وببطانة السوء: الشيطان بل هذا عام في كل أحد، كما يصرح به قوله وير: ((ما منكم من أحد إلا وقد وكِّل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة))، قالوا: وإياك يا رسول الله؟، قال: ((وإيايَ، إلا أن الله أعانني عليه فأسلمَ، فلا يأمرني إلا بخير)). قوله: (ومَن يُوقَ بطانة السوء فقد وُقي) أي: ومن يُحفظ من بطانة السوء واتِّباعها فقد حُفظ من الفساد، أو من جميع الأسواء والمكاره في الدنيا والآخرة. وجاء في رواية: ((والمعصوم من عصمه الله)). ٣٧٣ - قوله: (عمر) بضم العين وفتح الميم. وقوله: (ابن مُجالد) بضم الميم وكسر اللام. ٦٢٩ حدَّثَنِي أبىٍ، عنْ بيانِ بنِ بِشْرٍ، عنْ قيسِ بنِ أبي حازمٍ قالَ: سمعتُ سعدَ بنَ أبِي وقَّاصٍ يَقُولُ: إنِّي لأَوَّلُ رجُلٍ أهَراقَ دماً في سبيلِ الله عزَّ وجلَّ، وإنِّي لأوَّلُ رجُلٍ رمَى بسهْمٍ في سَبيلِ الله. لقَدْ رأيْتُنِي أغزُو فِي العِصابَةِ منْ أصحابِ مُحمَّدٍ عليْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما نأكُلُ وقوله: (حدثني أبي) أي سعيد(١). = وقوله: (ابن بشر) بكسر الباء وسكون الشين المعجمة. وقوله: (أهراق) بفتح الهاء وسكونها. وفي نسخة: (هراق) بلا همز، وهما لغتان. يقال: أَهَرَاق وَهَراق: أي: أراق وصَبَّ. وقوله: (دماً في سبيل الله) أي: من شَجَّة شجها لمشرك. فإنه روي أنه بينما هو في نفر من الصحابة في شِعب من شعاب مكة، إذ ظهر عليهم مشركون، وهم يصلون، فعابوهم، واشتد الشقاق بينهم، فضرب سعد رجلاً منهم بلَخْي بعير، فشجه وأهراق دمه، فكان أول دم أريق في الإسلام. قوله: (رمى بسهم في سبيل الله) أي: في سرية عُبيدة بن الحارث وهي الثانية من سراياه ويّة إلى بطن رابغ في شوال، على رأس ثمانية أشهر من الهجرة، في ستين رجلاً من المهاجرين. فلقي أبا سفيان بن حرب في مئتين، فتراموا بالسهام، فكان أولَ من رمى سعدٌ بسهم، وهو أول سهم رُمي به في الإسلام. قوله: (لقد رأيتُني) أي: والله لقد أبصرت نفسي. وقوله: (في العصابة) بكسر العين هي الجماعة مطلقاً، أو العشرة، أو من عشرة إلى أربعين، وكذا العصبة. ولا واحد لها من لفظها. (١) كذا قال عليَّ القاري، وصوابه: إسماعيل. ٦٣٠ إلَّ وَرَقَ الشَّجَرِ والحُبْلَةِ، حتَّى تَقَرَّحَتْ أشدَاقُنا، وإنَّ أَحَدنَا ليضَعُ كمَا تَضْعُ الشَّاةُ والبعيرُ. وأصبحَتْ بنُو أسدٍ يُعزِّرُونَني قوله: (والحُبْلة) بضم الحاء المهملة وسكون الموحدة: ثمر يشبه اللُّوبيا، أو ثمر العِضاه - بكسر العين - وهو: كل شجر عظيم له شوك كالطلْحِ والعَوْسَجِ. وقوله: (حتى تقرَّحت أشداقنا) أي: صارت ذات قروح من ذلك الورق والثمر. والأشداقُ: جمع شدق وهو طرف الفم. وقوله: (لَيضع كما تضع الشاة والبعير) يعني أن فضلتهم تشبه فضلة الشاة والبعير في اليبس، لعدم الغذاء المألوف للمعدة. وكان ذلك في سرية الخَبَط - بفتح الخاءِ المعجمة والباءِ الموحدة -، وكانت في رجب سنة ثمان، وكانوا ثلاث مئة، وأميرهم أبو عبيدة أرسلهم النبي ◌َّ إلى ساحل البحر يترصدون عيراً لقريش، وزوَّدهم بَِّ جرابَ تمر. فكان أبو عبيدة يعطيهم حفنة حفنة، ثم صار يعطيهم تمرة تمرة، ثم أكلوا الخَبَط، حتى صارت أشداقهم كأشداق الإبل، ثم ألقى إليهم البحرُ سمكةً عظيمة جداً اسمها العنبر، لوجود العنبر في جوفها. فأكلوا منها شهراً، وقد وُضع ضِلَع منها، فدخل تحته البعير براكبه . وقيل: كان ما أشار إليه سعد في غزوة كان فيها النبي ◌َّ كما في الصحيحين: بينما نحن نغزو مع رسول الله وَالله وما لنا إلا طعام الحُبْلة. والمناسبةُ على هذا بين الحديث والترجمة: ظاهرةٌ. وأما على الأول فوجه المناسبة: أنه لما اكتفى بجراب تمر في زاد جمع محاربين، دل ذلك على ضيق عيشه، وإلا لما اكتفى بذلك. قوله: (وأصبحتْ بنو أسد) أي: صارت هذه القبيلة مع قرب إسلامهم. وقوله: (يعزِّرونني) بضم الياء وتشديد الزاي المكسورة. وفي نسخة : = كـ ٦٣١ في الدِّينَ! لقدْ خِبْتُ وخسرتُ إذنْ وضلَّ عملِي. ٣٧٤ - حدّثنا مُحمَّدُ بنُ بِشَارِ، حدَّثنا صفْوانُ بنُ عيسى، حدَّثنا عمرُ بنُ عيسَى أَبُو نَعَامَةَ العدَويُّ، قالَ: سَمعتُ خالدَ بنَ عُميرٍ = بحذف نون الرفع، وفي أخرى: ((تعزرني)) بصيغة المفردة الغائبة بالنظر التأنيث القبيلة، أي: توبخني بأني لا أحسن الصلاة، ويعلمونني بآداب الدين مع سبقي في الإسلام، ودوام ملازمتي له بَّر. فكيف مع ذلك يزعمون أني لا أحسن الصلاة؟! وسبب ذلك: أنه كان أميراً بالبصرة مِن قِبَل عمر، وكان أميراً عادلاً وقافاً مع الحق، والإمام العادل تكرهه الناس، فلذلك شَكَوْا فيه إلى عمر وقالوا فيه رجماً بالغيب: إنه لا يحسن الصلاة، كذباً منهم و کراهیةً له. وقوله: (في الدين) أي: في شأن الدين. وعبّر عن الصلاة بالدين: إيذاناً بأنها عماد الدين. قوله: (لقد خبت) أي: والله لقد خبت، من الخَيْبة، وهي الحرمان، أي: حُرمت الخیر. وقوله: (وخسرت) من الخسران وهو الهلاك والبعد والنقصان. وقوله: (إذن) أي: إذا كنت كما زعموا من أني لا أحسن الصلاة، وأحتاج إلى تعلیمھم. وقوله: (وضل عملي) وفي رواية: ((وضل سَعْيي)) كما في قوله تعالى: ﴿الذين ضلَّ سعيهم في الحياة الدنيا﴾ والضلال: عدم الاهتداء، والمراد منه هنا : الضياع والبطلان. ٣٧٤ - قوله: (أبو نعامة) بفتح النون على الصحيح، وفي نسخة: بضمها . وقوله: (ابن عُمير) بالتصغير، وكذا قوله: (وشوَيْساً) بمعجمة ثم مهملة . ٦٣٢ وشُوَيْساً أبا الرُّقادِ قالا: بَعَثَ عُمرُ بنُ الخطَّبِ عُتبةَ بنَ غزوانَ وقالَ: انطلِقْ أنتَ ومَنْ معكَ حتَّى إذَا كُنتُم في أقصَی بلادِ العربِ وأدْنَى بلادِ العَجَمِ، فأقْبَلوا حتَّى إذا كانُوا بالمِرْبَدِ، وقوله: (أبا الرقاد) بضم الراء وتخفيف القاف. قوله: (قالا) أي: خالد وشُويس. قوله: (بَعَث عمر) أي: في آخر خلافته. قوله: (عتبة بن غزوان) كان من أكابر الصحب، أسلم قديماً، وهاجر الهجرتين، وهو أول من نزل البصرة، وهو الذي اختطَّها. قوله: (وقال) أي: عمر. وقوله: (ومن معك) أي: من العسكر وكانوا ثلاث مئة. قوله: (حتى إذا كنتم) أي: إلى وقت كونكم. والمعنى: أن هذا غاية سیرکم . وقوله: (في أقصى بلاد العرب) أي: بعدها. وقوله: (وأدنى بلاد العجم) أي: أقربها إلى أرض العرب. وسبب بعثهم إلى ذلك الموضع: أن عمر بلغه أن العجم قصدوا حرب العرب فأرسل هذا الجيش، لينزل بين أرض العرب والعجم، ويرابطوا هناك، ويمنعوا العجم عن بلاد العرب. قوله: (فأقبلوا) فعل ماض من الإقبال أي: توجهوا أي: عتبة ومن معه . وقوله: (بالمِرْبَد) بكسر الميم وسكون الراء أي: مربد البصرة. مأخوذ مِن رَبَّد بالمكان: إذا أقام به، أو مِن رَبَده: إذا حبسه. وهو الموضع الذي تُحبس = ٦٣٣ وجَدُوا هذا الكَذَّانَ، فقالُوا: ما هذِهِ؟ قالَ: هذِهِ البَصرَةُ، فسَارُوا حتَّى بلغُوا حِياَلَ الجِسرِ الصَّغيرِ، فقالُوا: هاهُنا أُمِرتُمْ. فَزَلُوا، = فيه الإبل والغنم، أو يجمع فيه الرُّطَب حتى يجف. وبه سمي مِرْبَد البصرة. قوله: (وجدوا هذا الكَذّان) بفتح الكاف وتشديد الذال المعجمة: حجارة رِخوة بيض. وقوله: (فقالوا) أي: قال بعضهم مستفهماً من بعض. قوله: (ما هذه؟) أي: ما هذه الحجارة؟ فأجاب بعضهم بقوله: (هذه البصرة). أي: هذه الحجارة تسمى بالبصرة. لأن البصرة اسم للحجارة الرخوة المائلة للبياض، ولم تكن البصرة قد بنيت إذ ذاك، لأن عتبة إنما أخذ في بنائها بعد ذلك، فبناها في خلافة عمر سنة سبع عشرة، وسكنها الناس سنة ثمان عشرة، ولم يُعبد بأرضها صنم، ولذلك يقال لها: قبة الإسلام، وخزانة العرب. قوله: (فساروا) أي: عن البصرة التي هي الحجارة المذكورة، وتعدوا عنها، وتجاوزوها. وقوله: (حتى بلغوا حيال الجسر الصغير) بكسر الحاء أي: تلقاءه ومقابله. والجسر بكسر الجيم: ما يُبنى على وجه الماء، ويركّب عليه من الأخشاب والألواح ليعبروا عليه. وكان ذلك الجسر على الدجلة في عرضها، يسير عليه المشاة والركبان. واحترز بالصغير عن الجسر الكبير، وهو عند بغداد، وبينهما عشرة أيام. قوله: (فقالوا) أي: قال بعضهم لبعض. وقوله: (ها هنا أُمرتم) أي: في هذا المكان أمركم أمير المؤمنين عمر بالإقامة لأجل حفظ بلاد العرب من العجم. وقوله: (فنزلوا) أي: في هذا المكان. ٦٣٤ فذكُرُوا الحَديثَ بطُولِهِ. قالَ: فقالَ عُتبةُ بنُ غَزْوَانَ: لقدْ رأيتُني وإِنِّي لَسَابِعُ سبعةٍ معَ رَسُولِ اللهِنَّهِ مَا لَنَا طعامٌ إلَّ ورقُ الشَّجرِ، وقوله: (فذكروا) وفي نسخة: ((فذكرا)) بصيغة التثنية، وهو الظاهر، لأن الضمير عائد إلى خالد وشويس. ويمكن إرجاع ما في النسخة الأولى إلى ذلك، بأن يراد بالجمع ما فوق الواحد. وفي نسخة: ((فَذَكَر)) بصيغة الواحد، أي: محمد بن بشار على ما ذكره ابن حجر، أو أبو نعامة، وهو الأقرب. وقرأ الحديث بطوله، وهو أنهم لما حلّوا هناك، أرسل عتبة لأهل خراسان، فجاء منهم جيش عظيم، فاستخفوا بعُتْبة لكونه في قلة من الجيش، فقاتلوه فنصره الله عليهم، ثم شرع في بناء البصرة لمشقة الإقامة من غير بناء، فبناها لتسهل الإقامة والمرابطة فيها، ولم يستكمل الحديث، لأن الشاهد للباب فيما سيأتي من كلام عتبة، مما يدل على ضيق عيش رسول الله بهآله وأصحابه. قوله: (قال) أي: الراوي وهذا يؤيد نسخة: ((فذكر)) بالإفراد. وفي نسخة: ((قالا)) أي: الراويان، وهذا يؤيد نسخة: ((فذكرا)) بصيغة التثنية. قوله: (لقد رأيتني) أي: والله لقد أبصرتُ نفسي. وقوله: (وإني) إلخ أي: والحال إني لسابع سبعة في الإسلام، لأنه أسلم مع ستة، فصار متمماً لهم سبعة. فهو من السابقين الأولين. واعلم أن سابعَ ونحوَه له استعمالان: أحدُهما أن يضاف إلى العدد الذي أُخذ منه، فيقال: سابع سبعة كما هنا، وهو حينئذ بمعنى الواحد من السبعة، ومثله في التنزيل: ((ثاني اثنين)) وثانيهما: أن يضاف إلى العدد الذي دونه فيقال: سابع ستة، وهو حينئذ بمعنى مُصيّر الستة سبعةً. قوله: (ما لنا طعام إلا ورقُ الشجر) بالرفع على البدل. جعله طعاماً لقيامه مقام الطعام في حقهم. ٦٣٥ حتَّى تقرَّحتْ أشداقُنا، فالتَّقَطْتُ بُردةً قسمتُها بيني وبينَ سعدٍ، فما منّا منْ أُولئكَ السَّبعةِ أحدٌ إلَّ وهُو أميرُ مصرٍ منَ الأمصارِ، وستُجرِّبُونَ الأُمراءَ بعْدنَا. ٣٧٥ - حدّثنا عبدُ الله بنُ عبْدِ الرَّحمنِ، حدَّثنا رَوحُ بنُ أسلمَ وقوله: (حتى تقرَّحت أشداقنا) أي: ظهر في جوانبها قروح من خشونة ذلك الورق وحرارته. وفي نسخة: ((قَرِحت)) كفرِحت وفي أخرى: ((قُرِحت)) بصيغة المجهول أي: ◌ُرحت. قوله: (فالتقطتُ) أي: أخذت من الأرض على ما في ((الصحاح)) وقال مِيْرَك: الالتقاط: أن يعثر على الشيء من غير قصد وطلب. وقوله: (بردة) أي: شملة مخططة، وقيل: كساء أسود فيه خطوط يلبسه الأعراب. وقوله: (قسمتها بيني وبين سعد) هكذا في الأصول المصححة، والنسخ المعتمدة، وفي بعض النسخ ((سبعة)) بدل ((سعد)) وهو سهو، لما في رواية مسلم: فقسمتها بيني وبين سعد بن مالك، فاتَّزرتُ بنصفها، واتزر سعد بنصفها . قوله: (فما منا من أولئك السبعة أحد إلا وهو أمير مصرٍ) بالتنوين، وهذا جزاء الأبرار في هذه الدار، وهو خير وأبقى في دار القرار. وقوله: (وستُجرِّبون الأمراء بعدنا) أي ستجدونهم ليسوا مثلنا في الديانة والإعراض عن الدنيا. وكان الأمر كذلك، فهو من الكرامات الظاهرة. ٣٧٥ _ قوله: (روح) بفتح الراء وسکون الواو. وقوله: (ابن أسلم) بوزن أكرم. ٦٣٦ أبُو حاتمِ البصريُّ، حذَّثنا حمَّادُ بنُ سلَمَةَ، أنبأَنَا ثابتٌ، عنْ أنسٍ قالَ: قالَ رسُولُ اللهِ وَّهِ: ((لقدْ أُخِفتُ في الله، ومَا يُخافُ أحدٌ، ولقدْ أُوذِيتُ في الله، وما يُؤْذَى أحدٌ، ولقَد أتَتْ عليَّ ثَلاثُونَ مِنْ بينِ ليلةٍ ويومٍ مالِي ولبلالٍ طعامٌ يأْكُلُهُ ذُو حَبِدٍ وقوله: (البصري) بفتح الباء وكسرها. قوله: (لقد أُخفت) بالبناء للمجهول، أي: أخافني المشركون بالتهديد والإيذاء الشدید. وقوله: (في الله) أي بسبب دين الله. فـ: ((في)) سببيةٌ، أي: أخافوني بسبب إظهاري لدين الله وتبليغه. وقوله: (وما يُخاف أحد) أي: والحال أنه لا يُخاف أحد غيري مثل ما أخفت، لأني كنت وحيداً في إظهار دين الله. وهكذا يقال في قوله: (ولقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد) والمقصود بذلك المبالغة في الإخافة والإيذاء، كما يقال: لي بلية لا يُبلى بها أحد. قوله: (ولقد أتت) أي: مرَّت. وقوله: (عليّ) بتشديد الياء. وقوله: (ثلاثون من بين ليلة ويوم) أي: ثلاثون متواليات غير متفرقات. والغرض من قوله: (من بين يوم وليلة) تأكيدُ الشمول لإفادته أنه لم يتكلم بالتسامح والتساهل، بل ضَبَطها وأحصى أيامَها ولياليها . وقوله: (ما لي) وفي نسخة: وما لي، أي: والحال أنه ليس لي. وقوله: (ولبلال) أي: وكان في ذلك الوقت بلال رفيقي. وقوله: (طعام يأكله ذو كبد) أي: صاحب كبد، وهو الحيوان. وفي ذلك إشارة إلى قلة الطعام جداً. ٦٣٧ إلَّ شيءٌ يُوارِيهِ إِطُ بلالٍ)). ٣٧٦ - حدثنا عبدُ الله بنُ عبدِ الرَّحمنِ، أنبأنا عقَّانُ بنُ مُسلِم، حدَّثَنَا أبانُ بنُ يزيدَ العَطَّارُ، حدَّثنا قتادةُ، عنْ أنسِ بنِ مالكِ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ لمْ يَجتمع عندهُ غَداءٌ ولا عَشاءٌ منْ خُبزٍ ولحمٍ إلاَّ على ضَفَفٍ. قالَ عبدُ الله: قالَ بَعضُهُم: هُوَ وقوله: (إلا شيء يواريه إبط بلال) أي: إلا شيء يسير. فكنّى بالمواراة تحت الإبط عن كونه يسيراً جداً. ويُعلم من ذلك أنه لم يكن إذ ذاك ظرف يَضَعُ الطعامَ فيه، من منديل ونحوه. وأخرج المصنف هذا الحديث في جامعه، وقال: معنى هذا الحديث: أنه إنما كان معه بلال حين خرج النبي ◌َّر من مكة هارباً ومع بلال من الطعام ما يواريه تحت إبطه. ٣٧٦ - قوله: (غداء) هو ما یؤکل أول النهار. وقوله: (ولا عَشاء) هو ما يؤكل آخر النهار. وقوله: (من خبز ولحم) أي: من هذين الجنسين. قوله: (إلا على ضَفَف) بفتح الضاد المعجمة والفاء الأولى، أي: كثرة أيدي الأضياف. فكان وَلّ لا يجتمع عنده الخبز واللحم في الغداء والعشاء، إلا إذا كان عنده الأضياف، فيجمعهما، ولو يتكلف لأجل خاطر الأضياف. ويروى: إلا على شظَف - بفتح الشين والظاء المعجمتين - قال ابن الأعرابي: الضفف والشظف والخفف معناها: القلة والضيق في العيش. قوله: (قال عبد الله) أي: ابن عبد الرحمن شيخ الترمذي. وقوله: (قال بعضهم) أي: بعض المحدثين واللغويين. وقوله: (هو) أي: الضفف. ٦٣٨ کثرةُ الأَيدِي. ٣٧٧ - حدّثنا عبدُ بنُ حُميدٍ، حدَّثنا مُحمَّدُ بنُ إسماعيلَ بنِ أبِي فُدَيكٍ، حدَّثنا ابنُ أبي ذئبٍ، عنْ مُسلمٍ بنِ جُندُّبٍ، عنْ نَوفلِ بنِ إياسِ الهُذَلِيِّ قالَ: كانَ عبدُ الرَّحمنِ بنُ عوفٍ لنَا جليساً، وكانَ نِعِمَ الجِلِيسُ، وإِنَّهُ انقَلَبَ بِنا ذَاتَ يومٍ، حتَّى إذا دخلنا بيتَهُ: وقوله: (كثرة الأيدي) أي: أيدي الأضياف. هذا هو المراد هنا، وإن كان الضفف له معانٍ أخر، أكثرها لا يناسب هنا، فإنه يطلق على كثرة العيال، وعلى ضيق الحال، وشدة الفقر، وعلى اجتماع الناس على الأكل مع الناس ضيفاً أو مضيفاً. ٣٧٧ - قوله: (عبد بن حُمَيْد) بالتصغير، وكذلك قوله: (ابن أبي فُدَيك). وقوله: (بن جندب) بضم الجيم وضم الدال أيضاً، وتفتح. وقوله: (ابن إِياس) بكسر الهمزة. قوله: (كان عبد الرحمن) أي: أحد العشرة المبشرين بالجنة. وقوله: (لنا جليساً) أي: مجالساً. وقوله: (وكان نِعم الجليس) أي: وكان مقولاً في حقه: نعم الجليسُ عبدُ الرحمن. قوله: (وإنه انقلب بنا) أي: انقلب معنا من السوق أو غيرها. فالباء بمعنى ((مع)) ويحتمل أنها للتعدية، أي: قلبنا ورَدَّنا من الجهة التي كنا ذاهبین إليها إلى بيته. وقوله: (ذات يوم) أي: ساعةً ذاتَ يوم، أي: في ساعة من يوم. ويحتمل أن ((ذات)) مقحمة. والمعنى: في يوم. ٦٣٩ دخَلَ فاغتَسَلَ، ثُمَّ خَرجَ، وأَتْينا بصَحْفَةٍ فيها خُبْزٌ ولحمٌ، فَلَمَّا وُضِعتْ بكَى عبدُ الرَّحمنِ، فَقُلتُ: يا أبَا مُحمَّدٍ ما يُبكِيكَ؟! فقالَ: هَلَكَ رَسُولُ اللهِ بَّهَ، ولمْ يشَبَعْ هُو وأهلُ بيتِهِ منْ خُبْزِ الشَّعِيرِ، فلاَ أُرانَا أُخِّرنَا لِمَا هُوَ خيرٌ لنَا. قوله: (حتى إذا دخلنا بيته دخل) أي: مغتسَله، لكونه كان محتاجاً للغُسْل، ولم يكن يأكل الطعام بدون الغسل، لأنه خلاف الكمال. وقوله: (ثم خرج) أي: من مغتسله إلينا. قوله: (وأُتينا بالبناء للمجهول) أي: أتانا غلامُه أو خادمُه. وقوله: (بصحفة) هي إناء كالقصعة، وقيل: إناء مبسوط كالصحيفة. وقوله: (فيها خبر ولحم) أي: في تلك الصحفة خبز ولحم. وقوله: (فلما وُضِعَتْ) أي: الصحفة التي فيها خبز ولحم. وقوله: (بكى) أي: خوفاً مما يترتب علىّ السَّعَة في الدنيا، أخذاً مما سيأتي. قوله: (يا أبا محمد) هذه كنية عبد الرحمن. وقوله: (ما يبكيك) أي: ما يجعلك باكياً. وقوله: (هلك النبي ◌َّ) لا يخفى ما في هذا اللفظ من البشاعة(١)، والأولى: فارق الدنيا. وقوله: (ولم يشبع) أي: يومين متواليين، كما في خبر عائشة. ولعل ما في الصحفة كان مشبعاً لهم، فلذلك بكى. وقوله: (فلا أُرانا) بضم الهمزة، أي: لا أظننا. وقوله: (أُخِّرْنا لما هو خير لنا) أي: أُبقينا مُوَسَّعاً علينا لما هو خير (١) بل انظر ((مفردات القرآن)) للراغب مادة (هـ ل ك)، وهو كثير في كلام المتقدمين . = ٦٤٠ ٥٣ _ باب ما جاء في سِنّ رسول الله وَالالم ٣٧٨ - حدّثنا أحمدُ بنُ منيع، حدَّثنا رَوحُ بنُ عُبادَةَ، حدَّثنا زكريّا بنُ إسحاقَ، حذَّثنا عمرُو بنُ دينارٍ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ قالَ: مكثَ النَّبِيُّ وَِّ بِمَّةَ ثلاثَ عشْرةَ سنةً يُوحَى إليهِ، وبالمدينةِ = لنا. لأن من وُسِّع عليه يخاف أنه ربما عجلت له طيباته في الحياة الدنيا. واعلم أن ضيق عيشه و # ليس اضطرارياً بل كان اختيارياً، قد عرضت عليه بطحاء مكة أن تكون ذهباً فأباها. ولله در البوصيري حيث قال: وراودتْه الجبال الشُّمُّ من ذَهَب عن نفسه فأَراها أيَّما شَمَم فلم یرض الدنیا لکون الله لم يرضها. ٥٣ - باب ما جاء في سِنّ رسول الله وَ له أي: باب بيان الأحاديث الآتية في مقدار عمره الشريف بَّ وهي سِنه. والسن بهذا المعنى مؤنثة، لأنها بمعنى المدة، والسن أيضاً الضرس، والجمع أسنان. ٣٧٨ - قوله: (حدثنا روح) بفتح الراء. وقوله: (ابن عبادة) بضم العين. وقوله: (زكريا) بالقصر والمد. وقوله: (عمرو بن دينار) ثقة ثبت. قوله: (مكث) بفتح الكاف وضمها، أي: لبث بعد البعثة. وقوله: (ثلاث عشرة سنة يُوحَى إليه) أي: باعتبار مجموعها لأن مدة فترة الوحي ثلاث سنين من جملتها، وهذا هو الأصح الموافق لما رواه أكثر الرواة، ورُوي عشر سنين، وهو محمول على ما عدا مدة فترة الوحي. وروي أيضاً خمس عشرة سنة، في سبعة منها يرى نوراً ويسمع صوتاً، ولم ير ملكاً، وفي ثمانية منها يوحى إليه، وهذه الرواية مخالفة للأولى من =