Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١ فَيَقَالُ لهُ: فإِنَّ لَكَ الذي تَمَنَّيْتَهُ، وعشَرَ أَضعَافِ الدُّنيا، قَالَ: فَيقول: أَتَسخَرُ بِي وَأَنْتَ الملِكُ؟)) قَالَ: وقوله: (فيقال) أي: من قِبَل الله، كما مر مراراً. وقوله: (وعشرة أضعاف الدنيا) أي: أمثالها زيادة على الذي تمنيت، فَضِعف الشيء: مثله، وضعفاه: مثلاه، وأضعافه: أمثاله، لكن المضاعفة ليست بالمساحة والمقدار بل بالقيمة، فما يعطاه في الآخرة يكون مقدار عشرة أضعاف الدنيا بحسب القيمة، بل أفضل وأجلّ، وإن كان أقل من الدنيا بالمساحة والمقدار، ونظير ذلك أن الجوهرة أضعاف الفرس بحسب القيمة، لا بالوزن والمقدار، ولا مانع من المضاعفة بالمساحة والمقدار، كما وجد بخط السهراوي [؟]، فإنه رُوي: إن أدنى أهل الجنة منزلةً: من يسير في ملكه ألف سنة، يَرى أقصاه كما يَرى أدناه، وينظر إلى جنانه ونعيمه، وخدمه وسُرُره، مسيرة ألف سنة، وأرفعهم: الذي ينظر إلى ربه بالغداة والعشي. قوله: (قال) أي: رسول الله وَله . وقوله: (فيقول: أتسخر بي) بالباء الموحدة، كما في النسخ المصححة، وفي نسخة: أَتَسخَرُني، بالنون. وقوله: (وأنت الملك) أي: والحال أنك أنت الملك - بكسر اللام - وليست السخرية من شأن الملوك، وأنا أحقرُ من أن يسخر بي ملك الملوك، وهذا نهاية الخضوع، وهو سبب لكمال جود الملك، ولذلك نال ما نال من الإكرام، وإنما قال: أتسخر بي: دَهَشاً، لما ناله من السرور ببلوغ ما لم يخطر بباله من كثرة الحور والقصور، فلم يكن عالماً بما قال ولا بما ترتب عليه، بل جرى على عادته في مخاطبة المخلوق. قوله: (قال) أي: عبد الله بن مسعود. ٣٨٢ فلقَدْ رَأيتُ رَسولَ اللهِ وَ الِهِ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَواجذُهُ. ٢٣٣ - حدّثنا قُتَيَبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثَنَا أَبو الأحوَصِ، عَن أَبي إسحَاقَ، عَن عَلَيٍّ بنِ رَبِيعَةَ قَالَ: شَهِدتُ عَليَّاً رضيَ اللهُ عَنْهُ أُتِيَ بدَابةٍ ليرْكَبَهَا، فَلَمَّا وَضَع رِجِلَهُ في الرِّكَابِ قَال: بِسم اللهِ، فَلَما وقوله: (فلقد رأيت رسول الله وَ (9) الخ أي: فوالله لقد رأيت رسول الله وَلخير الخ، وتقدمت حكمة القسم. وقوله: (ضحك حتى بدت نواجذه) أي: تعجباً من دهش الرجل، ومن غلبة رحمته تعالى على غضبه. ٢٣٣ - قوله: (حدثنا أبو الأحوص) بمهملتين، وفي نسخة: أنبأنا. وقوله: (ابن ربيعة) أي: ابن نضلة البجلي. قوله: (شهدت علياً) أي : حَضَرته. وقوله: (أُتي) بالبناء للمفعول، والجملة حال، أي: والحال أنه أتاه بعض خدمه . وقوله: (بدابة ليركبها) الدابة في العرف الطارىء: فرس أو بغل أو حمار، وأصلها كل ما دبّ على الأرض من الحيوان، ذكراً كان أو أنثى، ثم خُصَّ بما ذُكِر. قوله: (فلما وضع رجله في الركاب) بكسر الراء. وقوله: (قال: بسم الله) أي: أركب، فالجار والمجرور متعلق بمحذوف، وأتى بذلك اقتداء بالنبيِّ وَّ، كما يدل عليه قوله الآتي: رأيت رسول الله وَ الل صنع كما صنعت، وكأنه ◌َ لّ أخذه من قوله تعالى حكاية عن نوح عليه السلام لما ركب السفينة: ﴿بسم الله﴾ لأن الدابة بالبر كالسفينة بالبحر، كما أفاده العصام، غير أنه لم يفصح عن ذلك حيث قال: كأنه = ٣٨٣ استَوَى عَلَى ظَهرِهَا قَالَ: الحَمدُ لله، ثُمَّ قَال: ﴿سُبحانَ الَّذِي سَخَّرَ لنَا هذا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وإنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمنْقَلْبُونَ﴾ ثُمَّ قَال: الحمدُ لله - ثلاثاً - = مأخوذ من قول نوح عليه السلام لما ركب السفينة الخ. واعترض عليه بعضُ الشراح: بأن علياً نقل ذلك عن النبي ◌َّله وتأسى به، فكيف يقال: إنه مأخوذ من قول نوح عليه السلام، وهو مبني على ما فهمه من أن مراد العصام: أن علياً هو الذي أخذ ذلك من قول نوح عليه السلام، وليس كذلك بل النبي وسلم هو الآخذ له، كما علمت. قوله: (فلما استوى) أي: استقر. وقوله: (قال) أي: شكراً لله على هذه النعمة العظيمة، وهي: تذليل هذه الدابة، وإطاقتنا على ركوبها مع الحفظ عن شرها. قوله: (ثم قال: سبحان الذي سخر لنا) أي: تنزيهاً له عن الاستواء على مكان كالاستواء على الدابة، أو تنزيهاً له عن الشريك، أو عن العجز عن تسخير هذه الدابة وتذليلها لنا. وقوله: (هذا) أي: هذا المركوب. وقوله: (وما كنا له مقرنين) أي: مطيقين، يقال: أقرنت الشيء إقراناً: أَطَقْتُه وقويت علیه، كما في ((المصباح)). وقوله: (وإنا إلى ربنا لمنقلبون) أي: وإنا إلى حكمه وجزائه لراجعون في الدار الآخرة، وإنما قال ذلك: لأن ركوب الدابة قد يكون سبباً للتلف، فقد ينقلب عنها فيهلِك، فتذكَّر الانقلاب إلى رب الأرباب، فينبغي لمن اتصل به سبب من أسباب الموت: أن يكون حاملاً له على التوبة والإقبال على الله تعالى في ركوبه ومسيره، فقد يُحمل من فوره على سريره. قوله: (ثم قال: الحمد لله ثلاثاً) كرره لعظم تلك النعمة التي ليست = ٣٨٤ والله أكبرُ - ثَلاثاً - سُبحَانِكَ إنِّي ظَلمتُ نَفِسي فَاغفر لِي فَإِنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ، ثُمَّضَحِكَ، فَقُلتُ: مِن أَيّ شَيءٍ ضَحِكتَ يَا أَمِيرَ المؤمِنِينَ؟! قَالَ: رَأيْتُ رَسولَ اللهِنَّهِ صَنَعَ كَمَا صَنعتُ ثُمَّ ضَحِكَ، = مقدورة لغيره تعالی. وقوله: (والله أكبر ثلاثاً) تعجباً من التسخير، ودفعاً لكبر النفس من استيلائها على المركوب. قوله: (سبحانك) أي: تنزيهاً لك عن الحاجة إلى ما يحتاج إليه عبادك، وإنما أعاد التسبيح توطئة لما بعده: ليكون مع اعترافه بالظلم أنجح لإجابة سؤاله. وقوله: (إني ظلمت نفسي) أي: بعدم القيام بشكر هذه النعمة العظمى وغيرها من النعم. وقوله: (فاغفر لي) أي: استر ذنوبي فلا تؤاخذني بالعقاب عليها . وقوله: (فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت) أي: لأنه لا يغفر الذنوب أحد إلا أنت. قوله: (ثم ضحك) أي: عليٌّ . وقوله: (فقلت) أي: له، كما في نسخة، وفي أخرى: فقال، أي عليّ ابن ربيعة . وقوله: (من أي شيء ضحكتَ؟) وفي نسخة: من أي شيء تضحك؟. وقوله: (يا أمير المؤمنين) هذا يدل على أن هذه القضية كانت في أيام خلافته . وقوله: (قال) أي: عليّ مجيباً له. وقوله: (صنع كما صنعت) أي: قولاً وفعلاً. ٣٨٥ فقُلتُ: مِن أَيِّ شيءٍ ضَحكتَ يَا رَسولَ اللهِ؟! قال: ((إنَّ رَبَكَ لَيَعْجَبُ مِن عَبدهِ إِذَا قَالَ: ربِّ اغفر لِي ذُنوبي، يَعلَمُ أَنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنوبَ أَحدٌ غَيرُهُ)). ٢٣٤ - حدّثنا مُحَمَّد بنُ بَشارٍ، حدَّثَنَا محمدُ بنُ عبدِ الله الأَنصاريُّ، حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ عَونٍ، عَن محمَّدِ بنِ محمَّدِ بنِ الأَسودِ، عَن عَامرِ بنِ سَعدٍ قَالَ: قَالَ سَعدٌ: قوله: (إن ربك ليعجب) أي: ليرضى، فالمراد بالعجب في حقه تعالى: لازمُه وهو الرضا، لاستحالة حقيقته عليه تعالى. وقوله: (من عبده) الإضافة للتشريف. قوله: (یعلم) حال أي: قال ذلك حال كونه یعلم. وقوله: (أنه) أي: الشأن. وقوله: (غيره) كذا في بعض النسخ وهو ظاهر، لأنه من كلام رسول الله وَّر، وفي بعض النسخ: غيري، وتوجيهه: أن يجعل ((يعلم)) مقولاً لقولٍ محذوف أي: قائلاً يعلم، ويجعل ذلك حالاً من فاعل: يعجب، والمعنى: أنه تعالى يعجب من عبده إذا قال: ربِّ اغفر لي، حالة كونه تعالى قائلاً: يعلم أنه لا يغفر الذنوب غيري. كما يؤخذ من المناوي. ٢٣٤ - قوله: (عن عامر بن سعد) أي: ابن أبي وقاص، ذكره بعضهم في التابعين، وأسلم سعد أبوه قديماً وهو ابن سبع عشرة سنة، وقال: كنت ثالث الإسلام، وأنا أول من رمى بسهم في سبيل الله. قوله: (قال) أي: عامر. وقوله: (قال سعد) أي أبوه، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة. ٣٨٦ لقدْ رَأيتُ النَّبِيَّ نَ ◌ّهِ ضَحِكَ يَومَ الخَندَقِ حَتَّى بدَتْ نَواجِذُهُ، قَالَ: قُلتُ: كَيفَ كَانَ ضَحِكُهُ؟ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مَعَهُ تُرْسٌ، وَكَانَ سعدٌ رَامياً، وَكانَ الرَّجُلُ يَقولُ كَذا وكذا بالُرسِ، قوله: (لقد رأيت) أي: والله لقد رأيت، وتقدمت حكمة القسم. وقوله: (يوم الخندق) وهو معروف، وهو معرَّب: لأن الخاء والدال والقاف لا تجتمع في كلمة عربية. قوله: (قال) أي: عامر. وقوله: (قلت) أي: لسعد. وقوله: (كيف كان ضحكه) أي: على أي حال، ولأي سبب؟. قوله: (قال) أي: سعد. وقوله: (كان رجل) أي: من الكفار. وقوله: (معه ترس) الجملة خبر كان، والترس: ما يستتر به حال الحرب، وفي رواية: قوس بدل: ترس. قوله: (وكان سعد رامياً) أي: يحسن الرمي، ثم إن كان هذا من كلام سعد كما هو الظاهر: كان فيه التفات، إذ كان الظاهر أن يقول: وكنت رامياً، وإن كان من كلام عامر فلا التفات. قوله: (وكان الرجل) الخ، هذا من كلام سعد قطعاً. وقوله: (يقول كذا وكذا بالترس) أي: يفعل كذا وكذا به، أي: يشير به يميناً وشمالاً، فالمراد بالقول هنا: الفعل، قال صاحب النهاية: والعرب تجعل القول عبارة عن جميع الأفعال، وتطلقه على غير الكلام، تقول: قال بيده أي: أخذ، وقال برجله أي: مشی، وقالت له العينان سمعاً وطاعة ٣٨٧ يغطِّي جَبهتَهُ، فَتَزَعَ لَهُ سَعدٌ بِسهمٍ، فلمَّا رَفِعَ رَأْسهُ رماهُ فلمْ يُخطىءْ هذِهِ مِنْهُ - يعنِي: جَبهَتهُ ۔ = أي: أومأتْ به، وقال بالماء على يده أي: صبه، وقال بثوبه أي: رفعه، وقال بالترس أي: أشار به وقَلَبه، وقسْ على هذه الأفعال. وعلى هذا فالجار والمجرور - أعني قوله: بالترس - متعلق بـ: يقول، بمعنى: يفعل. وقوله: (يغطي جبهته) مستأنف مبيِّن للإشارة في قوله: كذا وكذا، أي: يغطي جبهته حذراً من السهم، ويحتمل أن القول باقٍ على حقيقته، والمعنى: يقول كذا وكذا، من القول القبيح في حق النبي ◌َاز وأصحابه، ولم يصرح سعد بما قاله الرجل لاستقباحه، وعلى هذا فالجار والمجرور - أعني قوله بالترس - متعلق بما بعده، وهو قوله: يغطي جبهته، أي حذراً من السهم كما مر، وهي جملة حالية من فاعل: يقول، والأول هو الأظهر. قوله: (فنزع له سعد بسهم) أي: نزع لأجله سهماً من كنانته ووضعه في الوَتَر، فالباء: زائدة، لأن نزع يتعدى بدونها. قوله: (فلما رفع رأسه) أي: فلما رفع الرجل رأسه من تحت الترس فظهرت جبهته . وقوله: (رماه) أي: سعد بالسهم الذي نزعه له. قوله: (فلم يخطىء) بضم الياء وسكون الخاء وبالهمز، وفي نسخة: فلم يَخْطَ، بفتح الياء وضم الطاء غير مهموز، من الخطوة، أي: فلم يخطُ عن جبهته ولم يتعدَّها ولم يجاوزها. وقوله: (هذه منه) أي: الجبهة من الرجل. وقوله: (يعني: جبهته) من كلام عامر، أي: يقصد سعد باسم الإشارة جبهةَ الرجل، والجبهة: ما بين الحاجبين إلى الناصية، وهي = ٣٨٨ وانقَلبَ الرَّجُلُ وشَالَ برِجِلِهِ، فضَحِكَ النَّبِيُّ ◌َ ◌ِّ حَتى بدتْ نَواجِذُهُ، قَالَ: قُلتُ: مِن أَي شَيءٍ ضَحكَ؟ قَال: مِن فعلِهِ بالرَّجُلِ . = موضع السجود. قوله: (وانقلب الرجل) أي: صار أعلاه أسفله، وسقط على استه. وقوله: (وشال برجله) أي: رفعها، والباء للتعدية أو زائدة، قال في ((المصباح)): شال شَوْلاً من باب قال، رفع، يتعدى بالحرف على الأفصح، ويقال: شالت الناقة بذنبها عند اللقاح: رفعته، وأشالته بالألف لغة، وفي نسخة: فشال، وفي أخرى: وأشال، وفي أخرى أيضاً: وأشاد (١). والكل: بمعنى واحد. قوله: (فضحك النبي) أي: فرحاً وسروراً برمي سعد للرجل وإصابته له، وما يترتب على ذلك من إخماد نار الكفر، وإذلال أهل الضلال، لا من رفعه لرجله حتى بدت عورته. قوله: (قلت) وفي نسخة صحيحة: فقلت، والقائل هو: عامر كما هو ظاهر . وقوله: (من أيّ شيء ضحك؟) أي: من أجل أيّ سبب ضحك النبي ور هل من رَمْي الرجل وإصابته؟ أو من رفعه لرجله وافتضاحه بكشف عورته؟ فلأجل هذا الاحتمال استفسر الراوي - وهو عامر - سعداً عن سبب ضحكه مله قوله: (قال:) أي: سعد. وقوله: (مِن فِعله بالرجل) أي: ضحك وَلّ من أجل رمية الرجل وإصابته، لا من رفعه لرجله وافتضاحه بكشف عورته، لأنه لا يليق بالنبي (١) كذا قال المناوي، لكن قال القاري عن ((أشاد)): ((الظاهر أنه تصحيف)). == ٣٨٩ ٣٦ - باب ما جاء في صفة مُزاح رسول الله وَله = ولا ينبغي أن يضحك لهذا، بل لذاك. ٣٦ - باب ما جاء في صفة مزاح رسول الله القوى أي: باب بيان الأخبار الواردة في صفة مُّزاح الخ، وفي بعض النسخ: باب صفة الخ، والأول أولى، قال العصام: الأنسب: باب كلام رسول الله وَ خير في المزاح، وكان الأولى أن لا يفصل بينه وبين: باب كيف كان كلام رسول الله وَّر بـ: باب الضحك، ورُدَّ: بأن المزاح وقع بغير الكلام كما سيأتي في احتضانه لزاهر، فلو قال: باب كلام رسول اللّه ◌َّر في المزاح، لكانت الترجمة قاصرة، والمِزاح يتولد عنه الضحك فناسب ذكر الضحك، ثم ذكر بعض أسبابه، هكذا قال بعضهم. وقد يقال: الأولى حينئذ أن يقدم المزاح على الضحك تقديماً للسبب على المسبّب. والمزاح بكسر أوله مصدر مازحه، فهو يعني: الممازحة، يقال: مازحه مُمازحة ومِزاحاً، كقاتل مقاتلة وقتالاً، والمُزاح بالضم: مصدر سماعي، والقياس الكسر، لقول ابن مالك: لـ: فاعَلَ الفِعال والمُفاعلة وهو: الانبساط مع الغير من غير إيذاء له، وبه فارق الاستهزاء والسخرية، وإنما كان ◌َله يمزح لأنه كانت له المهابة العظمى، فلو لم يمازح الناس لما أطاقوا الاجتماع له، والتلقي عنه، ولذلك سئل بعض السلف عن مزاحه و8َّ* فقال: كانت له مهابة، فلذا كان ينبسط مع الناس بالمداعبة والطلاقة والبشاشة. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها: أنه ولو كان يمزح، ويقول: ((إن الله لا يؤاخذ المَزّاح الصادق في مزاحه»، لكن لا ينبغي المداومة عليه فإنه يورث الضحك وقسوة القلب، ويشغل عن ذكر الله والفكر في مهمات الدين، ويؤول في كثير من الأوقات إلى الإيذاء، لأنه يوجب الحقد ويُسقط = ٣٩٠ ٢٣٥ - حدّثنا مَحْمودُ بنُ غَيلانَ، حدَّثَنَا أَبُو أُسَامة، عَن شَريكٍ، عَن عَاصم الأحولِ، عَنْ أَنْسِ بنِ مَالكِ: أَنَّ النَّبِيَّ نَ قالَ له: ((يا ذَا الْأُذُنَين)). قَالَ مَحمودٌ: قَالَ أَبو أُسامَةَ: يَعني: يُمازِحُهُ. = المهابة، فالإفراط فيه: منهي عنه، والمباح ما سلم من هذه الأمور، بل إن كان لتطبيب نفس المخاطب ومؤانسته كما كان ◌َ﴿ يفعله على نُدورٍ فهو: سنّة، وما أحسن قولَ الإمام الشافعي: بجدّ وعلِّله بشيء من المَزْحِ أَفِدْ طبعك المكدودَ بالجِدِّ راحة على قدر ما يُعطَى الطعامُ من الملح ولكنْ إذا أعطيتَه المزح فليكن وأحاديث هذا الباب ستة. ٢٣٥ - قوله: (أن النبي ◌َّ قال له) أي: لأنس. وقوله: (ياذا الأذنين) أي: يا صاحب الأذنين السميعتين الواعيتين الضابطتين لما سمعتاه، وَصَفه بذلك مدحاً له لذكائه وفطنته. قوله: (قال محمود) وفي نسخة: قال أبو عيسى: قال محمود. أي: ابن غيلان شيخ المصنف . وقوله: (قال أبو أسامة) أي شيخ محمود. وقوله: (يعني: يمازحه) أي: يقصد ◌َّ ممازحته، فهو من قبيل ذكر الفعل وإرادة المصدر، على حد: تسمعَ بالمُعَيديّ خير من أن تراه، أي: سماعُك به خير من رؤيته، ولما كان في كون ما ذكر مزاحاً خفاءٌ: أتى بذلك بياناً له حتى أتى بالعناية(١) دون: أيْ، وإن كان مزاحاً مع كون معناه صحيحاً، لأن في التعبير عنه بـ: ياذا الأذنين مباسطةً وملاطفة، حيث سماه (١) أي: بقوله: ((يعني)). = ٣٩١ ٢٣٦ - حدّثنا هَنَّادُ بنُ السَّرِيِّ، حدَّثَنا وَكيعٌ، عَن شُعبةَ، عَن أَبي التَّاحِ، عَن أَنَسِ بنِ مَالكِ رَضيَ الله عَنهُ قَال: إنْ كانَ رسولُ اللهِ وَه لَيُخَالِطْنَا حَتَّى يَقُولَ لأَخِ لي صغيرٍ: ((يَا أبا عُميرٍ مَا فعلَ النُّغَيرُ؟)). = بغير اسمه، مما قد يوهم أنه ليس له من الحواس إلا الأذنان، أو أنه مختص بهما، فهو من جملة مزحه ولطيف أخلاقه وَلته . ٢٣٦ - قوله: (عن أبي التيَّح) بفتح التاء وتشديد الياء وبالحاء المهملة، اسمه: يزيد بن حُميد، بالتصغير. قوله: (إنْ كان) أي: إنه كان، فإنْ: مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن. وقوله: (لَيخالطنا) أي: يمازحنا. قال في ((القاموس)): خالطه مازحه، والمراد بالضمير المفعول، وهو ((نا)): أنسٌ وأهلُ بيته. قوله: (حتى يقول) غاية في قوله: يخالطنا، أي: انتهت مخالطته لنا إلى الصغير من أهلنا ومداعبته والسؤال عن طيره. وقوله: (لأخ لي) أي: من الأم، كان صغيراً، واسمه: كبشة (١)، وأبوه أبو طلحة زيد بن سهل الأنصاري. وقوله: (يا أبا عمير ما فعل النغير؟) بالتصغير فيهما، فيؤخذ منه: جواز تصغير الاسم ولو لحيوان غير الآدمي، أي: ما شأنه وما حاله. وإنما سأله ◌َر عن ذلك مع علمه به: تعجباً منه، وملاطفةً له، وإدخالاً للسرور عليه، ولذلك ابتدأ الصغيرَ بالخطاب حيث لا يطلب منه الجواب، وهو: تصغير نُغَر، بضم النون وفتح الغين، وهو: طائر كالعصفور أحمر المنقار، وقيل: طائر له صوت، وقيل: هو الصقر، وقيل غير ذلك، والأشهر الأول. (١) ينظر؟ فالمعروف اسمه حفص، انظر ((فتح الباري)) ٥٨٦:١٠ (٦٢٠٣). ٣٩٢ قَالَ أَبو عيسَى: وَفِقهُ هَذا الحَديثِ: أنَّ النَّبِيَّ وََّ كانَ يُمازِحُ، وَفيهِ: أَنَّ كَنَّى غُلاماً صَغِيراً فقالَ لَهُ: ((يا أَبا عُمِيْرٍ))، وفيهِ: أَنَّهُ لا بأسَ أنْ يُعطَى الصَّبِيُّ الطَّيْرَ ليلعَبَ به، وإنَّمَا قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ◌َلَّهِ: ((يا وعُمير: قيل تصغير عمر، بضم العين وسكون الميم، إشارة إلى أنه = يعيش قليلاً. والفعل: هو التأثير مطلقاً، والعمل: ما كان من الحيوان بقصد، فهو أخص من الفعل، لأنه قد ينسب إلى الحيوان الذي لا قصد له بل قد ينسب إلى الجماد، ويؤخذ من الحديث: جواز السجع، ومحل النهي عنه إذا كان فيه تكلف. قوله: (قال أبو عيسى) أي: المصنف. قوله: (وفقه هذا الحديث) أي: ما يفهم منه من المسائل المفقوهة. وقوله: (كان يمازح) أي: لمصلحة تطييب نفس المخاطب، ومؤانسته، وملاطفته، ومداعبته، وذلك من كمال خلقه ومكارم أخلاقه وتواضعه ولين جانبه وَّ حتى مع الصبيان، وسعة صدره الشريف وحسن معاشرته للناس عليه الصلاة والسلام. قوله: (وفيه: أنه) الخ، أي: وفي هذا الحديث من الفوائد: أنه الخ. ولو قال: وأنه، الخ، عطفاً على ((أنه)) الأُولى لكان أَولى، وقوله: (كنى غلاماً صغيراً) وهو لا بأس به، لأن الكنية قد تكون للتفاؤل بأنه يعيش، ويصير أباً: لكونه يولد له، فاندفع ما يقال إن في ذلك جعل الصغير أباً لشخصٍ، وهو ظاهر الكذب. قوله: (وأنه لا بأس أن يعطى الصبي الطير ليلعب به) أي: وفيه أيضاً من الفوائد: أنه لا بأس ولا حرج في إعطاء الصبي الطير ليلعب به، واستشكل: بأن فيه تعذيباً للحيوان، وهو منهي عنه! وأجيب: بأن التعذيب غير مقطوع به، بل ربما يراعيه فيبالغ في إكرامه وإطعامه لإلفه له، وهذا = ٣٩٣ أَبَا عُميرِ مَا فَعَل التُّغَيرُ)) لأَنَّهُ كَان لهُ نُغَيرٌ يَلعبُ بِهِ فَماتَ، فَحَزِنَ الغُلامُ عَليهِ، فَمَازَحُهُ النَّبِيُّونَ﴿ فقال: ((يا أبَا عُميرٍ مَا فَعَلَ الثُّغَيرُ؟)). ٢٣٧ - حدّثنا عَباسُ بن محمَّدٍ الدُّوريُّ، حدَّثَنَا عَليُّ بنُ الحَسنِ ابنِ شَقيقٍ، أَنبأنَا عَبدُ الله بنُ المُباركِ، عَن أُسامةَ بنِ زَيدٍ، عَن سَعيدٍ المَقْبُريِّ، عَن أَبي هُريرةَ رَضيَ الله تَعالَى عَنْهُ قَالَ: = ظاهر إن قامت قرينة على أن الصبي لا يعذبه، بل يلعب به لعباً لا عذاب فيه، ويقوم بمُؤنته على الوجه اللائق، فيجوز تمكينه منه حينئذ وإلا حَرُم. واعلم: أن فوائد هذا الحديث تزيد على المئة، أفردها ابن القاصّ بجزء (١)، وقد أشرنا إلى بعضٍ منها زائدٍ على ما ذكره المصنف. قوله: (يلعب به) في نسخة: فيلعب به. وقوله: (فحزن الغلام عليه) أي: كما هو شأن الصغير إذا فقد لعبته. و قوله: (فمازحه) أي : باسطه. وقوله: (فقال: يا أبا عمير ما فعل النغير؟) أي: ليسلِّيه ويذهب حزنه عليه، لأنه يفرح بمكالمة النبي ◌ّ له، فيذهب حزنه بسبب فرحه. ٢٣٧ - قوله: (ابن الحسن) وفي نسخة: الحسين، بالتصغير، والأول هو الصواب. وقوله: (ابن شقيق) أي: المروزي العبدي. وقوله: (المقبري) بفتح الميم وسكون القاف وضم الباء الموحدة أو فتحها، نسبة للمقبرة، لكونه كان يسكن المقابر، أو لكونه نزل بناحيتها. قوله: (قال) أي: أبو هريرة. (١) مطبوع، وأوصل الفوائد فيه إلى الستين فقط. ٣٩٤ قَالوا: يَا رَسولَ الله إنَّك تُداعِبْنَا؟! فقَالَ: ((نَعمْ، غَيرَ أَنِّي لا أَقولُ إلاَّ حَقاً). وقوله: (قالوا) أي: الصحابة. وقوله: (إنك تداعبنا) - بدال وعين مهملتين - أي: تمازحنا، من المداعبة وهي الممازحة، والدعابة بالضم: اسم لما يُستملح من ذلك. وقوله: (فقال: ((نعم، غير أني لا أقول إلا حقاً)) أي: مطابقاً للواقع، وفي نسخة: قال: إني الخ. والتحقيق - ما قاله العصام -: أن قصدهم السؤال عن المداعبة، هل هي من خصائصه وَل18؟ فتكون ممنوعة منا لورود النهي عنها في قوله منآثار: ((لا تُمارِ أخاك ولا تُمازحه، ولا تَعِدْه موعداً فتخلفَه)) أو ليست من خصائصه فلا تكون ممنوعة منا، فأجاب: بأنه يداعب لكن لا يقول إلا حقاً، فمن حافظ على قول الحق مع بقاء المهابة والوقار فله المداعبة، بل هي سنة كما مر، وقد تقدم عن عائشة أنه ◌ّشهر كان يمزح ويقول: ((إن الله لا يؤاخذ المَزّاح الصادق في مُزاحه)» ومن لم يحافظ على ذلك فليس له المداعبة، وعلى ذلك يحمل النهي الوارد. وقيل لسفيان بن عيينة: المزاح محنة، فقال: بل سنة، لكن لمن يحسنه ويضعه مواضعه، وأما ما قاله الطيبي: إن قصدهم الإنكار فكأنهم قالوا: لا ينبغي لمثلك المداعبة لمكانتك عند الله تعالى، فَرَدَّ عليهم بقوله: نعم الخ: فهو مردود بأنه يبعد أن يخطر ببال الصحابة رضي الله عنهم الإنكار والاعتراض عليه واله . وبالجملة فكان ◌َله يمزح على ندور، ولا يقول إلا حقاً لمصلحة مؤانسة أو تألَّف، فإنهم كانوا يهابونه فيمازحهم ليخفف عنهم مما ألقي عليهم من مهابتهم منه، لا سيما عقب التجليات. ٣٩٥ ٢٣٨ - حدّثنا قتيبةُ بنُ سَعيدٍ، حدَّثَنَا خَالدُ بنُ عَبد الله، عَن حُميدٍ، عن أَنَسِ بنِ مَالكِ: أَنَّ رَجُلاً استَحمَلَ رَسولَ اللهِ وَله فقال: ((إِنِّي حَامِلُكَ عَلَى وَلِدِ ناقةٍ)) فقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا أَصنعُ بولدِ النَّاقَةِ؟! فقال: ((وَهلْ تَلِدُ الإبلَ ٢٣٨ - قوله: (خالد بن عبد الله) أي: ابن عبد الرحمن بن زيد الطحان الواسطي المدني، ثقة عابد، يقال: إنه اشترى نفسه من الله ثلاث مرات، کل مرة يتصدق بوزن نفسه فضة. قوله: (أن رجلاً) وکان به بَلَه. وقوله: (استحمل رسول الله وَّله) أي: طلب منه أن يحمله، أي: يعطيه حمولة يركبها . و قوله: (فقال) أي: رسول الله ێ﴾ . وقوله: (إني حاملك) أي: مريدُ حملِك. وقوله: (على ولد ناقة) وفي نسخة: ((ولد الناقة)). قال ◌َّ له ذلك - مع كونه يتبادر منه ما هو الصغير من أولاد الإبل - مداعبةً وملاطفةً ومباسطةً له. قوله: (فقال) أي: ذلك الرجل. وقوله: (ما أصنع بولد الناقة) إنما قال ذلك، لتوهُّمه أن المراد من ولدِ الناقةِ الصغيرُ، لكونه المتبادر من الإضافة والتعبير بالولد. قوله: (فقال) أي: الرسول وَله. وقوله: (وهل تلد الإبل) بالنصب مفعول مقدم، والإبل: اسم جمع لا واحد له من لفظه، وهو بكسرتين، وسُمع تسكين الباء للتخفيف، ولم = ٣٩٦ إلاَّ النُّوقُ؟!)). ٢٣٩ - حدّثنا إسحاقُ بنُ منصورٍ، حدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، حدَّثَنَا مَعمرٌ، عَن ثَابتٍ، عَن أَنْسِ بن مالكٍ: أَنَّ رَجلاً مِن أهلِ الباديةِ، كَانَ اسمُهُ: زاهِراً، وَكانَ يُهدِي إلى النَّبِيِّ وَّلـ = يجىء من الأسماء على فِعِل بكسرتين إلا الإبل، والحِير(١). وقوله: (إلا النوقُ) بالرفع فاعل مؤخر، فالإبل ولو كباراً أولاد الناقة، فيصدق ولد الناقة بالكبير والصغير، فكأنه يقول: لو تدبرت لم تقل ذلك، ففيه إرشاده كغيره إلى أنه ينبغي له إذا سمع قولاً يتأمله ولا يبادر بردِّه، والنوق بضم النون: جمع ناقة، وهي أنثى الإبل، وقال أبو عبيدة: لا تسمى ناقة حتى تُجْذع. ٢٣٩ - قوله: (من أهل البادية) هي خلاف الحاضرة، والنسبة إليها بدوي علی غیر قیاس. قوله: (وكان اسمه زاهراً) بالتنوين، وهو: ابن حرام الأشجعي شهد بدراً. قوله: (وكان يهدي إلى النبي ◌َّ) الخ، بضم الياء من أهدى، لأنه من الإهداء، وهو: البعث بشيء إلى الغير إكراماً له، وروي أن رجلاً كان يهدي إليه ◌َ﴿ العُكَّة من السمن أو العسل، فإذا طولب بالثمن، جاء بصاحبه فيقول للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: أعطه متاعه، أي: ثمنه، فما يزيد صلى الله عليه وآله وسلم على أن يتبسم ويأمر به فيعطى. وفي رواية: أنه كان لا يدخل المدينةَ طُرْفةٌ - وهو الشيء المستحسن - إلا اشتراها، ثم جاء بها فقال: يا رسول الله هذه هدية لك، فإذا طالبه (١) بمعنى صفرة الأسنان. = ٣٩٧ هديَّةً من الباديَةِ، فَيُجِهِّزُهُ النَّبِيُّ نَّ إِذَا أرادَ أنْ يَخرِجَ، فقالَ النَّبيُّ ﴿َّ: ((إِنَّ زَاهراً بَادیتُنا، = صاحبها بثمنها جاء به فقال: أعطه الثمن، فيقول: ((ألم تُهْدِه لي؟!)) فيقول: ليس عندي، فيضحك ويأمر لصاحبه بثمنه، وكأنه رضي الله عنه إذا اشترى ذلك بثمن في ذمته على نية أدائه إذا حصل لديه، يهديه للنبي وَّ لإيثاره له على نفسه، فلما عجز وصار كالمكاتب، رجع إلى مولاه، وأبدى إليه صنيع ما أولاه. قوله: (هدية من البادية) أي: مما يوجد من ثمار ونبات وغيرهما، لأنها: تكون مرغوبة عزيزة عند أهل الحضر، وكان ◌َل يقبلها منه، لأن من عادته وَله قبول الهدية، بخلاف العمال بعده، فلا يجوز لهم قبولها إلا ما استثني في محله. قوله: (فيجهزه النبي (18) - بضم الياء وفتح الجيم وتشديد الهاء - أي: يعطيه ما يتجهز به إلى أهله، مما يعينه على كفايتهم، والقيام بكمال معيشتهم . قوله: (إذا أراد أن يخرج) أي: ويذهب إلى أهله. قوله: (إن زاهراً باديتنا) أي: ساكن باديتنا، فهو على تقدير مضاف، لأن البادية خلاف الحاضرة كما تقدم، فلا يصح الإخبار إلا بتقدير المضاف، أو هو من إطلاق اسم المحل على الحالِّ، لأنا نستفيد منه ما يستفيده الرجل من باديته من أنواع الثمار وصنوف النبات، فصار كأنه باديتنا، أو أن التاء للمبالغة والأصل: بادينا، أي: البادي المنسوب إلينا، لأنا إذا احتجنا متاع البادية، جاء به إلينا فأغنانا عن السفر إليها، وقد ورد كذلك في بعض النسخ. قال بعض الشراح: وهو أظهر، والضمير لأهل بيت النبوة، أو أتى به للتعظيم، ويؤيد الأول ما في جامع الأصول من قوله وَّيقول: ((إن لكل حاضر = ٣٩٨ ونَحنُ حَاضِرُوه)) وَكَانَ بِّهَ يُحِبُّه، وكانَ رَجلاً دَميماً، فأتَاهُ النَّبِي وَل﴿ يَوماً وهو يَبيعُ مَتاعَهُ، فاحتَضنَهُ مِن خَلفهِ وَهو لا يُبصرُهُ، = بادية، وبادية آل محمد زاهر بن حرام)). وقوله: (ونحن) أي أهل بيت النبوة، أو ضمير الجمع للتعظيم كما مر في الذي قبله . وقوله: (حاضروه) أي: حاضرو المدينة له، فلا يقصد بالرجوع إلى الحضر إلا مخالطتنا، أو نعدُ ونهيء له ما يحتاجه من الحضر، وليس ذلك من المنّ المذموم، وإنما هو إرشاد للأمة إلى مقابلة الهدية بمثلها أو خير منها، لأنه كان يكافىء عليها كما هو عادته عليه الصلاة والسلام، على أنه وَّر مستثنى ممن يحرم عليه المنّ، فاندفع استشكال العصام لذلك: بأن المنعم لا يليق به ذکر إنعامه. قوله: (يحبه) أي: حباً شديداً، ويؤخذ منه: جواز حب أهل البادية، وجواز الإخبار بمحبة من يحبك. وقوله: (دميماً) بالدال المهملة، أي: قبيح الوجه، كريه المنظر، مع كونه مليح السريرة، فلا التفات إلى الصور كما في الحديث: ((إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)). قوله: (فأتاه النبي) الخ، يؤخذ منه: جواز دخول السوق، وحسن المخالطة . وقوله: (وهو يبيع متاعه) أي: والحال أنه يبيع متاعه، وهو: كل ما يتمتع به من الزاد، ومتاعه كان - كما في رواية -: قربة لبن، وقربة سمن. وقوله: (فاحتضنه من خلفه وهو لا يبصره) أي: أدخله في حضنه، وهو: ما دون الإبط إلى الكشح، وجاء من ورائه وأدخل يديه تحت إبطيه، والحال: أنه لا يبصره أي: لا يراه ببصره، وذلك بعد أن جاء بَّر من = ٣٩٩ فَقالَ: مَن هذا؟ أَرَسِلْنِي! فَالتَفتَ فعَرفَ النَّبِيَّ نَّهِ، فَجعلَ لا يَأْلُو مَا ألصقَ ظَهرَهُ بصَدرِ النَّبِّ وَّهِ حِينَ عَرَفَهُ، فَجعلَ النَّبِيُّ وَّهِ يَقولُ: ((من يشتري هذا العبدَ؟)) فَقالَ: يَا رسولَ الله = أمامه، وفتح إحدى القربتين فأخذ منها على إصبعه، ثم قال له: ((أمسك القربة))، ثم فعل بالقربة الأخرى كذلك، ثم غافله وجاء من خلفه واعتنقه وأخذ عينيه بيديه كي لا يعرفه. ويؤخذ من ذلك: جواز اعتناق من يحبه من خلفه ولا يبصره. وقوله: (فقال: من هذا) أي: أيُّ شخص هذا؟. وقوله: (أرسِلْني) أي: خلِّني وأطلقني، فالإرسال: التخلية والإطلاق. وفي نسخة بعد قوله له أرسلني: من هذا؟ مرة ثانية. وقوله: (فالتفت) أي: ببعض بصره، ورأى بطرفه محبوبه، وهذا ساقط من بعض النسخ. وقوله: (فعرف النبي ◌َ﴾﴾ القياس: فعرف أنه النبي. وقوله: (فجعل لا يألو ما ألصق ظهره بصدر النبي وَّ) أي: شرع لا يقصر في إلصاق ظهره بصدره ◌َ ﴿ تبركاً به وتحصيلاً لثمرات ذلك الإلصاق من الكمالات الناشئة عنه، فـ: جعل بمعنى: شرع، ولا يألو: بهمزة ساكنة بمعنى: لا يقصِّر، وما مصدرية. وقوله: (حين عرفه) ذكره مع علمه من قوله ((فعرف النبيَّ)) اهتماماً بشأنه، وإيماء إلى أن منشأ هذا الإلصاق ليس إلا معرفته. وقوله: (فجعل النبي وَ ل يقول) أي: شرع يقول. وقوله: (من يشتري هذا العبد؟) أي: من يشتري مثل هذا العبد في الدمامة؟ أو من يستبدله مني؟ أو من يقابل هذا العبد الذي هو عبد الله بالإكرام والتعظيم؟ وقال بعضهم: أراد التعريض له: بأنه ينبغي أن يشتري = ٤٠٠ إذاً واللهِ تَجِدَني كَاسداً، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((لَكُنْ عِند الله لَستَ بكاسدٍ)) أَو قال: ((أَنت عِند الله غالٍ)). = نفسه من الله ببذلها فيما يرضيه، وفيه بُعد، ويؤخذ من ذلك: جواز رفع الصوت بالعرض على البيع، وتسمية الحر عبداً، ومداعبة الأعلى مع الأدنى. وقوله: (إذا) واقعة في جواب شرط محذوف، أي: إنْ بعتني على فَرْض كوني عبداً إذاً والله تجدَني كاسداً، وفي بعض النسخ تأخير المقسم عن الفعل، وعلى الأول ففيه الفصل بين إذاً والفعل بالقسم، وهو جائز، وفي بعض النسخ: تجدوني بضمير الجمع. والأوفق بقواعد العربية الإفراد، لكن قد يجعل الجمع للتعظيم، ومعنى الكاسد: الرخيص الذي لا يرغب فيه أحد، يقال: كسَد يكسُد - بالضم من باب قتل - كساداً إذا قلّتِ الرغبات فيه. وقوله: (فقال النبي ◌َّ ﴿ الخ)، أي: مدحاً له، فيؤخذ منه: جواز مدح الصدیق بما يناسبه. وقوله: (لكن عند الله لست بكاسد) أي: لكونك حسن السريرة، وإن كنت دميماً في الظاهر، وتقدم حديث: ((إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)). وقوله: (أو قال: أنت عند الله غالٍ) بغينِ معجمة، وهو: ضد الكاسد، وهذا الشك من الراوي. وقد تضمن هذا الحديث: حكماً عليةً، وأسراراً جلية: لأنه لما أتاه المصطفى وجده مشغوفاً ببيع متاعه، فأشفق عليه أن يقع في بئر البعد عن الحق، ويشتغل عن الله تعالى، فاحتضنه احتضان المشفق على من أشفق عليه، فشق عليه الاشتغال عما يهواه، فقال: أرسِلني لما أنا فيه، فلما شاهد جمال الحضرة العلية، اجتهد في تمكين ظهره من صدره الشريف ليزداد إمداداً فقال النبي وَ تأديباً له: ((من يشتري هذا العبد؟)) إشارة إلى =