Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١ خُفَّيْنِ وُ عنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِه، أَنَّ النَّجَاشِيَّ أَهْدَى لِلِنَّبِيِّ أَسْوَدَيْنِ سَاذَجَيْنِ، فَلَبِسَهُمَا ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَيْهِمَا. وقوله: (عن ابن بريدة) هذا هو الصواب، وفي بعض النسخ ((أبي بريدة)) وهو غلط فاحش، كما قاله القسطلاني. وقوله: (عن أبيه) أي: بريدة. قوله: (أن النَّجاشيَّ) بكسر أوله أفصح من فتحه، وبتخفيف الياء أفصح من تشديدها، وتشديدُ الجيم خطأ، واسمُه: أصحمةُ، بالصادِ المهملة، والسينُ تصحيفٌ، والحاءِ المهملة. وقيل: اسمه مكحول بنُ صعصعةَ، وهو ملك الحبشة. وإنما قيل له: النجاشي، لانقياد أمره، والنِّجاشةُ بالكسر: الانقيادُ. ولما مات أخبرهم النبي ◌َّ بموته يوم موته، وخرج بھم وصلّی علیه، وصلوا معه. قوله: (أهدى للنبي وََّ) وفي نسخة: إلى النبي، فهو يتعدى باللام، وبـ: إلى. وقوله: (خفين) أي: وقميصاً وسراويلَ وطَيْلَساناً. وقوله: (أسودين ساذَجين) بفتح الذال المعجمة وكسرها. قال المحقق أبو زرعة: أي: لم يخالِط سوادَهما لونٌ آخر. وهذه اللفظة تستعمل في العرف لذلك المعنى، ولم أجدها في كتب اللغة، ولا رأيت المصنفين في غريب الحديث ذکروها. قوله: (فلبسهما) التعبير بالفاء التي للتعقيب، يفيد أن اللبس بلا تراخ فينبغي للمُهدى إليه التصرف في الهدية عقب وصولها بما أهدِيتْ لأجله، إظهاراً لقبولها، وإشارةً إلى تواصل المحبة بينه وبين المُهدي. ويؤخذ من الحديث: أنه ينبغي قبولُ الهدية حتى مِن أهل الكتاب، فإنه كان وقتَ الإهداء كافراً، كما قاله ابن العربي، ونقله عنه الزينُ العراقيُّ وأقره. قوله: (ثم توضأ ومسح عليهما) أي: بعد الحدث، وهذا يدل على = ١٨٢ ٧٤ - حدّثنا قُتِيبةُ بنُ سَعيدٍ، حدثنا يَخْيَى بْنُ زَكَرِيًّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَّاشٍ، عَنْ أَبِي إسْحاقَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: قَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: أَهْدَى دِحْيَةُ لِلنَّبِّ وَِّ خُقَّيْنِ، فَلَبِسَهُمَا. - وَقَالَ إِسْرَائِيلُ: عَنْ جَابِرٍ، عَنْ عَامِرٍ - = جواز مسح الخفين، وهو إجماعُ مَن يُعتَد به، وقد روى المسحَ ثمانون صحابياً، وأحاديثُهُ متواترةٌ، ومِن ثَمّ قال بعض الحنفية: أخشى أن يكون إنكاره - أي من أصله - كفراً. ٧٤ - قوله: (عن الحسن بن عياش) بمهملة فتحتية مشددة ثم معجمة، كـ: عبّاس، الأسديّ الكوفي. وثّقه ابنُ معين وغيرهُ. خرّج له مسلم. قال الحافظ العراقي: وليس للحسن بن عياش عند المؤلف إلا هذا الحديثُ الواحد . وقوله: (عن أبي إسحاق) أي: الشيباني كما سيذكره المصنف. وقوله: (عن الشَّعْبي) بفتح الشين المعجمة، وسكون العين، وهو عامر وسیصرح باسمه بعد ذلك. قوله: (أهدى دِحيةٌ) بكسر أوله عند الجمهور، وقيل بالفتح، وهو دحيةُ الكلبيُّ . قوله: (فلبسهما) أي: عقب وصولهما، كما يفيده التعبير بالفاء. قوله: (وقال إسرائيل) الخ، هذا من كلام المصنف، فإن كان من عند نفسه فهو معلَّق لأنه لم يدركه، وإن كان من شيخه قتيبة فهو غير معلق. وقوله: (عن عامر) يعني الشعبيَّ، ولم يُفصِح به محافظةً على لفظ الراوي. ١٨٣ وَجُبَّةً، فَلَبِسَهُمَا حَتَّى تَخْرَّقَا، لَا يَدْرِي النَّبِيُّ بَ لهِ أَذَكِيُّ هُمَا أَمْ لا . قَالَ أَبُو عِيسَى: وَأَبُو إِسْحَاقَ هذَا: هُوَ أَبُو إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيُّ، قوله: (وجُبَّةً) عطف على: خفين، أي: أَهدى له خفين وجبةً. وقوله: (فلبسهما) أي: الخفين، كما يُشعر به قوله: (حتى تَخرّقا) أي: الخفان، أو الخفان والجبة، على ما تقدم في قوله: ((فلبسهما)» ويؤخذ من كونه وَل لبس الخفين حتى تخرقا: أنه يطلب استعمال الثياب حتى تتخرق، لأن ذلك من التواضع، وقد ورد في حديث عند المؤلف في الجامع: أنه وَ لّ قال لعائشة: ((لا تَستخلقي ثوباً حتى ترقعیه)). وقوله: (أَذَكيُّ هما) يصح إرجاعه للخفين، والجبة، والتخرقُ كما يكون في الخف، يكون في الجبة، خلافاً لمن زعم أن التخرق إنما يكون للخف، لا للجبة. قال الحافظ الزين العراقي: ولم يُبيّن المصنفُ أن هذه الزيادة من رواية عامرِ الشَّعبيّ عن المغيرة كالرواية الأولى، أو مِن رواية الشعبي روايةً مرسلةً. انتهى. قوله: (لا يدري النبيُّ ◌َ لَّ أذكي هما أم لا؟) أي: لا يدري النبي ◌َّ جواب هذا الاستفهام، ونفيُ الصحابةِ دراية المصطفى وَّ لذلك: لِذِكرِهِ ذلك له، أو لما فُهِم مِن قرينةٍ كونهِ لم يسَأل: هل هما من مذكَّىَ أو غيرهَ، وكيف ما كان: ففيه الحكم بطهارة مجهول الأصل. ومعنى أَذَكيُّ هما أي: أمُذَكىّ هما؟ ففعيل: بمعنى مفعول، فهذا التركيب نظير: أمضروبٌ الزيدانِ. قوله: (قال أبو عيسى) أي: المؤلف كما تقدم نظيره. وقوله: (وأبو إسحاق هذا) أي: المذكور في السند السابق. وقوله: (هو أبو إسحاق الشيبانيُّ) بمعجمة وتحتية وموحدة، أي: لا أبو إسحاقَ السَّبيعيُّ. ١٨٤ وَاسْمُهُ سُلَيْمَانُ. ١١ - باب ما جاء في نعل رسول الله وحلول وقوله: (واسمه سليمان) وقيل: فيروز، وقيل: خاقان. ١١ - باب ما جاء في نعل رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أي: باب بيان الأخبار الواردة في نعل رسول الله وَّه، والنعلُ: كل ما وُقِيَتْ به القَدَمُ عن الأرض، فلا يشمل الخف عرفاً، ومن ثم أفرده بباب. وكان المصطفى ◌َ ﴿ ربما مشى حافياً، لا سيما إلى العيادات تواضعاً، وطلباً المزيد الأجر، كما أشار إلى ذلك الحافظ العراقي بقوله: عيادة المريض حولَه المَلا يمشي بلا نعل ولا خف إلى وقد كانت نعله وَِّ مُخَصَّرةً مُعَقَّبَةً مُلَسَنةً، كما رواه ابن سعد في الطبقات. والمخصّرة: هي التي لها خصر دقيق، والمُعَقَّبَة: هي التي لها عِقِبٌ، أي سَيْرٌ مِن جلدٍ في مؤخر النعلِ يُمسَك به عقبُ القدم، والملسّنة: هي التي في مُقدَّمها طول على هيئة اللسان، لما تقدم أن سبَابة رِجْله وَيه كانت أطولَ أصابعِه، فكان في مقدم النعل بعضُ طول، يناسب طول تلك الأصبع. وقد نظم الحافظ العراقي صفة نعله وَّر ومقدارها في قوله: طوبى لمن مسّ بها جبينهْ ونعلُه الكريمة المصونة سِبْتيتان سَبَّوا شَعْرَهما لها قِبالان بِسَيرٍ وهُمَا وعرضُها مما يلي الكعبان وطولها شبر وإصبعانٍ خمس وفوق ذا فستٌّ فاعلم بين القِبالينِ إِصْبعانِ اضبطْهما سبعُ أصابعٍ وبطنُ القدم ورأسها محدَّد وعرض ما وفي الباب أحدَ عشرَ حديثاً. ١٨٥ ٧٥ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: قُلْتُ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: كَيْفَ كَانَ نَعْلُ رَسُولِ اللهِ الَّهِ؟ قَالَ: لَهُمَا قِبَالاَنِ . ٧٦ - حدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثْنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ خَالِدِ الْحَذَّاءِ، ٧٥ - قوله: (همام) ثقةٌ، ثَبْتُ. قوله: (كيف كان نعل رسول الله وَ له) أي: كان نعل رسول الله وَله على أي كيفية وهيئة؟ هل كان له قِبالان؟ أو قِبال واحد؟ وكان القياس ((كانت)) بتاء التأنيث، لأن النعل مؤنثة، لكن لما كان تأنيثها غيرَ حقيقي، ساغ تذكيرها باعتبار الملبوس. قوله: (قال: لهما قِبالان) أي: لكل منهما قبالان. بدليل رواية البخاري. والقبالان: تثنية قِبال، وهو بكسر القاف وبالموحدة: زمام بين الإِصبعَ الوسطى، والتي تليها، ويسمى شِسْعاً، بكسر الشين المعجمة، وسكون السين المهملة، بوزن حِمْل، كما في ((القاموس)). وكان ◌َّ يضع أحدَ القِبالين بين الإبهام والتي تليها، والآخر بَيْنَ الوسطى والتي تليها . ٧٦ - قوله: (محمد بن العلاء) بالمدّ. وقوله: (عن سفيان) قال القسطلاني: هو الثوري لا ابنُ عُيينةَ، لأنه لم يَرْوِ عن خالد، وقال بعض الشراح: يعني: ابنَ عيينة. قوله: (عن خالد الحَذّاء) بفتح الحاء المهملة، وتشديد الذال، وبالمدّ، وهو من يُقَدِّرُ النعلَ ويقطعُها. سُمّي به: لقعوده في سوق الحذائين، أو لكونه تَزوّج منهم، لا لكونه حذّاءً. وهو ثقةٌ، إمامٌ، حافظ، = ١٨٦ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ لِنَعْلِ رَسُولِ اللهِ ﴿ ﴿ قِبَالاَنِ مُثَنَّىَ شِراكُهُمَا. ٧٧ - حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعِ وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ طَهْمَانَ قَالَ: أَخْرَجَ إِلَيْنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكِ نَعْلَيْنِ جَرْدَاوَيْنِ = تابعيٌّ، جليلُ القدر، كثير الحديث، واسع العلم، خرّج له الجماعة. وقوله: (عن عبد الله بن الحارث) له روايةٌ، ولأبيه وجده صحبةٌ. أجمع على توثيقه. خرّج له الجماعة. قوله: (كان لنعل رسول الله وَّه) أي: لكل من الفردتين، كما يؤخذ مما مرّ. وقوله: (مثنّىَ شراكُهما) بضم الميم، وفتح المثلثة، وتشديد النون المفتوحة، أو بفتح الميم، وسكون المثلثة، وكسر النون، وتشديد الياء. روايتان. أي: كان شراك نعله وَّر مجعولاً اثنين من السُّيُّور، ويصح جعل ((مُثنّى)) صفةً، و ((شراكُهما)) نائب الفاعل، ويصح جعل ((مثنى)) خبراً مقدماً وشراكهما مبتدأ مؤخراً، قال الزين العراقي: وهذا الحديث إسناده صحيح. ٧٧ - قوله: (ويعقوب بن إبراهيم) ثقةٌ، مكثر، وهو كثير، فكان ينبغي تمييزه . وقوله: (أبو أحمد الزُّبيريُّ) بالتصغير: نسبة إلى جده زُبَير. خرج له الجماعة . وقوله: (عيسى بن طهمان) بمهملات كعطشان، في التقريب: صدوقٌ. روى عن أنس، وعنه يحيى بنُ آدم وعدّةٌ، وثّقوه، خرج له البخاري. قوله: (جَرْداوين) بالجيم أي: لا شعرَ عليهما، استُعير من: أرض = ١٨٧ لَهُمَا قِبَالَانِ. قَالَ: فَحَدَّثَنِي ثَابِتٌ بَعْدُ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّهُمَا كَانَتَا نَعْلَيِ النَّبِيِّ ◌َِّ . ٧٨ - حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الأَنْصَارِيُّ، حَدَّثْنَا مَعْنٌ، حَدَّثْنَا = جرداء لا نباتَ فيها . قوله: (لهما قِبالان) قال الزين العراقي: هكذا رواه المؤلف، كشيخ الصناعة البخاري بالإثبات، دون قوله: ((ليس)). وأما ما رواه أبو الشيخ من هذا الوجه بعينه من قوله ((ليس لهما قِبالان)) على النفي، فلَعَلّه تصحيفٌ من الناسخ، أو من بعض الرواة، وإنما هو (لُسْن)) بضم اللام وسكون السين وآخره نون: جمع أَلْسَنَ وهو: النعل الطويل كما سيجيء في المَلْبَسِ. قال: وهذا هو الظاهر، فلا ينافي ما ذكره المؤلف كالبخاري . قوله: (قال: فحدثني ثابت بعدُ عن أنسٍ أنهما) الخ، ولعل ابنَ طهمان رأى النعلين عند أنس، ولم يسمع منه نسبتَهما إلى النبي وَلِّ، فحدَّثَه بذلك ثابتٌ عن أنس. وقوله: (ثابت) أي: البُنانيُّ. وقوله: (بعدُ) بالبناء على الضم، لحذف المضاف إليه، ونية معناه. والأصل: بَعْدَ هذا المجلس. وقول ابن حجر: أي: بعد إخراج أنسٍ النعلين إلينا: غيرُ سديدٍ، لِصِدْقِه بكونهما في المجلس، وذلك لا يناسب سياقَ قولِه (عن أنس) إذْ لو كان القولُ بعدَ إخراج النعلين - مع كونهما بالمجلس - لكان الظاهرُ أنّ أنساً هو الذي يحدث بلا واسطة . ٧٨ - قوله: (إسحاقُ بنُ موسى الأنصاريُّ) كذا في نسخ، وفي بعضهما إسحاقُ بن محمدٍ، وهو الصواب. قال بعض الحفاظ: هذا هو الذي خَرّج له في الشمائل، وليس هو إسحاق بن موسى الذي خرَّج له في جامعه. قال في التقريب: وإسحاق بن محمد مجهول. قوله: (معنٌ) أحدُ الأئمة، أثبتُ أصحاب مالكٍ. خرج له الجماعة. ١٨٨ مَالِكٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ لَابْنِ عُمَرَ: رَأَيْتُكَ تَلْبَسُ النَّعَالَ السِّبْنِيَّةَ؟ قَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَلْبَسُ النِّعَالَ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَعَرٌ، وَيَتَوَضَّأُ فِيهَا، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَلْبَسَهَا. وقوله: (المَقْبُريِّ) صفة لأبي سعيد، واسمه: كيسانُ، ونسِب إلى مقبرة: لزيارته لها، أو لحفظها، أو لكون عمرَ ولآه على حفرها. وهو كثير الحديث، ثقةٌ. وقال أحمدُ: لا بأس به، لكنه اختلط قبل موته بثلاث سنين. خرّج له الجماعة . وقوله: (عن عُبَيَدٍ بن جُرَيج) بالتصغير فيهما، وبالجيمين، والراء في ثانيهما . قوله: (رأيتك تَلْبَس النِعال السبتية) أي: التي لا شعر عليها، نسبة إلى سِبت - بكسر السين - وهو: جلود البقر المدبوغة، لأن شعرها سُبتَ، وسَقَط عنها بالدباغ، ومراد السائل أن يَعرِف حكمةَ اختيارِ ابنِ عمرَ لُبس السِّبتية . وقوله: (قال: إني رأيت رسول الله وَليه) الخ أي: فأنا فعلت ذلك اقتداءً به. وقوله: (التي ليس فيها شَعر) أي: وهي السِبتية كما علمتَ. قوله: (ويتوضأ فيها) أي: لكونها عاريةً عن الشعر، فتليق بالوضوء فيها. لأنها تكون أنظف، بخلاف التي فيها الشعر فإنها تجمع الوسخ. وظاهر قوله: ((ويتوضأ فيها)) أنه يتوضأ والرجل في النعل، وقال النووي: معناه أنه يتوضأ ويلبسها بعدُ، ورجلاه رطبتان. وفيه بُعْد لأنه غير المتبادر من قوله: ((ويتوضأَ فيها)). وقوله: (فأنا أحب أن ألبَسَها) أي اقتداء به وَلَه. ويؤخذ منه حِل ◌ُبس النعال على كل حال، وقال أحمد: يكره في المقابر، لقوله وَلَّ لِمَنْ رآه = ١٨٩ ٧٩ - حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ صَالِحٍ مَوْلَى النَّوْأَمَةِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ لِنَعْلِ رَسُولِ الله ◌َِّ قِبَالآنِ. = مشى فيها بنعليه: ((اخلع نعليك)) وأجيب باحتمال كونه لأذىّ فيهما. ٧٩ - قوله: (عن مَعْمَر) بفتح الميمين بينهما عين مهملة ساكنة وآخره راء، عالِمُ اليمن، من أكابر العلماء، مُجْمَعٌ على جلالته، شهد جنازة الحسن رضي الله عنه، روى عنه أربعةٌ تابعيون مع كونه غيرَ تابعي، وهم شيوخ. قوله: (عن ابن أبي ذئب) بكسر الذال المعجمة بعدها همزة ساكنة، وقد تقلب ياءً وفي آخره باء موحدة، وهو محمد بنُ عبد الرحمن، الإمامُ الكبير الشأن، ثقةٌ، فقيهٌ، فاضلٌ، عالمٌ، كاملٌ. وليس هو ابن ذؤيب كما حرّفه بعضُهم، وناهيك بقول الإمام الشافعي رضي الله عنه: ما فاتني أحد، فأسِفْتُ عليه ما أسفتُ على الليثِ وابنِ أبي ذئب. ولما حجّ الرشيدُ، ودخل المسجدَ النبويَّ، قاموا له إلا ابنَ أبي ذئبٍ، فقالوا له: قم لأمير المؤمنين، قال: إنما يقوم الناس لرب العالمين، فقال الرشيد: دعوه قامت مني كل شعرة. قوله: (عن صالح مولى الثَّوأمة) كالذَّحْرَجة بمثناة ومهملات. سُمّيتْ بذلك لكونها أحدَ توأمين، وهي مِن صِغار الصحابة. وصالحٌ مولاها، ثقةٌ، ثبتٌ، لكن تَغَيَّر آخِراً فصار يأتي بأشياء عن الثقات تشبه الموضوعات، فاستحق الترك (١). قوله: (كان لنعل رسول الله) الخ وفي رواية أبي الشيخ عن أبي ذَرٍّ: أنها كانت من جلود البقر، وقيل: كانت صفراء، وقد تقدم عن ابن عباس: أن من طلب حاجة بنعل أصفر قُضِيتْ، وكان عليٍّ يرغب في لبس النعال (١) لكن رواية ابن أبي ذئب عنه كانت قبل اختلاطه. ١٩٠ ٨٠ - حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعِ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ عَمْرَو بْنَ حُرَيْثٍ يَقُولُ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِّهِ يُصَلِّي فِي نَعْلَيْنِ مَخْصُوفَتَيْنِ. - الصُّفْر، لأن الصفرة من الألوان السارة. ٨٠ - قوله: (سفيان) قال القسطلاني: هو الثوري، لأنه هو الراوي عن السدي، خلافاً لما قيل: من أنه ابن عيينة. وقوله: (عن السُّدِّيِّ) بضم السين المهملة، وتشديد الدال المهملة المكسورة: منسوب للشُّدة، وهي: باب الدار، لبيعه المقانعَ - جمع قناع-، والخُمُرَ - جمع خِمار - بباب مسجد الكوفة، وهو السُّدِّيُّ الكبير المشهور - وأما السدي الصغير: فهو حفيد السدي الكبير - وثّقه أحمد، خرج له الجماعة إلا البخاري. قوله: (قال حدثني مَنْ سمِع عمروَ بن حريث) قال القسطلاني: ولم أر في رواية التصريح باسم من حدث السديَّ، وأظنه عطاء بن السائب، فإنه اختلط آخراً، والسدي سمع منه بعد اختلاطه، فأبهمه، لئلا يفطن له، وعمرو بن حريث القرشيُّ المخزومي: صحابيٌّ صغيرٌ خرّج له الجماعة. قوله: (يصلي في نعلين مخصوفتين) أي: مخروزتين بحيث ضُمَّ فيهما طاق إلى طاق، من الخصف: وهو ضم شيء إلى شيء، وبه رُد على من زعم: أن نعله وَلّ كانت من طاق واحد، لكنْ جُمع: بأنه كان له نعل من طاق، ونعل من أكثر، كما دلت عليه عدة أخبار، وهو جمع حسن، وفي سند هذا الخبر - كما ترى - مجهولٌ، وهو: مَن سمع عمروَ بن حریث، لكن صح من غير ما طريق: كان يخصف نعله بنفسه الكريمة بَله، ويؤخذ من الحديث: جواز الصلاة في النعلين لكن إن كانتا طاهرتين. ١٩١ ٨١ - حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ الله ﴿مٌِّ قَالَ: ((لاَ يَمْشِينَّ أَحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ، ٨١ - قوله: (عن أبي الزناد) اسمه: عبد الله بن ذَكوان - بفتح الذال المعجمة - تابعيُّ صغیر. وقوله: (عن الأعرج) اسمه: عبد الرحمن بن هرمز، ثقةٌ، ثَبْتُ، عالم، خرّج له الستة . قوله: (لا يمشينَّ أحدكم في نعل واحدة) وفي رواية: ((لا يمشِ)) بحذف الياء، وفي رواية: ((لا يمشي)) بثبوت الياء من غير نون، وعلى هذه الرواية: فهو نفيٌ صورةً، ونهيٌ معنىّ، بدليل الروايتين الأوليين. فيكره ذلك من غير عذر، لما فيه من المثلة، وعدم الوقارِ، وأمنِ العثار، وتمييزِ إحدى جارحتيه عن الأخرى، واختلال المشي، وإيقاع غيره في الإثم لاستهزائه به، ولأنه مِشية الشيطان، كما قاله ابن العربي. والمداس والتاسومة والخف كالنعل، وألحق ابن قتيبة بذلك: إخراج إحدى يديه من أحد كميه، وإلقاء الرداء على أحد منكبيه، ونظر فيه بعض الشراح: بأنهما من دأب أهل الشطارة، فلا وجه لكراهتهما، والكلام في غير الصلاة، وإلا: فذا مكروه فيها، وفيمن لاتختل مروءته بذلك، وإلا فلا نزاع في الكراهة. والنهي يشمل - كما قاله العصام - ما إذا لبس نعلاً واحدة ومشى في خف واحدة، ورده بعض الشراح: بأن من العلل السابقة تمييزَ إحدى جارحتيه عن الأخرى، وما فيه من المثلة، وغير ذلك، وكل ذلك يقتضي عدم الكراهة. ويقال عليه: ومن العلل السابقة مخالفة الوقار، وخوف العثار، وغير ذلك، وذلك كله يقتضي الإلحاق، والحكم يبقى ما بقيت علته. ومحلُّ النهي عن المشي في نعل واحدة، عند الاستدامة، أما لو انقطع = ١٩٢ لِيَنْعِلْهُمَا جَمِيعاً، أَوْ لِيُحْفِهِمَا جَمِيعاً)). ٨٢ - حدّثنا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، نَحْوَهُ. = نعله فمشى خطوة أو خطوتين، فإنه ليس بقبيح ولا منكر، وقد عُهِد في الشرع، اغتفار القليل دون الكثير، وخرج بالمشي الوقوف، أو القعود، فإنه لا يكره، وذهب بعضهم: إلى الكراهة، نظراً للتعليل بطلب العدل بين الجوارح. قوله: (لينعلْهما جميعاً) أي: لينعل القدمين معاً، وإن لم يتقدم للقدمين ذكر، اكتفاءً بدلالة السياق، على حدٍّ قوله تعالى: ﴿حتى توارت بالحجاب﴾. وينعلهما: ضبطه النووي: بضم أوله مِن أنعل، وتعقبه العراقي بأن أهل اللغة قالوا: نِعَل بفتح العين وتُكْسَر، لكن قال أهل اللغة أيضاً: يقال أنعل رِجْله: ألبسها نعلاً، وحينئذ فيجوز كل من الضم والفتح. وقوله: (أو لِيُحْفِهِما جميعاً) وفي رواية ((أو ليخلعهما)) بدل: ((أو ليحفهما)) أي: أو ليخلع نعليهما معاً. قال القاري: ويُحِفِهما ضبط في أصل سماعنا بضم الياء، وكسر الفاء من الإحفاء، وهو: الإعراء عن نحو النعل، وقال الحنفي: وروي بفتح الياء من حفيَ يَحفى، كرضي يرضى، والأول أظهر معنىّ، لأن حفي ليس بمتَعَدّ. ووجه إيراد هذا الحديث والذي بعده في الباب: الإشارة إلى أنه وَ ال لم يمش هذه المشية المنهي عنها أصلاً. ٨٢ - قوله: (عن أبي الزناد) أسقط هنا الأعرج، فهذا الحديث مرسل لإسقاط الأعرج وأبي هريرة منه بالنظر لإسقاط الصحابي (١). (١) بل المراد: نحو ما تقدم، إلى آخر الحديث بسنده ومتنه السابقين، فلا إرسال. - ١٩٣ ٨٣ - حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنِ أبي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ النَِّيَّ ◌َ نَهَى أَنْ يَأْكُلَ - يَعْنِي الرَّجُلَ - بِشِمَالِهِ، أَوْ يَمْشِيَ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ . ٨٤ - حدّثنا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكِ. ٨٣ - قوله: (نهى أن يأكل) الخ: فالأكل بالشمال بلا ضرورة مكروه تنزيهاً عند الشافعية، وتحريماً عند كثير من المالكية والحنابلة، واختاره بعض الشافعية، لما في مسلم: أن المصطفى بم طر رأى رجلاً يأكل بشماله فقال له: (كُلْ بيمينك)) فقال: لا أستطيع، فقال له: ((لا استطعتَ))، فما رفعها إلى فيه بعد ذلك، ولا يخفى ما في الاستدلال بذلك على التحريم من البعد . قوله: (يعني الرجل) ذكر الرجل، لأنه الأصل والأشرف، لا للاحتراز، وقال بعضهم: المراد بالرجل: الشخص، بطريق عموم المجاز، فيصدق بالمرأة والصبي، والعناية (١) مدرجة مِن الراوي عن جابر أو مَن قبله. وقوله: (أو يمشي في نعل واحدة) فهو مكروه تنزيهاً حيث لا عذر، و((أو)): للتقسيم، لا للشك، كما وُهِمَ، فكلٌّ مما قبلها وما بعدها منهي عنه على حِدَته، على حدّ قوله تعالى: ﴿ولا تُطع منهم آثماً أو كفوراً﴾ وحملُها على الواو يفسد المعنى، لأن المعنى عليه النهيّ عن مجموعهما، لا عن كلِّ على حدته . ٨٤ - قوله: (إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمين) أي: إذا لبس النعلَ أحدُكم فليقدِّم اليمين، لأن التّتَغُلَ من باب التكريم، واليمينُ لشرفها تُقَدَّمُ في كل ما كان من باب التكريم. (١) أي: قوله ((يعني الرجل)). والشارح يكرر هذا التعبير في كتابه. ١٩٤ ح، وَحدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ قَالَ: ((إِذَا انْتَعَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأُ بِالْيَمِينِ، وَإِذَا نَزَعَ فَلْيَبْدَأُ بِالشِّمَالِ، فَلْتَكُنِ الْيُمْنَى أَوَّلَهَمَا تُنْعَلُ، وَآخِرَهُمَا تُنْزَعُ». ٨٥ - حدّثنا أَبُو مُوسَى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَشْعَثُ - وَهُوَ ابْنُ أَبِي الشَّعْثَاء - عَنْ أَبِهِ، عَنْ مَسْروقٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله وقوله: (وإذا نزع فليبدأ بالشمال) أي: وإذا نزع النعل فليُقَدِّم الشمال، لأن النزع من باب التنقيص، والشمال لعدم شرفها تقدم في كل ما كان من باب التنقيص، لكن في إطلاق كون النزع من باب التنقيص نظر، لأنه قد يكون في بعض المواطن ليس إهانة بل تكريماً، ولذا قال العِصام: إن تقديم اليمين إنما هو لكونها أقوى من اليسار، إلا أن ما زعمه يقتضي أن اليسار لو كانت أقوى: تُقَدَّم على اليمين، وهو زلل فاحش، فالأولى قول الحكيم الترمذي: اليمين مختار الله ومحبوبه من الأشياء، فأهل الجنة عن يمين العرش يوم القيامة، وأهل السعادة يعطَون كتبهم بأيمانهم، وكاتب الحسنات على اليمين، وكِفّة الحسنات من الميزان عن اليمين، فاستحقت أن تقدم اليمين، وإذا كان الحق لليمين في التقديم، أَخِّرَ نزعها ليبقى ذلك الحق لها أکثر من الیسری. قوله: (فلتكن اليمنى أولَهما تنعل وآخرَهما تُنزع) تأكيد لما قبله كما لا يخفى، و((أولَهما وآخرَهما)) بالنصب خبر كان، وكل من قوله: ((تنعل وتنزع)) جملة حالية، أو أولهما وآخرهما بالنصب على الحال. ٨٥ - قوله: (يحب التيمن ما استطاع) أي: يختار تقديم اليمين مدة استطاعه، بخلاف ما إذا كان ضرورة فلا كراهة في تقديم اليسار حينئذ. ١٩٥ وَّهُ يُحِبُّ التََّمُّنَ مَا اسْتَطَاعَ: فِي تَرَجُلِهِ وَتَتَغُلِهِ وَطُّهُورِهِ. ٨٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْزُوقٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ قَيْسٍ أَبي مُعَاوِيةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ لنَعْلِ وقوله: (في ترجله) أي: تسريح شعره. وقوله: (وتنعله) أي: لبسه النعل. وقوله: (وطُهوره) بضم أوله وهو ظاهر، وبفتحه على تقدير مضاف، أي: استعمال طهوره، وليس المراد التخصيص بهذه الثلاثة، بدليل رواية: ((وفي شأنه كله)) كما تقدم. ومما ورد في باب التنعل: أنه يكره قائماً، لكن حمل على نعل يحتاج في لبسها إلى الاستعانة باليد لا مطلقاً. ٨٦ - قوله: (محمد بن مرزوق) أي: أبو عبد الله الباهلي، وليس هو محمد بن مرزوق بن عثمان (١) البصري، كما ظنه شارح، لأنه لم يروِ عنه أحد من الستة كما في التقريب، وأما هذا فروى عنه مسلم، وابن ماجه، وابن خزيمة، وقول شارح: لم يخرّج له إلا المصنف زللٌ. وقوله: (عن عبد الرحمن بن قيس) أي: الضبي الزعفراني، كذّبه أبو زرعة وغيره، كذا ذكره ابن حجر في التقريب، وسبقه الذهبي إلى ذلك، قالا: ولا ذكرَ له في الكتب الستة. قوله: (هشام) أي: ابن حسان وهو الراوي عن ابن سيرين، فلذلك لم يميزه، مع أن هشاماً في الرواة خمسة. وقوله: (عن محمد) أي: ابن سيرين، رأى ثلاثين صحابياً، وكان يعبر الرؤيا . (١) كذا، وصوابه: النعمان. ١٩٦ رَسُولِ اللهِ وَ﴿ قِبَالاَنٍ، وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، وَأَوَّلُ مَنْ عَقَدَ عَقْدَاً واحِدَاً عُثْمَانُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ. ١٢ - باب ما جاء في ذكر خاتَم رسول الله وَله قوله: (وأبي بكر وعمر) أي: ولنعل أبي بكر وعمر قبالان، وإنما قدَّم قبالان للاهتمام به، ولكونه المقصود بالإخبار. قوله: (وأول من عقد عقداً واحداً عثمان) أي: وأول من اتخذ قبالاً واحداً عثمانُ، وإنما اتخذ قبالاً واحداً، ليبينَ أن اتخاذ القِبالين قبل ذلك لم يكن لكون اتخاذ القِبال الواحد مكروهاً، أو خلاف الأولى، بل لكون ذلك هو المعتاد، وبذلك يعلم أنّ تَرْك النعلين ولُبس غيرِهما: ليس مكروهاً، ولا خلاف الأولى، لأن لبس النعلين لكونه هو المعتاد إذ ذاك. ١٢ - باب ما جاء في ذِكر خاتَم رسول الله وَلِيل أي: باب بيان الأخبار الواردة في ذلك، وإنما زاد لفظ (ذِكر) هنا دون بقية التراجم: ليكون علامة مميزة بين خاتم النبوة وخاتم النبي ◌َّر، ليعلم مريد سلوك الكتاب: أن ما زيد فيه لفظ (ذِكْر) هو خاتم النبي ◌َّ الذي يختم به، وما خلا عنه: هو خاتم النبوة، وإن كان التمييز يحصل أيضاً بالإضافة فحيث قيل (خاتم النبوة) فالمراد: البَضْعة الناشزة بين كتفيه، وحيث قيل: (خاتم النبي ◌َّ) فالمراد به: الطابع الذي كان يختم به الكتب . قال ابن العربي: والخاتم عادة في الأمم ماضية، وسنة في الإسلام قائمة، وقال ابن جماعة وغيره: وما زال الناس يتخذون الخواتيم سلفاً وخلفاً من غير نكير، وتحصل السنة بلبس الخاتم ولو مستعاراً، أو مستأجراً، والأوفق للاتباع لبسه بالملك، قال الزين العراقي: لم ينقل كيف كانت صفة خاتمه الشريف ﴿ ﴿ هل كان مربعاً؟ أو مثلثاً؟ أو مدوراً؟ وعَمَلُ = ١٩٧ ٨٧ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ وَهْبٍ، = الناس في ذلك مختلف، وفي كتاب «أخلاق النبوة» أنه لا يُدری کیف هو. قالوا: والخاتم حلقة ذات فَصّ من غيرها، فإن لم يكن لها فَصّ فهي فَتَخَة: بفاء ومثناة فوقية وخاء معجمة، كقصبة. وأحاديث الباب ثمانية. ٨٧ - قوله: (كان خاتم النبي (َلل من ورِق) بكسر الراء وتسكَّن تخفيفاً أي: فضة، وأخذ بعض أئمة الشافعية من إيثار المصطفى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم الفضة: كراهة التختم بنحو حديد أو نحاس، وأُيِّدَ بما في رواية: أنه رأى بِيَدِ رجلٍ خاتماً من صُفْر فقال: ((ما لي أجد منك ريح الأصنام؟)) فطرحه، ثم جاء وعليه خاتم من حديد، فقال: ((ما لي أرى عليك حلية أهل النار؟)). ويؤيده أيضاً ما في رواية: أنه أراد أن يكتب كتاباً إلى الأعاجم يدعوهم إلى الله تعالى، فقال له الرجل: يا رسول الله إنهم لا يقبلون إلا كتاباً مختوماً، فأمر أن يعمل له خاتم من حديد فجعله في إصبعه فأتاه جبريل فقال له: انبذه من إصبعك، فنبذه من إصبعه، وأمر بخاتم آخر يُصاغ له، فعُمل له خاتم من نحاس، فجعله في إصبعه، فقال له جبريل: انبذه، فنبذه، وأمر بخاتم آخر يُصاغ له من ورق، فجعله في إصبعه، فأقره جبريل، إلى آخر الحديث. لكن اختار النووي: أنه لا يكره لخبر الشيخين: ((التمِسْ ولو خاتماً من حديد)) ولو كان مكروهاً لم يأذن فيه، ولخبر أبي داود: كان خاتم النبي وَّ من حديد، ملوياً عليه فضة. قال: وخبر النهي عنه ضعيف. ويؤخذ من الحديث: أنه يسن اتخاذ الخاتم ولو لمن لم يَحْتَجْه لختْمٍ وغيره، وعدمُ التعرض في الخبر لوزنه يدل على أنه لا تحجير في بلوغه مثقالاً فصاعداً، ولذلك ناطَ بعض الشافعية الحكم بالعرف، أي: بعرف أمثال اللباس، لكن ورد النهي عن اتخاذه مثقالاً في خبر حسن، وضعَّفه النووي في شرح مسلم لكنه معارض بتصحيح ابن حبانَ وغيره له، وأخذ = ١٩٨ عَنْ يُونُسَ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ قَالَ: كَان خَاتَمُ النَّبِيِّ وَّهِ مِنْ وَرِقٍ، وَكَانَ فَصُّهُ حَبَشياً. ٨٨ - حدّثْنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ نَافِعٍ، = بقضيته بعضهم، وللرجل لبس خواتيم، ويكره أكثر من اثنين. قوله: (وكان فَصُّه حبشياً) الفَصُ بتثليث الفاء، خلافاً ((للصحاح)) في جعله الكسر لحناً، والمراد بالفص هنا: ما يُنقش عليه اسم صاحبه، وإنما كان حبشياً: لأن معدنه بالحبشة، فإنه كان من جَزْع - بفتح الجيم وسكون الزاي - وهو: خرز فيه بياض وسواد، أو من عقيق، ومعدنه بالحبشة، وسيأتي في بعض الروايات ((أن فصه كان منه))، ويجمع بينهما بتعدد الخاتم فلا منافاة، وهذا الجمع مسطور في كتاب البيهقي فإنه قال عقب إيراد هذا الحديث: وفيه دلالة على أنه كان له خاتمان، أحدهما فَصه حبشي، والآخر فصه منه. وقال في موضع آخر: الأشبه بسائر الروايات: أن الذي كان فصه حبشياً هو الخاتم الذي اتخذه من ذهب ثم طرحه، والذي فصه منه هو الذي اتخذه من فضة، وذكر نحوَه ابن العربي، وجرى على ذلك القرطبي، ثم النووي. وقد ورد في حديثٍ غريب: كراهة كون فص الخاتم من غيره، ففي كتاب ((المحدِّث الفاصل)) من رواية علي بن زيد، عن أنس بن مالك، عن رسول الله وَّل: أنه كره أن يلبس خاتماً ويجعل فصه من غيره، فالمستحب أن یکون فص الخاتم منه لا من غيره. ٨٨ - قوله: (اتخذ خاتماً من فضة) جزم ابن سيد الناس: بأن اتخاذه و10َّ للخاتم كان في السنة السابعة، وجزم غيره بأنه كان في السادسة، وجُمع بأنه كان في أواخر السادسة وأوائل السابعة، لأنه إنما اتخذه عند إرادته مكاتبة الملوك، وكان ذلك في ذي القعدة سنة ست، ووجَّه الرسل الذين أرسلهم إلى الملوك في المحرم من السابعة، وكان الاتخاذ قبيل التوجيه، = ١٩٩ وَِّ اتَّخَذَ خَاتَماً مِنْ فِضَّةٍ، فَكَانَ یَخْتِمُ به، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِي وَلا يَلْبَسُه. قَالَ أَبُو عِيسَى: أَبُو بِشْرٍ: اسْمُهُ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي وَحْشِيٍ. ٨٩ - حدّثنا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، أخبرنا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عُبَيْدٍ - هُوَ الطَّنَافِسِيُّ - = قال ابن العربي: وكان قبل ذلك إذا كتب كتاباً ختمه بظفره. قوله: (فكان يختم به ولا يلبسه) لكن هذا ينافي الأخبار الآتية الدالة على أنه كان يلبسه في يمينه، ويُدفع التنافي بأن له وَلّ خاتمين: أحدهما منقوش بصدد الختم به، وكان لا يلبسه، والثاني: كان يلبسه ليقتدي به، أو أن المراد أنه لا يلبسه دائماً بل غِبًّاً فلا منافاة حينئذ، وقد يقال: لَمْ يلبسه أولاً بل اتخذه للختم ولم يلبسه، فخاف مِن توهم أنه اتخذه لزينةٍ فلبسه. قوله: (قال أبو عیسی) يعني نفسه. وقوله: (أبو بشر) أي: المتقدم في السند. وقوله: (اسمه جعفر بن أبي وَحْشي) كنَحْوي، وفي بعض النسخ: ((وحشية)) بتاء التأنيث(١)، وهو ثقة. ٨٩ - قوله: (هو الطنافسي) يشعر بمصيره عَلَماً بالغلبة، وهو نسبة إلى طنافس كمساجد، جمع طُنفُسةٍ بضم أوله وثالثه، وكسرهما، وكسر الأول وفتح الثالث: بساط له خَمْل أي وبر، أو حصير من سَعْف قدره ذراع، وإنما نسب إليها: لأنه كان يعملها أو يبيعها، وهو ثقة، تفرد المصنف من بین الستة بإخراج حديثه. (١) وهو الصواب. ٢٠٠ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ أَبُو خَيْئَمَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالكِ قَالَ: كانَ خَاتَمُ النَّبِّ ◌َّهِ مِنْ فِضَّةٍ، فَصُّهُ مِنْهُ. ٩٠ - حدّثنا إسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالكِ قَالَ: لَمَّا أَرَدَ رَسُولُ الله وَّهِ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى الْعَجَمِ، قِيلَ لَهُ: إنَّ الْعَجَمَ لاَ يَقْبَلُونَ إلاَّ كِتَاباً عَلَيْهِ خَاتَمٌ، فَاصْطَنَعَ خَاتَماً، فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِهِ في كَفِّه. قوله: (زهير أبو خثيمة) احتراز عن زهير أبي المنذر، وما نحن فيه ثقة، حافظ، خرّج له الجماعة. وقوله: (عن حُمَيد) بالتصغير أي الطويل. قوله: (فَصُّه منه) أي: فصُّه بعضُه، لا حجرٌ منفصلٌ عنه، على ما سبق في الفص الحبشي. وقد تقدم الجمع بين هذه الرواية والرواية السابقة. ٩٠ - قوله: (إلى العجم) أي: إلى عظمائهم وملوكهم يدعوهم إلى الإسلام، والمراد بالعجم ما عدا العرب، فيشمل الرومَ وغيرهم. قوله: (قيل له) أي: قال له رجل. قيل: من قريش، وقيل: من العجم . وقوله: (لا يقبلون إلا كتاباً عليه خاتم) أي: نقش خاتم، فهو على تقدير مضاف، وعدم قبولهم له لأنه إذا لم يُخْتَمْ تطرق إلى مضمونه الشك فلا يعملون به، ولأن تركَ ختمه يُشْعِر بترك تعظيم المكتوب إليه، بخلاف ختمه فإن فيه تعظيماً لشأنه. قوله: (فاصطنع خاتماً) أي: فلأجل ذلك أَمَرَ بأن يُصطنع له خاتم، فالتركيب على حد قولهم: بنى الأميرُ المدينة، والصانع كان يعلى بن أمية . قوله: (فكأني أنظر إلى بياضه في كفه) أي: لأنه كان من فضة، وفي =