Indexed OCR Text

Pages 1-20

شَدَرَات الذهب
في أخبَار مَنْ ذَهَبُ
لابن العماد
الإِمَامِ شِهَاتِ الدِّين ◌َبِ الْفَلَاحِ عَبْدِ الحَي زا حمَد بن مُحَمَدِ العَكَرِيّ الخَبَلِالدِّمَشِقِي
(١٠٣٢ - ١٠٨٩ هـ)
الجلد العامير
أشرف على تحقيق وخرج أحاديثه
عبد القادر الأرناؤوط
حققه وعلّق عليه
محمُود الأرناؤوط
دار ابنكتير
دمشق- بيروت

بسْمِاللهِ الرَّحمنِالرَّحِيمِ

جميع الحقوق محفوظة ◌ِنا شر
الطّبْعَة الأولى
١٤١٤ هـ - ١٩٩٣م
ابن
כ
كثير
لِلطَّبَاعَةِ وَالنّشْرِ وَالتّوزيع
دمشق- شارع مسلم البارودي - بناء خولي وصلاحي - ص. ب ٣١١ - هاتف ٢٢٥٨٧٧
بيروت - ص. ب ١١٣/٦٣١٨

شَدَرَات الذهب
في أخبَار مَنْ ذَهَبْ

كلمة أخيرة
الحمد لله أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً، والصّلاة والسَّلامُ على خيرة خلق الله
تعالى محمد المبعوث بخير الرسالات لخير الأمم. اللهم صلِّ وسلّم وبارك على
هذا الرسول الكريم، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدِّين.
وبعد: فها هوذا المجلد العاشر والأخير من هذا الكتاب العظيم - ((شذرات
الذهب في أخبار من ذهب)) - ينضم إلى المجلدات التسعة التي سبقته من هذه
الطبعة التي تتولى إصدارها دار ابن كثير العامرة بدمشق الشام المحروسة، والحمد
لله الذي بنعمته تتم الصالحات .
ويطيب لي بهذه المناسبة العزيزة أن أشير إلى أمور مختلفة تتعلق بهذه
الطبعة من هذا الكتاب التي شرَّفني الله عزَّ وجل بخدمتها والقيام عليها، لتوضيح ما
هو خافٍ عن جماهير القراء الذين سيعودون لهذه الطبعة لمراجعة حادثة، أو
ترجمة، أو اسم علم، أو اسم مكان، أو بيت شعر، أو غير ذلك مما يحتوي عليه
هذا السِّفْرُ الموسوعي الكبير، فأجمل القول بما يلي:
١ - لم تتوافر لي بعض الأصول والمصادر الرئيسة بسبب الظروف المعروفة للكتاب
العربي، فكنت أبذل قصارى جهدي للحصول على بعض المصادر من داخل
البلاد وخارجها غير عابىء بثمن الكتاب مهما ارتفع، فكانت الكتب تردني
متأخرة فأباشر الاعتماد عليها في مراحل متأخرة من العمل.
٢ - عانيت الكثير الكثير في تحصيل بعض المصادر غير المطبوعة مما نقل عنه
- أ -

المؤلِّف بغية مراجعة النقول عليها، وسافرت من أجل ذلك إلى العديد من
الأقطار، وراسلت جهات علمية كثيرة للحصول على بعض المصورات الأصول
لم تطبع بعد؛ وكان للمؤلف - رحمه الله - معها وقفات مطولة، فبعضها حصلت
عليه بنفسي وبعضها حصَّلته عن طريق بعض الخُلَّص من أصدقائي، وفي
طليعتهم أخي وصديقي الفاضل الدكتور خالد عبد الكريم جمعة رجل العلم
المحب للتراث العزيز.
٣ - انصرفت عنايتي نحو أمر أعتقد أنه من أول واجبات المشتغل بالتراث ألا وهو
مقابلة النقول على مصادرها المخطوطة والمطبوعة ما استطعت إلى ذلك
سبيلاً، فاستدركت باتباع هذا المنهج الكثير من السقط، وصحّحت الكثير من
التحريف والتصحيف اللّذين لحقا بألفاظ كثيرة في مواطن مختلفة من الكتاب.
٤ - اجتهدت في الإحالة على أهم المصادر التي شاركت كتابنا في إيراد تراجم
الأعلام المترجمين، ولم أتوسع في ذكر المصادر لثقتي بأن الوصول إليها ليس
بالعسير على طالب العلم الجاد المجتهد بإذن الله تعالى، ولو فعلت ما فعله
غيري في هذا الاتجاه لزاد حجم الكتاب زيادة كبيرة دونما طائل.
والآن وقد انتهيت من تحقيق الكتاب وانصرفت إلى إعداد فهارسه التي أرجو
أن تفي بحاجة الباحثين وطلبة العلم بعون الله تعالى وتوفيقه، فقد رأيت من تمام
الفائدة أن أتبع ((الفهارس)) بإصدار ((مستدرك)) في مجلد مستقل أجمل فيه ما وقفت
عليه بنفسي من الخطأ، والوهم، والتحريف، والتصحيف، والاستدراك في هذه
الطبعة، وما تفضل بالكتابة لي عنه بعض أفاضل أهل العلم، وما سيصلني من
التصحيح والاستدراك من الكرام من أهل العلم لاحقاً، وسوف أحرص على
إصدار ((المستدرك)) في أول عام (١٤١٧) هـ إن شاء الله تعالى.
وأغتنم هذه المناسبة لأجدد ما سبق لي قوله من قبل: إن هذا الكتاب هو في
نهاية الأمر إرثّ لأفراد الأُمَّة جميعهم، والنصح للقائمين على تحقيقه وإخراجه هو
نصح للناطقين بالعربية في مشارق الأرض ومغاربها، راجياً من جميع العاملين في
فنِّ التحقيق وسواهم أن لا يبخلوا عليَّ بملاحظاتهم وتصويباتهم، ولسوف أذكر
- ب -

أصحابها بأسمائهم في مواضع التصحيح والتصويب والاستدراك إن شاء الله تعالى
امتثالاً لقوله تعالى: ﴿ولا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾.
ذلك ما قمت - وأقوم به - من عمل في خدمة هذا الكتاب، فإن أحسنت
فذلك غاية ما أتمنى وأرجو، وإن أخطأت وسَهَوتُ وغفلت؛ فلست ممن يدّعي
العصمة، وإني لمعترف بتقصيري وجهلي وقلّة تحصيلي ، وما أظن الكرام من القراء
- على كل حال - بمتوقفين عندما يظهر في عملي من الهنات دون موازنته بما فيه
من الإِحسان إن شاء الله تعالى .
والله أسأل أن يجزي عني والدي وأستاذي المُحَدِّث الشيخ عبد القادر
الأرناؤوط - المشرف على تحقيق الكتاب - خير ما يجزي والداً عن ولده وأستاذاً
عن تلميذه، فقد شرَّفني الله عزّ وجل بالانتساب إليه علماً ونسباً، وشدَّ به أزري في
خدمة هذا الكتاب، وآنس به وحدتي في التصدي لإِخراجه على هذا النحو من
الإِتقان، والله أسأل أن يمدّ في عمره ممتعاً بالصحة والعافية والقوة والمنعة طول
العمر بحوله وقوته .
وأضرع إليه عزَّ وجل وأنا على مشارف هذه الكلمة الأخيرة أن يُلهمني
الصواب في القول والعمل، وأن يجعل أحسن أعمالي خواتيمها وخير أيامي يوم
ألقاه، وأن يجعلني ممن يعملون أضعاف ما يتكلمون، والحمد لله ربِّ العالمين.
دمشق الشام في التاسع عشر من شهر شوال لعام ١٤١٣ هـ
محمود الأرناؤوط
- ج -

:
.

شذرات الذهب
في أخبار من ذهب(*)
دراسة
بقلم
العلامة الشيخ سعيد الكَرْمي(١)
عضو المجمع العلمي العربي بدمشق
(١٢٦٧ - ١٣٥٣ هـ)
تأليف عبد الحي بن أحمد بن محمد، المعروف بابن العِمَاد الحَنْبَلي
الصَّالحي المُتَرْجَمُ في ((خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر))(٢) بالمصنّف
الأديب المُتَفَنّن الطّرفة الأخباري العَجيب الشأن في التحول في المذاكرة ومداخلة
الأعيان والتّمتع بالخزائن العلمية وتقييد الشَوَارد من كلّ فنٍّ، وكان من آدب الناس
(*) أثبت نص هذه المقالة كاملاً كما جاء في ((مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق)) (المجلد الأول
ص (٦٥ - ٧٥)) بعد إجراء قلم التصحيح والتحقيق عليها، وأثبت بعض التعليقات القليلة على
مواطن مختلفة منها، ورددت ما استشهد به كاتبها - رحمه الله - إلى موقعه من مجلدات هذه الطبعة،
تقريباً للفائدة.
وتجدر الإشارة إلى أن العلامة الشيخ سعيد الكرمي تحدث عن الكتاب اعتماداً على النسخة
الخطية التي اعتمدت عليها في تحقيقه حين أهديت إلى خزانة دار الكتب الظاهرية بدمشق.
(المحقق)
(١) هو سعيد بن علي بن منصور الكرْميَ. فقيه، من علماء الأدباء. ولد في طول كرم بفلسطين، وتفقه
في الأزهر بمصر، وتولى الإِفتاء في بلده، وكان من أعضاء المجمع العلمي العربي، وناب عن
رئيسه مدة، وسافر إلى عمَّان سنة (١٩٢٢) م فكان فيها قاضي القضاة إلى سنة (١٩٢٦) م، وعاد
إلى طول كرم فتوفي بها، وله من المؤلّفات: ((واضح البرهان في الردّ على أهل البهتان)) و((الإِعلام
بمعاني الأعلام)). عن ((الأعلام)) للزركلي (٩٨/٣ - ٩٩) الطبعة السادسة، وانظر «معجم المؤلّفين»
لكحالة (٢٢٨/٤).
ونشر الأستاذ الدكتور عدنان الخطيب دراسة في سيرته يحسن الرجوع إليها .
وسألت عنه أستاذ أساتذة العربية في بلاد الشام العالم الجليل سعيد الأفغاني - وهو ممن أدركه
وعَرَفه عن قرب - فأثنى عليه ثناءً عطراً، وأشاد بعلمه وفضله، وذكر بأنه كُنِّي بأبي الأشبال لأن أولاده
جميعاً طلبوا العلم وأصبحوا من ذوي الشأن فيه.
(٢) انظر ((خلاصة الأثر)) (٣٤٠/٢).

وأعرفهم بالفُنون المتكاثرة، وأغزرهم إحاطة بالآثار، وأجودهم مساجلةً، وأقدرهم على
الكتابة والتّحرير، وله من المصنَّفات ((شرحه على متن المنتهى)) في فقه الحنابلة،
حرِّره تحريراً أنيقاً، وله ((التاريخ)) الذي صنَّفه وسَمَّاه ((شذرات الذهب في أخبار من
ذهب)) (وهو المنوّه به) وله غير ذلك من رسائلَ وتحريرات، وكان أخذ عن الأعلام
والأشياخ بدمشق والقاهرة. ولزم الإِفادة والتدريس، وانتفع به كثير من أهل العصر،
وكتب الكثير بخطّه، وكان خطّه حسناً، بيِّنَ الضبط، حلوَ الأسلوب، وكان مع كثرة
امتزاجه بالأدب وأربابه مائلَ الطبع إلى نظم الشعر، إلّ أنه لم يتفق له نظمُ شيءٍ
فيما علمته منه، ثم أخبرني بعض الإِخوان أنه ذكر له أنه رأى في المنام كأنه ينشد
هذين البيتين، قال: وأظن أنهما له، وهما:
كُنْتُ فِي لُجَّةِ المَعَاصي غَرِيِقَاً لَمْ تَصِلْنِ يَدٌ تَرُومُ خَلَصي
أَنْقَذَتْنِي يَدُ العِنَايَةِ مِنْهَا بَعْدَ ظَنِّي أَنْ لَاتَ حِينَ مَنّاصٍ
إلى أن قال: وكان قد حَجَّ فمات بمكّة، وكانت وفاته سادس عشر ذي
الحجّة سنة (١٠٨٩) هـ ودفن في المَعْلَاة، وكان عمره (٥٨) سنة، فإني قرأت
بخطّ بعض الأصحاب أن ولادته كانت نهار الأربعاء ثامن رجب سنة (١٠٣٢) هـ
باختصار.
والنسخة المذكورة(١) كتبت سنة (١٠٨٥ هـ) عن نسخة المؤلّف في
(١٠٩١) صفحة. أما الكتاب فابتداؤه من أول سنة للهجرة إلى ختام سنة ألف.
قال في آخره(٢): وهذا آخر ما أردنا جمعه من («شذرات الذهب في أخبار من
ذهب)) وقد بذلت في تهذيبه وتنقيحه وسعي، وسهرت لأجله ليالي من عمري،
ونقّحت عبارات رأيت ناقليها انحرفوا فيها عن نهج الصّواب، إما لغلطٍ، أو سبق
قلم، أو تحامل على مترجم، ونحو ذلك، وتحرَّيت ما صحَّ نقله، وربما لم أعز ما
أنقله إلى كتاب لظهور ما أثبته وأطلب الاختصار.
(١) يقصد النسخة الخطية التي تكلم عليها الكاتب في مجلة المجمع في ذلك الحين، وهي التي
اعتمدنا عليها في التحقيق وقد فصَّلنا القول عنها في مقدمتنا للكتاب (٩٨/١).
(٢) انظر المجلد العاشر ص (٦٥٤).
- و -

إلى أن قال: ((وكان الفراغ منه يوم الاثنين تاسع عشر رمضان المعظم من
شهور سنة (١٠٨٠) هـ)).
وقد ذكر في كل سنة من توفي خلالها من الملوك، والوزراء، والعلماء، بغاية
الاختصار، مع سَلَاسَة العبارة، فلا يخطر بالبال رجل من رجال الدولة، أو العلم،
أو الأدب، أو التّصوف، إلا وتوجد له فيه ترجمة تليق به.
ويوجد فيه أثناء التراجم بعض استطرادات مفيدة وغريبة في بابها :
منها: ما ذكره في ترجمة محمد المقرّي جدّ صاحب كتاب ((نفح الطيب)) المتوفى
سنة (٧٦١)(١) ناقلاً عن جدّه أنه قال: مولدي بتلِمْسان أيام أبي حمو موسى بن عثمان،
وقد وقفت على تاريخ ذلك ولكني رأيت الصَّفح عنه لأن أبا الحسن بن مؤمن سأل
أبا طاهر السِّلَفي عن سِنَّه فقال: أقبل على شَأنك فإني سألت أبا الفتح أزديان
(كذا)(٢) عن سِنَّه فقال لي: أقبل على شأنك، فإني سألت علي بن محمد اللّبان
عن سِنُّه فقال لي: أقبل على شأنك، فإني سألت أبا القاسم حمزة بن يوسف
السَّهْمي عن سِنَّه فقال: أقبل على شأنك، فإني سألت أبا بكر محمد بن عدي
المنقري عن سِنَّه فقال: أقبل على شأنك، فإني سألت أبا إسماعيل الترمذي عن
سِنَّه فقال: أقبل على شأنك، فإني سألت بعض أصحاب الشَّافعي عن سِنَّه فقال:
أقبل على شأنك، فإني سألت الشافعيَّ عن سِنّه فقال: أقبل على شأنك، فإني
سألت مَالك بن أنس عن سِنَّه فقال: أقبل على شأنك، ليس من المروءة للرجل أن
يخبر بسِنَّه، وأنشد لبعضهم في المعنى :
سِنِّ وَمَالٍ مَا اسْتَطَعْتَ ومَذْهَبٍ
احْفَظْ لِسَانَكَ لَا تَبُحْ بِثَلَاثَةٍ
بِمُكَفّرٍ وبِحَاسِدٍ ومُكَذِّبٍ
فَعَلَى الثّلَاثَةِ تُبْتَلَى بِثَلَاثَةٍ
● وفيها أيضاً(٣) سأل ابن فَرْحُون بن الحَكَم: هل تجد في التّنزيل ست
فاءات مرتبة ترتيبها في هذا البيت:
(١) انظر المجلد الثامن ص (٣٣٢ - ٣٣٥).
(٢) كذا أثبتها الكاتب في المقالة وفي الكتاب عندنا: ((ابن رُويان)).
(٣) أي في سنة (٨٦١) من («شذرات الذهب)).
- ز -

رَأَى فَحَبَّ فَرَامَ الوَصْلَ فامْتَنَعُوا فَسَامَ صَبراً فَأعيا نَيْلُهُ فَقَضَى
ففكّر ثم قال: نعم قوله تعالى: ﴿فَطَافَ عَلَيهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ
فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيم فَتَنَادُوا مُصْبِحِينَ﴾ الآية (١) ثم قال لابن فَرْحُون: هل عندك
غيره، فقال: نعم قوله تعالى: ﴿فَقَالَ لَهُم رَسُولُ اللهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُفْيَاهَا فَكَذَّبُوهُ
فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيهِم رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا﴾(٢). وأكثر ما وجدت الفاء تنتهي في
كلامهم إلى هذا العدد. اهـ.
وفيه أيضاً أن خَلّكان الذي يُنسب إليه ابن خَلِّكان المؤلّف ليس بلداً كما
وهِمَ فيه الإِسنويّ بل هو لَقَبُ لأحد أجداده، كان يُكْثِرُ مِنْ قَولِ: كان أبي، وكان
جَدِّي، فقيل له: خَلِّ كَانَ وَبَقِيَتْ لَقَباً له(٣).
وفيه أيضاً أن مَعنى تَغْرِي بَرْدي والد المؤرخ الشهير بلغة التّتر ((الله
أعطى)) (٤) .
ومن لطائف ما فيه لغزٌ لابن الشُّقِيقَة الدمشقي الصفّار المتوفى سنة (٦٥٦)(٥)
في حروف الواو والميم والنون :
وبَعْضُهُ جَميعُهُ
آخِرُه
أوّلُه
ثَلَاثَةٌ حُرُوفُهُ
وَوَاحِدٌ مَجْمُوعُهُ
فَلَسْتَ تَسْتَطِيعُهُ
إِنْ شِئْتَ أنْ تَعْكِسَهُ
ومنه ما ذكره في ترجمة ابن بَطّة الحنبلي المتوفى سنة (٣٨٧) (٦) أنه كان
بعينه نَاصُورُ (٧)، فوصِفَ له تركُ العَشَاء، فكان يجعل عَشَاءَهُ قبل الفجر بيسير ولا
(١) سورة القلم: الآية (٩١).
(٢) سورة الشمس: الآية (١٣).
(٣) انظر المجلد السابع ص (٦٥٠).
(٤) انظر المجلد التاسع ص (٤٧٢).
(٥) انظر المجلد السابع ص (٤٩٢).
(٦) انظر المجلد الرابع ص (٤٦٥).
(٧) الناصور: علّة تكون في مجرى الدَّمع من العين، أي من طرفها مما يلي الأنف. انظر ((المنجد في
اللغة)) (ماق) و(نسر) و(نصر).
- ح -

ينام حتّى يُصبح، وأنه اجتاز بالأحنف العُكْبَري فقام له، فشق ذلك عليه، فأنشأ
الأحنف :
لا تُلُمِنِي عَلى القِيَامِ فَحَقّي حِينَ تَبْدُو أن لا أَمَلَّ القِيَامَا
وَمِنَ الحَقِّ أنْ أُجِلَّ الكِرَامَا
أَنْتَ مِنْ أَكْرَمِ البَرِيَّةِ عِنْدي
فقال ابن بَطَّة متكلّفاً له الجواب:
ليَ حَقّاً وتُظْهِرُ الإِعْظَامَا
أَنْتَ إِنْ كُنْتَ لا عَدِمْتُكَ تَرْعَىْ
سم وَلَسْنَا نُحِبُ مِنْكَ احتِشَامَا
فَسَأَجْزِيكَ بِالقِيَامِ قِيَامَا
إنّ فيه تَمَلُّقَاً وأثَامَا
كَ بما يَسْتَحِلُّ فِيهِ الحَرَامَا
إِكْتَفَيْنَا أن نُتْعِبَ الأَجْسَامَا
فإلامَ انزِعَاجُنَا وَعَلَمَا
فَلَكَ الفَضْلُ فِي النَّقَدُم في العِلْ
فَاعْفِنِي الْآنَ مِنْ قِيَامِكَ أَوْلَا
فَأَنَا كَارِةٌ لِذَلِكَ جِدّاً
لا تُكَلّف أَخَاكَ أن يتلقًا
وإِذَا صَحّتِ الضَّمَائِرُ منّا
كُلُّنَا وَاثِقٌ بودّ أَخِيهِ
وفيه أيضاً(١) ضبط لقب القاضي محمد بن قُرَيْعَة صاحب النوادر والأجوبة
السَّريعة بأنه - بضم القاف، وفتح الراء، وسكون الياء -، (٢ مصغّر قرعة وهو في
بعض كتب الأدب بالفاء وفي بعضها بالقاف والراء المشددة فعلم أن كل ذلك
تحريف٢).
وفيه أيضاً(٣) في ضبط لقب ابن القُوطِيّة صاحب كتاب ((تصاريف الأفعال))
المتوفى كسابقه سنة (٣٦٧) أنه بضم القاف، وكسر الطاء، وتشديد الياء المثناة من
تحت، نسبة إلى قوط بن حام بن نوح عليه السلام، نسبت إليه جدّته وهي أمّ
إبراهيم بن عيسى أحد أجداده من ملوك القوط (Wisigoth) في الأندلس.
(١) انظر المجلد الرابع ص (٣٦٢) وتمام الضبط والتقييد فيه: ((وقريعة: بضم القاف، وفتح الراء،
وسكون الياء التحتية، بعدها عين مهملة، وهو لقب جدّه كذا حكاه السُّمعاني)).
قلت: قد نقل ابن العماد تقييد نسبته عن ((وفيات الأعيان)) لابن خلُّكان (٣٨٤/٤).
(٢ - ٢) ما بين الرقمين ليس من كتاب ((الشذرات)) وإنما أضافه الكاتب من عنده.
(٣) انظر المجلد الرابع ص (٣٦٢).
- ط ـ

وذكر في ترجمة السّمْعَاني المؤرِّخ أنه بفتح السين ويجوز كسرها، نسبة
لسمعان بطنٌ من تميم .
ومما امتاز به الكتاب المذكور ذكره لعدة من النساء العالمات الفاضلات مما
يدلُّ على اعتناء الأقدمين بتعليم المرأة حتّى كُنَّ أستاذاتٍ لكثير من كبار العلماء
المؤلِّفين.
ومما يقضي بالعَجَبِ أن جُلّهنَّ إن لم يكن كلهنّ عَمّرن كثيراً، فلا تجد منهنّ
من ماتت إلّ عن أكثر من ستين سنة كما ترى فيما يلي، ولعل ذلك لأنَّهُنَّ كُنَ في
معيشتهن على ما يقتضيه العلم من الآداب الجسمانية والنفسانية:
فمنهن أُمِّ الكرام (وفي ثبت القسطلاني ستُّ الكرام) كريمة بنت أحمد بن
حاتم المَرْوَزيّة(١) المجاورة بمكّة. روت ((الصحيح)) (أي البخاري) عن
الكُشْمَيْهَني، عن الفَرْبري، عن مؤلّفه. وكانت تَضْبُطُ لكُتَّابها، وتقابل بنسخها،
ولها فهم ونباهة، وما تزوجت قطّ. توفيت سنة (٤٦٣) وقيل: إنها بلغت المائة.
قاله في ((العبر))(٢). وعَدّها ابن الأهدل من الحُفّاظ.
ومنهن بِيْبَى بنت عبد الصمد بن علي أمّ الفضل وأمّ عربية الهرثمية الهروية
لها جزء مشهور ترويه عن عبد الرحمن بن أبي شريح توفيت سنة (٤٧٥)(٣) أو التي
بعدها وقد استكملت تسعين سنة .
ومنهن فاطمة بنت الشيخ أبي علي الدقّاق زوجة القُشيري (٤) صاحب
((الرسالة القشيرية)) المشهورة. كانت كبيرة القدر، عالية الإِسناد، من عوابد زمانها.
روت عن أبي نُعَيم، [الإِسفراييني] والعَلَوي، والحاكم، وطائفة. توفيت في ذي
القعدة سنة (٤٨٠) عن تسعين سنة.
(١) انظر المجلد الخامس ص (٢٦٦).
(٢) انظر ((العبر)).
(٣) وهم الكاتب بإحالة وفاتها إلى سنة (٤٧٥) والصواب سنة (٤٧٧) وذكر ما بعد ذلك مما أشار إليه
الكاتب رحمه الله تعالى .
(٤) انظر المجلد الخامس ص (٣٤٨).
- ي -

ومنهن فاطمة بنت الحسن بن علي الأقرع أمّ الفضل البغدادية (١) الكاتبة التي
جَوّدوا على خَطّها، وكانت تنقل طريقة ابن البَوّاب، حكت أنها كتبت ورقة إلى
الوزير الكُنْدَري فأعطاها ألف دينار، وقد روت عن أبي عمر بن مَهدي الفارسي .
توفيت في هذه السنة(٢) أيضاً.
ومنهن فاطمة بنت علي بن المُظَفّر بن دِعْبل أُمّ الخَير البغدادية الأصل
النيسابورية (٣) المقرئة.
روت ((صحيح مسلم)) و((غريب الخطابي)) عن أبي حسين الفارسي،
وعاشت سبعاً وتسعين سنة، وكانت تلقّن النساء (٤).
توفيت سنة (٥٣٢) أو التي بعدها.
ومنهن فاطمة بنت محمد بن أبي سعدى البغدادية أم البهاء الواعظة مسندة
أصبهان روت عن أبي الفضل الرازي وأحمد بن محمود الثقفي وسمعت صحيح
البخاري من سعيد العيار وتوفيت في رمضان سنة (٥٣٧)(٥) ولها أربع وتسعون سنة .
ومنهن أمَةُ الواحد ابنة القاضي أبي عبد الرحمن الحسيني بن إسماعيل
المحاملي حفظت القرآن، والفقه، والنحو، والفرائض، والعلوم، وبَرَعَت في
مذهب الشافعي، وكانت تُفتي مع أبي علي بن هريرة.
توفيت سنة (٣٧٧)(٦).
ومنهن شُهْدَة بنت أبي نصر أحمد بن الفَرَج الدّينوري ثم البغدادي الكاتبة
المُسْنِدَة فخر النساء.
(١) انظر المجلد الخامس ص (٣٤٨).
(٢) أي سنة (٤٨٠) هـ.
(٣) انظر المجلد السادس ص (١٦٤).
(٤) أي عند موتهن.
(٥) كذا كتب الكاتب رحمه الله، والصواب سنة (٥٣٩) انظر المجلد السادس ص (٢٠١).
(٦) انظر المجلد الرابع ص (٤٠٧).
- ك ـ

كانت دَيِّنَةً، عابدةً، صالحة، أسمعها أبوها الكثير، وصارت مُسْنِدَةَ العراق،
وروت عن طِرَاد الزَّينبي وطائفة، وكانت ذات برِّ وخير.
توفيت في رابع عشر المحرم سنة (٥٧٤)(١) عن نيف وتسعين سنة.
ومنهن تَقّة بنت غَيث بن علي الأرْمَنَازي الشاعرة المحسنة، ولها شعر سائر،
وكانت امرأة بَرْزَةً، جَلْدَةً، مدحت تقي الدِّين عمر صاحب حماة والكبار، وعاشت
أربعاً وسبعين سنة، ولها ابنٌ مُحَدِّثٌ معروفٌ. عثرت يوماً فجرحت فَشَقّت وليدةٌ
في الدار خِرْقَةً من خِمَارها وعصبت بها جرحَها فقالت:
عوضاً عن خِمَار تلك الوليدَهْ
لَوْ وَجْدتُ السَّبيل جُدْتُ بخَدّي .
سَلَكَتْ دَهْرَهَا الطّرِيقِ الحَميدَهْ
كَيف لي أن أُقَبِّلَ اليومَ رِجْلًا
وتوفيت سنة (٥٧٩)(٢).
ومنهن فاطمة بنت سَعْد الخير بن محمد بن عبد الكريم.
ولدت بأصبهان سنة (٥٢٢) وسمعت حضوراً من فاطمة الجَوزَذَانِيَّة، ومن
ابن الحصين ، وزاهر الشحّامي، ثم سمعت من هبة الله بن الطَّيبي وخلق، وتزوّج
بها أبو الحسن بن نجا الواعظ .
روت الکثیر بمصر.
توفيت في ربيع الأول سنة (٦٠٠)(٣) عن ثمان وسبعين سنة.
ومنهن عَفِيفَة بنت أحمد بن عبد الله الفَارِفَانِيّة الأصبهانية.
ولدت سنة ٥١٦ وهي آخر من روى عن عبد الواحد صاحب أبي نعيم، ولها
إجازة من أبي علي الحداد وجماعة، وسمعت من فاطمة ((المعجمين)) الكبير
والصغير للطبراني.
(١) انظر المجلد السابع ص (٤١٠ - ٤١١).
(٢) انظر المجلد السادس ص (٤٣٦ - ٤٣٧).
(٣) انظر المجلد السادس ص (٥٦٤).
- ل -

توفيت في ربيع الآخر سنة (٦٠٦)(١) عن تسعين سنة .
ومنهن زينب الحُرَّة أمّ المُؤَّد بنت أبي القاسم عبد الرحمن الجُرجاني ثم
النيسابوري .
ولدت سنة (٥٢٤) وسمعت من ابن الفُرَاوي (الذي قيل فيه الفراوي ألف
راوي) ومن زاهر الشّحامي، وعبد المنعم بن القشيري، وطائفة.
توفيت في جمادى الآخرة سنة (٦١٥)(٢) عن إحدى وتسعين سنة، وانقطع
بموتها إسناد عال.
ومنهنّ كريمة بنت عبد الوهاب بن علي مُسْنِدَةُ الشام أم الفضل القرشية
الزُّبيرية وتعرف ببنت الحَبَقْبَقِ. روت عن حَسَّان الزَّيَّات وخلق، وأجاز لها أبو
الوقت وابن الباغيساني ومسعود الثقفي وخلق وروت شيئاً كثيراً .
توفيت في جمادى الآخرة سنة (٦٤١)(٣) ببستانها بالميطور (في صالحية
دمشق معروف).
ومنهنّ فاطمة بنت أحمد بن السلطان صلاح الدِّين.
ولدت سنة (٥٩٧) سمعت من حَنْبَل، وابن طبرزد، وتوفيت سنة (٦٧٨) (٤)
عن إحدى وثمانين سنة .
ومنهنُّ فاطمة بنت عساكر بنت الحافظ عماد الدِّين علي بن القاسم بن مؤرخ
الشام أبي القاسم بن عساكر.
ولدت سنة (٥٩٨) وسمعت من ابن طبرزد وجماعة.
وتوفيت في شعبان سنة (٦٨٣)(٥) عن خمس وثمانين سنة .
(١) انظر المجلد السابع ص (٣٧ - ٣٨).
(٢) انظر المجلد السابع ص (١١٣ - ١١٤).
(٣) انظر المجلد السابع ص (٣٦٨).
(٤) انظر المجلد السابع ص (٦٣٢).
(٥) انظر المجلد السابع ص (٦٦٩).
- م -

ومنهنّ ستّ العرب بنت يحيى بن قَايْماز أمّ الخير الدمشقية الكندية.
سمعت من التاج الكِنْدي مولاهم، وحضرت على ابن طَبَرْزَد ((الغيلانيات).
وتوفيت في المحرم [سنة (٦٨٤)](١) عن (٨٥) سنة.
ومنهنّ شَامِيَّة أُمَّةُ الحَقّ بنت الحافظ أبي علي الحسن بن محمد البكري.
روت عن جَدِّها وجَدٍّ أبيها، وحَنْبَل، وابن طَبَرْزَد، وتفرّدت بعدة أجزاء،
وتوفيت في أواخر رمضان سنة (٦٨٥)(٢) بشيزر عند أقاربها عن (٨٧) سنة.
ومنهن زينت بنت مَكِّي بن علي بن كامل الحَرّاني، الشيخة المُعَمّرة
العابدة. أم أحمد. سمعت من حَنْبَل، وابن طَبَرْزَد، وستّ الكَتَبَة، وطائفة،
وازدحم عليها الطلبة، وعاشت أربعاً وتسعين سنة.
وتوفيت في شوال سنة (٦٨٨)(٣).
ومنهنّ زينب بنت علي بن أحمد بن فضل الصالحية.
قال الذهبي: روت لنا عن الشيخ الموفق. وتوفيت في المحرم [سنة
(٦٩٥)](٤) وقد قاربت التسعين.
ومنهنّ عائشة بنة عيسى بن الشيخ الموفق المُقَدَّمي المباركة الصالحة
العابدة .
قال الذهبي: روت لنا عن جَدِّها وابن راجح وتوفيت سنة (٦٩٧) (٥) عن
ست وثمانين سنة .
وآخر من ترجم من النساء زينب بنت محمد بن محمد بن أحمد الغَزِّي
الشافعية .
(١) انظر المجلد السابع ص (٦٧٢).
(٢) انظر المجلد السابع ص (٦٨٣).
(٣) انظر المجلد السابع ص (٧٠٦).
(٤) انظر المجلد السابع ص (٧٥١).
(٥) انظر المجلد السابع ص (٧٦٥).
_ ن -

قال في ((الكواكب السائرة في أعيان المائة العاشرة))(١) للغَزِّي: كانت من
أفاضل النساء من أهل العلم والدِّين والصّلاح.
مولدها في ذي القعدة سنة (٩١٠) وقرأت على والدها وعلى أخيها شقيقها
الشيخ الوالد كثيراً، وكتبت له كتباً بخطِّها.
ومدحته بقصيدة تقول فيها:
جَمَعَ العلم واكتملْ
إنما العَالِمُ الذي
يُتبع العلم بالعملْ
قام فيه بحقّه
سهر الليل كلَّه
بنشاطٍ بلا كسلْ
أَبَدَ الدّهر لَمْ يَزَلْ
فهو في الله دَأْبُهُ
وبدنياهُ ما اشتغلْ
حَاز علماً بخشيةٍ
حاسديه تعجّبوا
ذَاكَ مولاه خَصّه
ليس ذَا الفضلُ بالحِيَلْ
بكمالٍ مِنَ الأزلْ
في الورى عقله اختَبَلْ
مَنْ يَرُم مُشبهاً له
فله قَطُّ ما وصلْ
أو بلوغاً لفضله
وبه النّفْعُ قد حَصَلْ
فهو شيخي وسيِّدي
وشعرها في المواعظ وغيرها في غاية الرِّقة والمتانة. توفيت سنة (٩٨٠)(٢).
وقد حوى هذا الكتاب أيضاً من نفائس الأشعار ولطائف الأخبار ما تقرُّ به عينُ
المُطالع، وهاك مما فيه من شعر الملوك، والأمراء، والعلماء، وبديع كلامهم ما
نحكم به أنهم ملوك الشعر.
قال المعتضد بالله العَبَّسي المتوفى سنة (٢٨٩)(٣) لما حضرته الوفاة:
تَمَتَّعْ مِنَ الدّنيا فَإِنكَ لا تبقى وخُذْ صَفْوَها ما إن صَفَتْ وَدَْ الرِّنْقَا
(١) انظر ((الكواكب السائرة)) (١٥٤/٣ - ١٥٥).
(٢) انظر المجلد العاشر ص (٥٧٤).
(٣) انظر المجلد الثالث ص (٣٧٣).
- س -

فَلَمْ يُبْقِ لي حالاً ولم يَرْعَ لي حَقًّا
عَدَوّاً ولَمْ أُمْهِل عَلَى ظَنّةٍ خَلْقَا
فَشَرَدْتُهُمْ غَرْباً وشَرَّدْتُهُمْ شَرْقًا
وصَارَتْ رِقَابُ النّاس أجمع لي رِقّا
فها أنا ذا فيِ حُفْرَتِي عَاجلاً أُلقى
لَدَى مَلِكِ الأحياءِ فِي حَيِّها رِفْقَا
أُفي نِعْمَةِ الله أمْ نَارِهِ أُلقىْ
ولا تأمننَّ الدّهْرَ إني أمِنْتُهُ
قَتَلْتُ صَنَادِيدَ الرِّجَالِ وَلَمْ أَدْع
وأَخْلَيْتُ دَارَ المُلْكِ مِنْ كُلّ نَازِعِ
فَلما بَلَغْتُ النَّجم عِزَأَ ورِفْعَةٌ
رَمَانِي الرَّدَيْ سَهْمَاً فَأَخْمَدَ جَمْرَتِي
وَلَمْ يُغْنِ عَنِّي مَا جَمَعْتُ وَلَمْ أَجِدْ
فَيَا لَيْتَ شِعْرِي بَعْد مَوتِي مَا أُرَى
وذكر أيضاً وصية المأمون العباسي المتوفى في (١٨) رجب سنة (٢١٨)(١)
وها هي: ((هذا ما أشهد به عليه عَبْدُ الله بن هارون أنه يشهد أن لا إله إلّ الله وحده
لا شريك له في ملكه، ولا مدبِّر غيره، وأنه خالقٌ وما سواه مخلوق، وأن محمداً
عبده ورسوله، وأن الموت حقٌّ، والبعث حقٌّ، والحساب حقٌّ، والجَنَّة حقٍّ، والنَّار
حقٌّ، وأن محمداً - وَّ﴾ - بلّغ عن رَبّه شعائر(٢) دينه، وأدى النصيحة إلى أمته،
حتى توفاه الله إليه، فصلى الله عليه أفضل صلاةٍ صلّها على أحدٍ من ملائكته
المقرّبين وأنبيائه المرسلين، وإني مقرِّ بذنبي أخاف وأرجو، إلّا أني إذ ذَكَرْتُ عفوَ
الله رجوتُ، فإذا أنا متُّ فوجَّهوني وغمِّضوني، وأسبغوا وضوئي، وأجيدوا كفني،
وليصلِّ عليَّ أقربُكم مني نسباً وأكبرُكم سِنّاً، ولينزل في حفرتي أقربُكم مني قرابةً،
وضعوني في لحدي وسدّوا عَليَّ باللّبن، ثم احثوا عَليَّ التراب، وخلّوني وعملي،
فكلكم لا يُغني عني شيئاً، ولا يدفع عنّي مكروهاً، ثم قِفوا بأجمعكم فقولوا خيراً إن
علمتم، وأمسكوا عن ذكر شرِّ إن عَرَفْتُمُ. ثم قال: يا ليت عبد الله لم يكن شيئاً، يا
ليته لم يُخْلَق (یعني نفسه).
ثم قال لأخيه وولي عهده المعتصم: يا أبا إسحاق، ادنُ مني واتَّعِظُ بما ترى،
وخذ بسيرةٍ أخيك واعمل في الخلافة إذا طوّقكها الله عملَ المريد لله الخائف من
(١) انظر المجلد الثالث ص (٨٨).
(٢) تنبيه: كذا اللفظة في النسخة ((آ)) التي اعتمدنا عليها في تحقيق الكتاب وكتب عنها الكاتب:
((شعائر)) ورجحنا نحن رواية النسخة ((ط)) التي نقلها ناشرها عن نسخة خطية أخرى فجاءت اللفظة
فيها ((شرائع)) وأثبتناه نحن عنها هناك في موضعها من الكتاب.
-٤-