Indexed OCR Text
Pages 581-600
صارمه البيضاء آية للناظرين، وكم جهّز جيوشاً للجهاد في سبيل الله فقطع دابر القوم الكافرين، فمن أكبر غزواته فتح جزيرة قبرس بسيف الجهاد، ومنها فتح تونس المغرب، وحَلَقُ الواد (١)، ومنها فتح ممالك اليمن واسترجاعها من العُصَاة الْبُغَاة أهل الإلحاد. ومن خيراته تضعيف صدقة الحَبِّ على أهل الحرمين والأمر ببناء المسجد الحرام . وتوفي لسبع مضين من شهر رمضان، ودُفن بقرب أيا صوفيا، وتولى بعده ولده السلطان مراد، ولمامَيّة الرُّوم في تاريخ جلوسه: مَلِكٌ بهِ رَحِمَ الإِلَهُ عِبَادَهُ بالبُخْتِ فوقَ التّختِ أصبحَ جالساً وبهِ سَرِيرُ المُلك سُرَّ فأرِّخوا حاز الزّمانُ مِنَ السُّرور مُرَادَهُ • وفيها إلياس القَرَمَاني الطّبيب الحنفي(٢). قال في ((العقد المنظوم)): ولد بولاية قَرَمان(٣)، ثم خرج من بلاده لطلب العلم بعد ما بلغ الحنث، وتنقّل في البلدان، حتى وصل إلى خدمة الحكيم إسحاق، وحصل عنده بعض العلوم، سيما الطب، وفتح حانوتاً في بعض الأسواق، وتكسّب بالطب وبيع المعاجينِ والأشربة، ثم فرغ عن الحانوت، وشَمِّر عن ساق الاجتهاد، وبعد ما ظهر فيه الشَّيب وتقيد بأخي زاده، وحَصَّل عليه كثيراً من العلوم، هذا مع العائلة(٤) والاحتياج، إلى أن بَرَعَ وفاق أقرانه، وكان من (١) ويقال لها أيضاً (حَلَقُ الوادي) وهي بلدة سياحية ومركز تجاري على ساحل البحر الأبيض المتوسط من أعمال ولاية تونس عاصمة الجمهورية التونسية. انظر ((المنجد في الأعلام)) ص (٢٥٧) و((أطلس العالم)) للأستاذ شارل جورج بدران الخريطة (٢٨) المربع (هـ) و((أطلس العالم)) طبع مكتبة لبنان ص (٦١). (٢) ترجمته في ((العقد المنظوم)) ص (٤٥٦ - ٤٥٧). (٣) قرمان: مدينة في وسط تركية الأسيوية اسمها القديم لارندة. اتخذها سلالة قَرَمَان أغلو عاصمة لها في القرن الثامن الهجري. انظر ((المنجد في الأعلام)) ص (٥٤٨). (٤) أي مع الفقر. ٥٨١ العلماء العاملين، مع كمال الوَرَع والتصلَّب في الدِّين، آية في الزّهد والتّقوى، متبحِّراً في الفنون الشرعية والنقلية، مشاركاً في العلوم العقلية. وكان يُفَسِّر القرآن العظيم وينتفع به الناس، إلى أن توفي شهيداً في ذي القعدة، وذلك أنه طَبِّب فرهاد باشا الوزير (١) من سَلَس البول، فمات في أيامٍ قلائل بالزَّحير(٢) فاتَّهم بقتله، فترصّد له جماعته ساعة، حتّى خرج من داره، فضربوه بالسكاكين حتى قتلوه، فغضب السلطان لذلك، وصلب بعضهم، ونفى الباقين. ● وفيها الشيخ عبد القادر بن أحمد بن علي الفاكهي المَكِّي الشافعي (٣). قال في ((النور)): ولد في ربيع الأول عام عشرين وتسعمائة. وكان إماماً، عالماً، وله تصانيف كثيرة، لا تُحصى، منها شرحان على ((البداية)) للغزالي، ورأيت منها جملة عديدة في فنون شتّى، ولعمري أنه كان يشبه الجلال السيوطي في كثرتها، بحيث إنه يكتب على كل مسألة رسالة، مع أن عبارته ما هي بذاك رحمه الله . وتوفي بمگّة . انتھی · وفيها سِرَاج الدِّين عمر بن عبد الوهاب النّاشري اليمني الشافعي (٤). قال في «النور»: ولد بمدينة زَبید. وكان إماماً، علّامة. وكان سئل عما يعتاده أهل زَبيد من العيد الذي في أول خميس من رجب هل له أصل وهل هو سُنَّة أم لا، فأجاب بهذه الأبيات(٥): وسَائِلٍ سال عن قوم وعادّتِهْم عيد الخميس الذي في مبتدا رجبٍ (١) أخبار الوزير فرهاد باشا في ((أخبار الدول وآثار الأول)) (٧٥/٣ و٧٦ و١٠٣). (٢) الزحير: استطلاق البطن بشدة وتقطيع في البطن يُمْشِّي دماً. ((القاموس المحيط)) (زحر). (٣) ترجمته في ((النور السافر)) ص (٣٥٣ - ٣٥٤) و((الأعلام)) (٣٦/٤) و((معجم المؤلفين)) (٢٨٣/٥). (٤) ترجمته في ((النور السافر)) ص (٣٥٢ - ٣٥٣). (٥) الأبيات في ((النور السافر)) ص(٣٥٢ - ٣٥٣) وما بين الحاصرتين مستدرك منه. ٥٨٢ [أَسُنَّةٌ هو أو لا؟ أوضحوه لنا وما لتمييز هذا اليوم من سبب؟ عيدُ الخميس الذي في مبتدا رجب] بالاتِّباع إلى منهاج خير نبي نخصّه لمزيد الحبّ بالقُرَبِ ولا صلاةٍ ولا شيءٍ من القُرَبِ كان النَّجاة لنا فيه من العَطَبِ قَوابل القَابلين الكل عن أربِ على محمد خير العُجْمِ والعَرَبِ فقلت ذا مبدأ الإِسلام في يمنٍ أتى معاذّ بأمرِ اللهِ فيه لنا فَصَار ذلك عيداً عندنا فَإِذَا ولا نقول بتخصيص الصِّيام لهُ نَعَمْ لنا فيه تخصيص المَحَبّة إذ فصار إقبالُه فيه القَبولُ على ثم الصَّلاة مع التّسليم لا برحا والآلِ والصَّحْب ثم التَّابعينَ لَهُم ما انهلَّ مُزْنٌ على الأشجار والكثبِ ● وفيها القاضي عيسى الهندي(١) العَلَّمة المُفَنَّن. قال في ((النور)): كان من أعيان العلماء المشهورين، وواحد المشايخ المدرِّسين، وله تصانيف نافعة، رحمه الله تعالى. وتوفي بأحمد آباد. انتهى . · وفيها ناصر الدِّين محمد بن أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن عيسى بن شرف، المعروف بابن أبي الجود، وبابن أبي الحيل قديماً، وبابن الكشك الشلّاح أبوه(٢). قال في ((الكواكب)): قال الوالد قرأ عليَّ من ((الترمذي)) إلى كتاب الصلاة، والبُردة، والمنفرجة، وسمع قصيدتي القافية والخائية، مرثيتي شيخ الإسلام. [وقصيدتي التائية المثلثة، في مجدِّدي دين الأمة، وبعض كتابي الدرّ النضيد، ] وغير ذلك وأجزته، مولده سنة تسع عشرة وتسعمائة. انتهى. وأخبرنا الشيخ أبو اليسر القَوّاس أنه كان له ذكاءً مفرطً، وعرض له أكل الأفيون، وهو لبن الخشخاش، وغلب عليه فكتبت إليه العَمّة خالة أبي اليسر المذكور السيدة زينب بنت الشيخ رضي الدِّين تنصحه: (١) ترجمته في ((النور السافر)) ص (٣٥٤). (٢) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (٥٣/٣ - ٥٤) وما بين الحاصرتين مستدرك منه. ٥٨٣ اسمع أقول لك نصيحةً تطرب الجلمود یا ناصرَ الدِّین یا بن الکشك یا ذا الجود يصير بالك ومالك والذّكا مفقود بسك تعاني اللبن فهمك هو المفقود وكان المذكور رئيس الكتبة بمحكمة القسمة ومامية ترجمانها، وكان يصير بينهما لطائف ووقائع. وتوفي يوم السبت رابع عشر الحجّة ودفن بباب الفَرَاديس. انتهى ملخصاً. • وفيها المولى أبو السعود محمد بن محمد بن مصطفى العِمَادي الحنفي (١) الإِمامِ العَلَّامة . قال في ((العقد المنظوم)): ولد سنة ثمان وتسعين وثمانمائة بقرية قريبة من قسطنطينية، وقرأ على والده كثيراً من جملة ما قرأه عليه ((حاشية التجريد)) للشريف الجرجاني بتمامها، و((شرح المفتاح)) للشريف أيضاً قرأه عليه مرتين، و((شرح المواقف)) له أيضاً، وصار ملازماً من المولى سعدي جلبي، وتنقّل في المدارس، ثم قُلِّد قضاء برسه، ثم قضاء قسنطنطينية، ثم قضاء العسكر في ولاية روم إيلي، ودام عليه مدة ثمان سنين، ثم لما توفي المولى سعد الله بن عيسى بن أمير خان تولى مكانه الفتيا، فقام بأعبائها أتمَّ قيام، وذلك سنة اثنتين وخمسين وتسعمائة، واستمر على ذلك إلى أن مات، وسارت أجوبته في جميع العلوم وجميع الآفاق مسير النُّجوم، وجعلت رشحات أقلامه تميمة نحر لكونها يتيمة بحر ياله من بحر(٢)، وكان من الذين قعدوا من الفضائل والمعارف على سنامها وغاربها، وضربت له نوبة الامتياز في مشارق الأرض ومغاربها، تفرَّد في ميدان فضله فلم يجاره أحد، وانقطع عن (١) ترجمته في ((العقد المنظوم)) ص (٤٣٩ - ٤٥٤) و((الكواكب السائرة)) (٣٥/٣ - ٣٧) و((النور السافر)) ص (٢٣٩ - ٢٤١) ووفاته فيه: ((أبو السعود محمد بن مصطفى)) وفيه وفاته سنة (٩٥٢) وهو وهم. و((الأعلام)) (٥٩/٧) و((معجم المؤلفين)) (٣٠١/١١ - ٣٠٢) و((الفوائد البهية)) ص (٨١ - ٨٢) و((البدر الطالع)) (٢٦١/١). (٢) العبارة في ((آ)) على الشكل التالي: ((وجعلت رشحات أقلامه تميمة نحر لكونها تميمة نحر لكونها من بحر یاله من بحر)». ٥٨٤ القرين والمماثل في كل بلد، وحصل له من المجد والإِقبال والشَّرف والأفضال ما لا يمكن شرحه بالمقال، وقد عاقه الدرس والفتوى والاشتغال بما هو أهم وأقوى عن التفرغ للتصنيف، سوى أنه اختلس فرصاً وصرفها إلى التفسير الشريف، وقد أتى فيه بما لم تسمح به الأذهان ولم تقرع بمثله الآذان، وسماه بـ ((إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم)) (١) ولما وصل منه إلى آخر سورة (ص) ورد التقاضي من طرف السلطان سليمان خان، فبيَّض الموجود وأرسله إليه، وبعد ذلك تيسّر له الختام، وأنعم عليه السلطان بما لم يدخل تحت الحصر، وله ((حاشية على العناية)) من أول كتاب البيع، وبعض حواشٍ على بعض ((الكَشّاف)) جمعها حال إقرائه له . وكان طويل القامة، خفيف العارضين، غير متكلّف في الطعام واللباس، غير أن فيه نوع اكتراث بمداراة الناس والميل الزائد لأرباب الرئاسة، فكان ذا مهابةٍ عظيمةٍ، واسع التقرير، سائغ التحرير، يلفظ الدُّرر من كلمه، وينثر الجوهر من حكمه، بحراً زاخراً، وطوداً باذخاً. وله شعر كثير مطبوع، منه قصيدته الميمية الطويلة التي أولها (٢): وغير هَواهَا لوعةٌ وغَرامُ أَبَعْدَ سُلَيْمِى مَطْلَبٌ ومرام ودُون ذُرَاها مُوقفٌ ومَقَامُ وفَوقَ حِمَاهَا ملجأٌ ومثابةٌ عَنَانِ المَطايا أو يُشَدَّ حِزَامُ وهَيهاتَ أن تثنى إلى غير بابها وهي طويلة انتهى ملخصاً. وينسب إليه البيتان اللذان أجيب بهما بيتا العجم وهما: نَحنُ أناسٌ قد غَدا دَأْبُنَا حبّ عليّ بن أبي طَالبٍ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلى العَائِبِ يَعِيبُنا النَّاسُ على حُبِّه (١) انظر ((كشف الظنون)) (٦٥/١) فقد أطال الكلام عليه بما هو مفيد. (٢) الأبيات في ((العقد المنظوم)) ص (٤٤٥ - ٤٤٧) وقال العَلامة طاش كبري زاده: ((وقد عارض فيها ميمية الفاضل السري إمام هذا الشأن أبي العلاء المَعَرِّي، وانظر ((النور السافر)) ص (٢٤٠). ٥٨٥ فأجاب المولى أبو السعود بقوله: بُغْضُ الذي لُقِّبَ بِالصَّاحِبِ مَا عَيْبُكُمْ هَذَا وَلَكِنْه فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الكَاذِبِ وقَولُكُمْ فيه وفي بِنْتِهِ وتوفي بقسطنطينية مفتياً في أوائل جمادى الأولى، وصلّى عليه المولى سِنَان مُحَشِّي ((تفسير البيضاوي)) ودفن بجوار أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه. ٥٨٦ سنة ثلاث وثمانين وتسعمائة · فيها توفي شمس الدِّين أحمد السرائي الحنفي(١) الإِمام العالم. ولد بمدينة سراي ونشأ بها، وطلب العلم، وأكثر من الشيوخ، حتّى صار ملازماً من محيي الدِّين عرب زادة، ومعيداً له، وصار معلِّماً للوزير محمود الشهير بزال، فارتفع قدره، وعظم شأنه، ثم تنقّلت به الأحوال، وتقلب في المدارس. وكان عارفاً، عالماً، حسن السّمت، مرضي السيرة، صاحب ذهن سليم وطبع مستقيم، معرضاً عن البطالة، مكباً على الاشتغال، حسن النثر والنظم باللسان العربي، وله رسالتان سيفية وقلمية في غاية البلاغة. وتوفي في رجب. ● وفيها المولى محمد بن عبد العزيز، المشتهر بمعيد زاده(٢). قال في ((ذيل الشقائق)): مولده بمرعش سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة، واشتغل على علماء بلده، ثم جاء إلى قسطنطينية، فقرأ على معمار زاده، ثم على المولى سِنَان، وصار ملازماً من المولى خير الدِّين معلِّم السلطان سليمان، ثم تنقّل في المدارس إلى أن توفي، ولم يجلس بمجلس القضاء. وكان عالماً، محقَقّاً، مدقٌّقاً، صاحب يد طولى في العلوم الأدبية، وقدم (١) ترجمته في ((العقد المنظوم)) ص (٤٧٩ - ٤٨١). (٢) ترجمته في ((العقد المنظوم)) ص (٤٨٣ - ٤٨٤) و((الكواكب السائرة)) (٨٥/٣) و((عرف البشام)) ص (٣٤ - ٣٥). ٥٨٧ راسخة في فنون العربية، مع المشاركة التَّامة في سائر العلوم المتداولة. وله تعليقات على بعض المواضع من التفسير، والفروع، وغيرهما. ومن شعره: عليهم ضَاقَ بِالرَّحب البِقَاعُ لَقَدْ جَارَ الزَّمَانُ على بنيه وعِلْمُ الشّرع أكْسَدُ مَا يُبَاعُ ترى الأشعارَ في الأسعار أغلى وغَايَتُها خِمَاسُ أو رِبَاعُ فَقَدْ صَارَتْ جَوائِزُهُمْ عُقُوداً لَقَدْ أَضْحَي لَهُ أمِرٌ مُطاعٌ وَكُمْ مِنْ شَاعِرٍ أَمسى عَزِيزاً أَضَاعُونِي وَأَيَّ فَتَىْ أَضَاعُوا (٢) وذي فضل يُنَادِي فِي البَوّادي(١) توفي ببيت المقدس لما توجه قاضياً لها قبل أن يُباشر الحكم في ذي القعدة انتھی . وذكر في ((الكواكب)) أنه كان مفتياً بدمشق ومدرِّساً بالسُّليمانية بها. ● وفيها محمود بن أحمد المشتهر بابن برزان(٣). ولد بقصبة أسكليب، ونشأ على طلب العلم والفضائل، وأخذ عن أعيان الأفاضل، حتى صار ملازماً من المولى أبي السعود وتنقّل في المدارس، وأذن له في الإفتاء فلم تطل مدته. وكان عارفاً، كاملاً، مطلعاً على دقائق العربية، له باع في العلوم الأدبية، عالماً بالفقه والكلام. وتوفي بقسطنطينية في شوال. ● وفيها المولى محمود بن حسن السامون الحنفي (٤) الإِمام العَلّامة. (١) في ((ط)): ((في النوادي)) وهو تصحيف. (٢) الشطرة الثانية من هذا البيت هي صدر بيت مشهور للعتبي هو: ليوم كريهة وسَدَاد ثّغْرِ أضاعوني وأي فتىّ أضاعوا (٣) ترجمته في ((العقد المنظوم)) ص (٤٨١) واسمه فيه: ((محمد بن أحمد المشتهر بابن بزن)). (٤) ترجمته في ((العقد المنظوم)) ص (٤٨٢ - ٤٨٣). ٥٨٨ قرأ على علماء عصره، ومَهَرَ، وصار ملازماً من المولى خير الدِّين معلِّم السلطان سليمان، وتنقّل في المدارس إلى أن ولي قضاء حلب، ثم دمشق، ثم مكة، ثم تقاعد بوظيفة مثله. وكان عالماً، صالحاً، مشتغلاً بنفسه، جيد الحفظ، كثير العلوم، محمود السيرة في قضائه . وتوفي في ذي القعدة. ● وفيها الشيخ محبي الدِّين الإِسكليبي الحنفي(١). ولد بقصبة تسمى إسكليب، ونشأ في طلب العلم، ودار البلاد العجمية، والرُّومية، والعربية في طلبه، واجتمع بكثير من الأعيان، وتلقى عن جلّة من علماء الزمان، إلى أن بَرَعَ في العلوم، وتضلع من المنطوق والمفهوم، ثم سَلَكَ طريق السادة الصوفية، وتسلّك بالشيخ إبراهيم القيصري، إلى أن صار كما قال فيه محبي الدِّين المشتهر بحكيم جلبي من الرِّجال الكاملين، مملوءاً من المعارف الالهية من فرقه إلى قدمه، وروحه المطهرة متصرّفة الآن في هذه الأقطار (٢) وإن أرباب السُّلوك وطلبة المعارف الإِلّهية مستفيدون من معارفه. وتوفي ۔ رحمه الله تعالی - بإسکلیب. · وفيها مصلح الدِّين مصطفى بن الشيخ علاء الدِّين المشتهر بجراح زاده الحنفي(٣). ولد بمدينة أدرنة في صفر سنة إحدى وتسعمائة، ونشأ بها طالباً للعلوم والمعارف، وقرأ كتاب ((المفتاح)) بإتقان وتحقيق على المولى لطف الله بن شُجَاع، ثم هبّت عليه نسمات الزُّهد، فتلقى طريق القوم من سادات زمانه، وتحمّل مشاق العبادات، والمجاهدات، حتّى صار بحراً من بحار الحقيقة، وكهفاً منيفاً لأرباب (١) ترجمته في ((العقد المنظوم)) ص (٤٦٣ - ٤٦٨). (٢) أقول: هذا من المبالغات التي لا تجوز، فالذي يتصرف في الأقطار هو الله الواحد القهار. ع). (٣) ترجمته في ((العقد المنظوم)) ص (٤٥٨ - ٤٦٣). ٥٨٩ الطريقة، متخلياً عن الأخلاق الناسوتية، متحلياً بمفاخر الحلل اللاهوتية، منجمعاً عن الناس، معرضاً عن تكلّفاتهم، راغباً عن بدعهم وعن خرافاتهم، لا يطرق أبواب الأمراء، ولا يطرف مجالس الأغنياء، وله كشوفات عجيبة وإشرافات على الخواطر غريبة . وتوفي بأدرنة في المحرَّم ودفن بقرب زاوية الشيخ شُجَاعِ. ٥٩٠ سنة أربع وثمانين وتسعمائة ● فيها توفي المولى رمضان المعروف بناظر زاده الرومي الحنفي (١) الإمام العَلامة . قال في ((العقد المنظوم)): ولد بقصبة صوفية من بلاد الرُّوم، ونشأ في طلب العلم والأدب، وأخذ عن المولى عبد الباقي، والمولى برويز، وصار ملازماً من قطب الدِّين زاده، وحفظ ((الكنز))، وقلّد المدارس، ثم قلّد قضاء الشام، ثم مصر، ثم بروسه ثم أدرنة، وقبل أن يصل إليها قلّد قضاء قسطنطينية. وكان ممن حاز قَصْبَ السَّبْقَ في مضمار الفضائل، وشهد بوفور علمه وغزارة فضله الأفاضل، علماً مستقيماً، عفيفاً، نزهاً، جميل الصورة، حسن السيرة، متواضعاً. ومع هذا الفضل الباهر والتقدم الظاهر لم يُرَ له تأليف لغاية احترازه عن النسبة إلى الخطأ. وتوفي بقسطنطينية فجأة في أواسط شعبان . · وفيها زين العباد القيصري الحنفي (٢). ولد ببلدة قيصرية (٣) واشتغل على الشيخ شمس الدِّين مُدرِّس البكتوتية ببلدة مرعش، ثم رحل إلى القسطنطينية، وقرأ على علمائها، حتى وصل إلى خدمة (١) ترجمته في ((العقد المنظوم)) ص (٤٨٦ - ٤٨٧). (٢) ترجمته في ((العقد المنظوم)) ص (٤٨٥ - ٤٨٦). (٣) قيصرية ويسميها الأتراك قيصري، تقع في وسط الأناضول إلى الجنوب الشرقي من أنقرة. عن حاشية ((تاريخ الدولة العلية العثمانية)) ص (٢٨١). ٥٩١ سعدي جلبي مُحَشِّي ((البيضاوي))، ثم بعد موته بجوي زاده، وصار ملازماً منه، وتنقَّل في المدارس حتَّى وصل إلى مدرسة با يزيد خان بأماسية بثمانين، وأقام بها على الإِفتاء والدرس إلى الموت. وكان واسع العلم، كثير المحفوظ، قليل الاعتناء بزخارف الدنيا، مكباً على الاشتغال والإِشغال. وكان له أخ يسمى عبد الفتاح(١). كان فاضلاً، كاملاً، تنقّل في مدارس عديدة إلى أن نقل إلى مدرسة السلطان سليمان خان بدمشق فباشرها مع الإفتاء بها واستمر فيها إلى أن توفي في هذه السنة أيضاً. ● وفيها سعيد سلطاني الحبشي الحنفي (٢). قال في ((النور)): كان عالماً، فاضلاً، صالحاً، ديناً، فقيهاً، مشاركاً في كثير من العلوم، يحفظ القرآن العظيم، كثير العبادة، يختم في رمضان خمس ختمات في الصلاة. وكان أمراء الجيوش يحترمونه ويجلّونه، وجعلوا له معلوماً يوازي خمسة عشر ألف دينار. وكان محسناً لأهل العلم، ولما حجَّ قرأ على ابن حجر الهَيتَمي . وكان له رغبة في تحصيل الكتب، وابتنى بأحمد أباد م ـداً حسناً إلاّ أنه کان فیہ کِبْرٌ ، والكمال لله . وتوفي بأحمد أباد يوم الاثنين ثالث شوال، ودفن بمسجده، ثم دفن إلى جنبه شيخنا الشيخ عبد المعطى باكثير. انتهى (١) ترجمته في ((العقد المنظوم)) ص (٤٨٦) و((عرف البشام)) ص (٣٥) و((الكواكب السائرة)) (١٣/٣ - ١٥). (٢) ترجمته في (النور السافر)) ص (٣٥٧ - ٣٥٨). ٥٩٢ ● وفيها عبد الله بن سعد الدِّين المدني السّندي(١). قال في ((النور)) أيضاً: كان من كبار العلماء البارعين، وأعيان الأئمة المتبخّرين، وله جملة مصنّفات، منها ((حاشية)) على ((العوارف)) للسُّهْرَوزدي. وتوفي بمكة في ذي الحجّة. انتهى ● وفيها شمس الدِّين محمد بن شمس الدِّين محمد بن الشيخ عَلْوان الحَمَوي الشافعي(٢). أخذ عن أبيه وغيره وتفقه وكان إماماً كاملاً وتوفي بحماة. ● وفيها بدر الدِّين أبو البركات محمد بن القاضي رضي الدِّين محمد بن محمد بن عبد الله بن بدر بن عثمان بن جابر الغَزِّي العَامري القرشي الشافعي (٣) الإِمام العلامة شيخ الإِسلام بحر العلوم. قال ولده النجم في ((الكواكب)): ولد في وقت العشاء ليلة الاثنين رابع عشر ذي القعدة سنة أربع وتسعمائة، وحمله والده إلى الشيخ أبي الفتح المِزِّي الصُّوفي فألبسه خرقة التصوف، ولقّنه الذُّكر، وأجاز له بكل ما تجوز له وعنه روايته، وهو دون السنتين، وأحسن والده تربيته، وهو أول من فتق لسانه بذكر الله تعالى، ثم قرأ القرآن العظيم على عدة مشايخ، منهم البدر السَّنْهُوري (٤) بروايات العشرة، ثم لزم في الفقه والعربية والمنطق والده الشيخ رضي الدِّين. وقرأ في الفقه أيضاً على تقي الدِّين بن قاضي عَجْلُون. وكان معجباً به يلقُّبه شيخ الإِسلام، وأكثر انتفاعه بعد والده عليه، وسمع عليه في الحديث، ثم أخذ الحديث والتصوف عن البدر ابن الشويخ المقدسي، ثم رحل مع والده إلى القاهرة، فأخذ عن مشايخ الإِسلام بها، القاضي زكريا، وأكثر انتفاعه في مصر به، والبرهان بن أبي شريف، والبُرهان القَلْقَشَنْدي، والقسطلاني، وغيرهم، وبقي في الاشتغال بمصر مع والده نحو (١) ترجمته في ((النور السافر)) ص (٣٥٧) و((معجم المؤلفين)) (٥٧/٦). (٢) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (٢٦/٣). (٣) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (٣/٣- ١٠) و((ريحانة الألبا)) (١٣٨/١ - ١٤٤) و((الأعلام)) (٥٩/٧) و((معجم المؤلفين)) (٢٧٠/١١ - ٢٧١) و((منتخبات التواريخ لدمشق)) (٥٨٩/٢). (٤) تحرفت في (ط)) إلى ((السُّنهودي)). ٥٩٣ خمس سنوات، واستجاز له والده قبل ذلك من الحافظ جلال الدِّين السيوطي . وبَرَعَ، ودرَّس، وأفتى، وألّف، وشيوخه أحياء، فقرَّت أعينهم به وجمعه بجماعة من أولياء مصر وغيرها، والتمس له منهم الدُّعاء كالشيخ عبد القادر الدّشطوطي، وسيدي محمد المنير الخانكي. ثم تصدر بعد عوده مع والده من القاهرة في سنة إحدى وعشرين للتدريس والإِفادة، واجتمعت عليه الطلبة وهو ابن سبع عشرة سنة، واستمر على ذلك إلى الممات، مشتغلاً بالعلم تدريساً وتصنيفاً وإفتاءً ليلاً ونهاراً، مع الاشتغال بالعبادة وقيام الليل وملازمة الأوراد. وتولى الوظائف الدينية كمشيخة القراء بالجامع الأموي، وإمامة المقصورة، ودرَّس بالعادلية، ثم بالفارسية، ثم الشامية البرَّانيَّة ، ثم المقدَّمَيَّة، ثم التَّقويَّة، ثم جُمِعَ له بينهما وبين الشامية الجوانية، ومات عنهما، وانتفع به الناس طبقة بعد طبقة، ورحلوا إليه من الآفاق، ولزم العُزْلَة عن الناس في أواسط عمره، لا يأتي قاضياً، ولا حاكماً، ولا كبيراً، بل هم يقصدون منزله الكريم للعلم والتِّبُرُّك. وطلب الدعاء، وإذا قصده قاضي قضاة البلد أو نائبها لا يجتمع به إلا بعد الاستئذان عليه والمراجعة في الأذن، وقصده نائب الشام مصطفى باشا فلم يجتمع به إلَّ بعد مرات. وكذا درويش باشا نائب الشام. وقال له: يا سيدي ما تسمع عني؟ قال: الظلم. وكان لا يأخذ على الفتوى شيئاً، بل سدّ باب الهديّة مطلقاً فلم يقبل إلّ من أخصائه وأقاربه، ويكافىء أضعافاً. وكان يحبّ الصوفية ويكرمهم، وأخذ عنه العلم من لا يُحصى كثرةً. وأما تصانيفه فبلغت مائة وبضعة عشر مصنّفاً، من أشهرها التفاسير الثلاثة المشهورة ((المنثور)) و((المنظومان)) وأشهرها ((المنظوم الكبير)) في مائة ألف بيت وثمانين ألف بيت وحاشيتان على ((شرح المنهاج)) للمَحلّي، وشرحان على ((المنهاج)) كبير وصغير، وكتاب ((فتح المغلق في تصحيح ما في الروضة من الخلاف المُطْلَق)) و((التّنقيب على ابن النَّقيب)) و((البرهان الناهض في نيّة استباحة ٥٩٤ الوطء للحائض)) و((شرح خاتمة البهجة)) و((الدر النّضيد في أدب المفيد والمستفيد)) و((التذكرة الفقهية)) وشرحان على ((الرَّحبية)) وثلاثة شروح على ((الألفية)) في النحو منظومان ومنثور، و((شرح الصدور بشرح الشذور)) وشرح على ((التّوضيح) لابن هشام، و((شرح شواهد التلخيص)) و((أسباب النّجاح في آداب النِّكاح)) وكتاب ((فصل الخطّاب في وصل الأحباب)) و((منظومة في خصائص النَِّي وََّ)) و ((منظومة في خصائص يوم الجمعة وشرحها)) و((منظومة في موافقات سيدنا عمر للقرآن العظيم وشرحها)) و((العقد الجامع في شرح الدُّرر اللوامع)) نظم ((جمع الجوامع))، وغير ذلك. ومن شعره(١): وتوفيقي لما تَرْضَى مُناي إلَهَ العَالمِينَ رِضَاكَ عَنِّي وفقري إن رَضیتَ به غِنَاي فحِرْمَاني عطائي إن تُرِدْهُ ومنه : في دهرنا المالُ يستفادُ بالحظّ والجاهِ لا بفضلٍ وكم حمار لَهُ جَوادُ كَم مِنْ جَوادٍ بلا حِمَارٍ وكان ابتداء مرضه في ثاني شوال من هذه السنة، واستمر مريضاً إلى يوم الأربعاء سادس عشري شوال المذكور، وصلّى عليه الشِّهاب العيثاوي، ودفن بتربة الشيخ أرسلان، وقال مَاميّة الشاعر مؤرخاً لوفاته: قَدْ كَان شَمْسَ عَوارفِ التَّمِكِينِ أبكى الجَوَامِعَ والمَسَاجِدَ فقدُ مَنْ وكَذا المدارس أَظْلَمَتْ لما أتى تَأريخهُ (بخَفَاء بدر الدِّين)(٢) • وفيها نجم الدِّين محمد بن أحمد بن علي بن أبي بكر الغِيطي السّكَّنْدري ثم المِصْري الشافعي (٣) الإِمام العَلَّامة المُحَدِّث المُسْنِد، شيخ الإِسلام. ولد في أثناء العشر الأول من القرن العاشر. (١) في (آ)) و((ط)): ((منائي) و((غنائي)) وأثبت لفظ ((الكواكب السائرة)) مصدر المؤلِّف. (٢) مجموعه في حساب الجُمُّل (٩٨٤). (٣) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (٥١/٣ - ٥٣) و((الأعلام)) (٦/٦) و((معجم المؤلفين)) (٢٩٣/٨ - ٢٩٤) وقد رجح العلّامة الزركلي وفاته سنة (٩٨١) في تعليق طويل مفيد يحسن بالقارىء الباحث الرجوع إليه . ٥٩٥ قال في ((الكواكب)): كان رفيقاً لوالدي على والده وعلى القاضي زكريا. قرأ عليه ((البخاري)) و((مسلم)) كاملين ((وسنن أبي داود)) إلّ يسيراً من آخرها، وجمع عليه للسبعة، ولبس منه خرقة التصوف، وسمع على الشيخ عبد الحقّ السّنباطي ((سنن ابن ماجه)) كاملًا، و((الموطأ)) وغير ذلك. وقرأ عليه في التفسير، والقرآآت، والنحو، والصرف، وأذن له بالإِفتاء والتدريس، وقرأ وسمعِ على السيد كمال الدِّين بن حمزة لما قدم مصر. وقرأ على الكمال الطويل كثيراً وأجازه بالتدريس والإفتاء، وأخذ عن الأمين بن النَّجار، والبدر المشهدي كثيراً، وعن الشمس الدّلجي، وأبي الحسن البكري، وغيرهم. قال الشعراوي: أفتى ودرَّس في حياة مشايخه بإذنهم، وألقى الله محبته في قلوب الخلائق، فلا يكرهه إلّ مجرمٌ أو منافق، وانتهت إليه الرئاسة في علم الحديث، والتفسير، والتصوف، ولم يزل أمَّاراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر، يواجه بذلك الأمراء والأكابر، لا يخاف في الله لومة لائم. قال: وتولى مشيخة الصّلاحية بجوار الإمام الشافعي، ومشيخة الخانقاة السرياقوسية، وهما من أجلّ وظائف مشايخ الإِسلام من غير سؤال منه، وأجمع أهل مصر على جلالته، وما رأيت أحداً من أولياء مصر إلّ يحبه ويجلّه. وذكره القاضي محبّ الدِّين الحنفي في ((رحلته إلى مصر)) فقال: وأما حافظ عصره، ومُحَدِّث مصره، ووحيد دهره، الرحلة الإِمام والعمدة الهُمَّام الشيخ نجم الدِّينِ الغِيطي، فإنه مُحَدِّث هذه الدِّيار على الإطلاق، جامع للكمالات الجميلة ومحاسن الأخلاق، حاز أنواع الفضائل والعلوم، واحتوى على بدائع المنثور والمنظوم، إذا تكلّم في الحديث بلفظه الجاري أقرَّ كل مسلم بأنه البُخاري، أجمعت على صدارته في العلم علماء البلاد، واتفقت على ترجيحه بعلو الإِسناد، وقفت له على مؤلّف سَمّاه ((القول القويم في إقطاع تميم)). انتهي أي ومن مؤلفاته ((المعراج)) المتداول بأيدي الناس، يقرؤه علماء الأزهر كل سنة في رجبها. ٥٩٦ سنة خمس وثمانين وتسعمائة • فيها كما قال في ((النور)(١) طلع نجم ذو ذؤابة كهيئة الذّنب طويل جداً له شعاع، ومكث كذلك يطلع نحو شهرين. انتهى. قلت: قال السيوطي في كتابه ((حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة))(٢) ما لفظه: ذكر كوكب الذنب. قال صاحب ((المرآة)): إن أهل النّجوم يذكرون أن كوكب الذنب طلع في وقت قتل قابيل هابيل، وفي وقت الطوفان، وفي وقت نار إبراهيم الخليل، وعند هلاك قوم عاد، وقوم ثمود، وقوم صالح، وعند ظهور قوم موسى وهلاك فرعون، وفي غزوة بدر، وعند قتل عثمان، وعلي، وعند قتل جماعة من الخلفاء، منهم الرّاضي، والمعتز، والمهتدي، والمقتدر. قال(٣): وأدنى الأحداث عند ظهور هذه الكواكب الزلازل والأهوال. قلت: يدل لذلك ما أخرجه الحاكم في ((المستدرك)) وصححه من طريق ابن أبي مليكة، قال: ((غدوت على ابن عَبَّاس، فقال: ما نمت البارحة، قلت: لم؟ قال: طلع الكوكب ذو الذنب فخشيت أن يكون الدَّجَّال قد طَرَقَ(٤)). انتهى ما أورده السُّيُوطي بحروفه. ● وفيها توفي المولى حامد أفندي المفتي(٥). قال في ((العقد المنظوم)): ولد بقُونية، وطلب العلم في كِبَره بعد أن ذهب (١) انظر ((النور السافر)) ص (٣٥٨). (٢) انظر ((حسن المحاضرة)) (٣٢٣/٢). (٣) لفظة ((قال)) سقطت من ((ط)). (٤) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٤٥٩/٤) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرّجاه، غير أنه على خلاف عبد الله بن مسعود، وأن آية الدّجال قد مضى. (٥) ترجمته في ((العقد المنظوم)) ص (٤٨٧ - ٤٨٩). ٥٩٧ شبابه، لكنه أكبَّ على الطلب ولازم الأفاضل، وحَصَلَ له منهم قبول زائد، منهم المولى سعدي مُحَشِّي ((تفسير البيضاوي)). وصار ملازماً من المولى القادري، ثم تنقّل في المدارس من سنة أربعين وتسعمائة إلى أن قُلِّد قضاء دمشق فلم يمكث فيه سنة حتى نقل إلى قضاء مصر، فأقام فيها ثلاث سنين، ثم قُلُّد قضاء برسه، ثم قضاء قسطنطينية، ثم قضاء العسكر بولاية روم إيلي، فاستمرَّ فيه تسع سنين، سالكاً أحسن مسلك وكان السلطان - لكثرة اعتماده عليه وحبه له - أراد أن يوليه الوزارة العُظمى (١)، فوافق موت المرحوم المولى أبي السعود أفندي المفتى، فأقيم مقامه، وسَلّم إليه المجد زمامه، فدام في الفتوى إلى أن توفي، وذلك في أوائل شعبان، ودفن بجوار أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه. • وفيها مَيَان عبد الصَّمد الهندي(٢) الرجل الصالح. قال في ((النور)): كان من الأخيار، عالماً، فاضلاً، محسناً، متواضعاً، وحكي أنه كان إذا لم يكن على طهارة وثَمَّ أحدٌ ممن اسمه اسم نبي لم يتلفظ باسمه تعظيماً واحتراماً لذلك الاسم الشريف، رحمه الله تعالى. انتهى. ● وفيها شمس الدِّين أبو النُّعْمَان محمد بن كريم الدِّينِ محمد الأيجي العَجَمي الشافعي الصالحي(٣) نزيل صالحية دمشق، الإِمام العَلَّمة العارف بالله تعالی . قال في ((الكواكب)) : قدم دمشق وهو شاب في سنة عشرين وتسعمائة، وصحب سيدي محمد بن عراق سنين كثيرة، وتعانى عنده المجاهدات، واشتغل بالعلم قبل أن يدخل بلاد الشام، وبعده علي الشيخ الصَّفَوي الأيجي وغيره، وكان له يد في المعقولات، وتولى تدريس الشامية عن شيخ الإسلام الوالد، بعد ما كان بينهما من المودة والصُّحبة ما لا يُوصف، وانتُقِدَ على الأيجي ذلك، وعَوّض الله على الوالد بأحسن منها. وكان الأيجي ملازماً على الأوراد والعبادات، أماراً (١) أي رئاسة الوزارة في أيامنا. (٢) ترجمته في (النور السافر)) ص (٣٦١). (٣) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (٣٧/٣). ٥٩٨ بالمعروف، نهاءً عن المنكر، وكان يتردد إلى الحُكَّام وغيرهم لقضاء حوائج الناس، وسافر إلى الرُّوم مرتين. انتهى. وكان إماماً، عالماً، عاملًا، زاهداً، ولياً من أولياء الله تعالى، له كرامات كثيرة شهيرة . توفي بصالحية دمشق يوم الجمعة بعد الصلاة عاشر جمادى الأولى، وصَلّى عليه بجامع الحنابلة قاضي قضاة دمشق حسين جلبي ابن قرا، ونائب الشام حسن باشا ابن الوزير محمد باشا، ودفن من الغد بمنزله بسفح قاسيون. ● وفيها الشيخ مسعود بن عبد الله المغربي (١) المُعْتَقِد العارف بالله تعالى. قال في ((الكواكب)): صحب بدمشق الشيخ شِهَاب الدِّين الأخ، وكان يجلس عنده في درسه عن يمينه فيقول له الأخ: يا سيدي مسعود احفظ لي قلبي (٢)، فإن جدِّي الشيخ رضي الدِّين كان يجلس إلى جانبه سيدي علي بن ميمون في درسه، فيقول له: يا سيدي علي امسك لي قلبي، ولما دخل سيدي مسعود دمشق كان يقتات من كسب يمينه، فكان يضرب الأبواب المغربية جدراناً لبساتين دمشق، فكان يبقى ما يعمله خمسين سنة أو أكثر لا يتهدم من إتقانه لها، وأخبرت أنه عرض له جندي والشيخ في لباس الشغل، فقال له: خذ هذه الجَرَّة واحملها - وكان بها خمر - فحملها الشيخ معه، فلما وضعها له وجدها الجندي دبساً(٣) فجاء إلى الشيخ واعتذر إليه وتاب علی یدیه. وكان لأهل دمشق فيه كبير اعتقاد، يتبرّكون به ويقبِّلونَ يديه، وكان الشيخ يحيى العمادي یزوره. قال النجم الغَزِّي: ولقد دعا لي ومَسَحَ على رأسي، وأنا أجد بركة دعائه الآن. وتوفي - رحمه الله - يوم الخميس رابع عشري شهر رمضان، ودفن بالزاوية. *** (١) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (٢٠٦/٣ - ٢٠٧) و((جامع كرامات الأولياء)) (٢٥٢/٢ - ٢٥٣). (٢) أقول: لا يحفظ القلب إلا الله تعالى. (ع). (٣) أقول: هذا من المبالغات في الكرامات، والله أعلم. (ع). ٥٩٩ سنة ست وثمانين وتسعمائة ● فيها توفي المولى أحمد بن محمد المشتهر بنشانجي زاده(١). قال في ((ذيل الشقائق»: ولد بمدينة قسطنطينية سنة أربع وثلاثين وتسعمائة، وقرأ على علماء عصره، کالمولى شيخ زاده شارح «البيضاوي)» والمولى عبد الكريم زاده، والمولی برویز. وصار ملازماً من المولى سِنَان. وتَنَقَّل في المدارس، ثم اتفق أن مات عدة من أولاده، فترك تصاريف الدُّنيا، وأعرض عن المدارس، واختار الانزواء، ثم رَجَعَ، وصار مدرِّساً بإحدى المدارس الثمان، ثم قُلِّد قضاء مكة، ثم مصر، ثم المدينة المنورة، وقبل توجهه إليها تغيّر عليه خاطر السلطان، فعزله وأمره بالخروج عن البلدة فخرج متوجهاً إلى الحجِّ فلما حجَّ وعاد توفي بقرب دمشق، فحُمِلَ إليها ودُفن فيها . وكان - رحمه الله تعالى - طويل الباع في العلوم العربية، مائلاً إلى الصَّلاح، متصلاً بأسباب الفلاح، مكبّاً على الاشتغال والإِشغال، بدأ بإعراب القرآن العظيم مقتفياً أثر السَّفَاقُسي (٢) والسَّمِين(٣) وصل بها إلى سورة الأعراف، وشرح الحزب (١) ترجمته في ((العقد المنظوم)) ص (٤٩١ - ٤٩٢). (٢) هو الإِمام إبراهيم بن محمد بن إبراهيم القيسي السَّفاقسي، أبو إسحاق برهان الدِّين، فقيه مالكي، له ((إعراب القرآن المجيد)) ويسمى ((المُجيد في إعراب القرآن المجيد)). مات سنة (٧٤٢) هـ. انظر ((النجوم الزاهرة)) (٩٨/١٠) و((بغية الوعاة)) (٤٢٥/١) و((كشف الظنون)) (١٦٠٧/٢). (٣) هو الإِمام أحمد بن يوسف بن عبد الدائم الحلبي المعروف بالسَّمين، أبو العَبَّاس، شهاب الدين، النحوي المقرىء. له ((الدرّ المصون في علم الكتاب المكنون)) في إعراب القرآن الكريم. مات = ٦٠٠