Indexed OCR Text

Pages 241-260

بمكة من ((سنن ابن ماجه)) من باب صفة الجنة والنار، إلى آخر الكتاب. وأَذِنَتْ له
في رواية سائر مروياتها، وأذن له الشمس البازلي بحماة بالإِفتاء والتدريس، وأجاز
له بعد أن وصفه بالإِمام العالم العَلامة، الجامع بين المعقول والمنقول، المتبحر
في الفروع والأصول، وأجاز له الكمال بن أبي شريف سنة خمس وتسعمائة أن
يروي عنه سائر مؤلفاته ومروياته، ثم أجاز له الحافظ عثمان الدّيمي في سنة سبع
[وتسعمائة]، وكان قصير القامة، نحيف البدن، لطيف الجثة، حسن المفاكهة،
كثير الملاطفة، له إلمام بالفارسية والتركية، واعتناء بالتنزهات، مع الدّيانة
والصّيانة.
وتوفي بحلب في ذي القعدة.
· وفيها محيي الدِّين أبو المفاخر عبد القادر بن أحمد بن عمر بن محمد بن
إبراهيم الدمشقي الحنفي، المعروف بابن يونس(١) قاضي قضاة الحنفية بدمشق
(٢ ولد في الحجّة سنة خمس وخمسين وثمانمائة. وقرأ القرآن العظيم، و((مجمع
البحرين)) لابن السَّاعاتي، وغير ذلك، واشتغل وحَصَّل، وأفتى ودرَّس بالقصاعية،
وتولى القضاء بحلب ثم بدمشق٢) سنين إلى أن عزل عنه في سنة اثنتين وعشرين
وتسعمائة .
وتوفي بدمشق يوم الخميس ثالث عشر ذي القعدة ودفن بباب الصغير عند
ضريح سيدنا بلال.
• وفيها زين الدِّين عرفة بن محمد الأرموي الدمشقي(٣) الشافعي، العَلَّمة
المُحَقِّق الفَرَضي الحيسوب.
كان خبيراً بعلم الفرائض والحساب، ويعرف ذلك معرفة تامة، وله فيه شهرة
كلِّية، وهو الذي رتَّب مجموع الكلائي، وأخذ الفرائض عن الشيخ شمس الدِّين
(١) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (٢٥١/١ - ٢٥٢).
(٢ - ٢) ما بين الرقمين سقط من ((ط)).
(٣) ترجمته في ((الكواكب السائرة) (٢٦٠/١) و((الأعلام)) (٢٢٥/٤).
٢٤١

الشهير بابن الفقيرة، عن العَلَّامة شهاب الدِّين بن أرسلان الرَّمْلي، عن العَلامة
شهاب الدِّين بن الهائم. وأخذ عنه الفرائض شهاب الدِّين الكنجي وغيره.
وتوفي يوم الأحد حادي عشري شوال.
• وفيها نور الدِّين علي بن خليل المرصفي(١) العارف بالله تعالى الصُّوفي.
قال المناوي في ((طبقات الأولياء)): كان أبوه إسكافياً يخيط النِّعال، ونشأ هو
تحت كنفه كذلك، فوفق للاجتماع بالشيخ مدين وهو ابن ثمان سنين، فلّقنه
الذكر، ثم أخذ عن ولد أخته محمد، وأذن له في التصدر للمشيخة، وأخذ العهد
على المريد في جملة من أجاز، وكانوا بضعة عشر رجلاً، فلم يثبت ويشتهر منهم
إلّا هو، وأخذ عنه خلق، ودانت(٢) له مشايخ عصره، واختصر رسالة القشيري.
قال الشعراوي: لقنني الذكر ثلاث مرات، بين الأولى والثانية سبع عشرة
سنة، وذلك أني جئت وأنا أمرد، وكنت أظن أن الطريق نقل كلام كغيرها(٣)، ثم
قعدت بين يديه وقلت: يا سيدي لقِّني بحال فقال: اجلس متربعاً وغمض عينيك
واسمع مني لا إله إلا الله ثلاثاً، ثم اذكر أنت ثلاثاً، ففعلت فما سمعت منه إلّ
المرة الأولى وغبت من العصر إلى المغرب.
وعاش حتّ انقرض جميع أقرانه، ولم يبق بمصر من يُشار إليه في الطريق غيره.
ومن كلامه: أجمع أهل الطريق على أن الملتفت لغير شيخه لا يفلح،
وقال: إذا ذكر المريد رَبَّه بشدة طويت له مقامات الطريق بسرعة، وربما قطع في
ساعة ما لا يقطعه غيره في شهر.
وقال: السالك من طريق الذكر كالطائر المجد إلى حضرات القرب والسالك
من غير طريقه كالصلاة والصوم كمن يزحف تارة ويسكن أخرى، مع بعد المقصد،
فربما قطع عمره ولم يصل.
(١) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (٢٦٩/١) و((الأعلام)) (٢٨٦/٤) و((معجم المؤلفين)) (٨٨/٧).
(٢) في ((ط)): ((وأذنت)).
(٣) في ((آ)): ((نقل كلام غيره)).
٢٤٢

وكان الجنيد إذا دعي لفقير قال: أسأل الله أن يدلّك عليه من أقرب الطرق.
وقال: إياك والأكل من طعام الفلاحين فإنه مجرب لظلمة القلب.
وقال الشعراوي: دخل سيدي أبو العباس الحريثي يوماً فجلس عندي بعد
المغرب إلى أن دخل وقت العشاء، فقرأ خمس ختمات وأنا أسمع، فذكرت ذلك
لسيدي علي المرصفي، فقال: يا ولدي أنا قرأت مرة حال سلوكي ثلثمائة وستين
ختمة في اليوم والليلة، كل درجة ختمة.
وتوفي يوم الأحد حادي عشر(١) جمادى الأولى بمصر، ودفن بزاويته بقنطرة
أمير حسين، ولم يخلِّف بعده مثله.
● وفيها نور الدِّين علي بن سلطان المصري الحنفي (٢) الشيخ الفاضل
الناسك السالك.
كان متجرِّداً، منقطعاً، وله أخلاق حسنة دمثة.
توعك مدة وتوفي يوم الثلاثاء حادي عشر القعدة بمصر عن غير وارث.
• وفيها محمد بن عزّ الشيخ الصَّالح المجذوب (٣) .
قال في ((الكواكب)): كان ساكناً في الزاوية الحمراء خارج مصر، وكان يلبس
ثياب الجند، ويمشي بالسِّلاح والسّيف، وكان أكابر مصر يحترمونه، وللناس فيه
مزید اعتقاد.
وكان لا ينام من الليل ويستمر من العشاء إلى الفجر، تارة يضحك وتارة
یبکي، حتی یرقّ له من يراه.
وكان لا يخبر بولاية أحد أو عزله (٤في وقت معين٤) فيخطىء أبداً(٥).
(١) في ((آ)): ((حادي عشري)).
(٢) مترجم في ((الكواكب السائرة)) (٢٧٠/١).
(٣) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (٥٧/١).
(٤ - ٤) ما بين الرقمين لم يرد في ((ط)).
(٥) العبارة في ((الكواكب السائرة)) على النحو التالي: ((وكان لا يخبر بولايته أحداً وعزله في وقت معين
لا يخطىء أبداً».
٢٤٣

وكان مجاب الدعوة، زحمه إنسان بين القصرين فرماه على ظهره، فدعا عليه
بالتوسيط(١)، فوسّطه الباشا آخر النهار.
وكانت وفاته غريقاً في الخليج بالقُرب من الزاوية الحمراء. انتهى.
• وفيها جمال الدِّين محمد بن عمر بن مبارك بن عبدالله الجِمَيري
الحَضْرَمي الشافعي، الشهير ببحرَق(٢) - بحاء مهملة بعد الموحدة، ثم راء
مفتوحة، بعدها قاف -.
قال في ((النور)): ولد بحضرموت ليلة النصف من شعبان سنة(٣) تسع وستين
وثمانمائة، ونشأ بها، فحفظ القرآن ومعظم ((الحاوي)) و((منظومة البِرْمَاوي)) في الفقه،
والأصول، والنحو، وأخذ عن جماعة من فقهائها، ثم ارتحل إلى عدن، ولازم
الإِمام عبدالله بن أحمد باخْرَمة (٤)، وكان غالب انتفاعه به، ثم ارتحل إلى زبيد، وأخذ
عن علمائها، كالإِمام جمال الدِّين الصّايغ، والشريف الحسين الأهدل، وألبسه
خرقة التصوف، وعادت عليه بركته ، وحجُّ فسمع من السَّخَاوي(٥)، وسلك
السلوك في التصوف، وحكى عنه أنه قال: دخلت الأربعينية بزبيد فما أتممتها إلا
وأنا أسمع أعضائي كلها تذكر الله تعالى .
ولزم الجدَّ والاجتهاد في العلم والعمل، وأقبل على نفع الناس إقراءاً،
وإفتاءاً، وتصنيفاً.
وكان - رحمه الله تعالى - من محاسن الدّهر، من العلماء الراسخين والأئمة
المتبحرين، له اليد الطولى في جميع العلوم.
وصنّف في أكثر الفنون.
(١) في ((آ)): ((بالتوسط)).
(٢) ترجمته في ((النور السافر)) ص (١٤٣ - ١٥٢) و((الضوء اللامع)) (٢٥٣/٨ - ٢٥٤) وعبارة ((على
ابنته)) التي بين الحاصرتين في الترجمة مستدركة منه و((الأعلام)) (٣١٥/٦ - ٣١٦).
(٣) في ((ط)): ((ليلة)).
(٤) في (آ)) و((ط)): ((مخرمة)) والصواب ما أثبته.
(٥) تحرفت في ((ط)) إلى ((السخاري)).
٢٤٤

وبالجملة فإنه كان آية من آيات الله تعالى، وكتبه تدلُّ على غزارة علمه وكثرة
اطلاعه. وكان له بعدَن قبول وجاه من أميرها مُرْجَان، ثم لما مات مُرْجَان توجه إلى
الهند، ووفد على السلطان مظفّر فقرّبه، وعظّمه، وأنزله المنزلة التي تليق به .
ومن تصانيفه ((الأسرار النبوية في اختصار الأذكار النووية)) و((مختصر
الترغيب والترهيب)» للمنذري، و((الحديقة الأنيقة في شرح العروة الوثقية)) و((عقد
الدُّرر في الإيمان بالقضاء والقدر)) و((العقد (١) الثمين في إبطال القول بالتقبيح
والتحسين)) و((الحسام المسلول على منتقصي أصحاب الرسول)) و ((مختصر
المقاصد الحسنة)) و((متعة الأسماع بأحكام السماع)) مختصر من كتاب ((الإمتاع)).
وشَرَحَ ((الملحة)) في النحو(٢) وشَرَحَ ((لامية ابن مالك)) في الصَّرف شرحاً مفيداً
جداً(٣)، وله غير ذلك في الحساب ، والطبُّ، والأدب، والفلك مما لا يُحصى.
ومن شعره :
أنا في سَلْوةٍ على كلِّ حالٍ إِن أتاني الحبيبُ أَوْ إنْ أباني
وإذا ما نأى أعِشْ بالأماني
اغْنَمُ الوَصْلَ إن دنا في أمانٍ
قال السخاوي: وصاهر صاحبنا حمزة الناشري [على ابنته]، وأولدها، وتولّع
بالنظم. انتهى ملخصاً.
وله هذا اللّغز اللطيف وشرحه نثر:
يا مُتَقناً كلماتِ النحو أجمعها حَدّاً ونَوعاً وأفراداً ومنتظمة
ما أربع كلمات وهي أحرفها أيضاً وقد جمعتها كلها كلمة
ثم قال هذا في تمثيل الوقف على هاء السكت، أي قولك: ((لمه)) فالكاف
(١) تحرفت في ((ط)) إلى ((والقول)).
(٢) وهي لأبي محمد قاسم بن علي الحريري المتوفى سنة (٥١٦ هـ). انظر ((كشف الظنون))
(١٨١٧/٢).
(٣) في ((ط)): ((جيداً)) وهو خطأ.
٢٤٥

في قولك: كلمه للتمثيل، واللام للجرِّ، والميم أصلها ما الاستفهامية حذفت
ألفها، والهاء للسكت.
وله كرامات كثيرة. وكان غاية في الكرم(١)، كثير الإِيثار.
ومما قيل فيه :
وما غيرَّت شيئاً إذا هي تُذْكَرُ
لأيِّ المعاني زِيدتِ القافُ في اسْمِكُمْ
إذا زِيدَ فيه الشيءُ لا يتغيّرُ
لأَنّك بحرُ العلمِ والبحرُ شَأْنُهُ
وتوفي - رحمه الله تعالى - بالهند، شهيداً، قيل: إن الوزراء حسدوه لحظوته
عند السلطان فسموه، وذلك في ليلة العشرين من شعبان.
● وفيها موسى بن الحسن الشيخ(٢) الزاهد العالم العامل(٣) المعروف
بالمنلا موسى الكردي اللآلاني - بالنون - الشافعي، نزيل حلب.
اشتغل ببلاده على جماعة، منهم المنلا محمد الخبيصي، وأخذ عن
الشمس البازلي نزيل حماة، وعن المنلا إسماعيل الشَّرْوَاني أحد مريدي خوجه (٤)
عبيد النقشبندي، أخذ عنه بمكة ((تفسير البيضاوي)) وأخذ عن الشُّهَاب أحمد بن
كلف بأنطاكية ((شرح التجريد)) مع حاشيته، و((متن الجغميني)) في الهيئة، ثم قدم
حلب، وأكبَّ على المطالعة، ونسخ الكتب العلمية لنفسه، ولازم التدريس بزاوية
الشيخ عبد الكريم الحافي بها، مع كثرة الصِّيام، والقيام، والزُّهد، والسَّخاء،
والصَّبر على الطلبة. وممن أخذ عنه علم البلاغة ابن الحنبلي (٥).
وتوفي مطعوناً بحلب في شعبان، ودفن بتربة أولاد ملوك.
(١) في (ط)): ((وكان في غاية الكرم)).
(٢) ترجمته في ((در الحبب)) (١/٢/ ٥٠٢ - ٥٠٤) و((الكواكب السائرة)) (٣٠٨/١ -٣٠٩) و((إعلام
النبلاء بتاريخ حلب الشهباء)) (٤١٠/٥ - ٤١٢).
(٣) لفظة ((العامل)) سقطت من ((ط)).
(٤) في (ط)): ((خواجه)) وهو خطأ.
(٥) وقد صرَّح بذلك في ((در الحبب)) (٥٠٣/١/٢).
٢٤٦

سنة إحدى وثلاثين وتسعمائة
· فيها توفي الشاب الفاضل شِهَابُ الدِّين أحمد بن عبد الرحمن بن عمر الشويكي
الأصل النابلسي ثم الصالحي الحنبلي (١).
حفظ القرآن العظيم، ثم ((المقنع)) ثم شرع في حلّه على ابن عمِّه العَلَّمة
شهاب الدِّين الشويكي الآتي ذكره، وقرأ ((الشفا)) للقاضي عياض على الشِّهاب
الحمصي، وقرأ في العربية على ابن طولون، وكان له سكون وحشمة وميل إلى
فعل الخيرات.
وتوفي يوم الأربعاء تاسع شعبان، ودفن بالسفح، وتأسف الناس عليه، وصبر
والده واحتسب، ومات وهو دون العشرين سنة.
● وفيها المولى الفاضل بخشي خليفة الأماسي الرُّومي الحنفي (٢).
اشتغل في العلم بأماسية على علمائها، ثم رحل إلى ديار العرب، فأخذ عن
علمائهم، وصارت له يد طولى في الفقه، والتفسير، وكان يحفظ منه كثيراً، وكان
له مشاركة في سائر العلوم. وكان كثيراً ما يجلس للوعظ والتذكير، وغلب عليه
التصوف، فنال منه منالاً جليلاً، وفُتِحَ عليه بأمور خارقة، حتى كان ربما يقول:
رأيت في اللوح المحفوظ مسطوراً كذا وكذا فلا يخطيء أصلاً. وله رسالة كبيرة
جمع فيها ما اتفق له من رؤية النَّبِيِّ وَّ في المنام.
(١) ترجمته في ((متعة الأذهان)) الورقة (٦/ب) و((الكواكب السائرة)) (١٣٦/١) و((النعت الأكمل، ص
(١٠٣) و((السحب الوابلة)) ص (٦٧).
(٢) ترجمته في ((الشقائق النعمانية)) ص (٢٤٧) و((الكواكب السائرة)) (١٦٤/١).
٢٤٧

وكان خاضعاً، خاشعاً، متورعاً، متشرعاً، يلبس الثياب الخشنة ويرضى
بالعيش القليل. قاله في ((الكواكب)).
• وفيها العَلَّمة عبد الحقّ بن محمد بن عبد الحقّ السّنباطي القاهري
الشافعي، ويعرف كأبيه بابن عبد الحق(١).
قال في ((النور)): ولد في إحدى الجمادين سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة
بسنباط، ونشأ بها، وحفظ القرآن و((المنهاج الفرعي)) ثم أقدمه أبوه القاهرة في ذي
القعدة سنة خمس وخمسين، فحفظ بها ((العمدة)) و((الألفيتين)) و((الشاطبيتين))
و((المنهاج الأصلي)) و((تلخيص المفتاح)) و((الجعبرية)) في الفرائض،
و((الخزرجية)) وعرض على خلق، منهم الجلال البلقيني، وابن الهُمّام، وابن
الدّيري، والولي السّنباطي، وجَدَّ في الاشتغال، وأخذ عن الأجِّلاء، وانتفع بالنَّقي
الحصني، ثم بالشّمُنِّي .
وأجاز له ابن حجر العسقلاني، والبدر العيني، وآخرون بالتدريس والإفتاء.
وولي المناصب الجليلة في أماكن متعددة، وتصدى للإقراء بالجامع الأزهر وغيره،
وکثر الآخذون عنه، وحجّ مع أبيه، وسمع هناك، ثم حجَّ أيضاً، وجاور بمكّة، ثم
بالمدينة، ثم بمكة، وأقرأ الطلبة بالمسجدين متوناً كثيرة، ثم رجع إلى القاهرة،
فاستمرَّ على الإِقراء والإِفتاء. هذا ملخص ما ذكره السخاوي .
ثم قال في ((النور)): وكان شيخ الإسلام وصفوة العلماء الأعلام، على أجمل
طريق من العقل والتواضع، وأقام بمكّة بأولاده وعائلته وأقاربه، وأحفاده ليموت
بأحد الحرمين، فانتعشت به البلاد، واغتبط به العباد، وأخذ الناس عنه طبقة بعد
أخرى(٢) وأَلْحَقَ الأحفاد بالأجداد، واجتمع فيه كثير من الخصال الحميدة،
كالعلم، والعمل، والتواضع، والحلم، وصفاء الباطن، والتقشف، وطرح
التكلّف، بحيث علم ذلك من طبعه، ولا زال على ذلك إلى أن توفي بمكة
(١) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (٣٧/٤ - ٣٩) و((متعة الأذهان)) الورقة (٤٤/آ) و((النور السافر))
ص (١٥٢ - ١٥٤) و (الكواكب السائرة)) (٢٢١/١ - ٢٢٣).
(٢) في ((آ)): ((طبقة بعد طبقة))، وما جاء في ((ط)) موافق لما في (النور السافر)) مصدر المؤلف.
٢٤٨

المُشَرَّفة عند طلوع فجر يوم الجمعة مستهل شهر رمضان، ودفن بالمعلاة، وكثر
التأسف عليه، رحمه الله تعالى. انتهى
● وفيها - تقريباً - عبد الحليم بن مُصلح المنزلاوي الصّوفي(١).
قال في ((الكواكب)): المتخلق بالأخلاق المحمدية.
كان متواضعاً، كثير الإِزراء بنفسه والحطِّ عليها، وجاءه مرة رجل، فقال له:
يا سيدي خذ عليَّ العهد بالتوبة، فقال: والله يا أخي أنا إلى الآن ما تبت،
والنجاسة لا تطهِّر غيرها.
وكان إذا رأى من فقير دعوى سارقه(٢) بالأدب، وقرأ عليه شيئاً من آداب
القوم، بحيث يعرف ذلك المدّعي أنه عارٍ عنها(٣)، ثم يسأله عن معاني ذلك،
بحيث يظن المدعي أنه شيخ، وأن الشيخ عبد الحليم هو المريد أو التلميذ.
وجاءه مرة شخص من اليمن فقال له: أنا أذِنَ لي شيخي في تربية الفقراء،
فقال: الحمد لله، الناس يسافرون في طلب الشيخ ونحن جاء الشيخ لنا إلى مكاننا.
وأخذ عن اليماني ولم يكن بذاك، وكان الشيخ يربيه في صورة التلميذ إلى
أن كمّله، ثم كساه الشيخ عبد الحليم عند السفر، وزوّده، وصار يُقَبِّلُ رجل اليماني.
وعمّر عدة جوامع في المنزلة، ووقف عليها الأوقاف، وله جامع مشهور في
المنزلة، له فيه سماط لكل وارد، وبنى بيمارستان للضعفاء قريباً منه.
وكان يجذب قلب من يراه أبلغ من جذب المغناطيس للحديد.
وكان لا يسأله فقير قطُّ شيئاً من ملبوسه إلّ نزعه له في الحال ودفعه إليه،
وربما خرج إلى صلاة الجمعة فيدفع كل شيءٍ عليه ويصلي الجمعة بفوطة في
وسطه .
(١) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (٢٢٣/١ - ٢٢٤) و((الطبقات الكبرى)) للشعراني (١٣٤/٢ -
١٣٥).
(٢) في (ط)): ((دعوى فارغة)) وما جاء في ((آ)) موافق لما في ((الكواكب السائرة)) مصدر المؤلف.
(٣) في ((ط)): ((منها)).
٢٤٩

ومناقبه كثيرة مشهورة بدمياط والمنزلة.
وتوفي ببلده ودفن بمقبرتها الخربة، وقبره بها ظاهر يُزار، رحمه الله تعالى.
● وفيها - تقريباً أيضاً - عبد الخالق الميقاتي الحنفي المِصْري(١) الشيخ
الإِمام العالم الصَّالِح.
كان له الباع الطويل في علم المعقولات، وعلم الهيئة، وعلم التصوف.
وکان کریم النَّفس، لا ينقطع عنه الواردون في ليلٍ ولا نهارٍ.
وكان للفقراء عنده في الجمعة ليلة يتذاكرون فيها أحوالِ الطريق إلى
الصباح.
وكان له سِمَّاطٌ من أول رمضان إلى آخره.
وكان دائم الصَّمت، لا يتكلم إلاّ (٢) لضرورة، ويأمر بالمعروف وينهي عن
المنكر.
● وفيها - تقريباً أيضاً - عبد العال المجذوب المصري(٣).
قال في ((الكواكب)): كان مكشوف الرأس لا يلبس القميص وإنما يلبس
الإِزار صيفاً وشتاءً، وسواكه مربوط في إزاره، وكان محافظاً على الطهارة، خاشعاً
في صلاته، مطمئناً فيها، متألهاً.
وكان يحمل إبريقاً عظيماً يسقي به الناس في شوارع مصر.
وكان يطوف البلاد والقرى ثم يرجع إلى مصر.
وكان يمدح النّبِيَّ ◌َّ، فيحصل للناس من إنشاده عبرة ويبكون.
قال الشعراوي: ولما دنت وفاته دخل لنا الزاوية وقال: الفقراء بدفنوني في
أي بلد، فقلت الله أعلم، فقال في قليوب. قال فكان الأمر كما قال بعد ثلاثة أيام.
(١) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (٢٢٤/١) وفيه: ((المعالي)) مكان ((الميقاتي)).
(٢) في ((ط)): ((إلى)) وهو خطأ.
(٣) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (٢٣٧/١) و((الطبقات الكبرى)) للشعراني (١٨٦/٢).
٢٥٠

ودفن قريباً من القنطرة التي في شطّ قليوب وبنوا عليه قُبَّةً.
· وفيها المولى السيد الشريف عبد العزيز بن يوسف بن حسين الرُّومي
الحنفي، الشهير بعايد جلبي(١) خال صاحب ((الشقائق)).
قرأ على المولى محيي الدِّين السَّاموني، ثم على المولى قطب الدِّين حفيد
قاضي زاده الرُّومي، ثم المولى أخي جلبي، ثم المولى علي بن يوسف الفناري،
ثم صار مدرّساً بمدرسة كليبولي، ثم قاضياً ببعض النواحي، ومات بمدينة كفه
قاضياً بها.
· وفيها جمال الدِّين أبو عبدالله عبد القادر أو عبيد بن حسن الصَّاني - بصاد
مهملة ونون، نسبة إلى صانية قرية داخل الشرقية من أعمال مصر - القاهري
الشافعي (٢) الإِمام العَلَّامة.
قال العلائي: سمع على الملتوني، وابن حصن، وغيرهما. وأخذ عن
القاضي زكريا وكان رجلاً معتبراً وجيهاً وثاباً في المهمات حتى أن قيام دولة
القاضي. زکریا وصمدته کانت منه.
وكان قوي البدن ملازماً للتدريس والإِقراء والإفتاء. انتهى.
وقال الشعراوي: كان قوالاً بالمعروف، ناهياً عن المنكر، يواجه بذلك
الملوك فمن دونهم، حتى أداه ذلك إلى الحبس الضيق وهو مصمم على الحقّ.
انتھی .
وأخذ عنه الشيخ نجم الدِّين الغيطي وغيره.
وتوفي ليلة الأحد تاسع شوال.
· وفيها محيي الدِّين عبد القادر بن عبد العزيز بن جَمَاعة المقدسي
الشافعي القادري(٣) خطيب الأقصى، الإِمام العارف بالله تعالى.
(١) ترجمته في ((الشقائق النعمانية)) ص (٢٣٥) و((الكواكب السائرة)) (٢٤٠/١).
(٢) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (٢٥٢/١).
(٣) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (٢٥٣/١).
٢٥١

أخذ عن والده، وعن العماد ابن أبي شريف، وعن العارف بالله سيدي أبي
العون الغَزِّي.
وأخذ عنه الشيخ نجم الدِّين الغيطي حين ورد القاهرة في السنة التي قبلها،
وهو والد الشيخ عبد النَّبِيِّ بن جَمَاعة.
• وفيها علاء الدِّين علي بن خير الدِّين(١) الحلبي (٢) نزيل القاهرة الحنفي
الفقيه، شيخ الشيخونية بمصر.
قال العلائي: كان لَيِّنَ العريكة، أخذ عن ابن أمير حاج.
وتوفي ليلة الثلاثاء رابع عشري ربيع الأول.
• وفيها نور الدِّين علي الجارحي المصري، شيخ مدرسة الغوري(٣).
كان مبجّلاً عند الجراكسة، وكان من قدماء فقهاء طباقهم، يكتب الخطّ
المنسوب، وظفر منهم بعزِّ وافرٍ.
قال الشعراوي: كان قد انفرد في مصر(٤) بعلم القراءات هو والشيخ
نور الدِّينِ السَّمْنَهُودي. وكان يُقرىء الأطفال تجاه جامع الغمري.
وكان مذهب الإِمام الشافعي نصب عينيه، وما دخل عليه وقت وهو على غير
طهارة .
وقال: إنه كان ليله ونهاره في طاعة رَبِّه .
وكان يتهجّدُ كل ليلة بثلث القرآن. انتهى
وتوفي في شعبان.
(١) في (ط)): ((علاء الدِّين علي بن خير)) وهو خطأ.
(٢) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (٢٦٩/١ - ٢٧٠).
(٣) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (٢٨٤/١).
(٤) في ((ط)): ((بمصر)).
٢٥٢

· وفيها المولى محيي الدِّين محمد بن محمد القوجوي الرُّومي
الحنفي (١).
كان عالماً بالتفسير، والأصول، وسائر العلوم الشرعية والعقلية، وأخذ العلم
عن والده. وكان والده من مشاهير العلماء ببلاد الرُّوم، ثم قرأ على المولى عبدي
الدرس بأماسية، ثم على المولى حسن جلبي بن محمد شاه الفَنَاري، وولي
التدريس والولايات حتى صار قاضي العسكر بولاية أناضولي، ثم استعفى منه
فأعفي وأعطي إحدى المدارس الثمان. ثم صار قاضياً بمصر، فأقام بها سنة، ثم
حجَّ وعاد إلى القسطنطينية، وبها مات في هذه السنة. قاله في ((الكواكب))
(١) ترجمته في ((الشقائق النعمانية)) ص (٢٤٥ - ٢٤٦) و((الكواكب السائرة)) (٢٢/١).
٢٥٣

سنة اثنتين وثلاثين وتسعمائة
• فيها توفي زين الدِّين أبو بكر بن عبد المُنْعِم البَكْري الشّافعي (١) أحد أعيان قُضاة
مصر القديمة وأصلائها .
كان فقيهاً، فاضلاً، ذا نباهةٍ وعقلٍ وحياءٍ.
توفي في منتصف الحجّة عن نحو خمسين سنة من غير وارثٍ إلا شقيقه عمر
محتسب القاهرة يومئذ، وصُلِّي عليه بجامع عمرو، ودفن بالقَرَافَة عند والده بقرب
مقام الشافعي (٢ رضي الله عنه٢).
• وفيها شِهَابُ الدِّين أحمد بن الشيخ بُرْهَان الدِّين إبراهيم بن أحمد
الأقباعي الدمشقي (٣) الشافعي الصُّوفي العارف بالله تعالى.
قال في ((الكواكب)): القطب الغَوث، ولد في سنة سبعين تقريباً، واشتغل
في العلم على والده، وابن عمته الشيخ رضي الدِّين، وأخذ الطريق عن أبيه، وقرأ
على شيخ الإسلام الوالد جانباً من ((عيون الأسئلة)) للقشيري، وحضر بعض
دروسه، وتولى مشيخة زاوية جدِّه بعد أبيه، وكان على طريقةٍ حسنةٍ.
وتوفي في (٤) صبيحة يوم الأربعاء سادس عشري ربيع الأول.
(١) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (١١٨/١).
(٢ - ٢) ما بين الرقمين لم يرد في ((آ)).
(٣) ترجمته في ((متعة الأذهان)) الورقة (٣/آ) و((الكواكب السائرة)) (١٣٠/١).
(٤) لفظة ((في)) سقطت من ((ط)).
٢٥٤

قال الشيخ الوالد: ووقفت على غسله، وحملت تابوته، وتقدمت في الصّلاة
عليه .
قال النُّعيمي: ودفن على والده بمقبرة سيدي الشيخ رسلان. انتهى كلام
((الكواكب)).
• وفيها شِهَابُ الدِّين أبو العباس أحمد بن محمد الباني المصري(١)
الشافعي الأصم كأبيه .
صنّف تفسيراً من سورة ﴿يس﴾ إلى آخر القرآن، وباعه مع بقية كتبه لفقره
وفاقته، ووالده الشيخ شمس الدِّين الباني أحد شيوخ الشيخ جلال الدِّين
السيوطي .
وخرَّج له السيوطي ((مشيخة)) وقرأها عليه.
وكانت وفاة ولده صاحب الترجمة يوم الجمعة سادس عشر المحرم.
· وفيها السلطان العظيم مُظَفَّر شاه أحمد بن محمود شاه (٢) صاحب
کجرات.
قال في ((النور)): كان عادلاً، فاضلاً، محباً لأهل العلم، حسن الخطّ،
وكتب بيده جملة مصاحف؛ أرسل منها مصحفاً إلى المدينة الشريفة، وخرجت
روحه وهو ساجد، والظّاهر أنه هو الذي وفد عليه العَلّمة بحرق وصنَّف بسببه
((السيرة النبوية)) وإن كان اسم الكتاب يُشعر بغير ذلك، فإنه ما كان في ذلك الزمان
أحد ممن ولي السلطنة غيره، ولم يزل عنده مبجَّلاً، مُكَرَّماً إلى أن مات.
• وفيها بدر الدِّين حسين بن سليمان بن أحمد الأسطواني الصّالحي
الحنبلي (٣) .
(١) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (١٢٩/١).
(٢) ترجمته في ((النور السافر)) ص (١٩١ - ١٩٢).
(٣) ترجمته في ((متعة الأذهان)) الورقة، و((الكواكب السائرة)) (١٨٥/١) و((النعت الأكمل)) ص (١٠٤)
و ((السحب الوابلة)) ص (١٥٦ - ١٥٧).
٢٥٥

قال ابن طولون: حفظ القرآن بمدرسة أبي عمر، وقرأ على شيخنا ابن أبي
عمر الكتب الستة، وقرأ وسمع ما لا يُحصى من الأجزاء الحديثية عليه.
قال: وسمعت بقراءته عدة أشياء.
وولي إمامة محراب الحنابلة بالجامع الأموي في الدولة العثمانية. انتهى.
وقال البدر الغَزِّي: حضر بعض دروسي، وشملته إجازتي، وسألني، وقرأ
علي في الفقه، وذاكرني فيه، وقرّر في سبع الكاملية إلى أن توفي في صفر، ودفن
بباب الفَرَادیس.
• وفيها زين الدِّين عبد الرحمن بن محمد بن إدريس الكُتُبي الدمشقي(١)
الحنفي .
قال في ((الكواكب)): كان عنده فضيلة، وله قراءة في الحديث، وكان لطيفاً
يميل إلى المجون والخُرَاع (٢) رحمه الله تعالى. انتهى.
• وفيها تاج الدِّين عبد الوهاب الدّنجيهي المِصْري(٣) الشافعي الكاتب
النحوي السَّالك الصَّالِحِ المُجَرّد القانع .
حفظ القرآن العظيم، وصحب الشيخ العارف بالله تعالى سيدي إبراهيم
المتبولي، وجوّد حتَّى حسن خطّه، وكتب كتباً نفيسةً، واشتغل في الصرف،
والنحو، والمعاني، والبيان، والمنطق، والأصلين، والفقه على العَلَّمة
علاء الدِّين بن القاضي حسين الحصن كيفي، وسمع عليه ((المطوّل)) و((شرح
العقائد)) و((شرح الطوالع)) و((غاية القصد)) و((المتوسط)) و((شرح الشمسية)) وحضر
غالب دروس شيخ الإسلام زكريا الأنصاري، وتصانيفه، وقرأ ((شرح قاضي زاده))
في علم الهيئة على العَلَّمة عبدالله الشّرواني، وقرأ على غير هؤلاء، وتمرَّض في
البيمارستان شهراً.
(١) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (٢٢٥/١).
(٢) في ((ط)): ((والمزاح)) وما جاء في ((آ)) موافق لما في ((الكواكب السائرة)) مصدر المؤلف، والخراع:
الفجور.
(٣) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (٢٥٩/١).
٢٥٦

وتوفي به يوم الجمعة حادي عشري جمادى الأولى .
● وفيها العَلَّمة علاءِ الدِّين علي بن أحمد الرُّومي الحنفي الجمالي(١).
قال في ((الكواكب)): قرأ على المولى علاء الدِّين بن حمزة القرماني، وحفظ
عنده ((القدوري)) و ((منظومة النَّسفي)) ثم دخل إلى القسطنطينية، وقرأ على المولى
خسرو، ثم بعثه المذكور إلى مُصْلِح الدِّين بن حسام، وتعلَّل بأنه مشتغل بالفتوى،
وبأن المولى مصلح الدِّين يهتم بتعليمه أكثر منه، فذهب إليه وهو مدرِّس سلطانية
بروسا، فأخذ عنه العلوم العقلية والشرعية، وأعاد له بالمدرسة المذكورة، وزوَّجه
ابنته وولدت له، ثم أعطي مدرسة بثلاثين، وتنقلت به الأحوال على وجه يطول
شرحه، فترك التدريس، واتصل بخدمة العارف بالله تعالى مُصْلِح الدِّين بن أبي(٢)
الوفاء، ثم لما تولى أبو يزيد السلطنة رآه في المنام فأرسل إليه الوزراء، ودعاه إليه
فامتنع فأعطاه تدریساً بثلاثین(٣) جبراً، ثم رقّاه حتى أعطاه إحدى الثمانية، فدرَّس بها
مدة طويلة، ثم توجّه بنيَّة الحجِّ إلى مصر، فأقام بمصر سنة، ثم حجَّ وعاد إلى
الرُّوم، وكان توفي المولى أفضل الدِّين المفتي فولاه السلطان أبو يزيد منصب
الفتوى، وعيَّن له مائة درهم، ثم لما بنى مدرسته بالقسطنطينية ضمّها له إلى
الفتوى، وعيّن له [كل يوم] خمسين درهماً زائدة على المائة، وكان يصرف جميع
أوقاته في التِّلاوة، والعبادة، والتدريس، والفتوى، ويصلي الخمس في الجماعة،
وكان كريم الأخلاق لا يذكر أحداً بسوء.
وكان يغلق باب داره ويقعد في غرفة له فتلقى إليه رِقَاعُ الفتاوى فيكتب عليها
ثم يدليها، يفعل ذلك لئلا يرى الناس فيميّز بينهم في الفتوى.
وكان يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر ويصدع بالحقّ ويواجه بذلك
السلطان فمن دونه، حتى إن السلطان سليم أمر بقتل مائة وخمسين رجلاً من حُفّاظ
الخزينة، فذهب صاحب الترجمة إلى الديوان ولم يكن من عادتهم أن يذهب
(١) ترجمته في ((الشقائق النعمانية)) ص (١٧٣ - ١٧٦) و((الكواكب السائرة)) (٢٦٧/١ - ٢٦٨).
(٢) لفظة ((أبي)) سقطت من ((آ)).
(٣) أي بثلاثين ليرة عثمانية .
٢٥٧

المفتي إلى الديوان إلّ لأمر عظيم فلما دخل تحيَّروا وقالوا: أي شيء دعا المولى
إلى المجيء، فقال: أريد أن (١) ألاقي السلطان فلي معه كلام، فعرضوا أمره على
السلطان فأمر بدخوله وحده، فدخل وسلَّم وجلس، وقال: وظيفة أرباب الفتوى أن
يحافظوا على آخرة السلطان، وقد سمعت بأنك أمرت بقتل مائة وخمسين رجلاً من
أرباب الديوان لا يجوز قتلهم شرعاً، فغضب السلطان سليم - وكان صاحب حِدَّة -
وقال له: لا تتعرض لأمر السلطنة وليس ذلك من وظيفتك، فقال: بل أتعرَّض لأمر
آخرتك وهو من وظيفتي، فإن عفوت فلك النجاة وإلّ فعليك عقاب عظيم،
فانكسرت سورة غضبه وعفا عن الكُلِّ، ثم تحدَّث معه ساعة، ثم سأله في إعادة
مناصبهم فأعادها لهم.
وحُكي أن السلطان سليم أرسل إليه مرَّة أمراً بأن يكون قاضي العسكر، وقال
له: جمعت لك بين الطّرفين لأني تحقّقت أنك تتكلم بالحقِّ فكتب إليه: وصل إلى
كتابك - سلّمك الله تعالى وأبقاك - وأمرتني بالقضاء، وإني أمتثل أمرك إلا أن لي
مع الله تعالى عهداً أن لا تصدر عني لفظة حكمت، فأحبه السلطان محبّة عظيمة،
ثم زاد في وظيفته خمسين عثمانياً، فصارت مائتي عثماني.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في هذه السنة.
• وفيها علاء الدِّين علي بن عبدالله العُشَاري - نسبة إلى عُشَارة بضم
المهملة بلدة قريبة من الدير - الحلبي (٢) الشافعي القاضي، المعروف بابن
القَطَّان.
قرأ على الجلال النَّصيبي، وحرص على اقتناء الكتب النفيسة، وولي قضاء
إعزاز، وسَرْمین.
وتوفي في العشر الآخر من رجب.
(١) لفظة ((أن)) سقطت من ((ط)).
(٢) ترجمته في ((در الحبب)) (٩٢٥/٢/١ - ٩٣٢) و((الكواكب السائرة)) (٢٧٠/١) و((إعلام النبلاء
بتاريخ حلب الشهباء)» للطباخ (٤١٩/٥).
٢٥٨

● وفيها بدر الدِّين محمد بن أبي بكر المشهدي المصري(١) الشافعي
العَلّمةِ المُسْنِد.
ولد سنة اثنتين وستين وثمانمائة، وسمع على المُسنِد أبي الخير الملتوتي،
وابن الجزري، والخيضري. وأخذ عن الشّهاب الحجازي الشاعر، والرُّضي
الأوجاقي، وغيرهما. وأجاز له ابن بلال المؤذن في آخرين من حلب، وسمع على
جماعة من أصحاب شيخ الإِسلام ابن حجر، وابن عمه شعبان، وغيرهما ودرَّس.
وأسمع قليلاً وناب في مشيخة سعيد السعداء الصَّلاحية عن ابن نسيبه.
وكان عَلامة عاقلاً، ديناً، دمث الأخلاق، غير أنه كان ممسكاً حتّى عن
نفسه، وفي مرض موته كما قال العلائي .
وقال الشعراوي: كان عالماً، صالحاً، كثير العبادة، محبّ للخمول، إن رأى
أحداً يقرأ عليه [فتح له](٢)، وإلّ أغلق باب داره. قال: فقلت له يوماً: ما أصبرك
يا سيدي على الوحدة، فقال: من كان مجالساً لله فما ثم وحدة. قال: وكان يقول:
مَدْحُ الناس للعبد قبل مجاوزته للصِّراط كُلُّه غرور. انتهى .
وتوفي يوم الاثنين سابع [ذي] القعدة ودفن في تربة الصلاحية بباب النصر،
وهو آخر ذريَّة ابن خَلِّكان فيما يُعلم، ولم يُعَقِّب.
• وفيها شمس الدِّين محمد السروي، المشهور بابن أبي الحمائل (٣).
قال المناوي في ((طبقاته)): العارف الكبير، الكامل الغيث، الهامع الشامل،
زاهد قطف كروم الكرامات، وعارف وصل إلى أعلى المقامات .
كان طوداً عظيماً في الولاية، وملجأ وملاذاً لطلَّب (٤) الهداية.
أخذ عنه خلق كالشناوي (٥)، والحديدي، والعدل، وأضرابهم.
(١) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (٢٧/١ - ٢٨).
(٢) ما بين الحاصرتين سقط من ((آ)) و((ط)) واستدركته من ((الكواكب السائرة)) مصدر المؤلف.
(٣) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (٢٩/١ - ٣٠) و((الطبقات الكبرى)) للشعراني (١٢٦/٢ - ١٢٧).
(٤) في ((ط)): ((الطالب)).
(٥) في ((ط)): ((كالثناوي)) وهو تحريف.
٢٥٩

وكان عالي الهِمَّة، كثير الطيران من بلاد لُأخَر (١)، وكان يغلب عليه الحال
ليلاً فيتكلم بألسنة غير عربية، من عجم، وهند، ونوبة، وغيرها. وربما قال: قاق
قاق طول الليل، ويزعق ويخاطب قوماً لا يرون، وإذا قال شيئاً في غلبة الحال نفذ.
وكان مبتلى بالأذى من زوجته مع قدرته على إهلاكها، وربما أدخل فقيراً
الخلوة فتخرجه قبل تمام المدة وتقول له: قال لك فلان: أنا ما أعمل شيخاً، فلا
يتكلم، وقدم مصر، فسكن الزاوية الحمراء ثم زاوية إبراهيم المواهبي وبها مات.
وكان يكره للمريد قراءة أحزاب الشاذلية ويقول: ماثم جلاء للقلوب مثل لا
إله إلا الله، وقارىء أحزاب الشاذلية كزبًّال خطب بنت سلطان، وصار يقول
للسلطان: أعطني بنتك واجعلني جليسك وهو لا يعرف شيئاً من آداب حضرته.
ومن كراماته أنه شكا له أهل بلد كبير الفأر في مقات البطيخ، فقال الرجل:
ناد في الغيط رسم لكم محمد بن أبي الحمائل أن ترحلوا فلم يبق فيها فأر فسأله
أهل بلد (٢) آخر في ذلك، فقال: الأصل الإِذن ولم يفعل.
وكان إذا اشتد به الحال في مجلس الذكر يحمل الرجلين وأكثر ويحمل
التيغار الذي يسع ثلاثة قناطير ويجري بذلك.
قال الشعراوي: لقنني الذكر وأنا صغير سنة اثنتي عشرة وتسعمائة.
ومات بمصر في هذه السنة ودفن بزاويته بين السورين.
• وفيها شمس الدِّين محمد(٣) بن الشيخ الصّالح شِهَاب الدِّين أحمد بن
محمد الكنجي الدمشقي الشافعي (٤).
ولد في ربيع الأول سنة ست وخمسين وثمانمائة، وقرأ العربية على الشيخ
محمد التونسي المغربي، ثم قدم دمشق، وصار من أصحاب البدر الغَزِّي ووالده،
وقرأ عليهما. وكانت له يد طولى في النحو، والحساب، والميقات.
(١) في ((آ): ((من بلد لآخر)).
(٢) في ((آ)): ((بلاد)).
(٣) لفظة ((محمد)) سقطت من ((ط)).
(٤) ترجمته في ((الكواكب السائرة)) (٣٥/١).
٢٦٠