Indexed OCR Text

Pages 501-520

توفي في ربيع الآخر وقد جاوز التسعين.
• وفيها عبد العزيز بن عبد الرحمن بن عمر العُقَيلي الحَنَفي، المعروف
بابن العَديم(١) الإِمام العالم العَلَّمة(٢).
توفي في ذي الحجّة وقد جاوز السبعين.
• وفيها قاضي القضاة علاء الدِّين أبو الحسن علي بن قاضي القُضاة
صدر الدِّين أبي بكربن قاضي القضاة تقي الدِّين إبراهيم بن محمد بن مُفْلِح
الحنبلي (٣) الإِمام العَلَّمة، شيخ الإِسلام.
ولد سنة خمس عشرة وثمانمائة، وكان من أهل العلم والرئاسة. ولي قضاء
حلب وباشره مدة طويلة، ثم قضاء الشام، وأضيف إليه كتابة السرِّ بها، ثم أعيد
إلى قضاء حلب، ثم عزل، واستمرَّ معزولاً إلى الموت، ولم يكن له حظّ من
الدنيا. وكان موصوفاً بالسَّخاء، والشهامة .
وتوفي بحلب في صفر.
• وفيها علاء الدِّين علي بن محمد بن عبدالله بن الزَّكي الغَزِّي الحنبلي(٤)
الإِمام العالم.
توفي بنابلس في جمادى الآخرة في حياة والده، ودُفن بمقبرة الفلاس.
• وفيها القاضي علاء الدِّين علي بن محمد بن محمد بن علي بن أحمد بن
عبد العزيز النّويري المَكِّي(٥) قاضي المالكية بها، وابن قاضي الشافعية بها.
كان إماماً، عالماً.
توفي في ربيع الأول عن ست وستين سنة.
(١) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (٢١٨/٤).
(٢) لفظة ((العلامة)) سقطت من ((ط)).
(٣) ترجمته في ((المنهج الأحمد)) الورقة (٥٠٦) و((الضوء اللامع)) (١٩٨/٥) و((السحب الوابلة))
ص (٢٩٠).
(٤) ترجمته في ((المنهج الأحمد)) الورقة (٥٠٦) و((السحب الوابلة)) ص (٣٠٧).
(٥) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (١٢/٦).
٥٠١

وفيها أبو المَوَاهب محمد بن أحمد بن محمد بن الحاج التّونسي ثم
القاهري المالكي الصوفي، ويعرف بابن زغدان - بمعجمتين ونون آخره -
البرلسي(١)، نسبة لقبيلة.
قال المُنَاوي: صوفيٌّ، حبرٌ، كلامه مسموع، وحديث قدره مرفوع، إمام
الورعين، كنز العارفين، عَلَمُ الزَّاهدين.
ولد سنة عشرين وثمانمائة بتونس، فحفظ القرآن، وكتباً، وأخذ العربية عن
أبي عبدالله الرَّملي وغيره، والفقه عن البرزالي وغيره، والمنطق عن الموصلي،
والأصلين والفقه عن إبراهيم الأخضري، ثم قدم مصر، فأخذ الحديث عن ابن
حجر، والتصوف عن يحيى بن أبي وفاء، وصار آيةً في فهم كلام الصوفية. وكان
له اقتدار تام على التقرير، وبلاغة في التعبير، وكان جميل الصورة والملبس
والتعطر، وأغلب أوقاته مستغرق في الله ومع الله، وكان له خلوة بسطح جامع
الأزهر، مكان المنارة التي عملها الغوري، وكان يغلب عليه سكر الحال، فيتمايل
في صحن الجامع، فيتكلّم الناس فيه بحسب ما في أوعيتهم حُسْنَاً وقُبْحَاً.
وله تصانيف، منها ((مراتب الكمال)) في التصوف، و((شرح الحكم))(٢) لم
يتم ولا نظير له في شروحها، و((مواهب المعارف)) وكتاب ((فوائد حكم الإِشراق
إلى صوفية جميع الآفاق)) قال الشعراني(٣): ولم يؤلّف في الطريق مثله، وكان
داعية إلى ابن عربي، شديداً في المناضلة عنه والانتصار له، وله مؤلّف في حلِّ
سماع العود.
ومن كلامه: ما اعترض أحدٌ على أهل الطريق فأفلح.
ومنه: إنما نزلت سورة ﴿أَلَمْ نَشْرَح﴾ [الانشراح: ١] عقب ﴿وَأَمَا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ
فَحَدِّث﴾ [الضَّحَى: ١١] إشارة إلى من حَدَّث بالنعمة، فقد شرح الله صدره كأنه
(١) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (٦٦/٧).
(٢) أي ((شرح الحكم العطائية)).
(٣) في ((آ)) و((ط)): ((الشعراوي)) والصواب ما أثبته.
٥٠٢

قال: إذا حدَّثت بنعمتي ونشرتها، شرحت لك(١) صدرك. قال: فاعقلوه فإنه لا
یسمع إلّ من ربّاني.
وقال: حكم الملك القُدُّوس أن لا يُدخل حضرته أحداً من أهل النّفوس.
توفي بالقاهرة ودفن بمقبرة الشّاذلية مع أصحاب الشيخ أبي الحسن
الشَّاذلي. انتهى ملخصاً.
· وفيها الكمالي أبو البركات قاضي جُدَّة محمد بن علي بن محمد بن
محمد بن حسين القُرَشي المَكَّي الشافعي، المعروف بابن ظَهيرة(٢) الإِمام العالم
الأصیل.
توفي سلخ ربيع الآخر عن ستين سنة.
• وفيها جمال الدِّين يوسف بن محمد المَرْدَاوي السَّعدي الحنبلي،
المعروف بابن التنبالي(٣) الإِمام الفقيه العَلَّمة.
قال العُلَيمي: كان من أهل العلم والدِّين، اختصر كتاب ((الفروع)) للعَلَّمة
شمس الدِّين بن مُفلح، وكان يحفظ ((الفروع)) [أو غالبه]، و((جمع الجوامع))
وغيرهما. ويكتب على الفتوى، وتلمذ له جماعات من الأفاضل.
وتوفي بدمشق. انتهى.
(١) لفظة ((لك)) سقطت من ((آ)).
(٢) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (٢٠٨/٤).
(٣) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (٣٣٢/٥) و((المنهج الأحمد)) الورقة (٥٠٧) وما بين الحاصرتين
مستدرك منه .
٥٠٣

سنة ثلاث وثمانين وثمانمائة
· فيها توفي شِهَابُ الدِّين أحمد بن إسماعيل بن أبي بكر بن عمر بن خالد
الإِبْشيطي(١) - بكسر الهمزة، وسكون الموحدة، وكسر المعجمة، آخره طاء
مهملة - الشافعي ثم الحنبلي الصُّوفي الإِمام العَلََّّمة البَارِعِ المُفَنَّن.
قال العُلَيمي: مولده بإبشيط(٢) في سنة اثنتين وثمانمائة، وكان من أهل
العلم، والدِّين، والصَّلاح، مقتصداً في مأكله وملبسه، وكان يلبس قميصاً خشناً،
ويلبس فوقه في الشتاء فَرْوَةً كَبَّاشية، وإذا اتسخ قميصه يغسله في بركة المؤيدية
بماء فقط، وكان بيده خلوة له بقعة منها فيها برش خوص، وتحت رأسه طوبتان،
وإلى جانبه قطعة خشب عليها بعض كتب له، وبقية الخلوة فيها حبال السّاقية
والعليق، بحيث لا يختص من الخلوة إلّ بقدر حاجته.
وكان له كل يوم ثلاثة أرغفة يأكل رغيفاً واحداً ويتصدق بالرغيفين.
وكان معلومه(٣) في كل شهر نحو أشرفي، يقتات منه في كل شهر بنحو
خمسة أنصاف فضة، وهي عشرة دراهم شامية أو أقلّ، والباقي من الأشرفي
يتصدَّق به. وكان هذا شأنه دائماً، لا يدّخر شيئاً، يفضل عن كفايته، مع الزّهد،
ووقع له مكاشفات وأحوال تدلّ على أنه من كبار الأولياء، وانقطع في آخر عمره
بالمدينة الشريفة أكثر من عشرين سنة، وتواتر القول بأنه كان يُقرىء الجان.
(١) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (٢٣٥/١ - ٢٣٧) و ((المنهج الأحمد)) الورقة (٥٠٧) و((الذيل التام على
دول الإِسلام)» (١٨١/٢) من المنسوخ.
(٢) ابشيط من أعمال الغربية في مصر. انظر ((التحفة السُنية)) ص (٧١).
(٣) أي راتبه.
٥٠٤

وتوفي بالمدينة المُشَرَّفة في شهر رمضان.
• وفيها تقي الدِّين أبو بكر بن زيد الجَرَاعي(١) الحنبلي الإِمام العَلَّمة الفقيه
القاضي .
كان من أهل العلم والدِّين، وهو رفيق الشيخ علاء الدِّين المرداوي في
الاشتغال على الشيخ تقي الدِّين بن قُنْدُس، وباشر نيابة القضاء بدمشق، وتوجه
إلى الدِّيار المصرية، فاستخلفه القاضي عزِّ الدِّين الكِنَاني في الحكم، وباشرعنه
بالمدرسة الصالحية، وله ((غاية المطلب في معرفة المذهب)) و((تصحيح الخلاف
المطلق)) مجلد لطيف. و((الألغاز الفقهية)) مجلد لطيف. و((شرح أصول ابن
اللحام)» مجلد.
وكان يحدّ السكران بمجرد وجود الرائحة على إحدى الروايتين، وسئل عن
ديرٍ قائم البناء تهدَّم من حيطانه المحيطة به هدماً صارت الحيطان منه قريبة من
الأرض فطلع لأهله حرامية لصوص وقتلوا راهباً، فهل للرُّهبان رفع الحيطان كما
كانت تحرُّزاً من اللصوص، وهل لهم أن يبنوا على باب الدَّير فرناً وطاحوناً؟
والحالة أن هذا الدّير بعيد من المدينة غير مُشْرِفٍ على عمارة أحد من المسلمين،
فما الحكم في ذلك؟، فأجاب بالجواز في بناء الحائط المتهدِّم. قال: وأما بناء
الفرن والطاحون، فإن كانت الأرض مقرة في أيديهم فلهم البناء لأنهم إنما يُمنعون
من إحداث المتعبدات لا من غيرها، والله أعلم.
توفي بدمشق.
• وفيها شِهَابُ الدِّين أحمد بن أبي بكر بن العماد الحَمَوي الحَنْبَلي(٢).
رحل في ابتداء أمره إلى القاهرة، واشتغل بالعلم على القاضي
جمال الدِّين بن هشام، ثم اشتغل بدمشق على الشيخ جمال الدِّين يوسف
(١) ترجمته في ((الضوء اللامع) (٣٢/٦ - ٣٣) و((المنهج الأحمد)) الورقة (٥٠٧) و ((السحب الوابلة))
ص (١٢٧) و((تاريخ البصروي)) بتحقيق العلبي ص (٨٦) وقد تحرفت ((الجراعي)) فيه إلى
((الخزاعي)) فلتصحح.
(٢) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (٢٦٠/٢) و((المنهج الأحمد)) الورقة (٥٠٨).
٥٠٥

المَرداوي، وتفقه على ابن قُنْدُس، وأذن له بالإِفتاء، وباشر نيابة الحكم بحلب،
ثم قدم القاهرة، وأقام بها مدة يحترف بالشهادة، ثم أتى مدينة حماة فتوفي بها في
شعبان .
• وفيها علاء الدِّين علي بن محمد بن عبد الرحمن بن عمر البُلْقِيني
القاهري(١) الشافعي الإِمام العالم.
توفي في شعبان وقد زاحم الثمانين.
• وفيها ملك اليمن علي بن طاهر بن تاج الدِّين(٢).
توفي في ربيع الثاني عن بضع وسبعين سنة.
• وفيها قاضي القضاة شمس الدِّين أبو عبدالله محمد بن عبدالله بن
محمد بن الزّكي الغَزِّي الحنبلي(٣).
ولي قضاء الحنابلة بغزَّة في دولة الملك الظّاهر جَقمق، فباشر مباشرة
حسنة .
وكان شكلاً حسناً، عليه أُبَّهة ووقار، واستمر في الولاية إلى أن توفي بغزَّة في
شوال.
(١) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (٣١٠/٥) و((الذيل التام على دول الإِسلام)) (١٨٢/٢) من المنسوخ.
(٢) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (٢٣٣/٥) و((الذيل التام على دول الإسلام)» (١٨٣/٢) من المنسوخ.
(٣) ترجمته في ((المنهج الأحمد)) الورقة (٥٠٨).
٥٠٦

سنة أربع وثمانين وثمانمائة
· فيها توفي أقضى القُضاة بُرْهَان الدِّين أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن
عبد الله بن محمد بن مُفْلح الحنبلي(١) الشيخ الإِمام البحر الهُمَام العَلَّمة القُدْوَة
الرِّحلة الحافظ المجتهد الأمة، شيخ الإِسلام، سَيِّدُ العلماء والحُكَّام، ذو الدِّين
المتين والورع واليقين، شيخ العصر وبركته.
اشتغل وحَصَّل، ودأب، وجمع، وسُلِّمَ إليه القولُ والفِعْلُ مِنْ أرباب
المَذَاهبِ كُلُّها، وصار مرجع الفقهاء والناس، والمعوّل عليه في الأمور. وباشر
قضاء دمشق مراراً، مع الدِّين، والوَرَع، ونفوذ الكلمة، وصَنّف ((شرح المقنع)) في
الفقه(٢) و((طبقات الأصحاب)) مرتبة على حروف المعجم، سَمَّاه ((المقصد الأرشد
في ترجمة أصحاب الإِمام أحمد))(٣). وصنّف كتاباً في الأصول(٤)، وغير ذلك.
(١) ترجمته في ((المنهج الأحمد)) الورقة (٥٠٨ - ٥٠٩) و((الضوء اللامع)) (١٥٢/١) و((الدارس في
تاريخ المدارس)» (٥٩/٢ - ٦١) و((السحب الوابلة)) ص (٣٣ - ٣٤) و((منادمة الأطلال)) ص
(٢٣٢ - ٢٣٣).
(٢) قلت: واسمه ((المبدع شرح المقنع)) وهو من خيرة مراجع الفقه الحنبلي، وقد قام بتحقيقه والتعليق
عليه والدي الأستاذ الشيخ عبد القادر الأرناؤوط حفظه الله بالاشتراك مع الأستاذ الشيخ شعيب
الأرناؤوط، وأسهم في تصحيح تجارب طبعه الأستاذ أحمد القطيفاني، وصدر عن المكتب
الإِسلامي بدمشق وبيروت في تسعة مجلدات قبل فترة طويلة.
(٣) وهو من خير مصادر تراجم الحنابلة وقد قام بتحقيقه وتوثيقه والتعليق عليه الأستاذ الدكتور
عبد الرحمن بن سليمان العثيمين حفظه الله، ونشرته مكتبة الرشد في الرياض في ثلاث مجلدات
سنة (١٤١٠ هـ).
(٤) منها ((مرقاة الوصول إلى علم الأصول)) ذكر الدكتور العثيمين في مقدمة ((المقصد الأرشد)) وأطال
الكلام عليه فليراجع.
٥٠٧

وتوفي بدمشق في خامس شعبان بمنزله بالصالحية، ودفن بالرَّوضة عند
أسلافه.
● وفيها موفق الدِّين أحمد بن إبراهيم بن محمد بن خليل الطَّرابلسي(١)
الشافعي الإِمام العالم.
توفي في ذي القعدة عن ست وستين سنة .
• وفيها شرف الدِّين عبد القادر بن قَاضي القُضاة بدر الدِّين محمد بن
عبد القادر الجعفري النابلسي الحنبلي (٢) الإِمام العالم الصُّوفي.
كان أكبر أولاد أبيه، وشيخ الفقراء الصمادية، وكان يحترف بالشهادة
بمجلس والده بنابلس، وبمجلس أخيه القاضي كمال الدِّين بالقدس.
وكان رجلاً خيِّراً، على طريقة حسنة.
توفي بنابلس في شوال.
• وفيها أمير المؤمنين المُسْتَنْجِدُ بالله أبو المُظَفَّر يُوسف بن المتوكل على الله
أبي بكر بن سليمان الهَاشمي العَبَّاسي(٣) آخر الإِخوة الخمسة المستقرِّين في
الخلافة .
توفي في المحرَّم عن ست وثمانين سنة، وبويع بالخلافة ولد أخيه العزي
عبد العزيز بن الشرفي يعقوب بن المتوكل.
(١) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (١٩٨/١) وفيه: ((أحمد بن إبراهيم بن محمود ... )).
(٢) ترجمته في ((المنهج الأحمد)) الورقة (٥٠٩) و((السحب الوابلة)) ص (٢٣٦).
(٣) ترجمته في ((تاريخ الخلفاء)) ص (٥١٣).
٥٠٨

سنة خمس وثمانين وثمانمائة
• فيها توفي الإِمام بُرهان الدِّين إبراهيم بن عمر بن حَسَن الرباط (١)
الِقَاعي(٢) الشافعي المُحَدِّث المُفَسِّر الإِمام العَلَّمة المؤرِّخ.
ولد سنة تسع وثمانمائة - قال هو : - في ليلة الأحد تاسع شعبان سنة إحدى
وعشرين وثمانمائة أوقع ناسٌ من قريتنا خربة روحا (٣) من البِقَاع يقال لهم: بنو مُزَاحم
بأقاربي بني حسن من القرية المذكورة، فقتلوا تسعة أنفس، منهم أبي عمر بن
حسن الرباط بن علي بن أبي بكر، وأخواه محمد سويد شقيقه(٤)، وعلي أخوهما
لأبيهما، وضُربتُ أنا بالسيف ثلاث ضربات إحداها في رأسي فجرحتني ، وكنت
إذ ذاك ابن اثنتين عشرة سنة، فخرجنا من القرية المذكورة، واستمرينا نتنقل في
قُرى وادي التيم، والعرقوب، وغيرهما، إلى أن أراد الله تعالى بإقبال السعادتين
الدنيوية والأخروية فنقلني جَدِّي لأمي (٥) علي بن محمد السّليمي إلى دمشق،
فجَوَّدتُ(٦) القرآن، وجدَّدت حفظه، وأفردت القرآآت وجمعتها على بعض
المشايخ، ثم على الشَّمس ابن الجَزَري لما قدم إلى دمشق سنة سبع وعشرين
وثمانمائة، واشتغلت بالنحو، والفقه، وغيرهما من العلوم، وكان ما أراد الله تعالى
(١) قال العلامة الزركلي في ((الأعلام)): الرباط: بضم الراء وتخفيف الباء.
(٢) ترجمته في ((نظم العقيان)) ص (٢٤) و((البدر الطالع)) (١٩/١) و((الضوء اللامع)) (١٠١/١ - ١١١)
و((الأعلام)) (٥٦/١) و((الذيل التام)) (١٩٢/٢) من المنسوخ.
(٣) انظر ((قاموس لبنان)) ص (٩٥).
(٤) لفظة ((شقيقه)) سقطت من ((ط)).
(٥) في ((آ)): ((جدّي لأبي)).
(٦) تحرفت في ((أ)) إلى ((فجردت)).
٥٠٩

من التنقُّل في البلاد والفوز بالغزو والحجِّ - أدام الله نعمه آمين -.
ومن ثمرات ذلك أيضاً الإِراحة من الحروب والوقائع التي أعقبتها هذه
الواقعة، فإنها استمرت أكثر من ثلاثين سنة، ولعلها زادت على مائة وقعة، كان فيها
ما قاربت القتلى فيه ألفاً. انتهى بحروفه.
وأخذ المُتَرْجَمُ عن أساطين عصره، كابن ناصر الدِّين، وابن حجر، وبَرَعٍ،
وتَمَيَّزَ، وناظر وانتقد حتى على شيوخه، وصنف تصانيف عديدة، من أجلُّها
((المناسبات القرآنية))(١) و((عنوان الزمان بتراجم الشيوخ والأقران))(٢) و ((تنبيه الغبي
بتكفير عمر بن الفارض وابن عربي)) وانتقد عليه بسبب هذا التأليف، وتناولته
الألسن، وكثر الردُّ عليه، فممن ردِّ عليه العَلَّمة السيوطي بكتابه ((تنبيه الغبي بتبرئة
ابن العربي)).
وبالجملة فقد كان من أعاجيب الذَّهر وحسناته.
وتوفي بدمشق في رجب عن ست وسبعين سنة.
• وفيها علاء الدِّين أبو الحسن علي بن سليمان بن أحمد بن محمد
المَرْدَاوي السَّعدي ثم الصَّالحي الحنبلي (٣) الشيخ الإِمام العَلَّامة المُحَقِّقِ المُفَنَّن
أُعجُوبة الدَّهر، شيخ المذهب وإمامه ومصححه ومنقحه، بل شيخ الإِسلام على
الإِطلاق ومُحَرِّر العلوم بالاتفاق.
ولد سنة سبع عشرة وثمانمائة، وخرج من بلده مردا في حال الشبيبة، فأقام
بمدينة سيدنا الخليل - عليه الصلاة والسلام - بزاوية الشيخ عمر المجرَّد رحمه الله،
وقرأ بها القرآن، ثم قدم إلى دمشق، ونزل بمدرسة شيخ الإسلام أبي عمر
بالصَّالحية، واشتغل بالعلم، فلاحظته العناية الرَّبانية، واجتمع بالمشايخ، وجَدَّ في
(١) واسمه - كما في الأعلام - ((نظم الدُّرر في تناسب الآيات والسور)) وهو مطبوع في سبع مجلدات،
ويعرف بـ ((مناسبات البقاعي)) أو ((تفسير البقاعي)).
(٢) ذكر العلامة الزركلي بأنه في أربع مجلدات، وأن له مختصراً اسمه ((عنوان العنوان)).
(٣) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (٢٢٥/٥ - ٢٢٧) و((المنهج الأحمد)) الورقة (٥٠٩ - ٥١٤) و ((الجوهر
المنضد)) ص (٩٩ - ١٠١) و((السحب الوابلة)) ص (٢٩٦ - ٢٩٧) و((البدر الطالع)) (٤٤٦/١).
٥١٠

الاشتغال، وتفقّه على الشيخ تقي الدِّين بن قندس البَعْلي شيخ الحنابلة في وقته،
فَبَرَعِ وفضل في فنون من العلوم، وانتهت إليه رئاسة المذهب، وباشر نيابة الحكم
دهراً طويلاً، فحَسُنت سيرته، وعظم أمره، ثم فُتِحَ عليه في التصنيف، فصنَّف كتباً
كثيرة في أنواع العلوم، أعظمها ((الإِنصاف في معرفة الراجح من الخلاف)) أربع
مجلدات ضخمة جعله على ((المقنع)) وهو من كتب الإِسلام، فإنه سَلَكَ فيه مسلكاً
لم يُسبق إليه، بَيَّنَ فيه الصحيح من المذهب، وأطال فيه الكلام، وذكر في كل
مسألة ما نقل فيها من الكتب وكلام الأصحاب، فهو دليل على تبحر مصنَّفه، وسَعَة
علمه، وقوة فهمه، وكثرة اطلاعه، ومنها ((التنقيح المشبع في تحريم المقنع)) وهو
مختصر ((الإِنصاف)) و ((التحرير في أصول الفقه)) ذكر فيه المذاهب الأربعة، وغيرها
وشرحه، وجزء في الأدعية والأوراد سَمَّاه «الحصون المُعَدّة الواقية من كل شدّة))
و((تصحيحٍ كتاب الفروع)) لابن مُفلح، و((شرح الآداب)). وغير ذلك. وانتفع
الناس بمصنفاته، وانتشرت في حياته وبعد وفاته، وكانت كتابته على الفتوى غاية،
وخطه حسن، وتنزه عن مباشرة القضاء في أواخر عمره، وصار قوله حُجّة في
المذهب يعوَّل عليه في الفتوى والأحكام في جميع مملكة الإِسلام. ومن تلامذته
قَاضي القُضاة بدر الدِّين السَّعدي قاضي الديار المصرية، وغالب من في المملكة
من الفقهاء والعلماء وقضاة الإِسلام، وما صحبه أحد إلّ وحصل له الخير، وكان
لا يتردد إلى أحد من أهل الدنيا، ولا يتكلم فيما لا يعنيه، وكان الأكابر والأعيان
يقصدونه لزيارته والاستفادة منه، وحجَّ، وزار بيت المقدس مراراً، ومحاسنه أكثر
من أن تحصر، وأشهر من أن تذكر.
وتوفي بصالحية دمشق يوم الجمعة سادس جمادى الأولى، ودفن بسفح
قاسيون قرب الرَّوضة.
• وفيها سِرَاجُ الدِّين عمر بن حسين بن حسن بن علي العبَّدي القاهري(١)
الشافعي الأزهري الإِمام العَلَّامة، شيخ الشافعية في عصره.
توفي في ربيع الأول وقد جاوز الثمانين سنة.
(١) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (٨١/٦) و((الذيل التام)) (١٩١/٢) من المنسوخ.
٥١١

● وفيها تقريباً المولى عزّ الدِّين عبد اللطيف [بن عبد العزيز] بن الملك
الحنفي الشهير بابن قرشته(١).
قال في ((الشقائق)): كان عالماً فاضلاً ماهراً في جميع العلوم الشرعية، شرحٍ
((مجمع البحرين)) شرحاً حسناً جامعاً للفوائد، [وهو] مقبول في بلادنا، وشرح أيضا
((مشارق الأنوار)) للإِمام الصاغاني شرحاً لطيفاً، وشرح ((كتاب المنار في الأصول)»
وله رسالة في علم التصوف تدل على أن له حظّاً عظيماً من معارف الصوفية. انتهى
ملخصاً.
• وفيها نجم الدِّين عمر بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد الهاشمي
المَكِّ الشافعي، المعروف بابن فهد (٢) الإِمام العالم العريق.
توفي في رمضان عن ثلاث وسبعين سنة.
● وفيها المولى خسرو محمد بن قرامرز(٣) الرُّومي الحنفي (٤) الإِمام
العَلَّامة.
كان والده رومياً من أمراء الفراسخة، تشرَّف بالإِسلام، وكان له بنت زوَّجها
من أمير آخر مسمى بخسرو، فلما مات كان صاحب الترجمة في حجره، فاشتهر
بخسرو، وأخذ العلوم عن بُرهان الدِّين حيدر الرُّومي المفتي في البلاد الرُّومية، ثم
صار مدرساً بمدينة أدرنة بمدرسة شاه ملك، وكان له أخ مدرّس بالمدرسة الحلبية،
وتقيد المولى خُسرو بأدرنة على المولى يوسف بالي بن شمس الدِّين الفَنَاري
مدرّس السلطان محمد بمدينة برسا، وكتب المولى خسرو ((حواشيه على المطول)»
(١) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (٣٢٩/٤) وما بين الحاصرتين زيادة منه و((الشقائق النعمانية))
ص (٣٠).
(٢) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (١٢٦/٦) و((الذيل التام)) (١٩١/٢) من المنسوخ، و((البدر الطالع))
(١/ ٥١٢).
(٣) كتبت هذه اللفظة هكذا في ((آ)): ((قرامرز)) وكتبت في ((ط)): ((قراموز)) وتعددت أشكال كتابتها في
مصادر الترجمة.
(٤) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (٢٧٩/٨) و((الفوائد البهية)) ص (١٨٤).
٥١٢

في المدرسة المذكورة، ثم صار مدرِّساً بمدرسة أخيه بعد وفاته، ثم صار قاضياً
بالعسكر المنصور. ولما جلس السلطان محمد خان على سرير السلطنة ثانياً جعل
له كل يوم مائة درهم، ولما فتح قسطنطينية جعل المترجم قاضياً بها بعد وفاة
المولى خضر بك، وضم إليه قضاء غلطة، وأسكدار، وتدريس آيا صوفيا. وكان
مربوع القامة، عظيم اللّحية، يلبس الثياب الدَّنية، وعلى رأسه عمامة صغيرة.
وكان السلطان محمد یجلّه كثيراً ويفتخر به، ويقول لوزرائه: هذا أبو حنيفة زمانه.
وكان متخشعاً متواضعاً، صاحب أخلاق حميدة، وسكينة ووقار، يخدم
بنفسه، مع ماله من العبيد والخدم الذين لا يُحصون كثرةً.
وكان مع اشتغاله بالمناصب والتداريس يكتب كل يوم ورقتين من كتب
السَّلَف بخط حسن.
وآل به الأمر إلى أن صار مفتياً بالتخت السلطاني، وعظم أمره، وطار ذكره،
وعمر عدة مساجد بقسطنطينية.
ومن مصنّفاته ((حواش على المطول)) و((حواشي التلويح)) و((حواش على
أول تفسير البيضاوي)) و((مرقاة الوصول في علم الأصول)) وشرحه، و ((الدُّرر
والغرر)) ورسالة في الولاء، و((رسالة متعلقة بتفسير سورة الأنعام)) وغير ذلك.
وتوفي بقسطنطينية وحمل إلى مدينة برسا فدفن بها في مدرسته، رحمه الله
تعالى .
● وفيها المولى محمد بن قطب الدِّين الأزنيقي(١) الحنفي الإِمام العالم
العامل.
قرأ العلوم الشرعية والعقلية على المولى الفناري، وتمهر، وفاق أقرانه، ثم
سلك مسلك التصوف، فجمع بين الشريعة والطريقة والحقيقة، وصنّف ((شرحاً
لمفتاح الغيب)) للشيخ صدر الدِّين القُونوي وهو في غاية الحُسن، وشرح أيضاً
((فصوص الصدر القُونوي)) رحمهما الله تعالى.
(١) ترجمته في ((الضوء اللامع)) ص (١٨٥) وقال فيه: نسبته إلى أزنيق مدينة رومية قديمة.
٥١٣

• وفي حدودها المولى سِنَان الدِّين يوسف المشهور بقراسنان الحنفي(١)
الإِمام العَلامة.
قال في ((الشقائق)): كانت له مهارة في العلوم العربية [والفنون] الأدبية.
صنَّف شرحاً لـ ((مراح الأرواح)) في الصرف، وشرحاً لـ ((الشافية)) في الصرف
أيضاً.
وله ((شرح الملخص)) للجغميني في علم الهيئة، و((حواش على شرح
الوقاية)) لصدر الشريعة. انتهى ملخصا.
(١) ترجمته في ((الشقائق النعمانية)) ص (١٢٩ - ١٣٠) وما بين الحاصرتين مستدرك منه.
-
٥١٤

سنة ست وثمانين وثمانمائة
• في رمضانها كانت الصاعقة التي احترق بنارها المسجد الشريف النبوي
سقفه وحواصله وخزائن كتبه وربعاته، ولم يبق من قناطره وأساطينه إلّ اليسير،
وكانت آية من آيات الله تعالى(١).
وقال بعضهم فیه:
لَمْ يَحْتَرِقْ حَرَمُ النَّبِّ لِرِيْبَةٍ تُخْشَى عليه وما بِهِ من عَارِ
تِلْكَ الرُّسُومَ فُطُهِّرَتْ بِالنَّارِ
لكنَّما أَيْدِي الرَّوَافِضِ لامَسَتْ
• وفيها في سابع عشر المحرم كانت بمكة زلزلة هائلة لم يُسمع بمثلها.
• وفيها حدودها توفي المولى شمس الدِّين أحمد بن موسى الشهير بالخيالي
الحنفي(٢) الإِمام العَلَّمة.
قرأ على أبيه، وعلى خضر بك، وهو مدرِّس بسلطانية برسا، ومهر، وبَرَعَ،
وفاق أقرانه، وسلك طريق الصوفية، وتلقّن الذكر، وله ((حواش على شرح العقائد
النَّسفية)) تمتحن بها الأذكياء لدقتها، و((حواش على أوائل حاشية التجريد)) و ((شرح
لنظم العقائد)) لأستاذه المولى خضر بك أجاد فيه كل الإِجادة، وغير ذلك من
الحواشي والتعاليق، رحمه الله تعالى.
(١) وذكر خبر احتراق المسجد النبوي أيضاً الحافظ السخاوي في ((الذيل التام على دول الإِسلام))
(١٩٩/٢ - ٢٠٠) من المنسوخ.
(٢) ترجمته في ((الفوائد البهية)) ص (٤٣) وقد اضطرب في تحديد سنه وفاته ما بين (٨٦٠ و ٨٧٠)
و((البدر الطالع)) (١٢١/١ - ١٢٢) و((معجم المؤلفين)) (١٨٧/٢).
٥١٥

• وفيها علاء الدِّين علي بن محمد بن عيسى بن عطيف العَدَني اليمني (١)
الشافعي الإِمام العالم الفقيه.
توفي بمكة المُشَرَّفة في جمادى الأولى عن بضع وسبعين سنة.
• وفيها سابع مُلوك بني عثمان السلطان محمد بن السلطان مُراد خان(٢).
ولد سنة خمس وثلاثين وثمانمائة، وولي السلطنة سنة ست وخمسين،
وكانت مدة ولا یته إحدى وثلاثين سنة.
قال في ((الأعلام)): كان من أعاظم سلاطين بني عثمان، وهو الملك الضليل،
الفاضل النَّبيل، العظيم الجليل، أعظم الملوك جهاداً، وأقواهم إقداماً واجتهاداً،
وأثبتهم جأشاً وفؤاداً، وأكثرهم توكلا على الله واعتماداً، وهو الذي أسس ملك بني
عثمان، وقنَّن لهم قوانين صارت كالأطواق في أجياد الزمان، وله مناقب جميلة،
ومزايا فاضلة جليلة، وآثار باقية في صفحات الليالي والأيام، ومآثر لا يمحوها
تعاقب السنين والأعوام، وغزوات كسر بها أصلاب الصلبان والأصنام، من أعظمها
أنه فتح القسطنطينية الكبرى، وساق إليها السفن تجري رخاءاً برَّاً وبحراً، وهجم
عليها بجنوده وأبطاله، وأقدم عليها بخيوله ورجاله، وحاصرها خمسين يوماً أشد
الحصار، وضيَّق على من فيها من الكُفَّار الفُجَّار، وسلَّ على أهلها سيف الله
المسلول، وتدرَّع بدرع الله الحصين المسبول، ودقَّ باب النصر والتأييد ولج، ومن
قرع باباً ولج ولج، وثبت على متن الصبر إلى أن أتاه الله تعالى بالفرج، ونزلت
عليه ملائكة الله القريب الرَّقيب بالنصر العزيز من عند(٣) الله تعالى والفتح القريب،
ففتح اصطنبول في اليوم الحادي والخمسين من أيام محاصرته وهو يوم الأربعاء
العشرون من جمادى الآخرة سنة سبع وخمسین وثمانمائة، وصلى في أکبر كنائس
النصارى صلاة الجمعة وهي آيا صوفيا، وهي قبة تُسامي قبة السماء، وتحاكي في
(١) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (٤/٦).
(٢) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (٤٧/١٠) و((تاريخ الدولة العلية العثمانية)) ص (١٦٠ - ١٧٨) بتحقيق
د. إحسان حقي، وهو المشهور بالسلطان محمد الفاتح.
(٣) لفظة ((عند)) لم ترد في ((ط)).
٥١٦

الاستحكام قبب الأهرام، ولا وهت ولا وهنت كبراً ولا هرماً، وقد أسس في
اصطنبول للعلم أساساً راسخاً لا يُخشى على شمسه الأفول، وبنى بها مدارس
كالجنان(١) لها ثمانية أبواب، سهلة الدخول، وقّن بها قوانين تطابق المعقول
والمنقول، فجزاه الله خيراً عن الطلاب، ومنحه بها أجراً، وأكبر ثواب، فإنه جعل
لهم أيام الطلب ما يسد فاقتهم ويكون به من خمار الفقر إفاقتهم، وجعل بعد ذلك
مراتب يترقون إليها ويصعدون بالتمكن والاعتبار عليها، إلى أن يصلوا إلى سعادة
الدنيا، ويتوسلون بها أيضاً إلى سعادة العُقبى، وأنه - رحمه الله تعالى - استجلب
العلماء الكبار من أقصى الديار وأنعم إليهم (٢) وعطف بإحسانه إليهم، كمولانا علي
القُوشجي، والفاضل الطّوسي، والعالم الكوراني، وغيرهم من علماء الإِسلام
وفضلاء الأنام، فصارت اصطنبول بهم أُمَّ الدنيا ومعدن الفخار والعلياء،
واجتمع فيها أهل الكمال من كل فَنَّ، فعلماؤها إلى الآن أعظم علماء الإِسلام،
وأهل حرفها أدق الفطناء في الأنام، وأرباب دولتها هم أهل السعادة العِظَام،
فللمرحوم المقدَّس قلادة منن لا تُحصى في أعناق المسلمين، لا سيما العلماء
الأكرمين. انتهى ملخصاً. أي واستقرَّ بعده في المملكة ابنه الأكبر أبو یزید يلدرم،
ومعناه البرق.
(١) تحرفت في ((ط)) إلى ((كالجفان)).
(٢) كذا في ((آ)) و((ط)): ((وأنعم إليهم)).
٥١٧

سنة سبع وثمانين وثمانمائة
• فيها في أثناء ذي القعدة(١) كان بمكّة السَّيل الهائل الذي لم يسمع بمثله،
خرَّب نحو ربع بيوت مكّة، وجاز في المسجد الحرام حلقتي باب الكعبة، ومات
من الخلق من لا يُحصيهم إلّ الله تعالى.
• وفيها توفي برهان الدين إبراهيم بن علي بن إبراهيم بن يوسف الحُسَيني
العراقي الشافعي، المعروف بابن أبي الوفاء(٢) الإِمام العالم.
توفي في جمادى الأولى عن ست وسبعين سنة.
• وفيها شِهَابُ الدِّين أبو العَبَّاس أحمد بن محمد بن علي بن محمد
السّلَمي المنصوري(٣) الشافعي ثم الحنبلي، ويعرف بابن الهايم، وبالشهاب
المنصوري، وبالقائم.
کان شاعر زمانه.
ولد سنة تسع وتسعين وسبعمائة، واشتغل، وفهم شيئاً من العلم، وبَرَعَ في
الشعر وفنونه، وتفرّد في آخر عمره، وله دیوان کبیر منه:
شَجَاكَ بِرَبْعِ العَامِرِيَّةِ مَعْهدُ بِهِ أَنْكَرَتْ عَيْنَاكَ مَا كُنْتَ تَعْهَدُ
بأحداجها غِيدٌ من العِيْنِ خُرَّدُ
ترحَّلَ عَنْهُ أهلُه بِأَهِلَّةٍ
(١) في ((مفاكهة الخلان)) (٥٨/١): ((في خامس عشرة من ذي القعدة)).
(٢) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (٧٥/١) و((متعة الأذهان)) الورقة (٢٤).
وقال في ((الضوء اللامع)): ((قرأ بالسبع، وتفقه، وصنّف، ودخل القاهرة، ومات بزاويته بدمشق)).
(٣) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (١٥٠/٢) و((الذيل التام على دول الإسلام)) (٢١٠/٢) من المنسوخ
و((نظم العقيان)) ص (٧٧ - ٩٠) وهي ترجمة حافلة و((بدائع الزهور)) (١٩٤/٣) و((السحب الوابلة))
ص (٩٨).
٥١٨

كواكبُ(١) أَترابٌ حِسَانْ كأَنَّها بُرُودٌ بأغْصَانِ النَّقَا تَتَأَوَّدُ
وهي طويلة وجميع شعره في غاية الحُسن.
وتوفي في جمادى الآخرة.
• وفيها الصَّدر سليمان بن عبد الناصر الإِبشيطي ثم القاهري الشافعي
الصُّوفي(٢).
قال المُنَاوي: تعبَّد قديماً، وحَدَّث، واشتغل بالفقه وغيره، ودرَّس، وأفاد،
وأفتى، وخطب، ونزل بالشيخونية، ثم تصوَّف، وحجَّ قاضي المحمل مراراً،
و ((شرح ألفية ابن مالك)) وغيرها، ورام الاشتغال بالمنطق لكثرة معارضة من يبحث
معه فيه، فأخذ الشمسية في كمه، ودخل على الشيخ الحريفيش مستشيراً له
بالحال، فبمجرد رؤيته قال: منَّ الله تعالى علينا بكتابه العزيز، والنحو والأصول،
فمالنا وللمنطق؟ وكَرَّر ذلك، فرجع، وعُدَّ ذلك من كراماتهما.
ومن كراماته أيضاً أنه كان يجيء لحضور الشيخونية، فينزل عن بغلته،
ويرسلها ليس معها أحد، فتذهب للرّميلة فتقمقم مما تراه هناك، ثم ترجع عند فراغ
الدرس سواء بلا زيادة ولا نقص.
توفي - رحمه الله تعالى - عن نحو ثمانين سنة. انتهى.
• وفيها فقيه اليمن عمر بن محمد بن معيبد اليماني الزّبيدي الشافعي(٣)
الإِمام العَلَّمة.
توفي في صفر عن ست وثمانين سنة.
(١) كذا في الأصول: ((كواكب)) ولو قال: ((كواعب)) لكان أجمل للمعنى وأنسب للاقتباس من آي القرآن
الکریم .
(٢) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (٢٦٥/٣) و((جامع كرامات الأولياء)) (٢٧/٢).
(٣) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (١٣٢/٦) و((البدر الطالع)) (٥١٣/١) و((طبقات صلحاء اليمن))
ص (٣١٣).
٥١٩

سنة ثمان وثمانين وثمانمائة
· فيها توفي شِهَابُ الدِّين أحمد بن أحمد بن علي بن زكريا الجُدَيِّديُّ(١)
البَدْرَاني (٢) الشافعي الإِمام العالم.
توفي في ربيع الآخر عن نحو سبعين سنة.
· وفيها كريم الدِّين أبو المكارم عبد الكريم بن علي البويطي الحنبلي (٣)
العدل.
قال العُلَيمي: كان رجلاً خَيِّراً، وكان في ابتداء أمره يباشر عند الأمراء
بالقاهرة، ثم احترف بالشهادة، ولما ولي ابن أخته (٤بدر الدِّين السَّعدي٤) قضاء
الديار المصرية، ولاه العقود والفسوخ، وكان يجلس لتحمل الشهادة بباب المدرسة
الصالحية في حانوت الحكم المنسوب للحنابلة. وتوفي بالقاهرة.
• وفيها نور الدِّين علي بن محمد المُنَاوي المصرية الحنبلي(٥) العدل
المشهور بَباهُو، الإِمام العالم.
(١) في ((آ)): ((الحديدي)) وأثبت ما جاء في ((الضوء اللامع)) وقد قيد السخاوي نسبته فقال: ((الجُدَيِّدي:
بضم الجيم، ثم دال مهملة مفتوحة، بعدها تحتانية مشدّدة مكسورة، ثم مهملة نسبة لقرية من قرى
منية بدران لکون أصله منها)).
(٢) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (٢١٧/١) و((الذيل التام)) (٢١٤/٢) من المنسوخ.
(٣) ترجمته في ((المنهج الأحمد)) الورقة (٥١٤) و((السحب الوابلة)) ص (٢٤٢).
(٤ - ٤) ما بين الرقمين لم يرد في نسخة ((المنهج الأحمد)) التي بين يدي.
(٥) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (٣١٥/٥) و((المنهج الأحمد)) الورقة (٥١٤) و((السحب الوابلة))
ص (٣٠٧).
٥٢٠