Indexed OCR Text

Pages 201-220

بالقاهرة، واشتغل بالعلم، ودرَّس بعد وفاة أبيه وله بضع عشرة سنة، وسمع من
محمد بن إسماعيل الأيوبي، والقلانسي وغيرهما، واشتهر بصدق اللهجة، وجودة
الرأي، وحسن التذكير، والأمر بالمعروف، مع الصَّرَامة والصّدع بالوعظ في خطبه
وقصصه، وصارت له وجاهة عند الخاصة والعامة، وانتزع خطابة جامع ابن طولون
من ابن بهاء الدِّين السُّبكي، فاستمرت بيده، وكان مقتصداً في ملبسه مفضالاً على
المساکین، كثير الإقامة في منزله مقبلا على شأنه، عارفاً بأمر دينه ودنياه، یتکسب
من الزراعة وغيرها، ويبرُّ أصحابه مع المحبة التَّامة في الحديث وأهله، وله
حكايات مع أهل الظّلم، وامتحن مراراً، ولكن ينجو سريعاً بعون الله، وقد حجّ
مراراً وجاور، وكانت بيننا مودة تامة.
مات ليلة الحادي عشر من ذي الحجَّة ودُفن عند باب القَرَافَة، وكان الجمع
في جنازته حافلاً جداً، فرحمه الله تعالى. انتهى.
• وفيها زين الدِّين عبد الرحمن بن يوسف الكُردي الدمشقي الشافعي(١).
حفظ ((التنبيه)) في صباه، وقرأ على الشّرف بن الشَّرِيشي، ثم تعانى عمل
المواعيد فنفق سوقه فيها، واستمر على ذلك أكثر من أربعين سنة، وصار على ذهنه
من التفسير والحديث وأسماء الرجال شيءٌ كثير، وكان رائجاً عند العامة مع الدّيانة
وكثرة التّلاوة، وكان ولي قضاء بعلبك، ثم طرابلس، ثم ترك واقتصر على عمل
المواعيد بدمشق، وقدم مصر وجرت له محنة مع القاضي جلال الدِّين البلقيني، ثم
رضي عنه وألبسه ثوباً من ملابسه، واعتذر إليه ورجع إلى بلده، وكان يُعاب بأنه
قليل البضاعة في الفقه، ومع ذلك لا يسأل عن شيءٍ إلّ بادر بالجواب، ولم يزل
بينه وبين الفقهاء منافرات.
قال ابن حجر: ويقال: إنه يرى حلّ المتعة على طريقة ابن القيم وذويه.
ومات مطعوناً في ربيع الآخر وهو في عشر السبعين.
(١) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٢٣٣/٧) و((الضوء اللامع)) (١١٠/٤).
٢٠١

• وفيها أمين الدِّين عبد الوهاب بن محمد بن أحمد بن أبي بكر الحنفي
الطّرابلسي(١).
نزيل القاهرة القاضي ابن القاضي .
ولد سنة أربع وسبعين وسبعمائة، واشتغل في حياة أبيه، وولي القضاء
استقلالاً بعد موت الملطي فباشره بعضّة ومهابة، وكان مشكور السيرة إلا أنه كان
كثير التعصب لمذهبه مع إظهار محبته(٢) للآثار عار من أكثر الفنون إلّ استحضار
شيءٍ يسير من الفقه.
توفي بالطَّاعون في خامس عشري ربيع الأول.
• وفيها علاء الدِّين أبو الحسن علي بن عيسى الفِهْري البسطي(٣).
اشتغل ببلاده، ثم حجَّ، ودخل الشام، ونزل بحلب على قاضيها الجمال
النّحريري، واقرأ بحلب ((التسهيل)) وعمل المواعيد، وكان يذكر في المجلس بنحو
سبعمائة سطر يرتّبها أولاً ثم يلقيها ويطرّزُها بفوائد ومجانسات، ثم رحل إلى
الرُّوم، وعظم قدره ببرصا(٤)، وكان فاضلاً ذكياً أديباً يعمل المواعيد بالجامع، ثم
دخل الرُّوم فسكنها، وحصل له ثروة، ثم دخل القَرْم، وكثر ماله، واستمر هناك إلى
أن مات.
• وفيها شمس الدِّين أبو الحسن علي بن محمد بن علي بن الحسن بن
حمزة بن محمد بن ناصر الحُسَيني الدمشقي (٥) الشافعي المُحَدِّث الشهير.
مات أبوه سنة خمس وستين وسبعمائة وهو صغير، فحفظ القرآن و((التنبيه))،
وقرأ على ابن السلّر، وابن اللّان، ومَهَرَ في ذلك، حتّى صار شيخ الإِقراء
بالقرمية، وكتب الخطّ المنسوب، وجلس مع الشهود مدة، ووقّع، وكان عین البلد
(١) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٢٣٥/٧) و((الضوء اللامع)) (١٠٦/٥).
(٢) في ((آ): ((محبة)).
(٣) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٢٣٦/٧) و((الضوء اللامع)) (٢٧٣/٥).
(٤) التي تعرف الآن بـ (بورصة) وهي في الشمال الغربي لتركيا المعاصرة.
(٥) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٢٣٧/٧) و((الضوء اللامع)) (٣٢/٥).
٢٠٢

في ذلك، وكان مشكوراً في ذلك، وولي نقابة الأشراف مدة يسيرة، وولي نظر
الأوصياء أيضاً، ومات في شوال.
• وفيها جلال الدِّين غَانِم بن محمد بن محمد بن يحيى بن سالم الخَشَبي
- بمعجمتين مفتوحتين ثم مُوحدة - المدني الحنفي (١).
ولد سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، وسمع من ابن أميلة وغيره بدمشق،
وسمع منه ابن حجر، وكان نبيهاً في العلم؛ ثم خمل، وانقطع بالقاهرة، وتوفي
بالطاعون.
• وفيها محمد بن أحمد بن أبي بكر البِيْريّ ابن الحَدّاد الشافعي(٢). أخذ
عن أبي جعفر، وأبي عبدالله الأندلسيّين، وتمهَّر في العربية، وحفظ ((المنهاج))
وكان يستحضر أشياء حسنة، وحَدَّث عن شَرَف الدِّين ابن قاضي الجبل وغيره،
وتوفي بالبيْرَة(٣).
• وفيها أبو عبدالله محمد بن أحمد بن عثمان بن عمر التّونسي المالكي
المعروف بالوانّوغيّ (٤) - بتشديد النون المضمومة، وسكون الواو، بعدها
معجمة -.
قال السيوطي: ولد بتونس سنة تسع وخمسين وسبعمائة، ونشأ بها، وسمع
من مُسْنِدِهَا أبي الحسن بن أبي العَبَّاس البواني خاتمة أصحاب ابن الزّبير
بالإِجازة، وسمع أيضاً من ابن عَرَفَة، وأخذ عنه الفقه، والتفسير، والأصلين،
والمنطق، وعن الولي بن خلدون الحساب، والهندسة، والأصلين، والمنطق،
والنحو عن أبي العبّاس البصَّار، وكان شديد الذكاء، سريع الفهم، حسن الأداء
للتدريس والفتوى، وإذا رأى شيئاً وعاه وقرَّره وإن لم يعتن به، وله تآليف على
(١) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٢٣٨/٧) و((الضوء اللامع)) (١٥٩/٦).
(٢) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٢٣٨/٧) و((الضوء اللامع)) (١٩٧/٧).
(٣) في ((ط)): ((في البيرة)).
(٤) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٢٣٩/٧) و((الضوء اللامع)) (٣/٧) و((العقد الثمين)) (٣٠٨/١) و((بغية
الوعاة» (٣١/١ - ٣٢).
٢٠٣

قاعدة ابن عبد السّلام، وعشرون سؤالاً في فنون من العلم تشهد بفضله بعث بها
إلى القاضي جلال الدِّين البُلقِيني، وقد وقفت على الأسئلة وجوابها ولم أقف على
الردّ، وكان يُعَاب عليه إطلاق لسانه في العلماء ومراعاة السائلين في الإفتاء، أجاز
لغير واحد من شيوخنا المكيين(١).
ومات بمكة المُشَرَّفة سحر يوم الجمعة تاشع عشري(٢) ربيع الآخر.
• وفيها محمد بن أيوب بن سعيد بن عَلَوي الحُسْبَاني الأصل الدمشقي
الشافعي(٣).
ولد سنة بضع وسبعين وسبعمائة، واشتغل، وحفظ ((المنهاج الفقهي))
و ((المحرَّر)) لابن عبد الهادي، وغيرهما، وأخذ عن الزُّهري، والشَّريشي،
والصَّرْخَدي، وغيرهم، ولازم الملكاوي، ومَهَرَ في الفقه والحديث، وجلس
للاشتغال(٤) بالجامع والنّفع إلى الطلبة، وكان قليل الغيبة والحسد، بل حلف أنه
ما حسد أحداً.
توفي مطعوناً في ربيع الآخر.
• وفيها عزّ الدِّين محمد بن شرف الدِّين أبي بكر بن عزّ الدِّين
عبد العزيز بن بدر الدِّين محمد بن بُرْهَان الدِّين إبراهيم بن سعد الله ابن جَمَاعة
الشافعي(٥).
ولد سنة تسع وأربعين وسبعمائة بمدينة يَنْبُع.
قال السيوطي في ترجمته العَلَّمة المفنَّن، المتكلّم الجَدَليِ النَّظَّار النَّحوي
(١) في ((ط)): ((المكين)) وهو خطأ.
(٢) في ((بغية الوعاة)): ((تاسع عشر)).
(٣) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٢٤٠/٧) و((الضوء اللامع)) (١٤٨/٧).
(٤) كذا في ((ط)) و(إنباء الغمر)): ((للاشتغال)) وفي ((آ)): ((للأشغال)).
(٥) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٢٤٠/٧) و((الضوء اللامع)) (١٧١/٧ - ١٧٤) و((طبقات الشافعية)) لابن
قاضي شهبة (٦٠/٤) و((بغية الوعاة)) (٦٣/١ - ٦٦).
٢٠٤

اللُّغوي البَيّاني الخِلافي، أستاذ الزَّمان، وفخر الأوان، الجامع لأشتات جميع
العلوم .
وقال ابن حجر: سمع من القَلَانسي، والعَرَضي، وغيرهما، وحفظ القرآن
في شهر واحد كل يوم حزبين، واشتغل بالعلوم على كبر، وأخذ عن السِّراج
الهندي، والضِّياء القَرْمي، والمحبّ ناظر الجيش، والرُّكن القرمي، والعلاء
السِّيرامي، وجار الله، والخطابي، وابن خلدون، والحَلَاوي، والتاج السُّبكي
وأخيه البهاء، والسراج البُلقيني، والعلاء بن صفير الطبيب، وغيرهم، وأتقن
العلوم، وصار بحيث يقضى له في كل فنٌّ بالجميع، حتى صار المُشَار إليه بالدِّيار
المصرية في الفنون العقلية، والمفاخر به علماء العجم في كل فَنَّ، والمعوّل عليه،
وأقرأ، وتخرَّج به طبقات من الخلق، وكان أعجوبة زمانه في التقرير، وليس له في
التأليف حظ، مع كثرة مؤلفاته حتى التي (١) جاوزت الألف، فإن له على كل كتاب
أقرأه التأليف والتأليفين والثلاثة وأكثر، ما بين شرح مطول ومتوسط ومختصر،
وحواش ونكت، إلى غير ذلك، وكان قد سمع الحديث على جدّه، والبايني،
والقَلَانسي، وغيرهم، وأجاز له أهل عصره مِصْرَاً وشَاماً، وكان ينظم شعراً عجيباً
غالبه بلا وزن، وكان منجمعاً عن بني الدُّنيا، تاركاً للتعرض للمناصب، بارّاً
بأصحابه، مبالغاً في إكرامهم، يأتي مواضع النّزه، ويحضر حَلَق المنافقين(٢)
وغيرهم، ويمشي بين العوام، ولم يحجّ، ولم يتزوج، وكان لا يُحَدِّث إلّ متوضئاً
ولا يترك أحداً يستغيب عنده مع محبته المُزاح والمفاكهة واستحسان النادرة، وكان
يعرف علوماً عديدة، منها الفقه، والتفسير، والحديث، والأصلين (٣)، والجدل،
والخِلَاف، والنحو، والصرف، والمعاني، والبيان، والبديع، والمنطق، والهيئة،
والحكمة، والزّيج، والطبّ، والفروسية، والرّمح، والنّشاب، والدّبوس،
والثقاف، والرّمل، وصناعة النفط، والكيمياء، وفنون أخر.
وعنه أنه قال: أعرف ثلاثين علماً لا يعرف أهل عصري أسماءها.
(١) في ((ط)): ((حتى)).
(٢) تصحفت في (ط)) إلى ((المنافقين)).
(٣) في ((ط)): ((والأصلان)).
٢٠٥

وقال في رسالته ((ضوء الشمس)): سبب ما فتح به عليَّ من العلوم منام رأيته.
وقال السيوطي: وقد علَّقت أسماء مصنَّفاته في نحو كُرَّاسين، ومن عيونها في
الأصول ((شرح جمع الجوامع مع(١) نُكت عليه)) و((ثلاث نُكت على مختصر ابن
الحاجب)) و((حاشية على شرح البيضاوي للإِسنوي)) و((حاشية على المغني))
و ((ثلاثة شروح على القواعد الكبرى)) و((ثلاث نكت عليها)) و((ثلاثة شروحٍ على
القواعد الصُّغرى)) و((ثلاث نكت عليها)) و((إعانة الإِنسان على أحكام اللّسان))
و ((حاشية على الألفية)) و((حاشية على شرح الشافية للجار بردي)) وغير ذلك.
وأخذ عنه جمع، منهم: الكمال بن الهُمَام، وابن قزيل، والشمس القَاياتي،
والمحبّ بن الأقصرائي، وابن حجر، وقال: لازمته من سنة تسعين(٢) إلى أن
مات، وكنت لا أسميه في غيبته إلّ إمام الأئمة، وقد أقبل في الأخير على النظر في
كتب الحديث، وكان ينهى أصحابه عن دخول الحَمّام أيّام الطّاعُون، فقدّر أن
الطّاعون ارتفع أوكاد، فدخل هو الحَمّام وخرج فطُعن عن قرب، ومات.
وقال العَلَّمة البقاعي: حَدَّثنيِ الشيخ مِحبّ الدِّين الأقصرائي - وكان ممن
لازم الشيخ عزّ الدِّين - أنه رأى رجلاً تكرورياً اسمه الشيخ عثمان ماغفا - بالغين
المعجمة والفاء - وردَّ إلى القاهرة، وله عشرة بنين، رجال أتى بهم إلى الشيخ
عزّ الدِّين للاستفادة، فقرأ عليه كتاباً، فكان إذا قرّر له مسألة ففهمها(٣) وقف ودار
ثلاث دورات على هيئة الراقص، ثم انحنى للشيخ على هيئة الراكع (٤)، وجلس، فإذا
جلس قام بنوه العشرة ففعلوا مثل فعله.
وقال ابن حجر: وكان يُعاب الشيخ عزّ الدِّين بالتزِّي بزِيِّ العجم من طول
الشارب(٥) وعدم السّواك حتّى سقطت أسنانه.
(١) لفظة ((مع)) سقطت من ((بغية الوعاة)) فلتستدرك.
(٢) يعني وسبعمائة.
(٣) لفظة ((ففهمها)) سقطت من ((ط)).
(٤) أقول: لا يجوز الانحناء على هيئة الراكع لأحد من البشر. (ع).
(٥) في ((الشوارب)).
٢٠٦

وتوفي في عشري ربيع الآخر، واشتد أسف الناس عليه، ولم يُخَلّف بعده
مثله .
● وفيها شمس الدِّين محمد بن علي بن محمد المشهدي بن القَطَّان(١).
قال ابن حجر: أخذ عن الشيخ ولي الدِّين الملوي ونحوه، واعتنى بالعلوم
العقلية، واشتغل كثيراً حتَّى تنبه، وكان يدري الطبّ ولكن ليست له معرفة
بالعلاج. سمعت من فوائده.
ومات في الطّاعون عن نحو ستين سنة. انتهى.
• وفيها محمد بن علي بن معبد القُدسي المالكي، المعروف بالمدني(٢).
ولد سنة تسع وخمسين وسبعمائة، واشتغل قليلاً، وأخذ عن جمال الدِّين بن
خير ولازمه، وسمع الحديث من محيى الدِّين بن عبد القادر الحَنَفي، وحَدَّث، ثم
ولي تدريس الحديث بالشيخونية فباشره، مع قلّة علمه به مدة، ثم نزل عنه، ثم
ولي القضاء في الأيام الناصرية، ثم صُرِفَ وأُعيد مراراً، وكان مشكوراً في
أحكامه، ووقعت له كائنة صعبة مع شريفٍ حَكَم بقتله فأنكر عليه ذلك أهل مذهبه،
ولم يكن بالماهر في مذهبه.
وتوفي في عاشر ربيع الأول.
· وفيها ناصر الدِّين محمد بن عمر بن إبراهيم بن محمد بن عمر بن
عبد العزيز بن محمد بن أبي جَرَادَة العُقَيلي الحلبي، نزيل القاهرة ابن العَدِيم
الحنفي(٣).
ولد سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة بحلب، وأسمع على عمر بن ایدغمش
مُسْنِد حلب، وعلى غيره، وقدم القاهرة مع أبيه وهو شاب فشغله في عدة فنون
على عدة مشايخ، وقرأ بنفسه على العراقي قليلاً من منظومته، وكان يتوقّد ذكاءً،
(١) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٢٤٤/٧) و((الضوء اللامع)) (٢١٧/٨).
(٢) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٢٤٤/٧ - ٢٤٥) و((الضوء اللامع)) (٢٢٠/٨).
(٣) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٢٤٥/٧) و((الضوء اللامع)) (٢٣٥/٨) وقد تقدمت ترجمته في ((آ)) إلى ما
قبل ترجمة ((المشهدي)) وأبقيتها كما جاءت في ((ط)).
٢٠٧

مع هوج ومحبّة في المزاح والفُكاهة، إلى أن مات أبوه، وأوصاه أن لا يترك منصب
القضاء ولو ذهب فيه جميع ما خلّفه، فقبل الوصية، ورَشًا على الحُكم إلى أن
وليه، ثم صار يُرشي أهل الدولة بأوقاف الحنفية بأن يؤجّرها لمن يخطر منه بيال
بأبخس أجرة ليكون عوناً له على مقاصده، إلى أن كاد يُخَرِّبها، ولو دام قليلاً
لخربت كُلُّها، وصار في ولايته القضاء كثير الوقيعة في العلماء، قليل المبالاة بأمر
الدِّين، كثير التَّظاهر بالمعاصي ولا سيما الرِّبا، سيء المعاملة جداً، أحمق أهوج،
متهوَّراً، وقد امتُحن وصُودر، وهو مع ذلك قاضي الحنفية، ثم قام في موجب قتل
الناصر قياماً بالغاً ولم ينفعه ذلك، لأنه ظَنَّ أن ذلك يبقيه في المنصب، فَعُزل عن
قُرْبٍ، ثم لما وَقَع الطّاعون في هذه السنة ذعر منه ذعراً شديداً، وصار دأبه أن
يستوصف ما يدفعه ويستكثر من ذلك أدوية وأدعية ورقى، ثم تمارض لئلا يُشاهِدَ
مَيِّتاً ولا يُدعى إلى جنازة لشدة خوفه من الموت، فقدَّر الله أنه سَلِمَ من الطَّاعُون
وابتُلي بالقُولنج الصَّفْرَاوي، فتسلسل به الأمر إلى أن اشتد به الخطب، فأوصى، ثم
مات في ليلة السبت تاسع ربيع الآخر. قاله ابن حجر.
· وفيها شَمس الدِّين محمد بن محمد بن عبدالله بن مؤذّن الزنجبيلية
الحنفي(١).
اشتغل وهو صغير، فحفظ ((مجمع البحرين)) و((الألفية)) وغيرهما، وأخذ
الفقه عن البدري المقدسي، وابن الّرضي، ومَهَر في الفرائض، وأخذها عن الشيخ
محبّ الدِّين، واحتاج الناس إليه فيها، وجلس للاشتغال بالجامع الأموي، وكان
خَيِّراً، دَيِّناً.
وتوفي في شوال.
· وفيها نجم الدِّين أبو الفتح محمد بن محمد بن محمد (٢بن محمد٢) بن
عبد الدائم البَاهي الحنبلي (٣).
(١) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٢٤٧/٧) و((الضوء اللامع)) (١٢٩/٩).
(٢ - ٢) ما بين الرقمين سقط من ((آ)).
(٣) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٢٤٧/٧) و((الضوء اللامع)) (١٢٩/٩) و((السحب الوابلة)) ص (٤٤٥).
٢٠٨

برع في الفنون، وتقرَّر مدرساً للحنابلة في مدرسة جمال الدِّين برحبة باب
العيد، وكان عاقلاً، صيِّناً، التأدُّب.
توفي في (١) ليلة الجمعة رابع عشري ربيع الأول بالطّاعون عن بضع وثلاثين
سنة .
• وفيها قطب الدِّين محمد الأبرقُوهي(٢).
أحد الفضلاء ممن قدم القاهرة في رمضان سنة ثماني عشرة، فأقرأ
((الكشاف)) و ((العضد)) وانتفع به الطلبة.
ومات في آخر صفر مطعوناً.
• وفيها مُساعد بن ساري بن مسعود بن عبد الرحمن الهَوَّاري المِصْري(٣)،
نزيل دمشق، الشافعي.
ولد سنة بضع وثلاثين وسبعمائة، وطلب بعد أن كبر، فقرأ على الشيخ
صلاح الدِّين العَلَائي، والولي المنفلوطي، والبهاء بن عقيل، والإِسنوي وغيرهم،
ومَهَرَ في الفرائض، والميقات، وكتب بخطه الكثير لنفسه ولغيره، ثم سكن دمشق،
وانقطعٍ بقرية عَقْرَبا، وكان الرؤساء يزورونه، وهو لا يدخل البلد، مع أنه لا يقصده
أحد إلّ أضافه وتواضع معه، وكان متديّناً، متقشُّفاً، سليم الباطن، حسن الملبس،
مستحضراً لكثير من الفوائد وتراجم الشيوخ الذين لقيهم، وله كتاب سَمَّاه («بدر
الفلاح في أذكار المساء والصباح)).
وتوفي بقرية عقربا شهيداً بالطّاعون، وكان ذميم الشَّكل جداً، رحمه الله.
• وفيها هُمَام الدِّين، هُمّام بن أحمد الخُوَارِزمي الشافعي(٤).
اشتغل في بلاده، ثم جاء إلى حلب قبل اللّنكية، فأنزله القاضي شرف الدِّين
(١) لفظة ((في)) لم ترد في ((ط)).
(٢) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٢٤٨/٧) و((الضوء اللامع)) (١١٤/١٠).
(٣) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٢٤٨/٧) و((الضوء اللامع)) (١٥٥/١٠).
(٤) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٢٥٠/٧) و((الضوء اللامع)) (١٢٨/٧) وفيه: ((محمد بن أحمد)).
٢٠٩

في دار الحديث البهائية، ثم قدم القاهرة في الدولة الناصرية وحصل له بها حظ
عظيم (١) وجاه كبير، وسماع كلمة، وأقبل عليه الطلبة لأجل الجاه، وأقرأ ((الحاوي))
و ((الكَشَّاف)) ثم طال الأمر، فاقتصر على ((الكَشَّاف)) وكان ماهراً في إقرائه إلاّ أنه
بطيء العبارة جداً بحيث يمضي قدر درجة حتى ينطق بقدر عشر كلمات، وكانت
مشاركة في العلوم العقلية مع اطراح التكلّف، وكان يمشي في السُّوق، ويتفرج في
الحلق في بركة الرطلي وغيرها، وكانت له ابنة ماتت أمُّها فصار يُلبسها بزيِّ
الصُّبيان ويَحْلِقُ شعرها، ويسمّيها سيدي علي، وتمشي معه في الأسواق، إلى أن
راهقت، وهي التي تزوجها الهَرَوي فحجبها بعد ذلك.
وتوفي في العشر الأخير من ربيع الأول وقد جاوز السبعين. قاله ابن حجر.
• وفيها صلاح الدِّين يوسف [بن أحمد بن غازي] ابن أخي الملك العادل
سُليمان(٢).
قال البرهان البقاعي: كان إماماً، عالماً، صالحاً، ذكياً جداً، زاهداً، حتى
قال شيخنا: ما رأيت مثله، وكان قد عزفت نفسه عن الدُّنيا فتركها، ورحل إلى
القاهرة لقصد الاشتغال بالعلم، ثم التوجه إلى بعض الثّغور للجهاد، فاخترمته
المنية في الطَّاعون.
• وفيها يوسف بن عبدالله المارديني الحنفي(٣).
قدم القاهرة، ووعظ الناس بالجامع الأزهر، وحَصَّل كثيراً من الكتب، مع
لين الجانب والتواضع والخير والاستحضار لكثير من التفسير والمواعظ.
توفي بالطّاعون وقد جاوز الخمسين، وخلّف تركة جيدة(٤) ورثها أخوه أبو
بکر، ومات بعده بقليل.
(١) لفظة ((عظيم)) لم ترد في ((ط)).
(٢) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (٢٩٣/١٠) وما بين الحاصرتين زيادة منه، و((الأعلام)) (٢١٥/٨).
(٣) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٢٥١/٧) و((الضوء اللامع)) (٣١٩/١٠).
(٤) كذا في ((ط)) و((إنباء الغمر)): ((جيدة)) وفي ((آ)): ((جليلة)).
٢١٠

سنة عشرين وثمانمائة
● فيها قتل الشيخ نَسيم الدِّين التّبريزي(١)، نزيل حلب، وهو شيخ
الحروفية (٢) .
سكن حلب، وكثر أتباعه، ونشأت بدعته، وشاعت، فآل أمره إلى أن أمر
السلطان بقتله، فضربت عنقه، وسُلخ جلده، وصلب.
• وفيها ـ كما قال ابن حجر - وضَعَت جاموسة ببلبيس(٣) مولوداً برأسين
وعينين وأربع أيد وسلسلتي ظهرٍ، ودُبر واحدٍ، ورجلین اثنتين لا غير، وفرج واحدٍ
أنثى، والذنب مفروق باثنين، فكانت من بديع صنع الله تعالى.
· وفي أواخرها مالت المئذنة التي بُنيت على البرج الشمالي بباب زويلة
بمصر من جامع المؤيد، وكادت تسقط، واشتد خوف الناس منها، وتحولوا من
حواليها، فأمر السلطان بنقضها فنُقضت بالرّفق إلى أن أمنوا شَرّها، وعامل السلطان
من ولي بناءها بالحلم، وكان ناظر العمارة ابن البرجي، فقال تقي الدِّين بن حجّة
في ذلك:
مَنَارةُ بيت الله والمعبد المُنجي
عَلى البرج من بابي زُويلة أُنشئت
ألا صرّحوا يا قوم باللعنِ للبرجي
فأخنى بها البرج الخبيث أمالها
(١) انظر ((إنباء الغمر)) (٢٦٩/٧ - ٢٧٠).
(٢) الحروفية: فرقة من فرق الشيعة اشتقت اسمها من حروف الأبجدية الثمانية والعشرين لاعتقادهم أن
لهذه الحروف أسراراً لها أثر في حياة الإنسان، وتنسب هذه الفرقة إلى فضل الله الاستراباذي. انظر
((القاموس الإسلامي)) للأستاذ أحمد عطية الله (٦٨/٢).
(٣) لفظة ((بلبيس)) سقطت من ((آ))، وفي ((إنباء الغمر)) (٢٧١/٧): ((ببلقيس)).
٢١١

وقال الشَّهاب بن حجر العسقلاني :
منارتُه بالحُسنِ تَزْهُو وبالزّيْنِ
لجامع مولانا المؤيد رونقٌ
فليس على جسمي أضرَّ من العينِ
تَقُولُ وقد مَالت عن القَصْد أمهلوا
فغضب الشيخ بدر الدِّين العَيني وظَنَّ أن ابن حجر عَرَّض به، فاستعان
بالنّواجي الأبرص فنظم له بيتين معرّضاً بابن حجر، ونسبهما العينيُّ لنفسه، وهما:
وهدمها بقضاء الله والقدر
منارةٌ كعروس الحُسن إذ جليت
ما أوجب الهدم إلّ خِسة الحجر
قَالوا أصيبت بعين قُلت ذَا غلط
• وفيها توفي(١) شِهَاب الدِّين أحمد بن أحمد الغزَّاوي المالكي(٢).
قال ابن حجر: اشتغل كثيراً، وبَرَعَ في العربية وغيرها، وشارك في الفنون،
وشغل الناس، وقد عُيِّن مَرَّة للقضاء فلم يتمّ ذلك.
مات في تاسع عشر شعبان. انتهى.
• وفيها شِهَاب الدِّين أحمد بن يهودا الدمشقي الطرابلسي النحوي
الحنفي(٣).
ولد سنة بضع وسبعين وسبعمائة، وتعابى العربية، فمهر في النحو، واشتهر
به، وأقرأ فيه، ونظم ((التسهيل)) في تسعمائة بيت، وكان تحول بعد فتنة اللّنك إلى
طرابلس فقطنها فانتفع به أهلها إلى أن مات في آخر هذه السنة، وكان يتكسَّب
بالشهادة .
• وفيها بُرهان الدِّين حَيدَرَة الشيرازي ثم الرُّومي(٤).
(١) لفظة ((توفي)) سقطت من ((آ).
(٢) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٢٨٣/٧) وفيه ((الفراوي)).
(٣) ترجمته في (إنباء الغمر)) (٢٨٤/٧) و((الضوء اللامع)) (٢٤٦/٢) و((بغية الوعاة)) (٤٠١/١).
(٤) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (١٦٨/٣) وفيه ((حيدر بن أحمد بن إبراهيم و((بغية الوعاة)) (٥٤٩/١)
ولفظة ((أقرأ)) التي بين حاصرتين في الترجمة مستدركة منه.
٢١٢

قال السيوطي: كان عَلَّمة بالمعاني، والبيان، والعربية، أخذ عن
التفتّازَاني، وشرح ((الإِيضاح)) للقَزْويني شرحاً ممزوجاً وقدم الرُّوم [وأقرأ] وأخذ عنه
شيخنا العَلامة محيى الدِّين الکافیجي. انتهى.
وفيها داود بن موسى الغُماري المالكي(١) .
عني بالعلم، ثم لازم العبادة، وتزهَّد، وجاور بالحرمين أزيد(٢) من عشرين
سنة، وكانت إقامته بالمدينة المنوّرة أكثر منها بمكة.
وتوفي في مستهل المحرَّم.
· وفيها جمال الدِّين عبدالله بن إبراهيم بن خليل البعلبكي الدمشقي،
المعروف بابن الشرائحي الشافعي(٣).
قال ابن حجر: ولد سنة ثمان وأربعين وسبعمائة، وأخذ عن الشيخ
جمالد الدِّين بن بَرْدِس وغيره، ثم دخل دمشق، فأدرك جماعة من أصحاب الفخر،
وأحمد بن سنان، ونحوهم، فسمع منهم، ثم من أصحاب ابن القَوَّاس، وابن
عَسَاكر، ثم من أصحاب القاضي، والمُطَعّم، ومن أصحاب الحجّار، ونحوه، ومن
أصحاب الجَزَري، وبنت الكمال، والمِزِّي فأكثر جداً، وهو مع ذلك أُميّ وصار
أعجوبة دهره في معرفة الأجزاء والمرويات ورواتها، ولديه مع ذلك محفوظات
وفضائل ومذكرات حسنة، وكان لا ينظر إلّ نظراً ضعيفاً، وقد حَدَّث بمصر والشام،
وسمعت منه، وسمع معي الكثير في رحلتي، وأفادني أشياء، وكان شَهْمَاً، شُجَاعاً،
مُهَاباً جداً كله، لا يعرف الهزل.
قدم القاهرة بعد الكائنة العظمى فقطنها مدة طويلة، ثم رجع إلى دمشق،
وولي تدريس الحديث بالأشرفية إلى أن مات في هذه السنة. انتهى.
(١) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٢٨٥/٧) و((الضوء اللامع)) (٢١٦/٣) و((العقد الثمين)) (٢٦١/٤)
و((التحفة اللطيفة)) (٣٧/٢).
(٢) في ((ط)): ((أكثر)).
(٣) ترجمته في ((التبيان شرح بديعة البيان)) الورقة (١/١٩٥) و((إنباء الغمر)) (٢٨٦/٧) و((الضوء اللامع))
(٢/٥).
٢١٣

وقال ابن ناصر الدِّين: الحافظ المفيد الضَّرير.
كان فقيهاً، فَرَضِياً، آيةً في حفظ الرُّواة المتأخرين.
حَدَّث بـ ((صحيح مسلم)) وثاني ليلة ختمه مات. انتهى .
• وفيها جمال الدِّين عبدالله بن أحمد بن عبد العزيز بن موسى بن أبي بكر
البَشِيتي(١) - بفتح الموحدة، وكسر الشين المعجمة، وتحتية، وفوقية، نسبة إلى
بشيت قرية بأرض فلسطين(٢) -.
ولد عاشر شعبان سنة اثنتين وستين وسبعمائة، وتفقه بسِرَاج الدِّين بن
المُلَفّن، وأخذ العربية عن الشّمس الغُماري، واختصَّ به، وبَرَعَ في الفقه والعربية
واللغة، وكتب الخطَّ المنسوب، وصنَّف كتاباً جليلاً في الألفاظ المُعَرَّبة، وكتاباً
استوعب فيه أخبار قُضاة مصر، وكتاباً في شواهد العربية أوسع الكلام فيه.
وتوفي بالإِسكندرية في رابع ذي القعدة.
• وفيها فراج الكفل الحنبلي(٣) .
قال العليمي في ((طبقاته)): هو الشيخ الإِمام العالم الفقيه.
توفي في هذه السنة. انتهى.
• وفيها عزّ الدِّين محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد العزيز
النُّويري ثم المَكِّي العُقَيلي الشافعي(٤).
ولد سنة أربع أو خمس وسبعين وسبعمائة، واشتغل وهو صغير، وناب لأبيه
في الخطابة والحكم، ثم استقلَّ بعد وفاته في رمضان سنة تسع وتسعين إلى أن
صُرِفَ في ذي الحجّة سنة ثمانمائة، ثم وليها مراراً، ثم استقرَّت بيده الخطابة
(١) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٢٨٧/٧) وفيه ((البششي)) وهو خطأ و((الضوء اللامع)) (٧/٥).
(٢) انظر ((معجم البلدان)) (٤٢٩/١).
(٣) ترجمته في ((المنهج الأحمد)) الورقة (٤٩٨) من القسم المخطوط منه، و((السحب الوابلة))
ص (٣٢١).
(٤) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٢٨٨/٧) و((الضوء اللامع)) (٤٤/٧ - ٤٥) و((العقد الثمين)) (٣٧١/١).
٢١٤

وغيرها، ثم استقرَّ في الخطابة ونظر الحرم والحسبة حتى مات. وكان مشكور
السيرة في غالب أموره.
وتوفي في ربيع الأول.
• وفيها شمس الدِّين محمد بن علي بن جعفر البلالي - نسبة إلى بلالة من
أعمال عجلون -.
نشأ هناك، وسمع الحديث، واشتغل بالعلم، وسلك طريق الصُّوفية،
وصحب الشيخ أبا بكر الموصلي. ثم قدم القاهرة فاستوطنها بضعاً وثلاثين سنة،
واستقرّ في مشيخة سعيد السعداء مدة متطاولة، مع التواضع الكامل، والخلق
الحسن، وإكرام الوارد (١)، وصنَّف ((مختصر الإِحياء)) فأجاد فيه، وطار اسمه في
الآفاق، ورحل إليه بسببه، ثم صنّف تصانيف أخرى، وكانت له مقامات وأوراد،
وله محبون معتقدون ومبغضون منتقدون.
توفي في رابع شوال وقد جاوز السبعين.
• وفيها عزّ الدِّين محمد بن بهاء الدِّين علي بن عزّ الدِّين عبد الرحمن بن
محمد بن التّقي سليمان المقدسي الحنبلي(٢)، خطيب الجامع المُظَفَّري بالصَّالحية
وابن خطیبه .
ولد سنة أربع وستين وسبعمائة، وحفظ ((المقنع)) وسمع الحديث وبَرَعَ في
الفقه والحديث، وأخذ عن ابن رجب، وابن المحبّ، وكان له النّظم الرائق،
وباشر القضاء، وحج وأكثر المجاورة بمكة، ودرس بدار الحديث الأشرفية
بالجبل، وكان في آخره عين الحنابلة، وألف مؤلفات حسنة، منها ((نظم المفردات))
سَمَّاه ((النَّظم المفيد الأحمد في مفردات الإِمام أحمد)» واقترح عليه صاحب
مجد الدِّين عمل مؤلّف على نمط ((عنوان الشرف)) لابن المُقْري(٣) فعمل قطعة
نظما أولها:
(١) تحرفت في ((ط)) إلى (الوراد)).
(٢) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٢٩٠/٧) و((الضوء اللامع)) (١٨٧/٨) و((السحب الوابلة)) ص (٤١٨).
(٣) هو إسماعيل بن أبي بكر بن عبدالله بن إبراهيم الشرجي الحسيني الشاوري اليمني، المعروف بابن =
٢١٥

أَشَارَ المَجْدُ مُكْتَمِلِ المَعَانِي بِأَنْ أَحْذُو على حَذْوِ اليَماني
وتوفي مغرب ليلة الأحد سابع عشري ذي القعدة.
• وفيها كمال الدِّين أبو البركات محمد بن أبي السّعود محمد بن حسين بن
علي بن ظهيرة المخزومي المكّ الشافعي قاضي مكة(١).
ولد سنة خمس وستين وسبعمائة، وأحضر في سنة سبع وستين على العزّ بن
جَمَاعة، وسمع من غير واحد، وولي قضاء مكة، ونظر الأوقاف بها والرّبط، وباشر
ذلك، ثم عزل، واستمرَّ معزولاً إلى أن توفي بمرض ذات الجنب ليلة الخميس
ثالث عشر ذي الحجّة ودفن صبيحتها بالمَعْلَاة، وخلّف عدة أولاد صغار. قاله في
(المنهل)).
• وفيها شمس الدِّين أبو عبدالله محمد بن محمد بن عبادة السّعدي(٢)
الأنصاري الحنبلي قاضي قضاة دمشق.
أخذ عن ابن رجب، وابن اللّحام، وكان فرداً في زمنه في معرفة الوقائع
والحوادث، استقلّ بقضاء دمشق بعد وفاة ابن المُنجَّى، وكانت وظيفة القضاء دُولاً
بينه وبين القاضي عزّ الدِّين ناظم المفردات، إلى أن لحق بالله تعالى ليلة الخميس
خامس رجب وله خمسون سنة.
• وأما ولده قاضي القضاة شِهَاب الدِّين أبو العبّاس أحمد فولد في صفر سنة
ثمان وثمانين وسبعمائة، وكان من خيار المسلمين، كثير التَّلاوة لكتاب الله العزيز
ناب لأبيه في القضاء، ثم استقلَّ بعد وفاة والده في ربيع الأول سنة إحدى
وعشرين، ثم عُزل في صفر سنة ثلاث وعشرين، ثم عرض عليه المنصب مراراً
فلم يقبله، وحصلت له الراحة الوافرة إلى أن توفي، ودفن عند والده بالروضة قريباً
من الشيخ موفق الدِّين ولم أطلع على تاريخ وفاته.
= المقري، عالم باحث من أهل اليمن. مات سنة (٨٣٧ هـ). انظر ((بغية الوعاة)) (٤٤٤/١) و ((كشف
الظنون)) (١١٧٥/٢) و((الأعلام)) (٣١٠/١ - ٣١١).
(١) ترجمته في ((الضوء اللامع)) (٧٧/٩) و((العقد الثمين)) (٢٨٧/٢) و((الدليل الشافي)) (٧٠١/٢).
(٢) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٢٩١/٧) و((الضوء اللامع)) (٨٨/٩) و((المقصد الأرشد)) (٤٩١/٢).
٢١٦

• وفيها شرف الدِّين نُعمان بن فخر بن يوسف الحنفي(١).
ولد سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة، وكان والده عالماً، فأخذ عنه، وقدم
دمشق، وجلس بالجامع بعد اللَّنك للأشغال، ودرَّس في أماكن، وكان ماهراً في
الفقه، بارعاً في ذلك.
مات في شعبان. قاله ابن حجر، والله أعلم.
*
(١) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٢٩٣/٧) و((الضوء اللامع)) (٢٠١/١٠).
٢١٧

سنة إحدى وعشرين وثمانمائة
• فيها كما قال بُرهان الدِّين البُقَاعي: ومن خطّه نقلت في ليلة الأحد تاسع
شعبان أوقع ناس من قريتنا خربة(١) روحا من البقاع يقال لهم بنو مُزَاحم بأقاربي
بني حسن من القرية المذكورة، فقتلوا تسعة أنفس، منهم أبو عمر بن حسن
الرّباط بن علي بن أبي بكر، وأخواه محمد سويد شقيقه وعلي أخوهما لأبيهما،
وضُربت أنا بالسيف ثلاث ضربات إحداها في رأسي فجرحتني، وكنت إذ ذاك ابن
اثنتي عشرة سنة، فخرجنا من القرية المذكورة واستمرّينا ننقل في قرى وادي التَّيم
والعرقون وغيرهما، إلى أن أراد الله تعالى بإقبال السعادتين الدّنيوية والأخروية،
فنقلني جَدِّي لأمي علي بن محمد السَّليمي إلى دمشق، فجودت القرآن وجددت
حفظه، وأفردت القرآآت وجمعتها على بعض المشايخ، ثم على الشَّمسِ بن
الجَزَري لما قدم إلى دمشق سنة سبع وعشرين وثمانمائة، واشتغلت بالنَّحو،
والفقه، وغيرهما من العلوم، وكان ما أراد الله من التنقل في البلاد والفوز بالعزِّ
والحجّ أدام الله نِعَمَهُ آمين، ومن ثمرات ذلك أيضاً الإِراحة من الحروب والوقائع
التي أعقبتها هذه الواقعة، فإنها استمرَّت أكثر من ثلاثين سنة، ولعلها زادت على
مائة وقعة، كان فيها ما قاربت القتلى فيه ألفاً. انتهى بحروفه.
• وفيها توفي القاضي شِهَاب الدِّين أحمد بن علي بن أحمد القَلْقَشَندي
الشافعي(٢) نزيل القاهرة.
(١) في ((ط)): ((خرجت)) وهو خطأ والصواب ما جاء في ((آ)) وخربة روحا تابعة مدراشيا. انظر ((قاموس
لبنان)» لوديع نقولا حناص (٩٥).
(٢) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٣٣٠/٧) و((الضوء اللامع)) (٨/٢).
٢١٨

تفقه، ومَهَرَ، وتعانى الأدب، وكتب في الإِنشاء، وناب في الحكم، وكان
يستحضر ((الحاوي)) وكتب شيئاً على ((جامع المختصرات)) وصنَّف كتاباً حافلاً سَمَّاه
((صبح الأعشى في معرفة الإِنشا))(١). وكان مستحضراً لأكثر ذلك، وصنَّف غير
ذلك، وكان مفضالاً، وقوراً في الدول إلى أن توفي ليلة السبت عاشر جمادى
الآخرة عن خمس وستين سنة.
● وفيها بدر الدِّين أبو عمر حسين بن علي بن محمد بن داود البَيْضَاوي
الأصل المكّي، المعروف بالزَّمْزَمي(٢).
ولد قبل السبعين وسبعمائة، وأجاز له الصَّلاح بن أبي عمر، وابن أميلة،
وحسن بن الهبل، وجماعة من قادمي مكّة، واشتغل بالعلم، ومَهَرَ في الفرائض
والحساب، وفاق الأقران في معرفة الهيئة والهندسة، وحَدَّث باليسير.
وتوفي في ذي الحجّة.
· وفيها صلاح الدِّين وغرس الدِّين أبو الصَّفا خليل بن محمد (٣ بن
محمد٣) بن عبد الرحمن الأقفهسي المصري(٤) المُحَدِّث الحافظ.
ولد سنة ثلاث وستين وسبعمائة تقريباً، واشتغل بالفقه قليلاً وبالفرائض
والحساب والأدب، ثم أحب الحديث، فسمع بنفسه من غرس الدِّين المليجي،
وصلاح الدِّين البلبيسي، وصلاح الدِّين الزَّفتاوي، وغيرهم، ثم حجَّ سنة خمس
وتسعين، وجاور، فسمع بمكة من شيوخها، ثم قدم دمشق سنة سبع وتسعين
للسماع، فسمع من ابن الذّهبي وغيره، وأكثر عن ابن العزّ، وسمع الكثير.
(١) وهو من خيرة الكتب المصنفة في المعارف العامة في عصر المؤلف، وقد طبع في مصر منذ سنوات
طويلة، وصورت طبعته من بعد ذلك عدة مرات ، واختصره الأستاذ عبد القادر زكار في خمسة أجزاء
صغيرة أصدرتها وزارة الثقافة بدمشق ضمن سلسلة المختار من التراث العربي.
(٢) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٣٣١/٧ - ٣٣٢) و((الضوء اللامع)) (١٥١/٣) و((العقد الثمين))
(٢٠٥/٤).
(٣ -٣) ما بين الرقمين سقط من ((آ)).
(٤) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٣٣٢/٧) و((الضوء اللامع)) (٢٠٢/٣).
٢١٩

قال ابن حجر: ثم قدم إلى مصر سنة ثمان وتسعين فلازمنا في الأسمعة،
وسافر صحبتي إلى مكة في البحر، فجاور بها، ثم رحل إلى دمشق مرة ثانية، فأقام
بها، ورافقني في السماع في سنة اثنتين وثمانمائة بدمشق، ورجع معي إلى
القاهرة، ثم حجَّ سنة أربع، وجاور سنة خمس، فلقيته في آخرها مشمراً على ما
أعهده من الخير، والعبادة، والتخريج، والإِفادة، وحسن الخُلُق، وخدمة
الأصحاب، واستمر مجاوراً إلى أن خرج إلى المدينة وتوجه في ركب العراق، ثم
ركب البحر إلى كَنْبَايَة(١) من بلاد الهند، ثم رجع إلى هرمز، ثم جال في بلاد
المشرق، فدخل هَرَاة، وسَمَرْقَند، وغيرها، وقد خرَّج لشيخنا مجد الدِّين الحنفي
((مشيخة)) ولشيخنا جمال الدِّين بن ظَهِيرَة ((مُعجماً) وخرَّج لنفسه ((المتباينات))
فبلغت مائة حديث، وخرَّج أحاديث الفقهاء الشافعية، ونظم الشعر.
وتوفي بيزد، خرج من الحمام فمات فجأة. انتهى.
• وفيها سعد الله بن سعد بن علي بن إسماعيل الهَمْدَاني الحنفي(٢).
قدم حلب مع والده وهو شاب، واشتغل بالعلم، وتفقّه، ومَهَرَ، ودرَّس في
حلب بمدارس منها، فاتفق أن فَجَأهُ الموت في رابع جمادى الأولى وأسف الناس
عليه .
• وفيها عبدالله بن إبراهيم بن أحمد الحَرَّاني ثم الحلبي الحنبلي (٣).
كان يذكر أنه من ذُرِيَّة ابن أبي عَصْرُون، وكان شافعي الأصل، وولي قضاء
الثّغر شافعياً، وكانت له وظائف في الشافعية، ثم انتقل حنبلياً، وولي قضاء
الحنابلة بحلب.
قال القاضي علاء الدِّين في ((تاريخ حلب)): كان حسن السيرة، ولي
القضاء، ثم صُرِفَ، ثم أعيد مراراً ثم صرف قبل موته بعشرة أشهر، فمات في
شعبان .
(١) انظر ((أحسن التقاسيم)) للمقدسي ص (٣٥٩ و ٣٦٥) طبع دار إحياء التراث العربي ببيروت.
(٢) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٣٣٤/٧) و((الضوء اللامع)) (٢٤٧/٣).
(٣) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٣٣٤/٧) و((الضوء اللامع)) (٢/٥) و((السحب الوابلة)) ص (٢٤٦).
٢٢٠