Indexed OCR Text
Pages 161-180
● وفيها يحيى بن محمد بن حسن بن مَرْزُوق المَرْزُوقي الجِبْلي - بكسر الجيم وسكون الباء الموحدة - اليماني الشافعي (١). تفقه على رضي الدِّينِ بن أبي داود، وسمع من علي بن شَدَّاد، واشتغل كثيراً، وكان عابداً، دَيِّناً خَيِّراً (٢)، يتعانى السّماعات على طريق الصّوفية ويجتمع الناس عنده لذلك. توفي في جمادى الآخرة وقد بلغ ثمانين سنة. (١) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٤٥/٧) و((الضوء اللامع)) (٢٤٧/١١). (٢) في ((ط)): ((خيّراً ديّناً). ١٦١ سنة خمس عشرة وثمانمائة • فيها تسلطن شيخ المحمودي، ولُقِّب بالمؤيد، وكُنّي بأبي نصر، وذلك بعد خلع النّاصر وسلطنة المستعين الخليفة وخلعه، وقتل الناصر فرج. ● وفيها توفي إبراهيم بن أحمد بن حسين الموصلي المالكي(١). تفقّه واحترف بتأديب الأطفال بالقاهرة، ثم حجَّ وجاور، وسلك طريق الورع والنّسك، وصار يتكسَّب بالنسخ، ويحجُّ ماشياً، وكان غايةٌ في الورع والتّحري. مات في عشر التسعين. · وفيها شِهَاب الدِّين أبو العبَّاس أحمد بن إسماعيل بن خليفة بن عبد العال قاضي القضاة الدمشقي الشافعي، المعروف بابن الحسباني (٢). ولد سنة ثمان وأربعين وسبعماية. قال المقريزي: وتفقّه بأبيه وغيره، وسمع من أصحاب الفخر، وطلب بنفسه فأكثر جداً بدمشق والقاهرة، ولم يزل يسمع حتى سمع من هو دُونَ شيوخه، مع ذكاءٍ وتَفَنَّن، وكتب تفسيراً أجاد فيه لو كمل، وعَلّق على ((الحاوي)) في الفقه شرحاً، وخُرَّج أحاديث ((الرَّافعي)) وشرح ((ألفية ابن مالك)) في النحو، وناب في الحكم بدمشق مدة، ثم ولي قضاء القضاة بها غير مَرَّة فلم تحمد سيرته، وكان (١) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٧٨/٧) و((الضوء اللامع)) (١٣/١). (٢) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٧٨/٧) و((الضوء اللامع)) (٢٣٧/١) و((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (٩/٤) و((الدارس في تاريخ المدارس)) (١٦٤/١). ١٦٢ لا يزال يخرج على السلطان ويترامى على الشّرِّ، ويلج في مضايق الفتن حُبّاً في الرئاسة. انتهى كلام المقريزي. وعدّه ابن ناصر الدِّين في الحُفَّاظ وأثنى عليه(١). وتوفي بدمشق في يوم الأربعاء عشر ربيع الآخر عن خمس وستين سنة وسبعة أشهر وأيام . • وفيها شِهَاب الدِّين أحمد بن رضي الدِّين أبي بكر بن موفق الدِّين علي بن محمد النّاشري الزّبيدي اليمني الشافعي(٢). قال ابن حجر في ((أنباء الغمر)): عُني بالعلم، وبَرَعَ في الفقه، وشارك في غيره، وتخرَّج به أهل بلده مدة طويلة، وولي قضاء زبيد، فراعى الحقّ في أحكامه فتعصبوا عليه فعزل، وانتهت إليه رئاسة الفتوى ببلده، وكان شديد الحطّ على صُوفية زَبيد المنتمين إلى كلام ابن العربي، وكان يستكثر من كلام من يرد عليه، فجمع من ذلك شيئاً كثيراً في فساد مذهبه ووهاء عقيدته، اجتمعت به بزَبيد ونِعْمَ الشیخ كان. مات في خامس عشري المحرم وقد جاوز السبعين. انتهى. · وفيها شِهَاب الدِّين أحمد بن محمد بن عِمَاد بن علي المِصْري ثم المقدسي الشافعي الفَرَضي الحاسب ابن الهائم(٣). ولد سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة، واشتغل بالقاهرة، وحَصَّل طرفاً صالحاً من الفقه، وعني بالفرائض والحساب، حتّى فاق الأقران، ورحل إليه النَّاس من الآفاق، وصنّف التصانيف النَّفعة في ذلك، ودرَّس بالقدس في أماكن، وناب عن القمني في تدريس الصَّلاحية مدة، فلما قدم نوروز القدس في هذه السنة لملاقاة (١) وذلك في ((التبيان شرح بديعة البيان)) (١٩٤ /ب) حيث قال فيه: وكان أحد العلماء الحفّاظ النّقاد. (٢) ترجمته في (إنباء الغمر)) (٨٠/٧) و((الضوء اللامع)) (٢٥٧/١) و((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (٨/٤). (٣) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٨١/٧) و((الضوء اللامع)) (١٥٧/٥) و((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (١٧/٤) و((البدر الطالع)) (١١٧/١). ١٦٣ زوجته بنت الظَّاهر قُرِّر الهَرَوي في الصَّلاحية ثم قسمها بينه وبين ابن الهائم لقيام أهل البلد معه، وسمع منه ابن حجر. وتوفي في بيت المقدس في جمادى الآخرة. ● وفيها تغري بردي بن عبدالله - ومعنى تغري بردي بلغة التتار الله أعطى - الظاهري(١) نائب الشام. قال ولده في ((المنهل الصَّافي)): كان والدي رُوميّ الجنس، اشتراه الملك الظّاهر بَرْقُوق في أوائل سلطنته تقريباً وأعتقه، وجعله في يوم عتقه خازكياً، ثم صار ساقياً، وأنعم عليه فجعله رأس نوبة الجمدارية، وتنقلت به الأحوال إلى أن ولي نيابة دمشق غير مَرَّة. وقال ابن حجر: ولي نيابة حلب فسار فيها سيرة حسنة، وأنشأ بها جامعاً، ثم ولي نيابة دمشق. قال القاضي علاء الدِّين في ((تاريخه)): كان عنده عقل وحياء وسكون، حليماً، عاقلاً، مشاراً إليه بالتعظيم في الدول، وكان جميلاً، حسن الصُّورة جداً، وكان يلهو لكن في سترة وحشمة وأفضال، والله يسمح له. انتهى. وقال ولده: استقرَّ في نيابة دمشق ثالث مرة على كُره منه، وذلك سنة ثلاث عشرة وثمانمائة. وتوفي والياً لها(٢) يوم الخميس سادس عشر المحرم، وصلّى عليه الملك النّاصر فرج لأنه كان يومئذ في دمشق، وشهد دفنه يوم الجمعة بتربة الأمير تنم نائب الشام بميدان الحصا، ثم قتل الناصر بعد أيام في صفر من السنة المذكورة، وخَلّف والدي عشرة أولاد ستة ذكور وأربع إناث، وخلّف أموالاً كثيرة استولى عليها الملك النّاصر فرج، منها ألف مملوك إلا ثلاثين مملوكاً. ● وفيها جار الله بن صالح بن أحمد بن عبد الكريم الشَّيباني المَكِّي (٣). (١) ترجمته في (إنباء الغمر)) (٨٣/٧) و((الضوء اللامع)) (٢٩/٣) و((الدليل الشافي)) (٢١٥/١ -٢١٦). (٢) في ((ط)): ((والياً بها)). (٣) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٨٤/٧) و((الضوء اللامع)) (٥٢/٣). ١٦٤ سمع على تاج الدِّين ابن بنت أبي سعد، ونور الدِّينِ الهَمْدَاني، وعزّ الدِّين ابن جَمَاعة، وشِهَابِ الدِّين الهَكّاري، وحَدَّث عنهم. قال ابن حجر: قرأت عليه أحاديث من ((جامع الترمذي)) بمدينة يَنْبُع، وكان خَيّراً عاقلاً. مات في هذه السنة. وهو الذي قال فيه صدر الدِّين بن الآدمي البيتين المشهورين وسنذكرهما في ترجمته. انتهى . • وفيها رقية بنت العَفِيف عبد السَّلام بن محمد بن مَزْرُوع المدنية(١). حدَّثت بالإِجازة عن شيوخ مصر والشام كالختني، وابن المِصْري، وابن سَيِّد النَّاس من المصريين، والمِزّي وغيره من الشاميين. وتوفيت عن سبع وثمانين سنة. وفيها طَيبغا (٢) الشّريفي عتيق الشّريف شِهَاب الدِّين(٣)، نقيب الأشراف بحلب. قال القاضي علاء الدِّين في ((تاريخه)): سمع من أولاد مولاه من الجمال بن الشِّهَاب محمود، وتعلّم الخطّ معهم ففاق في الخطّ الحسن، وكتب الناس عليه، واستقرَّ في وظيفة تعليم الخطّ بالجامع الكبير، وتسمى عبدالله، وأجلسه الكمال بن العديم مع الشهود العدول، وفَرَّ في الكائنة العظمى إلى القاهرة، فأقام بها مدة، وحَدَّث بها، وعلّم الخطّ. كتبت عليه بحلب، وقرأت عليه الحديث بالقاهرة في سنة ثمان وثمانمائة. وتوفي في آخر هذه السنة. انتهى. · وفيها عائشة بنت علي بن محمد بن عبد الغني بن منصور الدمشقية (٤). (١) ترجمتها في ((إنباء الغمر)) (٨٠/٧) و((الضوء اللامع)) (٣٦/١٢) و((أعلام النساء)) (٤٥٤/١). (٢) في ((آ)) و((ط): ((طنبغا) وهو تصحيف والتصحيح من مصدري الترجمة. (٣) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٨٦/٧) و((الضوء اللامع)) (١٣/٤). (٤) ترجمتها في ((إنباء الغمر)) (٧٨/٧) و((الضوء اللامع)) (٧٧/١٢) و((أعلام النساء)) (١٨٠/٣). ١٦٥ سمعت مع زوجها الحافظ شمس الدِّين الحَسَني من ابن الخَبَّاز، والمرداوي، ومن بعدهما، وحَدَّثت. وتوفيت في رمضان عن بضع وستين سنة. • وفيها جمال الدِّين عبدالله بن محمد بن طَيْمَان - بفتح الطاء المهملة وسكون الياء التحتانية - المصري الطَّيْمَاني الشَّافعي(١)، نزيل دمشق. ولد قبل السبعين وسبعمائة بيسير، وحفظ ((الحاوي الصغير)) ولازم البُلقيني، وعزّ الدِّين ابن جَمَاعة، واشتغل بالقاهرة، ونبغٍ في الفقه، وشارك في الفُنون، ثم نزل دمشق، وأفتى، ودرَّس، وكان يلبس قريباً من زي التُّرك، وكان ذكياً مَاهراً لا يتكلم إلّ مُعْرِباً، ويتعانى طريق الصُّوفية، وكان يتردد إلى دمشق بسبب وقف له، وحضر عند شيوخها، وشهدوا له بالتقدم في الفقه. وأقام بدمشق يفتي، ويشغل، ويصنّف، ويدرِّس، وشرع في جمع أشياء لم تكمل، واختصر شرح الشيخ شرف الدِّين الغزي على ((المنهاج)) ولخص من كلام الأذرعي وغيره أشياء، على ((المنهاج)) لم تشتهر لغلاقة لفظه واختصاره، وأثنى عليه ابن حجي، وأخبر أنه أخذ عنه، وقتل بمنزله بالتعديل في الفتنة التي بين الناصر وغرمائه في صفر عن نحو سبع وأربعين سنة، ودفن بمقابر الحميرية (٢) بالقرب من قبر عاتكة إلى جانب الشيخ الزّاهد علي بن أيوب، رحمهما الله تعالى. • وفيها سِرَاج الدِّين عمر بن عبدالله الهندي، المعروف بالفَافَا (٣) (٤ بفاءين، لُقِّب بذلك لكثرة نطقه بالفاء٤». قال ابن حجر: كان عارفاً بالفقه والأصول والعربية، أقام بمكة أزيد من أربعين سنة، فأفاد الناس في هذه العلوم. (١) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٧٨/٧) و((الضوء اللامع)) (٥٠/٥) و((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (٢٨/٤) و((الدارس في تاريخ المدارس)) (٢٥٦/١). (٢) في ((آ)): ((الحمرية)) وفي ((ط)): ((الحموية)) وما أثبته من ((الدارس في تاريخ المدارس)). (٣) ترجمته في ((إنباء الغمر) (٨٩/٧) و((الضوء اللامع)) (٩٨/٦). (٤ - ٤) ما بين الرقمين لم يرد في ((ط)). ١٦٦ ومات في ذي الحجّة عن سبعين سنة. • وفيها الملك النّاصر فرج بن بَرْقُوق بن أنس(١). ولد سنة إحدى وتسعين وسبعمائة، وسمَّاه أبوه بلغاق، ثم سَمَّاه فرجاً، وأجلس على التخت يوم الجمعة نصف شوال سنة إحدى وثمانمائة بعهد من أبيه وعمره عشر سنين وستة أشهر، وقتل بمصر سلطاناً ليلة السبت سادس عشر صفر. · وفيها زين الدِّين أبو الخير محمد بن زيد الدِّين أبي الطَّاهر أحمد بن جمال الدِّين محمد بن الحافظ مُحبِّ الدِّين عبدالله الطَّري(٢). سمع من الفخر القُونوي، وابن بنت سعد، وابن جَمَاعة، والعلائي، وأجاز له أحمد بن علي الجَزَري، وابن القَمّاح، وابن عالي، والمستوري، وغيرهم. وتفرَّد بإجازة الجَزَري بمكّة، وحَدَّث بأشياء كثيرة بالإِجازة عن جَمَاعة من المصريين والشَّاميين، وبَرَعَ في العلم، وعُرِفَ بالمُروءةَ. وتوفي في رمضان. • وفيها بهاء الدِّين أبو حامد محمد بن أبي الطَّيب أحمد بن بهاء الدِّين محمد بن علي بن سعيد بن(٣) إمام المشهد الشافعي ظناً. ولد سنة سبع وستين وسبعمائة، وأحضره أبوه وأسمعه على بعض (٤) أصحاب الفخر، وابن القَواس، ونحوهم. وتوفي أبوه وهو صغير، فأدّبه رجل أعمى، وبَرَع من(٥) صباه، وكان صحيح الفَهم، دَيناً، عاقلاً، نشأ نشأة حسنة، وأفتى، ودرَّس، وعرض عليه حموه شِهَاب الدِّين الحُسْبَانِي النِّيَابَة في الحكم فامتنع. (١) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٨٩/٧) و((الضوء اللامع)) (١٦٨/٦) و((الدليل الشافي)) (٥٢٠/٢). (٢) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٩٠/٧) و((الضوء اللامع)) (٤٦/٧). (٣) ترجمته في (إنباء الغمر)) (٩٠/٧) و((الضوء اللامع)) (٤٦/٧). (٤) لفظة ((بعض)) سقطت من ((ط)). (٥) في ((ط)): ((في). ١٦٧ وتوفي في ذي القعدة بعلّة الاستسقاء. • وفيها جمال الدِّين محمد بن الحسن بن عيسى بن محمد بن أحمد بن مسلم المَكِّي الحَلْوي(١) - بفتح المهملة وسكون اللام، نسبة إلى حَلْي كظبي مدينة باليمن، المعروف بابن العَليف - بمهملة ولام وفاء مصغر -. ولد بحلي سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة، ونزل بمكّة، وسمع من العزّ بن جَمَاعة، وكان غالياً في التشيُّع وتعانى النَّظمِ فمهر فيه وفاق أقرانه إلّ أنه كان عريض الدّعوى ومدح ملوك اليمن، وأمراء مكّة، ويَنْبُع، وانقطع إلى حسن بن عجلان بمكّة. ومن مدائحه في النَّاصر لدين الله صَلاح الدِّين بن علي بن محمد صاحب صنعاء: كبروجٍ من النّجوم خَوالي جَادَك الغَيْثُ مِن طُلُولٍ بوالي (٢) بيضُ أيامها وسودُ الليالي فَقَدَتْ بِيضَ أَنسها فتساوى حالُها بعدُ من أحبّ وحالي قاسمتني وجدي بها فتساوى وهي طويلة. وله فيه من أخرى: لم يبقَ بعدك منهمُ إلا قَفَا يا وجه آلٍ محمّدٍ في وقته كتبَ العلوم لكنتَ فيها المُصْحَفا يا ابنَ النَّبِيِّ لكُنتَ فيها يُوسفَا لو كانتِ الأشرافُ آل محمدٍ أو كانتِ الأسباط آل محمد وتوفي في سابع رجب. • وفيها جمال الدِّين محمد بن محمد بن محمد بن علي بن أحمد البعلبكي المعروف بابن اليوناينة (٣). (١) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٩١/٧) و((العقد الثمين)) (٤٧١/١). (٢) لفظة ((بوالي)) سقطت من ((آ)). (٣) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٩٤/٧) و((الضوء اللامع)) (١٤٥/٩). ١٦٨ ولد أول سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة، وسمع الحديث، وقرأ، ودرَّس، وأفتى، وشارك في الفضائل، وكان عارفاً بأخبار أهل بلده. (١ وهو ابن أخي الشيخ شمس الدِّين البعلبكي. قاله ابن حجر١). • وفيها محبّ الدِّین أبو الوليد محمد بن محمد بن محمد بن محمود بن غازي ابن أيوب بن الشّحنة محمود (٢) والشّحنة جدُّه الأعلى محمود، الشهير بابن الشّحنة التّركي الأصل الحلبي (٣) الحنفي. ولد سنة تسع وأربعين وسبعمائة، وحفظ القرآن العظيم وعدة متون، وتفقه، ويَرَعَ في الفقه، والأصول، والنحو، والأدب، وأفتى، ودرَّس، وتولى قضاء قضاة الحنفية بحلب، ثم دمشق، إلى أن قَبَضَ عليه الظّاهر بَرْقُوق في سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة، وقدم به إلى القاهرة، ثم أفرج عنه، ورجع إلى حلب فأقام بها إلى أن قبض عليه الملك الناصر فرج سنة ثلاث عشرة وثمانمائة لقيامه مع جماعة على الناصر، ثم أفرج عنه، فقدم القاهرة، ثم عاد إلى دمشق صحبة الملك الناصر المذكور سنة أربع عشرة وثمانمائة، فلما انكسر الناصر وحوصر بدمشق ولاه قضاء الحنفية بالقاهرة فلم يتمّ لأنه لما أزيلت دولة الناصر أعيد ابن العديم لقضاء الدِّيار المصرية، واستقرَّ ابن الشّحنة في قضاء حلب وأعطى تداريس بدمشق. قال ابن حجر كان كثير الدعوى والاستحضار، عالي الهمّة، وعمل تاريخاً لطيفاً فيه أوهام عديدة، وله نظم فائقٌ وخط رائق. ومن نظمه : سٍ مِنْ وَصْفِ المُدَامة فِكًا سَاقَ المدامَ فَكُلٌ مَا فِي النَّا في مُقْلَتَيْكَ وَوَجْنَيْكَ وَفِيَكًا فِعلُ المدامِ ولَونُها وَمَذَاقُهَا (١ -١) ما بين الرقمين سقط من ((ط)). (٢) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٩٥/٧) و((الضوء اللامع)) (٣/١٠). (٣) لفظة ((الحلبي)) لم ترد في ((آ). ١٦٩ وله : همّي لا أعرف كيف الطَّريقْ أسيرُ بالجَرعى أسيراً ومِنْ وفوقَ سَفْحِ الخَدّ وادي العَقيقْ في مُنحنى الأضْلُعِ وادي الغَضَا انتھی . وقال القاضي علاء الدِّين في ((ذيل تاريخ حلب)): وله ((ألفية رجز)) تشتمل على عشرة علوم، و((ألفية)) اختصر فيها منظومة النّسفي وضم إليها مذهب أحمد. وله تآليف أخرى في الفقه، والأصول، والتفسير. انتهى. وتوفي بحلب يوم الجمعة ثاني عشر ربيع الآخر. • وفيها شَرَفُ الدِّينِ مَسْعُود بن عمر بن محمود بن أنمار الأنطاكي النَّحوي(١)، نزیل دمشق. قدم إلى حلب، وقد حَصَّل طَرفاً صالحاً من العربية، ثم قدم دمشق، فأخذ عنِ الصَّفَدي، وابن كثير، وغيرهما، وتقدم في العربية، وفاق في حُسن التّعليم حتَّى كان يُشارط عليه إلى أمد معلوم بمبلغ معلوم، وكان يكتب حسناً وينظم جيداً، وكان يتعانى الشّهادة ولو لم يكن بالمحمود فيها، وكان مَزَّاحاً قليل التَّصوُّن. مات في تاسع شعبان وهو في عشر الثمانين. قاله ابن حجر. (١) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (٩٨/٧) و((الضوء اللامع)) (١٥٧/١٠). ١٧٠ سنة ست عشرة وثمانمائة ● في ربيعها الأول ظهر الخارجيّ الذي ادعى أنه السُّفْيانيّ، وهو رجل عجلونيُّ يُسمّى عثمان بن ثقالة، اشتغل بالفقه قلیلا بدمشق، ثم قدم عجلون فنزل بقرية الجَيْدُور(١) ودعا إلى نفسه، فأجابه بعض الناس، فأقطع الإِقطاعات، ونادى أن مُغل هذه السنة مسامحة، ولا يؤخذ من أهل الزراعة بعد هذه السنة التي سُومح بها سوى العُشر، فاجتمع عليه خلق كثير من عرب، وعشير، وترك، وعمل له ألوية خضراء، وسار إلى وادي إلياس، وبث كتبه إلى النّواحي ترجمتها بعد البسملة: [من] السُّفْياني إلى حضرة فلان، أن يجمع فرسان هذه الدولة السُّلطانية الملكية الإِمامية الأعظمية الربّانية المُحمدية السُّفيانية، ويحضر بخيله ورجاله مهاجراً إلى الله ورسوله، ومقاتلًا في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العُليا، فسار عليه في أوائل ربيع الآخر غانم الغَزَّاوي، وجهز إليه طائفة، وطرقوه وهو بجامع عجلون، فقاتلهم فقبضوا عليه وعلى ثلاثة من أصحابه، فاعتقل الأربعة، وكتب إلى المؤيد بخبره فأرسلهم إلى قلعة صرخد(٢). • وفيها توفي إبراهيم بن أحمد بن خضر الصَّالحي الحَنَفي(٣). ولد في رمضان سنة أربع وأربعين وسبعمائة، واشتغل على أبيه، وناب في القضاء بمصر، ودرَّس وأفتى، وولي إفتاء دار العدل، وكان جريئاً مِقْدَاماً، ثم ترك الاشتغال بأخرةٍ وافتقر. ٠ (١) في ((معجم البلدان)) (١٩٧/٢): الجيدور: كورة من نواحي دمشق فيها قرى، وهي في شمالي حوران، ويقال: إنها والجولان كورة واحدة. (٢) قاله الحافظ ابن حجر في ((إنباء الغمر)) (١٠٦/٧ - ١٠٧). (٣) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (١١٨/٧) و((الضوء اللامع)) (١٣/١). ١٧١ وتوفي في ربيع الأول، وكانت وفاة أبيه سنة خمس وثمانين وسبعمائة. • وفيها بُرهان الدِّين أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن بُهَادر بن أحمد الشَّافعي الغَزِّي القُرشي النَّوفَلي، الشهير بابن زُقَّاعة (١) - بضم الزاي، وفتح القاف المشدّدة، وألف، وعين مهملة، وهاء -. قال في ((المنهل)): كان إماماً بارعاً مُفَنَّنَاً في علوم كثيرة لا سيما معرفة الأعشاب، والرياضة، وعلم التصوف. مولده سنة أربع وعشرين وسبعمائة على الصحيح. قال المقريزي: عانى صناعة (٢) الخياطة، وأخذ القراءات عن الشيخ شمس الدِّين الحكري، والفقه عن بدر الدِّين القُونوي، والتّصوف عن الشيخ عمر حفيد الشيخ عبد القادر، وسمع الحديث من نور الدِّين على الفُوِّي، وقال الشعر، ونظر في النجوم وعلم الحرف، وبَرَعَ في معرفة الأعشاب، وساحٍ في الأرض، وتجرَّد وتَزَهّد فاشتهر ببلاد غَزَّة، وعُرف بالصَّلاحِ. انتهى اختصاراً. قلت: بالجملة كانت رئاسته في علوم كثيرة، وله حظّ وافر(٣) عند ملوك مصر، ونال من الحُرْمة والوجاهة ما لم ينله غيره من أبناء جنسه، فإنه کان یجلس فوق قُضاة القُضاة. ومن شعره اللّطيف: سُحَيراً بعرف البان والرّند والآسِ ومِنْ عجبي أن النَّسيمَ إذا سَرَى فيخطرُ لي أن الأحبّةَ جُلّسي يُعِيدُ على سمعي حَديثَ أُحِبّتي ومنه أيضاً: مشايخُ علم السّحر عن لحظه رَوَوْا وورديَ خَدّ نرجسيِّ لواحظ من المِسْك فوق الجُلْنار قد التّوَوْا وواواتُ صدغيه حَكَيْنَ عقارباً (١) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (١١٩/٧) و((الضوء اللامع)) (١٣٠/١) و((الدليل الشافي)) (٢٨/١). (٢) في ((آ)): ((صنعة)). (٣) في ((آ)): ((وله حظ زائد)). ١٧٢ ٠ عليها قُلوب العَاشقينَ قَد انكْوَوْا ووجتُهُ الحَمراءُ تَلُوحِ كَجَمْرةٍ لقولٍ حسودٍ والعَواذُلُ إِن عَوَوْا وَوُدِّي له باقٍ ولستُ بِسَامحٍ وكيف وأحشائي على حُبّه انْطَوَوْا ووالله لا أسلو ولو صرتُ رِمّة وتوفي بالقاهرة في ثامن عشر ذي الحجة، ودفن خارج باب النصر انتهى. ما قاله صاحب «المنهل) باختصار. · وفيها شِهَابُ الدِّين أبو العبّاس أحمد بن علاء الدِّين حجّي بن موسى بن أحمد بن سعيد(١) بن غشم بن غَزْوان بن علي بن مَسرور بن تُركي الحُسْبَاني الدمشقي الشافعي(٢) الحافظ، مؤرخ الإِسلام. قال ابن قاضي شهبة في ((طبقاته)): ولد في المحرم سنة إحدى وخمسين وسبعمائة، وحفظ ((التنبيه)) وغيره، وسمع الحديث من خلائق، وأجاز له خلق من بلاد شتَّى، وقرأ بنفسه الكثير، وكتب الكثير، وقد كتب أسماء مشايخه مجرّداً في بعض مجاميعه على حروف المعجم، وأخذ الفقه عن والده، والشيخ شمس الدِّين بن قاضي شهبة، وقاضي القضاة بهاء الدِّين أبي البقاء وغيرهم، واستفاد من مشايخ العصر، منهم الأذرعي، والحُسباني، وابن قاضي الزّبداني، وابن خطيب ببرود، والغَزّي، والقاضي تاج الدِّين السُّبكي، وشمس الدِّين الموصلي، وتخرَّج في علوم الحديث بالحافظين ابن كثير، وابن رافع، وأخذ النحو عن أبي العبّاس العِنَاني وغيره، ودرَّس وأفتى، وأعاد وناب في الحكم، وصنَّف، وكتب بخطّه الحسن ما لا يُحصى كثرةً، فمن ذلك شرح على ((المحرَّر)» لابن عبد الهادي، كتب منه قطعة، وردّ على مواضع من «المهمات)» للإِسنوي، وعلى مواضع من الألغاز له وبيّن (٣) غلطه فيها، وجمع فوائد في علوم متعددة في (١) في ((ط)): ((سعد)) وهو خطأ. (٢) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (١٢١/٧ - ١٢٤) و((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (١٠/٤) و((الضوء اللامع)) (٢٦٩/١) و((الدارس في تاريخ المدارس)) (١٣٨/١). (٣) في ((ط)): ((بین)) من غير الواو. ١٧٣ كراريس كثيرة سَمَّاها «جمع المفترق)» وكتاباً سَمَّاه («الدارس من أخبار المدارس» يذكر فيه ترجمة الواقف وما شرطه، وتراجم من درَّس بالمدرسة إلى آخر وقت، وهو کتاب نفیس یدلَّ على اطلاع کثیر، وقد وقفت علی کراریس منه. وكتب ((ذيلًا))(١) على ((تاريخ ابن كثير)) وغيره، بدأ فيه من سنة إحدى وأربعين يذكر فيه حوادث الشهر، ثم من توفي فيه، وهو مفيد جداً، كتب منه ست سنين، ثم بدأ من سنة تسع وستين فكتب إلى قُبيل وفاته بيسير، وكان قد أوصاني بتكميل الخرم المذكور فأكملته، وأخذت ((التاريخ)) المذكور وزدت عليه حوادث من تواريخ المصريين وغيرهم بقدر ما ذكره الشيخ، وتراجم أكثر من التراجم التي ذكرها بكثير، وبسطت الكلام في ذلك، وجاء إلى آخر سنة أربعين وثمانمائة في سبع مجلدات كبار، ثم اختصرته في نحو نصفه، وقد ولي الشيخ في آخر عمره الخطابة ومشيخة الشيوخ شريكاً لغيره، وانتهت المشيخة في البلاد الشامية إليه، (١) قلت: الذي ترجح عندي بأن الحافظ ابن كثير قد توقف في ((تاريخه)) أول الأمر سنة (٧٣٨ هـ)، ثم تابع التاريخ إلى سنة (٧٧٤ هـ) ويشهد لذلك كلام الحافظ ابن حجر في أول كتابه ((إنباء الغمر)) (٤/١) حيث يقول :... وهذا الكتاب يحسن من حيث الحوادث أن يكون ذيلاً على ذيل التاريخ الحافظ عماد الدِّين ابن كثير فإنه انتهى في ((تاريخه)) إلى هذه السنة. وما كتبه الحافظ السخاوي في أوائل سنة (٧٧٤) حيث قال: وفي أثناء شعبانها انتهى ((تاريخ العماد ابن كثير)) وكان حين ضرره وضعفه يملي فيه على ولده عبد الرحمن. ويبدو بأن النسخة التي كانت محفوظة في المكتبة الأحمدية بحلب من «البداية والنهاية)) والتي اعتمدناها كنسخة أولى في تحقيقنا للكتاب مع طائفة من الأساتذة المحققين في طبعته التي ستصدر عن دار ابن كثير هي نسخة نسخت عن النسخة الأولى المشار إليها، ثم نسخ عن النسخة التامة نسخ أخرى، فقد ثبت بما لا يدع مجالاً للشك بأن الحافظ السخاوي قد نقل عن ((البداية والنهاية)) في كتابه ((الذيل التام على دول الإسلام)) الذي يقوم بتحقيقه صاحبي الفاضل الأستاذ حسن إسماعيل مروة، وأقوم بمراجعته، وقد أنجزنا منه المجلد الأول وهو تحت الطبع الآن، ومعلوم بأن كتاب السخاوي يبدأ بحوادث سنة (٧٤٥ هـ). وأما ما كتبه ابن حجي، وابن قاضي شهبة من التذييل على («البداية والنهاية)) فإنما كان على النسخة الأولى من (((البداية والنهاية)) المتوقفة عند سنة (٧٣٨ هـ) وأنهما لم يطلعا على النسخة الأخرى منه التي تممها ابن كثير بنفسه من الكتاب، والله أعلم، وانظر ما كتبه العلامة الشيخ محمد راغب الطباخ في مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق (٣٧٦/١٨) وما كتبه العلامة الشيخ محمد أحمد دهمان في المجلة المذكورة (٩٠/٢٠) وما بعدها حول هذا الموضوع، والله الموفق لكل خير وصواب. ١٧٤ وكان يكتب على الفتاوى كتابة حسنة، وخطه مليح، وكان يُضرب المثل بجودة ذهنه وحسن أبحاثه، وكان حسن الشكل، ديِّناً، خيِّراً، له أوراد من صلاة وصيام، وعنده أدب كثير وحشمة وحسن معاشرة، وعنه أخذت هذا الفَنَّ، واستفدت منه كثيراً. توفي في المحرم ودفن عند والده على جادة الطّريق. انتهى كلام ابن قاضي شهبة . • وفيها أحمد بن علي بن النَّقيب المقدسي الحنفي(١). قال ابن حجر: ولد سنة إحدى وخمسين وسبعمائة، وتقدم في فقه الحنفية، وشارك في فنون، وكان يؤم بالمسجد الأقصى . · وفيها شِهَاب الدِّين أبو العَبَّاس أحمد بن ناصر بن خليفة بن فرج بن عبدالله بن يحيى بن عبد الرحمن الناصري البَاعُوني الشافعي(٢). قال ابن قاضي شهبة فيه: الشيخ الإِمام العالم المفنّن، قاضي القضاة، خطيب الخطباء(٣)، إمام البلغاء، ناصر الشّرع. ولد بقرية النّاصرة من البلاد الصَّفدية سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة، وحفظ القرآن، وله عشر سنين، وحفظ ((المنهاج)) في مدة يسيرة، ثم ((المنهاج)) للبيضاوي، و((الألفية)) وغير ذلك، وقدم دمشق، وعرض كتبه على جماعة من العلماء، منهم القاضي (٤تاج الدِّين السُّبكي، والمشايخ: ابن خطيب یبرود، وابن قاضي الزَّبداني، وابن قاضي٤) شُهْبَة، وابن الشَّريشي، والزُّهري، وغيرهم. وأخذ عنهم، وسمع الحديث من جماعة من المُسندين، وقرأ النحو على الشيخ أبي عبدالله المالكي، وغيره، ومَهَرَ في ذلك، وكتب الخطّ الحسن، ثم رجع إلى (١) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (١٢٤/٧) و((الضوء اللامع)) (٤٦/٢). (٢) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (١٢٤/٧) و((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (٢٠/٤) و((الضوء اللامع» (٢٣١/٢). (٣) في ((ط)): ((خطيب الخطابة)). (٤ - ٤) ما بين الرقمين سقط من ((آ). ١٧٥ صفد، وقد أُجيز، وأخذ من طلب العلم أربه، فاشتغل بالعلم، وأفتى، وفاق في النَّظم، والنثر، وصحب الفقراء والصَّالحين، ثم توجه إلى الدّيار المصرية، واجتمع بالملك الظّاهر فولاه خطابة بالجامع الأموي، فقدم في ذي القعدة سنة اثنتين وتسعين، ثم لما قدم السلطان في سنة ثلاث وتسعين ولآه القضاء في ذي الحجّة، فباشر بعفّة، ومهابة زائدة وتصميم في الأمور، مع نفوذ لحكمه، وكان يكاتب السلطان بما يريد فيرجع الجواب بما يختاره، وانضبطت(١) الأوقاف في أيامه، وحصل للفقهاء معاليم كثيرة، ودرَّس الفقه والتفسير في مدارس كثيرة، وولي مشيخة الشيوخ، ثم وقعت له أمور أوجبت تغير خاطر السلطان عليه، منها أنه طلب أن يقرضه من مال الأيتام شيئاً فامتنع فعزله بعد ما باشر سنتين ونصفاً، وكشف عليه، وعقدت له مجالس وحصل في حقّه تعصب، ولفّقت عليه قضايا باطلة أظهر الله براءته منها ولم يسمع عنه مع كثرة أعدائه أنه ارتشى في حكم من الأحكام، ولا أخذ شيئاً من قضاة البر كما فعله من بعده من القضاة، ثم ولي خطابة القدس مدة طويلة ثم خطابة دمشق ومشيخة الشيوخ، ثم ولاه الناصر القضاء في صفر سنة اثنتي عشرة وثمانمائة، ولم يمكنه إجراء الأمور على ما كان أولاً لتغير الأحوال واختلاف الدول، ثم صَرَفه الأمير شيخ عند استيلائه على دمشق في جمادى الآخرة من السنة وفي فتنة الناصر، ولي قضاء الدِّيار المصرية مدة الحصار، ثم انتقض، وكان خطيباً بليغاً له اليد الطولى في النّظم والنّثر، مع السُّرعة في ذلك، وكان من أعظم أنصار الحقّ وأعوانه، أعزَّ الله تعالى به الدِّين، وكَفَّ به أكُفَّ المفسدين، وكان ظاهر الدیانة، کثیر البكاء، وکتب الکثیر بخطّه، وجمع أشیاء. انتھی باختصار. وقال ابن حجر: اجتمعت به ببيت المقدس والقاهرة، وأنشدني من نظمه، وسمعت عليه، وهو القائل: وقَالَت عَسىْ غيرِ هَذا عَسىْ ولما رأَتْ شَيبَ رأسي بَكَتْ وإنَّ السّواد لباسُ الأسْ فَقُلْتُ البَيَاضُ لباسُ المُلوك قليلُ النِّفَاقِ بِسُوقِ النِّسا فَقَالتْ صَدَقتَ ولكنَّهُ (١) في ((ط)): ((والضبطت)). ١٧٦ وله في العقيدة قصيدة أولها: أخطا الذي على ما قد بدا جمدوا أَثْبِتْ صِفَات العُلى وَانْفِ الشبيه فَقد فَعَطّلوا وطريق الحقّ مقتصد وضَلّ قوم على التأويل قد عَكفوا انتھی . وتوفي في أوائل المحرم ودفن بسفح قاسيون بحوش زاوية الشيخ أبي بكر بن داود. • وفيها زين الدِّين هو زين الدِّين أبو بكر بن حسين بن عمر بن محمد بن يونس العُثماني المَرَاغِي ثم المِصْري(١) الشافعي، نزيل المدينة. ولد سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، وأجاز له أبو العبّاس بن الشّحنة، فكان آخر من حَدَّث عنه في الدنيا بالإِجازة، وأجاز له أيضاً المِزِّي، والبرزالي، والحجَّار، وآخرون من دمشق، وحماة وحلب وغيرها، وتفرَّد بالرواية عن أكثرهم، وسمع بالقاهرة من جماعة، وخرج له الحافظ ابن حجر أربعين حديثاً عن أربعين شيخاً، وقرأ على الشيخ تقي الدِّين السُّبكي شيئاً من محفوظاته عرضاً قبل أن يلي القضاء ولازم الشيخ جمال الدِّين الأسنوي، وولي قضاء المدينة وخطابتها سنة تسع وثمانمائة، وأخذ عن مُغْلَطاي وغيره من المُحَدِّثين، وشرح المنهاج الفقهي، واختصر ((تاريخ المدينة)) وحصل للمدينة جهات تقوم بحاله، ولازم الأشغال، والتحديث بالروضة الشريفة إلى أن صار شيخها المشار إليه، ثم عزل عن قضائها فتألم لذلك. وتوفي بالمدينة المنورة في ذي الحجّة. ، وفيها رَضي الدِّين أبو بكر بن يوسف بن أبي الفتح العَدَني بن المستأذن(٢). (١) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (١٢٨/٧) و((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (٤/٤) و((الضوء اللامع)) (٢٨/١١). (٢) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (١٢٩/٧) و((الضوء اللامع)) (٩٨/١١). ١٧٧ قال ابن حجر: حجّ كثيراً، وقدم القاهرة، وتعانى النّظر في الأدب، ومَهَرَ في القراءات، وتكلّم على الناس بجامع عدن، وخطب ولم ينجب، سمعت من نظمه، وسمع مني كثيراً. مات وقد جاوز السبعين. انتهى. • وفيها حسام الدِّين حسن بن علي بن محمد الأبيوردي(١) - بفتح الهمزة والواو، وسكون التحتية، وكسر الباء، وسكون الراء - نسبة إلى باورد بلدة بخُرَاسَان، الشافعي الخطيب، نزيل مكة. أخذ عن السعد التّفتازاني وغيره، وبرع في المعقولات، ودخل اليمن، واجتمع بالناصر ففوض إليه تدريس بعض المدارس بتعز فعاجلته المَنِيَّة بها، وصنف ((ربيع الجنان في المعاني والبيان)) وغير ذلك. • وفيها عائشة بنت محمد بن عبد الهادي بن عبد الحميد بن عبد الهادي بن يوسف بن محمد بن قدامة المقدسي الأصل أبوها الصَّالحية (٢) الحنبلية المذهب المُحَدِّثة مُحَدِّثة دمشق. ولدت سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة، وحضرت في أوائل الرابعة من عمرها جميع ((صحيح البخاري)) على مُسْنِدِ الآفاق الحَجَّار، وروت عن خلقٍ، وروى عنها الحافظ ابن حجر، وقرأ عليها كُتباً عديدة، وكانت في آخر عمرها أُسْنَدَ أهل زمانها، مكثرةً سماعاً وشيوخاً. قاله العُلَيمي(٣) في ((طبقات الحنابلة))، وتوفيت في أحد الربيعين ودفنت بالصالحية . قال ابن حجر: تفرّدت بالسّماع من الحجّار، ومن جماعة، وسمع منها (١) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (١٣١/٧) و((الضوء اللامع)) (١١٨/٧). (٢) ترجمتها في ((إنباء الغمر)) (١٣٢/٧) و((الضوء اللامع)) (٨١/١٢) و((المنهج الأحمد)) الورقة (٤٨١) من القسم المخطوط منه و((أعلام النساء)) (١٨٧/٣). (٣) في ((آ)) و((ط)): ((العلموي)) وهو خطأ والصواب ما أثبته فإن المؤلف قد نقل عن ((المنهج الأحمد)). ١٧٨ الرّحالة فأكثروا، وكانت سهلة في الأسماع، سهلة الجانب، ومن العجائب أن ستّ الوزراء كانت آخر من حَدَّثت عن ابن الزَّبيدي بالسّماع، ثم كانت عائشة آخر من حَدَّثت عن صاحبه الحَجَّار بالسَّماع وبين وفاتيهما مائة سنة. • وفيها عبد القوي بن محمد بن عبد القوي المالكي البجائي المغربي(١) الأصل والمولد والمنشأ، نزيل مكة. قال ولده قطب الدِّين أبو الخير، ولد والدي سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة ببجاية من بلاد الغرب، ورحل من بلده وعمره ثمان عشرة سنة، وقدم القاهرة، وحجَّ سنة أربع وستين، ثم عاد إلى القاهرة، ثم حجَّ في سنة سبعين، وقطن بمكة إلى أن مات. وقال الشيخ تقي الدِّين الفاسي: قدم ديار مصر في شبيبته، فأخذ بها عن الشيخ [يحيى الرّهُوني، وغيره من علمائها، وسكن الجامع الأزهر، ثم انتقل إلى مكة، وأخذ بها عن الشيخ] موسى المَرَّاكِشي وغيره، وسمع بها من المُنَاوي، وسعد الدِّين الإِسفرائيني، وغيرهما، ودرَّس بالحرم الشريف، وأفتى باللفظ تورعاً، وكان ذا معرفة بالفقه. قال ابن حجر: تفقه، وأفاد، ودرَّس، وأعاد، وأفتى. وتوفي بمكة في شوال ودفن بالمَعْلَاة. • وفيها فخر الدِّين عثمان بن إبراهيم بن أحمد الشيخ الإِمام البِرْمَاوي(٢) الشافعي، شيخ قُرَّاء مدرسة الظّاهر بَرْقُوق. قال في ((المنهل)): كان إماماً بارعاً في معرفة القراءات، عالماً بالفقه (١) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (١٣٣/٧) و((الضوء اللامع)) (٢٣٠/٤) و((نيل الابتهاج)) على هامش ((الديباج المذهب)) ص (١٨٧) و((العقد الثمين)) (٤٧٢/٥) وما بين الحاصرتين مستدرك منه. (٢) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (١٣٣/٧ - ١٣٤) و((الضوء اللامع)) (١٢٣/٥) و((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (٤٠/٤) و((الدليل الشافي)) (٤٣٨/١). ١٧٩ والحديث والعربية، تصدَّر للإِقراء عدة سنين إلى أن توفي فجأة بعد خروجه من الحَمَّام يوم الاثنين تاسع عشر شعبان. والبِرْمَاوي: نسبة إلى بِرْمَة بلدة بالغربية من أعمال القاهرة بالوجه البحري وإليها يُنسب جماعة كثيرة من الفقهاء وغيرهم. انتهى. • وفيها فتح الدِّين فتح الله بن مُعتصم بن نَفيس الدّاودي التّبريزي الحَنَفي الطبيب(١). ولد سنة تسع وخمسين وسبعمائة، وقدم مع أبيه إلى القاهرة فمات أبوه وهو صغير فكفله عَمّه بديع بن نَفيس فَتَمَيّز في الطب، وقرأ ((المختار)) في الفقه، وتردّد إلى مجالس العلم، وتعلم الخطّ، وباشر العلاج، وكان بارع الجمال، فانتزعه بَرْقُوق وصار من أخص المماليك عنده، واشتهر، وشاع ذكره، واستقر في رئاسة الطب بعد موت عَمّه بديع، ثم عالج بَرقُوق فأعجبه، وكان يدري كثيراً من الألسن، ومن الأخبار، فَرَاجَ عند بَرُقُوق، وباشر رئاسة الطب بعفة ونزاهة. قال البِقَاعي: كان ذَا بَاعٍ طويل في الطبّ، حتّى إنه مَرَّ يوماً في سوق الکتبیین فرأى شخصاً ينسخ في كتاب وليس به مرض، فتأمله وقال: هذا يموت اليوم، فكان كذلك. وقال المقريزي: كان له فضائل جَمَّة غَطَّاها شُحّه حتَّى اختلق عليه أعداؤه معايب برأه الله منها، فإني صحبته مدة طويلة تزيد على العشرين [سنة]، ورافقته سفراً وحضراً، فما علمت عليه إلّا خيراً، بل كان من خير أهل زمانه عقلًا، وديانة، وحُسن عبارة(٢)، وتأله، ونسك، ومحبة للسُّنَّة وأهلها، وانقياد إلى الحقّ، وصبر على الأذى، وجودة للحافظة. وكان يُعاب بالشَّح بماله، فإنه كان يخذل صديقه أحوج ما يكون إليه، وقد جوزي بذلك فإنه لما نُكِبَ في هذه السنة تخلّى عنه كل أحد عن الزيارة، فلم يجد مغنياً ولا معيناً، فلا قوة إلّ بالله . (١) ترجمته في ((إنباء الغمر)) (١٣٧/٧) و((الضوء اللامع)) (١٦٥/٦). (٢) في ((ط)): ((وحسن عبادة)). ١٨٠