Indexed OCR Text
Pages 221-240
وقعه، و((المنتخب)) مختصر الكفاية، وشَرَحَ ((المنهاج)) نحو ((شرح التنبيه)) و ((شرح التعجيز)) و ((مختصر التبريزي)» وغير ذلك. • وفي حُدودها علاء الدّولة وعلاء الدِّين أبو المكارم أحمد بن محمد بن أحمد السِّمْنَانيّ (١). ذكره الإِسنوي في ((طبقاته)) وقال: كان إماماً، عالماً، مرشداً، له مصنّفات كثيرة في التفسير، والتصوف، وغيرهما. · وفيها القاضي محيي الدِّين إسماعيلٍ بن يحيى بن إسماعيل بن نصر بن جهبل أبو الفداء الحَلَبي الأصل الدِّمشقي الشّافعي (٢). ولد بدمشق في سنة ست وستين وستمائة، واشتغل، وحصَّل، وحَدَّث عن ابن عطاء، وابن البخاري، وأفتى، ودرَّس بالأتابكية. وسمع منه جماعة منهم البِرزالي، وخرَّج له ((مشيخة)) وحَدَّث بها، وناب في الحكم بدمشق، وولي قضاء طرابلس مدة ثم عُزل منها، وعاد إلى دمشق. وتوفي في شعبان ودفن عند أخيه بمقبرة الصُّوفية. • وفيها مسندة الشَّام أُمّ عبد الله زَيْنَب بنت الكمال أحمد بن عبد الرحيم المقدسية(٣) المرأة الصَّالحة العذراء. روت عن محمد بن عبد الهادي، وخطيب مَرْدًا، واليَلْداني، وسبط ابن الجوزي، وجماعة . وبالإِجازة عن عجيبة الباقدارية، وابن الخير، وابن العلّيق، وعدد كثير، وتكاثروا عليها وتفرَّدت، وروت كتباً كباراً. وتوفيت في تاسع عشر جمادى الأولى عن أربع وتسعين سنة. (١) انظر ((طبقات الشافعية)) للإِسنوي (٧٣/٢). (٢) انظر ((ذيول العبر)) ص (٢١٤) و ((الدُّرر الكامنة)) (٣٨٣/١). (٣) انظر ((ذيول العبر)) ص (٢١٣) و((مرآة الجنان)) (٣٠٥/٤) و((الدُّرر الكامنة)) (١١٧/٢). ٢٢١ ! · وفيها الخليفة المُسْتكفي بالله أبو الرَّبيع سُليمان بن الحاكم بأمر الله (١). ولد في نصف المحرم سنة أربع وثمانين وستمائة، واشتغل قليلاً، وبويع بالخلافة بعهد من أبيه في جمادى الأولى، سنة إحدى وسبعمائة، وخطب له على المنابر بالبلاد المصرية والشامية، وصارت البشارة بذلك إلى جميع الأقطار والممالك الإِسلامية، وكانوا يسكنون بالكبش، فنقلهم السلطان إلى القلعة وأفرد لهم داراً. وتوفي بقُوص، وكانت خلافته ثمانياً وثلاثين سنة. وبویع أخوه إبراهیم بغیر عهد. • وفيها قبض على الصَّاحب شرف الدِّين عبد الوهاب القبطي (٢) في صفر وصُودر، واستصفيت حواصله بمباشرة الأمير سيف الدِّين شنكر النّاصري ومن جملة ما وجد له صندوق ضمَّنه تسعة عشر ألف دينار وأربعمائة مثقال لؤلؤ كبار، وصليب مُجَوْهَر، ووجد بداره كنيسة مرخّمة بمحاريبها الشرقية ومذابحها وآلاتها، واستمرَّ الملعون في العقوبة حتَّى هَلَكَ في ربيع الآخر. • وفيها في ليلة السادس والعشرين من شوال وقع بدمشق حريق كبير شمل اللّبَادين القبلية وما تحتها وما فوقها، إلى عند سوق الكتب، واحترق سوق الورّاقين، وسوق الذهب، وحاصل الجامع وما حوله، والمأذنة الشرقية، وعَدِمَ للناس فيه من الأموال والمتاع ما لا يحصر. قاله في ((العبر))(٣)، والله أعلم. • وفيها الحسن بن إبراهيم بن أبي خالد البَلَوي (٤). قال في ((تاريخ غرناطة)): كان أديباً، فقيهاً، نحوياً، أخذ عن ابن(٥) خميس، وأبي الحسن القيجاطي . (١) انظر ((ذيول العبر)) ص (٢١٤) و((النجوم الزاهرة)) (٣٢٢/٩) و((الدُّرر الكامنة)) (١٤١/٢) و((تاريخ الخلفاء)) ص (٣٢١). (٢) انظر ((ذيول العبر)) ص (٢١٤ - ٢١٥). (٣) انظر ((ذيول العبر)) ص (٢١٣ - ٢١٤). (٤) انظر (( ((بغية الوعاة)) (٤٩٤/١). (٥) في ((آ) و((ط)): ((أبي خميس)) والتصحيح من ((بغية الوعاة)) مصدر المؤلّف. ٢٢٢ ومات يوم عيد الفطر. • وفيها أبو عامر محمد بن عبد الله بن عبد العظيم بن أَرْقم النَّميري الوادياشي(١). قال في ((تاريخ غرناطة)): كان أحد شيوخه(٢)، مشاركاً في فنون، من فقه، وأدب وعربية، وهي أغلب الفنون عليه، مطّرحاً، مخشوشناً، مليح الدُّعابة، كثير التواضع، بيته معمورٌ بالعلماء أُولي الأصالة والتعيُّن. تصدَّر ببلده للفُتيا والإِسماع والتدريس. وكان قرأ على أبي العَبَّاس بن عبد النُّور، وأبي خالد بن أرقم. وروى عنه ابن الزُّبير، وأبو بكر بن عُبيد، وغيرهما. وله شعر. مات ببلده. انتهى. • وفيها شمس الدِّين محمد المغربي الأندلسي(٣). قال ابن حجر: كان شعلة نار في الذكاء، كثير الاستحضار، حسن الفهم، عارفاً بعدَّة علوم، خصوصاً بالعربية. أقام بحماة مدة، وولي قضاءها، ثم توجّه إلى الرُّوم، فأقام بها، وأقبل عليه الناس. مات ببرصا في شعبان. (١) انظر ((الإِحاطة)) (٨٨/٣ - ٨٩) وقد نقل ابن حجر عنه باختصار وتصرف ونقل المؤلف عنه، و((الدُّرر الكامنة)) (٤٧٥/٣ - ٤٧٦). (٢) في ((الإحاطة)): ((أحد شيوخ بلده)). (٣) انظر ((بغية الوعاة)) (٢٩٠/١) مصدر المؤلف. ٢٢٣ سنة إحدى وأربعين وسبعمائة · في ذي الحِجَّة منها كانت زلزلة عظيمة بمصر، والشام، والإِسكندرية. مات فيها تحت الرّدم ما لا يُحصى، وغرقت مراكب كثيرة، وتهدّمت جوامع ومواذن لا تُعَدُّ. • وفيها كانت واقعة طريف ببلاد المغرب. قال لسان الدِّين في كتاب ((الإِحاطة)) (١): استشهد فيها جماعة من الأكابر وغيرهم، وكان سببها أن سلطان فاس أمير المسلمين أبا الحسن علي بن عثمان بن يعقوب بن عبد الحق المريني، جاز البحر إلى جزيرة الأندلس برسم الجهاد ونصرة أهلها على عدوهم، حسبما جرت بذلك عادة سلفه وغيرهم من ملوك العُدوة، وشَمَّر عن ساعد الاجتهاد، وجنّد(٢) من الجيوش الإِسلامية نحو ستين ألفاً. وجاء إليه أهل الأندلس بقصد الإِمداد وسلطانهم ابن الأحمر ومن معه من الأجناد، فقضى الله الذي لا مَرَدَّ لما قدَّره أن صارت(٣) تلك الجموع مكسّرة، ورجع السلطان أبو الحسن مَغْلُولاً(٤)، وأضحى حُسَام الهزيمة عليه وعلى من معه مسلولاً، ونجا برأس طِمِرَّة ولجام، ولا تسل كيف، وقتل جمع من أهل الإِسلام، وجملة (٥) وافِرَةٌ من الأعلام، وأمضى فيهم حكمه السَّيف، وأُسِرَ ابن السلطان وحَرِيمُهُ، وانتهبت ذخائره، واستولت(٦) على الجميع أيدي الكفر والحيف، واشرأبَّ العدو الكافر لأخذ (١) انظر ((رقم الحلل)) للسان الدِّين بن الخطيب ص (١٦ - ١٧) بتحقيق الأستاذ الدكتور عدنان درويش، طبع وزراة الثقافة بدمشق. (٢) في ((ط)): ((ووجد)). (٣) في ((!)) و((ط)): ((أن سارت)) والتصحيح من ((رقم الحلل)). (٤) في (آ)) و((ط)): ((مغلولاً)) والتصحيح من ((رقم الحلل)) والمفلول المنهزم. (٥) في ((رقم الحلل)): ((ولُمّة)). (٦) في ((آ)) و((ط)): ((واستولى)) وما أثبته من ((رقم الحلل)). ٢٢٤ ما بقي من الجزيرة ذات الظُّلِّ الوريف، وثبتت(١) قدمه في بلد طريف. وبالجملة فهذه الواقعة من الدَّواهي المعضلة الداء والأرزاء(٢) التي تضعضع لها ركن الدِّين بالمغرب، وقَرَّت بذلك عيون الأعداء. انتهى. ● وممن استشهد في هذه الوقعة(٣) والد لسان الدِّين ابن الخطيب، وهو عبد الله بن سعيد (٤ بن عبد الله بن سعيد٤) بن علي بن أحمد السّلْماني(٥). قال لسان الدين في ((الإِكليل)) في حق والده هذا: إنْ طال الكلام، وجمحت الأقلام، كنت كما قيل: مادح نفسه يقرئك السلام، وإن أحجمت(٦) فما أسديت في الثناء ولا ألمحت، أضعت الحقوق، وخفت معاذ الله العقوق. هذا ولو أني زجرتُ طير البيان عن أوكاره، وجئتُ بعون الإِحسان وأبكاره، لما قضيت حقّه بعد، ولا قلت إلّا بالذي علمتْ سعد. فقد كان - رحمه الله - ذمرَ عزم، ورجلَ رجاء وأزم، تروق أنوارُ خلاله الباهرة، وتضيء مجالسُ الملوك من صورتيه الباطنة والظاهرة، ذكاء يتوقّد، وطلاقةٌ يحسد نورَها الفرقد، وكانت له في الأدب فريضة، وفي النادرة العذبة منادح عريضة، تكلّمتُ يوماً بين يديه في مسائل من الطّب، وأنشدته أبياتاً من شعري ورِقاعاً من إنشائي، فتهلّل، وما برح أن ارتجل: سِماتُنا في بني النَّجابَهْ الطِّبُّ والشِّعْرُ والكِتابَهْ هُنَّ ثلاثٌ مُبْلِغَاتٌ مَراتباً بعضُها الحِجابَهْ ووقع لي يوماً بخطِّه على ظهر أبيات بعثتها إليه أعرض نمطها عليه: عن رَوْضةٍ جَار الغرامُ رُباها وَرَدَتْ كما صَدَرَ النسيمُ بِسَحْرَةٍ فيها وآثَرَها به وحَبَاها فكأنَّما هاروتُ أُودَعَ سِحرَهُ (١) في ((ط)): ((وثبت)) وهو خطأ. (٢) تحرفت في ((ط)) إلى ((الأزراء)). (٣) في ((ط)): ((في هذه الواقعة)). (٤ - ٤) ما بين الرقمين سقط من ((آ)). (٥) انظر ((رقم الحلل)) ص (١٢ و١٦ و١٨ - ١٩). (٦) تحرفت في ((ط)) إلى ((أجمحت)). ٢٢٥ فبمثلها افتخرَ البليغُ وباها مصقولة الألفاظِ يبهرُ حُسْنُها إني أبوك وكنتَ أنتَ أباها فقررت عيناً عند رُؤْيَةٍ وَجْهِها ومن شعره: كلامُهُ أَدّى إلى كَلْمِهِ عليكَ بالصَّمتِ فكم ناطقٍ غرّته واللهِ من خَصْمِه إِن لسانَ المرءِ أهدى إلى وجُرْمُهُ أكبرُ من جِرْمِه يُرى صغيرَ الجسم مُسْتَضْعَّفاً وقال في ((الإِحاطة)): كان من رجال الكمال، طلقَ الوجه، فُقِدَ في الكائنة العظمى بطريف يوم الاثنين سابع جمادى الأولى سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، ثابتَ الجأشِ ، غيرَ جذوع ولا هيّابة. حَدَّثني الخطيب بالمسجد الجامع من غرناطة الفقيه أبو عبد الله بن اللَّوْشي، قال: كبا بأخيك الطّرف وقد غشي العدو، فجنحت إلى أردافه فانحدر إليه والدك وصَرَفَني وقال: أنا أولى به، فكان آخر العهد بهما. انتهى. وذكر في ((الإِحاطة)): أن مولده بغرناطة في جمادى الأولى عام اثنين وسبعين وستمائة . · وفيها افتخار الدِّين أبو عبد الله جابر بن محمد بن محمد بن محمد بن عبد العزيزبن يوسف الخوارزمي الكاتي - بالمثناة أو المثلثة - الحنفي النّحوي(١). ولد في عاشر شوال سنة سبع وستين وستمائة، وقرأ على خاله أبي المكارم، وقرأ ((المفصل)) و(الكشّاف)) على أبي عاصم الإِسفندري، واشتغل ببلاده، ومَهَرَ، وقدم القاهرة، فسمع من الدِّمياطي. وولي مشيخة الجاولية التي بالكبش، وباشر الإِفتاء والتدریس بأماكن، وقدم مكّة. وقرأ ((الصحيح)) على التّوزري، وتكلّم على أماكن فيه من جهة العربية، ودرَّس بالقدس ومكّة. وكان فاضلاً، حسن الشكل، مليح المحاضرة. (١) انظر ((النجوم الزاهرة)) (٣٢٦/٩) و((الجواهر المضية)) (٥/٢ -٦) و((العقد الثمين)) (٤٠٣/٣ - ٤٠٤) و ((الدُّرر الكامنة)) (٦٨/٢). ٢٢٦ -- -... مات بالقاهرة في منتصف المحرم. • وفيها بُرهان الدِّين أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن هِلَال الزُّرَعي ثم الدمشقي (١)، الفقيه الحنبلي الأصولي المناظر الفَرَضي. سمع بدمشق من عمر بن القوّاس، وأبي الفضل بن عساكر، وغيرهما. وتفقه وأفتى قديماً، ودرّس، وناظر، وولي نيابة الحكم عن علاء الدِّين بن المُنَّجَّى وغيره، ودرَّس بالحنبلية من حين سجن الشيخ تقي الدِّين بالقلعة في المرة التي توفي فيها، فساء ذلك أصحاب الشيخ ومحبيه، واستمرَّ بها إلى حين وفاته . وكان بارعاً في أصول الفقه، والفرائض، والحساب، وإليه المنتهى في التّحري، وجودة الخطّ، وصحة الذّهن، وسُرْعَة الإِدراك، وقوة المناظرة، وحسن الخُلق، لكنه كان قليل الاستحضار لنقل المذهب، وكان قاضي القضاة أبو الحسن السُّبكي يسمّيه فقيه الشام. وكان فيه لعب، وعليه في دينه مآخذ، سامحه الله تعالى. وتفقّه وتخرَّج به جماعة، ولم يصنّف كتاباً معروفاً. توفي وقت صلاة الجمعة سادس عشر رجب، ودفن بمقبرة باب الصغير. ● وفيها الحسين بن أبي بكر بن الحسين الإِسكندري المالكي النّحوي (٢). قال في ((الدرر)): ولد سنة أربع وخمسين وستمائة، واشتغل بالعلم، خصوصاً العربية، وانتفع به الناس، وجمع ((تفسيراً)) في عشر مجلدات، وحَدَّث عن الدِّمياطي . وتوفي في ذي الحجّة. · وفي حدودها الشيخ علي بن عبد الله الطّواشي اليمني (٣) الصُّوفي الكبير، العارف الشهير. (١) انظر ((ذيول العبر)) ص (٢٢٢) و((الوفيات)) لابن رافع (٣٦٨/١) و((ذيل طبقات الحنابلة)) (٤٣٤/٢) و((الدُّرر الكامنة)) (١٥/١) و((المقصد الأرشد)) (٢١٥/١). (٢) انظر ((بغية الوعاة)) (٥٣٢/١) و((الدُّرر الكامنة)) (٧٣/٢) و((حسن المحاضرة)) (٤٥٩/١) وفيه: ((أبو الحسن بن أبي بكر)». (٣) لم أعثر على ترجمة له فيما بين يدي من المصادر. ٢٢٧ ذو الأحوال السَّنيَّة والمقامات العَلِيَّة، وحسبك فيه ما قاله تلميذه ومريده الإِمام اليافعي من أبيات: إِذَا قَصَدَ الزُّوَّارُ للبيت كَعْبَةً عليٍّ بن عبدِ اللهِ قَصْدي وكَعْبتي • وفيها رُكن الدِّين شَافع بن عمر بن إسماعيل(١)، الفقيه الحنبلي الأصولي، نزیل بغداد. سمع الحديث ببغداد على إسماعيل بن الطبّال، وابن الدَّواليبي، وغيرهما. وتفقّه على الشيخ تقي الدِّين الزّريراتي، وصاهره على ابنته، وأعاد عنده بالمستنصرية . وكان رئيساً، نبيلاً، فاضلاً، عارفاً بالفقه والأصول والطّبِّ، مُرَاعياً لقوانينه في مأكله ومشربه، ودرّس بالمجاهدية بدمشق، وأقرأ جماعة من الأئمة. قال ابن رجب: منهم والدي. وله مصنَّف في مناقب الأئمة الأربع سمَّاه ((زبدة الأخبار في مناقب الأربعة الأبرار)»، وكان قاصر العبارة لأن في لسانه عُجْمَة، ومدرسة المجاهدية تعرف الآن بالحجازية، ثم صارت اصطبلاً لخيل الطانشمندية، لا حول ولا قوة إلاّ بالله. توفي المترجم ببغداد يوم الجمعة ثاني عشر شوال، ودفن بدهليز تربة الإِمام أحمد، رضي الله عنه. · وفيها شرف الدِّين أبو محمد عبد الرحيم بن عبد الملك بن محمد بن أبي بكر بن إسماعيل الزّريراتي البغدادي (٢) الحنبلي بن شيخ العراق تقي الدِّين أبي بكر المتقدم ذكره. ولد ببغداد، ونشأ بها، وحفظ ((المحرّر))، وسمع الحدیث، واشتغل ثم رحل إلى دمشق، فسمع من زينب بنت الكمال، وجماعة من أصحاب ابن عبد الدائم، (١) انظر ((ذيل طبقات الحنابلة)) (٤٣٥/٢) و((الدُّرر الكامنة)) (٢٨٣/٢) و((المقصد الأرشد)) (٤٤١/١). (٢) انظر ((ذيل طبقات الحنابلة)) (٤٣٥/٢ - ٤٣٦) وفيه: ((عبد الرحيم بن عبد الله)). ٢٢٨ وخطيب مَرْدًا، وطبقتهما، وارتحل إلى مصر، وسمع من مُسْنِدِها يحيى ابن المِصْري، وغيره (١ ولقي بها أبا حَيَّان وغيره١)، ثم رجع إلى بغداد بفضائل جَمَّة، ودرَّس للحنابلة بالبشرية بعد وفاة صفي الدِّين بن عبد الحق، ثم درَّس بالمجاهدية بعد وفاة صهره المترجم قبله شافع، ولم تطل بها مدته. قال ابن رجب: وحضرت درسه، وأنا إذ ذاك صغير لا أحقّقه جيداً، وناب في القضاء ببغداد، واشتُهرت فضائله، وخطّه في غاية الحُسن. وألّف مختصرات في فنون عديدة. وتوفي ببغداد يوم الثلاثاء ثاني عشر ذي الحجّة ودفن عند والده بمقبرة الإِمام أحمد وله من العمر نحو الثلاثين سنة رحمه الله تعالى. ● وفيها علاء الدِّين أبو الحسن علي بن محمد بن إبراهيم الشافعي(٢) خازن كتب خانقاه السميساطية بدمشق. ولد ببغداد سنة ثمان وسبعين وستمائة، وسمع الحديث، وكان صالحاً، خَيّراً. جَمَعَ، وألّف، فمن تأليفه ((تفسير القرآن العظيم))(٣) و((شرح عمدة الأحكام)) وأضاف إلى ((جامع الأصول)) ((مسند الإمام أحمد)) و((سنن ابن ماجة)) و ((سنن الدارقطني)) وسَمَّاه: ((مقبول المنقول))، وجمع ((سيرة)). وحَدّث ببعض مصنّفاته، وكان صوفياً بالخانقاه المذكورة، وکان بشوش الوجه، ذا تودُّدٍ وسمت حسن. توفي في شعبان. • وفيها أبو عبد الله محمد بن أحمد بن تَمَّام بن حسان التَّليّ ثم الصَّالحي (٤) القُدوة الزَّاهد الفقيه الحنبلي. (١) ما بين الرقمين سقط من ((آ)). (٢) انظر ((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (٥٣/٣ - ٥٤) و((الدُّرر الكامنة)) (٩٧/٣) و((كشف الظنون)) (١٧٩٢/٢). (٣) أقول: وهو المعروف بـ ((تفسير الخازن))، وهو بغدادي الأصل، يقال له: الشيحي، نسبة إلى شيحة من أعمال حلب (ع). (٤) انظر ((ذيول العبر)) (٢٢٠) و((معجم الشيوخ)) (١٤١/٢ - ١٤٣) و ((الوافي بالوفيات)) (١٥٢/٢) و ((فوات الوفيات)) (٤١٣/٣) و((الوفيات)) لابن رافع (٣٥٣/١) و ((الدُّرر الكامنة)) (٣١١/٣ -٣١٢). ٢٢٩ ولد سنة إحدى وخمسين وستمائة، وسمع من ابن عبد الدائم وغيره، وصحب الشيخ شمس الدِّين ابن الكمال وغيره من العلماء والصُّلحاء. وكان صالحاً، تقياً، من خِيَار عباد الله، يقتات من عمل يده، وكان عظيم الحُرْمة، مقبول الكلمة عند الملوك. وولاة الأمور، ترجع إلى رأيه وقوله. أمَّاراً بالمعروف نهاءاً عن المنكر. ذكره الذهبي في ((معجم شيوخه)) وقال: كان مشاراً إليه في الوقت بالإِخلاص، وسلامة الصَّدر، والتّقوى، والزّهد، والتَّواضع التَّام، والبشاشة، ما أعلم فيه شيئاً يشينه في دينه أصلاً. وقال ابن رجب: حَدَّث بالكثير، وسمع منه خلق، وأجاز لي ما تجوز له روایته بخطّ يده. وتوفي في ثالث عشر ربيع الأول، ودُفن بقاسيون، رحمه الله تعالى. • وفيها شمس الدِّين أبو المَعَالي محمد بن أحمد بن إبراهيم بن حَيْدَرة بن علي بن عَقيل(١)، الإِمام، العالم، الفقيه، الشافعي، المفتي المُدَرِّس الكبير بن القَمَّاحِ القُرشي المِصْري . ولد في ذي القعدة سنة ست وخمسين وستمائة، وسمع الكثير، وقرأ الحديث بنفسه، وكتب بخطّه، وتفقه على الظّهير التّميني وغيره، وبَرَعَ، وأفتى، ودرَّس بقبة الإِمام الشافعي إلى حين وفاته، بعد أن أعاد بها خمسين سنة، وناب في الحكم مدة سنين، وسمع منه خلق كثير من الفقهاء والمُحَدِّثين. قال الإِسنوي: كان رجلاً، عالماً، فاضلاً، فقيهاً، مُحَدِّثاً، حافظاً لتواريخ المصريين، ذكياً، إلّا أن نقله يزيد على تصرُّفه. وكان سريع الحفظ، بعيد النسيان، مواظباً على النّظر والتحصيل، كثير التِّلاوة، سريعاً، متودِّداً. توفي في ربيع الآخر أو الأول، ودفن بالقَرَافة. (١) انظر ((ذيول العبر)) ص (٢٢١) و((الوافي بالوفيات)) (١٥٠/٢) و((طبقات الشافعية الكبرى)) (٩٢/٩ - ٩٣) و((طبقات الشافعية)) للإسنوي (٣٣٨/٢) و((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (٦٦/٣ - ٦٧) و((الدُّرر الكامنة)) (٣٠٣/٣ - ٣٠٤) و((حسن المحاضرة)) (٤٢٦/١). ٢٣٠ ● وفيها شَرَفُ الدِّين محمد بن عبد المُنعمِ المَنْفَلُوطي، المعروف بابن المعين الشّافعي(١). تفقه بالشيخ نجم الدِّين البَالسي وغيره، وقرأ الأصول على الشمس المحوجب. قال الكمال الأدفوي: كان أديباً، فقيهاً، شاعراً، اختصر ((الرُّوضة)) وتكلّم على أحاديث ((المُهذب)) وسَمَّاه ((الطّراز المُذَّهَب)). انتهى. • وفيها عزّ الدِّين أبو عبد الله محمد بن عبد الوهاب بن يوسف الأفقهسي المصري(٢). سمع بالقاهرة ودمشق من جماعة. قال ابن رافع: ودرَّس بدمشق، وكان كثير النقل لفروع مذهبه، قوي الحافظة، قيل: إنه حفظ («محرَّر الرافعي)) في شهر وستة أيام. توفي بدمشق شاباً، رحمه الله تعالی . · وفيها أبو عبد الله محمد بن يحيى بن محمد بن يحيى بن أحمد بن محمد بن بكر بن سعد الأشعري المالقي، يعرف بابن بكر(٣). قال في ((تاريخ غرناطة)): كان من صدور العلماء، وأعلام الفضل، معرفةً وتَفْتَناً، ونزاهةً، عارفاً بالأحكام والقراءات، مبرِّزاً في الحديث والتاريخ، حافظاً للأنساب والأسماء والكنى. قائماً على العربية، مشاركاً في الأصول، والفروع، واللغة، والفرائض، والحساب، أصيل النظر، مُنْصفاً مخفوض الجناح، حسن الخُلُق، عَطُوفاً على الطلبة، محبّاً للعلم والعلماء. أخذ القراءات، والعربية، والفقه، والحديث، والأدب عن الأستاذ (١) انظر ((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (٨٠/٣) و((الدُّرر الكامنة)) (٣٣/٤). (٢) انظر ((الوفيات)) لابن رافع (١ /٣٨٢) و((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (٨٠/٣ -٨١) و((الدُّرر الكامنة)) (٣٧/٤). (٣) انظر ((الإِحاطة بتاريخ غرناطة)) (١٧٦/٢ - ١٨٠) و((الدُّرر الكامنة)) (٢٨٤/٤). ٢٣١ أبي محمد بن أبي السَّداد الباهلي، وابن الزُّبير، وابن رشيد، وغيرهم، وأجاز له جماعة من سبتة وإفريقية، والمشرق. منهم: الشَّرف الدّمياطي، والأبرقوهي. وولي الخطابة والقضاء بغرناطة فَصَدَع بالحقِّ، وتصدّر لنشر العلم، فأقرأ العربية، والفقة، والقراءات، والأصول، والفرائض، والحساب، وعقد مجلس الحديث، شرحاً وسماعاً. مولده في ذي القعدة سنة أربع وسبعين وستمائة، ووقف في مصافٍّ المسلمين يوم المساحة الكبرى بظاهر طريف فَكَبَت به بغلته، فمات منها، وذلك یوم الاثنین سابع جمادى الأولى انتھی. • وفيها أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن الإِمام. قال المقري في ((التعريف بابن الخطيب)): قال مولاي الجدّ، رحمه الله تعالى، : فممن أخذت عنه عَلَماها - يعني تِلِمْسَان - الشَّامخان، وعالماها الرَّاسخان، أبو زيد عبد الرحمن، وأبو موسی عیسی، ابنا محمد بن عبد الله بن الإِمام، وکانا قد رحلا في شبابهما من بلدهما برشك إلى تونس، فأخذا بها عن ابن جَمَاعة، وابن العطّار، والنَّفزي، وتلك الحلبة، وأدركا المرجاني وطبقته من أعجاز المائة السابعة، ثم وردا في أول المائة الثامنة تِلِمْسَان على أمير المسلمين أبي يعقوب وهو محاصرٌ لها، وفقيه حضرته يومئذ أبو الحسن علي بن مخلف التّنسي، وكان قد خرج إليه برسالة من صاحب تِلِمْسَان المحصورة، فلم يعد وارتفع شأنه عند أبي يعقوب حتّى إنه شهد جنازته ولم يشهد جنازة غيره، وقام على قبره، وقال: نِعْمَ الصّاحب فقدنا اليوم، ثم زادت حظوتهما عند أمير المسلمين أبي الحسن إلى أن توفي أبو زيد في العشر الأوسط من رمضان عام أحد وأربعين وسبعمائة، بعد وقعة طريف بأشهر، فزادت مرتبة أبي موسى عند السلطان، وكانا رحلا إلى المشرق في حدود العشرين وسبعمائة، فلقيا علاء الدِّين القُونَوي، وجلال الدين القَزْويني صاحب ((البيان)) وسمعا ((صحيح البخاري)) على الحجَّار، وناظرا تقي الدِّين بن تَيْمِيَّة، وظهرا عليه، وكان ذلك من أسباب محنته، وكان شديد الإِنكار على الإِمام فخر الدِّين(١). (١) يعني الرازي. ٢٣٢ حَدَّثني شيخي العَلَّامة أبو عبد الله الإِيلي أن عبد الله بن إبراهيم الزموري أخبره أنه سمع ابن تَيْمِيَّة ينشد لنفسه: مِنْ بَعْد تَحْصيلِهِ عِلْمٌ بلا دِینِ مُحَصِّلٌ في أصول الدِّينِ حَاصِلُهُ فيهِ فأَكْثَرُه وحيُّ الشّيَاطِينِ أَصْلُ الضَّلالة والإِفك المُبِين فما قال: وكان في يده قضيب، فقال: والله لو رأيته لضربته بهذا القضيب. وشهدت مجلساً عند السُّلطان قرىء فيه على أبي زيد بن الإِمام حديث: (لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لا إله إلَّ الله) في ((صحيح مسلم))(١)، فقال له الأستاذ أبو إسحاق بن حكم السّلوي: هذا الملقّن محتضر حقيقة، ميت مجازاً، فما وجه ترك محتضريكم إلى موتاكم، والأصل الحقيقة، فأجابه أبو زيد بجواب لم يقنعه، وكنت قد قرأت على الأستاذ بعض ((التنقيح)) أي للقَرَافي، فقلت: زعم القَرَافي أن المُشتق إنما يكون حقيقة في الحال، مجازاً في الاستقبال، مختلفاً فيه في الماضي إذا كان محكوماً به، أما إذا كان متعلق الحكم كما هنا فهو حقيقة إجماعاً، وعلى هذا التقرير لا مجاز فلا سؤال. وذكر أبو زيد ابن الإِمام يوماً في مجلسه أنه سُئل بالمشرق عن هاتين الشرطيتين ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فيهم خَيْراً لأسْمَعَهُمْ ولو أسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُم مُعْرِضُونَ ﴾ [الأنفال: ٢٣]، فإنهما يستلزمان بحكم الإنتاج لو علم الله فيهم خيراً لتولواوهو محال، ثم أراد أن يرى ما عند الحاضرين، فقال ابن الحكم: قال الخونجي: والإهمال بإطلاق لفظ لو، وأن في المتصلة، فهاتان القضيتان على هذا مهملتان، والمهملة في قوة الجزئية، ولا قیاس عن جزءیتین. انتھی. ● وفيها الملك النّاصر محمد بن الملك المنصور قلاوون بن عبد الله الصَّالحي(٢). (١) رواه مسلم رقم (٩١٦) في الجنائز: باب تلقين الموتى: لا إله إلّ الله. (٢) انظر ((ذيول العبر)) ص (٣٢٣ - ٢٢٥) و (النجوم الزاهرة)) (١٦٥/٩) و((الوافي بالوفيات)) (٣٥٣/٤) = ٢٣٣ ولد في صفر، وقيل: في نصف المحرم سنة أربع وثمانين وستمائة، وشوهد منه أنه ولد وكفَّاه مقبوضتان ففتحتهما الدَّاية فسال منهما دم كثير، ثم صار (١) يقبضهما، فإذا فتحهما سال منهما دم كثير، فأُوِّل ذلك بأنه يُسْفَكُ على يديه دماء كثيرة، فكان كذلك. وولي السلطنة عقب قتل أخيه الأشرف وعمره تسع سنين، فولي السلطنة سنة إلّ ثلاثة أيام، ثم خلع بكتُبغا، وكان كتبغا قد جَهَّز النّاصر إلى الكَرَك بعد أن حلف له أنه إذا ترعرع وترجّل يفرغ له عن المملكة بشرط أن يعطيه مملكة الشام استقلالاً، ثم أحضر الناصر من الكَرَك إلى مصر سنة ثمان وتسعين وسلطنوه ثانياً، واستقرَّ بيبرس الجاشنكير دويداراً وسلّار نائباً في السلطنة، ولم يكن للناصر معهما حكم البتة واستقرَّ أقش الأفرم نائب دمشق، وحضر الناصر وقعة غازان سنة تسع وتسعين، وثبت الناصر الثبات القوي، وجرى لغازان بدمشق ما اشتهر، وقطعت خطبة الناصر من دمشق مدة ثم أُعيدت فتحرَّك غازان في العود، فوصل إلی حلب، ثم رجع . • وفي شعبان سنة اثنتين وسبعمائة كانت وقعة شَفْحَب، وكان للناصر(٢) فيها اليد البيضاء من الثبات والفتك ووقع النَّصر للمسلمين. ثم في سنة ثمان وسبعمائة أظهر الناصر أنه يطلب الحجّ، فتوجه إلى الكَرَك، وأقام بها، وطرد نائب الكَرَك إلى مصر، وأعرض عن المملكة لاستبداد سلّر، وبيبرس دونه بالأمور، وكتب الناصر إلى الأمراء بمصر يترقق لهم، ويستعفيهم من السلطنة، ويسألهم أن يتركوا له الكَرَك، فوافقوه على ذلك، وتسلطن بيبرس الجاشنكير، ثم قصد الناصر مصر في سنة تسع وسبعمائة فاستقرَّ في دست سلطنته يوم عيد الفطر، ولما استقرَّت قدمه قبض على أكثر الأمراء، وعزل، وولي، وحجّ، وجدّد خيرات كثيرة، وبنى جوامع، ومدارس، وخوانق، وفتحت في أيامه مَلَّطْية، = و((فوات الوفيات)) (٢٦٣/٢) و((الدُّرر الكامنة)) (١٤٤/٤). (١) تحرفت في ((ط)) إلى ((سار)). (٢) هو الملك الناصر محمد بن قلاون بن عبد الله الصالحي. انظر ترجمته في ((الوافي بالوفيات)) (٣٥٣/٤) و((ذيول العبر)) ص (٢٢٤) و((الدّرر الكامنة)) (١٤٤/٤ - ١٤٨). ٢٣٤ وطَرَسُوس، وغيرهما. واشترى المماليك، فبالغ في ذلك، حتَّى اشترى واحداً بما یزید علی أربعة آلاف دينار. قال في ((الدُّرر))(١): ولم ير أحد مثل سعادة ملكه وعدم حركة الأعادي عليه بَرّاً وبحراً، مع طول المدة، فمنذ وقعة شَقْحَب إلى أن مات، لم يخرج عليه أحد، ووجدت له إجازة بخط البرزالي من ابن مشرف وغيره، وسمع من ست الوزراء، وابن الشِّحنة، وخرَّج له بعض المُحَدِّثين ((جزءا)). وكان مطاعاً، مهيباً، عارفاً بالأمور، يعظّم أهل العلم والمناصب الشرعية، ولا يقرّر فيها إلّ من يكون أهلاً لها. وتوفي في تاسع عشري ذي الحجّة بقلعة مصر في آخر النهار، وحمل ليلاً إلى المنصورية، فَغُسل بها، وصَلَّى عليه عزّ الدِّين بن جَمَاعة القاضي إماماً بحضرة أناس قلائل من الأمراء، وحصل للمسلمين بموته ألم شديد، لأنهم لم يلقوا مثله. وعَهدَ قُبيل موته لولده الملك المَنْصُور، فجلس على كرسي المُلك قبل موت والده بثلاثة أيام، والله أعلم. (١) انظر ((الدّرر الكامنة)) (١٤٧/٤-١٤٨). ٢٣٥ سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة · في محرَّمها بايع السلطان الملك المنصور الخليفة الحاكم بأمر الله أبي العَبَّاس أحمد بن الخليفة المستكفي للخلافة بعهد من والده، وجلس مع السلطان على كرسي واحد وبايعهم القضاة وغيرهم. ● وفيها توفي السلطان الملك المنصور أبو بكر بن السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون(١) خلع في صفر. قال السيوطي: لفساده وشرب الخمور، حتّى قيل: إنه جَامَعَ زوجات أبيه، ونُفي إلی قُوص، وقتل بها. وتسلطن أخوه الملك الأشرف كجك، ثم خُلع من عامه، وولي أخوه أحمد، ولقِّب الناصر وعقد المبايعة بينه وبين الخليفة الشيخ تقي الدِّين السُّبكي، قاضي الشام، وكان قد حضر معه. • وفيها الحافظ الكبير جمال الدِّين أبو الحجّاج يوسف بن عبد الرحمن بن يُوسف بن عبد الملك بن يوسف بن علي بن أبي الزّهر، الإِمام العلامة الحافظ الكبير المِزِّي الشافعي(٢). (١) انظر ((ذيول العبر)) ص (٢٢٦) و((حسن المحاضرة)) (١١٦/٢ - ١١٧). (٢) انظر ((ذيول العبر)) ص (٢٢٩) و ((تذكرة الحفاظ)) (١٤٩٨/٤) و((معجم الشيوخ)) (٣٨٩/٢ - ٣٩٠) و ((المعجم المختص)) ص (٢٩٩ - ٣٠٠) و ((النجوم الزاهرة)) (٧٦/١٠ - ٧٧) و((طبقات الشافعية الكبرى)) (٣٩٥/١٠) و((فوات الوفيات)) (٣٥٣/٤) و((الدُّرر الكامنة)) (٤٥٧/٤) و((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة)) (٩٩/٣). ٢٣٦ قال ابن قاضي شهبة: شيخ المحدِّثين، عُمدة الحُفَّاظ، أعجوبة الزّمان الدمشقيّ المِزِّي . مولده في ربيع الآخر، سنة أربع وخمسين وستمائة بظاهر حلب، ونشأ بالمِزَّة. قرأ شيئاً من الفقه على مذهب الشافعي، وحَصَّل طَرَفاً من العربية، وبَرَعَ في التصريف واللغة، ثم شرع في طلب الحديث بنفسه، وله عشرون سنة. وسمع الكثير، ورحل. قال بعضهم: ومشيخته نحو الألف، وبَرَع في فنون الحديث، وأقر له الحفّاظ من مشايخه وغيرهم بالتقدم، وحَدَّث بالكثير نحو خمسين سنة، فسمع منه الكبار والحُفّاظ، وولي دار الحديث الأشرفية ثلاثاً وعشرين سنة ونصفاً. وقال ابن تيمية لما باشرها: لم يلها من حين بنيت إلى الآن أحق بشرط الواقف منه، لقول الواقف: فإن اجتمع من فيه الرواية ومن فيه الدِّراية، قُدِّم من فيه الرّواية(١) . وقال الذهبي في ((المعجم المختص)): شيخنا الإِمام العَلّمة، الحافظ، النّاقد، المُحَقِّق، المُفيد، مُحَدِّث الشام. طلب الحديث سنة أربع وسبعين وهَلُم جراً، وأكثر، وكتب العالي والنَّازل بخطّه المليح المُتقن. وكان عارفاً بالنّحو، والتصريف، بصيراً باللغة، يشارك في الأصول والفقه، ويخوض في مضائق العقول. انتهى. وقال السُّبكي في ((الطبقات)): ولا أحسب شيخَنا المزيَّ يدري المعقولات، فضلاً عن الخوض في مضايقها. فسامح اللهُ شيخَنا الذَّهبي. ثم قال الذهبي: ويدري الحديث كما في النّفس متناً وإسناداً، وإليه المُنتهى (١) علم الحديث رواية: علم يُعرف به أقوال رسول الله وَّه وأفعاله وأحواله، وروايتها وضبطها وتحرير ألفاظها . وعلم الحديث دراية: علم يُعرف به حقيقة الرواية وشروطها وأنواعها وأحكامها، وحال الرواة وشروطهم وأصناف المرويات وما يتعلق بها. (ع). ٢٣٧ في معرفة الرِّجال وطبقاتهم. ومن نظر في كتابه ((تهذيب الكمال))(١) علم محلَّه من الحفظ، فما رأيت مثلَه، ولا رأى هو مثل نفسه في معناه. وكان ينطوي على سلامة باطنٍ ودينٍ وتواضعٍ وفراغٍ عن الرئاسة وحسنٍ سمتٍ وقلّةِ كلامٍ، وحسنِ احتمالٍ. وقد بالغ في الثناء عليه أبو حَيّان، وابنُ سيِّدِ الناس، وغيرهما من علماء العصر. توفي في صفر، ودفن بمقابر الصُّوفية غربيّ قبر صاحبه ابن تَيْمِيَّة. ومن تصانيفه ((تهذيب الكمال)) و((الأطراف))(٢) وغيرهما. (١) يُعَدُّ هذا الكتاب من أجود كتب التراجم التي خلَّفها علماء المسلمين، ويعتبر من الكتب الرائدة في هذا الباب، وقد وضع أصله ((الكمال في أسماء الرجال)) الإِمام الحافظ عبد الغني المقدسي المتوفى سنة (٦٠٠) هـ، وقام الإِمام المِزّي بتهذيبه وأضاف إليه فوائد كثيرة وسماه ((تهذيب الكمال في أسماء الرجال)) وقد كتب الله عز وجل لكتاب المِزْي هذا الشهرة والانتشار منذ عصر مؤلَّفه، ولكنّه بقي في عداد المخطوطات المحصور وجودها في المكتبات العامة ببعض البلاد الإسلامية، إلى أن تولت دار المأمون للتراث بدمشق إصداره مصورة لإحدى نسخه الخطية في ثلاث مجلدات كبيرة بطريقة الأوفست، تولى تقديمها للقراء الأستاذان الفاضلان عبد العزيز رباح وأحمد يوسف الدقاق. ثم تصدت لإِخراجه في طبعة علمية متقنة محققة مؤسسة الرسالة بيروت، فعهدت للأستاذ الدكتور بشار عواد معروف بتحقيقه، وإلى الأستاذ الشيخ شعيب الأرناؤوط بتخريج أحاديثه والإِشراف على طبعه، وقد صدر منه حتى الآن خمسة عشر مجدداً. (٢) واسمه الكامل ((تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف)) ويُعَدُّ هو الآخر من خيرة مصنَّفات المسلمين في بابته، بَيَّن فيه مواقع الأحاديث في مصنّفات حديثية كثيرة من خلال الدلالة على أطرافها، فأجاد وأفاد، جزاه الله تعالى عن المسلمين خير الجزاء. وقد طبع كتابه طبعة متقنة نافعة في الدار القيمة بمباي في الهند في أربعة عشر مجدداً بتحقيق الأستاذ الفاضل الشيخ عبد الصمد شرف الدِّين، ثم أعاد المكتب الإسلامي ببيروت إصداره مصوراً عن طبعة الهند عدة مرات. وقام الحافظ ابن حجر العسقلاني بتصينف كتاب سمَّه ((النكت الظراف على الأطراف)) وقد نشر في هامش ((تحفة الأشراف)) على يد الشيخ عبد الصمد شرف الدِّين في الهند أيضاً. وقام الحافظ ولي الدِّين ابن العراقي المتوفى سنة (٨٢٦) هـ بتعقب الحافظ المزِّي بمصنف نافع سمَّاه ((الإطراف بأوهام الأطراف)) وقد نشر نشرة سيئة في بيروت على يد الأستاذ كمال يوسف الحوت. وقد شرعت بتحقيقه تحقيقاً يليق به معتمداً على نسختين خطيتين، وأسأل الله تعالى العون على الانتهاء منه قريباً ودفعه للطبع لكي يعم الانتفاع به. ٢٣٨ سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة · في مُحَرَّمِها جمع الناصرُ الأموالَ التي في قلعة الجبل، وأخذها وراح إلى الكرك، وترك الملك، ونسبت إليه أشياءُ قبيحةٌ، فخلعوه من السلطنة، وبايعوا أخاه السلطان الصالح إسماعيل، فأرسل جيشاً إلى محاربة الناصر أحمد في الكرك، وأظهر أنه يطلب الأموال. ووقع بالشام غلاء بسبب هذا الحصار. ● وفيها توفي الحسن بن عمر بن عيسى بن خليل البعلبكي (١). روى عن التّاج بن عبد الخالق بن عبد السلام. وتوفي في شعبان. قاله في ((الدُّرر)). • وفيها توفي (٢) الإِمام المشهور الحسن بن محمد بن عبد الله الطَّيبي(٣)، شارح ((الكشّاف)) العلامة في المعقول والعربية والمعاني والبيان. قال ابن حجر(٤): كان آيةً في استخراج الدقائق من القرآن والسُّنن، مقبلاً على نشر العلم، متواضعاً، حسن المعتقد، شديدَ الردِّ على الفلاسفة [والمبتدعة]، مظهراً فضائحهم، مع استيلائهم حينئذ شديد الحب الله ورسوله، كثيرَ الحياء، ملازماً لإِشغال الطلبة في العلوم الإِسلامية بغير طمع، بل يخدمهم(٥) ويعينهم، ويعير الكتب النّفيسة لأهل بلده وغيرهم؛ من يعرف ومن لا يعرف، محبًّا لمن عرف منه تعظيم (١) ترجمته في ((الدُّرر الكامنة)) (٣٠/٢ - ٣٢). (٢) ليست اللفظة في ((ط)). (٣) ترجمة الطيبي في ((الدُّرر الكامنة)) (٦٨/٢ - ٦٩)، و ((بغية الوعاة)) (٥٢٢/١ - ٥٢٣)، و((البدر الطالع)) (٢٢٩/١ - ٢٣٠) و((معجم المؤلفين)) (٥٣/٤). واسمه في بعض هذه المصادر ((الحسين)). (٤) تصرّف المصنّف في نقله عن ابن حجر تقديماً وتأخيراً وحذفاً وإضافةً. (٥) في ((آ)) و((ط)): ((بل يجديهم)) وفي ((الدرر الكامنة)) ((يحذيهم ويعينهم)) وفي هامشه: ((يحدثهم ويغنيهم)) وفي ((بغية الوعاة)): ((بل يخدمهم ... )). وهو ما أثبته لأنه مصدر المؤلّف في نقله. ٢٣٩ الشريعة، وكان ذا ثروة من الإِرث والتجارة فلم يزل ينفقه في وجوه الخيرات، حتى صار في آخر عمره فقيراً. صنف ((شرح الكشّاف)) و((التفسير)) ((والتبيان)) في المعاني ((والبيان)) وشرحه، و((شرح المشكاة)). وكان يشغل في التفسير من بكرة إلى الظهر ومن ثم إلى العصر في الحديث إلى يوم مات فإنه فرغ من وظيفة التفسير وتوجّه إلى مجلس الحديث فصلّى النافلة، وجلس ينتظر إقامة الفريضة، فقضى نحبه متوجهاً إلى القبلة، وذلك يوم الثلاثاء ثالث عشري شعبان. قال السيوطي: ذكر في شرحه على ((الكشّاف)) أنه أخذ من أبي حفص السّهَروردي وأنه قبيل الشروع في هذا الشرح رأي النّبِيَّ نَ ◌ّه وقد ناوله قدحاً من اللبن فشرب منه. ، وفيها الأمير صارم الدِّين صاروجا بن عبد الله المُظَفَّرِي(١). كان أميراً في أول دولة الملك الناصر محمد بن قَلاوُون بالديار المصرية. وكان صاحبَ أدبٍ وحشمةٍ ومعرفة. ولمّا أعطى الملكُ الناصرُ تَنْكُز إمرةً عشرة جعل صاروجا هذا أغاة له، وضمَّه إليه، فأحسن صاروجا لتَنْكُز، ودرّبه واستمرّ إلى أن حضر الملك الناصر من الكَرَك اعتقله، ثم أفرج عنه بعد عشر سنينٍ تقريباً، وأنعم عليه بإمرةٍ في صفد، فأقام بها نحو سنتين، ونُقل إلى دمشق أميراً بها بسفارة تَنْكُز نائب الشام، فلما وصل إلى دمشق عنّ له تَنْكُز خدمته السالفة وحظي عنده، وصارت له كلمة بدمشق، وعمَّر بها عماير مشهورة به منها السُّويقة(٢) التي خارج دمشق إلى جهة الصَّالحية، ولما أُمسك تنکِز قُبض على صاروجا، وحضر مرسوم بتكحیله، فكُچِّل وعمي، ثم ورد مرسوم بالعفو عنه، ثم جُهِّز إلى القدس الشريف، فأقام به إلى أن مات في أواخر هذه السنة. (١) ترجمة (صاروجا) في ((نكت الهميان)) للصفدي (١٧٠)، و((الدُّرر الكامنة)) (١٩٨/٢)، و((الدارس)) (١٢٤/١) و((الأعلام)) (٢٧٠/٣). (٢) وإلى ذلك أشار الزركلي رحمه الله بقوله: ((وسوق صاروجا بدمشق أظنه منسوباً إليه والعامة تقول: سوق ساروجا)) بل يمكننا أن نجزم بأنه هو المقصود بناءً على كلام ابن العماد رحمه الله. ٢٤٠