Indexed OCR Text

Pages 481-500

ابن سلطان بن سُررو بن رافع بن حسن بن جعفر المَقْدسي النَّابلسي(١) الفقيه
الحنبلي المُحَدِّث.
ولد يوم عاشوراء سنة أربع وتسعين وخمسمائة، وسمع بالقدس من أبي
عبدالله بن البنَّا، وحَدَّث بنابلس.
قال الشريف عزّ الدِّين: كان له سَعَةٌ وفيه فضل. توفي في ذي القعدة
بنابلس.
● وفيها موفق الدِّين أبو محمد عبد القاهر بن محمد بن علي بن
عبدالله بن عبد العزيز بن الفُوطي البغدادي الحنبلي الأديب (٢).
قال ابن السّاعي: كان إماماً، ثقةً، أديباً، فاضلاً، حافظاً للقرآن، عالماً
بالعربية واللغة والنجوم، كاتباً شاعراً، صاحب أمثال. وكان فقيراً ذا عِيالٍ،
ولم يوافق نفسه على خيانة. ولي كتابة ديوان العرض، وقتل صبراً في الواقعة
ببغداد .
• وفيها ابنُ خطيب القَرَافَة أبو عمرو عثمان بن علي بن عبد الواحد
القُرَشي الأسدي الدمشقي الناسخ(٣). كان له إجازة من السُّلفي، فروی بها
الكثير، وتوفي في ثالث ربيع الآخر عن أربع وثمانين سنة.
· وفيها الشَّاذلي أبو الحسن علي بن عبدالله بن عبد الحميد
المغربي (٤) الزاهد، شيخ الطائفة الشاذلية. سكن الإِسكندرية، وصحبه بها
وقام بنشره منذ فترة قريبة بدمشق الأستاذ الدكتور مصطفى البغا.
=
(١) انظر ((الوافي بالوفيات)) (١٧٨/١٨) و((ذيل طبقات الحنابلة)) (٢٦٦/٢ - ٢٦٧).
(٢) انظر ((ذيل طبقات الحنابلة)) (٢٦٤/٢ - ٢٦٥).
(٣) انظر ((العبر)) (٢٣٢/٥) و((سير أعلام النبلاء)) (٣٤٧/٢٣) و((الإعلام بوفيات الأعلام))
ص (٢٧٤) و((النجوم الزاهرة)) (٦٨/٧).
(٤) انظر ((العبر)) (٢٣٢/٥) و((طبقات الأولياء)) ص (٤٥٨ - ٤٥٩) و((غربال الزّمان)) ص (٥٣٤ -
٥٣٥) و((حسن المحاضرة)) (٥٢٠/١).
٤٨١

جماعة. وله في التصوف مُشْكِلَةٌ تُوْهِمُ، ويُتَكَلّفُ له في الاعتذار عنها، وعنه
أخذ الشيخ أبو العبَّاس المُرْسي. قاله في ((العبر)).
وقال الشيخ عبد الرؤوف المناوي في ((طبقات الأولياء)): علي أبو
الحسن الشاذلي السيد الشريف، من ذرية محمد بن الحسن، زعيم الطائفة
الشاذلية، نسبة إلى شاذلة قرية بإفريقية.
نشأ ببلده، فاشتغل بالعلوم الشرعية، حتى أتقنها، وصار يناظر عليها،
مع كونه ضريراً، ثم سلك منهاج التصوف، وجدَّ واجتهد، حتّى ظهر صَلَاحُهُ
وخيره، وطار في فضاء الفضائل طيره، وحُمِدَ في طريق القوم سِرَاهُ وسيره.
نظم فرقُقَ ولطّفَ، وتكلّم على الناس فقرّط الأسماع وشنَّف، وطاف وجال،
ولقي الرِّجال، وقدم إلى إسكندرية من المغرب، وصار يلازم ثَغْرَهَا من الفجر
إلى المغرب، وينتفع الناس بحديثه الحسن وكلامه المطرب، وتحوّل إلى
الدِّيار المصرية، وأظهر فيها طريقته المرضية، ونشر سيرته السرية، وله
أحزاب محفوظة وأحوال بعين العناية ملحوظة. قيل له من شيخك؟ فقال: أما
فيما مضى فعبد السَّلام بن بشيش(١). وأما الآن فإني أُسقى من عشرة أبحر،
خمسة سماوية وخمسة أرضية.
ولما قدم إسكندرية كان بها أبو الفتح الواسطي، فوقف بظاهرها
واستأذنه، فقال: طاقية لا تسع رأسين، فمات أبو الفتح في تلك الليلة،
وذلك لأن من دخل بلداً على فقير بغير إذنه فمهما كان أحدهما أعلى سَلَبَهُ أو
قتله، ولذلك ندبوا الاستئذان. وحجّ مراراً، ومات قاصداً الحجّ في طريقه.
قال ابن دقيق العيد: مارأيت أعرف بالله منه، ومع ذلك آذوه وأخرجوه
بجماعته من المغرب، وكتبوا إلى نائب إسكندرية أنه يقدم عليكم مغربي
(١) لم أقف على ترجمة له فيما بين يدي من المصادر والمراجع.
٤٨٢

زِنْدِيقٌ؛ وقد أخرجناه من بلدنا فاحذروه. فدخل إسكندرية فآذوه، فظهرت له
کرامات أوجبت اعتقاده.
ومن كلامه: كل علم تسبق إليك فيه الخواطر، وتميل النّفسُ، وتلتذ به
فارم به وخُذ بالكتاب والسُّنَّة.
وكان إذا ركب تمشي أكابر الفقراء وأهل الدُّنيا حوله، وتنشر الأعلام
على رأسه، وتضرب الكوسات(١) بين يديه، ويُنادي النّقِيبُ أمامه بأمره له: من
أراد القطب الغَوث فعليه بالشاذلي.
قال الحنفي: اطلعت على مقام الجيلاني والشَّاذلي، فإذا مقام الشاذلي أرفع.
ومن كلام الشاذلي: لولا لجام الشريعة على لساني لأخبرتكم بما يحدث
في غد وما بعده إلى يوم القيامة(٢).
وقد أفرد التَّاج بن عطاء الله (٣) مؤلفاً حافلاً لترجمته وكلامه.
مات - رحمه الله تعالى - بصحراء عَيْذَابِ(٤) قاصداً للحجِّ في أواخر
ذي القعدة، ودفن هناك. انتهى ملخصاً.
• وفيها سيف الدِّين بن المُشِدّ، سُلطان الشعراء، صاحب ((الديوان))
المشهور. الأمير أبو الحسن علي بن عمر بن قزل التّركماني(٥).
.(١) قال الشيخ محمد أحمد دهمان رحمه الله في كتابه (معجم الألفاظ التاريخية)) ص (١٣٢):
الكوسات: الطبول، وفسرها بعضهم بأنها صنوج من نحاس شبه الترس الصغير.
(٢) قلت: هذا الكلام وأمثاله من مبالغات الصَّوفية وما أكثرها! ولا يعلم الغيب إلّ الله وحده جلّ
جلاله.
(٣) هو أحمد بن محمد بن عطاء الله الإسكندري، سترد ترجمته في وفيات سنة (٧٠٩) من
المجلد الثامن إن شاء الله تعالى.
(٤) قال الزَّبيدي في ((تاج العروس)) (عَذَبَ): عَيْذَابُ، بالفتح بالصعيد، ونسبت إليها الصحراء.
وانظر ((الروض المعطار)) للحميري ص (٤٢٣ - ٤٢٤).
(٥) انظر ((العبر)) (٢٣٣/٥) و((عيون التواريخ)) (١٢٠/٢٠ - ١٢٧) و((فوات الوفيات)) (٥١/٣ - -
٤٨٣

ولد سنة اثنتين وستمائة بمصر، وكان فاضلاً، كثير الخير والصدقات،
ذا مروءةٍ.
ومن شعره:
بُشرى لأهل الهوى عاشوا به سُعُدا
شِعَارُهم رِقَّةُ الشَّكْوى ومذهبُهِمْ
عُيُونُهُمْ فِي ظَلاَمِ اللّيلِ سَاهِرَةٌ
تَجَرَّعُوا كأسَ خَمْرِ الحُبِّ مُتْرَعَةً
وَاسِلُ القدِّ مَعْسُولٌ مُقَبِلُهُ
نَادَمْتُهُ وَتُغُورُ البَرْقِ بَاسِمَةٌ
كأنَّ جِلِّقَ حَيَّا اللهُ ساكِنْهَا
فَاسْتَرْسَلَ الجَوُّ مِنُهَلَّا يَزِيدُ عَلى
ومن شعره أيضاً:
وإن يَموتُوا فُهُم من جُملةِ الشُّهدَا
أن الضَّلَالَةَ تِيهُ(١) في الغَرامِ هُدى
عَبْرى وأنفاسُهُم تحت الدُّجىْ صُعُدّا
ظَلُّوا سُكَارِئْ فَظَنُّوا غَيَّهُم رَشْدَا
كالغُصْنِ لما انثنى والبَدْرِ حِينَ بَدَا
والغَيْثُ يَنْزِلُ مُنْحَلًا ومُنْعَقِدًا
أَهْدَتْ إلى الغَوْرِ(٢) مِنْ أَزْهَارِهَا مَدَدًا
ثَوْرَى(٣) ويعقد مَحْلُولَ النَّدَى بردى
فَخُذُوا حِذَارَكُمُ مِن الأَحْدَاقِ
بَيْنَ الجُفُونِ مَصَارِعُ العُشَّاقِ
أمضى وأَنْكَى فِي حَشَا الْمُشْتَاقِ
فِهِيَ السِّهَامُ بل السُّيوفُ وإِنَّها
توفي - رحمه الله - في تاسع المحرم بدمشق، ودفن بقاسيون.
• وفيها النُّشْبِيُّ المُحَدِّثُ شمس الدِّين أبو الحسن علي بن المُظَفِّر بن
= ٥٦) و((البداية والنهاية)) (١٩٧/١٣ - ١٩٨) و((النجوم الزاهرة)) (٦٤/٧ - ٦٥) و((الأعلام))
(٣١٥/٤).
قلت: وسمي بالمُشِدّ لأنه تولى شَدَّ الدواوين بمصر والشام كما في ((فوات الوفيات))
و ((النجوم الزاهرة)). ومعنى شَدّ الدواوين: أن يكون صاحبها رفيقاً للوزير، متحدثاً في
استخلاص الأموال، وما في معنى ذلك. انظر ((صبح الأعشى)) (٢٢/٤).
(١) في ((عيون التواريخ)): ((فيه)).
(٢) كذا في ((آ)) و((عيون التواريخ)): ((إلى الغور)) وفي ((ط)): ((إلى النور)) وهو خطأ.
(٣) تحرفت في ((عيون التواريخ)) إلى ((نور)) فتصحح ((و ((ثوری)) أحد فروع نهر بردى بدمشق.
٤٨٤

القاسم الرَّبعي النّشْبِيُّ الدمشقي(١)، نائب الحسبة. سمع الكثير من
الخُشُوعي، والقاسم بن عساكر، وخلق. وكان فصيحاً، طيِّبَ الصوت
بالقراءة، كتب الكثير، وكان يُؤَدِّبُ ثم صار شاهداً.
توفي في ربيع الأول وقد جاوز التسعين.
· وفيها الشيخ علي الخبّاز(٢) الزاهد، أحد مشايخ العراق. له زاويةٌ
وأتباع، وأحوال وکرامات.
• وفيها ابن عوّه أبو حفص عمر بن أبي نصر بن أبي الفتح
الجَزَري (٣)، التَّجر السفَّار العدل. حَدَّث بدمشق عن البُوصيري، وتوفي في
ذي الحجّة، وكان صالحاً.
· وفيها الموفق بن أبي الحَدِيد أبو المَعَالي، القاسم بن هبة الله بن
محمد بن محمد المَدائني(١) المتكلم الأشعري، الكاتب المنشىء البليغ.
كان فقيهاً، أديباً، شاعراً، محسناً، مشاركاً في أكثر العلوم. فمن شعره:
وقِفْ لِيَبْعُدَ عَنْ أَعْطَافِكَ المَيَسُ
استر لِئَامَكَ حتّى يستر اللّعسُ
إصابةَ العَيْنِ إِنَّ العَينَ تَخْتَلِسُ
إِنِي أَخَافُ عَلَى حُسْنٍ حُبِيتُ بِهِ
لَمْ يبقَ للخَشْفِ إلّ السّوقُ والخَنَسُ
يا غَاصِبَ الخَشْفِ أَوْصَافاً مُكَمَّلَةً
مِنَ التي هيَ مِنْ خَدَّيكَ تَقْتَبِسُ
وفَاضِحَ البَدْرِ إِنَّ البَدْرَ مُقْتَبَسٌ
مُكَمَّلُ الخَلْقِ لاهَيْنٌ ولا شَرِسُ
مُعَدَّلُ الخَلْقِ لَ طُولٌ ولا قِصَرٌ
(١) انظر (العبر)) (٢٣٣/٥)، و((سير أعلام النبلاء)) (٣٢٦/٢٣) و((توضيح المشتبه))
(١ /٥٠٠).
(٢) انظر ((العبر)) (٢٣٣/٥) و((البداية والنهاية)) (٢١٣/١٣) و((غربال الزمان)) ص (٥٣٥).
(٣) انظر ((العبر)) (٢٣٤/٥).
(٤) انظر ((وفيات الأعيان)) (٣٩٢/٥) و((العبر)) (٢٣٤/٥) و((سير أعلام النبلاء)) (٢٧٤/٢٣ -
٢٧٥ و٣٧٢) و((الوافي بالوفيات)) (٢٢٥/٨ - ٢٢٦) و((فوات الوفيات)) (١٥٤/١ - ١٥٥).
٤٨٥

حَتَّى عَلى طَفِهِ مِنْ شَكْلِهِ حَرَسُ
حَمَوْهُ عَنْ كُلِّ ما يُشْفى العَلِيْلَ بِهِ
فَعَادَ وَهْوَ بعيني كُلّه غَلَسُ
قَد كنتُ أُبْصِرُ صُبْحَاً فِي مَحَبِهِ
توفي ببغداد في رجب.
· وفيها الإِمام شُعْلَة أبو عبدالله محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد
ابن الحسين المَوْصِلي(١) الحنبلي المقرىء العَلَّمة، شارح ((الشاطبية)). قرأ
القرآن على أبي الحسن علي بن عبد العزيز الإِربلي وغيره، وتفقه، وقرأ
العربية، وبرع في الأدب والقراءات، وصنّف تصانيف كثيرة، ونظم الشعر
الحسن .
قال الذهبي: كان شاباً، فاضلاً، ومقرئاً محقّقاً، ذا ذكاءٍ مفرطٍ، وفهم.
ثاقبٍ، ومعرفةٍ تامَّةٍ بالعربية واللغة، وشعره في غاية الجودة. نظم في الفقه،
وفي التاريخ، وغيره. ونظم كتاب ((الشَّمْعَة في القراءات السَّبْعة)) وكان - مع
فرطِ ذكائِه - صالحاً، زاهداً، متواضعاً. كان شيخنا التَّقِيُّ المَقَصّاتي(٢) يصف
شمائله وفضائله، ويُثني عليه. وكان قد حضر بحوثه.
وقال ابن رجب: له تصانيف كثيرة، أكثرها في القراءات، منها ((شرح
الشاطبية)) وكتاب ((الناسخ والمنسوخ)) وكلامه فيه يدل على تحقيقه وعلمه،
وله كتاب ((فضائل الأئمة الأربعة)).
ومن نظمه قوله :
واجْنُب لما يُلهِي عَنِ الرَّحمنِ
دَْ عَنْكَ ذِكْرَ فُلَانَةٍ وَفُلَآٍ
(١) انظر ((العبر)) (٢٣٤/٥) و((سير أعلام النبلاء)) (٣٦٠/٢٣) و((الإعلام بوفيات الأعلام))
ص (٢٧٤) و((معرفة القراء الكبار)) (٦٧١/٢ - ٦٧٢) و((ذيل طبقات الحنابلة)) (٢٥٦/٢ -
٢٥٨) و((غاية النهاية في طبقات القراء)) (٨٠/٢ - ٨١).
(٢) هو شيخ القراء تقبّ الدِّين أبو بكر ثابت بن محمد بن المشيّعِ الجَزّريّ المَقَصَّاتِيّ، سترد
ترجمته في وفيات سنة (٧١٣) من المجلد الثامن إن شاء الله تعالى.
٤٨٦

واعْلم بأنَّ المَوتَ يأتي بَغْتَّةً
فإلى مَتى تَلْهُو وَقَلْبُكَ غَافِلٌ
أَتْرَاكَ لم تَكُ سَامِعاً ما قَدْ أَّتِى
فانْظُرْ بعينِ الإِعْتِبَارِ ولاَ تَكُنْ
واقْصِد لمَذْهبٍ أحمد بن محمدٍ
فَهُوَ الإِمامُ مُقِيمُ دِينِ المُصْطَّفى
أَحَيَا الهُدىْ وَأَقَامَ في إحيائه
تَعْلُوهُ أسياطُ الأعادي وهُو لَا
[وَيَقُول عِنْدَ الضَّربِ: لَسْتُ بِتَابِعٍ.
مَاذَا أَقُول غَداً لربِّي إِنْ أَنَا
وعَدَلْتَ(٢) عَنْ قَولِ النّبِيِّ وصَحبِ
أَتْرَوْنَ أَنِ خَائِفٌ مِنْ ضَرْبِكُم
كُن حَنْبليّا مَا حَبِيتَ فإِنَّني
وَلَقَدْ نَصَحْتُكَ إِنْ قَبِلتَ فأحمدٌ
مَنْ ذَا أَقَامَ كَمَا(٤) أَقَامَ إِمَامُنَا
مُسْتَعْذِباً لِلْمُرِّ فِي نَصْرِ الهُدى
وسَلاَ بِمُهْجَتِهِ وبَايَعَ رَبَّهُ
وأَقَامَ تَحْتَ الضَّربِ حَتّى إنه
وأتى برُمْحِ الحَقِّ يَطْعنُ فِي الْعِدَا
وجَمِيعُ مَا فَوْقَ الْبَسِيطَةِ فَانِ
عَنْ ذِكْر يَومِ الحَشْرِ وَالمِيْزَانِ؟
في النَّصِّ بالآياتِ والقرآن؟
ذَا غَفْلَةٍ عَنْ طَاعِةِ الدِّيَّانِ
أعني ابنَ حَنْبَلِ الفَتى الشَّيْبَانِي
مِنْ بَعْدِ دَرْسٍ مَعَالمِ الإِيمانِ
متجرِّداً للضرب غيرَ جَبَانٍ
بُهتانِ
يَنْفَكُّ عَنْ حَقِّ إلى
يَا وَيْحَكُم، لَكُمُ بِلا بُرْهَانٍ
وَافَقْتكم في الزُّورِ وَالْبُهْتَانِ](١)
تَبِعُوهُ بِالإِحْسَانِ
وجَمِیعِ مَنْ
المنانِ
وَالإِلّهِ الواحدِ
لآ
أُوصيكَ خَيْرِ وَصِيةِ الإِخوانِ
زَيْنُ الثِّقَاتِ(٣) وسيِّدُ الفِتْيَانِ
مُتَجرِّداً مِنْ غَيرِ مَا أَعْوَانٍ
مُتَجَرِّعاً لمضَاضَةِ السُّلْطَانِ
أَن لاَ يُطِيعَ أئمةَ العُدْوَانِ
دَحَضَ الضَّلَاَلَ وِفِتْنَةَ الفَتَّانِ
أَهلِ الضَّلاَلِ وشِرْعَةِ الشَّيْطَانِ
(١) ما بين الحاصرتين سقط من ((آ)) و((ط)) و((المنتخب)) لابن شقدة (١٧٦ /ب) واستدركته من
((ذيل طبقات الحنابلة)) مصدر المؤلف.
(٢) في ((آ)) و((ط)) و((المنتخب)): ((وعزلت)) والتصحيح من ((ذيل طبقات الحنابلة)).
(٣) في ((آ)) و((ط)): ((زين التقاة)) وما أثبته من ((المنتخب)) و((ذيل طبقات الحنابلة)).
(٤) في ((أ)) و((ط)): ((ماذا أقام وقد ... )) وفي ((المنتخب)): ((ماذا أقول وقد ... )) وما أثبته من
((ذيل طبقات الحنابلة)) مصدر المؤلف.
٤٨٧

في رَبُّه من سَاكِنِي الْبُلْدَانِ
مَا نَاحَتِ الوَرْقَاءُ فِي الأَغْصَانِ
مَنْ ذَا لقي (١) مَا قَدْ لقيه من الأذىْ
فَعَلى ابنِ حَنبلِ السَّلامُ وصَحْبهِ
وَأَنالَ في بعثي رِضَا الرَّحمنِ
إني لأرْجُو أَن أَفُوزَ بِحُبِّهِ
وَعَلَى شَرِيعةٍ أحمدٍ أَنْشَاني
حَمداً لربِّي إِذْ هَدَانِ دِيْنَهُ
ومِنَ الهَوى والغَيِّ قَدْ أَنْجَاني
واخْتَارَ مَذْهَبَ أَحمدٍ لِي مَذْهَباً
أُوْلَاهُ سَيِّدُهُ مِنَ الإِحْسَانِ
مَنْ ذَا يَقُومُ مِنَ العِبَادِ بِشُكْرِ مَا
قال الذهبي: توفي في صفر بالموصل، وله ثلاث وثلاثون سنة، رحمه
الله تعالى .
• وفيها الأديب الفَاضِلِ سَعْدُ الدِّين محمد بن الشيخ محيي الدِّين
محمد بن العَربي الحاتمي الطَّائي (٢).
ولد بمَلَظْيَة، وسمع الحديث، ودرَّس. وله ((ديوان)) مشهور، وناب
بدمشق .
ومن شعره في مليح رآه في الزيادة:
سَلَبَتْ مُقْلَتَاهُ جَفْنِي رُقَادَهْ
يا خَليليّ في الزِّيَادَةِ ظَبِيِّ
ناظرٌ حسنَ وجهه في الزِّيادَةْ
كَيفَ أَرْجُو السُّلُوَّ عَنْهُ وَطَرْفي
وله :
وأُرَاهُ مُتَّصِلاً بِفَيضِ مَدَامِعِي
سَهَرِي مِنَ المَحْبُوبِ أُصْبحَ مُرْسَلًا
فاسْمَعِ رِوَايَةَ مَالكِ عَنْ نَافِعِ
قَالَ الحَبيبُ بأنَّ رِيْقِي(٣) نَافِعٌ
(١) تحرفت في ((ذيل طبقات الحنابلة)) إلى ((ماذا لقي)) فتصحح.
(٢) انظر ((الوافي بالوفيات)) (١٨٦/١ - ١٨٨) و ((فوات الوفيات)) (٢٦٧/٣ - ٢٧١) - وقد ذكر بأن
وفاته كانت سنة (٦٨٦) - و((نفح الطيب)) (١٧٠/٢) و((الأعلام)) (٢٩/٧).
. (٣) في ((آ)) و((ط)): ((ربعي)) والتصحيح من ((المنتخب)) لابن شقدة (١٧٦/ب) و((الوافي
بالوفيات» .
٤٨٨

وله :
أَشْكُو إِلى اللهِ عَلَّمِ الخَفِيَّاتِ
مِنْ جَوْرِ أَلْحاظِك المَرْضَى الصحيحاتِ
سَلْ عَنْ دَمي الوَجناتِ العَنْدِمِيَّاتِ
إن أَنكَرَتْ هَذهِ الأجفَانُ ما صَنَعَتْ
ويْلَهُ مِن سُقْمَ هَاتِيْكَ الرِّوَايَاتِ
رَوَتْ لَوَاحِظُهَا عَنْ بَابلٍ خَبَراً
إِنَّ المَجَالِسَ فَاعْلَمْ بِالأَمَانَاتِ
فَيَا جَلِيسي بَدَا مَا كُنْتُ أَكْتُمُهُ
حَرِّرْتَ مَعْهُنَّ أَرْبَابَ المَسَرَّاتِ
للهِ سِرْبُ ظِبَاءٍ مِنْ بني أَسَدٍ
كُمْ مِنْ عُيُونٍ تَرَكْنَاهَا وجَنَّاتِ
حَلَقْتَ أَحْدَاقَها بَعْدِي وَأوجَهُهَا
توفي - رحمه الله تعالى - بدمشق، ودفن عند قبر أبيه بتربة بني الزَّكي
بقاسیون .
• وفيها ابن الجُرح أبو عبدالله محمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن
الأنصاري التّلِمْسَانِي المَالِكِيّ(١) نزيل الثّغر. كان من صلحاء العلماء، سمع
بسبتة ((الموطأ)) من أبي محمد بن عبيد الله الحَجْري (٢)، وتوفي في ذي
القعدة، عن ثنتين وتسعين سنة .
• وفيها خَطِيبُ مَرْدًا الفقيه أبو عبدالله محمد بن إسماعيل بن أحمد بن
أبي الفتح المَقْدمسي النَّابلسي [الحنبلي (٣).
ولد بمَرْدًا سنة ست وستين وخمسمائة ظنّاً، وتفقه بدمشق، وسمع من
(١) انظر ((العبر)) (٢٣٤/٥) و((حسن المحاضرة)) (٤٥٧/١).
(٢) تقدمت ترجمته في المجلد السادس صفحة (٥٠٠) فراجعها.
(٣) انظر ((العبر)) (٢٣٥/٥) و((سير أعلام النبلاء)) (٣٢٥/٢٣ -٣٢٦) و((الإعلام بوفيات الأعلام))
ص (٢٧٤) و((ذيل طبقات الحنابلة)) (٢٦٧/٢).
٤٨٩

يحيى الثقفي](١) وأحمد [بن] المَوَازِييني، وبمصر من البُوصِيري وغير
واحد، وتوفي بمَرْدًا في أوائل ذي الحجّة.
· وفيها الفَاسيُّ الإِمام أبو عبدالله محمد بن حسن بن محمد بن يوسف
المُغْربي المقرىء(٢)، مصنف ((شرح الشَّاطبية). قرأ على رجلين قرآ على
الشّاطبي، وكان فقيهاً، بَارِعَاً، مُتَفَتِّناً، متين الدِّيَانَةِ، جليل القَدْرِ، تصدّر
للإقراء بحلب مدة، وتوفي في ربيع الآخر.
• وفيها الفقيه الزَّاهد محيي الدِّين أبو نصر محمد بن نصر بن
عبد الرزاق بن عبد القادر بن أبي صالح الحنبلي البغدادي (٣)، قاضي
القُضَاة، عماد الدِّين. سمع من والده، ومن الحسن بن علي بن المرتضى
العَلَوي، وغيرهما. وطلب بنفسه، وقرأ وتفقّه. وكان عالماً، ورِعَاً، زاهداً،
يدرِّس بمدرسة جَدِّه ويلازم الاشتغال بالعلم إلى أن توفي.
ولما ولي أبوه قضاء القضاة، ولآه القضاء والحكم بدار الخلافة،
فجلس في مجلس الحكم مجلساً واحداً وحكم، ثم عَزَلَ نفسه ونهض إلى
مدرستهم بباب الأزج؛ ولم يعد إلى ذلك تنزُّهاً عن القضاء وتورعاً.
وسمع منه الدّمياطي الحافظ، وحَدَّث عنه، وذكره في ((معجمه)) وتوفي
ليلة الاثنين ثاني عشر شوال ببغداد، ودفن إلى جنب جدّه الشيخ عبد القادر
بمدرسته، وكانت وفاته بعد انقضاء الواقعة.
• وفيها ابن صَلَايا، الصّاحب تاج الدِّين، أبو المكارم، محمد بن نصر
ابن يحيى الهاشمي العَلَوي (٤)، نائب الخليفة بإربل. كان من رجال الدَّهْر
(١) ما بين الحاصرتين سقط من ((آ)) وأثبته من ((ط)).
(٢) انظر ((العبر)) (٢٣٥/٥) و((سير أعلام النبلاء)) (٣٦١/٢٣) و((معرفة القراء الكبار)) (٦٦٨/٢ -
٦٦٩) و((غاية النهاية)) (١٢٢/٢ - ١٢٣) و((غربال الزمان)) ص (٥٣٥).
(٣) انظر ((ذيل طبقات الحنابلة)) (٢٦٥/٢ - ٢٦٦).
(٤) انظر (العبر)) (٢٣٦/٥) و((الوافي بالوفيات)) (١٢٨/٥ - ١٢٩).
٤٩٠
.

عقلًا، ورأياً، وهيبةً، وعزماً، وجوداً، وسؤدداً. قتله هولاكو(١) في ربيع الآخر
(٢)
بقرب تبریز
· وفيها الفاضل الأديب نور الدِّين محمد بن محمد بن رستم
الإِسْعَردِي (٣) الشاعر المشهور. كان قاضي القضاة ابن سَني الدولة أجلسه
تحت السّاعات شاهداً، فحضر يوماً عند السلطان صلاح الدِّين يوسف
فأعجبته عبارته، فجعله نديماً، وخلع عليه القَبَاء والعَمَامة المُذَهبة، فأتى ثاني
يوم بالعمامة المذهبة والقَبَاء وجلس تحت السَّاعات بين الشهود، وكان الغالب
عليه المُجُون. وأفرد هزلياته في كتاب سماه «سلافة الزَّرْجُون في الخلاعة
والمُجون)) (٤).
• وفيها فتح الدِّين محمد بن عبد الصَّمد بن عبدالله بن حَيْدَرة
السّلمي (٥). عرف بابن العدل، أحد الصُّدور الأماثل. ولي حسبة دمشق إلى
حين وفاته، وكان موصوفاً بالعفاف، وجَدُّه محيي الدِّين هو باني المدرسة
بالزَّبداني، وكان كثير البرِّ والصدقة، له الأملاك الكثيرة، ودفن بسفح
قاسیون.
• وفيها ابن شُقَير(٦)، الشيخ عفيف الدِّين أبو الفضل المُرَجّى بن
(١) في ((آ) و((ط)): ((هلاكو) وفي ((العبر)) بطبعتيه: ((هولاو).
(٢) كذا في ((ط)) و((العبر)): ((بقرب تبریز)) وفي ((آ): ((بتبریز)).
(٣) انظر ((الوافي بالوفيات)) (١٨٨/١ - ١٩٢) و((نكت الهميان)) ص (٢٥٥) و ((فوات الوفيات))
(٢٧١/٣ - ٢٧٦) و(البداية والنهاية)) (٢١٢/١٣). وقد تحرفت ((الإِسعردي)) فيه إلى
((الأشعري)) فتصحح، و((عقد الجمان)) (١٨٩/١).
(٤) قلت: ضمّنه هزليات من شعره، وضم إليها أشياء من نظم غيره . قال الصَّفدي.
(٥) انظر ((الوافي بالوفيات)) (٢٥٧/١ - ٢٥٨) و((عيون التواريخ)) (٢٠٢/٢٠ - ٢٠٣) و(«البداية
والنهاية)) (٢١٣/١٣).
(٦) كذا في ((آ)) و((ط)) و((العبر)): ((ابن شقير)) وفي ((سير أعلام النبلاء)) و(معرفة القراء الكبار):
((ابن شقيرا)) وفي ((غاية النهاية)): ((ابن شقيرة)).
٤٩١

الحسن بن هبة الله بن غَزَال الواسطي (١) المقرىء التَّاجر السفَّار.
ولد سنة إحدى وستين وخمسمائة بواسط، وقرأ القراءات على أبي بكر
ابن البَاقِلاني وأتقنها، وتفقه. وكان آخر من روى وحَدَّث عن أبي طالب
الكتاني .
وذكر الفَارُوْثي (٢) أنَّه عاش إلى حدود هذه السنة.
• وفيها ابن الشُّقَيْشِقَة المُحَدِّث، نجيب الدِّين أبو الفتح نصر الله بن
أبي العزّ مُظَفِّر بن عَقِيلِ الشَّيْبَاني الدمشقي الصفّار(٣).
ولد بعد الثمانين وخمسمائة، وسمع من حنبل(٤)، وابن طبرزد، وخلق
كثير. وروى ((مسند أحمد)). وكان أديباً، ظريفاً، عارفاً بشيوخ دمشق
ومروياتهم؛ لكن رماه أبو شَامَة بالكذب ورقة الدِّين(٥). وكان جعله قاضي
القضاة ابن سَني الدولة عاقداً تحت السّاعات، فقال فيه البهاء بن الدجَّاجية:
بأبِيكُمَا مَاذَا عَدَا فيما بَدًا"
جَلَس الشُّقَيْشِقَةُ الشَّقِيُّ ليشهدا
جَالُ أُم عَدِمُوا الرِّجَالَ أُولِي الهُدى(٦)
هَلْ زَلْزَلَ الزِّلْزَالُ أُم قَدْ أُخْرِجَ الدَّ
بالشِّرْعِ قَدْ أَذِنُوا لَهُ أن يَعْقِدًا
عَجَبّاً لمحْلُولِ العَقِيدِ جَاهِلٍ
(١) انظر ((العبر)) (٢٣٦/٥) و((سير أعلام النبلاء)) (٣٢٩/٢٣ - ٣٣٠) و((معرفة القراء الكبار))
(٦٥٦/٢ - ٦٥٧) و((غاية النهاية)): (٢٩٣/٢).
(٢) تحرف في ((آ)) و((ط)) إلى ((الفاروي)) والصواب ما أثبته، وهو أحمد بن إبراهيم بن عمر
الواسطي الشافعي الفاروثي، سترد ترجمته في وفيات سنة (٦٩٤) من هذا المجلد.
(٣) انظر ((ذيل الروضتين)) ص (٢٠١) و((العبر)) (٢٣٦/٥ - ٢٣٧) و((ميزان الاعتدال)) (٢٥٤/٤)
و((عيون التواريخ)) (٢٠٥/٢٠ - ٢٠٦) و((النجوم الزاهرة)) (٦٨/٧).
(٤) في ((آ): ((سمع ابن حنبل)) وهو خطأ وما أثبته من ((ط)) و((العبر)) و((ميزان الاعتدال)).
(٥) انظر ((ذيل الروضتين)) ص (٢٠١).
(٦) رواية الشطرة الثانية من البيت في ((ذيل الروضتين)):
أم عدم الرجال ذوو الهُدى
٤٩٢

ولابن الشُّقَيْشِقَة لغزّ في الواو والميم والنّون، وهو:
آخِرهُ
أَوَّلهُ
جَمِيعُهُ
وَبَعْضُهُ
حُرْوُفُهُ
ثَلاثَةٌ
وَوَاحِدٌ
مَجْمُوعُهُ
فَلست(١)
إِنْ شِئْتَ أَنْ تَعْكِسَهُ
تستطيعه
توفي في جمادى الآخرة ووقف داره بدمشق دار حدیث.
• وفيها الصَّرْصَري الشيخ العَلّمة القُدوة أبو زكريا يحيى بن يوسف
ابن يحيى الصَّرْصَري (٢) الأصل - نسبة إلى صَرْصَرْ بفتح الصادين المهملتين،
قرية على فرسخين من بغداد - كان إليه المُنتهى في معرفة اللّغة وحسن
الشعر، ((وديوانه)) ومدائحه سائرة(٣)، وكان حَسَّان وقته.
ولد سنة ثمان وثمانين وخمسمائة، وقرأ القرآن بالرِّوايات على أصحاب
ابن عساكر البطائحي (٤). وسمع الحديث من الشيخ علي بن إدريس
الْيَعْقُوبي الزاهد، صَاحَبَهُ الشيخ عبد القادر، وصَحِبَهُ، وتُسَلّكَ به، ولبس منه
الخرقة وأجاز له الشيخ عبد المُغِيث الحَرْبي وغيره، وحفظ الفقه واللغة،
ويقال: إنه كان يحفظ ((صحاح)) الجوهري بكمالها. وكان يتوقّدُ ذكاءً،
(١) علق الأستاذ حسام الدِّين القدسي، رحمه الله تعالى، - ناشر الطبعة السابقة من الكتاب -
بقوله: لعل الصواب ((فأنت)) لأن هذه الحروف لا تتغير إذا قرئت طرداً وعكساً.
(٢) انظر ((العبر)) (٢٣٧/٥) و((الإعلام بوفيات الأعلام)) ص (٢٧٤) و((نكت الهميان)) ص (٣٠٨)
و((فوات الوفيات)» (٢٩٨/٤ - ٣١٩) و((ذيل طبقات الحنابلة)) (٢٦٢/٢ - ٢٦٣).
(٣) قال العلامة الزركلي في ((الأعلام)) (١٧٧/٨): له ديوان صغير، ومنظومات في الفقه وغيره،
منها: قصيدة دالية في الفقه الحنبلي (٢٧٧٤) بيتاً، شرحها محمد بن أيوب التّاذفي في
مجلدين، و((المنتقى من مدائح الرسول ( *)) لعله المسمى ((المختار من مدائح المختار).
(٤) هو علي بن عساكر بن المُرَحّب البطائحي، تقدمت ترجمته في المجلد السادس صفحة
(٤٠٠).
٤٩٣

ويقال: إن مدائحه في النَّبِيِّ - 8 1 - تبلغ عشرين مجدداً، وقد نظم في الفقه
((مختصر الخرقي)) و((زوائد الكافي)) ونظم في العربية، وفي فنون شتى وكان
صالحاً، قدوةً، كثير التَّلاوة، عظيم الاجتهاد، صبوراً، قنوعاً، محبّاً لطريقة
الفقراء ومخالطتهم. وكان يحضر معهم السماع ويرخص في ذلك، وكان
شديداً في السُّنَّة، منحرفاً على المخالفين لها. وشعره مملوءً بذكر أصول
السُّنَّة ومدح أهلها وذمٌّ مخالفيها.
قال ابن رجب: وكان قد رأى النِّيِّ - ◌َه ـ في منامه، وبشَّرَه بالموت
على السُّنَّة. ونظم في ذلك قصيدةً طويلةً معروفةً.
وسمع منه الحافظ الدِّمياطي، وحدَّث عنه، وذكره في ((معجمه)).
ولما دخل التتار بغداد، كان الشيخ بها فلما دخلوا عليه قاتلهم وقتل
منهم بعكّازه نحو اثني عشر نفساً، ثم قتلوه شهيداً برباط الشيخ علي الخبّاز،
وحمل إلی صرصر فدفن بها.
• وفيها محيى الدِّين بن الجوزي، الصَّاحب العلّامة سفير الخلافة أبو
المَحَاسن يوسف بن الشيخ أبي الفرج عبد الرَّحمن بن علي بن محمد التيمي
البكري البغدادي الحنبلي (١)، أستاذ دار المستعصم بالله.
ولد سنة ثمانين وخمسمائة، وسمع من أبيه وذاكر بن كامل، وابن
بَوْش، وطائفة. وقرأ القرآن بواسط على ابن الباقلاني، وكان كثير المحفوظ،
قويّ المشاركة في العلوم، وافر الحشمة.
قال ابن رجب: قرأ القرآن بالروايات العشر على ابن الباقلاني، وقد
جاوز العشر سنين من عمره، ولبس الخرقة من الشيخ ضياء الدِّين بن سكينة.
(١) انظر ((العبر)) (٢٣٧/٥) و((سير أعلام النبلاء)) (٣٧٢/٢٣ -٣٧٤) و((الإعلام بوفيات الأعلام)»
ص (٢٧٤) و((ذيل طبقات الحنابلة)) (٢٥٨/٢ - ٢٦١) و((عقد الجمان)) (١٧٥/١).
٤٩٤

واشتغل بالفقه، والخِلاف، والأصول. وبَرَعَ في ذلك. وكان أشهر فيه
من أبيه، ووعظ من صغره على قاعدة أبيه، وعَلاَ أمره، وعظم شَأنه، وولي
الولايات الجليلة ثم عزل عن جميع ذلك. وانقطع في داره يعظ، ويُفتي،
ويدرِّس. ثم أعيد إلى الحُسْبَةِ.
وقال ابن السَّاعي: ظهرت عليه آثار العناية الإلهية مذ كان طفلاً، فعني
به والده، فأسمعه الحديث، ودرَّبه في الوعظ، وبورك له في ذلك، وبانت
عليه آثار السعادة.
وتوفي والده وعمره سبع عشرة سنة، فكفلته والدة الإِمام النَّاصر،
وتقدمت له بالجلوس للوعظ على عادة والده عند تربتها، بعد أن خلعت
عليه. فتكلم بما بَهَرَ به الحاضرين، ولم يزل في تَرَقُّ وعُلُوِّ، كامل الفضائل،
معدوم الرَّذائل، أرسله الخليفة إلى ملوك الأطراف فاكتسب مالاً كثيراً، وأنشأ
مدرسة بدمشق، وهي المعروفة بالجوزية، ووقف عليها أوقافاً كثيرةً، ولم يزل
في تَرَقِّ إلى أن قُتل صبراً بسيف الكفّار شهيداً عند دخول هُولاكو(١) إلى
بغداد بظاهر سور كلواذى، وقتل معه أولاده الثلاثة:
• الشيخ جمال الدِّين أبو الفرج عبد الرّحمن(٢)، وكان فاضلاً، بارِعَاً،
واعظاً، له تصانيف. قتل وقد جاوز الخمسين.
• وشرف الدِّين عبد الله (٣)، ولي الحسبة أيضاً، ثم تزهّد عنها ودرَّس
• وتاج الدِّين عبد الكريم(٤). ولي الحسبة أيضاً لما تركها أخوه
ودرَّس، وقتل ولم يبلغ عشرين سنة.
(١) في ((آ)) و((ط)): ((هلاك)).
(٢) انظر ((الإعلام بوفيات الأعلام)) ص (٢٧٤) و((ذيل طبقات الحنابلة)) (٢٦١/٢ - ٢٦٢).
(٣) انظر ((ذيل طبقات الحنابلة)) (٢٦٢/٢).
(٤) انظر ((ذيل طبقات الحنابلة)) (٢٦٢/٢).
٤٩٥

ومن مصنفات يوسف المذكور(١) ((معادن الإبريز في تفسير الكتاب
العزيز))، و((المذهب الأحمد في مذهب أحمد))، و((الإِيضاح في الجدل)).
وسمع منه(٢) خلق، منهم الحافظ الدِّمياطي.
(١) رجع المؤلف إلى الكلام على ((يوسف بن عبد الرحمن بن الجوزي)).
(٢) في ((آ)) و((ط)): ((منهم)) والتصحيح من ((ذيل طبقات الحنابلة)).
٤٩٦

سنة سبع وخمسين وستمائة
· فيها دخل هُولاكو (١) ديار بكر قاصداً حلب، ونزل على آمد، وأرسل
يطلب الملك السعيد صاحب مَارْدِين، فسيَّر إليه ولده، وقاضي البلد مهذّب
الدِّين محمد بن مُجُلِّي بهديةٍ واعتذر أنه ضعيف؛ فلم يَقْبَل منه، وقبض على
ولده. وسَيَّر إلى الملك يستحثه، فعظمت الأُرَاجِيف(٢) وعَدُوا الفرات، وخرج
أهل الشَّام جافلين منهم، وخرج الملك النَّاصر بعساكره لملتقى التتار، فنزل
على بَرْزَة(٣)، واجتمع إليه أممٌ عظيمةٌ، من عربٍ، وعجمٍ ، وأكرادٍ مطوّعة.
وكان هولاكو(٤) قد قدم في خلق لا يعلمهم إلا الله تعالى، فنزل على حَرَّان،
وسَيَّر ولده أَشْمُوط إلى الشام، فوصل إلى حلب وبها بُورَان شاه بن السلطان
صلاح الدِّين، وكانت في غاية التحصين، فنزل التتار على السلمية(٥) وامتدوا
إلى خَيْلان(٦)، فخرج عسكر حلب ومعهم خلق، فولّت التتار منهم مكراً
(١) في ((آ)) و((ط)): ((هلاك)) وفي ((العبر)): ((هولاو).
(٢) الأراجيف: جمع إرجاف، وهي الأخبار. انظر ((مختار الصحاح)) (رجف).
(٣) برزة: قرية صغيرة إلى الشمال الشرقي من دمشق، تحولت في أيامنا إلى بلدة صغيرة. انظر
«معجم البلدان)) (٣٨٢/١ - ٣٨٣).
(٤) في ((آ) و((ط)): ((هلاكو)).
(٥) في ((آ)): ((إلى المسلمية)) وهو خطأ.
(٦) تصحفت في ((آ)) و((ط) إلى ((جيلان)) والتصحيح من ((النجوم الزاهرة)) (٧٥/٧). قال ياقوت
في «معجم البلدان)) (٣٣٢/٢): حَيْلان: من قرى حلب، تخرّج منها عين فوارة كثيرة الماء
تسيح إلى حلب وتدخل إليها في قناة وتتفرق إلى الجامع وإلى جميع مدينة حلب.
٤٩٧

وخديعة، فتبعهم العسكر والعوام، فرجعوا عليهم فانكسر المسلمون،
وتبعوهم إلى أبواب حلب يقتلون ويأسرون، ونزل التتار بظاهر حلب وهي
مُغَلَّقةُ الأبواب.
· وفيها توفي نجم الدِّين أبو إسحاق وأبو طاهر إبراهيم بن محاسن بن
عبد الملك بن علي بن مُنَجًا التّنُوخِي الحَمَوي ثم الدمشقي (١) الفقيه الحنبلي
الأديب الكاتب. سمع من ابن طَبَرْزَد، والكِندي، وغيرهما.
توفي في العشر الأواخر من المحرم بتل نَاشِر من أعمال حلب، ودفن
به، رحمه الله.
· وفيها الشيخ مجد الدِّين أبو العباس أحمد بن علي بن أبي غالب
الإِربلي النَّحوي الحنبلي (٢) المعدَّل. سمع بإربل من محمد بن هبة الله [بن
الكرم الصُّوفي]، وسكن دمشق، وحَدّث بها، واشتغل مدة في العربية
بالجامع. وقرأ عليه جماعة من الأصحاب وغيرهم، منهم: الفخر البَعْلَبَكي،
وابن الفركاح، وتوفي في نصف صفر بدمشق.
• وفيها الرئيس صدر الدِّين أبو الفتح أسعد بن عثمان بن المُنَجًّا
التنوخي الدمشقي الحنبلي (٣) واقف المدرسة الصَّدْرِية بدمشق، ودفن بها.
ولد سنة ثمان وتسعين وخمسمائة بدمشق، وسمع بها من حنبل، وابن
طَبَرْزَد. وحَدَّث. وكان أحد المعدَّلين ذوي الأموال والثروة والصدقات، وولي
نظر الجامع مدة، وثَمِّرَ له أموالاً كثيرةٌ، واستجدّ في ولايته أموراً.
توفي في تاسع عشر شهر رمضان.
(١) انظر ((ذيل طبقات الحنابلة)) (٢٦٧/٢ - ٢٦٨).
(٢) انظر ((ذيل طبقات الحنابلة)) (٢٦٨/٢) وما بين الحاصرتين مستدرك منه.
(٣) انظر (العبر)) (٢٣٩/٥) و((سير أعلام النبلاء)) (٣٧٥/٢٣) و((الإعلام بوفيات الأعلام))
ص (٢٧٤) و((ذيل طبقات الحنابلة)) (٢٦٨/٢) و((النجوم الزاهرة)) (٧١/٧).
٤٩٨

• وفيها ابن تامَّتِيت(١) أبو العباس أحمد بن محمد بن الحسن اللّواتي
الفَاسي (٢) المُحَدِّث المعمّر، نزيل القاهرة. كان صالحاً، عالماً، خيراً. روى
بالإِجازة العَّامة عن أبي الوقت [السِّجْزِي].
قال الشريف عز الدِّين: مولده فيما بلغنا في المحرّم سنة ثمان وأربعين
وخمسمائة، وتوفي في رابع المحرَّم، رحمه الله.
· وفيها أبو الحسين بن السَرَّاج، المُحَدِّثُ الكبير، مسند المغرب،
أحمد بن محمد بن أحمد بن عبدالله الأنصاري الإِشبيلي (٣).
ولد سنة ستين وخمسمائة، وسمع من ابن بَشْكُوال، وعبدالله بن
زَرْقُون، وطائفة. وتَفَرَّد في زمانه. وكانت الرحلة إليه بالمغرب، وتوفي في
سابع صفر.
• وفيها ابن اللَّمْط شمس الدِّين أبو محمد عبدالله بن يوسف الجُذَامي
المِصْري (٤) .
رحل مع ابن دِحْيَة، وسمع من أبي جعفر الصيدلاني، وعبد الوهاب بن
سُكَينة، وتُوفي في ربيع الآخر، وله خمس وثمانون سنة.
• وفيها صاحب الموصل الملك الرَّحيم بدر الدِّين لؤلؤ الأرمني
(١) تحرفت في ((آ)) و((ط)) إلى ((تاميت)) وتحرفت في ((العبر)) بطبعتيه إلى (ما متّيت)) فتصحح. قال
الصفدي في ((الوافي بالوفيات)): تَامتِّيت: بتاء ثالثة الحروف ومثلها بعد الميم مشدّدة ومثلها
بعد الياء آخر الحروف.
(٢) انظر ((العبر)) (٢٣٨/٥) و((الوافي بالوفيات)) (٣٨٤/٧) و(«مرآة الجنان)) (١٤٨/٤).
(٣) انظر (العبر)) (٢٣٩/٥) و((الإعلام بوفيات الأعلام)) ص (٢٧٥) و((سير أعلام النبلاء))
(٣٣١/٢٣ - ٣٣٢) و((النجوم الزاهرة)) (٧١/٧).
(٤) انظر ((العبر)) (٢٣٩/٥).
٤٩٩

الأتابكي (١) مملوك نور الدِّين أرسلان شاه بن عز الدِّين مسعود، صاحب
الموصل. كان مدبِّر دولة أستاذه ودولة ولده القاهر مسعود، فلما مات القاهر
سنة خمس عشرة وستمائة، أَقَامَ بدر الدِّين ولد القاهر صُورَةً، وبقي أَتَابِكَهُ
مدة، ثم استقلَّ بالسلطنة، وكان صارماً، شجاعاً، مدبِّراً، خبيراً. توفي في
شعبان، وقد نَّيَّف على الثمانين، وانخرم (٢) نظام بلده من بعده.
• ومنها ابن الشَّيرجي الصَّدر نجم الدِّين مُظَفٍَّ بن محمد بن إلياس
الأنصاري الدمشقي (٣). ولي تدريس العصرونية والوكالة، وحَدَّث عن
الخُشُوعي وجماعة، وولي أيضاً الحُسْبَة ونظر الجامع، وتوفي في آخر السنة.
• وفيها العَدْل بهاء الدِّين محمد بن مكِّي القُرَشي الصَّالحي، عرف
بابن الدَّجَاجِيَّة (٤). كان فاضلاً، وله نظمٌ جيدٌ(٥).
· وفيها الشيخ يوسف القُمَّيْنِي الْمُوَلَهُ(٦).
قال الذهبي في ((العبر)» الذي تعتقده العامة أنه وليُّ الله(٧)، وحجّتهم
الكشفُ والكلامُ على الخواطر. وهذا شيءٌ يقع من الكاهن والرّاهب
والمجنون الذي له قرين من الجنَّ، وقد كثر هذا في عصرنا، والله المستعان.
وكان يوسف يَتْنَجَّسُ ببوله ويمشي حافياً ويأوي أقميم(٨) حمَّام
نور الدین ولا یصلي. انتھی.
(١) انظر ((العبر)) (٢٤٠/٥) و((سير أعلام النبلاء)) (٣٥٦/٢٣ - ٣٥٨).
(٢) تحرفت في ((ط)) إلى ((وانخرط)).
(٣) انظر (العبر)) (٢٤٠/٥) و((الدارس في تاريخ المدارس)) (٤٠٣/١).
(٤) انظر (الوافي بالوفيات)) (٥٨/٥ - ٥٩) و((النجوم الزاهرة)) (٧١/٧).
(٥) انظر نموذجاً من شعره في ص (٤٩٢) من هذا المجلد.
(٦) انظر ((ذيل الروضتين)) ص (٢٠٢) و((العبر)) (٢٤٠/٥) و ((سير أعلام النبلاء)) (٣٠٢/٢٣ -
٣٠٣) و(«البداية والنهاية)) (٢١٦/١٣) وعنده ((كان يُعرف بالأقميني)).
(٧) في ((العبر)) بطبعتيه: ((أنه وليَّ)).
(٨) في ((العبر)) بطبعتيه: ((قمين)).
٥٠٠