Indexed OCR Text

Pages 381-400

وذكر ابن السَّاعي وغيره، أن المستنصر بالله لما بنى مدرسته المعروفة،
رتَّب بدار الحديث بها شيخين يشتغلان(١) بعلم الحديث، أحدهما: أبو
منصور هذا، والثاني ابن النجار الشافعي صاحب ((التاريخ)).
توفي ببغداد في ثالث جمادى الأولى ودفن خلف بِشْر الحَافي .
· وفيها أبو سليمان عبد الرحمن بن الحافظ أبي محمد عبد الغني بن
عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي (٢) الحنبلي، الفقيه الزاهد.
ولد سنة ثلاث أو أربع وثمانين وخمسمائة في شوال، وسمع بدمشق
من الخُشُوعي وغيره، وبمصر من البوصيري وغيره. وببغداد من ابن الجوزي
وطبقته. وتفقّه على الشيخ الموفق حتّى برع، وكان يؤم معه في جامع بني
أُميّة بمحراب الحنابلة. وأفتى ودرَّس، وكان إماماً، عالماً، فاضلاً، ورعاً،
حسن السمت، دائم البِشْرِ، كريم النَّفس، مشتغلا بنفسه وبإلقاء الدُّروس
المفيدة .
قال أبو شامة: كان من أئمة الحنابلة، ومن الصالحين، وحَدَّث، وروی
عنه ابن النجار.
وتوفي في تاسع عشري صفر، ودفن بسفح قاسيون.
• وفيها الحافظ المكثر سِرَاج الدِّين أبو محمد عبد الرحمن بن عمر بن
بركات بن شُحَانَة الحَرَّاني الحنبلي(٣). أحد من عُني بعلم الحديث. سمع
بحَرَّان من الرهاوي، وبدمشق من ابن الحَرَسْتَاني، وابن مُلاعب، وغيرهما.
(١) في ((1)) و((ط): ((يشغلان)) وأثبت لفظ ((ذيل طبقات الحنابلة)).
(٢) انظر ((العبر)) (١٧٦/٥ -١٧٧) و((ذيل طبقات الحنابلة)) (٢٣١/٢ -٢٣٢) و((القلائد
الجوهرية)) (٤٧٧/١).
(٣) :ر ((سير أعلام النبلاء)) (٢١٤/٢٣ - ٢١٥) و((الإعلام بوفيات الأعلام)) ص (٢٦٨) و ((ذيل
طبقات الحنابلة)) (٢٤٠/٢ - ٢٤١) وما بين الحاصرتين في الترجمة زيادة منه .
٣٨١

وبحلب من الافتخار الهاشمي. وبالموصل من مسمار بن العويس. وبمصر
من أصحاب السِّلَفي وغيره. وببغداد من الأرموي وغيره. وكتب بخطُّه
الكثير.
قال ابن نقطة: هو شابٌ ثقةٌ [حَسَنُ المُذَاكَرَة].
وقال غيره: كان ممن له الرحلة الواسعة في الطلب. سمع من الجمِّ
الغفير، وسكن آخر عمره بميًّافَارِقين، وبها مات. وصار صاحبَ ثروةٍ بعد
الفقر. وكانت له بنت عمياء تحفظ كثيراً، إذا سئلت عن باب من العلم من
الكتب الستة ذكرت أكثره، وكانت في ذلك أُعجوبة، لم تبلغ أوان الرواية(١)،
وتوفي والدها في جمادى الآخرة.
وشُحَانة: بضم الشين المعجمة، وفتح الحاء المهملة الخفيفة، وبعد
الألف نون.
وفيها أسعد الدِّين أبو القاسم عبد الرحمن بن مُقَرَّب بن عبد الكريم
الحافظ التُّجِيبي الكِنْدي الإِسكندراني (٢)، المَنْعُوت بالجلال العدل، تلميذ
ابن المُفَضَّل. روى عن البُوصيري، وابن مُوقا، وعُني بالحديث، وكتب
وخرّج وتوفي في صفر.
• وفيها عبد المُحْسِن بن حَمُّود الصدر العلّامة أمين الدِّين التّنوخي
الحلبي(٣)، الكاتب المنشىء. روى عن حنبل وطبقته، وله ((ديوان)) تَرَسُلِ
(١) في ((ذيل طبقات الحنابلة)): ((لم يبلغ أبو محمد - يعني المترجم - رحمه الله أوان الرواية)).
(٢) انظر ((العبر)) (١٧٧/٥) و((سير أعلام النبلاء)) (٢١٥/٢٣) و(«الإِعلام بوفيات الأعلام))
ص (٢٦٧) و((النجوم الزاهرة)) (٣٥٤/٦).
(٣) انظر ((العبر)) (١٧٧/٥) و((سير أعلام النبلاء)) (٢١٥/٢٣ -٢١٦) و((النجوم الزاهرة))
(٣٥٣/٦).
٣٨٢

و((ديوان)) شعرٍ، وكتب لجماعة من الملوك. وصنّف (مفتاح الأفراح(١) في
امتداح الرَّاح)» وغير ذلك من المجاميع الأدبية.
توفي في رجب وله ثلاث وسبعون سنة.
• وفيها الصَّاحب الوزير، فلك الدِّين عبد الرحمن بن هبة الله
المَسِيري (٢) الوزير المِصْري، وزير الملك العادل. كانت الملوك تُقَبِّلُ يديه
إذا رأوه ركب في الموكب مع الملك الكامل، فلما وصل إلى باب السرِّ أراد
أن ينزل على العادة، فرسم له أن لا ينزل، فدخل قُدَّام الكامل إلى القلعة
راكباً، فلما نزلا قال للكامل: ما بقيت أخشى بعدها أي موتةٍ أموت، فضحك
الكامل. وكان له مملوك حسن يقال له: أزبك، فائق الجمال، فعمل فيه العزّ
القَلْیُوبي دُوبيت:
والعَقْلُ غَدَا من حُسنه فِي شَرَكْ
البدرُ بَدا من صُدغه في حَلَكْ
مَا مِثْلُك يا أزبك فوق الفلكْ
تحتَ الفَلَكِ الخَلْقُ كثيرٌ لكنْ
• وفيها تقي الدِّين بن الصَّلاح الحافظ، شيخ الإِسلام أبو عمرو عثمان
ابن عبد الرحمن بن موسى الكُرْدِي الشَّهْرُ زُوري الموصلي الشافعي(٣).
ولد سنة سبع وسبعين وخمسمائة، وسمع من عبيد الله بن السّمين،
ومنصور الفُرَاوي، وطبقتهما. وتفقّه، وبَرَعَ في المذهب وأصوله، وفي
الحديث وعلومه. وصنَّف التصانيف، مع الثقة، والدَّيانة، والجلالة.
قال ابن خَلِّكان: كان أحد فضلاء عصره في التفسير، والحديث،
(١) في ((كشف الظنون)) (١٧٥٨/٢): ((مفتاح الأرواح ... )).
(٢) انظر ((مرآة الزمان)) (٥٠١/٨).
.
(٣) انظر ((وفيات الأعيان)) (٢٤٣/٣ - ٢٤٥) و((سير أعلام النبلاء)) (١٤٠/٢٣ - ١٤٤) و((الإعلام
بوفيات الأعلام)) ص (٢٦٧) و((طبقات الشافعية الكبرى)) (٣٢٦/٨ - ٣٣٦) و((النجوم
الزاهرة)» (٣٥٤/٦) و((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة. (١٤٢/٢ - ١٤٦).
٣٨٣

والفقه، وأسماء الرجال، وما يتعلق بعلم الحديث واللغة.
وإذا أُطلق الشيخ في علماء الحديث فالمراد به هو، وإلى ذلك أشار
العراقي صاحب ((الألفية)) بقوله فيها(١):
وكُلَّما أَطْلَقْتُ لَفْظَ الشَّيخِ مَا أُرِيدُ إلّ ابِنَ الصَّلاَحِ مُبْهَمَا
وكانت فتاويه مسددة، وكان شيخي (٢) أحد أشياخي الذين انتفعت
بهم. قرأ الفقه أولاً على والده الصلاح، ثم نقله والده إلى الموصل واشتغل
بها مدة، ثم تولى الإِعادة عند ابن يُونس بالموصل، ثم سافر إلى خُرَاسَان
وأقام بها زماناً، وحَصَّل علم الحديث هناك، ثم رجع إلى الشام. ونولى
المدرسة الناصرية(٣) بالقدس الشريف، المنسوبة إلى الملك الناصر
صلاح الدِّين يوسف بن أيوب، وأقام بها مدة. واشتغل الناس عليه وانتفعوا
به، ثم انتقل إلى دمشق، وتولى تدريس المدرسة الرواحية التي أنشأها الزَّكي
ابن رواحة الحَمَوي. ولما بنى الأشرف دار الحديث بدمشق، فوَّض تدريسها
إليه، وتولى تدريس مدرسة ستُّ الشام التي قبل المارستان النُّورِي، وكان
يقوم بوظائف الجهات الثلاث، من غير إخلال بشيءٍ منها. وكان من العلم
والدِّين على قدمٍ عظيم، ولم يزل أمره جارياً على السَّداد، والصلاح،
والاجتهاد في الاشتغال إلى أن توفي يوم الأربعاء وقت الصبح، وصلّي عليه
بعد الظهر، وهو الخامس والعشرون من ربيع الآخر بدمشق، ودفن بمقابر
الصُّوفية. انتهى ملخصاً.
وقال ابن قاضي شهبة: ومن تصانيفه ((مشكل الوسيط)) في مجلد كبير.
(١) انظر ((فتح المغيث شرح ألفية الحديث)) (٦/١).
(٢) يعني المترجم.
(٣) في ((آ) و((ط)) و((المنتخب)) (١٦٨ / ب): ((النظامية)) والتصحيح من ((وفيات الأعيان)) مصدر
المؤلف وانظر ((الدارس في تاريخ المدارس)) (٨٣/١).
٣٨٤

وكتاب (الفتاوى)) و((علوم الحديث))(١) وكتاب ((أدب المفتي والمستفتي))(٢)
ونكت على (المهذّب)) و((فوائد الرحلة)) وهي أجزاء كثيرة. و((طبقات
الشافعية)) واختصره النَّووي(٣) واستدرك عليه، وأهملا خلائق من
المشهورين، وإنهما كانا يتّبعان التراجم الغريبة. انتهى ملخصاً أيضاً.
· وفيها السخاوي علم الدِّين العلامة أبو الحسن علي بن محمد بن
عبد الصَّمد بن عبد الأحد الهَمْدَاني، المقرىء النحوي الشافعي (٤).
ولد قبل الستين وخمسمائة، وسمع من السِّلَفي وجماعة، وقرأ القراءات
على الشَّاطبي وغيره حتى فاق أهل زمانه في القراءات، وانتهت إليه رئاسة
الإِقراء والأدب بدمشق، وقرأ عليه خلق لا يحصيهم إلا الله.
قال الذهبي: ما علمتُ أحداً في الإِسلام حُمِلَ عنه القراءات أكثر مما
حُمِلَ عنه. وله تصانيف سائرة متقنة.
وقال ابن قاضي شهبة: ازدحم عليه الطلبة وقصدوه من البلاد وتنافسوا
في الأخذ عنه، وكان ديِّناً، خيِّراً، متواضعاً، مطّرحاً للتكلف، حلو
المحاضرة، مطبوع النَّادرة، حادَّ القَريحة، من أذكياء بني آدم، وكان وافرَ
الحُرْمَةِ، كبير القدر، محبَّباً إلى الناس، ليس له شغلٌ إلّ العلم والإِفادة.
٠
(١) نشر عدة مرات أجودها التي صدرت عن دار الفكر بدمشق بتحقيق الأستاذ الدكتور نور الدِّين
عتر.
(٢) نشر بتحقيق الأستاذ الدكتور محيي هلال السرحان، نفع الله تعالى به.
(٣) والمختصر قيد الطبع ببيروت، وقد قام بتحقيقه الأستاذ محيي الدِّين نجيب، زاده الله تعالى
توفيقاً.
(٤) انظر ((وفيات الأعيان)) (٣٤٠/٣ - ٣٤١) و((سير أعلام النبلاء)) (١٢٢/٢٣ - ١٢٤) و((طبقات
الشافعية الكبرى)) (٢٩٧/٨ -٢٩٨) و((الإعلام بوفيات الأعلام)) ص (٢٦٧) و(«معرفة القراء
الكبار)) (٦٣١/٢ - ٦٣٥) و((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (١٤٧/٢ -١٤٩) و((النجوم
الزاهرة)» (٣٥٤/٦)، و((حسن المحاضرة)) (٤١٢/١ - ٤١٣).
٣٨٥

توفي في جمادى الآخرة، ودفن بقاسيون. ومن تصانيفه ((التفسير)) إلى الكهف
في أربع مجلدات، و((شرح الشاطبية)) في مجلدين، و((شرح الرائية)) في
مجلد، وكتاب ((جمال القراء وتاج الإِقراء)) و((شرح المفصل)) للَّمخشري في
أربع مجلدات، وغير ذلك.
وقال ابن خَلِّكان: رأيته مراراً راكباً بهيمة وهو يصعد إلى جبل الصالحية
وحوله اثنان أو ثلاثة، وكل واحدٍ يقرأ ميعاده في غير موضع الآخر، والكُلُّ في
دفعة واحدة، وهو يردُّ على الجميع. [ولم يزل] مواظباً على وظيفته.
ولما حضرته الوفاة أنشد لنفسه:
وينزلُ الرَّكْبُ بمغناهُمُ
قَالوا غداً تأتي دِيارَ الحِمى
أصبحَ مسروراً بلقياهُمُ
فَكُلُّ مَنْ كَانَ مُطيعاً لَهُم
بأيِّ وجهٍ أَتَلَّقَّاهُمُ
قلت: فلي ذنبٌ فما حيلتي
لا سِيما عَمَّن ترجَّاهُمُ
قالوا: أليس العَفْو مِنْ شَأْنِهِم
ثم ظفرت بتاريخ مولده سنة ثمان وخمسين وخمسمائة بسَخاو(١) - بفتح
السين المهملة والخاء المعجمة وبعدها ألف ثم واو- هذه النسبة إلى
سَخَاو(١) بليدة من أعمال مصر، وقياسه سخوي، ولكن الناس أطبقوا على
النسبة الأولى. انتهى.
• وفيها أبو الحسن بن المُقَيِّر، مسند الدِّيار المِصْرِية، علي بن أبي
عبد الله الحسين بن علي بن منصور البغدادي الحنبلي النجَّار(٢).
:
(١) كذا كتبها المؤلف ((سخاو)) بسينٍ وخاء وألف وواو، والذي في ((معجم البلدان)) (١٩٦/٣):
((سخا)) بسينٍ وخاء وألف.
(٢) انظر ((العبر)) (١٧٨/٥) و((سير أعلام النبلاء)) (١١٩/٢٣ -١٢١) و((الإعلام بوفيات الأعلام))
ص (٢٦٨) و((النجوم الزاهرة)) (٣٥٥/٦).
٣٨٦

ولد سنة خمس وأربعين وخمسمائة، وسمع من شُهْدَة، ومَعْمَر بن
الفَاخر، وجماعة. وأجاز له ابن ناصر، وأبو بكر ابن الزَّاغُوني، وطائفة. وكان
صاحب تِلَاوَةٍ وذكرٍ وأوراد. توفي في نصف ذي القعدة بالقاهرة. قاله في
((العبر)).
• وفيها ضياء الدِّين أبو إبراهيم محاسن بن عبد الملك بن علي بن نجا
التنوخي الحَمَوي ثم الصَّالحي (١)، الفقيه الحنبلي.
سمع بدمشق من الخُشُوعي، وتفقّه على الشيخ موفق الدِّين حتّى برع،
وكان عارفاً بالمذاهب، قليل التعصب، زاهداً، ما نافس في منصبٍ قطَّ ولا
دُنيا، ولا أكل من وقفٍ، بل كان يتقوت من شكارة تزرع له بحوران. وما آذى
مسلماً قطُّ، ولا دخل حمَّاماً، ولا تنعّم في ملبس ولا مأكل، ولا زاد على
ثوبٍ وعمامة في طول عمره. وكان على خيرٍ كثير، قلّ من يماثله في عبادته
واجتهاده وسلوك طريقته، رحمه الله .
قرأ عليه جماعة وحَدَّثَ.
وتوفي في ليلة الرابع من جمادى الآخرة بجبل قاسيون وبه دُفن، وممن
قرأ عليه صاحب ((المُبهم)) عبد الله بن أبي بكر الحَرْبي كتيلة(٢)، وقال: ذكر
لي أن من يُحرِّك أُصْبُعَهُ المُسَبِّحَةُ في تشهده، كان ذلك عبثاً يُبطل صلاته(٣).
قال: وقول من قال من أصحابنا: يشير بها مراراً، يعني عند الشهادتين فقط.
· وفيها الحافظ الكبير ضياء الدِّين أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد
ابن أحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل بن منصور السَّعدي المقدسي
(١) انظر ((ذيل طبقات الحنابلة)) (٢٣٤/٢) و((القلائد الجوهرية)) (٤٧٧/٢ - ٤٧٨).
(٢) في ((آ)) و((ط)) و((المنتخب)) (١٦٩/آ): ((كتابه)) وما أثبته من ((ذيل طبقات الحنابلة)) مصدر
المؤلف .
(٣) أقول: ليس عليه أي دليل على البطلان. (ع).
٣٨٧

الصَّالحي الحنبلي(١) ، مُحَدِّثُ عصره ووحيد دهره، شهرته تغني عن الإطناب
في ذكره والإسهاب في أمره.
ولد في (٢) خامس جمادى الآخرة سنة تسع وستين وخمسمائة. وسمع
بدمشق من أبي المجد البانياسي، وأحمد بن الموازيني وغيرهما. وبمصر من
البُوصيري، وفاطمة بنت سعد الخير، وجماعة. وببغداد الكثير من ابن
الجوزي، وابن المعطوش(٣) وابن سكينة، وابن الأخضر، وهذه الطبقة.
وبأصبهان من أبي جعفر الصيدلاني وطبقته، وبهمذان من عبد الباقي بن
عثمان. وبنيسابور من المؤيد الطَّوسي وطبقته، وبهَرَاة من أبي رَوْحٍ، ويمرو
من أبي المظفّر بن السمعاني، ورحل مرتين إلى أصبهان. وسمع بها ما لا
يُوصف كثرةً. وكتب بخطّه الكثير من الكتب الكبار وغيرها.
قال ابن رجب: يقال: إنه كتب عن أزيد من خمسمائة شيخ، وحصَّل
أصولاً كثيرةً، وأقام بهَرَاة، ومرو مدة، وله إجازة من السِّلَفي، وشُهدة.
وقال ابن النجار: كتبت عنه ببغداد، ونيسابور، ودمشق، وهو حافظً،
متقنّ، ثبتٌ، ثقةٌ، صدوقٌ، نبيلٌ، حُجَّةٌ، عالمٌ بالحديث وأحوال الرجال.
وله مجموعات وتخريجات، وهو ورعٌ، تقيِّ، زاهدٌ، عابدٌ، محتاطٌ في أكل
الحَلَال، مجاهد في سبيل الله، ولعمري ما رأت عيناي مثله في نزاهته،
وعِفَّته، وحسن سيرته وطريقته في طلب العلم.
وقال عمر بن الحاجب: شيخنا أبو عبد الله، شیخ وقته، ونسيج وحده،
علماً، وحفظاً، وثقةً، وديناً، من العلماء الربَّانيين، وهو أكبر من أن يدلَّ عليه
(١) انظر ((العبر)) (١٧٩/٥ - ١٨٠) و((سير أعلام النبلاء)) (١٢٦/٢٣ - ١٣٠) و((الإعلام بوفيات
الأعلام)) ص (٢٦٨) و((الوافي بالوفيات)) (٦٥/٤ - ٦٦) و((ذيل طبقات الحنابلة))
(٢٣٦/٢ - ٢٤٠) و((القلائد الجوهرية)) (١٣٠/١ - ١٣٤).
(٢) لفظة ((في)) سقطت من ((آ).
(٣) في ((آ)) و((ط)): ((المعطوس)) بالسين المهملة، والتصحيح من المصادر التي بين يدي.
٣٨٨

مثلي. كان شديد التحري في الرواية، مجتهداً في العبادة، كثير الذكر،
منقطعاً عن الناس، متواضعاً في ذات الله، رأيت جماعةً من المُحَدِّثين ذكروه
فأطنبوا في حقُّه، ومدحوه بالحفظ والزهد، سألت البرزاليَ عنه فقال: ثقةٌ
جبلٌ حافظُ دیِّنْ.
وقال الشريف أبو العبّاس الحُسيني: حَدَّث بالكثير مدة، وخرَّج تخاريج
كثيرة مفيدة، وصنّف تصانيف حسنة. وكان أحد أئمة هذا الشأن، عارفاً
بالرِّجال وأحوالهم، والحديث صحيحه وسقيمه، ورِعاً، متديناً، طارحاً
للتكلف.
وقال الذهبي: بنى مدرسة على باب الجامع المظفّري بسفح قاسيون،
وأعانه عليها بعض أهل الخير، ووقف عليها كتبه وأجزاءه.
وقال غيره: بناها للمُحَدِّثين والغرباء الواردين، مع الفقر والقلة، وكان
يبني منها جانباً ويصبر إلى أن يجتمع عنده ما يبني به، ويعمل فيها بنفسه،
ولم يقبل من أحدٍ فيها شيئاً تَوَرُعاً. وكان ملازماً لجبل الصالحية قبل أن يدخل
البلد، أو يُحَدِّث به، ومناقبه أكثر من أن تحصر.
وقال الذهبي أيضاً - نقلًا عن الحافظ المِزِّي - أنه كان يقول: الضياء أعلم
بالحديث والرجال من الحافظ عبد الغني، ولم يكن في وقته مثله.
وقال الذهبي أيضاً: الإِمام، العالم، الحافظ، الحُجَّة، مُحَدِّث الشام،
شيخ السُّنَّة، ضياء الدِّين، صنَّف، وصحّح، ولَيِّنَ، وجَرَّح، وعَدَّل. وكان
المرجوع إليه في هذا الشأن.
وقال ابن رجب أيضاً: من مصنفاته ((الأحاديث المختارة))(١) خرَّجها من
(١) قلت: قال العلامة الكتَّاني في ((الرسالة المستطرفة)) ص (٢٤) طبع دار البشائر الإسلامية:
وهو مرتب على المسانيد على حروف المعجم، لا على الأبواب، في ستة وثمانين جزءاً،
ولم يكمل، التزم فيه الصحة، وذكر فيه أحاديث لم يسبق إلى تصحيحها، وقد سُلِّمَ له فيها =
٣٨٩

مسموعاته. كتب منها تسعين جزءاً ولم تكمل، كتاب ((فضائل الأعمال)) أربعة
أجزاء(١)، كتاب ((فضائل الشام)) ثلاثة أجزاء (٢)، ((مناقب أصحاب الحديث))
أربعة أجزاء، ((صفة الجنة)) ثلاثة أجزاء، ((صفة النَّار) جزءان، ((أفراد
الصحيح)) جزء و((غرائبه)) تسعة أجزاء، ((ذم المسكر)) جزء، ((الموبقات))
أجزاء كثيرة، ((كلام الأموات)) جزء، ((شفاء العليل)) جزء، ((الهجرة إلى أرض
الحبشة)) جزء، ((قصة موسى عليه السلام)) جزء، ((فضائل القراءة» جزء،
((الرُّواة عن البخاري)) جزء، كتاب ((دلائل النبوة))، ((الإِلهيات)) ثلاثة أجزاء،
((الحكايات المستطرفة))(٣) أجزاء كثيرة، كتاب ((سبب هجرة المقادسة إلى
دمشق وكرامات مشايخهم)) نحو عشرة أجزاء، وأفرد لأكابرهم من العلماء لكل
واحدٍ سيرة في أجزاء كثيرة، ((الطب والرقيات)) أجزاء (٤) وغير ذلك.
وممن روى عنه ابن نقطة، وابن النجار، والبرزالي، وعمر بن
الحاجب، وابن أخيه الفخر البخاري، وخلق کثیر.
= إلّ أحاديث يسيرة جداً تُعُقبت عليه، وذكر ابن تيمية، والزركشي، وغيرهما، أن تصحيحه أعلى
مزية من تصحيح الحاكم. وفي ((اللآلىء)» ذكر الزركشي في تخريج الرافعي، أن تصحيحه
أعلى مزية من تصحيح الحاكم، وأنه قريب من تصحيح الترمذي وابن حبَّان. وذكر ابن
عبد الهادي في ((الصارم المنكي)) نحوه، وزاد فإن الغلط فيه قليل، ليس هو مثل صحيح
الحاكم، فإن فيه أحاديث كثيرة يظهر أنها كذب موضوعة، فلهذا انحطت درجته عن درجة غيره.
قلت: وشرعت الرئاسة العامة لتعليم البنات في المملكة العربية السعودية بطبعه بتحقيق
الأستاذ الشيخ عبد الملك بن عبد الله بن الدُّهيش، وقد صدر المجلد الأول منه في العام
الماضي. وصدر المجلد الثاني هذا العام، والمجلد الثالث منه تحت الطبع.
(١) نشر أول مرة في مكتبة النمنكاني بالمدينة المنورة من غير تحقيق ولا تخريج، ثم نشر نشرة
متقنة جيدة في مؤسسة الرسالة ببيروت بتحقيق الأستاذ غسَّان عيسى محمد هَرماس.
(٢) حقّق القسم المتعلق ببيت المقدس منه صديقي الفاضل الأستاذ محمد مطيع الحافظ، حفظه
الله تعالى ونفع به، ونشرته دار الفكر بدمشق منذ عدة سنوات .
(٣) في ((ذيل طبقات الحنابلة)): ((الحكايات المستطرفات)).
(٤) قلت: ومن مصنفاته أيضاً رسالة ((اتباع السنن واجتناب البدع)) وهي رسالة نافعة مفيدة في
موضوعها، وقد منَّ الله - عزَّ وجل - عليَّ بتحقيقها بالاشتراك مع صديقي الفاضل الأستاذ
محمد بدر الدِّين قهوجي، ونشرتها دار ابن كثير ضمن سلسلة ((نصوص تراثية)).
٣٩٠

توفي یوم الاثنین ثامن عشري جمادى الآخرة بسفح قاسیون، ودفن به،
رحمه الله تعالى.
• وفيها العزّ النسَّابة أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن الحسن
ابن عساكر الدمشقي الشافعي(١).
قال الذهبي: صدر كبير محتشم، سمع من عمّ والده الحافظ(٢)، ومن
أبي الفهم بن أبي العجائز، وطائفة.
وتوفي في جمادى الأولى. انتهى.
· وفيها التَّاج أبو الحسن محمد بن أبي جَعْفَر أحمد بن علي
القُرطبي (٣) إمام الكلّسة وابن إمامها.
ولد بدمشق في أول سنة خمس وسبعين وخمسمائة، وسمع من
عبد المنعم الفُرَاوي بمكّة. ومن يحيى الثَّقفي، والفضل البانياسي بدمشق.
وطلب، وتعب، ونسخ الکثیر. وكان حافظاً ذا دینٍ ووقار.
قال ابن ناصر الدِّين(٤): كان حافظاً مشهوراً وإماماً مكثراً مذكوراً.
توفي في جمادى الأولى.
· وفيها ابن الخازن أبو بكر محمد بن سعيد بن الموفق النيسابوري ثم
البغدادي(٥)، أحد مشايخ الصُّوفية الأكابر.
(١) انظر ((العبر)) (١٧٩/٥) و((سير أعلام النبلاء)) (٢١٦/٢٣ -٢١٧) و((الإعلام بوفيات الأعلام))
ص (٢٦٧).
(٢) يعني الحافظ أبي القاسم بن عساكر صاحب ((تاريخ دمشق)).
(٣) انظر ((العبر)) (١٧٩/٥) و((سير أعلام النبلاء)) (٢١٧/٢٣ -٢١٨) و((الإعلام بوفيات الأعلام))
ص (٢٦٧ - ٢٦٨).
(٤) في ((التبيان شرح بديعة البيان)) (١٧٨ / آ - ب).
(٥) انظر ((العبر)) (١٧٩/٥).
٣٩١

ولد في صفر سنة ست وخمسين وخمسمائة، وسمع من أبي زُرْعَة
المقدسي، وأحمد بن المقرّب، وجماعة، وتوفي في السابع والعشرين من
ذي الحجّة.
• وفيها ابن النجّار الحافظ الكبير مُحبُّ الدِّين أبو عبد الله محمد بن
محمود بن الحسن بن هبة الله بن محاسن البغدادي(١) صاحب ((تاريخ بغداد))(٢).
ولد سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، وسمع من ذاكر بن كامل، وابن
بوش، وابن كُلَيب. ورحل إلى أصبهان، وخراسان، والشام، ومصر، وكتب
ما لا يوصف. وكان ثقةً متقناً، واسع الحفظ، تامَّ المعرفة بالفَنَّ. قاله في
((العبر)).
وقال ابن قاضي شهبة في ((طبقات الشافعية)): كان شافعي المذهب
وأول سماعه وهو ابن عشر سنين، وطلب بنفسه وهو ابن خمس عشرة، وسمع
الكثير، وقرأ بالسبع على أبي أحمد بن سكينة، ورحل رحلة عظيمة إلى
الشام، ومصر، والحجاز، وأصبهان، وحَرَّان، ومرو، وهَرَاة، ونيسابور.
واستمر في الرحلة سبعاً وعشرين سنة. وكتب عمَّن دبَّ ودَرَج، وعَمَّن نزل
وعرج. وعُني بهذا الشأن عنايةً بالغةً، وكتب الكثير وحصَّل وجمع.
قال الذهبي: كان إماماً، ثقةً، حُجَّةً، مقرئاً، مجوِّداً، كيساً، متواضعاً،
ظريفاً، صالحاً، خيِّراً، متنسكاً، أثنى عليه ابن نقطة، والدَّبيئي، والضياء
المقدسي، وهم من صغار شيوخه من حيث السند.
وقال ابن الساعي: كان ثقة من محاسن الدُّنيا(٣)، ووقف كتبه بالنظامية،
(١) انظر ((العبر)) (١٨٠/٥) و((سير أعلام النبلاء)) (١٣١/٢٣ - ١٣٤) و((الإعلام بوفيات الأعلام))
ص (٢٦٨) و((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (١٥٦/٢ - ١٥٨).
(٢) الصواب في اسمه ((ذيل تاريخ بغداد)) وقد طبع قسم منه في الهند.
(٣) في ((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة: ((كان شيخ وقته، وكان من محاسن الدنيا ... )).
٣٩٢

مات ببغداد في خامس شعبان ودفن بمقابر الشهداء بباب حرب.
ومن تصانيفه كتاب ((القمر المنير في المسند الكبير)) و((ذكر كل صحابي
وما له من الحديث)) وكتاب ((كنز الأنام في السُّنن والأحكام)) وكتاب ((جنّة
النَّاظرين في معرفة التابعين)) وكتاب ((الكمال في معرفة الرجال)) و((ذَيلٍ على
تاريخ بغداد)) للخطيب في ستة عشر مجلداً، وكتاب ((المستدرك على تاريخ
الخطيب)) في عشر مجلدات، وكتاب في ((المتفق والمفترق)) على منهاج
كتاب الخطيب، وكتاب في ((المؤتلف والمختلف)) ذيَّل به على ابن ماكولا،
وكتاب ((المعجم)) له اشتمل على نحو من ثلاثة آلاف شيخ، وكتاب ((العقد
الفائق في عيون أخبار الدُّنيا ومحاسن الخلائق))، وكتاب ((الدُّرَّة الثمينة في
أخبار المدينة)) وكتاب ((نزهة الورى في أخبار أم القرى)) وكتاب «روضة الأولياء
في مسجد إيلياء)) وكتاب ((مناقب الشافعي)) وكتاب ((غرر الفوائد))(١) في ست
مجلدات، وغير ذلك. انتهى كلام ابن شهبة.
• وفيها المنتجب(٢) بن أبي العزّ بن رشيد أبو يوسف الهَمَذَاني
المقرىء (٣)، نزيل دمشق. قرأ القراءات على أبي الجود وغيره، وصنَّف
شرحاً كبيراً لـ ((الشاطبية)) وشرحاً لـ ((مفصَّل)) الزمخشري، وتصدر للإِقراء.
توفي في ربيع الأول.
• وفيها أبو غالب منصور بن أبي الفتح أحمد بن محمد بن محمد
المَرَاتبي الخَلَّل ابن المُعَوَّج(٤).
(١) في ((ط)): ((الفرائد)).
(٢) تصحفت في ((آ)) و((ط)) و(العبر)) بطبعتيه إلى ((المنتخب)) بالخاء والتصحيح من مصادر
الترجمة.
(٣) انظر (العبر)) (١٨٠/٥) و((سير أعلام النبلاء)) (٢١٩/٢٣ - ٢٢٠) و(«معرفة القراء الكبار))
(٦٣٧/٢ -٦٣٨) و((الإعلام بوفيات الأعلام)) ص (٢٦٧).
(٤) انظر ((العبر)) (١٨١/٥) و((سير أعلام النبلاء)) (٢٢٠/٢٣) و((الإعلام بوفيات الأعلام))
ص (٢٦٨).
٣٩٣

ولد سنة خمس وخمسين وخمسمائة، وسمع محمد بن إسحاق
الصَّابي، وأبا طالب بن حضير، وغيرهما. وتوفي في جمادى الآخرة.
• وفيها تاج الدِّين أبو القاسم نصر بن أبي السعود بن مظفَّر بن الخضر
ابن بطّة الْيَعْقوبي(١) الضرير، الفقيه الحنبلي من أهل يعقوبا، وفي كثير من
طباق السماع ينسب إلى عكبرا، وفي بعض الطباق بسبط ابن بطّة ، وهذا يدلُّ
على أنه من ولد بعض بنات أبي عبد الله بن بطّة. دخل بغداد في صباه، فقرأ
على ابن زُرَيق القزّاز، وابن شاتيل، وابن كُلَيب، وغيرهم. وتفقه في
المذهب على ابن الجوزي وغيره، وبرع وأفتى وناظر، وأخذ عنه ابن النجار
ولم يذكره في ((تاريخه)). وأجاز لعبد الصَّمد بن أبي الجيش وغيره، ولأحمد
الحجّار. وتوفي ليلة الثاني والعشرين من جمادى الآخرة ببغداد ودفن بباب حرب.
• وفيها عماد الدِّين أبو بكر يحيى بن علي بن علي بن عِنَان الغَنَوي
البغدادي الفقيه الحنبلي الفَرَضي، المعروف بابن البقَّال(٢).
ولد سنة إحدى وسبعين وخمسمائة تقريباً، وطلب العلم في صباه،
وسمع الكثير من أبي الفتح بن شاتيل، وأبي الفرج بن كُلَيب، وابن
الجوزي، وغيرهم. وتفقه في المذهب، وقرأ الفرائض والحساب، وتصرف
في الأعمال السلطانية، وكان صدوقاً، حسن السيرة، وروى عنه جماعة،
منهم عبد الصمد بن أبي الجيش، وتوفي يوم الأحد سلخ رمضان ببغداد،
ودفن بمقبرة الإِمام أحمد بباب حرب. قاله ابن رجب.
، وفيها الموفق يعيش بن علي بن يعيش الأسدي الحَلبي(٣).
(١) انظر ((ذيل طبقات الحنابلة)) (٢٣٥/٢ - ٢٣٦).
(٢) انظر ((ذيل طبقات الحنابلة)) (٢٤٢/٢).
(٣) انظر ((وفيات الأعيان)) (٤٦/٧ - ٥٣) و((العبر)) (١٨١/٥) و((سير أعلام النبلاء))
(١٤٤/٢٣ - ١٤٧).
٣٩٤

ولد سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة، وسمع بالموصل من أبي
الفضل الطُّوسي. وبحلب من أبي سعد بن أبي عَصْرُون، وطائفة. وانتهى
إليه معرفة العربية ببلده، وتخرَّج به خلق كثير. توفي في الخامس والعشرين
من جمادى الأولى. قاله في ((العبر)).
وقال ابن خَلِّكان: كان فاضلاً، ماهراً في النحو والتصريف، ويعرف
بابن الصايغ. رحل في صدر عمره من حلب قاصداً بغداد ليدرك أبا البركات
عبد الرحمن المعروف بابن الأنباري، فلما وصل إلى الموصل بلغه خبر
وفاته، فأقام بها مديدة، وسمع الحديث بها، ولما عزم على التصدّر للإِقراء
سافر إلى دمشق واجتمع بالشيخ تاج الدِّين الكِنْدي الإِمام المشهور، وسأله
عن مواضع مشكلة في العربية، ثم رجع فتصدّر، وكان حسن التفهيم، لطيف
الكلام، طويل الرّوح على المبتدىء، والمنتهي، خفيف الرّوح، لطيف
الشمائل، كثير المجون؛ مع سكينة ووقار. له نوادر كثيرة. انتهى ملخصاً.
٠٠
٣٩٥

سنة أربع وأربعين وستمائة
فيها توفي الملك المنصور إبراهيم بن المجاهد أسد الدِّين شِيركوه
ابن محمد بن شيركوه(١)، صاحب حمص وابن صاحبها؛ وأحد الموصوفين
بالشجاعة والإقدام. مرض بدمشق بيستان الملك الأشرف بالنّرب، ومات في
حادي عشر صفر وحمل تابوته إلى حمص فدفن عند أبيه، وكان عازماً على
أخذ دمشق ففجأه الموت، وقام بعده بحمص ولده الملك الأشرف موسى .
• وفيها أبو العبّاس عز الدِّين أحمد بن علي بن مَعْقِل المُهَلَّبي
الحمصي (٢) العَلَّمة اللُّغوي، الذي نظم ((الإِيضاح)) و((التكملة)). عاش سبعاً
وسبعين سنة، وتوفي في ربيع الأول، وأخذ عن الكندي، وأبي البقاء، وبرع
في لسان العرب. وكان صدراً محترماً غالياً في التشيع، ومن شعره:
أَمَا والعيون النُّجلِ حلفة صادق لقد بَيّض التفريقُ بِيضَ المفارقِ
، وفيها تاج العارفين شمس الدِّين الحسن بن عدي(٣) بن أبي البركات
:ابن صخر بن مُسَافر(٤)، حفيد أبي البركات أخي الشيخ عَدي شيخ العَدويّة
الأكراد، له تصانيف في التصوف وشعر كثير وأتباع يتغالون فيه إلى الغاية.
(١) انظر ((وفيات الأعيان)) (٤٨١/٢) و((العبر)) (١٨٣/٥).
(٢) انظر ((سير أعلام النبلاء)) (٢٢٢/٢٣ -٢٢٣) و((الإِعلام بوفيات الأعلام)) ص (٢٦٩)،
و((الوافي بالوفيات)) (٢٣٩/٧ - ٢٤٠).
(٣) تحرفت في ((العبر)) بطبعتيه إلى ((علي) فتصحح.
(٤) انظر ((سير أعلام النبلاء)) (٢٢٣/٢٣) و((العبر)) (١٨٣/٥) و((الوافي بالوفيات))
(١٢/ ١٠١ - ١٠٣) وقد نقل المؤلّف عن ((تاريخ الإسلام)» وهو غير مطبوع إلى الآن.
٣٩٦

قال الذهبي: وبينه وبين الشيخ عدي من الفرق كما بين القَدَمِ
والفَرْقِ، وبلغ من تعظيم العدوية الأكراد له ما حَدَّثني الحسن بن أحمد
الإِربلي قال: قدم واعظ على هذا الشيخ حسن فوعظه فرقَّ قلبهُ وبكى،
وغُشي عليه، فوثب الأكراد على الواعظ فذبحوه، فلما أفاق الشيخ رآه يخبط
في دمه، فقال: ما هذا؟ فقالوا: وإلا إيش هو (١) هذا الكلب حتى يبكي
سيدنا الشيخ، فسكت حفظاً لحرمة نفسه.
احتال عليه بدر الدِّين لؤلؤ صاحب الموصل حتى حضر إليه، فحبسه
وخنقه بوَتَرٍ خوفاً من الأكراد على بلاده أن يأمرهم بأمر فيخرِّبون بلاد
الموصل.
وختم الذهبي ترجمته بأن قال (٢):
طَرِيقُ أرباب الهوى
أمردُ وقحبةٌ وقهوة
فأين طَرِيقُ النَّارِ
هَذي طريق الجَنَّةِ
• وفيها إسماعيل بن علي الكُورَاني (٣) الزاهد. كان عابداً، قانتاً،
صادقاً، أمَّاراً بالمعروف، نهَّاءاً عن المنكر، ذا غِلْظَةٍ على المُلوك ونصيحة
لهم. روى عن أحمد بن محمد الطَّرَسُوسي الحلبي، وتوفي بدمشق في
شعبان .
· وفيها أبو المظفَّر عبد المنعم بن محمد بن محمد بن أبي المضاء
البَعَلْبَكي ثم الدمشقي(٤). حَدَّث بحماة عن أبي القاسم بن عساكر، وتوفي
في ذي الحجّة بحماة.
(١) لفظة ((هو)) سقطت من ((آ)).
(٢) لا يستقيم وزن البيتين وكتاب الذهبي غير متوفر بين أيدينا للعودة إليه للتأكد منه.
(٣) انظر ((العبر)) (١٨٤/٥) و((مرآة الجنان)) (١١٢/٤).
(٤) انظر ((العبر)) (١٨٤/٥) و((النجوم الزاهرة)) (٣٥٧/٧) وفيه ((ضياء)) مكان ((مضاء)).
٣٩٧

• وفيها محمد بن حَسَّان بن رَافِع بن سمير أبو عبد الله العَامِري(١)
المُحَدِّث المفيد. روى عن الخُشُوعي وجماعة، وكتب الكثير، وتوفي في
صفر.
· وفيها تقي الدِّين محمد بن محمود بن عبد المنعم البغدادي
المَرَاتبي (٢)، نزيل دمشق. الفقيه الحنبلي الإمام أبو عبد الله.
كان عالماً، متبحِّراً، لم يخلّف في الحنابلة مثله. صحب ببغداد
أبا البقاء العُكبري وأخذ عنه، ثم قدم دمشق؛ فصاحب الشيخ موفق الدِّين،
وتفقه عليه. وبَرَع وأفتى .
قال أبو شامة: كان عالماً فاضلاً ذا فنون، ولي به صحبة قديمة، وبعده
لم يبق في مذهب أحمد مثله بدمشق.
توفي في الخامس والعشرين من جمادى الآخرة ودفن بسفح قاسيون.
(١) انظر ((العبر)) (١٨٤/٥) و((سير أعلام النبلاء)) (١٤٧/٢٣ -١٤٨) و((الإِعلام بوفيات الأعلام))
ص (٢٦٩).
(٢) انظر ((ذيل الروضتين)) ص (١٧٩) و((العبر)) (١٨٤/٥) و((ذيل طبقات الحنابلة)) (٢٤٢/٢).
٣٩٨

سنة خمس وأربعين وستمائة
· في جمادى الآخرة أخذ المسلمون عَسْقَلَان، وطبريّة عَنْوَة، وكان
الفتح على يد فخر الدِّين ابن الشيخ.
• وفيها توفي الكاشْغَري - بسكون الشين وفتح الغين المعجمتين وراء،
نسبة إلى كاشْغَر مدينة بالمشرق(١) - أبو إسحاق إبراهيم بن عثمان بن يوسف
الزركشي (٢) ببغداد في حادي عشر جمادى الأولى، وله تسع وثمانون سنة.
سمع من ابن البطّي، وعلي بن تاج القُرَّاء، وأبي بكر بن النّقُور، وجماعة.
وعُمِّر ورَحَلَ إليه الطلبة، وكان آخر من بقي بينه وبين مَالِك خمسة أنفس
ثقات، ولي مشيخة المستنصرية.
· وفيها أبو مَذْيَن شعيب بن يحيى بن أحمد بن الزعْفَرَاني (٣) التاجر،
إسكندراني متميز. جاور بمكة، وحَدَّث عن السِّلَفي، وتوفي في ذي القعدة.
• وفيها أبو محمد علي بن أبي الحسن بن منصور [الحَرِيريّ] الدمشقي
الفقير (٤).
(١) انظر خبرها في ((معجم البلدان)) (٤٣٠/٤ - ٤٣١).
(٢) انظر ((العبر)) (١٨٥/٥) و((سير أعلام النبلاء)) (١٤٨/٢٣ - ١٥٠) و((الإعلام بوفيات الأعلام))
ص (٢٦٩).
(٣) انظر ((العبر)) (١٨٦/٥) و((سير أعلام النبلاء)) (٢٦٨/٢٣ - ٢٦٩) و((الإعلام بوفيات الأعلام))
ص (٢٦٩).
(٤) انظر ((العبر)) (١٨٦/٥) و((سير أعلام النبلاء)) (٢٢٤/٢٣ -٢٢٧) و((الإِعلام بوفيات الأعلام))
ص (٢٦٩) و((البداية والنهاية)) (١٧٣/١٣ - ١٧٤).
٣٩٩

:
ولد بقرية بُسْر من حَوْرَان(١)، ونشأ بدمشق، وتعلّم بها نسج العتابي،
ثم تمفقر وعظم أمره وكثر أتباعه، وأقبل على المطيبة والراحة والسماعات
والمِلاح، وبالغ في ذلك، فمن يُحَسِّن الظن به يقول: هو كان صحيحاً في
نفسه صاحب حال ووصول. ومن خَبَرَ أمره رماه بالكفر والضلال، وهو أحد
من لا يقطع له بجنة ولا نار، فإنا لا نعلم بما يختم له به، لكنه توفي في يوم
شريف يوم الجمعة قبل العصر، السادس والعشرين من رمضان وقد نيَّف على
التسعين. مات فجأة قاله في ((العبر)).
وقال ابن شهبة في ((تاريخ الإِسلام)): هو صاحب الزاوية التي بظاهر
دمشق بالشرف الأعلى القِبْلي، التي يجتمع بها الناس للسماعات، يقال لها:
زاوية الحريري، وقف عليه في أول أمره دراهم فحبسه أصحاب الديون،
فبات تلك الليلة في الحبس بلا عشاء، فلما أصبح صلّى بالمحتبسين(٢)
صلاة الصبح، وجعل يذكر بهم إلى ضحوةٍ، وأمر كُلّ من جاءه شيءٌ من
المأكول من أهله أن يشيله، فلما كان وقت الظهر أمرهم أن يمدوا الأكل
سماطاً، فأكل كل من في الحبس وفَضُلَ شيءٌ كثير، فأمرهم بشيله. وصلّى
بهم الظهر، وأمرهم أن يناموا ويستريحوا، ثم صلّى بهم العصر، وجعل يذكر
بهم إلى المغرب، ثم صلّى بهم المغرب وقدّم ما حضر، وبقي على هذا
الحال، فلما كان في اليوم الثالث أمرهم أن ينظروا في حال المحتبسين وكلَّ
من كان محبوساً على دون المائة يجبون له من بينهم ويرضون غريمه
ويخرجونه، فخرج جماعة، وشرع الذين خرجوا يسعون في خلاص من بقي،
وأقام ستة أشهر محبوساً، وجبوا له وأخرجوه، فصار كلّ يوم يتجدد له أتباع
إلى أن آل من أمره ما آل.
(١) انظر خبرها في ((معجم البلدان)) (٤٢٠/١).
(٢) في ((آ)) و((ط)): ((بالمحتسبين)) وما أثبته يقتضيه سياق النص.
٤٠٠